Tag: Classical Antiquity

  • شعر الرعاة

    شعر الرعاة

    طه حسين

    ؟؟

    ٧ مايو ١٩٥٨

    إن هذا الفن من الشعر مقصور على حياة الطبيعة خارج المدن، ولكن الطبيعة عند هذا الشاعر وتلاميذه لا تخلص لهؤلاء الرعاة.

    هذا كتاب قيِّم ممتع يشكر صاحبه أصدق الشكر وأجمله لما بذل في تأليفه وترجمة نصوصه من الجهد والوقت، وما احتمل في ذلك من المشقة والعناء.

    ويشكر لإدارة الثقافة العامة في وزارة التربية والتعليم نشره على الناس أولًا؛ لأن من حق اللغة العربية أن تعنى به وبأمثاله مما يصور روائع الأدب اليوناني القديم، وثانيًا لأن من الحق على الأدباء والمتأدبين من العرب أن يقرءوا هذه الآداب ليمتعوا بها أنفسهم، ويثقفوا بها عقولهم وقلوبهم وأذواقهم، وأخيرًا لأن من الحق علينا أن نجدد سنة العرب الأولين ونترجم الآداب القديمة على اختلافها ما استطعنا إلى ترجمتها سبيلًا؛ فقد أقام العرب الأولون حضارتهم الرائعة على ترجمة الثقافات القديمة، فعرفوا ثقافة اليونان والهند والفرس في الشرق، وأضاف أهل المغرب إلى هذه الثقافات ثقافة الرومان؛ ترجموها من اللغة اللاتينية إلى لغتهم العربية.

    والأولون من العرب لم ينتفعوا وحدهم بهذه الثقافات، وإنما نفعوا بها الأمم التي خضعت لسلطانهم، ثم نفعوا بها أممًا أخرى لم تذعن لحكمهم؛ وهي الأمم الأوروبية الغربية التي أخذت عنهم الطب والفلسفة والرياضة في القرون الوسطى. وتغلُّب الأعاجم على سلطان العرب في تلك العصور البعيدة هو الذي أصاب الهمم بالفتور والقصور، فوقف المضي في الترجمة، وانتهى آخر الأمر إلى أن وقف الانتفاع بما كان قد ترجم. وقد أراد الله لعلمائنا وفلاسفتنا أن يقاوموا فتور الهمة وكلال الجد، وأن يدرسوا الثقافات الأجنبية ويسيغوها ويضيفوا إليها من عند أنفسهم، حتى تركوا لنا هذا التراث الرائع الذي نعتز به في غير فهم له، ونعتدُّ به في غير فقه لحقائقه ودقائقه، حتى إذا اتصل التغلب الأعمى على العرب، وأصبح شاملًا، وأطبق على الأقطار العربية كما تطبق الظلمة الكثيفة فتحجب النور.

    هنالك عم الركود، وخمدت جذوة الثقافة، وأصبح الأخلاف يجترون قليلًا من آثار الأسلاف لا يبلغون أعماقها، ولا يضيفون إليها شيئًا ذا بال.

    وأدركنا هذا العصر الحديث فرأينا الغرب الأوروبي قد تفوق في العلم والأدب والفن وألوان الفلسفة، فأقبلنا عليه ندرس ما عنده، وننقل ما يتيسر لنا النقل من آثاره، ولم ننس إلا شيئًا واحدًا، وهو أن تراثنا القديم الذي أهملناه قد كان الأساس الأول لنهضة الغرب وأمتنا؛ سُنَّة الأولين الحميدة في ترجمة الثقافات القديمة، وإذا نحن عيال على الغرب في كل ما يثقف العقل، ويهذب الطبع، ويصفي الذوق، ويذكي القلب، وإذا نحن ننسى أو نوشك أن ننسى تراثنا القديم، فلا يفكر فيه إلا القليلون من العلماء الذين يفرغون له ويعكفون عليه، ويحتملون في سبيل ذلك كثيرًا من العبث بهم والسخر مما يصنعون.

    ثم أعرضنا إعراضًا تامًّا عن الآداب القديمة، بل عن الثقافات القديمة كلها، فلا نترجم منها شيئًا، ولِمَ نترجمها وقد ترجمها الأوروبيون إلى اللغات التي نعرفها من لغات أوروبا؟ فلنَقْرَأها في تلك الترجمات إن احتجنا إلى قراءتها، ولا بأس على كثرة المثقفين من أن تُجهل هذه الثقافات جهلًا مطبقًا كثيفًا.

    على أن قلة من المصريين قد أخذت تفكر في هذه الثقافات القديمة، وتذكر أنها أصل ثقافتنا العربية، وأصل الثقافة الأوروبية الحديثة أيضًا، ولم تكد هذه القلة القليلة تُظهر العناية بشيء من الثقافة اليونانية حتى أخذ الناس يتندرون بها، ويتحدثون عنها وعلى ثغورهم هذه الابتسامات الساخرة التي يُحسِن المصريون رسمها على الثغور. وإني لأذكر سياسيًّا من كبار ساستنا في العهد الماضي القريب كان يسمى أستاذ الجيل أحمد لطفي السيد صاحب الكون والفساد؛ لأنه عني بترجمة كتب لأرسطاطاليس.

    لست أنسى أني كنت أطلب بإلحاح أن تدرس اللغة اليونانية في جامعتنا المصرية القديمة، فقال لي عضو من أعضاء مجلس الإدارة لتلك الجامعة — رحمها الله ورحم أيامها — قال لي: أكل ما أتيت به من أوروبا هو أن تطالب بتعليم لغة البقالين في الجامعة. ثم ضحك وضحك معه الأعضاء، وضحكت أنا معهم أيضًا.

    وقد بعدت عن الكتاب الذي أريد أن أتحدث عنه اليوم؛ فلأعد إليه، وهو كتاب يسير صغير الحجم لا تتجاوز صفحاته العشرين والمائة، ولكنه على ذلك امتحان خطير جدًّا لذوق الأدباء والمتأدبين في هذه الأيام؛ فهو يتحدث إليهم عن عصر الإسكندرية أيام البطالمة؛ أي منذ أكثر منذ ألفي سنة، ويتحدث عن ازدهار الثقافة اليونانية في هذه المدينة التي كانت عاصمة العالم المثقف، والتي انتشر منها العلم والحضارة اليونانية في أقطار الشرق، والتي حفظت من آثار اليونانيين أشياء قيِّمة ما زال الغرب الأوروبي يعنى بها أشد العناية، ويحتفل بها أعظم الاحتفال.

    ومؤلف هذا الكتاب قد وقف حياته على درس اللغتين القديمتين اليونانية واللاتينية وآدابهما. بدأ درسه في كلية الآداب بجامعة القاهرة، وأتمه في جامعة باريس، وهو الآن يعلمهما في الكلية التي درس فيها. وقد عني عناية خاصة بالأدب الإسكندري، وهو يعرض علينا في هذا الكتاب الصغير الكبير حياة شاعر من شعراء الإسكندرية وشيئًا من شعره. وهذا الشاعر هو ثيوقريط الذي نشأ في صقلية، وألمَّ بمدن يونانية مختلفة ثم استقر بالإسكندرية؛ لأنه وجد في قصرها الملكي ما كان يطمح إليه من الخفض والدعة والنعيم.

    والمؤلف يعرض علينا في إيجاز حسن خصائص الشعر الإسكندري عامة، وخصائص شعر ثيوقريط خاصة، ويبين لنا تأثير هذا الشاعر في الشعراء الذين جاءوا بعده من اليونان، وفي الشعراء الرومان وكبيرهم فرجيل، ثم يقدم إلينا نماذج من شعر ثيوقريط في فن خاص من فنون الشعر يظهر أنه استحدث في الأدب الإسكندري أولًا، ثم انتقل منها إلى بعض مدن اليونان وإلى الرومان في إيطاليا، وهو الفن الذي يسميه المؤلف: شعر الرعاة؛ أي الشعر الذي يصور حياة الرعاة في الريف وفي الجبال والغابات، ويعرض لوصف قطعانهم ومراعيها ومواردها من الأنهار والجداول والينابيع، ويصور بنوع خاص ما يعرض لهؤلاء الرعاة من العواطف والميول والأهواء، وما يلمُّ بقلوبهم من الحب فيسعدهم قليلًا ويشقيهم كثيرًا، وما يكون بينهم من التفاخر بقطعانهم وما تنتج من الألبان، وكل ما ينتج من الألبان كذلك.

    ومعنى هذا كله أن هذا الفن من الشعر مقصور على حياة الطبيعة خارج المدن، ولكن الطبيعة عند هذا الشاعر وتلاميذه من اليونان والرومان لا تخلص لهؤلاء الرعاة؛ لأن الآلهة اليونانية والرومانية تحب هذه الطبيعة وتألفها، وتكثر الاتصال بها، ومخالطة الرعاة، والتدخل في حياتهم بما يسعدهم ويشقيهم. ومن أجل ذلك يكثر ذكر الآلهة في هذا الشعر، ويكثر كذلك ما يروي فيه من أساطير، وهو كما ترى غريب بالقياس إلينا كل الغرابة، فليس في شعرنا ما يفرغ فيه الشعراء لوصف هذه الطبيعة في يسرها وسذاجتها وحياتها الخشنة واتصال الآلهة بها، وليس للعرب أساطير يتناقلونها من آلهتهم أيام الوثنية. ولم ينكر أن آلهة العرب الوثنيين يخالطون الناس، والرعاة منهم خاصة، في حياتهم المألوفة، على حين كان هذا كثيرًا شائعًا عند اليونان، وعند الرومان بعد أن درَس شعراؤهم اللغة اليونانية وآدابها.

    ومن أجل أن هذا الشعر غريب بالقياس إلينا أشد الغرابة، قلت: إن هذا الكتاب امتحان خطير لذوقنا الحديث؛ لأننا لم نألفه في أدبنا، ولا في عاداتنا القديمة أو الحديثة، وقد يقال: لِمَ لم يترجم العرب في عصورهم الأولى شيئًا من هذه الآداب اليونانية القديمة؟ والجواب يسير جدًّا؛ فالعرب لم يعرفوا هذه الآداب، ولو قد عرفوها لترجموا منها شيئًا، ولتأثر شعرنا بهذه الترجمة، والعرب لم يعرفوا هذه الآداب لأن المسيحية البيزنطية كانت تكرهها، وتصد عنها، وتحرم قراءتها ودرسها؛ لكثرة ما فيها من ذكر آلهة الوثنية.

    وبمثل هذا الجواب يرد على الذين يسألون: لمَ يترجم العرب التمثيل اليوناني؟! فلمْ يخلُ التمثيل اليوناني من ذكر الآلهة، وكثيرًا ما كان الآلهة يمثلون شخصيات كبيرة في المسرحيات اليونانية.

    ولست أدري أيذوق الأدباء والمتأدبون منا هذا النحو من الشعر، أم يصدون عنه ويزهدون فيه؟ ولكني أعلم حق العلم أن من الحق عليهم أن يقرءوه ويكثروا من قراءته، ويطلبوا إلى الذين يحسنون اللغات القديمة أن يترجموا لهم من هذه الآداب أعظم قدر ممكن. إنهم يقرءون الآداب الغربية الحديثة لأنهم يجدون في قراءتها متاعًا، ويجدون فيها ثقافة، ويجدون فيها قربًا من ذوقهم، ولكن من الحق عليهم أن يقرءوا الآداب القديمة أيضًا؛ فهي أصل الآداب الحديثة، وفيها ثقافة كثيرة لا شك في ذلك، وفيها متاع للذين يألفونها بكثرة قراءتها. والغريب لا يُترك لأنه غريب، وإنما يدرس ويعرف ويؤلف كذلك. تدعو إلى ذلك غرابته كما يدعو إلى ذلك أن الإنسان المثقف، والأديب خاصة، جدير أن يحب الغريب، ويسعى إلى استكشاف غرابته وإلى إلْفِه، ولو ترك الناس كل غريب لأنه غريب ما عرفوا شيئًا.

    وكم كنت أحب أن أورد في هذا الحديث شيئًا من هذه النماذج الممتعة التي عرضت في هذا الكتاب! ولكني أخشى أن أسرف في الإطالة، والكتاب بعد ذلك قريب المنال يستطيع كل إنسان أن يقرأه.

    وفي الكتاب هنات قليلة تتصل باللغة، وأنا أوثر للذين يترجمون الشعر خاصة أن يحرصوا على صفاء اللغة ونقائها، ولست أمثل لهذه الهناة إلا بمثال واحد تجنبًا للإطالة أيضًا.

    فالمترجم يصطنع في صفحة ٧٧ كلمة «التريض». خيل له أنها تأتي من الرياضة، ومن الرياض، ونسي أن الياء في هذه الكلمات كلها أصلها الواو، والفعل راض يروض، والرياض جمع روضة، والخير أن يصطنع المترجم لفظ «التروض» بالواو لا بالياء.

    ومهما يكن من شيء، فالجهد في هذا الكتاب قيِّم خصب، والكتاب نفسه ممتع رائق، وأنا أهدي إلى المؤلف أصدق التهنئة وأخلصها، وأرجو أن يُكثِر من هذه الكتب، وأن يَكثًرَ إخوانُه الذين يُحسنون هاتين اللغتين من ترجمة الآداب اليونانية واللاتينية؛ فإنهم يؤدون بذلك إلى مواطنيهم أعظم النفع، ويزيدون أدبنا العربي خصبًا ونماء.

  • أثر الثقافة الإنجليزية في ثقافة العالم

    أثر الثقافة الإنجليزية في ثقافة العالم
    طه حسين
    زهرة الشرق
    ٧ أبريل ١٩٤١

    من الموضوعات التي يتناولها الناس بالمحاضرات ما لا يمكن التعمق فيه؛ لأنه أوسع وأخطر من أن يتناوله المحاضر في ساعة أو ساعات.

    والثقافة البريطانية الحديثة في هذا العصر الحديث هي مجموعة ما أنتجه العقل الإنجليزي في القرون الأربعة الأخيرة.

    ولقد تأثرت الثقافة الإنجليزية في عهد النهضة الأدبية في أوروبا بالثقافة اليونانية واللاتينية.

    وفي هذا العصر — القرن السادس عشر — كانت النهضة الثقافية مقسمة بين أمتين؛ هما الأمة الفرنسية والأمة الإنجليزية. وأخصُّ ما امتازت به هذه الثقافة في ذلك العهد شيءٌ من الرجوع إلى الحياة اليونانية القديمة، وما كان يميز هذه الحياة اليونانية القديمة من طموح إلى المثل العليا في الفن والأدب والفلسفة. ومعنى هذا أن النهضة قد تأثرت بما كانت تنزع إليه من حرية وثنية؛ لذلك اشتد الصراع بين هذه النزعة وأصول الحضارة في العصور الوسطى، وراحت الحكومات تعمل على مقاومتها، حتى كان من العسير أن ينشر المؤلفون كتبهم دون حاجة إلى من يحميهم من بطش الدولة وسطوة رجال الدين.

    كان الفرنسيون والإنجليز يتنازعون هذه الثقافة، وكانت طبيعة العقل الفرنسي تميل إلى الاتزان والتقيد بأصول محدودة في القول والعمل، على حين تختلف الطبيعة الإنجليزية إلى الحرية التي لا تعرف قيدًا ولا قانونًا.

    والفرنسي يميل إلى التأثر بالحياة الاجتماعية، على حين تميل الطبيعة الإنجليزية إلى الحرص على حرية الشخص، على أن تكون حياته ملائمة للحياة الاجتماعية، ولو في ظاهرها على الأقل.

    ومن هذا الخلاف بين طبيعة الأمتين ظهر الخلاف بين ما أنتجه هؤلاء وهؤلاء في الأدب.

    فبينما كانت المؤلفات الفرنسية حريصةً على ألا تخالف المألوف إلَّا بمقدار، كان ما ينتجه الأدباء الإنجليز ثائرًا على المألوف. ومن هنا كانت الآداب التي أنتجها الإنجليز أشدَّ تأثرًا من ناحية الحرية وأقلَّ تأثرًا من ناحية المزاج؛ أي إنها كانت متأثرة بالثقافة اليونانية وبالجموح البريطاني. والحرية في العصر الحديث ربما كانت نتيجة للحياة والثقافة الإنجليزية في ذلك العهد.

    ومن أروع الأشياء أن نتتبع حياة الحرية العقلية عند الإنجليز. والناس يعلمون أن إنجلترا موطن البرلمان وموطن الديمقراطية، ولكن ربما كان علمهم محتاجًا لأن يكون أكثر تعمقًا.

    ولقد ثار الإنجليز على الفلسفة القديمة، وخرجوا بالعقل من حدود التقيد بالقواعد التقليدية، وعملوا على تحريره من مختلف القيود، بحيث يفكر المرء كما يحب هو لا كما يريد أرسطوطاليس، ولا كما تريد الدولة والدين. ومن هنا نشأت حرية التفكير وحرية التعبير.

    وربما كان الشاعر الإنجليزي العظيم ملتون بطلًا عظيمًا من أبطال حرية العقل وحرية التفكير والتعبير، فقد جاهد في تحقيق هذه الحرية جهادًا عنيفًا، وأنفق حياته كلها في هذا الجهاد. وملتون هو الذي قال معرِّضًا بالأساقفة: «إنهم قومٌ عجزوا عن أن يصعدوا بأنفسهم إلى السماء، فأنزلوا الله إلى الأرض ليكون معهم.» ومن هذه الملاحظات — وليست إلَّا شيئًا يسيرًا مما كنت أحب أن أتحدث به إليكم — يستنتج أن الإنجليز بمزاجهم الخاص من جهة، وبتأثرهم بالثقافات القديمة، وباتصالهم بالأمم الأخرى؛ قد استطاعوا أن يكوِّنوا لأنفسهم ثقافة خاصة، وأخص طابع لها هو طابع الحرية الذي حدثتكم عنه. هذه الحرية التي حببت الأوروبيين في الثقافة الإنجليزية في القرون اﻟ ١٧ و١٨ و١٩، ولقد دفعت هذه الحرية الإنجليز أن يقرروا التجربة على أنها أصل من أصول العلم؛ ولذلك كانت إنجلترا أسبق الأمم إلى إقامة التجربة العلمية.

    وأظن أيها السادة أننا لو اختصرنا واجتزأنا في تشخيص الثقافة الإنجليزية؛ لقلنا عنها: إنها أعطت الثقافة الأوروبية حرية العقل التي أنتجت حرية التفكير والتعبير والتجربة، وأحدثت ما أحدثت من الثورة الديمقراطية في أوروبا.

    ولقلنا: إن الثقافة الإنجليزية وهبت العقل الأوروبي الحديث الحرية التي كان محتاجًا إليها. وبذلك لا نظلم الثقافة الإنجليزية؛ إذ نكون قد وصفناها بأحسن وصف يحرص عليه الإنجليز أنفسهم.

  • وجوب درس آداب وتاريخ العرب على طريقة ديكارت

    وجوب درس آداب وتاريخ العرب
    على طريقة ديكارت
    طه حسين
    الفجر
    ٢٥ أبريل ١٩٢٦

    يجب أن يتعوَّد الباحث درس تاريخ الأمم القديمة التي قُدِّر لها أن تقوم بشيء من جلائل الأعمال، وبما اعترض حياتها من الصعاب والمحن وألوان الخطوب والصروف؛ لِيَفْهَمَ تاريخ الأمة العربية على وجهه ويَرُدَّ كل شيء فيه إلى أصله، وإذا كان هناك شيء يُؤخَذ به الذين كتبوا تاريخ العرب وآدابهم فلم يُوفَّقوا إلى الحق فيه، فهو أنهم لم يُلِمُّوا إلمامًا كافيًا بتاريخ هذه الأمم القديمة، أو لم يخطر لهم أن يقارنوا بينها وبين الأمة العربية كأنها أمة فذة لم تعرف أحدًا ولم يعرفها أحد، لم تُشْبِه أحدًا ولم يُشْبِهها أحد، لم تُؤَثِّر في أحد ولم يُؤَثِّر فيها أحد، قبل قيام الحضارة العربية وانبساط سلطانها على العالم القديم.

    والحق أنهم لو درسوا تاريخ هذه الأمم القديمة وقارنوا بينه وبين تاريخ العرب لتغيَّرَ رأيُهم في الأمة العربية ولتغيَّرَ بذلك تاريخ العرب أنفسهم، ولستُ أذكر من هذه الأمم القديمة إلا أمتين اثنتين: الأمة اليونانية، والأمة الرومانية.

    قُدِّر لهاتين الأُمَّتين في العصور القديمة مثل ما قُدِّر للأمة العربية في العصور الوسطى، كلتاهما خضعت في حياتهما الداخلية لهذه الصروف السياسية المختلفة، وكلتاهما انتهتْ إلى نوع من التكوين السياسي دَفَعَها إلى أن تتجاوز موطنها الخاص وتُغِير على البلاد المجاورة وتبسط سلطانها على الأرض، وكلتاهما لم تبسط سلطانها على الأرض عبثًا، وإنما نفعت وانتفعت وتركت للإنسانية تراثًا قيِّمًا لا نزال ننتفع به إلى الآن. ترك اليونان فلسفة وأدبًا، وترك الرومان تشريعًا ونظامًا.

    وكذلك شأن هذه الأمة العربية تحضَّرَتْ كما تحضَّر اليونان والرومان بعد بداوة، وتأثرت كما تأثر اليونان والرومان بصروف سياسية مختلفة، وانتهى بها تكوينها السياسي إلى مثل ما انتهى التكوين السياسي لليونان والرومان إليه من تجاوز الحدود الطبيعية وبسط السلطان على الأرض، وتركت كما ترك اليونان والرومان للإنسانية تراثًا خالدًا فيه أدب وعلم ودين.

    وليس من العجب شيء أن تكون العوارض التي عرضت لحياة العرب على اختلاف فروعها مشبهة للعوارض التي عرضت لحياة اليونان والرومان من وجوه كثيرة.

    وفي الحق أن التفكير الهادئ في حياة هذه الأمم الثلاث ينتهي بنا إلى نتائج متشابهة إن لم نَقُلْ متَّحِدة، ولِمَ لا؟ أليستْ هذه الإشارة التي قدَّمناها إلى ما بين هذه الأمم الثلاث من شبه تكفي لِتَحْمِلَك على أن تُفكِّر في أن مؤثرات واحدة أو متقاربة قد أثرت في حياة هذه الأمم فانتهت إلى نتائج واحدة أو متقاربة؟!

    ولسنا نريد أن نترك الموضوع الذي نحن بإزائه للبحث عما يمكن أن يكون من اتفاق وافتراق بين العرب واليونان والرومان، فنحن لم نكتب لهذا، وإنما نريد أن نقول إن هذه الظاهرة الأدبية التي نحاول أن ندرسها في هذا الكتاب، والتي يجزع لها أنصار القديم جزعًا شديدًا ليست مقصورة على الأمة العربية، وإنما تتجاوزها إلى غيرها من الأمم القديمة، ولا سيما هاتين الأمتين الخالدتين؛ فلن تكون الأمة العربية أول أمة انتُحِل فيها الشعر انتحالًا وحُمِل على قدمائها كذبًا وزورًا، وإنما انْتُحِل الشعر في الأمة اليونانية والرومانية مِنْ قبل وحُمِل على القدماء من شعرائهما، وانخدع به الناس وآمنوا له، ونشأت عن هذا الانخداع والإيمان سُنَّة أدبية توارثها الناس مطمئنين إليها، حتى كان العصر الحديث وحتى استطاع النُقَّاد من أصحاب التاريخ والأدب واللغة والفلسفة أن يردُّوا الأشياء إلى أصولها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا.

    وأنت تعلم أن حركة النقد هذه بالقياس إلى اليونان والرومان لم تنتهِ بعد، وأنها لن تنتهي غدًا ولا بعد غد، وأنت تعلم أنها قد وصلت إلى نتائج غيَّرت تغييرًا تامًّا ما كان معروفًا متوارثًا من تاريخ هاتين الأُمَّتين وآدابهما، وأنت إذا فكرت فستوافقني على أن منشأ هذه الحركة النقدية، إنما هو في حقيقة الأمر تأثُّر الباحثين في الأدب والتاريخ بهذا المنهج الذي دعوت إليه في أول هذا الكتاب، وهو منهج «ديكارت» الفلسفي.

    وسواء رضينا أم كرهنا فلا بد من أن نتأثر بهذا المنهج في بحثنا العلمي والأدبي، كما تأثر من قبلنا به أهل الغرب، ولا أن يكون ما نصطنعه في نقد آدابنا وتاريخنا كما اصطنعه أهل الغرب في نقد آدابهم وتاريخهم؛ ذلك لأن عقليتنا نفسها قد أخذت منذ عشرات من السنين تتغير وتصبح غربية؛ أو قُلْ أقرب إلى الغربية منها إلى الشرقية، وهي كلما مضى عليها الزمن جدت في التغير وأسرعت في الاتصال بأهل الغرب.

    وإذا كان في مصر الآن قوم ينصرون القديم، وآخرون ينصرون الجديد، فليس ذلك لأن في مصر قومًا قد اصطبغت عقليتهم بهذه الصبغة الغربية، وآخرين لم يظفروا منها بحظ أو لم يظفروا منها إلا بحظ قليل.

    وانتشار العِلْم الغربي في مصر وازدياد انتشاره من يوم إلى يوم، واتجاه الجهود الفردية والاجتماعية إلى نشر هذا العِلْم الغربي، كل ذلك سيقضي غدًا أو بعد غد أن يصبح عقلنا غربيًّا، وبأن ندرس آداب الغرب وتاريخهم متأثرين بمنهج «ديكارت» كما فعل أهل الغرب في درس آدابهم وآداب اليونان والرومان.

    ولقد أحب أن تُلِمَّ إلمامًا قليلًا بأي كتاب من الكتب الكثيرة التي تُنشَر الآن في أوروبا في تاريخ الآداب اليونانية أو اللاتينية، وأن تسأل نفسك بعد هذا الإلمام ماذا بقي مما كان يعتقده القدماء في تاريخ الآداب عند هاتين الأُمَّتين؟ أحق ما كان يعتقد القدماء في شأن الإلياذة والأودسا؟ أحق ما كانوا يتحدثون به، بل ما كانوا يؤمنون به في شأن «هيرودوس» وغيرهما من الشعراء القصصيين؟ أحق ما كان القدماء يتخذونه أساسًا لسياستهم وعلمهم وأدبهم وحياتهم كلها من أخبار اليونان والرومان؟

    إن من اللذيذ حقًّا أن نقرأ ما كتب «هيرودوت» في تاريخ اليونان، و«تيتوس ليفوس» في تاريخ الرومان، وما يكتب المحدثون الآن في تاريخ هاتين الأمتين، ولكنك لا تكاد تجد شيئًا من الفرق بين ما كان يتحدَّث به ابن إسحاق ويرويه الطبري من تاريخ العرب وآدابهم، وما يكتبه المؤرخون والأدباء عن العرب في هذا العصر؛ ذلك أن الكثرة من هؤلاء المؤرخين والأدباء لم تتأثر بَعْدُ بهذا المنهج الحديث، ولم تستطع بَعْدُ أن تؤمن بشخصيتها وأن تُخَلِّص هذه الشخصية من الأوهام والأساطير.

    وإذا كان قد قُدِّر لهذا الكتاب ألا يُرْضِي الكثرة من هؤلاء الأدباء والمؤرخين، فنحن واثقون بأن ذلك لن يضيره ولن يُقلِّل من تأثيره في هذا الجيل الناشئ؛ فالمستقبل لمنهج «ديكارت» لا لمناهج القدماء.