أجد أم مزاح
بقلم الدكتور طه حسين بك
يقال أن الحرية قد ردت إلينا سمحة مشرقة الوجه بعد أن حجبت عنا أعواماً طوالاً. ويقال كذلك أن البرلمان قد شكر لرئيس الوزراء بيانه الرائع البارع الذي رد إلينا فيه الحرية باسمة الثغر وضاءة الجبين. ويقال بعد هذا وذاك أن الصحف نفسها قد رضيت عن هذا البيان الذي أطلق به رئيس الوزراء حريتنا بعد أن ظلت في غيابات السجن ما يكاد يبلغ ستة أعوام.
يقال هذا ويقال أكثر من هذا. فهل يأذن لي رئيس الوزراء في ألا أصدق أن الحرية قد ردت إلينا سمحة مشرقة الوجه، وفي أن أرجو من الشعب ألا يصدق أن الحرية قد ردت إليه باسمة الثغر وضاحة الجبين. وإنما هذه الحرية التي أرسلها رئيس الوزراء حين شاء ليستردها متى شاء تذكرنا بصاحبة بشار تلك التي يقول فيها قوله المعروف:
صدت بخد وجلت عن خد
ثم انثنت كالنفس المرتد
فنحن أحرار ما أراد لنا رئيس الوزراء أن نكون أحراراً، ونحن مقيدون متى أراد رئيس الوزراء أن يلقي في أعناقنا وفي أيدينا وأرجلنا ما يحب أن يلقي من القيود والجوامع والأغلال.
وتفسير ذلك يسير جداً. فرئيس الوزراء لم يعلن إلينا إلا أنه قرر مع زملائه أن يردوا إلينا الحرية في حدود معينة وشروط مبينة. فإن خالفنا عن هذه الحدود وتجاوزنا عن هذه الشروط فمن حق رئيس الوزراء وزملائه أن يستردوا المنحة ويرجعوا في الهبة ويردونا كما كنا قاصرين لا نملك من أمر قلوبنا وعقولنا وألسنتنا وأقلامنا شيئاً.
ولقد ذكرت حين قرأت بيان رئيس الوزراء، وما قيل حوله من الكلام، وما كتب حوله من الفصول، كلاماً آخر كتب وأذيع ونطق به الممثلون في باريس قبل الثورة الفرنسية بست سنين أي منذ أكثر من قرن ونصف قرن حول حرية الرأي. وفي هذا الكلام أن نظاماً للحرية قد أقيم في مدريد يبيح للناس أن يقولوا ما يشاءون وأن يكتبوا ما يشاؤون بشرط ألا يعرضوا للسلطان، ولا للدين ولا للسياسة ولا للأخلاق، ولا لأصحاب المناصب، ولا للهيئات التي يثق بها الناس، ولا للأوبرا، ولا للتمثيل بوجه عام، ولا للأشخاص الذين ينهضون ببعض الأمر فإذا تركوا هذه الأشياء كلها فمن حقهم أن يكتبوا أحراراً كل شيء على أن يخضع ما يكتبون لمراجعة رقيبين أو ثلاثة من الرقباء.
كذلك قال الكاتب الفرنسي سنة ١٧٨٤ ونستطيع نحن أن نقول شيئاً يشبه ذلك سنة ١٩٤٥. ولست أرى بين الكاتب الفرنسي وبيننا فرقاً عظيماً فكل هذه الموضوعات التي أشار إليها الكاتب الفرنسي يمكن تأويلها نحوًا من التأويل، وتمكينها نحوًا من التمكين من أن تتصل بالأمور العسكرية أو بالتموين أو بالأمن أو بما شئت من هذه الأشياء المقدسة التي لا يصح أن تمس من قريب أو من بعيد إلا بإذن الحاكم العسكري العام وأعوانه من الرقباء.
وكل ما في الأمر أن هؤلاء الرقباء لا يستقرون في دور الصحف وإنما يستقرون حيث يريد لهم الحاكم العسكري أن يستقروا، ولا يراقبون المقال قبل أن ينشر ليمنعوا نشره، وليريحوا الكاتب والناشر من احتمال التبعات وإنما يراقبونه بعد أن يذاع ليأخذوا الكاتب والناشر والصحيفة بهذه التبعات، وبهذه التبعات كما يفهمونها هم لا كما يصورها القانون العام، ولا كما تصورها النيابة ولا كما يقدرها القضاء. ونحن بعد ذلك ومع ذلك أحرار نكتب ما نشاء وبهذه الحرية التي أهداها إلينا رئيس الوزراء فرح الشيوخ، وفرح النواب، وصفق الصحفيون، وابتهج الشعب فيما يقال. فليأذن لي رئيس الوزراء في ألا أفرح، وألا أصفق ولا أبتهج لأنه لم يهد إلينا شيئاً، ولم يطلق لنا حرية وإنما نظر إلينا نظرة إن رضي بها غيري فلست أرضاها، لأني لا أحب أن تنظر الحكومة إلى الشعب نظرتها إلى الطفل الذي يخدع بالأوهام ويعلل بالأماني والآمال.
إنما يرد إلينا رئيس الوزراء حريتنا كاملة وينظر إلينا رئيس الوزراء نظرة الثقة والاحترام، نظرة الرجل الرشيد إلى الرجال الراشدين يوم يلغي هذه القيود التي تقيد الحرية إلغاءً صحيحاً، بحيث لا يستطيع أن يرجع فيه إلا إن أجاز له البرلمان أن يرجع فيه. فإما أن يتفضل على الشعب بهذا الفضل الشاحب فيقول له إني قد أجزت لك الحرية وقتًا ما، لأرى أتحسن الانتفاع بها والاستمتاع بفوائدها أم تسيء ذلك وأنا الحكم في إحسانك حين تحسن وفي إساءتك حين تسئ. فإن رضيت عنك متعتك بهذه الحرية وإن سخطت عليك حرمتك هذه الحرية أقول إما أن يتفضل رئيس الوزراء على الشعب بهذا الفضل الشاحب فشيء لا يلائم كرامة الشعب من جهة ولا يلائم موقف الحكومة الديمقراطية من الشعب الديمقراطي من جهة أخرى فالديمقراطية لا تنظر إلى الحكومة على أنها وصية رشيدة على شعب قاصر، تستطيع أن تمنحه وأن تمنعه وأن تعطيه وأن تحرمه متى شاءت لا متى شاء، وإنما تنظر إليها على أنها خادم للشعب، تأتي من الأمر ما يريد وتدع من الأمر ما لا يريد، ولسان الشعب الذي يستطيع أن يأمر الحكومة بأن تفعل وينهاها عن أن تفعل هو البرلمان.
فهل هذا هو الوضع الذي انتهى إليه رئيس الوزراء؟ وهل هذا هو الوضع الذي انتهى إليه البرلمان! كلا، وإنما أطلق رئيس الوزراء الحرية بيده اليسرى وأمسكها بيده اليمنى وصفق البرلمان ورضيت الصحافة وانتهى الأمر وما ينبغي أن ينتهي!
إن مثل هذه الحرية التي يطلقها رئيس الوزراء بيد ويمسكها بيد أخرى مثل الظبية الشرود التي تحب الحياة السمحة في الفضاء الرحب قد أخذها الصائد فشدها إلى وتد في فناء داره فلما طال عليها العناء وألحت في الشكوى، وظهر عليها الضعف والهزال والشحوب رق لها الصائد، ولكنه حرص عليها، فلم يرسلها حرة تهيم في الفضاء الرحب كما تريد وإنما مد لها الحبل وأرخاه فجعلت تذهب وتجيء تظن أنها حرة. ولكن الصائد ينظر إليها ضاحكاً لأنه يعلم أنها لن تستطيع أن تمضي إلى غير مدى، وإنما هي مضطرة إلى أن تقف حين ينتهي الحبل إلى غايته، وهو قادر على أن يجذب الحبل إليه متى شاء ليردها إلى مكانها من الوتد فلا تستطيع أن تذهب ولا أن تجيئ.
هذا هو المثل الدقيق للحرية التي أطلقها رئيس الوزراء يوم الإثنين الماضي وأنا أعلم حق العلم أن الشعوب المتحضرة لا تستطيع أن تهيم في أجواء الحرية المطلقة كما تهيم الظباء الوحشية في الفضاء الرحب وإنما الشعوب مضطرة إلى حدود لا ينبغي أن تعدوها وآماد لا ينبغي أن تتجاوزها ولكن هذه الحدود والآماد لا تقام في مكتب الحاكم العسكري ولا في مكاتب الرقباء وإنما تقام في مكتب النائب العام وفي دور القضاء.
وهل يريد رئيس الوزراء مثلاً آخر لرقبائه، هؤلاء الذين أطلقتهم بالأحكام العرفية فانبثوا في دور الصحف وسيطروا على الطبع والنشر، ثم جذبهم إليه رئيس الوزراء يوم الإثنين الماضي استقروا في مكاتبهم لينطلقوا منها إن أرادهم رئيس الوزراء على الانطلاق، فهم أشبه شيء بهذه الدمى التي يخوف بها الأطفال مرة ويلهون بها مرة أخرى، والتي يرجع أمرها إلى خيط قد أمسكهم ممسك من وراء الستار، فهو يبسطه حيناً فتصول الدمى وتجول ويقبضه حيناً آخر، فتسكن الدمى وتستقر. وهو يبسط الخيط متى شاء ويقبضه متى أحب ليس لأحد أن يسأله لماذا يبسط ولماذا يقبض وإنما الأمر موكول إلى إرادته وإلى رضاه.
أفيظن رئيس الوزراء أن هذا اللون من السياسة هو الذي يلائم شعباً كريماً يريد أن يحيا حياة كريمة في ظل دستور حر كريم. وفيمَ هذا كله! ولحماية من يصنع هذا كله! ولحماية ماذا يصنع هذا كله! أما الشئون العسكرية فأمرها مفروغ منه. ونحن متفقون على أن الغلو في حمايتها احتياط لابد منه، وأما ما عدا هذه الشئون من أمور الحياة المصرية وضروراتها فما الذي يمنع الحكومة من أن تتقدم في شأنها بما تشاء من القوانين ليقرها على وجه الاستعجال كما يقولون والبرلمان في هذا العام هادئ مطمئن قليل العمل قليل الاجتماع. فلو قدمت إليه القوانين لما تردد في أن يجتمع ولما تردد في أن يعمل.
وإذن فلحماية من تبقى الأحكام العرفية، ولحماية ماذا تبقى الأحكام العرفية، أخشى أن يلقي في روع الناس أن الأحكام العرفية إنما تبقى لحماية لون من الحكم لا يستطيع أن يعيش إلا إذا حمته هذه الأحكام. ولست أشك في أن رئيس الوزراء ينكر هذا كل الإنكار. وأنا أيضاً أريد أن أنكره كل الإنكار. وأنا من أجل هذا أطلب إلى رئيس الوزراء أن يلغي هذه القيود إلغاءً صحيحاً يجعل إعادتها كلها أو بعضها موقوفاً على رضي البرلمان. فإن لم يفعل رئيس الوزراء وما أرى أنه سيفعل فإني أطلب إلى البرلمان أن يخطو هذه الخطوة وأن يشرع القانون أو يتخذ الإجراء الذي يراه ليجعل إلغاء هذه القيود جدًّا لا فكاهة وحقيقة لا وهماً، وليكفل الحريات ويرد أمرها لا إلى مجلس الوزراء ولا إلى الحاكم الفعلي العسكري. فإن لم يفعل البرلمان وإن لم تفعل الحكومة فمن حقنا أن نعتقد أن الحرية وما يتصل بها في مصر ليست إلا كلاماً من الكلام ومزاحاً من المزاح.
طه حسين
البلاغ، ١٤ يونيه ١٩٤٥.
Tag: civil rights
-
أجد أم مزاح
-
عدوان٣
حديث الوادي
عدوان . . .
يظهر أن الوزارة كرهت أن يظل موقف مصر أثناء هذه الأزمة الحادة موقف هدوء وأمن وسلم، يمتاز بالنقاء والصفاء، وإن اشتد فيه اختلاط الآراء وازدحام المذاهب، وإن كثر فيه القلق، وعظم فيه الاضطراب، وانطلقت فيه الألسنة بالأحاديث المختلفة التي لا تحصى: يظهر أن الوزارة كرهت للموقف المصري أن يكون نقيا ناصعا أثناء هذه الأزمة الحادة، وأبت ألا تلونه بالحمرة قليلا، وتصبغه بشيء من الدماء، وبشيء من دماء المصريين، فكان ما كان من هذا العدوان المنكر الذي اقترفته الشرطة أول أمس، حين أقبل رئيس الوفد من مصيفه، ليستقر في مدينة القاهرة، وقد يكون للوزارة بعض العذر في هذا الإثم القبيح الذي اقترفته الشرطة المصرية وفي هذا العدوان الصريح الذي جناه الجند المصري على الشعب المصري، فإن ذكاء الوزارة على حدته وشدته، وعلى لباقته ورشاقته، وعلى إيثاره للصمت، وحرصه على التكتم، لم يخرجها من الأزمة ولم يهيئ لها منها مخرجا، وإذا لم يجد الذكاء اللبق الرشيق، النافذ الدقيق، فقد يجدي الاعتداء المنكر الصريح، وقد جدت الوزارة في أن تقنع الإنجليز بالإبقاء عليها فيما يظهر فلم تفلح، وقد جدت الوزارة في إقناع الإنجليز بأن آراءها في حل هذه الأزمة موفقة صائبة فلم تفلح، وقد جدت الوزارة فيما يظهر في أن تجد لها من المصريين أعوانا وأنصارا فلم تفلح، وقد جدت الوزارة فيما يظهر في أن تهدئ قلق المصريين بهذا الحديث الذي ألقاه رئيس الوزراء فلم يقل فيه شيئا فلم تفلح، والوزارة عاجزة عن أن تضرب الإنجليز بالعصى والسياط، والوزارة عاجزة حتى عن أن تمنع الإنجليز من أن يتنكروا لها أو يمكروا بها، والوزارة عاجزة حتى عن أن تمنع نائب المندوب السامي من التفتيش على ثكنات الشرطة وأقسامها، وإذا عجزت الوزارة عن الإنجليز فلتضرب المصريين ولتعمل في رؤوسهم وأجسامهم العصى والسياط، وما الذي يمنعها من ذلك فقد يكون الإنجليز أحرارا، لم يملكهم رئيس الوزراء ولم يرثهم عن أبيه، وقد يكون الإنجليز أحرارا، لم يملكهم القيسي باشا ولم يرثهم عن أبيه أيضا، ولكن المصريين عبيد يملك بعضهم رئيس الوزراء بطريق الشراء ويملك بعضهم بطريق الميراث، ويملك بعضهم القيسي باشا شراء وميراثا، فمن حق الوزارة أن تعمل في رؤوسهم وأجسامهم العصى والسياط، ومن الذي يستطيع أن يمنع المالك من أن يتصرف في ملكه كما يحب، ويخضعه لما يشتهي من ألوان الجد والهزل، ومن فنون العبث واللعب، ومن ضروب التنعيم والتعذيب؟ المصريون ملك لرئيس الوزراء وملك لوزير الداخلية، فللوزارة أن تصنع بهم ما تشاء، تنعمهم إن أرادت وتعذبهم إن أحبت وتبيعهم إن خطر لها أن تبيعهم، لا يمانعها في ذلك إلا من يجهل القانون أو يتحداه. وعلى غير هذا النحو من التفسير لا يمكن أن يفهم أحد هذه الأعمال التي اقترفتها الشرطة المصرية أول أمس داخل المحطة وخارجها في غير حساب وبغير تقدير ومن غير احتياط. كانت كل الرؤوس المصرية مباحة للشرطة المصرية، وكانت كل الأجسام المصرية مباحة للشرطة المصرية، وكان المصريون يتلقون الضربات لا فرق فيهم بين الكبير والصغير ولا بين المثقف والجاهل ولا بين الصحفي وغير الصحفي، كلهم أرقاء، وكلهم ملك للقيسي باشا، ورث بعضهم واشترى بعضهم الآخر، وكان بعض المصريين معرضا للخطر، وكان بعضهم معرضا للجراحات، ولم تكن الشرطة تحفل بذلك، ولا تؤبه له. فقد أباح لها صاحب الملك، ووزير الداخلية أن تتصرف في هذا الملك كما تريد.
وصاحب الرقيق حر في أن يستغنى عن بعض هذا الرقيق فيعرضه للموت، أو يصب عليه العذاب، وما ينبغي لك ولا لي أن تعرض للقيسي باشا ولا أن تناقشه فقد يكون هذا فضولا، وقد يؤذينا القيسي باشا إلى ذلك فيعرضنا للخطر أو يسلط علينا العذاب وللوزارة فيما يظهر معذرة في هذا الطيش الذي دفعت إليه أول أمس، فأخرجها عن طورها، ودفعها إلى هذا الإسراف في العدوان فقد يقال إن رئيس الوفد هذا الذي كان الناس يحتفلون به أول أمس، لقي نائب المندوب السامي وأقام معه ساعة وبعض ساعة، وفي هذا اللقاء شبهات، وفي هذا الحديث مخاوف، وقد يكون لهذا الحديث وما بعده، وقد يكون من عواقب هذا الحديث أن يزول السلطان عن قوم لا يحسنون النهوض بأعباء السلطان، ولا سيما في هذه الظروف التي يشتد فيها الحرج وتشكل فيها الأمور، فإذا استؤنفت الصلات بين الوفد وبين دار المندوب السامي، وإذا ابتدأ اللقاء بين رئيس الوفد وبين ممثلي بريطانيا العظمى، وإذا اتصل الحديث بين رئيس الوفد وبين المسؤولين من الإنجليز، فمن المعقول جدا أن تفقد الوزارة كل تقدير للأمور وكل صواب في التفكير، وكل اعتدال في السيرة والعمل، ومن المعقول، أن تخرج الوزارة عن طورها وتؤدب المصريين لأنهم يحبون رئيس الوفد وتعذب المصريين لأنهم يسعون إلى لقاء رئيس الوفد، وتعرض المصريين للخطر، لأنهم يستقبلون رئيس الوفد، بما لم يظفر الوزراء بشيء عنه يبلغ العشر، أو يبلغ الواحد في المئة، أو يبلغ الواحد في الألف من الحب والإخلاص والوفاء.
الوزارة معذورة في هذه الآثام التي اقترفتها الشرطة لأن الأمور قد أفلتت من يدها فيما يظهر، ولكن من الذي زعم أن المصريين مكلفون أن يحتملوا نتائج ما تدفع إليه الوزارة من اليأس وسوء التقدير.
أما أن الوزارة كانت يائسة سيئة التقدير أول أمس خارجة عن طورها حقا، فشيء ليس إلى الشك فيه من سبيل، فقد كان الثلاثاء يوما من أيام مصر، فيه تحتفل الدولة والشعب بعيد صاحب الجلالة الملك وكان هذا اليوم أبغض الأيام للدماء، وأزهدها في العنف، ولكن الشرطة المصرية سفكت في هذا اليوم دم بعض المصريين، وما يصدر مثل هذا الأمر عن قوم يملكون صوابهم كله. جلالة الملك مريض لا تعرض عليه في هذه الأيام شؤون الدولة ولا يصدر الوزراء عن رأيه السامي فيما يعملون والبرلمان القائم مفرق، لا تسأله الوزارة ولا يشير عليها ولعل الوزارة تخافه وتقلق منه، والإنجليز يخاصمون الوزارة في هذه الأيام، وقد تحدثت الصحف بأنهم لم يشتركوا أول أمس كما تعودوا أن يشتركوا فيما كان من العدوان، وإذن فأمور المصريين إلى عشرة من الوزراء يتصرفون فيها كما يريدون هم لا كما يريد المصريون من الشعب، ولا كما يريد البرلمان وهم يبيحون للشرطة الاعتداء على المصريين وتهشيم رؤوسهم بالعصى، وتمزيق أجسامهم بالسياط، فهل يعرف الوزراء أن هذا الذي يقدمون عليه كريه وهل يقدر رئيس الوزراء وصديقه القيسي باشا ثقل ما يحتملان من التبعات؟.
طه حسين
الوادي، ١٩٣٤/١٠/١١. -
تحكم
حديث الوادي
تحكم…
ليس على الأمن ولا على النظام خطر قليل أو كثير، من أن يزور زعماء مصريين مدنًا مصرية مهما تكن، إذا عرفت الشرطة والمشرفون على أمرها كيف تلزم الحيدة التامة، فلا تعرض للناس بالشر، ولا تمسهم بالأذى، ولا تصادر حقهم الطبيعي المقدس، في أن يمشوا على أرضهم أحرارًا، ويتنفسوا في جوهم أحرارًا، ويلقى بعضهم بعضًا أحرارًا، وآية ذلك أن رئيس الوفد قد زار بنها منذ أسابيع، وزارها في فرصة دقيقة أشد الدقة، حرجة أشد الحرج، تمتلئ فيها النفوس بالظنون المختلفة وتنطلق فيها الألسنة بالأحاديث المتباينة، وتحتشد فيها الجماعات من المدن والقرى القريبة والبعيدة، واستخفت الشرطة في ذلك اليوم فلم يضطرب أمن، ولم يفسد نظام، ولم يكلم أحد من الناس كلمة، وعاد رئيس الوفد من زيارته لا بأس عليه، ولا بأس على أحد من الناس.
فالشر إذن لا يأتي من زيارة الزعماء للأقاليم، ولا من تنقل الزعماء بين المدن والقرى، وإنما يأتي من تحكم الإدارة في الناس، وتسلطها عليهم، وأخذها إياهم بما لا ينبغي أن تأخذهم به، من ألوان الشدة والعنف، ومن فنون القسوة والطغيان.
من الذي يبيح للإدارة أن تأمر المصريين بأن يسعوا على قطعة من أرض مصر دون قطعة أخرى، وبأن يسلكوا طريقًا من طرق مصر، دون طريق أخرى ولم يتبين أن هناك خطرًا محققًا أو مرجحًا من أن تترك الحرية للمصريين يسعون على الأرض المصرية كما يشاءون يسلكون من الطرق المصرية ما يشاءون؟ من الذي يبيح للإدارة أن تقسم مدينة مصرية إلى قسمين، وأن تفصل بين هذين القسمين فصلًا؟ وتحظر على الناس أن ينتقلوا من أحدهما إلى الآخر إلا بإذن خاص منها، تمنحه حينًا وتمنعه أحيانًا؟ لقد تحدثت الصحف، والصحف الموالية للوزارة خاصة، بأن الإدارة في بورسعيد منعت الانتقال من حي العرب إلى حي الفرنج إلا بإذن، وأعطت الموظفين الذين يقيمون في حي العرب ويعملون في حي الإفرنج جوازات خاصة ينتقلون بها من حي إلى حي، ويجوزون بها هذه النطاقات العسكرية التي أقامتها الشرطة بأمر الإدارة في بورسعيد.
ففيمَ هذا كله؟ ولمَ هذا كله؟ ومن الذي زعم للإدارة وللوزارة أن أحد القسمين في بورسعيد قد أعلن الحرب على القسم الآخر وأنها مكلفة أن تحول دون وقوع هذه الحرب، وأن تحمي المصريين من المصريين، أو أن تحمي الأجانب من المصريين؟ من الذي أباح لرئيس من رؤساء الشرطة أن يضرب ذلك الرجل الذي كان يسوق سيارة رئيس الوفد لأنه خالف عن أمر الإدارة وسلك طريقًا غير الطريق التي رسمت له؟ ومتى كان من حق الشرطة أن تعاقب الناس وأن تعاقبهم بالضرب؟ وإذا أبيح للشرطة أن تعاقب الناس لأنهم خالفوا عن أمرها، وأن تستبيح أجسامهم للعصي والسياط، ففيمَ النيابة وفيمَ القضاء؟ ومع ذلك فصحف الوزارة نفسها هي التي تنبئنا بأن رئيسًا من رؤساء الشرطة قد ضرب هذا السائق أمس، ولم يضربه وهو يخالف الأمر ليرده إلى الطاعة، وإنما ضربه بعد أن تمت هذه المخالفة. ضربه عقوبة له، وليس من حقه أن يعاقبه، وإنما حقه أن يخاصمه إلى القضاء.
والمصريون ليسوا قطعانًا، وليسوا أرقاءً، وهم لا يرضون أن يعاملوا على أنهم قطعان أو أرقاء، وهم لا يرضون أن تتحكم فيهم الإدارة على هذا النحو وأن تبيح لهم بعض الأرض، وتحظر عليهم بعضها، وأن تبيح لهم بعض الجو، وتحظر عليهم بعضه. وأن تعاقبهم بالضرب في غير محاكمة، ليس المصريون قطعانًا ولا أرقاء، ولكنهم ناس أحرار قد ضمن لهم الدستور حريتهم، فمن الطبيعي ومن المعقول ومن الحق لهم، أن يشمئزوا من الضيم، ويمتعضوا من الذل. ويأنفوا من أن يكونوا قطعانًا أو عبيدًا يؤخذون بالعصي والسياط فيزدادوا حبًا في زعمائهم الذين يمهدون لهم طرق الكرامة والعزة، ويزدادوا إعراضًا عمن يأخذونهم بالمهانة والمذلة.
إن من المؤلم أن تحدث الحوادث التي تفسد لها الصلات بين الشرطة والناس، ولكن تبعة هذه الحوادث يجب أن تنهض بثقلها أولئك الذين يغرون الشرطة بالناس، ويسلطونها عليهم، ويتحكمون فيما ليس لهم أن يتحكموا فيه. متى يعلم الحكام أن الله لم يأذن لهم، وأن القانون لم يأذن لهم في أن يفهموا الحكم على هذا النحو الذي يفهمون، فالحكم في هذه الأيام خدمة للشعب لا تحكم فيه، ولا استطالة عليه. وهو خدمة للشعب كله لا تفريق فيه بين غني وفقير، ولا بين صغير وكبير، ولا بين ممتاز وسوقة، لأن القانون لا يعرف إلا شيئًا واحدًا وهو أن المصريين جميعًا سواء، وأن الفروق
بينهم قد ألغيت منذ عهد بعيد أمام السياسة وأمام الإدارة وأمام القضاء. فالذين يفرقون بين الأغنياء والفقراء آثمون في حق القانون، والذين يفرقون بين الممتازين ومن يسمونهم الرعاع أو الغوغاء آثمون في حق القانون، فنفس المصري مهما يكن محترمة، وجسم المصري مهما يكن محترمًا، لأنه مصري وكفى. وإذن فما ينبغي للإدارة أن تصد مصريًا مهما يكن عن أي عمل مشروع، أو عن أي استمتاع مباح لحقه الطبيعي في حريته التي يقدسها الدستور. إن الذين يؤيدون الوزارة القائمة ويذودون عنها يسيئون إليها وإلى أنفسهم وإلى أمتهم، وإلى سمعة بلادهم، حين يذكرون الرعاع والغوغاء، وحين يذكرون الصبيان والبائسين في هذا الازدراء الآثم. فكل هؤلاء مصريون لهم نفس حقوق الوزراء، والوزراء لم يتولوا الحكم ليخدموا فريقًا من المصريين دون فريق. وإنما تولوه ليخدموا المصريين جميعًا، وفيهم هؤلاء الذين يسمونهم الرعاع والغوغاء. وآية ذلك أن هؤلاء الرعاع والغوغاء، يستمتعون بالحقوق السياسية التي يستمتع بها الوزراء أنفسهم والقانون يعصم دماءهم، ويرعى كرامتهم وحقوقهم، كما يعصم دماء الوزراء، وكما يرعى كرامتهم وحقوقهم، وأنه لمن الخزي حقًا أن يفرق المصريون بين الأغنياء والفقراء، وبين الأقوياء والضعفاء، فيما يجب لهم من حماية الحقوق وحفظ الكرامات ورعاية الحرمات في بلد يزعم أنه ديمقراطي، وفي عصر يقال إنه عصر الحرية واحترام حقوق الإنسان.
إذا كان لخصوم الوزارة القائمة أن يفخروا بشيء فهو أنهم أصدقاء المصريين جميعًا، والذائدون عن حقوق المصريين جميعًا، يرعون فقراءهم قبل أغنيائهم، لأنهم أحق بالرعاية، ويحمون ضعفاءهم قبل أقويائهم لأنهم أجدر بالحماية، فالذين يعيبون رئيس الوفد لأنه زار حي العرب وفيه من يسمونهم بالرعاع والغوغاء، خليقون بأن يعيبوا أنفسهم بهذا الخزي الذي يتورطون فيه.
أما بعد فقد نحب أن ننصح للوزارة القائمة للمرة الأولى أو الثانية بعد الألف أو الألفين أو الآلاف بأن تفهم الحكم على وجهه، وأن تخلي بين المصريين وأرض مصر، وأهل مصر، وألا تتحكم ولا تستطيل، وألا تظن أن الشرطة ملك لها فليس حقها على الشرطة بأعظم من حق الوفد. ونؤكد للوزارة القائمة أنها إن فهمت الحكم على وجهه، وأدت الواجب كما ينبغي أن يؤدي، فلا بأس على الأمن، ولا خوف على النظام، ولا اصطدام بين الناس والشرطة، ولكن الوزارة تخاف من زيارة الوفد للأقاليم. فهي تأبى إلا
أن تمنعها فإذا لم تستطع منعها فهي تأبى إلا أن تفسدها بهذا التحكم الذي يثير الضغائن وينفر النفوس.
طه حسين
الوادي، ٣٠ يوليه ١٩٣٤. -
شكر
شكر
طه حسين
كوكب الشرق
٣٠ نوفمبر ١٩٣٣
ولكنه يختلف باختلاف الناس؛ فقوم يشكرون بالقلم، وقوم يشكرون بالعصا، ومهما تفعل فلن تغيِّر من طِبَاع الناس شيئًا، ولن تبدِّلَ من جواهر نفوسهم قليلًا ولا كثيرًا، إنما تستطيع أن تسجِّل منها ما ترى وتلفت الناس إليها ليعلموا أين الخير وأين الشر، وليتبيَّنوا أين الرشدُ وأين الغيُّ. إني لَأقرأ صحف اليوم فأرى هذا التناقض الغريب بين وزيرين يعملان في وزارة واحدة لغاية واحدة على برنامج واحد وبرياسة رجل واحد، هذا يشكر الناس ويثني عليهم، وهذا يضرب الناس ويمعن في الإساءة إليهم، وكلاهما مصري، وكلاهما وُضِع في منصبه ليخدم المصريين لا لِيسودَهم، ولينفع المصريين لا ليضرهم، وليطيع المصريين لا ليأمرهم، ولينزل عند إرادة المصريين لا ليأخذهم بما يريد.
هذا وزير الحربية يشكر الأمة أجمل الشكر ويثني عليها أحسن الثناء؛ لأنها أظهرت حبًّا للجيش وعطفًا عليه ومواساةً له، حين شيَّعَتْ بقلوبها وأجسامها وألسنتها الشهيدين العظيمين، ويعجز أو يعلن أنه يعجز عن تصوير ما يمتلئ به قلبه من عواطف الشكر والرضى، وبواعث التقدير والإكبار. وهذا وزير الداخلية يحشد للأمة جنود الشرطة وجنود الجيش حشدًا لم تعرفه الأمة من قبلُ إلا مرة واحدة منذ الثورة فيما تقول الأهرام، ثم يسلِّط هذا الجند المحشود على هذه الأمة، فإذا العِصِيُّ والسِّيَاط تنال من أبنائها في غير حساب، في غير رحمة، في غير شفقة، في غير رعايةٍ لحرمة، في غير تقدير لحق، في غير استحياء من جلال الموت. فإذا استطعت أن تلائم لي بين هذين الوزيرين اللذين يعملان معًا ويتضامنان في العمل، فأنت موفَّق بارع في الفهم والاستقصاء، أما أنا فلولا أن المقام مقام حزن وأسى، ولولا أن المقام مقام لوعة وحسرة، ولولا أن المقام مقام عظة واعتبار، لَدعوتك إلى أن تضحك من هذا التناقض، فإن الضحك خير ما ينبغي أن نلقى به مثل هذا التناقض الغريب، أي الوزيرين ينبغي أن تصدِّق الأمة، أتصدِّق هذا الذي يشكرها من طرف القلم أو من طرف اللسان، أم تصدِّق هذا الذي يضربها رجالُه كما كان يضرب الأرقاء، ويسلطون عليها العصي والسياط كما تُسلَّط على الحيوان، أم لا تصدق هذا ولا ذاك، فهذا يشكر لأن الرسميات تضطره إلى أن يشكر، وهذا لا يحمي الناس من الضرب؛ لأن تكلُّف القوة ومحاولة البقاء في الحكم، والرغبة في إظهار الهيبة تضطره إلى ألَّا يفعل، ولو خُلِّيَ بين الأول وبين نفسه لما شكر ولا أثنى، فقد كانت هذه الأمة المحتشدة أمس ناقمة منه ومن وزارته، راغبة عنه وعن وزارته، تظهر في صراحة ترضيها وتؤذي خصومها، إن هواها وقلبها وإن إخلاصها وودها ليست معه ولا مع وزارته، وإنما هي مع قوم آخَرين كانوا يسعون معه جنبًا إلى جنب، وكانوا يتنفسون معه من هواء واحد، وكانوا يرون معه مشاهِد الحب والإخلاص ومظاهر النفور والإعراض، وكانوا يسمعون معه صياح التأييد والاحتجاج، وكانوا يحسنون أنهم يمثلون هذه الأمة حقًّا، وكان هو يحس أنه لا يمثل أحدًا إلا نفسه وهؤلاء النفر الذين يحصونهم والذين يظهرون التضامن، ويذهب كل منهم مذهبه لا يلوي على أحد ولا يلوي على شيء.
ولو خُلِّيَ بين الثاني وبين نفسه لَآثر العافية واختار السِّلْم، فهو يعلم حق العلم، وهو يؤمن أشد الإيمان بأن هؤلاء الناس أشد منه قوةً، وأعظم منه بأسًا، وأقدر منه على أن يصونوا أجسامهم من وَقْع العِصِيِّ، ووجوههم من مسِّ السِّيَاط، لولا أنهم لا يريدون الشر، ولولا أنهم أشد وطنيةً وحكمةً من أن يحتملوا ما يحتمل هو من تبعة الاعتداء والخروج على النظام.
نعم، وإنه ليعلم حق العلم أنه لم يُوضَع في منصبه إلا ليكون خادمًا أمينًا مخلصًا مطيعًا لهذه الجماهير التي سلَّط عليها العذاب أمس، وأنه ليعلم حق العلم أنه لو خُلِّيَ بينه وبين نفسه لَسار في هذه الجماهير سيرة الخادم المخلص الأمين؛ لأنه لا يستطيع إلا أن يسير فيهم هذه السيرة. ولكن ذاك الوزير كان مضطرًّا إلى الشكر، وهذا الوزير كان مضطرًّا إلى الرضاء بالضرب؛ لأن هؤلاء الناس لا يصدرون فيما يأتون من الأعمال عن أنفسهم وحدها، وإنما يصدرون عن أشياء أخرى يعرفونها حق المعرفة، وهي التي تدفعهم إلى ما لا يحبون. إني لا أستطيع أن أظن أن وزير الداخلية إذا خَلَا إلى نفسه ورُفِعت الكلفة بينه وبين ضميره، يرى أن ضرب الناس وتعذيبهم ومصادرتهم في أبسط مظاهر الحرية شيء يرضاه الرجل الكريم أو يُتمدَح به الوزير الأمين، ولكنها ضرورات السياسة تكلِّف الناس أحيانًا ما لا يطيقون. إني لا أستطيع أن أظن بأن الأمر قد انتهى بوزير الداخلية إلى حيث أصبح يرى لنفسه الحقَّ في أن يطلق يد الشرطة على الناس إلى هذا الحد، فينظروا إلى أبناء مصر كما ينظر صاحب الحيوان إلى الحيوان في البلاد التي لا توجد فيها جماعات الرفق بالحيوان. وإني لَأزعم لنفسي أن وزير الداخلية حين يخلو إلى نفسه يلقى منها لومًا عنيفًا، وحين يتحدَّث إلى ضميره يحس منه لذعًا أليمًا، ووزير الداخلية مصري مهما يكن أمره، والمصريون أكرم على وزير الداخلية من أن تُسلَّط العصي على أجسامهم في غير حق ولا موافقة للقانون، ولكن وزير الداخلية يريد أن يظل وزيرًا، ويظهر أن إذلال المصريين أو السكوت عن إذلالهم هو الثمن الذي يجب أن يُؤدَّى للاحتفاظ بالوزارة في هذه الأيام. إني لَأرغِم نفسي الثائرة على الضحك والإغراق فيه حين أتصور الوزراء وقد اجتمعوا أمس بعد تشييع الشهيدين، فتحدثوا عن هذه الأمة الكريمة البائسة كيف أرادت أن تشيِّع فقيديها، وتُظهِر تقديرها لهما وعطفها عليهما وإكبارها للتضحية والمضحين في سبيل الواجب والوطن، وكيف لقيت من الشرطة والجند ما لقيت من الهول، فصُرِع من أبنائها مَن صُرِع، وفُجِع من أبنائها مَن فُجِع، وحُمِل منهم أكثر من سبعين إلى حيث يداوون جراحاتهم ويهدئون آلامهم. فيتمدح وزير الداخلية؛ لأنه قد حفظ النظام وأقرَّ الأمن وكسب المعركة، ولم يمكِّن هذا الشعب من أن يَبْلُغ ما يريد من أداء الواجب، أو يعلن ما يريد من إكبار الواجب وإجلال الذين يحسنون أداءه. ثم يتحدَّث وزير الحربية بأنه على ذلك وبرغم ذلك، سيصدر بيانًا لا يضن فيه على هذه الأمة بكلمة شكر لا يشبهه شكر، وثناء لا يدانيه ثناء.
نعم، إني لَأكره نفسي الثائرة على الضحك والإغراق فيه، حين أتصور الوزراء وقد اجتمعوا أمس بعد المأساة وأديرت بينهم هذه الأحاديث، فإن هذه الأحاديث وما تصوره من النفوس والعواطف، ومن الميول والأهواء، تدل حقًّا على أن أمورنا لا تذهب مذهب الجد، وعلى أن وزراءنا لا ينظرون إلينا كما ينبغي أن ينظر الوزراء إلى الشعوب، وإنما ينظرون إلينا كما ينبغي أن ينظر السادة إلى العبيد، ومع ذلك فلولا نحن ما سادوا، ولولا نحن ما كانوا شيئًا.
لقد أصدر حكمدار القاهرة بيانه أول أمس يطلب فيه إلى الشعب أن يحرص على النظام ليحتفظ المشهد بما ينبغي له من الروعة والجلال، فطلبنا نحن إلى حكمدار القاهرة أن يلفت رجاله إلى مثل ما يلفت الشعب إليه، وأن يطلب إلى رجاله مثل ما يطلب إلى الشعب، وأن يحافظ هو على النظام ويمنع الشرطة من الخروج على النظام؛ لأن الأمة ليست أقل من الحكومة حرصًا على ما ينبغي للمشهد من الروعة والجلال. وهذه الصحف التي لا تنتمي إلى الأحزاب، ولا تصور آراءها ولا تضنُّ على الحكومة بالعطف والتأييد، تعلن أن الشرطة هي التي اعتدت، وأن اعتداءها هو الذي أفسد النظام وأضاع كثيرًا مما كان ينبغي للمشهد من الروعة والجلال، فإحدى اثنتين لا ثالثة لهما، فإما أن تكون الشرطة قد اعتدَتْ لأنها عاجزة عن حفظ النظام إلا بالاعتداء، وإما أن تكون الشرطة قد اعتدت لأنها أُمِرت بالاعتداء ودُفِعت إليه، والتَّبِعة في الحالين ثقيلة أثقل مما يظنُّ الحكمدار، وأثقل مما يظنُّ وزير الداخلية، ولكنها مع ذلك ستذهب هدرًا؛ لأن حقوق المصريين وحرماتهم أهون على هؤلاء السادة الذين يحكمون من أن يحترموا فيها حكم الدستور والقانون، ولأن عقول المصريين عند هؤلاء السادة الذين يحكمون أيسر من أن يلقاها الوزراء إلا بهذا التناقض الغريب. وزير يشكر بالقلم، ووزير يشكر بالعصا، ويجب على المصريين أن يقبلوا شكر القلم، وأن يخضعوا لشكر العصا، ورئيس الوزراء الرجل الطيب النزيه الذي يحب وطنه أشد الحب، والذي لم يؤلِّف وزارته إلا ليوزِّع العدل بين الناس بالقسط، لا متأثِّرًا بالهوى، ولا متحيزًا للغرض؛ راضٍ مغتبطٌ مسرورٌ. وأي توزيع للعدل أدنى إلى الإنصاف من أن يقسِّم الوزراء الأمر بينهم على هذا النحو؛ وزير يجرح بالعصا والسلاح، ووزير يأسو بالشكر والثناء.