ضحك
طه حسين
جريدة صوت الأمة
١ سبتمبر ١٩٤٦
لا يصدر عن الشعب المصري بالطبع؛ لأن الشعب المصري في شغل عن الضحك بهذه الخطوب التي تأخذه من جميع أقطاره.
الشعب المصري مشغول بالفقر والجهل والمرض وغيرها من النكبات التي يداويها الوزراء بألسنتهم، وما يصدر عنها من الأقوال ويستبقونها بقلوبهم، وما يصدر عنها من الأعمال. والشعب المصري مشغول بهذه المحنة التي يمحص الله بها قلبه، فيرسل إليه الشر من حيث تعود أن يلقى الخير، ويسلط عليه صديقه النيل أن يزيد إلى فقره فقرًا، ويضيف إلى بؤسه بؤسًا، ويبيِّن له أنه لم يذُق من الجوع إلَّا أقله، وأن البؤس لا يأتي من الجوع وحده، وإنما يأتي من انهيار الدُّور والتعرض للموت وإيفاق الليل والنهار بالعراء وانتظار المرحمة تنجم له من الأرض أو تهبط عليه من السماء.
والشعب المصري مشغول بهذا الاستقلال الذي لا يستكمل، وإنما ينتقص، وبهذه الحماية التي لا بد أن تعود؛ لأنها اشتاقت إلى مصر، وإن لم تشتق مصر إليها. وبهذا البلاء النازل الذي قبل فريق من المصريين أن يكتبوه على وطنهم حين قبلوا تأسيس الشركة المصرية البريطانية المساهِمَة للدفاع عن مصر، وللدفاع عن بريطانيا العظمى أيضًا.
الشعب المصري مشغول بهذا كله وبأشياءَ أخرى أكثر من هذا كله، وهو من أجل ذلك لا يستطيع أن يضحك ولا أن يبتسم إلَّا أن يضحك ضحِك المتنبي الذي هو أشبه شيء بالبكاء.
ولكني لا أتحدَّث عن هذا الضحك الحزين، ولا عن هذه الابتسامات الصُّفر التي تصور الكآبة واليأس أكثر مما تصور الابتهاج والرجاء. وإنما أتحدث عن ضحك صريح لا يشوبه حزن ولا اكتئاب، ولا يتسلى به أصحابه عن الظنون الكاذبة والآمال الخائبة والهموم الثِّقال، وإنما هو ضحك ضاحك كأحسن ما يكون الضحك، وهو ضحك عريض كأعرض ما يكون الضحك أيضًا. ضحك أعرض من النهار حين يملأ العالم ضوءًا وجمالًا، وأعرض من الليل حين يملأ العالم ظلمةً واكتئابًا، ضحك لا يصدر عن فرد ولا عن جماعة ولا عن شعب، وإنما هو أضخم وأفخم وأنفذ وأبقى من هذا كله؛ لأنه يصدر عن الأقدار.
وضحك الأقدار كما تعلم يملأ ما بين الأرض والسماء، وهو إن صَوَّر شيئًا فإنما يصوِّر سخف الإنسان أمام حكمة القضاء. والأقدار ضاحكة دائمًا؛ لأنها ترى سخف الإنسان واعتداده بنفسه وبكائه على أمسه واحتياطه لغده، وترى أن هذا كله لا يغني عن الإنسان شيئًا. ولكن الأقدار قد ضحِكت في أيام العيد ضحكًا جديدًا ما تزال مغرقة فيه. وكان أقطاب هذا العهد السعيد هم الذين أخذوا أنفسهم بتلهية الأقدار وإضحاكها حين فكَّروا وقدَّروا ودبَّروا ورسموا الخطط فأتقنوا رسمها؛ ليمسكوا هذا العهد السعيد من أن يطير، ويحفظوه من أن ينهار، ويقيموه بعد أن أراد أن ينقضَّ، فقد قيل إن بناء الوزارة القائمة سيدعم بنفرٍ من السعديين ليكون الائتلاف متينًا لا يسعى إليه ولا يدب فيه الضعف.
وقد ظهر لرئيس الوزراء فيما يقال إن الائتلاف بين الدستوريين والمستقلين لم يحسن مقاومة الخطوب ولا الثبات للأحداث. فقد عرضه النقراشي باشا للخطر من أول يوم أُلِّفَتْ فيه الوزارة، ثم عرضه مكرم باشا للخطر من أول يوم بدأت فيه المفاوضات. ثم عملت فيه المعاول في كل ناحية حين جدَّ الجِدُّ، وقيل للمصريين إمَّا أن تقبلوا الحماية وإمَّا أن تُقطع المفاوضات، ثم تداعت أركانه في الاجتماع الأخير لهيئة المفاوضات حين انفضَّ المتفاوضون على ذلك النحو المعروف، وخرج خمسة منهم يملأ قلوبهم السخط واليأس، وبقي سبعة منهم يملأ قلوبهم الخوف والأمل. هنالك تبيَّن لرئيس الوزراء ولرئيس السعديين أن الائتلاف خير من الاختلاف، وأن الوفاق خيرٌ من الشقاق، وأن المستقلين لا يقدِّرون التبعات لأنهم ليسوا مسئولين إلَّا أمام أنفسهم، على حين أن رؤساء الأحزاب يقدِّرون التبعات حق قدرها لأن لهم أتباعًا في الحكم يريدون أن يبقوا فيه وأتباعًا تحت الحكم يريدون أن يرقوا إليه.
وهم من أجل ذلك يقدِّرون لأرجلهم قبل الخطو موضعها، ويديرون في أنفسهم كلمة ألف مرة ومرة قبل أن يقولوها؛ لأنهم يخشون عواقبها ويحسبون لها الحساب كل الحساب. ولعلَّ هذا يبيِّن للذين لم يتبيَّنوا فِيمَ انصرف المنصرفون، وفيم أقام المقيمون. فقد انصرف المنصرفون ليجترُّوا ما يملأ قلوبهم من السخط وليستمسكوا بما أظهروا من رفضٍ لما عرضه الإنجليز، وأقام المقيمون لينظموا الصفوف ويدعِّموا البناء ويتهيَّئوا للموقعة الحاسمة، ويضيقوا إلى ثوب الوزارة بعض الرقاع التي تمنع الهواء أن ينفذ إلى جسمها العليل، وهي رقاع متينة حقًّا ستصد الهواء مهما يكن حارًّا وباردًا عن جسم الوزارة، وستمكن البناء من أن يثبت للريح مهما تعصف ومهما تقصف. سينهض السعديون بشئون وزارة الخارجية وبشئون وزارة العدل وبشئون وزارة أخرى تُبتكر ابتكارًا للنهوض بالشئون العربية الجسيمة. ويقال إنهم سينهضون بشئون وزارة المواصلات، وسيُزحزح عنها وزيرها القائم لينهض بالصحافة والإذاعة والتمثيل والسينما وما شئت من روائع الأدب وبدائع الفن. وكان أستاذنا الجليل وزير الخارجية يريد أن يستريح، ويفرغ للمجمع اللغوي وترجمة أرسطاطليس. فيستريح في منصب مريح هو النيابة عن رئيس الوزراء. أمَّا النقراشي باشا فسيشرب الكأس إلى الثمالة، سيحتمل أثقال الحكم الصدقي دون أن يشارك فيه، وسيعلل برياسة مجلس النوَّاب إن أذن لمجلس النوَّاب أن يستأنف الانعقاد.
دُبِّر هذا كله بليل، أو دُبِّر هذا كله بنهار. وهذا كله إن دل على شيء فإنما يدل على أن سحبًا تتجمع في آفاق السماء، وعلى أن ريحًا تريد أن تعصف، وعلى أن أمواجًا تصطخب وقلوبًا تضطرب، وسفينة تُوشِكُ أن تهوي إلى القاع، وعلى أن الربان يبذل آخر ما يملك من الجهد لتثبت للأحداث، وتمتنع على الخطوب، وعلى أن الأقدار تنظر من قريب أو من بعيد إلى هذا الذي يدار، فترسل ضحكتها العريضة التي تملأ ما بين الأرض والسماء، وينشد منشدها ذلك البيت الذي كان المغفور له الشيخ علي يوسف يُكثر إنشاده في قديم الزمان وسالف العصر والأوان:
تقفون والفلك المحرك دائر وتقدرون فتضحك الأقدار
Tag: coalition government
-
تمثيل
تمثيل
طه حسين
جريدة البلاغ
٢ ديسمبر ١٩٤٥
فكاهة محزنة أو مأساة مضحكة هذه التي تمثلها الأحزاب المؤتلفة في ملعب السياسة المصرية؛ فقد أصبح للسياسة المصرية ملعب في هذه الأيام، ملعب طريف تُعرَض فيه صور مضحكة لمن شاء أن يضحك، ومحزنة لمن شاء أن يحزن، ومسلية لعامة الناس على كل حال. فليس من شك في أن ما تحدثه أحزابنا المؤتلفة من الفر والكر، ومن الإقبال والإدبار، ومن الإقدام والإحجام، ومن الانحياز إلى اليمين مرة، وإلى الشمال مرة أخرى، كل ذلك يُسلِّي عامة الناس ويلهيهم. ولست في حاجة إلى أن يُقام لك الدليل على شيء من ذلك، وإنما يكفي أن تمر بالأندية، وتلم بالقهوات، وتستمع للناس وهم يديرون الحديث بينهم؛ لتعلم أن الأمة المصرية تلهو بأحزابها، وتعبث بهذا الطراز الجديد من الساسة الذين يقولون ولا يعملون، والذين يأتلفون وهم مختلفون، ويتعاونون وبعضهم يكيد لبعض ألوان الكيد كأنما يراد أن يتعلم المصريون كيف يكون العبث، وكيف يكون اللعب، وكيف يُظهر الناس الجد وهم عابثون، وكيف يتكلف الناس العمل وهم كسلون، وكيف يكون خداع الناس عن أنفسهم وعن آمالهم وأمانيهم، وكيف تكون تلهية الناس بالسخف عن الحق حين لم تبق إلى إدراك الحق سبيل. وفكاهتنا هذه المحزنة، أو مأساتنا هذه المضحكة طويلة كليل الشتاء، لا تريد أن تنقضي، قد بعد العهد بأولها حتى نسيه الناس أو كادوا ينسونه، فأمَّا آخرها فسرٌّ من أسرار الغيب. وليس المهم أن تنتهي القصة، بل المهم ألَّا تنتهي؛ لأن في انتهائها انتهاء هذا العهد السعيد الذي يضحك فيه المصريون. وكيف يعيش المصريون إذا لم يضحكوا؟! ولا تقل: إن المصريين يستطيعون أن يضحكوا في ملاعب التمثيل ودور السينما؛ فإن هذا الضحك ليس شيئًا؛ لأنه ينقضي بانقضاء التمثيل، وينتهي بانطواء ما يسمونه الشاشة البيضاء. فأمَّا الضحك السياسي فإنه يصبِّح المصريين حين يهبون من نومهم، ويصاحب المصريين حين يغدون على أعمالهم، ويرافقهم حين يروحون إلى أهلهم، ويلازمهم حين يلتقون بين الليل والنهار في الأندية والقهوات. ومن يدري لعله لا يفارقهم حين يخلو كل واحد منهم إلى نفسه، ولعله لا يفارقهم حين يأوي كل واحد منهم إلى مضجعه، ولعله يصيبهم في أحلام الليل. وأي غرابة في هذا، فموضوع القصة هو حياة المصريين في بلادهم، وصلات المصريين بحلفائهم وأصدقائهم؟ والمصريون في هذه الأيام يقظون يفكرون في هذا كله، ويتساءلون عن هذا كله، فأي شيء أجمل وأشد روعة من أن يفكر الإنسان في الجد فيضطر إلى الضحك، ومن أن يبحث الإنسان عن الجد فلا يرى إلَّا سخفًا وهزلًا؟! في شهر أغسطس الماضي، بدأت الفكاهة المحزنة أو المأساة المضحكة حين ألح المصريون على رئيس وزرائهم في أن ينبئهم عن موقف حكومتهم من الحقوق الوطنية، فتكلم رئيس الوزراء في البرلمان ولم يقل شيئًا، وصفق له أنصاره لأنهم يفهمون شيئًا من لا شيء، ولأنهم يستخرجون الجد من اللعب، والحقائق من الكلام الذي لا غناء فيه. في ذلك الوقت قال رئيس الوزراء للمصريين: إنه لن يهمل فرصة تسنح للمطالبة بحقوق مصر والظفر بهذه الحقوق، لن يهمل فرصة بشرط أن تسنح هذه الفرصة. وكيف تسنح هذه الفرصة؟ أتخلق نفسها، أم يخلقها الإنجليز، أم يخلقها المصريون؟ فأمَّا الإنجليز فقد قال وزير خارجيتهم: إنه ينتظر الوقت المناسب، وأمَّا المصريون فقد قال رئيس وزارتهم: إنه ينتظر سنوح الفرصة. وفي أثناء ذلك كثر الفر والكر، وكثر الاعتراف والإنكار، فقال قائلون: لقد طلبت المفاوضات، وقال قائلون: بل لم تطلب المفاوضات. وجمعت اللجنة التي يسمونها الهيئة السياسية فقالت وقال بعدها مجلس الوزراء: إن الوقت ملائم للمفاوضات، ثم أرسلت اللجنة إلى سريرها لتنام، فنامت نومًا عميقًا، وبقي الوزراء وحدهم في الملعب يذهبون ويجيئون، يداورون ويناورون، ومن ورائهم أحزابهم تتصايح وتتناوح، وتثير في الجو غبارًا لا يستر شيئًا، بل يفضح كل شيء. وفي ذات يوم — أو في ذات ليل — سمعت الهيئة السياسية صوتًا أيقظها من نومها العميق، فهبت مذعورة لأنها رأت — فيما يرى النائم أو فيما يرى اليقظان — أن وزير الخارجية البريطانية يعلن في البرلمان البريطاني أنه لم يتلق من الحكومة المصرية شيئًا يمس المفاوضات. وهمت الهيئة السياسية — أستغفر الله — بل همَّ إمامها صدقي باشا أن يصنع شيئًا، ولكنه لقي رئيس الوزراء، ولم يكد يخرج من دار الرياسة حتى أسرع إلى سريره فنام مع النائمين، وظلت الهيئة السياسية نائمة منذ أواخر سبتمبر إلى أوائل ديسمبر، والوزراء وحدهم في الملعب، يذهبون ويجيئون، يداورون ويناورون، وأحزابهم من ورائهم تتصايح وتتناوح؛ حتى بلغ السيل الزُّبَى، وجاوز الحزام الطُّبْيَينِ. واستبان لبعض الوزراء أن جمهور النظارة قد كاد يسأم هذا اللعب الفاتر، وينصرف عن هذا التمثيل الممل. هنالك نشط الممثلون، وشاع في اللاعبين فضل من حياة، فإذا وزير يستقيل ويذهب إلى أقصى الصعيد، وإذا وزير آخر يعرض نفسه على النظارة في موقف الحائر الموله، يغشى وجهه الابتسام حينًا، والعبوس حينًا آخر، يتقدم ثم لا يلبث أن يتأخر، ينحرف إلى يمين، ثم لا يلبث أن ينحرف إلى شمال. والنظارة يرون ذلك فيضحكون ويتفكهون، والوزير ماضٍ في لعبه، وحزبه من ورائه يشجعه ويحثه بالصياح والنواح والتصفيق والصفير، حتى إذا بلغ نشاط الوزير أقصاه مضى إلى الخطوة الحازمة الحاسمة، فلقي رئيس الوزراء، وظنَّ النظارة أن فصلًا من فصول القصة يوشك أن ينتهي، ولكن الفصل لم ينته ولم يؤذن بالانتهاء، وإنما هو منظر يتلوه منظر آخر؛ فقد خرج الوزير البارع من دار الرياسة غامضًا كأنه الغيب، يومئ ببعض الألفاظ كأنه كاهن أبولون، ولم يقبل المساء حتى كان لقاء ثم انجلت الغمرة، وانحلت الأزمة كأن غمرة كانت قد عمَّت الناس، وكأنه أزمة كانت قد انتهت من التعقيد إلى أقصاه. ولم تكن هناك غمرة، ولم تكن هناك أزمة، وإنما كان تمثيل وتخبيل. والمهم أن الهيئة السياسية ستستيقظ من نومها، ويظهر أن إيقاظها يحتاج إلى بعض الوقت لأنها غارقة في نوم عميق، عميق جدًّا، فهي لن تجتمع اليوم، ولن تجتمع غدًا، ولكنها ستجتمع بعد غد إن شاء الله. ولكن تجتمع لتصنع ماذا؟ لقد اجتمعت في شهر سبتمبر فقالت وقال معها مجلس الوزراء: إن ذلك الوقت كان أشد الأوقات ملاءمة للمفاوضات. فلم يحفل بها أحد؛ لأنها لم تحفل بنفسها، ولم يلتفت إليها أحد لأنها نامت وأغرقت في النوم، ولم يستطع وزير الخارجية البريطانية أن يوقظ من أعضائها إلَّا عضوًا أو عضوين، لم يكادا يستيقظان حتى عادا إلى الغطيط. وإذن فستجتمع الهيئة يوم الثلاثاء لتصنع ماذا؟! لتصنع شيئين أو ثلاثة أشياء، أو قل لتصنع شيئًا واحدًا؛ هو المضي في التمثيل وإشاعة شيء من الحياة والنشاط في الممثلين، فما ينبغي أن يسأم النظارة أو أن يدركهم النوم. ستجتمع يوم الثلاثاء لتقنع وزير العدل بالإعراض عن الاستقالة؛ لأن الأمور تجري على خير ما يحب المصريون، ولتقنع وزير المالية بأنه في حاجة إلى شيء من الاستقرار والهدوء؛ لأن الأمور تجري على خير ما يحب المصريون، ولتقنع وزير التجارة بأنه في حاجة إلى شيء من الريث والأناة؛ لأن الأمور تجري على خير ما يحب المصريون، ولتُقنع المؤتلفين جميعًا، ومنهم المستقلون، بأن الائتلاف لم يكن في يوم من الأيام قويًّا كما هو الآن، وبأن مصر لم تحتج في يوم من الأيام إلى قوة الائتلاف كما تحتاج إليها الآن منها؛ فما زال الوفد قائمًا، وما زال رئيسه يذهب إلى الإسكندرية ويعود منها، ويشهد الصلاة في المساجد المختلفة يوم الجمعة، وما دام رئيس الوفد يذهب ويجيء ويشهد الصلاة ويستقبل الناس؛ فمصر في خطر، ولن يَدرَأ هذا الخطر إلَّا الائتلاف المتين بين خصوم الوفد. فأمَّا المطالب المصرية فأمرها يسيرٌ جدًّا. لقد صرَّح وزير العدل البريطاني في مجلس اللوردات — كما صرَّح وزير الخارجية منذ أسابيع في مجلس العموم — بأن بريطانيا العظمى مستعدة للمفاوضة في الوقت الملائم، وبأنها لا تريد السيطرة على مصر، وإنما تريد شركة مع مصر قوامها الزمالة والمساواة. وهل تطمع مصر في شرف أعظم من أن تشارك بريطانيا العظمى في إدارة الشئون المصرية على أساس من الزمالة والمساواة، ثم إن بريطانيا العظمى مسدية إلينا بعد هذا كله فضلًا لن نستطيع له شكرًا، فهي ستصلح من شأننا، وسترفع مستوى معيشتنا، وستعصم جائعنا من الجوع، ومحرومنا من الحرمان، وستحمينا من البؤس كما تحمينا من غارة الأجنبي، فماذا نريد أكثر من هذا؟! ولم لا يُعرض وزير العدل عن استقالته؟ ولم لا يثوب وزير المال إلى الهدوء والاستقرار؟ ولِمَ لَمْ يعد وزير التجارة إلى الريث والأناة؟ ولِم لا تعود الهيئة السياسية إلى نومها العميق؟ ولِمَ لا يمكَّن رئيس الوزراء ووزير الداخلية من الفراغ لمهمته الخطيرة؟ فما زال رئيس الوفد يذهب ويجيء، ولا بد من مراقبته حين يذهب ويجيء، وما زال رئيس الوفد يشهد الصلاة، وما زال الناس يحبونه، فيجب أن يُراقب حين يشهد الصلاة، وأن نغلق المساجد حين يدخل وحين يخرج، وأن يُصدَّ الناس عن هذا الحب الأثيم، وأن يُؤدَّبوا إذا أصروا على هذا الحب الأثيم. وما زال رئيس الوفد يستقبل الناس، فيجب أن تُراقب داره وتُحاصر، وأن يرد الناس عن هذه الدار. يجب أن يختار المصريون بين اثنين لا سبيل إلى اجتماعهما؛ فإمَّا أن يُحارب الوفد ورئيسه، وإمَّا أن يفاوض الإنجليز في حقوق مصر. وواضح جدًّا أن محاربة الوفد ورئيسه هي غاية الغايات، وغرض الأغراض؛ لأن استقلال مصر في خطر أي خطر ما دام الوفد قائمًا، وما دام رئيسه يشهد الصلاة ويستقبل الناس. فأمَّا تلكؤ الإنجليز في المفاوضة وانتظار الوقت الملائم، وإقامة الشركة الجديدة على أساس من المساواة والزمالة، واتخاذ القاهرة عاصمة جديدة في أوقات السلم لمنطقة النفوذ البريطاني في الشرق الأوسط، وإنشاء المكتب البريطاني في الشرق الأوسط في مدينة القاهرة إلى جانب السفارة البريطانية دون أن تفاوض مصر في إنشائه، ودون أن تتفق مصر على إنشائه، ودون نظر إلى أن إنشاءه يلائم الاستقلال أو لا يلائمه، ويوافق السيادة أو لا يوافقها. كل هذه الأمور هينة ولينة، لا ينبغي أن تضيق بها أو تشفق منها؛ لأن خطرها على الاستقلال أقلُّ جدًّا من هذا الخطر الداهم الذي يصوره مصطفى النحاس حين يشهد الصلاة ويستقبل الناس. وكذلك تمضي فكاهتنا المحزنة ومأساتنا المضحكة في سبيلها، لا يقف الممثلون عن التمثيل، ولا يكف النظارة عن الضحك والعبث. ولست أدري أيقرأ أعضاء الهيئة السياسية ما ينشر عن مصر في خارج مصر، أم يصرفهم نومهم العميق عن القراءة. أمَّا أنا فقد قرأت في جريدة الموند الفرنسية أن سادة مصر يختلفون إلى نادي محمد علي، ويغرقون في كراسيه الوثيرة، يشربون ويلعبون ويناورون في أثناء ذلك ويداورون. ولم تنس جريدة الموند إلَّا شيئًا واحدًا، وهو أن سادة مصر قد يجتمعون بين حين وحين حول رئيس الوزراء ليقرروا أن الوقت ملائم للمفاوضات. لقد كان الرومانيون يطلبون إلى قياصرتهم اللعب والخبز، وكان الرومانيون يسرفون على قياصرتهم حين يطلبون إليهم هذين الأمرين الخطيرين، فقد أصبحنا نحن أعقل من الرومانيين وأشد منهم قناعة، لا نطلب اللعب والخبز؛ فهذا كثير، وإنما نطلب اللعب وحده. وحكومتنا رشيدة حقًّا؛ فهي تعطينا من اللعب ما نريد، وأكثر مما نريد، فأمَّا الخبز فيجب أن نطلبه من الله، وأمَّا الاستقلال فيجب أن ننتظر حتى يتفضل به علينا الإنجليز. -
السفينة الجانحة
السفينة الجانحة
طه حسين
جريدة البلاغ
١٢ يوليو ١٩٤٥
هل يعلم رئيس الوزراء أن سفينته جانحة، لا تستطيع أن تتقدم ولا أن تتأخر، وإنما اضطرت إلى موقف لا تعدوه، كهذا الموقف الذي اضطر إليه شاعر قديم، فقال:
وقف الهوى بي حيث أنت فليس ليمتأخر عنه ولا متقدم؟
ولست أدري أكان الهوى هو الذي وقف بسفينة رئيس الوزراء حيث هي فأصبحت لا تستطيع أن تتقدم ولا أن تتأخر، أم كان الذي وقف بها شيءٌ آخر؟ ولكن الشيء الذي ليس فيه شك هو أن السفينة جانحة لا تستطيع أن تمضي أمامها، ولا تستطيع أن تدور لتعود أدراجها، وتستقر حيث كانت قبل أن يدفعها رئيس الوزراء إلى بحر الحكم العجاج، الملتطم الأمواج، كما يقال في ألف ليلة وليلة.
وليس رئيس الوزراء في حاجة إلى أن تقيم له الدليل على أن سفينته جانحة لا تستطيع أن تمضي ولا أن تعود، فقد افتتحت الدورة البرلمانية في يناير الماضي. ويخيل إلي أننا في شهر يوليو، وأن البرلمان لم يكد يصنع شيئًا؛ لأن الحكومة لم تقدم إليه شيئًا، وهو الآن يدرس الميزانية متعجلًا مستأنيًا، إن صح أن يجتمع العجل والريث في وقت واحد. فمجلس النواب يكر الميزانية كرًّا، ومجلس الشيوخ يجتمع مرة في الأسبوع، حتى يتاح له أن يكر الميزانية كرًّا. فقد تقدم الصيف واشتد القيظ وظهر هلال شعبان وجعل رمضان يسعى إلى الناس، أو جعل الناس يسعون إلى رمضان، وإذا أقبل شهر الصوم فمن الخير للبرلمان أن يريح أو يستريح.
ومعنى هذا أن عامًا تشريعيًّا قد ضاع على مصر، فلم تخطُ فيه نحو الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي أو الإداري خطوة واسعة أو ضيقة، وإنما ظلَّت مصر حيث كانت حين تركتها وزارة الوفد تنتظر أن تشرع لها القوانين التي تكفل التقدم الاقتصادي والاجتماعي والإداري دون أن تظفر من هذه القوانين بشيء.
وقد كان يقال: إن النظام القائم قد أنشئ ليطعم الجائع ويكسو العاري، ويؤمن الخائف ويعلم الجاهل ويداوي المريض ويغيث الملهوف. وما زال يقال: إن المصريين يشكون الجوع، ويشكون العري، ويشكون الخوف، ويشكون الجهل، ويشكون المرض، ويشكون كل هذه الأشياء التي تدفعهم إلى اللهفة والاستغاثة، دون أن يجدوا لأنفسهم من هذا كله منقذًا أو مغيثًا.
ما زال هذا يقال في مجلس النواب أحيانًا، وفي الصحف أحيانًا، وفي أندية الناس وبيوتهم ومدنهم وقراهم دائمًا. وإذن، ففيمَ ألغي نظام وأقيم مكانه نظام آخر؟! وفيمَ أقيلت وزارة وأقيمت مكانها وزارة أخرى؟!
وكان يقال: إن النظام القائم إنما أنشئ ليصلح أدوات الحكم بعد أن أخذها الفساد من جميع أقطارها. وما زال يقال في البرلمان وفي الصحف وفي الأندية وفي الشوارع: إن في أدوات الحكم كثيرًا من الفساد، فتُهم تهدى إلى بعض الوزراء وإلى بعض كبار الموظفين، وبلاغات يقدمها الوزراء إلى النيابة لتحقق ما يهدى إليهم من التهم، وبيانات تنشرها الوزارات فتثبتها الصحف ثم تشك في بعضها شكًّا ظاهرًا، وتكذب بعضها تكذيبًا صريحًا تقيم عليها الأدلة والبراهين. وإذن، ففيمَ ألغي نظام وأقيم مكانه نظام آخر؟! وفيمَ أقيلت وزارة وأقيمت مكانها وزارة أخرى؟!
وكان يقال: إن الوزارة الوفدية قد أسرفت في الاستثناء حتى أفسدت قلوب الموظفين وعقولهم وأهواءهم، وإن الوزارة الجديدة ستصلح من ذلك ما أفسدت وزارة الوفد. وما زال يقال في الصحف وفي الأندية وفي الشوارع: إن الوزارة القائمة تستثني كما كان يستثني غيرها، وإن قلوب الموظفين وعقولهم وأهواءهم قد أصابها كثيرٌ جدًّا من الشك، وتعرضت لكثيرٍ جدًّا من الاضطراب، وشاع فيها كثيرٌ جدًّا من اليأس والقنوط. وإذن، ففيمَ ألغي نظام وأقيم مكانه نظام آخر؟! وفيمَ أقيلت وزارة وأقيمت مكانها وزارة أخرى؟!
وكان يقال: إن الوزارة القائمة سترد إلى الناس حريتهم كاملة شاملة، وستتيح لهم أن يقولوا ويكتبوا ويخطبوا ويجتمعوا ويتنقلوا، وأعلن رئيس الوزراء نفسه ذلك في مجلس الشيوخ في الحادي عشر من شهر يونيو الماضي، وما زال يقال: إن النيابة قد قامت مقام الرقابة، وإن الناس لا يستطيعون أن يجتمعوا لأن الشرطة تمنعهم من الاجتماع، ولا أن يخطبوا لأن الشرطة تمنعهم من الخطابة، ولا أن ينتقلوا لأن الأوامر العسكرية تصدر بمنعهم من الانتقال، ولا أن يستقبلوا في دورهم وأنديتهم من يشاءون؛ لأن الشرطة تحاصر بعض الأندية وتحاصر بعض الدور وترافق بعض الناس حين يغدون وحين يروحون. وإذن، ففيمَ ألغي نظام وأقيم مكانه نظام آخر؟! وفيمَ أقيلت وزارة وأقيمت مكانها وزارة أخرى؟!
وكان يقال: إن وزارة الوفد قد ضيَّعت حقوق الوطن وقصرت في ذاته، فلم تتم الاستقلال ولم تحرر السودان، ولم تحقق الجلاء، ولم تغير المعاهدة. وما زال يقال: إن الوزارة القائمة لم تتم الاستقلال ولم تُحرر السودان ولم تحقق الجلاء، ولم تغير المعاهدة، وإنما هي توشك أن تضيف إلى قيود المعاهدة البريطانية المصرية أغلالًا أخرى قبلتها الوزارة في سان فرانسيسكو، ويريد البرلمان أن يطوقنا بها في القاهرة. وإذن، ففيمَ ألغي نظام وأقيم مكانه نظام آخر؟! وفيمَ أقيلت وزارت وأقيمت مكانها وزارة أخرى؟!
وكان يقال: إن وزارة الوفد قد عرضت نزاهة الحكم لخطر عظيم، وإن الوزارة القائمة قد جاءت لترد إلى الحكم نزاهته ونقاءه، ولتجعله ناصعًا كأنه ضوء الشمس حين تبسطه على العالم نقيًّا صافيًا رائعًا في أول النهار. ولكن أيسر قراءة للصحف وأيسر استماع لأحاديث الناس وأيسر علم بما تديره النيابة من تحقيق؛ كل هذا يدل على أننا بعيدون عن هذه السمعة النقية الرائعة أشدَّ البعد.
وما أعرف أن وزيرًا أحيط بمثل ما يحاط به بعض وزرائنا في هذه الأيام من الريب والشكوك التي أرجو مخلصًا أن يكذبها التحقيق؛ لأني آخر الأمر مصري، لا أحب لمصر أن يقال في وزرائها بعض ما يقال في هؤلاء الوزراء.
ولست أعرف أن الناس ألحوا كما يلحون الآن على بعض الوزراء جهرة، وفي غير تحفظ طالبين إليهم أن يستقيلوا لا لأن المصلحة السياسية تقتضي أن يستقيلوا فحسب؛ بل لأن خصومهم يضيفون إليهم أشياء لا ينبغي أن يبقوا معها في الحكم، وإنما ينبغي أن يستقيلوا حتى يبرئوا أنفسهم منها، وحتى يتم التحقيق فيما ينبغي له من الأمل والدعة والهدوء.
أفيريد رئيس الوزراء بعد هذا كله دليلًا على أن سفينته جانحة، قد وقفت بها الأحداث حيث هي، فلا تستطيع أن تتقدم ولا أن تتأخر كما وقف الهوى بالشاعر العربي القديم الذي قال:
وقف الهوى بي حيث أنت فليس ليمتأخر عنه ولا متقدم؟
وهل يعرف رئيس الوزراء الأسباب التي اضطرت سفينته إلى الجنوح، أم هل هو في حاجة إلى أن ندله على بعض هذه الأسباب إن لم ندله عليها كلها؟ هل يعلم رئيس الوزراء أن أشد هذه الأسباب خطرًا وأبعدها أثرًا هو تكوين الوزارة نفسها؟ فهذا الائتلاف الظاهر بين قلوب لا يمكن أن تأتلف، وهذا الاتفاق الظاهر بين ميول لا يمكن أن تتفق، وهذا التكلف الظاهر للتعاون بين قوم لا يتفقون في فهم الأشياء ولا في تقديرها، ولا في التأثر بها ولا في الحكم عليها. كل هذا ليس من شأنه أن يمكن السفينة من أن تجري جريًا سهلًا يسيرًا حتى حين يواتيها الريح.
هذه الأحزاب المؤتلفة قد كانت وستكون مختلفة أشد الاختلاف في الطبيعة والمزاج وفي الميول والأهواء، لم يجمعها إلَّا شيء واحد، هو: أن تلي الحكم لتهدم الوفد هدمًا. وولاية الحكم ليست غاية في نفسها، وإنما هي وسيلة إلى الإصلاح والخدمة العامة، وهدم الوفد ليس من الغايات التي يسعى المصلحون؛ لأن إضعافه إضعاف للروح المصري، وليس إضعاف الروح المصري إصلاحًا، وإنما هو شيء آخر غير الإصلاح.
هذه الأحزاب المؤتلفة في ظاهر الأمر المختلفة فيما بينها وبين أنفسها، وفيما بينها وبين الله، لا تستطيع أن تسير بالسفينة سيرًا رفيقًا، وإنما يدفعها بعض هذه الأحزاب إلى أمام ويردها بعض هذه الأحزاب إلى وراء، وينحرف بها هذا الحزب إلى يمين، ويندفع بها هذا الحزب إلى شمال؛ فتضطرب وترتبك وتضطر آخر الأمر إلى الغرق أو إلى الجنوح.
وهل يعلم رئيس الوزراء أن غدو الوزراء على دواوينهم ورواحهم إلى دورهم وإمضاءهم بعض الأوراق وتصريفهم بعض الأعمال اليومية، ليس معناه أن السفينة تسير سيرًا رفيقًا، ولا أن الريح تجري لها رخاءً؟ وإنما معناه أن الكلمة القديمة: ليس في الإمكان أبدع مما كان، هي الحقيقة المؤقتة التي إن صدقت أمس واليوم فقد لا تصدق غدًا أو بعض غد.
وليس المهم هو أن تجري السفينة أو لا تجري السفينة من حيث هي ليست بذات خطر، وإنما المهم أن أمور مصر موكولة إلى هذه السفينة، وإلى الذين يجرونها. فإذا ارتبكت السفينة واضطربت واضطرت إلى الجنوح. فأمور مصر متأثرة بهذا الارتباك والاضطراب والجنوح، ورئيس الوزراء أصدق وطنية وأشد لمصر حبًّا من أن يعرضها لهذا الخطر العظيم.
ومن المحقق أن رئيس الوزراء يعلم من أمر وزارته أكثر مما نعلم، ويعرف حق المعرفة أجانحة سفينته أم جارية؟ ولكن من المحقق أن رئيس الوزراء إن قرأ من الصحف مثل ما نقرأ، فهو لا يسمع من حديث الناس مثل ما نسمع، وهو لا يعلم من خاصة أفراد الشعب ودخائل نفوسهم وضمائرهم مثل ما نعلم؛ لأنه لا يرى الناس كما نراهم، ولا يسمع منهم ولا يتحدث إليهم كما نسمع نحن منهم وكما نتحدث نحن إليهم. والذي نستطيع أن نؤكده لرئيس الوزراء مخلصين أن الناس ليسوا راضين ولا مطمئنين ولا متفائلين، وأنهم إلى السخط والقلق والتشاؤم أقرب منهم إلى أي شيء آخر. فإن لم يصدقها رئيس الوزراء فليتنكر، وليندس بين الناس وليسمع منهم وليتحدث إليهم كما كان يفعل هارون الرشيد فيما ينبئنا به القصاص. إذن، يرى رئيس الوزراء ما لم يكن ينتظر أن يرى، ويسمع ما لم يكن ينتظر أن يسمع، ويروح إلى داره وقد كوَّن لنفسه في وزارته وفي الشعب رأيًا جديدًا.
إذن، يسمع رئيس الوزراء من الناس أنهم كانوا ينتظرون منه كل شيء إلَّا أن يقر بعض الوزراء على بعض ما يأتون من الأمر فيما يقال، لا يلائم بحال من الأحوال طبيعة رئيس الوزراء، ولا مزاجه، ولا مثله العليا في الحكم وفي الأخلاق.
وإذن، يسمع رئيس الوزراء أن الناس كانوا ينتظرون منه كل شيء إلَّا أن يسكت على ما يهدى إلى بعض زملائه من النقد الخطير؛ لأن سكوته لا يمكن أن يفسَّر إلَّا بإحدى اثنتين: إمَّا أنه يقر هذه التصرفات، وقد كان الناس يعتقدون أنه آخر من يقرها أو يصبر عليها، وإمَّا لأنه لا يستطيع أن يخلص من بعض الزملاء على رغم ما يضاف إليهم ويقال فيهم، وقد كان الناس ينتظرون منه أن يكون آخر من يصبر على الضيم ويحتمل في سبيل الحكم ما لا يجب.
ونؤكد لرئيس الوزراء أننا لا نكتب له هذا الحديث ناقدين ولا مُشهرين، ولا نقصد به إلى المعارضة بمعناها المألوف. وإنما نكتبه ناصحين له أصدق النصح، مخلصين له أشد الإخلاص، وقد كانت بينه وبيننا صلات لم ننسها، ولعلها تفرض علينا أن ننصح له ونخلص هذا النصح، وإن اضطره الإخلاص إلى شيء من الصراحة والقسوة فقد يقسو الصديق على الصديق، وقد يعنف الخليل بالخليل.
فليقرأ رئيس الوزراء هذا الحديث خاليًا إلى نفسه مخلصًا في قراءته، كما نكتبه نحن مخلصين في كتابته، وليستقبل رئيس الوزراء من أمره ما استدبر، وليستعرض رئيس الوزراء ما جرى من الحوادث والخطوب منذ نهض بأعباء الحكم، ولينظر بعد ذلك أيرضى أن يكون ربَّانًا لسفينة قد اضطرت إلى الجنوح اضطرارًا؟ وهل يستطيع أن يحتمل تبعات ما يصيب مصر من آثار هذا الجنوح؟ -
أحلام
أحلام
أكانت الأفريكان ورلد على ضآلة قدرها ، وصغر شأنها ، تحلم بأن تُعنى الصحف المصرية بما تكتب هذه العناية التي ظهرت صباح اليوم في السياسة والأهرام ؟
سخر الكوكب أمس مما كتبته الأفريكان ورلد ، وتحدث عن رأيها في الوزارة الائتلافية على أنه حلم من أحلام رئيس الوزراء ، وأمنية من هذه الأماني التي تعبث برأس الرجل الضعيف ، ولا سيما حين يستريح في ظل الأهرام ، حيث تكثر الصور والأشباح التي تؤرّق قومًا ، وترسل الأحلام إلى آخرين .
ولكن السياسة والأهرام لم تسخرا مما كتبته الأفريكان ورلد .
فأما السياسة فالظاهر أنها حرصت على أن تعيد للناس ما لم يشك أحد فيه ، من أن الأحرار الدستوريين أكرم على أنفسهم ، وأحرص على مبادئهم ، من أن يشتركوا مع صدقي باشا في اجتيال تبعات الحكم مهما تكن الظروف .
وأما الأهرام فيظهر أنها نظرت إلى مقال الأفريكان ورلد نظرة عناية وجد ، تعلم الأهرام حق العلم أن هذه الصحيفة لا تستحقها . ومن يدري لعل الأفريكان ورلد إنما اتخذت وسيلة إلى إعادة الكلام في الائتلاف والوزارة القومية ، ولعل الذين ألمّ بهم في اليقظة أو في النوم طيف هذا الائتلاف مع رئيس الوزراء ، هم الذين أوحوا إلى الأفريكان ورلد ، وهم الذين تقدموا إلى الأهرام في أن تعلق على ما كتبت الأفريكان ورلد .
والظاهر أن في الجو المصري الآن روحًا يطوف حول جماعة من الناس ، هو روح الائتلاف مع رئيس الوزراء… ! فقد خابت التجربة ، وأخفقت المحاولات ، وظهر أن الترقيع جهد ضائع ، ولم تبقَ إلا محاولة واحدة ، وهي أن يستقيل رئيس الوزراء مرة ثانية ، ويجدد تأليف الوزارة ، على أن يكون الائتلاف أوسع مما هو الآن ، فيشمل قومًا آخرين غير الاتحاديين والشعبيين ، كما قالت بعض الصحف الإنجليزية منذ أيام .
ما أقدر رئيس الوزراء — رغم مرضه — على سعة الآمال وبعد الخيال ! وكأن رئيس الوزراء لم يتبيّن إلى الآن أن زملاءه وأعوانه وأنصاره لا يمكن أن يكونوا في يوم من الأيام مصدر قوته ، وإنما هو نفسه مصدر الضعف الذي يجده ويريد أن يتخلص منه . ولو اعتدلت آمال رئيس الوزراء ، واقتصد في خياله بعض الشيء ، لعرف أن الوسيلة الوحيدة التي تخلصه من هذا الضعف الذي يشكوه إنما هي أن يتعظ بقول الشاعر القديم:
إذا لم تستطع شيئًا فدعه وجاوزه إلى ما تستطيع
وقد ثبت ألف مرة ومرة أن رئيس الوزراء لا يستطيع الحكم ، وإنما يستطيع الراحة . فلم لا يدع ما لا يستطيع إلى ما يستطيع ؟ فيستقيل ويفرغ لصحته ، ويستريح ويُريح ؟
ولكن آمال رئيس الوزراء أوسع من قوته ، وخيال رئيس الوزراء أبعد من طاقته ، وكثيرًا ما شقي الناس بسعة الآمال وبعد الخيال !
على أن من الغريب ألا يتعظ الإنجليز وفريق من المصريين بالتجارب ، ولا يعتبروا بالحوادث ، وأن يمضوا مع الآمال كما يمضي رئيس الوزراء ، ويستسلموا لخيال كما يستسلم رئيس الوزراء ، ويقدّر كل واحد منهم أن المسألة المصرية لم تزل من المسائل التي يمكن أن تُلتمس لها الحلول العرجاء ، أو تُسلك إليها الطرق الملتوية .
فقد طالما لجأ الإنجليز ومعهم فريق من المصريين إلى الحلول العرجاء فلم يظفروا بشيء ، وطالما سلك الإنجليز ومعهم فريق من المصريين هذه الطرق الملتوية فلم ينتهوا إلى شيء… بل انتهوا إلى الفشل والإخفاق ، واضطروا إلى أن يستأنفوا السعي ، وكأنهم لم يسعوا ويجدوا في التماس الحل ، وكأنهم لم يلتمسوه من قبل !
ومصدر هذا الاضطراب والتورط في هذه المحاولات العقيمة أن الإنجليز وأعوانهم من المصريين لا يريدون أو لا يستطيعون أن يعترفوا بالحقيقة الواقعة ، وهي أن الأمة المصرية موجودة حقًّا ، شاعرة بوجودها حقًّا ، جادة في طلب استقلالها حقًّا ، متنبهة لما يُراد بها من الكيد حقًّا . فهي لا تُؤخذ على غِرّة ، ولا تُخدع بالأماني والآمال ، وهي لا تُؤخذ بقوة ولا بعنف ، ولا تقبل إلا ما ترضاه هي ، لا ما يُراد لها .
وإذن فلن يكون ما بينها وبين الإنجليز حل صحيح منتج إلا أن تشترك هي في هذا الحل . وإذن فالدوران حولها لا يفيد ، ولا خير في هذه المحاولات التي جُرّبت مرارًا منذ كانت الحركة الوطنية ، فلم تنتهِ إلا إلى ما أرادت الأمة نفسها .
نعم إن مذاق هذه الأمة مرّ على الإنجليز ، ولكنهم مضطرون إلى أن يحتملوا هذه المرارة ، وإلا فالأمر باقٍ على ما هو عليه . وهم مهما يفعلوا فلن يزيدوا على تأجيل اليوم الذي يذوقون فيه هذه المرارة ، ويعترفون بأن أمور مصر يجب أن تُرد إلى مصر ، وبأن الاتفاق يجب أن يكون مع الأمة المصرية .
نعم إن من المصريين من يحبون الحكم ، ويتعجلون الوصول إليه ، ويظنون كما يظن الإنجليز أن خداع هذه الأمة أمر يسير ، وأن من الممكن أن تُزيّن لها الألفاظ فتُغرّها وترضيها بما لا ترضى . ولكن هؤلاء المصريين قد رأوا وزارات قامت على هذا الخداع فلم تصنع شيئًا ، وهم يرون الآن وزارة تقوم على تزيين الألفاظ حينًا ، وعلى العنف والعسف حينًا آخر ، فلا تصنع شيئًا رغم البقاء الطويل والتأييد القوي المتصل .
إن الزمن لا يمضي عبثًا ، ولا يذهب سدى . ولعل خير ما أنتجه مرّ الغداة وكرّ العشي في هذه الأيام عندنا هو أنه لم يبقَ أمل لرجل له حظ من العقل والتفكير في أن يأخذ مصر بغير ما تريد . فأجدر بالإنجليز وأصدقائهم من المصريين أن يواجهوا هذه الحقيقة الواقعة في شجاعة وحزم ، وزهد فيما يُغرّ ويخدع من الأماني والأحلام…
يذكرون الائتلاف، فعلامَ يقوم هذا الائتلاف ؟ وبين من يكون هذا الائتلاف ؟ وأيُّ طريقٍ تُسلك إلى تحقيق هذا الائتلاف ؟ وعمن تصدر الرغبة في هذا الائتلاف ؟ أيقوم الائتلاف على حل الأزمة الاقتصادية ؟ ولكن هناك أزمة سياسية يجب أن تُحل، وهي معقدة، شديدة التعقيد، تتصل بعلاقاتنا مع الإنجليز، وتتصل بالدستور ونظام الحكم.
وإذن فهل يقوم هذا الائتلاف على الاقتصاد دون السياسة ؟ ولعل الأزمة السياسية عندنا هي أكبر المؤثرات في الأزمة الاقتصادية، فإن قام الائتلاف على حل الأزمة السياسية، فبأي الأزمتين يُراد الابتداء ؟ أبا لأزمة الخارجية بحيث يُحسم ما بيننا وبين الإنجليز قبل كل شيء ؟ أم بالأزمة الداخلية بحيث يُرد إلى البلاد دستورها قبل كل شيء ؟ وعلى كلتا الحالين فمن يكون الائتلاف ؟ أمن الأقليات المختلفة التي تمثلها الأحزاب المتباينة بحيث تحكم القلة وتقف الكثرة موقف المعارضة كما هي الحال الآن ؟ وإذن فأي شيء تغيّر ؟ وماذا يصنع المؤتلفون ؟ أو متى كان الحكم للقلة والمعارضة للكثرة ؟ أم تأتلف القلة والكثرة فلا يكون هناك حكام ومعارضون ؟
وإذن فمن أين تصدر الرغبة في هذا الائتلاف ؟ أمن المصريين أنفسهم ؟ وإذن فيجب أن تُسمع في ذلك كلمة للكثرة قبل أن تُسمع أي كلمة أخرى. أم تصدر هذه الرغبة من الإنجليز فيُملى علينا الائتلاف منهم إملاءً ؟ ! وإذن فأين تكون الكرامة القومية، ومن ذا الذي زعم أن للأجنبي أن تكون الوزارات مؤتلفة أو غير مؤتلفة في البلاد المستقلة ؟
كل هذه مسائل يجب أن يدرسها الذين يفكرون في الوزارة الائتلافية أو في الوزارة القومية. وهم إن فكروا فيها عرفوا أن هناك شرطًا لا بد منه قبل الكلام في وزارة ائتلافية أو قومية، وهو أن تُرد لمصر حريتها، فتستقيل الوزارة القائمة، وتعود الحياة النيابية الحرة يومئذٍ ، ويومئذٍ فحسب، يمكن التفكير الجدي الصادق في الائتلاف. يومئذٍ تصدر الرغبة في الائتلاف عن الشعب المصري الحر، وتصدر هذه الرغبة في وضح النهار، وتحت أعين الناس جميعًا، لا يوصي بها أحد، ولا يُمليها أحد، ولا تصدر في ناحية من الأنحاء.
وإلى أن يأتي هذا اليوم الذي تستطيع مصر أن تفكر فيه حرةً كريمةً مستقلة الرأي، يجب أن تجتمع كلمة المصريين على مقاومة الوزارة القائمة والذين يؤيدونها من الإنجليز.
سيقولون: ولكن الائتلاف هو الوسيلة إلى إسقاط الوزارة، والتخلص من ثقلها. فمن الذي يشترط هذا الشرط ويُلِحّ فيه ؟ أهم الإنجليز ؟ وإذن فلندعهم وما يشاءون حتى يجدوا أنفسهم في المأزق الذي لا مخرج منه إلا بالنزول عند إرادة الأمة.
قد يكون هذا طويلًا، وقد تُحتمل فيه الآلام، ولكن الجهاد السياسي ليس عبثًا ولا لعبًا. ومن لم يعرف الصبر واحتمال الألم وطول الانتظار خليقٌ أن لا يتورط في سياسة الشعوب…
لست أكره الائتلاف، ولا الوزارة القومية، ولعلي أحبهما وأتمناهما، ولكني أحب ائتلافًا يصدر عن إيمان الأمة ورغبتها. أحب ائتلافًا يصعد من الشعب ولا يهبط عليه. وما رأي أنصار الائتلاف في حلٍّ أرى أنه من العدل الذي لا حيف فيه، والقصد الذي لا يتعرض لشك ولا يحتمل تأويلًا ؟ ما رأيهم في أن تستقيل الوزارة القائمة قبل كل شيء، وفي أن يُمهد لانتخاب حر بعد ذلك، وفي أن يكون الائتلاف والوزارة القومية موضوع الانتخاب ؟
ويتقدم أنصار الائتلاف والوزارة القومية إلى المصريين برأيهم، ويتقدم خصوم الائتلاف والوزارة القومية إلى المصريين برأيهم هذا. فأي الفريقين انتصر في الانتخاب الحر الشريف، فإليه أمور مصر كلها في حدود الدستور، يقضي فيها دون أن يتعرض لريبة أو شك أو اتهام.
أظن أن عرض المسألة على هذا النحو خليقٌ أن يزيل الخلاف حول الائتلاف، وأن يجمع كلمة الذين يحرصون على أن يكون حل المسألة المصرية معتمدًا قبل كل شيء وبعد كل شيء وفوق كل شيء على إرادة الأمة، خالصة من كل شائبة، بريئة من كل شبهة، آمنة من كل تأثير.
فليتعاون خصوم الوزارة بالصبر والصدق في الجهاد والمقاومة حتى يكشف الله ضرها عن مصر، ثم ليحتكموا بعد ذلك إلى الأمة في الوزارة التي تحل مشكلاتها الكبرى: أهي الوزارة الحزبية أم الوزارة القومية ؟
كوكب الشرق – ٣\٤\١٩٣٣