حيرة
بقلم الدكتور طه حسين
وهم لا يحبون السلم لأنه يضيع هيبتهم في الشرق العربي ويطمع فيهم أممًا كانت منذ أعوام قليلة تسمع لهم وتطيع وهم بعد ذلك لا يفهمون الشرق العربي كما ينبغي أن يفهم ولا يعرفون مصر الحديثة كما ينبغي أن تعرف. ما زالوا يفكرون في هذه الأيام كما كانوا يفكرون في القرن الماضي. ويقدرون أن مصر سترهبهم اليوم كما كانت ترهبهم من قبل كأنهم لم يروا شيئًا ولم يعتبروا بما كان من الخطوب والأحداث.
كان إبطاء مصر في الرد على رئيس اللجنة التي ألفت لتفاوض في أمر القناة يقض مضاجع الساسة البريطانيين والفرنسيين. وكان أولئك وهؤلاء يكدون عقولهم ويحملون ذكاءهم أكثر مما يطيق ليعرفوا أولًا هل يرد رئيس الجمهورية المصرية على كتاب اللجنة أو لا يرد وليعرفوا ثانيًا بماذا يمكن أن يرد رئيس الجمهورية المصرية أيقبل لقاء اللجنة أم يرفضه وليعرفوا ثالثًا ماذا يفعلون إن رفض رئيس الجمهورية المصرية هذا اللقاء.
كانوا من كل ذلك في حيرة مظلمة. وكانت الصحف البريطانية والفرنسية تصور هذه الحيرة أصدق تصوير فتبدي وتعيد في فروض مختلفة لا تكاد تنقضي، ويناقض بعضها بعضًا فيما كان ينشر من التنبؤات المتباينة التي لم تكن تدل إلا على أن الكتاب البريطانيين والفرنسيين لم يكونوا يشقون بالحيرة والشك أقل مما كان يشقى بهما الساسة في بريطانيا العظمى وفرنسا جميعًا. ولكن الرد المصري يصل إلى لندن ذات صباح فتنجلي عن الساسة والصحفيين حيرة لتخلفها حيرة أخرى.
فقد كان رد مصر محيرًا حقًا كان موجزًا أشد الإيجاز واضحًا أعظم الوضوح لا يحتمل تأويلًا ولا تحليلًا، طلبت اللجنة إلى رئيس الجمهورية المصرية أن تلقاه فأجابها بأنه مستعد للقائها ولكن هذا الجواب الموجز الواضح أضل رشد الصحفيين والساسة وأخرجهم من شك إلى شك فالرد المصري لم يشر من قريب ولا من بعيد إلى موضوع هذا اللقاء ولا إلى ما يمكن أن يجري فيه من حديث.
ومن أجل ذلك ذهب الساسة والكتاب في تأويل هذا الرد مذاهب مختلفة أشد الاختلاف رأى المتفائلون منهم أن مصر قد جنحت إلى السلم وآثرت أن تصل مع الغرب إلى كلمة سواء ورأى المتشائمون أن وراء الأكمة ما وراءها وأن هذا الإيجاز يخفي شروطًا ستشترطها مصر قبل المفاوضة ويخفي مشكلات ستثيرها مصر أثناء المفاوضة وقوم آخرون توسطوا بين أولئك وهؤلاء وجعلوا يضربون أخماسًا لأسداس وأسداسًا لأخماس ويقدرون أن رئيس الجمهورية المصرية يصطنع المماطلة ليكسب شيئًا من الوقت يستطيع فيه أن يحول بعض الدول الأوربية عن فرنسا وبريطانيا العظمى وأن يضطر هاتين الدولتين الأخيرتين إلى العزلة وإلى احتمال ما ينشأ من تشددهما من تبعات. وما زال الساسة والكتاب يتخبطون في هذه الحيرة المظلمة ويلقون على أنفسهم وعلى الناس أسئلة كثيرة دون أن يجدوا عليها جوابًا وسيظلون كذلك حتى يتم اللقاء الأول في القاهرة بعد ثلاثة أيام نعدها نحن أيامًا قصارًا ويعدونها هم أعوامًا طوالًا لكثرة ما تكلفهم من الجهد وثقل ما تحملهم من العناء. وليس هذا كله هو مظهر الحيرة البريطانية الفرنسية بل هناك مظهر آخر لهذه الحيرة.
ولكنه مظهر خطير بعيد الأثر فيما سيكون من الصلات المستقبَلة بين الشرق العربي والغرب الأوروبي. فالبريطانيون والفرنسيون يريدون المفاوضة، وهم من أجل ذلك قد شاركوا في إنشاء هذه اللجنة التي ستجري هذه المفاوضة، ولكنهم في الوقت نفسه يفرضون لهذه المفاوضة أساسًا يزعمون أنهم لن يتحولوا عنه مهما تكن الظروف ويريدون أن يلزموا مصر قبوله إلزاما. وهم من أجل ذلك يرسلون لجنة تحمل أغصان الزيتون وتدعو إلى السلم والعافية والتعاون ويقدمون بين يدي هذه اللجنة جنودًا وبنودًا وسفنًا وطائرات وتختار فرنسا خاصة اليوم الذي يصل فيه رد مصر لتستأذن بريطانيا العظمى في إرسال جنودها إلى قبرص استعدادًا للطوارئ وتأهبًا لحماية الفرنسيين في مصر إن تعرضت أشخاصهم أو مصالحهم للخطر. أما بريطانيا العظمى فماضية في التعبئة وإرسال الجنود في أثر الجنود استعدادًا لخطر أي خطر.
فالقوم إذن حائرون لا يدرون أيفاوضون أم يحاربون أو هم إن شئت لا يريدون المفاوضة وإنما يريدون أن يفرضوا سياستهم على مصر فرضًا. يريدون أن يملوا عليها هذه السياسة ويخيرونها بين أن تقبل ما يُملَى عليها فتريح وتستريح وإن أهينت كرامتها وذل أبناؤها وقبلوا الضيم وهم صاغرون وإما أن ترفض ما يُملَى عليها فتصب الحرب عليها صبًا وتتعرض هي ويتعرض الأمن العالمي معها لشر يعرف أوله ولا يعرف آخره.
والقوم مع ذلك يعلنون ويلحون في الإعلان أنهم لا يريدون إلا السلم وأن لجنتهم لا تحمل إلى مصر إنذارًا أو شيئًا يشبه الإنذار. هم لا ينذرون ولكنهم يحشدون الجنود في قبرص ومالطة ويعدون أنفسهم للحرب ويستطيع العقلاء أن يتخلصوا من كل هذا التخليط ما يشاؤون. ولكن الواقع من أمر البريطانيين والفرنسيين أنهم حائرون لا يدرون ماذا يصنعون ولا يعرفون كيف يقولون، قد أسرفوا على أنفسهم في الوعيد والتهديد يوم أعلن تأميم القناة وسجل عليهم هذا الإسراف. فهم يكرهون أن يتراجعوا فيفقدوا الثقة والإيمان بهم والاطمئنان إلى ما يبذلون من وعد ووعيد.
وحذرهم الأمريكيون وخوفهم الروسيون من إثارة الحرب، فهم لا يستطيعون أن يقدموا عليها فينفض من حولهم الأنصار وإذا هم يتورطون في شر عظيم لا يعرفون كيف يخرجون منه ولا كيف ينفذون من مشكلاته التي لا تحصى وهم من أجل ذلك يرسلون لجنتهم وفي إحدى يديها غصن الزيتون وفي اليد الأخرى نذير الحرب دون أن يعرفوا حين يخلون إلى أنفسهم أيريدون حربًا أم سلمًا. هم لا يحبون الحرب لأنهم لا يقدرون عواقبها. وهم لا يحبون السلم لأنه يضيع هيبتهم في الشرق العربي ويطمع فيهم أممًا كانت منذ أعوام قليلة تسمع لهم وتطيع. وهم بعد ذلك لا يفهمون الشرق العربي كما ينبغي أن يفهم ولا يعرفون مصر الحديثة كما ينبغي أن تعرف.
ما زالوا يفكرون في هذه الأيام كما كانوا يفكرون في القرن الماضي وما زالوا يعتقدون أنهم قادرون على أن ينذروا فيملأوا قلوب الناس رعبًا وفرقًا. فهم يرسلون جنودهم تخويفًا وإرهابًا ويقدرون أن مصر سترهبهم اليوم كما كانت ترهبهم من قبل. كأنهم لم يروا شيئًا ولم يسمعوا شيئًا ولم يعتبروا بما كان من الخطوب والأحداث. لم تعتبر فرنسا بما أصابها في الهند الصينية وبما أصابها قبل ذلك في الشرق الأدنى وبما يصيبها الآن في شمال أفريقيا ولم تعتبر بريطانيا بما أدركها من الخذلان في الهند وفي أقطار أخرى من الأرض وبما تتعرض له من الشر في قبرص هذه التي تحشد فيها الجند لتخيف مصر والشرق العربي مع أنها لا تستطيع أن تخيف قبرص نفسها بل لا تستطيع أن تؤمِّن جندها من القبرصيين أنفسهم، ولكن القوم قد سجلوا على أنفسهم وعدًا بأن يحفظوا على المسهمين القدماء في شركة القناة القديمة ما كانت تغل عليهم القناة من ربح وهم لا يعرفون كيف يبرون بهذا الوعد. وهم واثقون بأن المحافظين في فرنسا وبريطانيا العظمى لن يغفروا لهم تقصيرًا في خدمة رأس المال مهما تكن أسباب هذا التقصير وهم من أجل ذلك يملأون الدنيا ضجيجًا وعجيجًا وتهويشًا مستيقنين فيما بينهم وبين أنفسهم أنهم لن يظفروا بشيء مما يحبون وأن مصر ستثبت لوعيدهم إن اكتفوا بالوعيد وستخوض حربهم إن فرضوا عليها الحرب.
وقد قلت حين قبض الأمريكيون والإنجليز أيديهم عن تمويل السد العالي أن مصر تتعرض لامتحان خطير فأما أن تثبت لكيد الغرب ومكره فتقنع العالم كله بأنها جديرة بما حققت لنفسها من الاستقلال وإما أن يدركها الضعف والوهن ويظهر في صفوفها الفشل والافتراق فتقنع العالم كله بأنها لم تنضج بعد ولم تصر أهلًا للحياة العزيزة التي تعرف كيف تأبى الضيم. قلت ذلك قبل تأميم القناة فأما بعد تأميمها وبعد هذا التحدي الذي تجاوز كل حد مألوف وبعد أن طمع الإنجليز والفرنسيون في أن يملأوا قلوب المصريين فرقًا ورعبًا وبعد أن جعل أولئك وهؤلاء يعبئون الجنود ويرسلونهم إلى شرق البحر الأبيض المتوسط وهيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن مغرقًا في نوم عميق كأن السلم لم يتعرض للخطر في هذا الجزء من أجزاء العالم أما بعد هذا كله فقد أصبح الامتحان الذي يخضع له المصريون في هذه الأيام أشد قسوة وأعظم عنفًا وأصبحت مصر مخيرة بين الاستقلال والعزة والكرامة مهما يكن ثمنها ومهما تكلفها من تضحية وبين العودة إلى احتلال بريطاني فرنسي أو إلى ما هو شر من الاحتلال البريطاني الفرنسي وهو الوصاية الدولية على إدارة القناة، وأنا مطمئن كل الاطمئنان إلى أن مصر ستختار فتحسن الاختيار.
طه حسين
الجمهورية ٥ سبتمبر ١٩٥٦.
Tag: Conflict
-
حيرة٢
-
صلح
صلح
كانت[1] أنباء تستفيض بها الأحاديث بعد أن كانت سرًّا يهمس بها بعض الناس إلى بعض، ثم أخذت تتردد على الألسنة وتطوف في الأندية حتى استقرت في قلوب الناس، وجعلوا بينها وبين الأزمة التي أثارها الوزراء سببًا.
ولعلك قد فهمت عني ما أريد أن أقول، فلم يكد يثير «رئيس الوزراء» أزمته من «باريس» أو من «فرساي» حتى أخذت الصحف تشير وتلمح إلى خلاف بينه وبين موظف من كبار الموظفين، جعل سلطانه على الحكم محدودًا، يحتاج إلى شيء من الإطلاق والسعة. وأشارت الصحف إلى أن «رئيس الوزراء» قد كره هذا التضييق وأنكره، وأراد أن يزيله ويمحوه إما بالاستقالة التي تريحه من السلطان الواسع والضيق معًا، وإما بالبقاء في الحكم على أن يكون الحكم خالصًا له من دون غيره من الموظفين الذين لا تجعل لهم مناصبهم يدًا في الحكم ولا سبيلًا على الحاكمين.
وعاد «رئيس الوزراء» بعد أن امتلأت الأرض بأنباء الاستقالة وأسبابها الرسمية التي جهر بها الرئيس، وأسبابها الخفية التي نبأت بها الصحف ورواة الأحاديث. فلم يكد يذهب إلى حفلة الشاي التي أقيمت له حتى لاحظ الصحفيون والرواة، والذين يحبون التعليل والتأويل، أن موظفًا من كبار الموظفين قد غاب عن هذا الحفل، وأخذوا جميعًا يقربون الآماد والمسافات بين الأزمة وبين ذلك الغياب. ثم اختلفوا بعد ذلك؛ فمنهم من زعم أن هذا «الموظف الكبير» لم يغب عن الحفل وحده، وإنما غاب عن «الإسكندرية» كلها، وتركها خالصة للمحتفلين. ومنهم من زعم أنه لم يترك المدينة، وإنما قضى ساعة الحفل عند أحد الوزراء الذي لم يستطع أن يشهد الحفل لأنه كان مريضًا.
وأخذ الناس يذهبون مذاهب في التأويل والتفسير تقوي الصلة بين أزمة «رئيس الوزراء» وغيبة «الموظف الكبير» عن حفلة الشاي أو تضعفها، ولكن مرور الأيام القليلة التي جاءت بعد الحفل لم يدع شكًّا عند الناس في أن هذا «الموظف الكبير» ليس بريئًا كل البراءة من هذا التعقيد الذي اعترض حياة الوزارة القائمة، فزادها عسرًا إلى عسر، وحرجًا إلى حرج.
فقد كان الناس يعلمون أن هذا «الموظف الكبير» يلقى «رئيس الوزراء» فيكثر من لقائه، يزوره في داره، ويزوره في ديوانه، ويتحدث إليه فيطيل الحديث، وربما حضر بعض الجلسات لـ«مجلس الوزراء»، ولكنهم لاحظوا منذ عودة الرئيس أن هذه الزيارة قد انقطعت، أو انقطع الحديث عنها والعلم بها. وأنفق «رئيس الوزراء» جهدًا غير قليل ليقنع الناس بأن المرض وحده هو الذي حمله على الاستقالة، ولكن الناس لم يقتنعوا، وهم معذورون؛ فإن الأصحاء الأقوياء إذا اضطرتهم الظروف إلى الاستقالة واعتزال الحكم تكلفوا المرض وانتحلوه، فكيف بـ«رئيس الوزراء» إذا كان مريضًا حقًّا أو بريئًا حقًّا من المرض، ولكن عهده بالمرض ليس بعيدًا.
لم يقتنع الناس إذن بأن المرض وحده هو الذي أثار هذه الأزمة، ولا سيما وعهد المرض قريب يرجع إلى ثمانية أشهر ماضية، ولم يجد الناس بدًّا من أن يستمعوا لقول الصحافيين ورواة الأحاديث من أن خلافًا بين «رئيس الوزراء» وموظف من كبار الموظفين كان له في هذه الأزمة أثر غير قليل.
وجاءت «الأهرام» فأكدت رأي الناس وثبّتته في نفوسهم تثبيتًا حين روت لهم بلهجة القاطع الجازم أن «رئيس الوزراء» لما هم بالاستقالة كتب إلى مصر يرشح خليفته، ويقسم أمور الدولة شطرين: له أحدهما في البرلمان، ولخليفته أحدهما الآخر في الدواوين. وزادت «الأهرام» على ذلك أن كتاب «رئيس الوزراء» هذا لم يَرْضَ بعض الجهات، فنشأت الأزمة وتعقدت تعقيدًا. وكان المنتظر أن يكذّب «رئيس الوزراء»، أو غير «رئيس الوزراء» من الجهات الرسمية، حديث «الأهرام» هذا تكذيبًا قاطعًا يزيل الشك ويمحو اللبس، ويبين للناس أن «رئيس الوزراء» أعلم بتقاليد الدستور، وأحرص عليها من أن يتورط في مثل هذا الخطأ. ولكن هذا الحديث لم يُكذَّب تكذيبًا صريحًا، بل لم تستطع صحف الوزارة أن تنكره إلا على استحياء شديد، وظلت كلمة «الأهرام» عالية، وكلمة «الصحف الوزارية» خافتة لا يكاد يسمعها أحد، فصدق الناس حديث «الأهرام»، وهم مضطرون إلى أن يصدقوه ما دام الذين يعنيهم أمره لم يكذبوه تكذيبًا صريحًا على كثرة ما يلقون إلى الصحف من فنون التكذيب.
وجاءت «المقطم» أمس فأكدت كل هذه الأنباء تأكيدًا لا يسمح بالشك فيها حين تحدثت إلينا عن هذا الاجتماع الضيق الضئيل الذي عقد في منزل «وزير الداخلية» أول أمس، والذي دُعي إليه «رئيس الوزراء» ونائبه السابق، وهذا «الموظف الكبير»، فتساقوا الشاي ممزوجًا بحلو العتاب أو مره، ثم صفت بينهم الأمور، وانصرفوا بعد ذلك وهم يشكرون لمضيفهم سعيه الخير الحميد؛ فقد كان هناك إذن كدر غسله الشاي، وشر أصلحه العتاب، واختلاف محاه أو خففه هذا الاجتماع. وإذن فلم تكذب الصحف، ولم يتجنَّ المتحدثون في الأندية حين زعموا أن الخلاف بين «رئيس الوزراء» وهذا «الموظف الكبير» كان من أسباب الأزمة ومثيراتها، إن لم يكن سببها ومثيرها الوحيد.
وإذن فلم يكن الناس مخطئين أيضًا حين كانوا يعتقدون أن عدول «رئيس الوزراء» عن الاستقالة لا يلغي الأزمة وإنما يؤجلها؛ لأن إلغاء الأزمة إنما يكون بإلغاء أسبابها، ولم تُلغَ هذه الأسباب. لم يكن الناس مخطئين لأن سعي «وزير الداخلية» في هذا الصلح وإجابة «رئيس الوزراء» إليه، وما كان من تساق الشاي والعتاب دليل واضح على أن الذين شربوا الشاي والعتاب أول أمس كانوا هم أيضًا مقتنعين بأن الخلاف بين «رئيس الوزراء» وهذا «الموظف الكبير» سيظل شجىً في حلق الوزارة يجب أن يُنتزع، وشوكة في جنب الوزارة يجب أن تُسلّ، وإلا فلن يستقيم للوزارة أمر، ولن تعتدل أمامها الطريق. ولذلك حاولوا أول أمس أن ينتزعوا هذا الشجى ويستلوا هذه الشوكة.
أفتراهم قد وُفِّقوا إلى ما كانوا يحاولون؟ أم تراهم قد وُفِّقوا إلى شيء دون ما كانوا يحاولون؟ أفتراهم قد نزعوا الشجى نزعًا، ومحوا آثاره محوًا؟ أم تراهم قد قطعوا الشوكة من أصلها حتى آمنوا أذاها وشرها؟ أم تراهم قد اجتهدوا في أن يخففوا من حدته ويلطفوا من شدته ويجعلوه بحيث لا يمنع من مرور الشاي في الحلق ولو ممزوجًا بالعتاب؟ أما الوزاريون فسيقولون إن الجو بين «رئيس الوزراء» وهذا «الموظف الكبير» لم يكن في يوم من الأيام أصفى مما هو الآن. وليس في ذلك شيء من الغرابة؛ فلم تكن الوزارة في يوم من الأيام أقوى مما كانت يوم همَّ رئيس الوزارة بالاستقالة، ولن تكون الوزارة في يوم من الأيام أقوى منها يوم يرفع «رئيس الوزراء» استقالته إلى حضرة صاحب الجلالة الملك.
كذلك قال الوزاريون، وكذلك سيقول الوزاريون؛ فلا تسمع لهم إذن حين يزعمون لك أن الشاي أول أمس قد نزع هذا الشجى من حلق الوزارة نزعًا، وصفّى كل شيء من حولها تصفية لا كدر فيها ولا غبار. لا تسمع لهم، واسمع لقول الشاعر القديم فإنه أصدق تصويرًا للموقف وأدق تعبيرًا عن حقيقته؛ وقد أثبتت سياستنا المصرية وسياسة غيرنا من البلاد أن مثل هذا الخلاف لا يُمحى إلا بأن يعتزل أحد المختلفين، وإنما يخفف ويهون ويُستر أمره على الناس لتجري الأمور في صورة مقبولة في ظاهر الحال، كما قال الشاعر القديم:
أَرِينِي سِلَاحِي لَا أَبَا لَكِ إِنَّنِي … أَرَى الحَرْبَ لَا تَزْدَادُ إِلَّا تَقَاحُمَا فَقَدْ يَنْبُتُ المَرْعَى عَلَى دِمَنِ الثَّرَى … وَتَبْقَى حَزَازَاتُ الصُّدُورِ كَمَا هِيَا
ونحن نتمنى صادقين أن يصفو الجو بين المختلفين، وأن يكون الشاي الذي تساقوه يوم الخميس مطهرًا للقلوب من آثار الحفيظة والموجدة، ولكننا نتمنى مع ذلك أن يكون هذا الصلح معينًا لا على أن تستقيم أمور الوزارة وحدها، فأمور الوزارة عندنا في المنزلة الثانية أو الثالثة، بل على أن تستقيم أمور «مصر»؛ فأمور «مصر» عندنا أجل وأعظم من أمور الوزارة ومن تختلف أو تتفق معه من الموظفين.
نعم، نحن نتمنى صادقين أن يكون هذا الصلح مريحًا لـ«رئيس الوزراء» فيفرغ لأزمة المصريين ليعالجها بكفايته البارعة، فيصد المصارف عن ثروة المصريين، ويكف يد الدولة عن هذه الأرض التي تريد أن تبيعها بعد أيام لأن أهلها عجزوا عن تأدية الضرائب، ويعلن إلى الدول الأجنبية في حزم الواثق المطمئن أن «مصر» لن تؤدي دينها وفوائده إلا ورقًا، ويرد إلى المصريين الاطمئنان على أنهم آمنون على أنفسهم ودمائهم، وعلى أموالهم ومرافقهم. نتمنى هذا كله صادقين، ونذكر المتخاصمين الذين أذن الله لهم بالصلح يوم الخميس بأن الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا أحل حرامًا، أو حرّم حلالًا، وهم يعلمون حق العلم أن الحلال في السياسة المصرية بيّن، والحرام في السياسة المصرية بيّن، وأنهم يعلمون حق العلم أن الصلح والخصام بين الأفراد لا يغيران من سياسة الأمم شيئًا، وإنما الذي يحدث الأزمات ويعقدها وينتهي بها حتى إلى إسقاط الوزارات، هو ما لا يأذن الله به، ولا تأذن به السياسة الصحيحة الصالحة من تحليل الحرام، وتحريم الحلال.
[1] كوكب الشرق في ١٦-٩-١٩٣٣. -
نزاع
نزاع
موضوعه[1] هذا الميراث الثقيل الذي سيتركه صاحب الدولة رئيس الوزراء حين يستقيل في وقت قريب جدًا فيما يقول المكتب السياسي لصحيفة «الديلي تلغراف». ومع أن هذا الميراث ليس غنيًا ولا مثريًا، وليس يسيرًا ولا سهلًا ولا خفيف الاحتمال، فإن الازدحام عليه شديد، والتنازع فيه أشد، والخصومة فيه عنيفة لا تكاد تهدأ إلا لتثور، ولا تكاد تستقر إلا لتضطرم من جديد.
وهذا النزاع يظهر واضحًا جليًا في لندرة حيث تفيد الخصومات فيما يظن، وحيث ينفع النضال كلما ضعف الإيمان بقوة الشعب، واشتد الاستهزاء بحق الشعب، واستيقنت الأحزاب التي تطمع في الحكم أو تحرص على استبقائه في أيديها أن الاعتماد على الشعب لا ينفع ولا يفيد، لأن الشعب لا يملك أو لا ينبغي أن يملك من أمر نفسه شيئًا. ومهما تعلن حكومة الإنجليز حيادها، ومهما تلح في إعلان الحياد، فإن الذين يكلفون بالحكم أو يحرصون على استبقائه في أيديهم يعلمون حق العلم أن الحكومة الإنجليزية لا تستطيع أن ترضى أن يقضى في مصير الوزارات المصرية وهي غائبة أو دون أن تستشار، ودون أن يكون لمشورتها الخطر العظيم والأثر البعيد.
فهم لذلك يهدؤون، وهم لذلك يسكتون في مصر ويتكلمون في بلاد الإنجليز. وما الذي يدعوهم إلى أن يضطربوا في القاهرة أو يتكلموا في مصر، وقد رأوا أن أهل القاهرة وأهل مصر يحتملون الوزارة القائمة على ضيق شديد بها، وكره شديد لاحتمالها، دون أن يملكوا أن يتخففوا من هذا الحمل الذي لا يطمئنون إليه؟ أما أهل لندرة وأهل إنجلترا فيظهر أن كلمتهم مسموعة، وأن لرأيهم في الشئون المصرية خطرًا أشد، وأثرًا أبعد مما لرأي الناس في هذه البلاد.
والذين يختصمون ويختلفون في لندرة فريقان: فريق مؤتلف بالفعل، وفريق يريد أن يأتلف. فأما الفريق المؤتلف بالفعل فهو هذه الأحزاب أو أشباه الأحزاب التي تتولى الحكم أو تظن أنها تتولاه، والتي تعيش في ظلها وتدور من حولها. وأما الذين يريدون أن يأتلفوا فقوم آخرون ليس من اليسير أن تحددهم تحديدًا دقيقًا أو تعينهم تعيينًا واضحًا لا يقبل شكًا ولا جدلًا، ولكنهم يريدون، ثم يتمنون ما يريدون، ثم يحلمون بما أرادوا وتمنوا، ثم يخيل إليهم أن قد صحت الأحلام وتحققت الآمال، فيتهيئون للسعي إلى الدواوين، والجلوس على كراسي الوزراء، واستقبال المهنئين، ثم البدء في تصريف الأمور، والاستمتاع بلذة هذا التصريف.
أولئك وهؤلاء يذيعون الأخبار في لندرة، ثم ينقلونها إلى القاهرة لتذاع في مصر، ثم ينتظرون أثرها في الناس، وهم يعيشون على ذلك.
منذ ظهرت أعراض الضعف على الوزارة القائمة، ومنذ ألمَّ المرض برئيس الوزراء، وأسهم أولئك وهؤلاء ترتفع حينًا، وتنخفض حينًا في لندرة. فإذا «التيمس» و«الديلي تلغراف» وغير «التيمس» و«الديلي تلغراف» ترفع هذه الأسهم مرة حتى يُخَيَّل إلى أصحابها أنها رابحة كل الربح، ثم تخفضها مرة أخرى حتى تروع أصحابها وتكاد تقنعهم بأنها خاسرة كل الخسران. والظريف الطريف أن أسهم أولئك وهؤلاء، على ما يختلف عليها من أعراض الربح والخسران، ومن مظاهر الارتفاع والانخفاض، خاسرة في القاهرة وفي مصر، لا يكاد يهتم بارتفاعها وانخفاضها إلا هذا الفريق الضئيل الذي وقف حياته على أن يدور حول الوزراء والمستوزرين.
أما الشعب فثابت في موقفه، مصرٌّ على حقه، مطمئن إليه، ساعٍ إلى آماله، مُلحٌّ في السعي إليها، صابر على محنته، مُلحٌّ في الصبر عليها، ساخر من أولئك وهؤلاء الذين يختصمون ويسرفون في الخصومة عند الإنجليز، والذين يضحكون من أنفسهم أولاء الإنجليز.
كانت الصحف الإنجليزية ترى أن العدول عن الأحزاب المؤتلفة الحاكمة إلى لون آخر من الائتلاف أمر هو الخير كل الخير، وهو النفع كل النفع، وهو الضرورة التي لا منصرف عنها ولا مفر منها. وكانت تلمح لصدقي باشا حينًا وتصرح له حينًا آخر، وتلين مرة وتشتد مرة أخرى، وتدعوه على كل حال إلى أن يستقيل، ثم تعدل عن هذا الموقف إلى موقف آخر، فتؤيد رئيس الوزراء تصريحًا أو تلميحًا، وتهاجم خصومه تصريحًا أو تلميحًا، وتنهاه مرة في قوة، ومرة في ضعف عن أن يستقيل.
وكلما اتخذت هذه الصحف الإنجليزية كلها أو بعضها، كبارها أو صغارها، موقفًا من هذه المواقف ارتفعت أسهم أولئك وانخفضت أسهم هؤلاء، وابتسمت ثغور أولئك وعبست وجوه هؤلاء. وليس من شك في أن الفصل الذي نشرته «الديلي تلغراف» ونقل إلى مصر أمس واليوم قد رفع أسهمًا وخفض أسهمًا، وقد رسم الابتسام على وجوه قوم، وغشي بالعبوس وجوه آخرين. فقد يظهر أن «الديلي تلغراف» أو أن مكتبها السياسي يرى منذ أمس أن هذه الأحزاب المؤتلفة الحاكمة، أو التي يُخيَّل إليها أنها حاكمة، يجب أن تظل محتفظة بالحكم أو بما يُخيَّل إليها أنه الحكم، وأن الذين يفكرون في أن يخلفوها على الحكم أو على خيال الحكم ينبغي لهم أن يعرضوا عن ذلك ويريحوا أنفسهم من التفكير فيه.
وكانت «الديلي تلغراف» ترى غير هذا الرأي حتى اضطر رئيس الوزراء إلى أن يخرج عن راحته وصمته ويبرق إليها عاتبًا مستعطفًا، مطالبًا بالإنصاف.
وليس لهذا الموقف الجديد بعد ذلك الموقف القديم معنى إلا أن الذين يختصمون حول رضا «الديلي تلغراف» وأشباهها من الصحف الإنجليزية قد ألحوا في الخصومة، وغالوا في التنافس أيهم يظفر بهذا الرضا، فنجح المنتظرون منذ أسبوعين، ثم نجح الحاكمون منذ أمس. ولا بد أن كانت عند المنتظرين بقية من قوة وفضل، ومن قدرة على الإلحاح في الخصومة والمضي في الجهاد، من أن تقرأ غدًا أو بعد غد، أو في الأسبوع المقبل أو الذي يليه، في «الديلي تلغراف» أو في غير «الديلي تلغراف» فصل يروق المنتظرين، ويحمل هذه «الديلي تلغراف» على أن تنشر تأييدًا للمنتظرين وهجومًا على القائمين بالحكم. وسيظل هذا النزاع قائمًا شديدًا عنيفًا حتى يقضي الله قضاءه بين هؤلاء المختلفين. ولكن أمرين اثنين خليقان بالتفكير والاعتبار، أحدهما يثير الحزن ويبعث الأسى، والآخر يحيي الأمل ويقوي الرجاء.
فأما الأول فهو موقف رئيس الوزارة بعد أن طال عليه المرض، واستيقن أصدقاؤه وخصومه أن العناية بصحته أنفع وأجدى عليه من الاحتفاظ بمنصبه. فقد أصبح بقاؤه في الحكم أمرًا مفروغًا منه فيما يظهر؛ يؤكد أصدقاؤه في مصر أنه مستقيل، ويؤكد أصدقاؤه في إنجلترا أنه مستقيل، ويتعزى أولئك وهؤلاء في سهولة مؤلمة ويسر محزن عن اضطرار صديقهم إلى الاستقالة. حتى صحيفة رئيس الوزراء في مصر تردد صباح اليوم إمكان هذه الاستقالة وسرورها بما تقوله «الديلي تلغراف» من أن الحكم أو خيال الحكم سيبقى في أصدقاء الرئيس أشد وأظهر، لا نقول من حزنها، بل نقول من أسفها لأن الرئيس سيستقيل. وأكبر الظن أن سرورها — إن تحققت نبوءة «الديلي تلغراف»، وبقي الحكم في أصحابها — سيكون أظهر وأنصع من حزنها لاضطرار رئيس الوزراء إلى أن يستقيل.
ومعنى ذلك أن إخلاص الناس للناس محدود، وأن وفاء الناس للناس قصير المدى، وأن إيثار الناس لأنفسهم حتى على الذين يخلصون لهم ويحسنون إليهم أمر شائع مألوف، إذ قامت صلات الناس على المنافع العاجلة لا على المبادئ الخالدة. وكذلك جدَّ رئيس الوزراء وأجهد نفسه، ولقي من الجد والجهد ما دفعه إلى المرض وما سيضطره إلى الاستقالة، ثم يتخلى أصدقاؤه عنه هادئين ما دام الحكم يمكن أن يبقى فيهم.
وأما الثاني فهو أن الذين يدورون حول الحكم في مصر وفي إنجلترا يبذلون ما يستطيعون وما لا يستطيعون من القوة والجهد دون أن يجدوا مخرجًا من هذا المأزق الذي تورطوا فيه حين خُيِّل إلى أنفسهم أنهم يستطيعون أن يقضوا في أمر مصر على غير رضًى من مصر. فقد ظهر ألف دليل ودليل على أن رئيس الوزراء لا بد له من أن يستقيل، ولكن ظهرت ألف صعوبة وصعوبة في سبيل من يخلف رئيس الوزراء، لأن الذين يدورون حول الحكم الآن لا يريدون أن يرجعوا فيه إلى مصر. وما دام الأمر كذلك فهم مضطربون وسيظلون مضطربين بين المؤتلفين الآن على الحكم أو خياله، والذين يريدون أن يأتلفوا على الحكم أو خياله.
وقد يبقى هؤلاء المؤتلفون حيث هم، وقد يقوم مقامهم قوم آخرون، لكن أمور مصر ستظل مضطربة مختلطة، وستمعن في الاضطراب والاختلاط حتى يضطر الذين يصبون إلى الحكم إلى أن يلائموا بين مواقفهم وبين طبيعة الأشياء، وإلى أن يعترفوا بأن قد مضى الزمن الذي تُحكَم فيه الشعوب على غير ما تريد.
[1] كوكب الشرق في ١٣-٨-١٩٣٣. -
ضيق
ضيق
أريد أن أعود إلى ذلك الحديث الذي تحدثت به إلى القراء أول أمس عما يظهر في حياتنا العامة من ضيق النفوس وحرج الصدور، والتبرم بأهون الأشياء وأيسر الأمور. فقد وقع هذا الحديث في نفوس جماعة من الأصدقاء والخصوم موقعا دعاهم إلى التعليق عليه، والاشتراك فيه. وكان ما كتبوه دليلا واضحا حقا على أني لم أخطئ حين ذكرت هذه الظاهرة الطارئة في حياتنا العامة، وحين التمست لها العلل والأسباب، وأدعو إلى مقاومتها والتخفف منها. فقد ظهر ضيق هؤلاء الأصدقاء والخصوم بما يكرهون إلى حد ما كنت أقدر أنهم ينتهون إليه، فمنهم من شكا وألح في الشكوى من الصحف الهازلة، وأكد أن استعداء القانون عليها أمر لا بد منه لصلاح الأخلاق، بل ذهب إلى أبعد من هذا، فذهب إلى أن الذين تهاجمهم هذه الصحف لا بد لهم من أن يلتمسوا للدفاع عن أنفسهم وسائل أخرى إذا لم تكف وسائل القانون لتحقيق هذا الدفاع. ومعنى ذلك أنهم يحمدون ما يجدون من ضيق النفوس وحرج الصدور، ويلتمسون لأنفسهم ولغيرهم المعاذير من اضطرارهم إليه، بل من اضطرارهم إلى الشر الخالص والانتقام للنفس إذا لم يوفق القانون إلى حمايتهم من هزل الهازلين. وما أعرف دليلا أظهر، ولا حجة أنصع على ضيق النفس وحرج الصدر من موقف هذا الذي تدعوه إلى الأناة والحلم، وتذكره بضبط العواطف، وقهر ثورة النفس فلا يزداد إلا حدة وغلوا في الحدة يدفعه لا إلى النكير، بل إلى النذير. ومنهم من اتخذ الحديث في هذا الموضوع وسيلة إلى إرضاء طائفة من العواطف والشهوات من الخير ألا ترضى! فأخذ يحمل أغلاط بعض الناس على بعض، ويضيف إساءة المسيئين إلى من يسيئون، ويقيم على ذلك الحجج، ويلتمس إليه الوسائل كأنما يريد أن يتخذ هذه الصحف الهازلة وسيلة إلى مهاجمة الصحف الجادة، وأن يتخذ هؤلاء الكتاب الهازلين طريقا إلى مهاجمة الأحزاب السياسية التي يقول هؤلاء الكتاب إنهم ينتمون إليها ويدعون لها.
وكذلك لم يتحرج صديقي هيكل من أن يذكر الصحف التي تنشر صورا بالزنكوغراف لرئيس الوفد وسكرتيره، وتدعو في بعض صحفها للوفد، ثم تسلك طرقا أخرى في موضوعات أخرى غير السياسة، ولم يتحرج هيكل من أن يشير إلى أن الوفد يشجع هذه الصحف، وتشجيعها إثم، وإلى أن الوفد يحتمي بهذه الصحف، والاحتماء بها لا يليق!!
وكنت أحب لهيكل أن يكون أوسع نفسا، وأرحب صدرا، وأرجح حلما من أن يتورط في هذا كله، أو يذكره تصريحا أو تلميحا أو إشارة، فليس في هذا كله خير، وليس في هذا كله حق، وليس في هذا كله فهم صحيح لحقائق الأشياء في الحياة الديمقراطية.
وهيكل يعلم حق العلم أن الذين يحبون الحياة الديمقراطية ويحرصون عليها مخلصين، لا ينبغي أن يستمتعوا بخيرها ويضيقوا بشرها إلى هذا الحد، وإنما ينبغي أن يقبلوها كما هي، وأن يجدوا ما استطاعوا في إصلاح شرورها وعيوبها، لا بالعنف ولا بالشدة، ولا بضيق النفوس وحرج الصدور، ولكن بالأناة والحلم، وبضبط النفس وقهر الهوى، وبالدعوة إلى الخير بالحجة والموعظة الحسنة، لا بالاستعداء ولا بالنذير.
والوفد كغيره من الأحزاب الديمقراطية له صحفه الرسمية التي تصف آراءه وتصور مذاهبه، وتدعو بلسانه، فهو مسئول عن هذه الصحف، ولكن هناك أتباعا للوفد كثيرين، يتصلون به، وينتصرون له، ويدعون إليه بالكلام حينا، وبالكتابة في الصحف حينا آخر. وهؤلاء لا يستشيرون الوفد، ولا يصدرون فيما يكتبون عن وحي من الوفد، ولا يوجههم الوفد في الطرق التي يسلكونها. ومن حق الوفد لنفسه أن يشجعهم حين يدعون إلى مذهبه، وينتصرون لمبدئه. وليس من حق أحد أن ينكر ذلك على الوفد، أو يلومه فيه. وليس من حق أحد أن يسأل الوفد عما يتورط فيه هؤلاء الناس من خطأ، أو عما يذهب إليه هؤلاء الناس من غلو وإغراق. وليس الوفد في ذلك بدعا من الأحزاب السياسية، وليست مصر في ذلك بدعا من البلاد الديمقراطية. فلكل حزب سياسي قوي أنصاره وأتباعه وأشباعه الذين ينصرونه ويغلون في نصره، والذين لا يتحرجون أحيانا من أن يستغلوا اتصالهم به، وانتماءهم إليه. وفي كل بلد يحيا حياة ديمقراطية صحف هازلة تغلو في الهزل، وتسرف في تتبع العيوب، وتنتمي مع ذلك إلى الأحزاب السياسية فلا تسأل عنها الأحزاب ولا تؤخذ بجرائرها.
ولعل هيكلا يذكر أنه قد كانت في مصر صحف هازلة تتصل بحزب الأحرار الدستوريين، وتنتصر له، وتدعو إليه، وتلقى منه رضى وتشجيعا. ولعل هيكلا يذكر أن هذه الصحف كانت في ذلك الوقت تهاجم خصوم الأحرار الدستوريين مهاجمات كثيرة الشر، شديدة النكر، فيها اعتداء على الأعراض، وفيها انتهاك للحرمات، وفيها اقتراف للآثام. ولعل هيكلا يذكر أن حزب الأحرار الدستوريين لم يبرأ من هذه الصحف حينئذ، ولم يردها عن غيها، ولم يزجرها عن آثامها! ولعل هيكلا يذكر أن هذه الصحف نفسها تحولت مع الظروف عن حزب الأحرار الدستوريين فأصلته ما كانت تصلي خصومه من نار.
فماذا كان يقول هيكل لو أن خصوم الأحرار الدستوريين يومئذ أخذوهم بإثم هذه الصحف وحملوهم تبعات ما كانت تنشر، وما كانت تذيع، وماذا كان يقول هيكل لو أن هذه الصحف لم تتحول عن الأحرار الدستوريين بل ظلت موالية لهم، داعية إليهم. وظلت مع ذلك مقترفة لما كانت تقترف من إثم، مغرقة فيما كانت تغرق فيه من عدوان؟ ماذا كان يقول هيكل لو أن الذين تشتمهم هذه الصحف وتسبهم زعموا للأحرار الدستوريين أنهم مسئولون عن شتمها وسبها لأنها تدعو لهم في صفحة أو صفحتين، وتنشر صورهم، ثم تمضي بعد ذلك فيما لا يرضاه الأدب ولا تقبله الأخلاق؟ ماذا كان يقول هيكل؟ كان يقول إنه غير مسئول إلا عما يكتب، وأن حزبه غير مسئول إلا عما تنشر صحيفته الجادة الرسمية؟ وكذلك ينبغي أن تقول الأحزاب كلها، فهي لا تسأل إلا عما تقوله حقا وتوحي به حقا. فأما الذي تقوله الصحف التي تنتمي إليها وتدعو لها، فهذه الصحف وحدها مسئولة عنه، مأخوذة به.
وما الطريق إلى سؤال هذه الصحف عما تكتب وأخذها بما تذيع؟ هناك طريقان: طريقة الالتجاء إلى السلطان، والاستعداء للقضاء، وهي طريقة لا غبار عليها من ناحية الأخلاق الخالصة، ولكنها تدل على ما سجلناه من ضيق النفوس وحرج الصدور، والخروج عن الأطوار. وهذه خصال إن قبلت من عامة الناس فهي تستغرب من الذين يحيون الحياة السياسية، ويحتملون أثقال الجهاد السياسي. وليس من الحق في شيء أن الجهاد السياسي إنما هو المناقشة البريئة الخالصة للحق، الخالصة لقواعد الأدب والأخلاق فحسب، وإنما الجهاد السياسي هو هذا، وهو أشياء أخرى غير هذا، فيها التعرض للأذى، وفيها احتمال الظلم المنكر، والجور الصارخ والاعتداء على الكرامات والانتهاك للحرمات والصبر على هذا كله، والإغضاء عن هذا كله، والانصراف عن هذا كله إلى ما يليق بالرجل الكريم. ولو أن الذين يشتغلون بالسياسة ويحتملون أثقال الجهاد فيها فرغوا لمحاسبة الناس بأنفسهم أو بطريق القضاء على ما يكتبون عنهم ويقولون فيهم لأنفقوا في ذلك خلاصة جهدهم، وصفوة حياتهم، ولشغلوا به عن الجهاد المنتج الصحيح.
وإن من الغريب حقا أن يظن صديقي هيكل أن صدري يضيق لو قالت في الصحف الهازلة بعض ما تقول في غيري من الناس في هذه الأيام. عفا الله عنك أيها الصديق! فما كنت أظن أن النسيان يمس ذاكرتك إلى هذا الحد! ما أعلم أيها الصديق أن أحدا من المعاصرين عبثت به الصحف الهازلة والجادة، ونالت منه بمقدار ما عبثت بي ونالت مني، وإنك لتذكر – إن لم تكن قد نسيت أن صحف الجد والهزل قضت أشهرا وأعواما لا حديث لها إلا أنا، تقول في ما تشاء في غير حساب للنفس، ولا مراقبة للقلم، ولا استحياء من الضمير، وهي لا تذكرني وحدي، وإنما تذكر معي من لا ينبغي أن يذكر، ولعلك تذكر – إن لم تكن قد نسيت – أنني أعرضت عما قالت، وما زلت عنه معرضا، لم أبد لها صفحة، ولم أهتك لها سترا، ولم أستعد عليها القضاء، ولم أشكها إلى السلطان وإن في قليل جدا مما قالت لما يكفي لاستعداء القضاء والالتجاء إلى السلطان.
طريقة قد تنكرها الأخلاق الخالصة، ولكنها مركبة في طبائع الناس، يلجأون إليها دائما، ويسلكونها دائما، ويلجأ إليها أصحاب السياسة بنوع خاص ولا يقل صديقي هيكل إن الأحرار الدستوريين لا يحبون هذه الطريقة ولا يميلون إليها، فقد يكون هذا حقا إذا خلا الأحرار الدستوريون إلى ضمائرهم ومثلهم العليا في الأخلاق، ولكنهم حين يخوضون غمار الحياة السياسية يسيرون فيها سيرة غيرهم من الأحزاب، وقد كانت لهم صحفهم الهازلة وكانت تظفر منهم بالنصر والتأييد فإذا لم تسمح لهم الظروف الآن بطائفة من هذه الصحف فليس ذلك ذنب خصومهم، وليس ذلك مصدر اللوم لهؤلاء الخصوم.
وبعد، فما كنت أريد أن أذكر فساد الأخلاق حين كتبت ما كتبت أول أمس، فلست أعتقد أن أخلاقنا السياسية من حيث نحن معارضون في هذه الأيام شر من أخلاقنا السياسية فيما مضى، فقديما كان في سياستنا الجد والهزل، وقديما كان في سياستنا الإسراف والاعتدال، لم تزدد أخلاقنا السياسية فسادا، ولعل ما تنشره الصحف الهازلة اليوم أن يكون خيرا مما كانت تنشره أمس، ولعله أن يكون أدنى إلى شيء من الاحتياط ونقاء اللفظ مما كان ينشر قبل الحرب، ومما كان يرسل إلى محمد عبده وقاسم أمين، لأن أخلاقنا قد ارتقت من غير شك، ولأن آدابنا قد تطورت إلى الخير ولو قليلا من غير شك، إنما الذي أردت أن ألاحظه وأسجله هو ضيق بعضنا ببعض، وامتلاء صدورنا بالحرج لأيسر الأشياء وأحقر الأمور.
ويذكر صديقي هيكل أن تكون الأزمة السياسية والاقتصادية هي التي ملأت صدور الوزراء والنواب والشيوخ حرجا بالنقد حتى حين يصدر من بعضهم لبعض، لأن الوزراء وأنصارهم من النواب والشيوخ لا يشقون بهذه الأزمة، ولأن الصحافيين حتى من المعارضين لا يشقون بها كما يشقى بها الفلاح. وكنت أحب لصديقي هيكل أن يكون أحسن تقديرا لهذه الأشياء مما ظهر في مقاله أمس، فليس يألم من الأزمة السياسية والاقتصادية ويضيق بها من يصلى شرها وحده، بل يألم لها أيضا من يدافع عنها، ويحاول حمايتها ويحاول فرضها على الناس، ويحاول أن يصورها في صورة الخير وأستطيع أن أؤكد لهيكل أن الوزراء والنواب والشيوخ يشقون بدفاعهم عن موقفنا السياسي والاقتصادي أكثر مما نشقى نحن باحتمال هذا الموقف، وما يستتبعه من الآلام! وإن هؤلاء الوزراء والنواب والشيوخ خليقون بالرثاء والإشفاق لأنهم يقفون موقفا كله حرج، ويدافعون عن موقف لا سبيل إلى الدفاع عنه، ويحمدون موقفا هم يعلمون فيما بينهم وبين أنفسهم أنه لا يحمد. فهم خليقون أن ينفقوا في موقفهم هذا ما يملكون من جهد، وهم خليقون أن يضعف حظهم من المقاومة لما يوجه إليهم من نقد..
ليصدقني هيكل إن الموقف السياسي والاقتصادي الشاق الذي اضطرتنا إليه الوزارة القائمة، والذي طال أمده، وثقل عبئه على أنصاره وخصومه معا، هو مصدر ما يملأ صدور الناس من حرج لكل شيء، وتبرم بكل شيء. إن كمال الرجولة يقضي علينا أن نقاوم هذا الحرج ونبرأ من هذا الضيق، ونأخذ أنفسنا بالصبر والثبات، ونروضها على احتمال الأذى والمكروه، ونصرفها عن كل ما يدل على ضعف المقاومة أو خور الطبيعة، أو انحلال العزيمة أو الخروج عن الطور.
كوكب الشرق ٣٠ – ٥ – ١٩٣٣ -
صمت
صمت
صمت مريب هذا الذي كلفت به الوزارة واطمأنت إليه منذ حين، وقد كنا نعرفها تحب الكلام وتهيم به، وتغلو فيه حين تدعو إليه الحاجة، وحين لا تدعو إليه، وحين تبيحه المنفعة وحين تحظره، وحين يكون لها منه مخرج وحين لا يكون.
لقد نشرت عنها الأهرام ما كانت تعتقد أنه الحق الذي لا تشك فيه ولا ترتاب، فأسرعت الوزارة إلى تكذيب الأهرام، وأسرعت الأهرام بعد ذلك إلى تحدي الوزارة والوزراء، فسكتت وسكتوا، وآثرت العافية وآثروها. فهذه الوزارة التي كانت تقول حين كان القول ينفع وحين كان القول يضر، قد ردت نفسها في هذه الأيام إلى صمت عميق كثيف، لا يخرجها منه سؤال ولا إلحاح في السؤال.
زعم الناس أنها قضت في عطاءات جبل الأولياء قبل أن يجتمع مجلس الشيوخ، وقبل أن يجتمع مجلس الوزراء، وأشفقت الكوكب أن يكون ما زعمه الناس حقا فطلبت إلى الوزارة أن تنفيه وتنكره، أو أن تعرفه وتبين سبيل الحق فيه، ولكن الوزارة آثرت الصمت وأصرت عليه! وزعم الناس أن أمر هذه العطاءات لم يكن مثبتا في جدول الأعمال التي كانت معروضة على مجلس الوزراء، ثم أضيفت إليه في وقت متأخر! وأشفقت الكوكب أن يكون ما زعمه الناس حقا، وأشفقت الكوكب بنوع خاص أن تحدث هذه الإشاعات من الآثار في نفوس الناس ما يثير فيها الريب والشكوك التي لا ينبغي أن تثار، فطلبت إلى الوزارة أن تنفي ذلك وتنكره أو أن تعرفه وتبين عذرها فيه، ولكن الوزارة آثرت الصمت وأصرت عليه، ثم أصبح الناس يوم الخميس وإذا الصحف كلها قد أجمعت على أن مجلس الشيوخ لم يقر ميزانية الأشغال، وبعض هذه الصحف يوالي الوزارة،
وبعضها يخاصمها، وبعضها يعرب عنها. ولم تكن جلسة مجلس الشيوخ سرا يشهده المقربون دون غيرهم، وإنما كانت علنية يشهدها من يحب الوزارة ومن لا يحبها. فكان الناس معذورين حين صدقوا هذه الصحف التي لم يؤخذ عليها الكذب، ولم تعرف إلا بتحري الصدق، وتصوير الحق للقراء في مثل هذه الأشياء، ثم ظهرت مضبطة مجلس الشيوخ فإذا هي تثبت نقيض ما نشرته الصحف وتنبئنا بأن المجلس قد أقر بعض الميزانية، وفيه اعتماد جبل الأولياء، وأرجأ بعضها الآخر إلى الأسبوع المقبل.
وزعمت بعض الصحف أن في الأمر تحقيقا، ولم تدفع الأهرام وغير الأهرام ومنها صحيفة الوزارة عن نفسها تهمة الكذب أو الخطأ، ففهم الناس من هذا أنها مصرة على ما روت! وسألت الكوكب عن جلية الأمر، وتمنت على الوزارة أن تظهر الناس على الحق، ولكن مكتب مجلس الشيوخ ظل صامتا، وظلت الوزارة صامتة أيضا!
ونقلت الأهرام صباح اليوم بعض ما قالته الكوكب في ذلك فلم تنكر ولم تعرف، ولم تنف ولم تثبت وآثرت هي أيضا صمتا عميقا كصمت الوزارة.
وكانت البلاغ هي التي نبهت إلى هذا التناقض بين رواية الصحف، ورواية المضبطة، ولكنها ظهرت أمس صامتة كما صمتت الأهرام، وكما صمتت الشعب، وكما صمتت الوزارة ولعلها تنتظر الجواب ونتيجة التحقيق.
ولكن هذا الصمت الذي لزمته الوزارة وأغرقت فيه بعد ما عرف عنها من كثرة الكلام مريب، لأنه يشكك الناس فيما يجب ألا يشكوا فيه، ولأنه يثير في نفوسهم خواطر ينبغي ألا تثار، ونحن نعلم أن الصمت قد يكون أبلغ من الكلام، ونعلم أيضا أن الصمت قد يكون من ذهب إذا كان الكلام من فضة، ونعلم أيضا أن الصمت يخرج أحيانا من المآزق، ويصرف أحيانا عن التورط في الشر، ولكنا نعلم أن بلاغة الصمت مختلفة، وأن اختلافها هو الذي يثير الريب، ويدفع إلى الشك. فقد تكون بلاغة الصمت إنكارا، وقد تكون بلاغة الصمت إقرارا، وقد تكون بلاغة الصمت ترددا، وقد تكون بلاغة الصمت ثقة،
وقد تكون هذه البلاغة خوفا، وقد تكون أمنا، وقد تكون شكا، وقد تكون يقينا. والناس يفهمون هذه البلاغة بالقرائن، ويقدرونها بالظروف، ويحكمون لها أو يحكمون عليها حسب ما ينتهي بهم التقدير. ولهذا كان أقل الصمت بلاغة، أو قل أقل الصمت حظا من التوفيق هذا الذي تلجأ إليه الوزارة، لأن صلة الحكومة بالشعب في حاجة إلى الصراحة الصريحة، وإلى المواقف الواضحة الجلية التي لا تثير شكا، ولا تبعث ريبا، فنحن نحب أن نعرف من أي نوع بلاغة هذا الصمت الذي أحبته الحكومة واطمأنت إليه في هذه الأيام. أهو صمت المنكر لما جاء في الصحف، الواثق بكذبه أو خطئه؟ وإذن فما لها لا تعلن هذا الإنكار، وما لها لا ترد الصحف إلى الصدق بعد الكذب؟ أو إلى الصواب بعد الخطأ؟ وهي مكلفة أن تحرص على ألا يذاع في الناس غير الحق، ولعلها تستغل هذا التكليف وتتجاوز به الحدود المعقولة في كثير من الظروف ومع كثير من الصحف التي تخاصمها ولا تشاركها في الرأي.
أهي بلاغة المعترف بأن الصحف لم تخطئ ولم تكذب؟ وإذن فما صمتها عن الشر، وما سكوتها على المنكر، وما إحجامها عن تبيين وجه الحق، وعن تحديد التبعة واستكشاف المسؤولين؟ وهي مكلفة أن تصون النظام كله ونظامها الخاص قبل كل شيء من كل عبث، وتحميه من كل فساد، وتعصمه من أن يسوء به الظن، أو يقبح فيه الرأي، أو يرتاب فيه الناس.
يجب على الوزارة أن تقول شيئا، وأن تقول شيئا في أمر هذه المضبطة بنوع خاص فإن من حق الناس أن يستوثقوا ويطمئنوا إلى أن المصادر الرسمية بمأمن من كل ما يجب أن تتنزه عنه من أنواع التردد والتشكيك.
هل أقر مجلس الشيوخ ما تقول المضبطة إنه أقره من ميزانية الأشغال، فكان عمل مجلس الوزراء مساء الخميس دستوريا لا غبار عليه؟ أم هل قل عدد الأعضاء في مجلس الشيوخ فأرجئت الميزانية إلى الأسبوع المقبل، فكان ما عمله مجلس الوزراء مساء الخميس تخطيا لمجلس الشيوخ وتصرفا في الميزانية قبل أن يقرها البرلمان؟ لو لم يكن في الأمر إلا أن كلام الوزارة يقرر حقا، ويمحو شكا، ويلقي في قلوب الناس الأمن والطمأنينة على المصادر الرسمية لكان من الحق على الوزارة أن تتكلم، ولا تلح في هذا الصمت، فكيف والأمر يعدو هذا إلى شيء آخر، هو تصرف من تصرفات مجلس الوزراء، أدستوري هو أم مخالف للدستور؟
ولقد قال الناس وأكثروا في ميزانية الأشغال بعد أن أخرجت من مجلس النواب على ذلك النحو الغريب الذي لم ينسه أحد بعد، وكان من حق الناس أن يقولوا، وكان من حقهم أن يرتابوا، فقد ثبت في مضبطة مجلس النواب أن بعض الأعضاء لاحظ عند أخذ الأصوات أن العدد لم يكن قانونيا، فلم يحفل الرئيس بهذه الملاحظة. وقالت الصحف إن المصوتين لم يتجاوزوا خمسة وثلاثين. وكتبت الصحف في ذلك، وأنكرت أن تكون ميزانية الأشغال قد صدرت عن المجلس صدورًا دستوريًا صحيحًا، فلم يقل المجلس شيئا، ولم تقل الوزارة شيئا. ولم تغير الصحف رأيها، ولم تعدل الصحف عن شيء من هذا الرأي، وها نحن أولاء نشهد في مجلس الشيوخ قصة كقصة مجلس النواب، موضوعها ميزانية الأشغال نفسها، والناس يعتقدون أن التعجل في مشروع جبل الأولياء هو مصدر ما كان من مخالفة الدستور في مجلس النواب، وهم يعتقدون أن هذا التعجل نفسه مصدر هذا التناقض بين ما نشرته الصحف كلها، وما أثبتته مضبطة مجلس الشيوخ.
فكيف تسكت الحكومة على هذا كله؟ وكيف تقبل أن تثور الشكوك وتكثر حول ما ينبغي لأعمال المجلسين ومصادرهما الرسمية من الأمانة والنزاهة والصدق والصواب.
إن الناس يفكرون في أشياء كثيرة، ويتحدثون فيها إذا لقي بعضهم بعضا، أو خلا بعضهم إلى بعض، ومن هذه الأشياء ما يمس الوقت الحاضر، ومنها ما يمس وقتا مضى، ولكنه ما يزال قريبا، امتلأت فيه نفوسهم بالشكوك، وانطلقت فيه ألسنتهم بالريب، وهموا أن يشكوا منه، بل شكوا منه بالفعل، والناس يذكرون الماضي القريب ويصلون به الوقت الذي نعيش فيه، ويقولون فيكثرون القول، ويستنتجون فيذهبون في الاستنتاج مذاهب كثيرة. والصحف عاجزة عن أن تصور أحاديث الناس ومذاهبهم هذه، لأن القوانين الجديدة لا تخلي بينها وبين ذلك، ولكنهم يتحدثون على كل حال بأن القوانين لم تصل بعد إلى أن تحظر عليهم الحديث، وهذا الحديث شر لا خير فيه لأنه يعرض سمعة الحكومة لما لا ينبغي أن تتعرض له.
فلتعمل الوزارة في أمر هذه المضبطة شيئا، أو لتقل الوزارة في أمر هذه المضبطة شيئا، أو لتصدر الوزارة ما من شأنه أن تمحو من النفوس كل شك، ويزيل منها كل ريب.
كوكب الشرق ١٣ – ٥ – ١٩٣٣ -
خلاف
خلاف
نعم، خلاف في ظل الائتلاف، وشقاق تحت جناح الوفاق، وخصام في أحضان السلام. ولم لا؟ وأين وُجد الإخوة الذين لا يختلفون؟ ومتى رأيت الأشقاء الذين لا يختصمون؟ وإنما الحياة سبيل إلى اتفاق الرأي حينًا واختلافه أحيانًا، ولا سيما حين تكثر المغريات، وحين تتيح الحظوظ للأصدقاء الأصفياء أن يقوى بعضهم ويضعف بعضهم الآخر، وأن يعز منهم فريق ويذل منهم فريق، وأن تمتلئ أيدي جماعة منهم بالخير، وتصفر أيدي جماعة أخرى من كل شيء.
والأحزاب المؤتلفة في الحكم إنما تتألف من أفراد، فيهم فضائل الناس ونقائصهم، فهم يتفقون على المصالح العامة التي لا تعني أشخاصهم، وهم يختلفون عند المصالح الخاصة التي يمكن أن يفيدوا منها مالًا أو جاهًا، قليلًا أو كثيرًا.
وآية ذلك أن المؤتلفين في الحكم لم يختلفوا لحظة في إقامة الخزان، لأن إقامة هذا الخزان واضحة النفع لمصر، جلية الفائدة للمصريين؛ ستحمل إلى أرض مصر الخصب، وستكفل لأهل مصر الثراء. وخزانة مصر قادرة على إقامة هذا الخزان، لديها من المال أكداس مكدسة، تستطيع أن تنفق منها بغير حساب دون أن تخشى فقرًا أو تتعرض لإفلاس. ولا تصدق المستشار المالي، فهو إنجليزي يكره لمصر الخير، ويضمر لها الشر، ويأبى إلا أن يرى أرضها مقفرة مجدبة، وأهلها معوزين معدمين! وهو حين نصح الحكومة بألا تتعجل في إقامة هذا الخزان، وأظهر الإشفاق على خزانة الدولة، لم يفكر إلا في مصلحة الإنجليز الذين يكرهون هذا الخزان، ويخافون من إقامته في السودان!
فلتحذر الحكومة وليحذر البرلمان، وقد حذرت الحكومة فلم تحفل بالمستشار، ولم تلتفت إلى رأيه. ومتى حفلت وزارتنا القائمة برأي الإنجليز؟ ومتى قبلت وزارتنا القائمة نصيحة الإنجليز؟ وهي تشك فيهم كل الشك، وترتاب بهم كل الارتياب، وتأخذ نفسها منذ نهضت بأعباء الحكم بأن تكرههم على ما لا يريدون، وتجرعهم ما لا يستسيغون.
أعرضت حكومتنا عن نصيحة المستشار، وأعرض عنها البرلمان أيضًا، واتفق الحزبان المؤتلفان في هذا الإعراض كذلك، فلم يسألا عن رأي المستشار، ولم يحفلا به. ولم يسألا ويحفلا؟ والمستشار إنجليزي يجب أن يسوء به ظن الحزبين المؤتلفين اللذين لا يأمنان للإنجليز، ولا يحبان إلا إرغام الإنجليز على الاعتراف بما لمصر من كرامة وسيادة وحق.
وتحقق الائتلاف حول جبل الأولياء في أجمل صورة، وأروع شكل، وانتصر الائتلاف في هذه المسألة على خصمين عنيدين: أحدهما الأمة المصرية التي لا تريد هذا الخصب ولا ترغب فيه، والتي يجب أن تُكره على أن تكون أرضها خصبة رغم أنوفها، وعلى أن يكون أبناؤها أغنياء وإن كرهوا الغنى، لأن سادة الساعة وحكام اليوم أعرف بمصالح الأمة من الأمة، وأقدر على تحقيق منافع الشعب من الشعب! وما قيمة الوزارة وما غناؤها إذا لم تسقنا إلى الخير ونحن كارهون؟
والثاني هذا المستشار الإنجليزي الذي ائتمر بمصر مع حاكم السودان العام؛ فبينما كان الحاكم العام يجد في إقناع وزارتنا بالإعراض عن إقامة الخزان رحمة بالسودانيين، ورفقًا بهم، ورعاية لمصالح الإنجليز في السودان، كان المستشار ينصح الوزارة أن تعرض عن إقامة الخزان حماية لخزانة الدولة من الضعف، وميزانية الدولة من الاضطراب.
وقد عرف الحزبان المؤتلفان كيف يثبتان لهذين الخصمين، فيلقيان الأمة بالعنف والقهر، ويلقيان الإنجليز بالمهارة والمداورة، وبالإعراض والإغضاء.
وانتصر الائتلاف مرة أخرى حين أُثيرت سياسة التعليم، وحين عرف الحزبان المؤتلفان أن هذه الأمة الجاهلة الغافلة تريد أن يشيع التعليم على اختلاف فروعه بين أبنائها على اختلاف طبقاتهم ومنازلهم، وأن انتشار التعليم على هذا النحو قد يمحو الجهل ويزيل الغفلة، ويشعر الأمة بحقها وكرامتها شعورًا قويًا خطرًا على طموح الطامحين، وعبث العابثين، واستئثار المستأثرين، واحتكار المعصومين للحول والطول والقوة والسلطان.
هنالك أحس المؤتلفون أن الائتلاف يتعرض للخطر، وهنالك اجتمعت كلمة المؤتلفين على أن ضيق التعليم خير من سعته، وعلى أن انبساط الجهل خير من انقباضه، وعلى أن حكم الشعب رهن بأن يظل الشعب جاهلًا غافلًا، وعلى أن العلم والفهم والكفاية والطموح إلى المثل الأعلى خصال يجب أن تكون مقصورة على الأغنياء وأشباه الأغنياء. وحسب أبناء الشعب أن يعملوا في المزارع والمصانع، وأن يظلوا رعية صالحة للتذليل والتسخير.
هنالك قوى الائتلاف وأُحكمت عقدته، وأيد الحزبان المؤتلفان وزير التقاليد، وانتصر الائتلاف أيضًا حين تعرض لهو الأجانب وعبثهم للخطر، وحين همّ بعض النواب بإلغاء معونة الأوبرا، وحين ظهر أن هذه الفكرة خبيثة: ظاهرها الرفق بخزانة الدولة، والعطف على الذين يؤدون الضرائب، ويلقون في أدائها صروف الجهد وألوان العناء، وباطنها حرمان الأجانب لذة مشاهدة التمثيل، والاستماع للغناء، والاستمتاع بالرقص. وكيف يستقيم الأمر إذا حُرم الأجانب ما يطمحون إليه، ويطمعون فيه من هذه اللذة المترفة، تضاف إلى ما يستمتعون به من تفوق على المصريين في كل شيء، وامتياز من المصريين في كل شيء؟ يجب أن يذعن المصريون، ويجب أن يلهو الأجانب! وعلى ذلك تمت كلمة الائتلاف، وحول ذلك أُحكمت عقدته.
وتستطيع أن تطمئن وأن ترضى، فلن يتعرض الائتلاف لخطر ما دامت المصلحة العامة الجلية الواضحة تدعو إلى قوته واستحكام أمره.
أما حين تعرض المسائل التافهة التي لا خطر لها ولا غناء فيها، فجائز، بل واجب، أن يختلف المؤتلفون، ويفترق المتفقون، ويتصدع الائتلاف اليوم ليرأب صدعه غدًا.
انظر إلى الحزبين المؤتلفين يشتد بهما الخلاف حتى ينذر بالخطر العظيم، وحتى يجد الوزراء في التوفيق، وحتى يخرج الأعضاء على قرارات الأحزاب، وحتى يستقيل بعضهم أو ينذر بالاستقالة، لأن مجلس النواب في حاجة إلى وكيلين، والحزبان المؤتلفان يطمع كل منهما في أن يكون منه الوكيلان دون صاحبه.
هذه مسألة يسيرة لا خطر لها في حقيقة الأمر؛ فسواء على مصر أن يكون الوكيلان من حزب الاتحاد أو من حزب الشعب، وسواء على الإنجليز خاصة والأجانب عامة أن يكون الوكيلان من حزب الاتحاد أو من حزب الشعب؛ فسيقام الخزان، وسيُضيَّق التعليم، وسيكون التمثيل والرقص والغناء.
ولكن حزب الشعب شديد الطمع، لا يعرف حدًا لهذا الشره إلى التسلط والسيطرة، فلم يكفه أن يستأثر بالحكم ومناصب الوزارة، حتى يريد أن يحرم صديقه وشقيقه كل شيء.
وقد احتمل حزب الاتحاد من حزب الشعب أهوالًا ثقالًا؛ فرئيس حزب الشعب يقصي وكيل الاتحاد لهذا، ورئيس حزب الشعب يرقي الشعبيين إلى الوزارة، ويترك وزارة الداخلية فلا يضع فيها شعبيًا، ولكنه لا يضع فيها اتحاديًا أيضًا، وإنما يختار لها رجلًا يقال إنه بعيد عن الأحزاب. ثم يحتاج مجلس النواب إلى وكيلين، فإذا حزب الشعب لا يدع هذين المنصبين لحزب الاتحاد المظلوم، بل لا يدع له منصبًا من المنصبين، وإنما يريد أن يستأثر بهما جميعًا.
أوَإِذا تَكونُ كَريهَةٌ أُدعى لَها وَإِذا يُحاسُ الحَيسُ يُدعى جُندَبُ
نعم، كذلك أراد اللّٰه لحزب الاتحاد في هذه الأيام. واللّٰه يداول الأيام بين الناس، واللّٰه يذل أحزابًا ويعز أحزابًا، واللّٰه يجعل بعض الأحزاب رؤوسًا وبعضها أذنابًا. واللّٰه يثير في نفوس الاتحاديين وقلوبهم نارًا تتأجج، ولهيبًا يضطرم، لأنهم فرطوا في وكيلهم وخذلوه، ولو قد عرفوا كيف يؤيدونه وينتصرون له، لعرف هو كيف ينتصف لهم ويرد عنهم طغيان الحزب الصديق الشقيق.
كذلك يتحدث حزب الاتحاد إلى نفسه، وببعض ذلك يتحدث حزب الاتحاد إلى الناس. أما حزب الشعب فله الحكم، وعليه تبعات الحكم، فيجب أن يكون له الحظ الأوفر من منافع الحكم ومزاياه.
وما كان لحزب الاتحاد أن يسمو إلى مناظرته أو مخاطرته، وليس رئيسه بالذي يستطيع أن يثبت لرئيس حزب الشعب، وقد خذل وكيله فأصبح جسدًا بلا روح. فليقنع إذن بما أعطاه اللّٰه، وبما نزل له عنه حزب الشعب، وإلا فإن حزب الشعب قادر على أن يستبدل قومًا مكان قوم، وحزبًا مكان حزب. أليس يقال إن في مجلس النواب حزبًا ثالثًا؟ وإذن فليذكر حزب الاتحاد قول الشاعر القديم:
قدِّر لرجلك قبل الخطو موضعها فمن علا زلقا عن غِرَّةٍ زلِجا
وعلى هذا النحو يختلف المؤتلفون، ويفترق المتفقون. والأمة تنظر إلى هذا الائتلاف فتبتسم، وإلى هذا الاختلاف فتضحك، كما يبتسم ويضحك من ينظر إلى لعب اللاعبين. والأمة تعلم حق العلم أن اختلاف الحزبين لن ينفع، وأن ائتلافهما لن يفيد، لأنهما لا يملكان طاعة ولا إذعانًا لمن بيده الخيط، هذا الذي يستريح الآن في مينا هاوس١، والذي يترك الحزبين يلعبان لأنه متعب، أو لأنه سئم، أو لأنه يريد أن يلهو، حتى إذا فرغ من اللهو بلعب حزبيه، جذب الخيط فإذا الائتلاف قوي متين، وإذا الصلات بينهما على أحسن حال من المودة والصفاء.
كوكب الشرق ٢١ – ٣ – ١٩٣٣ -
الأزمة الأخيرة لحكومة صدقي باشا | The Final Crisis of the Sidqi Government
مفاوضة
ليست بين الإنجليز والمصريين في المسألة المصرية، فقد عدلت إنجلترا عن المفاوضة الآن، ويئس منها أساطين هذا العهد السعيد. وليست بين مصر وفرنسا حول مسألة الدين، فقد أصرت فرنسا على ألا يؤدّى إليها الدين وفوائده إلا ذهبًا، ومضت معها إيطاليا في ذلك، وسكتت عنهما إنجلترا صديقتنا العزيزة، وخرج الأمر عن أن تجدي فيه المفاوضات. وليست بين مصر وأي دولة أخرى من دول الشرق والغرب، فالصلات بيننا وبين هذه الدول مستقرة وثابتة، لا تحتاج إلى أخذ ورد، ولا إلى تغيير وتبديل، وإن كان وزير «ألمانيا» المفوض يتردد من حين إلى حين على وزارة الخارجية محتجًا على أعمال الإسرائيليين، وإنما هي مفاوضة بين مصر الرسمية المقيمة في الإسكندرية وبين «رئيس الوزراء» المقيم في «فرساي».
والناس يجهلون موضوع هذه المفاوضات، أو لا يكادون يعرفون منه إلا شيئًا قليلًا، لا يمكن القطع به والجزم بحقيقته. فـ«الأهرام» تزعم أن لـ«رئيس الوزراء» مطالب يريد أن يجاب إليها قبل أن يصل إلى مصر، ولكن «الأهرام» لا تبين هذه المطالب ولا تشير إليها، و«المقطم» تشير من طرف خفي جدًّا إلى شيء كهذا حين تذكر أن «رئيس الوزراء» مسه شيء من الغضب، قوي أو ضعيف، حين أراد أن يسافر وكيل المالية إلى الولايات المتحدة ليتبين حقيقة الجهود التي تنفقها حكومة «واشنطن» لرفع الأسعار. ولكن «المقطم» كـ«الأهرام» لا تكاد تبين عن هذا الخلاف القائم الذي يدعو إلى اتصال المفاوضات بين الإسكندرية و«فرساي» من طريق «باريس».
نعم، من طريق «باريس»، فالإسكندرية لا تفاوض «فرساي» رأسًا، وقصر «بولكلي» لا يفاوض فندق «تريانون» مباشرة، وإنما تتوسط المفوضية المصرية بين المدينتين، ويسعى وزيرنا المفوض بين القصرين. ولا بد من أن تجري الأمور على هذا النحو، فإن المفوضيات لم تنشأ، والوزراء المفوضين لم يعينوا لإقامة الحفلات واستقبال «وزير التقاليد» على موائد الغداء ليس غير، وإنما أنشئت المفوضيات وعين الوزراء المفوضون لشيء أدنى من هذا كله إلى الجد.
وإذا لم تكن مسألة الدين خليقة أن يسعى فيها وزيرنا المفوض في «باريس» بين «بولكلي» وقصر «كي دورسي»، أو بين صاحب العزة «صليب بك سامي» و«المسيو بول بونكور»، فإن في هذا الخلاف القائم ما يمكن وزيرنا من السعي بين صاحب المعالي «شفيق باشا» رئيس الوزراء النائب، وصاحب الدولة «صدقي باشا» رئيس الوزراء الأصيل.
كذلك يريدون أن تكون شؤوننا مثيرة دائمًا للابتسام حتى حين يجدّ الجد، وحين يدعو الأمر إلى كل شيء إلا الابتسام. مهما يكن من شيء فإن هناك مفاوضات بين الإسكندرية و«فرساي»، يسعى فيها صاحب المعالي «فخري باشا»، وأكبر الظن أننا نكتب هذا الفصل وقد انتهت هذه المفاوضات وجاء رد «فرساي» يحمل إلى الإسكندرية النبأ «نعم»، أو يحمل النبأ «لا».
وعلى «نعم» أو «لا» تقف أمور مصر في الأيام القريبة المقبلة. فمن يدري؟ لعل «نعم» أن تمكن «رئيس الوزراء» من إتمام برنامجه فيأخذ القطار، ويعبر البحر، ويرفع استقالته بعد أن يستريح، ولعل «لا» هذه أن تحول دون إتمام هذا البرنامج فيبقى «رئيس الوزراء» في «فرساي» ويعود إلى مصر متى أراد هؤلاء، لا متى أرادت الظروف.
وواضح جدًا أن المفاوضات الخطيرة التي تضطرب بها أسلاك البرق، أو يتموج بها هواء الجو، ليست حول الاحتفال الرائع الذي يريد حزب الشعب أن يقيمه لـ«رئيس الوزراء» متى عاد. فأمر حزب الشعب فيما نرجو، وأمر احتفاله واستقباله أهون على الله والناس والدولة من أن تجري فيه المفاوضات الرسمية بواسطة المفوضية المصرية في عاصمة الجمهورية الفرنسية الثالثة، إلا أن يكون المثل العربي القديم صحيحًا، وأن يكون «معظم النار من مستصغر الشرر»، وأن يكون هذا الحفل اليسير قد أثار أزمة كانت تريد منذ عهد بعيد أن تثور. وواضح جدًا أن المفاوضات ليست بين الوزراء من حيث هم وزراء، وبين الرئيس من حيث هو رئيس، فقد يكون من الغريب للذين يعرفون الوزارة القائمة ورأيها في نفسها ورأي الناس فيها، ورأي الإنجليز فيها بنوع خاص، أن يثور بينها وبين رئيسها خلاف يبلغ من العنف أن يقدّم الرئيس إليها (التمائم) أو البلاغ النهائي، وأن تدور بينها وبينه مفاوضات طويلة عريضة تحدث في مفوضيتنا في «باريس» حركة غير عادية، قد تكون إن طالت بعض الشيء حديث السفراء المقيمين في مدينة النور. ولا بد إذن من أن يكون هذا الخلاف الذي تذكره «الأهرام»، وتشير إليه «المقطم»، قد ثار بين رئيس الوزراء وبين جهة من الجهات العليا التي يمكن أن تخالف رئيس الوزراء فيدعو خلافها إلى إثارة أزمة وزارية حادّة. ولسنا نتنبأ بشيء ولا نريد، ولا نستطيع أن نجزم بشيء، ولكننا نلاحظ متواضعين، مستشعرين مع هذا التواضع شيئًا من العجب: إن «وزير التقاليد» يجب أن يكون مغضبًا غضبًا شديدًا نغص عليه حفلة الغداء التي أقيمت له أمس في المفوضية المصرية، والتي لم يحضرها «رئيس الوزراء» لأنه مريض، متعب، أو لأنه مغيظ محنق في وقت واحد. يجب أن يكون «وزير التقاليد» مغضبًا حقًا، لأن هذه الأزمة الطارئة قد خرجت على التقاليد وانتهكت حرماتها، وضربت بقواعدها وأصولها عرض الحائط أو عرض الأفق كما يقولون. فمتى رأى الناس أزمة تنشأ ثم تشتد ثم تحتد و«رئيس الوزراء» غائب عن مستقر الوزارة؟ ومتى رأى الناس وزيرًا مفوضًا يكلف السعي بالخصام أو السلام بين «رئيس الوزراء» وزملائه الأعضاء؟ ولكن «وزير التقاليد» جلد صبور، حازم عازم، يستطيع أن يصبر على مثل هذه البدعة التي اضطرت إليها ظروف قد لا يكون إلى اتقائها من سبيل.
ألست ترى أن رئاسة «صدقي باشا» للوزارة تكلف مصر ألوانًا من الشطط، منها ما يلهي ومنها ما يحزن، فلو أن رئيسًا من رؤساء الوزارات في أي بلد من البلاد التي لم يمنحها الله نعمة فراغ البال، ألمّ به ما ألمّ بـ«صدقي باشا» من المرض الطويل الثقيل لأراح نفسه، وأراح وزارته وأراح أمته من كل عناء، ولاستقال مؤثرًا لنفسه الصحة ومؤثرًا لوطنه المنفعة واستقامة الأمور، ولكن «صدقي باشا» مرض في يناير، واستشفى في مصر ثلاثة أشهر وبعض شهر، ثم سافر إلى «أوروبا» فاستشفى فيها ثلاثة أشهر وبعض شهر، ظل مريضًا سبعة أشهر، لا يعمل ولا يستقيل ولا يكره أن يكلف الدولة أثقالًا أخفها وأهونها أجره على عمل لا يستطيع أداءه، وما يتصل بهذا العمل المعطل من نفقات يبذل بعضها في مصر، ويبذل بعضها في «أوروبا». فإذا انتهت هذه الأشهر السبعة بدا لـ«رئيس الوزراء» فذكر الاستقالة وفكر فيها، ولكنه لا يذكر الاستقالة كما يذكرها الناس، ولا يفكر فيها كما يفكر فيها الناس، وإنما ينفي، ثم يلمح ثم يصرح، ثم يكتب إلى مصر، ثم يثير المفاوضات بينه وبين مصر، ثم يضطر وزارته إلى أن تقف هذا الموقف المعلّق الذي لا تُحسد عليه. وكان أهون من ذلك وأيسر أن يستخير الله، فإن رأى قدرة على استبقاء المنصب استبقاه، وإن رأى عجزًا عن ذلك استقال من بعيد وأقام حيث يريد، أو كتم الأمر وعاد إلى مصر ثم استقال كما يستقيل الناس. فأما كل هذه الحركات والمداورات والإقدام والإحجام، فلا خير فيه لأحد، لا خير فيه لـ«رئيس الوزارة» نفسه. وإذ لم يكن بد من أن يُصوَّر موقف الوزارة القائمة الآن فهو موقف الذي يريد أن يجود بنفسه، ولكنه يجد في ذلك مشقة وعسرًا، فيظل معلقًا بين الموت والحياة وقتًا طويلًا.
وبعد فإن في مصر من الخطوب، وأمام مصر من المشاكل ما هو أشد خطرًا، وأبعد أثرًا في حياتها من بقاء الوزارة القائمة أو اعتزالها للحكم، فهذه الأزمة الاقتصادية تنذر بأعظم الضر، ولا بد من أعمال سريعة حاسمة لتحول بين مصر وبين الخراب. وهذه مسألة الديون توشك أن تستحيل إلى كارثة لم تشهد مصر مثلها في العصر الحديث، ولا بد من خطة حازمة ترد عن مصر شرها المستطير. وهذا الأمن يزداد فسادًا من يوم إلى يوم، ويزداد عجز الوزارة عن ضبطه من حين إلى حين، ولا بد من جهود حازمة حاسمة ليأمن الناس على أنفسهم وعلى ما بقي من أموالهم. فإحدى اثنتين: إما أن تكون الوزارة قادرة على البقاء صالحة له، وإذن فلتعلن ذلك إلى الناس، ولتنهض إن استطاعت بما يجب أن تنهض به من الأعمال، وإما أن تكون الوزارة عاجزة عن البقاء، غير صالحة له، وإذن فلتدع مكانها لوزارة تواجه المشكلات وتحول بين مصر، وبين التردي في هذه الهوة التي ليس لها قرار. لقد علقت حياة مصر بين اليأس والرجاء منذ مرض «رئيس الوزراء»، وقد آن لهذا التعليق أن ينتهي، وآن لشؤون مصر أن تستقر، وأصبح المضي في هذا العبث جناية عظيمة في حق الوطن.
كوكب الشرق في ٠١\٠٩\١٩٣٣.استقبال
لم تشهد مصر مثله قبل اليوم، ولن تشهد مصر مثله بعد اليوم. سيكون هذا في حياة مصر شاذًا في تاريخها مهما يطل ومهما تبعد به العهود، لأن رئيس الوزراء الذي ستستقبله مصر اليوم رجل فذ بين المصريين، بل بين الشرقيين، لم تعرف مصر ولا الشرق مثله قديمًا، ولن تعرف مصر ولا الشرق مثله حديثًا.
ومتى رأى الناس مريضًا يحكم حكم الأصحاء، وضعيفًا يحكم حكم الأقوياء، وبعيدًا يحكم حكم القريبين؟ ومتى رأى الناس وزيرًا يقنع الفقير المعسر بأنه غني موسر، والجائع المحروم بأنه مكتظ متخوم، والخائف الجازع بأنه آمن وادع، والمستعبد المستذل بأنه حر مستقل؟ بل متى رأى الناس في العصور القديمة والحديثة ساحرًا كرئيس الوزراء قد خلب القلوب والعقول، وسحر الأفئدة والنفوس فلم يصلح شيئًا، وأقنع الناس جميعًا بأنه أصلح كل شيء؟
وحياة الناس لا تعتمد على الحقائق بقدر ما تعتمد على الوهم، فهم سعداء، وهم راضون متى خيلت إليهم ذلك، وأقنعتهم به، وسواء عليهم بعد هذا أكانوا سعداء في حقيقة الأمر أم لم يكونوا. وقد نجح رئيس الوزراء نجاحًا باهرًا، ووفق رئيس الوزراء توفيقًا عظيمًا؛ فليس في مصر الآن من يحس جوعًا ولا ظمأ، وليس في مصر الآن من يشكو فقرًا ولا عسرًا، وليس في مصر الآن من يخاف ظلمًا ولا عدوانًا، وإنما الناس جميعًا سكارى وما هم بسكارى، قد سحرهم رئيس الوزراء عن حقائق الأشياء فقنعوا ورضوا، ثم ملكهم الإعجاب وازدهاهم الإكبار، فإذا هم لا يرون لمصر إلا منقذًا واحدًا، هو رئيس الوزراء. وإذا قلوبهم كلها تلتف من حوله، ونفوسهم كلها تطيف به، وأشخاصهم كلها تهرع إليه. وإذا هو سيصل إلى الإسكندرية مساء اليوم فيرى معجزة من هذه المعجزات التي تعود أن يراها حتى هانت عليه وصغرت في نفسه، وأصبح لا يقيم لها وزنًا ولا يحسب لها حسابًا.
سيرى خمسة عشر مليونًا من المصريين قد خفوا جميعًا لاستقباله والاحتفال به، لم يتخلف منهم شيخ فان، ولا صبي ضعيف، ولا طفل رضيع، لم يقعد منهم رجل ولا امرأة، وإنما احتشدوا له من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال، ومن أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، ووسعتهم كلهم مدينة الإسكندرية، بل وسعهم كلهم هذا المكان الضيق الضئيل الذي سترسو فيه السفينة، وستشرق فيه الشمس من مغربها حين يطلع على الناس رئيس الوزراء.
لو حدث بعض هذه المعجزة، خمسها أو عشرها أو دون ذلك، لأعظم الناس قدرًا، وأجل الناس خطرًا، وأرفع الناس شأنًا، وأبعد الناس ذكرًا، لفتنه واستهوى قلبه، وتجاوز به حد الرزانة والحلم والاعتدال، ولكن رئيس الوزراء لا يفتنه ذلك ولا يزدهيه أكثر من ذلك، فهو قد بلي ذلك كله، حلوه ومره، حتى عرفه فأحسن معرفته، وحتى ضاق به وزهد فيه. فسيشرف رئيس الوزراء إذن مساء اليوم على هذه الأمة المكرمة له، الفانية فيه، ثم يلقي عليها نظرة زاهدة، فيها شيء من الملل والسأم، وفيها شيء من التفضل والتعطف، ثم يشير رئيس الوزراء بإحدى أصابعه إلى هذه الأمة أن انصرفي مشكورة مأجورة، فقد نهضت بالحق لأهله، وأديت ما عليك، فعودي إلى ما أنت فيه من عيشة راضية، ونعمة سابغة، وصفاء مقيم، رخاء لا يريم، وابتسام للحياة.
ثم يلقى ستار، ويرفع ستار؛ فأما الستار الأول فسيلقى على هذه الفصول الفكاهية التي لم تمثل لمصر وحدها، وإنما مثلت لمصر ولفرنسا وللعالم كله، حينًا في «فرساي» وحينًا في الإسكندرية، وحينًا في محطة من محطات «باريس»، والتي ألهت الناس وأضحكتهم في مصر وفي غير مصر منذ أسبوع. فقد رأى الناس أن الوزارة القائمة كانت قوية ثابتة، ولكنها عرضة للتعديل صباح الثلاثاء، ثم رأى الناس أن الوزارة قد تستقيل مساء الثلاثاء، ثم رأى الناس أخذًا وردًا، وتهاونًا وشدًّا، ومفاوضات يخفق بها البرق ويتموج بها الهواء، ثم رأى الناس قوة على مصر فيها إنذار بالاستقالة، وضعفًا أمام الإنجليز فيه استعطاف واستجداء، ثم رأى الناس تعجلًا لتحديد الموعد الذي يتشرف فيه رئيس الوزراء بالمقابلة الملكية، ثم انتظر الناس ونشر لهم برنامج مفصل للاستقبال والاحتفال والمقابلة، ثم فجأة أعلن انفراج الأزمة باعتزال الحكم أو البقاء فيه. على هذا كله سيلقى الستار الأول.
أما الستار الثاني فسيرفع عن جد قد يكون خالصًا، وقد يكون مشوبًا بالفكاهة؛ فقد غير البرنامج تغييرًا فجائيًا، ترى في غير هذا المكان، وظهر أن المقابلة الملكية قد تكون بعد ظهر اليوم، وظهر أن السفينة استطاعت أن تزيد سرعتها وأن تقدم وصولها إلى الثغر، وظهر أن الأمر أجلُّ شأنًا وأعظم خطرًا مما كان يظن، وأن الذين إليهم الأمر لا يريدون أن يطاولوا في وضع حد لهذه الأزمة التي مهما يكن حظها من الفكاهة فإنها لا تخلو من خطر لما تثير في نفوس الناس من العواطف المختلفة والميول المتناقضة، ولما قد تحدثه هذه العواطف والميول من أثر في حياة الناس. وإذن فسيبدأ القسم الجدي من هذه القصة منذ اليوم إن سمحت بذلك صحة رئيس الوزراء، وسيتبين المصريون بعد وقت قصير أمر هذا الحديث الطويل الذي أثاره رئيس الوزراء منذ أسبوع: أكان جدًّا أم هزلًا؟ أكان إقدامًا أم إحجامًا؟ أم كان فنًّا من فنون المداورة؟ ولونًا من ألوان الاختبار؟ وسواء أصمم «صدقي باشا» على الاستقالة أم عدل عنها، وسواء أقبلت الاستقالة أم لم تقبل، فإن هناك حقيقة واقعة قد ظهرت كأوضح ما تظهر الحقائق الواقعة، ولم تدع لأحد قدرة على أن يلقاها بقليل من الشك أو كثير. وهذه الحقيقة الواقعة الساطعة هي أن الأمة المصرية كلها — إلا الذين يعيشون لرئيس الوزراء وبرئيس الوزراء — قد ابتهجت واستشعرت الغبطة والرضا حين أُلقي إليها أن هذه الوزارة القائمة قد تستقيل.
كما أن الأمة المصرية كلها — إلا الذين يعيشون لرئيس الوزراء وبرئيس الوزراء — قد ابتهجت واستشعرت الغبطة والرضا حين أُلقي إليها أن المندوب السامي قد نُقل. ومعنى هذا الابتهاج لهذين الحدثين أن الأمة المصرية كلها — إلا الذين يعيشون لرئيس الوزراء وبرئيس الوزراء — ضيقة أشد الضيق بسياسة هذا العهد، منكرة أشد الإنكار لهذه السياسة، حريصة أشد الحرص على أن تخلص منها، وعلى أن ترى الذين أقاموها وقد حيل بينهم وبين الحياة العامة وتصريف شؤونها. وقد تفهم إرادة الأمة هذه على وجهها، وقد لا تفهم، وقد يحال بين «صدقي باشا» وبين الحكم، كما حيل بين «السير برسي لورين» وبين تمثيل الإنجليز في مصر، وقد لا يحال، ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أن إرادة الأمة هذه واضحة جلية، وأن لها قيمتها وخطرها، وأنها إن أهملت اليوم كما أهملت منذ ثلاثة أعوام فإن هذا الإهمال لن يغني ولن يفيد، كما أن إهمال إرادة الأمة منذ ثلاثة أعوام لم يغن ولم يفد.
ومهما تكن النتيجة التي ستتكشف عنها الحوادث اليوم أو غدًا فإن الشيء الذي لا يقبل شكًّا ولا مراء هو أن المصريين قد أظهروا اليوم كما أظهروا منذ ثلاثة أعوام، بل أكثر مما أظهروا منذ ثلاثة أعوام، وسيظهرون غدًا أكثر مما يظهرون اليوم، أنهم لا يرضون — مهما تكن الظروف والخطوب — أن يحكموا على غير ما يريدون، وأن يساسوا بغير ما يحبون، أو يُقضى في أمرهم وهم غائبون، أو يتخذوا وسيلة إلى مناصب الحكم وما يتصل بها من الجاه والسلطان، وأنواع المغانم والمآرب القريبة أو البعيدة.
إنما يريدون اليوم، كما أرادوا من قبل وسيريدون دائمًا، أن تُرَدَّ أمورهم إليهم، وأن يحكموا هم لمصالحهم، لا لمصالح الأجانب مهما يكونوا، ولا لمصالح قلة مصرية مهما تكن. فإذا فُهم هذا كله على وجهه فليس من شك في أن أمور مصر ستجري على أحسن حال، وإذ لم يُفهم هذا كله على وجهه فليس من شك في أن المصاعب ستزداد، وفي أن المشكلات ستضاف إلى مشكلات، وفي أن الكوارث التي أخذت تطيف بهذا البلد، والتي تدنو منه في غير أناة ولا تمهل، ستُلِمُّ في يوم قريب فلا تجد لها مصر دفعًا ولا ردًّا، وستكون آثار الكوارث شاملة لا تؤثر فريقًا دون فريق، ولا تصيب الظالمين خاصة، وإنما تُُلِمُّ بالمسيء والبريء. والله قادر على أن يلهم الناس من أمرهم رشدًا، وعلى أن يبين للناس أن سياسة الاستئثار وتسخير الشعوب لنفر قليل قد مضى عليها الزمن، وأصبحت شيئًا لا ينتج خيرًا ما، ولكنه ينتج شرًّا كثيرًا.
[1] كوكب الشرق في ٥-٩-١٩٣٣.حلول
لم ينتهِ تمثيل هذه القصة البديعة التي أراد «رئيس الوزراء» أن يفكه الناس بها منذ عشرة أيام. وقد ينتهي هذا التمثيل اليوم، وقد ينتهي غدًا، وقد يطول أمده أيامًا. وإذن فمن حق الناس أن يحمدوا لرئيس الوزارة هذه الفكاهة التي أراد أن يسليهم بها عما يطيف بهم من الهموم.
تلميح بالاستقالة، ثم تصريح، وتفكير في الاستقالة ثم تصميم عليها، ثم تحدٍّ وإنذار، ثم تراجع واعتدال، ثم تردد هو إلى العدول أقرب منه إلى المضي والتصميم. ولن يشرق صبح الغد، ولن يقبل الليل حتى يكون «رئيس الوزراء» قد تقدم خطوة أو خطوات فألقى ستارًا على هذا الاضطراب، ورفع ستارًا عن فصل جديد من فصول القصة.
على أننا نشك كل الشك في أن يكون الأمر كله هزلًا، أو أن تكون القصة كلها فكاهة. وأكبر الظن أن وراء هذا الهزل جدًّا، وأن من دون الفكاهة أشياء أقل ما توصف به أنها عظيمة الخطر، بعيدة الأثر فيما بقي لـ«رئيس الوزراء» من حياة سياسية قد تقصر وقد تطول.
ولعل الرسالة التي بعث بها مكاتب «الديلي تلغراف» إلى صحيفته قبل أن يترك الإسكندرية، والتي أقلقت «رئيس الوزراء»، وأخرجته من صمته، ودفعته إلى أن يطلب الرحمة والإنصاف من «الديلي تلغراف»، والتي أقامت الوزراء وأقعدتهم، وملأت قلوب الأنصار هلعًا ورعبًا، ودعت إلى إقامة الحفلات وإلقاء الخطب، نقول لعل هذه الرسالة أن تكون أدلّ نذير نبّه «رئيس الوزراء» إلى أن الجو من حوله لم يبق صفوًا ولا صحوًا؛ فقد أكد مكاتب «الديلي تلغراف» في رسالته تلك — نقلًا عن مصدر موثوق به — أن الوزارة القائمة لا مقام لها في مناصب الحكم، وأن الحمق وحده هو الذي أخرج من هذه الوزارة رجالًا لهم — فيما يقول مكاتب «الديلي تلغراف» أو مصدره الموثوق به — كفاية نادرة وتفوق عظيم.
فقد كان من الحق أن يعرف «رئيس الوزراء» حقيقة هذا المصدر الموثوق به الذي ألقى هذا الوحي إلى مكاتب «الديلي تلغراف»، وكأن «رئيس الوزراء» قد عرف هذا المصدر فضاق به. فإذا أضفت هذا إلى ما لا بد منه من أن هذا المصدر لم يكن يكيد لـ«رئيس الوزراء» بالقول وحده، وإنما كان يخاصمه ويقاومه بالعمل أيضًا، فيجد في وقف أشياء كان «رئيس الوزراء» يحب أن تمضي، وفي إمضاء أشياء كان «رئيس الوزراء» يحب أن تقف، عرفت أن هذه القصة الفكاهية التي تشهدها مصر، ويشهدها العالم معها ليست لعبًا كلها، وإنما هي قصة ظاهرها اللعب والفكاهة وباطنها الجد المخيف.
وقد زعمت الصحف وكانت «الأهرام» في مقدمتها أن «رئيس الوزراء» قد عرض مطالب، وجعل قبولها شرطًا لبقائه في الحكم. وأخذ الناس يسألون عن هذه المطالب، ويلتمسونها ويحاولون أن يعرفوا على من عرضت هذه المطالب، ولمن قدمت؟ ولمن كان التحدي الذي أظهره «رئيس الوزراء»؟ ولم يجب أحد في صراحة على أسئلة الناس هذه، ولكن الغموض أخذ ينجلي قليلًا، فتحدث الناس وتحدثت الصحف هنا وهناك بأن «رئيس الوزراء» ضيق ببعض زملائه، وأنه يريد أمرين: أحدهما أن يخلص له أمر الحكم فلا يشاركه فيه أحد، والثاني أن يغير تأليف الوزارة ليخرج منها بعض الأشخاص. وألح الناس وألحت الصحف في هذا الحديث، ثم أخذ «رئيس الوزراء» منذ أمس يظهر استعداده للعدول عن الاستقالة، والنهوض بأعباء الحكم بعد أن كان مصرًّا على أن يلقيها عن كتفيه. فهل أجيب «رئيس الوزراء» إلى مطالبه هذه فكفت بعض الأيدي عن أن تعمل في الحكم الذي يريد «رئيس الوزراء» أن يكون خالصًا له، لا يضايقه فيه أحد؟ أَمْ أُذِنَ لـ«رئيس الوزراء» في أن يغير تأليف وزارته ليخرج منها الذين يضيق بهم من الزملاء؟
هذه الصحف تتحدث اليوم بشيء عن حفلة الشاي التي أقيمت لـ«رئيس الوزراء» أمس، فحضرها من حضرها، وغاب عنها من غاب. وفي أحاديث الصحف وملاحظاتها تلميحات لا تحتاج إلى شرح ولا إلى تفسير. وهذه الأنباء تصل إلينا متواترة — وقد نُشر بعضها في الصحف — بأن «رئيس الوزراء» قد يدخل في وزارته قومًا ليسوا منها، ويخرج من وزارته قومًا يعملون فيها. وإذن فقد أجيب «رئيس الوزراء» إلى ما كان يريد كله أو بعضه، ولكن هذا كله أحاديث لا يظهر وجه الحق فيها إلا مساء اليوم أو صباح الغد. وقد شهدنا القصة عشرة أيام، فليس يمنعنا أن نشهدها يومًا أو بعض يوم.
على أن التفكير في هذا كله ينتهي إلى نتيجتين اثنتين:
الأولى: أن الطريق السياسية الداخلية لم تبق سهلة ولا ممهدة أمام «رئيس الوزراء» منذ اليوم؛ فقد أخذ «صدقي باشا» يلقى ما لقيه غيره من الوزراء من هذه المرارة الممضة التي تشوب الحكم حين يبلغ أعقابه، وينتهي إلى آخره. ولو نصح «صدقي باشا» لنفسه لاستقال، لا إيثارًا لصحته، فقد يظهر أن الحكم آثر عنده من الصحة، ولكن لسبب آخر يعرفه هو حق المعرفة، وهو أن الحكم لن يحلو له منذ اليوم، وهو أن طريق الحكم لن تخلو من الصعاب والعِقاب، ومن الشوك المؤذي منذ اليوم.
والثانية: أن كل هذا الضجيج والعجيج، وكل هذه المداورات والمناورات، وكل هذا الإقدام والإحجام، إنما يدور حول أشخاص بأنفسهم يراد أن تبسط أيديهم في الحكم، أو أن تكف أيديهم عن الحكم قليلًا أو كثيرًا، لا حول المصلحة الوطنية الكبرى. فسواء على مصر أبقي «رئيس الوزراء» مختلفًا إلى ديوانه، أم لزم داره، وسواء على مصر أأطلقت يد «رئيس الوزراء» في الحكم إلى غير حد، أم كفت يد «رئيس الوزراء» عن هذا الحكم بعض الشيء، وسواء على مصر أخلص الحكم لـ«رئيس الوزراء» وحده، أو شاركه في الحكم هذا الموظف الكبير أو ذاك، وسواء على مصر أكان زملاء «رئيس الوزراء» شعبيين أم اتحاديين أم مستقلين؛ كل هذا سواء على مصر لأن مصر تضيق بالسياسة التي رسمها «رئيس الوزراء» ومضى في تنفيذها، فجرت على مصر ما جرت من الشر، وجنت على مصر ما جنت من المكروه.
ومصر لا يرضيها شيء من هذه الحلول، أو من هذا اللعب الذي تنطلق به الألسنة، وإنما الشيء الوحيد الذي تريده مصر، ولن ترضى غيره، هو أن تكون هي موضع التفكير، وأن تكون هي موضوع كل حساب، وأن يكون تغيير الوزارات وسيلة إلى إرضائها، وتحقيق منافعها، لا إلى إذلالها واستغلالها، والتنافس حول الجاه والسلطان لمن يكونان؟
ويظهر أن الساسة الذين يديرون بينهم أمور الحكم في مصر لا يريدون أن يجاروا آمال الأمة وأمانيها حتى يعجزوا عن هذه المجاراة، بل يظهر أن هؤلاء الساسة الذين يديرون بينهم أمر الحكم في مصر لم يرزقوا من التبصر والتوفيق مثل ما رزق الإنجليز الذين ينظرون إلى أمور السياسة في مصر من بعيد أو قريب. هؤلاء يغيرون مندوبهم السامي لأنهم يقدرون الظروف ويفهمونها، ويعرفون قيمة الحقائق الواقعة، ويريدون أن يلقوها بما ينبغي من الحذر والفطنة، وأولئك يمضون في طريقهم لا يفكرون إلا في أنفسهم، ولا يقفون إلا عند ما يريدون أن يكون لهم من القوة والجاه.
ومهما يكن من شيء فإن الأزمة الوزارية القائمة ليست إلا موجة صغيرة من هذا الموج الذي يثيره النسيم على سطح البحيرة، والذي لا يلبث أن يزول دون أن يغير شيئًا. فأما الأزمة الحقيقية التي ينبغي التفكير فيها، والجد في حلها، فهي أبعد من ذلك مدى، وأعمق غورًا، وأشد تعقيدًا، وأعسر من أن تحل بالتوفيق أو العجز عن التوفيق بين «رئيس الوزراء» وغيره من كبار الموظفين. فليقم «رئيس الوزراء»، أو ليستقل، فإن إقامته لا تغير شيئًا، واستقالته لا تغير شيئًا، وستبين الأيام لـ«رئيس الوزراء» أن الأمر أشد عسرًا مما يظن.
كوكب الشرق في ٧-٩-١٩٣٣معلّق
رئيس الوزراء معلّق بين البقاء في الحكم والنزول عنه كما كان المندوب السامي معلّقًا بين البقاء في القاهرة والانتقال عنها. وكل ما نرجوه لرئيس وزرائنا المريض، ألا يطول تعليقه كما طال تعليق المندوب السامي؛ فمهما يكن حظ الرجل من الشفاء وحسن الحال، فإن هذا التعليق مؤذٍ للأصحاء فضلاً عن المرضى. وقد كانت أسرار هذا التعليق غامضة، شديدة الغموض عند الذين يخوضون في أحاديث السياسة، فهم جميعًا يؤمنون إيمانًا لا يخالطه الشك في أن نقل المندوب السامي أمر من أمور الإنجليز، قد يكون جدًّا من الجد، قد يكون لهوًا من اللهو، ولكنه على كل حال مقصور على الإنجليز، لا يمس مصر بقليل ولا كثير. وماذا يعني مصر أن ينقل الإنجليز مندوبًا ويرسلوا مندوبًا، أو ينقل الفرنسيون وزيرًا ويرسلوا وزيرًا؟ فالإنجليز أحرار في بلادهم، والفرنسيون أحرار في بلادهم، والمصريون أحرار في بلادهم، لكل منهم أن ينقل ويعزل، وأن يغير ويبدل دون أن يكون لغيره حق في أن يعرض له أو يتدخل في شأن من شؤونه، فإن فعل فهو الاعتداء الصارخ والنذير بالشر العظيم. ذلك شيء كان يؤمن به الناس جميعًا، لا يشكون فيه ولا يرتابون، ولم يخطر لهم على بال أن الإنجليز حين نقلوا مندوبهم بعد أن علقوه، قد يسقطون رئيس وزارتنا بعد أن يعلقوه أيضًا. ولهذا أخذ الناس يتساءلون عن الحبال التي علق بها مركز وزارتنا القائمة: ما هي؟ ومم صيغت؟ ومن صاغها؟ قال لهم قائلون: إن هذه الحبال إنما هي حبال المرض الذي أصاب رئيس الوزراء منذ أشهر طوال، فلم يصدقوا؛ لأن الأزمة لم تظهر حين مرض رئيس الوزراء، ولا بعد أن مرض بزمن قصير أو طويل، وإنما ظهرت بعد أن تقدم رئيس الوزراء نحو الشفاء وأرضى عن حاله الأطباء. وبعد نقل المندوب السامي قيل لهم إن هذه الحبال إنما هي الخلاف بين رئيس الوزراء وبين موظف من كبار الموظفين، فشكوا في ذلك وأنكروه؛ لأن أمر رؤساء الوزارات ليس إلى الموظفين مهما كبروا، وإنما هو إلى البرلمان وصاحب العرش. ورئيس الوزراء يعلن ويعلن أنه مستمتع بثقة البرلمان، وما ينبغي له غير ذلك، وأنه مستمتع بعطف جلالة الملك، فوقوع خلاف بينه وبين موظف مهما يكن كبيرًا أو صغيرًا لا ينبغي أن يعلقه، ولا أن يحرجه، ولا أن يضطره إلى أن يستقيل أو يفكر في أن يستقيل. وقد يوجد هذا الخلاف، وقد يضيق به رئيس الوزراء، ولكنه على كل حال أيسر — أو ينبغي أن يكون أيسر — من أن يثير أزمة وزارية حادة كهذه الأزمة التي نشهدها الآن. ولكن «الأهرام» ظهرت صباح اليوم، وفيها أنباء تدعو إلى التفكير، وإلى التفكير الطويل الدقيق. وتبين أننا لم نكن مخطئين أمس حين قلنا إن وراء هذه الأزمة، القصة الفكاهية التي تشهدها مصر، ويشهدها العالم، جدًّا لعله أن يكون مخيفًا. و«الأهرام» تقطع بهذه الأنباء وتؤكدها تأكيدًا. و«الأهرام» تشفق من هذه الأنباء وتدافع عن رئيس الوزراء، وتلتمس له المعاذير من حسن النية وزعامة الكثرة البرلمانية. وخلاصة هذه الأنباء التي تؤكدها «الأهرام»، أن رئيس الوزراء بدا له أن يستقيل حين كان في أوروبا، و«الأهرام» لا تعلل هذا التفكير في الاستقالة، فعلله أنت كما تشاء، ولكن رئيس الوزراء أراد أن ينشئ الأزمة وأن يوجد لها الحل؛ فأرسل كتابًا إلى مصر، يقسم فيه الأمر تقسيمًا، فيقترح أن تكون رئاسة الوزارة لصاحب الدولة «شفيق باشا»، وأن تكون له هو زعامة الكثرة في البرلمان. وقد ذكرنا حين قرأنا هذا الكلام في «الأهرام» كلامًا آخر نقرؤه في التاريخ يضاف إلى أحد المتنبيين، وهو قوله: «لنا نصف الأرض ولقريش نصفها، ولكن قريشًا قوم يظلمون». وقد أنكرنا هذا الكلام حين قرأناه في «الأهرام»؛ لأنه يخلف ظننا برئيس الوزراء إلى أبعد حد، ويغير رأينا في رئيس الوزراء إلى أبعد مدى؛ فقد كنا نرى في رئيس الوزراء ما نرى من إيثار العنف على اللين، وسياسة القهر على سياسة المودة، وفرض نفسه على أمته فرضًا، واضطراره بحكم هذه السياسة إلى طائفة من الأغلاط المنكرة في تصريف الأمور، ولكننا كنا نعتقد اعتقادًا لا يشوبه الشك أن رئيس الوزراء سياسي لبق ماهر واسع الحيلة عميق العلم بأمور السياسة، قوي الإلمام بواجبات الساسة، وكنا نأبى أن نفكر في أن رئيس الوزراء يمكن أن يؤتى من ناحية التقصير في بسائط السياسة وأولياتها. ومن أبسط البسائط السياسية أن رؤساء الوزارات إذا أرادوا أن يستقيلوا رفعوا استقالاتهم إلى رئيس الدولة حتى إذا أراد رئيس الدولة أن يستشيرهم في شيء كانوا عندما يريد من تقديم المشورة ناصحين له وللدولة، مخلصين له وللبلاد. فأما أن يستقيل رؤساء الوزارات ويشيروا مع ذلك بمن يحبون أن يخلفهم على كرسي الحكم فشذوذ كنا نصدق كل شيء قبل أن نصدق أن يقع من رئيس وزرائنا الماهر الكفء. والمعروف من التقاليد في البلاد الديمقراطية أن رؤساء الوزارات إذا استقالوا فلرئيس الدولة أن يراجعهم في هذه الاستقالة أو لا يراجعهم، ولرئيس الدولة أن يقبل هذه الاستقالة ثم يستشير بعد ذلك في أمر الحكم رئيس البرلمان من الساسة والزعماء، ثم يسند الوزارة إلى من يرى بعد ذلك. فكان المألوف والمعقول والملائم للواجب والتقاليد أن يستقيل رئيس الوزراء إذا لم ير من الاستقالة بدًّا، ثم ينتظر حتى يراجعه جلالة الملك في هذه الاستقالة أو يستشيره فيمن يخلفه قبل أو بعد أن يستشير غيره من الساسة والزعماء. ولكن رئيس الوزراء خالف هذه التقاليد كلها، إن صح ما قالته «الأهرام»، ونحن نرجو ألا يكون صحيحًا برغم هذا التأكيد القاطع الذي تلح «الأهرام» فيه. خالف رئيس الوزراء هذه التقاليد، فأشار قبل أن يستشار، وسبق رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الشيوخ إلى إبداء الرأي. وقد يكون مصدر ذلك إيمان «صدقي باشا» بزعامته ل «حزب الشعب»، وبأنه سيكون زعيم الكثرة في البرلمان بعد أن يخرج من الحكم، ولكن زعيم الكثرة نفسه — وهو زعيم للكثرة بالفعل — ليس له أن يشير على جلالة الملك قبل أن يستشيره جلالة الملك، وليس له أن يتقدم بمشورته قبل رئيس البرلمان؛ لأنه مهما يكن زعيم كثرة، فهو زعيم فريق من النواب والشيوخ، يجب أن يتقدمه رئيس النواب جميعًا، ورئيس مجلس الشيوخ جميعًا. وزعيم الكثرة يمثل حزبًا، ورئيس أحد المجلسين يمثل الأحزاب التي يتألف منها مجلسه، ولكن هذه الحقائق كلها غابت عن رئيس الوزراء، لأنه متعب مكدود، أو لأنه مؤمن بنفسه وبقوته أكثر مما ينبغي. والغريب أن أنصار الوزارة القائمة ينكرون على خصومهم أنهم كانوا طغاة يستأثرون بالأمر دون أنصارهم وأعوانهم وزملائهم، ولكنا لا نعرف أن أحدًا من هؤلاء الخصوم وصل به اعتداده بالنفس إلى أن يشير على جلالة الملك قبل أن يستشيره، أو يتقدم رئيسي المجلسين بحجة أنه زعيم الكثرة. إنما يقع هذا الشذوذ من رئيس الوزراء الذي جاء فيما يقول لمحاربة الطغيان الشعبي والقضاء عليه. ومن المعقول بعد ذلك أن تكون هذه الأزمة التي نشهدها دقيقة مظلمة شديدة التعقيد، فإن رئيس الوزراء — إن صح ما قالته «الأهرام» — قد أحدث أو حاول أن يحدث بهذه الغلطة سابقة سيئة لا تلائم الحياة الدستورية في بلد من البلاد، وهي رفع رئيس الوزراء إلى حيث يرى لنفسه هذا الحق الغريب، وهو ألا يستقيل حتى يولي عهد الوزارة بعده من شاء من الزعماء. هذا كثير، وأكثر منه أن يقع من رئيس الوزراء، ونحن نرجو ونلح في الرجاء أن يكون هذا الحديث الذي أذاعته «الأهرام» وهمًا كله، ونحن نرجو ونلح في الرجاء أن يكذب هذا الحديث تكذيبًا قاطعًا، ونحن لا نشك في أن هذا الحديث إن صح فقد تكون آثاره أبعد جدًّا مما يظن الذين يتحدثون في الشؤون السياسية من الوزاريين. فلننتظر، فقد لا تغرب الشمس مساء اليوم إلا وقد كذب هذا الحديث تكذيبًا قاطعًا، فصفا الجو من هذا السحاب المنكر، أو لم يكذب هذا الحديث، فأصبحت استقالة الوزارة أمرًا ليس منه بد، وليس إلى الشك فيه من سبيل.
كوكب الشرق في ٨ – ٨ – ١٩٣٣تأجيل
وخرج النظّارة من الملعب وهم يضحكون ويتساءلون، فقد كان في الملعب ما يضحك ويُلهي، وقد كان فيه ما يدعو إلى التساؤل ويحمل على الانتظار: تلميح بالاستقالة ثم تصريح، وإقدام على الاستقالة ثم إحجام، وإلحاح في الاستقالة ثم تردد، واستتار بالصحة واستشهاد بالأطباء، ثم تراجع على طول الخط واستقرار على الكرسي كأن لم يكن تلميح ولا تصريح، وكأن لم يكن إقدام ولا إحجام، وكأن لم يكن تحدٍّ ولا تصدٍّ، وكأن لم يكن عزم ولا تردد، وكأن الأمر يجري مطردًا كهيئته يوم سافر «رئيس الوزراء» معتزمًا أن يحكم غائبًا وحاضرًا، وأن يصرف الأمور معتلاً وصحيحًا.
كل هذا أضحك النظّارة وألهاهم. وكل هذا دعا النظّارة إلى أن يتساءلوه: هل أُسدل الستار على الفصل الأخير؟ وهل سيرفع الستار عن فصل أو قصة أخرى؟ وهل يطول الانتظار لهذا الفصل أم يقصر هذا الانتظار؟
ومهما تصدر صحيفة الوزارة ملحقاتها في ظلمة الليل، ومهما تنطلق ألسنة الوزارة وقد كانت معقودة، ومهما تنشط هذه الألسنة وقد كانت معقودة، فإن في الجو سحبًا متكاثفة يركب بعضها بعضًا، ويقفو بعضها إثر بعض، وكلها تهيب بالنظّارة ألا تتفرقوا، فإن وراء الستار ما وراءه، وإن رفع الستار ليس بالبعيد.
وهذه السحب التي يركب بعضها بعضًا، ويقفو بعضها إثر بعض، لا تأتي من وجه واحد، وإنما تأتي من وجوه مختلفة، وأنحاء متباينة؛ تأتي من وراء البحر حيث يُنقل مندوب ويُرسل مندوب، وتأتي من شمال مصر حيث الخلاف بعد الوفاق، وحيث انتهاز الفرص وتربص الدوائر، وحيث الابتسام من ورائه العبوس، والابتهاج من ورائه الابتئاس، وتأتي من مصر كلها حيث ضيق النفوس ينتهي إلى أقصاه، وحرج الصدور يصل إلى غايته، وتأتي من «فرنسا» و«إيطاليا» حيث الإصرار على أن يُؤَدَّى الدين وأرباحه بالذهب لا بالورق.
كل هذه سحب يركب بعضها بعضًا، ويقفو بعضها إثر بعض، ويصيح بالنظّارة أن انتظروا فإن وراء الستار شيئًا جديدًا، ويصيح بـ«رئيس الوزراء»: لقد حرصت على الحكم بعد أن أظهرت الزهد فيه، فهلم أقدم على الحكم إن كنت جريئًا فاحلل مشكلاته ومعضلاته، وانهض بأعبائه وأثقاله، واثبت لأوجاله وأهواله الآن كما ثبت لها منذ أعوام. وسينتظر الناس، وسيقدم «رئيس الوزراء»، وسيرى الناس أن انتظارهم لن يطول، وسيرى «رئيس الوزراء» أن إقدامه لن يمضي بعيدًا. وسيعلم «رئيس الوزراء» أن الأمر قد انفلت وانفلت حتى أصبح لا يستطيع جمعه إلا رجل له من القوة والنشاط، ومن الصبر والثبات، ومن حسن البلاء السياسي ما ليس لـ«رئيس الوزراء».
هذه «الأهرام» قد حدثتنا أمس بحديث أكبرناه وأنكرناه، ورأينا أنه لا يمكن أن يكون صورة صحيحة لما صدر عن «رئيس الوزراء»، وانتظرنا أن يكذب هذا الحديث مع المساء تكذيبًا قاطعًا فلم يُكذَّب. وقلنا إن هذا الحديث إن لم يمحه التكذيب فسيجعل استقالة الوزارة أمرًا لا بد منه، ولا سبيل إلى الشك فيه. ولم يُكذَّب الحديث إلى الآن، وإنما أنكرته صحيفة الوزارة في خوف واستحياء. ولم يستقل «رئيس الوزراء» أمس، وإنما أعلن عدوله عن الاستقالة. ومع ذلك فمن زعم لك أن الأزمة قد انفرجت، وأن كل شيء حول الوزارة قد استقر، وأن الأمور ستجري منذ اليوم كما كانت تجري من قبل، فلا تؤمن له ولا تطمئن إليه، وثق بأنه خادع أو مخدوع.
فإن للأشياء منطقًا مهما تفسده الأوضاع السياسية والظروف الطارئة إفسادًا موقوتًا، فهو الغالب على كل حال، وهو المنتصر آخر الأمر. ومنطق الأشياء هذا لا يسمح بأن يشير الوزراء المستقيلون قبل أن يُستشاروا، ولا بأن يقترح الوزراء المستقيلون أسماء الذين يرثونهم في الحكم ويخلفونهم عليه، ولا بأن يقسم الوزراء المستقيلون أمور السلطان، فيحفظون لأنفسهم نصفها، وينزلون لأصفيائهم عن نصفها الآخر. فإما أن يكون هذا الحديث الذي أكدته «الأهرام» صحيحًا، وإذن فله نتيجة طبيعية محتومة هي استقالة «رئيس الوزراء» غدًا أو بعد غد، وإما أن يكون هذا الحديث الذي أكدته «الأهرام» مختلقًا، لا أصل له، وإذن فلا بد من تكذيبه في حزم وعزم، وفي جزم وتأكيد، ولا بد من أن تحتمل «الأهرام» تبعة هذا التأكيد الذي يشكك الناس في أمور لا ينبغي أن تتعرض للشك أو الريب. وصمت «رئيس الوزراء» على هذا الحديث، واستحياء صحيفته في إنكار هذا الحديث، دليل يرجح أن «الأهرام» قد فكرت كثيرًا قبل أن تنشر ما أذاعته في الناس.
والآن يقال إن الوزارة القائمة باقية، لا يصيبها تعديل، ولن يمسها تبديل، ونقول نحن إن بقاءها لن يطول، ولعله أن يكون أقصر جدًا مما يظن الأنصار والأعوان، ومما يرجو الخائفون والمذعورون، ولكن «رئيس الوزراء» قد أعلن بقاءه في الحكم؛ فمن حق الناس أن يطلبوا إليه ما يحتاجون إلى أن يطلبوه، وهم محتاجون إلى أن يطلبوا منه شيئًا كثيرًا، وإلى أن يتعجلوا إجابتَه إلى ما يطلبون.
فهذا «وزير الداخلية» عاجز كل العجز عن ضبط الأمن وإقرار النظام، إما لأنه مريض قد طال مرضه وشق، وإما لأن ضبط الأمن وإقرار النظام يحتاجان إلى كفاية أخرى غير كفايته. ولعل «رئيس الوزراء» يعلم أنه بينما كان يقدم رجلًا ويؤخر أخرى، ويبسط يدًا بالاستقالة ثم يقبضها، ويتراءى للناس حينًا مستقيلًا، وحينًا مقيمًا، كانت أمور الأمن تفسد فتسرف في الفساد. ولعل «رئيس الوزراء» قد أُلقي إليه أن يوم الجمعة الذي عدل فيه عن الاستقالة قد سجل فيما سجل من الأحداث العظام حدثين خليقين بالتفكير، وهما أهم وأعظم خطرًا من بقائه في الحكم أو نزوله عنه؛ وقع أحدهما في مركز «الصَّف»، قريبًا من القاهرة، وقتل فيه أربعة من المصريين، وجرح فيه أكثر من عشرين مصريًا، ووقع الآخر في أقصى الصعيد، هناك حيث تقوم معابد الفراعنة وآثارهم الخالدة، هناك قريبًا من «الأقصر» حيث تذهب الألوف من الأجانب لزيارة الآثار، اصطدمت قريتان في سوق من الأسواق، فكانت موقعة حربية هائلة، نشرت الصحف صباح اليوم أنباءها الأولى، فأحصت «الأهرام» خمسة وعشرين قتيلًا من المصريين، بينهم نفر من حماة الأمن، ولم تُحصِ الصحف عدد الجرحى بعد.
فليسأل «رئيس الوزراء» نفسه وضميره: أهذا الأمر خليق بالعناية؟ أم هو لا يستحق التفكير؟ وليسأل «رئيس الوزراء» نفسه وضميره: أيهما أحق أن تُعنى به مصر وتحفل به: أهذه المداورات السياسية التي تجري من وراء ستار، ولا يكاد يعلم الناس من أمرها وسرها شيئًا؟ أم هذه الدماء المصرية التي تراق جهرة؟ وهذه اليد السوداء، يد الموت المظلم، التي تحصد في يوم واحد تسعة وعشرين من المصريين؟
يجب أن تكون لله عز وجل حكمة يعجز الناس عن فهمها وتأويلها، فقوم في «الإسكندرية» يداورون ويناورون ليبقوا في الحكم أو ليعتزلوه، وقوم آخرون يبغي بعضهم على بعض ويتساقون كؤوس الموت. نحب أن يسأل «رئيس الوزراء» نفسه وضميره: أي الأمرين أجدى على مصر: أن تستقر دماء الناس في عروقهم وتبقى لهم الحياة التي منحهم الله، أم أن تستقر فيهم وزارة عاجزة حتى عن أن تحمي بعضهم من بعض وتحفظ عليهم أيسر ما ينبغي لهم من الأمن والنظام؟
لقد أعلن «رئيس الوزراء» أنه مقيم في الحكم إيثارًا لمصلحة مصر، وأنه مضحٍ في سبيل ذلك بصحته، فلينظر إذن «رئيس الوزراء» إلى هذه الدماء التي تراق فليحقنها، وإلى هذه النفوس التي تزهق فليعصمها، وليقم إذن «رئيس الوزراء» دليلًا على أنه آثر البقاء في الحكم وهو قادر فيه حقًّا؛ فإن الحكم في نفسه ليس غاية، ولا ينبغي أن يكون غاية. والأمة لا تفرح ولا تبتهج بأن ترى «رئيس الوزراء» قد أقام في الحكم، وإنما تريد الأمة من «رئيس الوزراء» — ما دام يفرض نفسه عليها فرضًا — أن يؤدي إليها أبسط ما يؤدي الوزراء للشعوب، فيحفظ عليها دماءها وأموالها، ويصونها من عبث العابثين والمعتدين.
نرجو أن يكون لدى «رئيس الوزراء» من الصحة والنشاط والقدرة على ضبط الأمن ما يمكنه من أن يحول بين الأمة وبين الموت والخراب في هذه الأيام القليلة التي ستقضيها وزارته مستأثرة بالحكم، مسيطرة على تصريف الأمور.
[1] كوكب الشرق في ٩-٩-١٩٣٣.صلح
كانت أنباء تستفيض بها الأحاديث بعد أن كانت سرًّا يهمس بها بعض الناس إلى بعض، ثم أخذت تتردد على الألسنة وتطوف في الأندية حتى استقرت في قلوب الناس، وجعلوا بينها وبين الأزمة التي أثارها الوزراء سببًا.
ولعلك قد فهمت عني ما أريد أن أقول، فلم يكد يثير «رئيس الوزراء» أزمته من «باريس» أو من «فرساي» حتى أخذت الصحف تشير وتلمح إلى خلاف بينه وبين موظف من كبار الموظفين، جعل سلطانه على الحكم محدودًا، يحتاج إلى شيء من الإطلاق والسعة. وأشارت الصحف إلى أن «رئيس الوزراء» قد كره هذا التضييق وأنكره، وأراد أن يزيله ويمحوه إما بالاستقالة التي تريحه من السلطان الواسع والضيق معًا، وإما بالبقاء في الحكم على أن يكون الحكم خالصًا له من دون غيره من الموظفين الذين لا تجعل لهم مناصبهم يدًا في الحكم ولا سبيلًا على الحاكمين.
وعاد «رئيس الوزراء» بعد أن امتلأت الأرض بأنباء الاستقالة وأسبابها الرسمية التي جهر بها الرئيس، وأسبابها الخفية التي نبأت بها الصحف ورواة الأحاديث. فلم يكد يذهب إلى حفلة الشاي التي أقيمت له حتى لاحظ الصحفيون والرواة، والذين يحبون التعليل والتأويل، أن موظفًا من كبار الموظفين قد غاب عن هذا الحفل، وأخذوا جميعًا يقربون الآماد والمسافات بين الأزمة وبين ذلك الغياب. ثم اختلفوا بعد ذلك؛ فمنهم من زعم أن هذا «الموظف الكبير» لم يغب عن الحفل وحده، وإنما غاب عن «الإسكندرية» كلها، وتركها خالصة للمحتفلين. ومنهم من زعم أنه لم يترك المدينة، وإنما قضى ساعة الحفل عند أحد الوزراء الذي لم يستطع أن يشهد الحفل لأنه كان مريضًا.
وأخذ الناس يذهبون مذاهب في التأويل والتفسير تقوي الصلة بين أزمة «رئيس الوزراء» وغيبة «الموظف الكبير» عن حفلة الشاي أو تضعفها، ولكن مرور الأيام القليلة التي جاءت بعد الحفل لم يدع شكًّا عند الناس في أن هذا «الموظف الكبير» ليس بريئًا كل البراءة من هذا التعقيد الذي اعترض حياة الوزارة القائمة، فزادها عسرًا إلى عسر، وحرجًا إلى حرج.
فقد كان الناس يعلمون أن هذا «الموظف الكبير» يلقى «رئيس الوزراء» فيكثر من لقائه، يزوره في داره، ويزوره في ديوانه، ويتحدث إليه فيطيل الحديث، وربما حضر بعض الجلسات لـ«مجلس الوزراء»، ولكنهم لاحظوا منذ عودة الرئيس أن هذه الزيارة قد انقطعت، أو انقطع الحديث عنها والعلم بها. وأنفق «رئيس الوزراء» جهدًا غير قليل ليقنع الناس بأن المرض وحده هو الذي حمله على الاستقالة، ولكن الناس لم يقتنعوا، وهم معذورون؛ فإن الأصحاء الأقوياء إذا اضطرتهم الظروف إلى الاستقالة واعتزال الحكم تكلفوا المرض وانتحلوه، فكيف بـ«رئيس الوزراء» إذا كان مريضًا حقًّا أو بريئًا حقًّا من المرض، ولكن عهده بالمرض ليس بعيدًا.
لم يقتنع الناس إذن بأن المرض وحده هو الذي أثار هذه الأزمة، ولا سيما وعهد المرض قريب يرجع إلى ثمانية أشهر ماضية، ولم يجد الناس بدًّا من أن يستمعوا لقول الصحافيين ورواة الأحاديث من أن خلافًا بين «رئيس الوزراء» وموظف من كبار الموظفين كان له في هذه الأزمة أثر غير قليل.
وجاءت «الأهرام» فأكدت رأي الناس وثبّتته في نفوسهم تثبيتًا حين روت لهم بلهجة القاطع الجازم أن «رئيس الوزراء» لما هم بالاستقالة كتب إلى مصر يرشح خليفته، ويقسم أمور الدولة شطرين: له أحدهما في البرلمان، ولخليفته أحدهما الآخر في الدواوين. وزادت «الأهرام» على ذلك أن كتاب «رئيس الوزراء» هذا لم يَرْضَ بعض الجهات، فنشأت الأزمة وتعقدت تعقيدًا. وكان المنتظر أن يكذّب «رئيس الوزراء»، أو غير «رئيس الوزراء» من الجهات الرسمية، حديث «الأهرام» هذا تكذيبًا قاطعًا يزيل الشك ويمحو اللبس، ويبين للناس أن «رئيس الوزراء» أعلم بتقاليد الدستور، وأحرص عليها من أن يتورط في مثل هذا الخطأ. ولكن هذا الحديث لم يُكذَّب تكذيبًا صريحًا، بل لم تستطع صحف الوزارة أن تنكره إلا على استحياء شديد، وظلت كلمة «الأهرام» عالية، وكلمة «الصحف الوزارية» خافتة لا يكاد يسمعها أحد، فصدق الناس حديث «الأهرام»، وهم مضطرون إلى أن يصدقوه ما دام الذين يعنيهم أمره لم يكذبوه تكذيبًا صريحًا على كثرة ما يلقون إلى الصحف من فنون التكذيب.
وجاءت «المقطم» أمس فأكدت كل هذه الأنباء تأكيدًا لا يسمح بالشك فيها حين تحدثت إلينا عن هذا الاجتماع الضيق الضئيل الذي عقد في منزل «وزير الداخلية» أول أمس، والذي دُعي إليه «رئيس الوزراء» ونائبه السابق، وهذا «الموظف الكبير»، فتساقوا الشاي ممزوجًا بحلو العتاب أو مره، ثم صفت بينهم الأمور، وانصرفوا بعد ذلك وهم يشكرون لمضيفهم سعيه الخير الحميد؛ فقد كان هناك إذن كدر غسله الشاي، وشر أصلحه العتاب، واختلاف محاه أو خففه هذا الاجتماع. وإذن فلم تكذب الصحف، ولم يتجنَّ المتحدثون في الأندية حين زعموا أن الخلاف بين «رئيس الوزراء» وهذا «الموظف الكبير» كان من أسباب الأزمة ومثيراتها، إن لم يكن سببها ومثيرها الوحيد.
وإذن فلم يكن الناس مخطئين أيضًا حين كانوا يعتقدون أن عدول «رئيس الوزراء» عن الاستقالة لا يلغي الأزمة وإنما يؤجلها؛ لأن إلغاء الأزمة إنما يكون بإلغاء أسبابها، ولم تُلغَ هذه الأسباب. لم يكن الناس مخطئين لأن سعي «وزير الداخلية» في هذا الصلح وإجابة «رئيس الوزراء» إليه، وما كان من تساق الشاي والعتاب دليل واضح على أن الذين شربوا الشاي والعتاب أول أمس كانوا هم أيضًا مقتنعين بأن الخلاف بين «رئيس الوزراء» وهذا «الموظف الكبير» سيظل شجىً في حلق الوزارة يجب أن يُنتزع، وشوكة في جنب الوزارة يجب أن تُسلّ، وإلا فلن يستقيم للوزارة أمر، ولن تعتدل أمامها الطريق. ولذلك حاولوا أول أمس أن ينتزعوا هذا الشجى ويستلوا هذه الشوكة.
أفتراهم قد وُفِّقوا إلى ما كانوا يحاولون؟ أم تراهم قد وُفِّقوا إلى شيء دون ما كانوا يحاولون؟ أفتراهم قد نزعوا الشجى نزعًا، ومحوا آثاره محوًا؟ أم تراهم قد قطعوا الشوكة من أصلها حتى آمنوا أذاها وشرها؟ أم تراهم قد اجتهدوا في أن يخففوا من حدته ويلطفوا من شدته ويجعلوه بحيث لا يمنع من مرور الشاي في الحلق ولو ممزوجًا بالعتاب؟ أما الوزاريون فسيقولون إن الجو بين «رئيس الوزراء» وهذا «الموظف الكبير» لم يكن في يوم من الأيام أصفى مما هو الآن. وليس في ذلك شيء من الغرابة؛ فلم تكن الوزارة في يوم من الأيام أقوى مما كانت يوم همَّ رئيس الوزارة بالاستقالة، ولن تكون الوزارة في يوم من الأيام أقوى منها يوم يرفع «رئيس الوزراء» استقالته إلى حضرة صاحب الجلالة الملك.
كذلك قال الوزاريون، وكذلك سيقول الوزاريون؛ فلا تسمع لهم إذن حين يزعمون لك أن الشاي أول أمس قد نزع هذا الشجى من حلق الوزارة نزعًا، وصفّى كل شيء من حولها تصفية لا كدر فيها ولا غبار. لا تسمع لهم، واسمع لقول الشاعر القديم فإنه أصدق تصويرًا للموقف وأدق تعبيرًا عن حقيقته؛ وقد أثبتت سياستنا المصرية وسياسة غيرنا من البلاد أن مثل هذا الخلاف لا يُمحى إلا بأن يعتزل أحد المختلفين، وإنما يخفف ويهون ويُستر أمره على الناس لتجري الأمور في صورة مقبولة في ظاهر الحال، كما قال الشاعر القديم:
أَرِينِي سِلَاحِي لَا أَبَا لَكِ إِنَّنِي … أَرَى الحَرْبَ لَا تَزْدَادُ إِلَّا تَقَاحُمَا فَقَدْ يَنْبُتُ المَرْعَى عَلَى دِمَنِ الثَّرَى … وَتَبْقَى حَزَازَاتُ الصُّدُورِ كَمَا هِيَا
ونحن نتمنى صادقين أن يصفو الجو بين المختلفين، وأن يكون الشاي الذي تساقوه يوم الخميس مطهرًا للقلوب من آثار الحفيظة والموجدة، ولكننا نتمنى مع ذلك أن يكون هذا الصلح معينًا لا على أن تستقيم أمور الوزارة وحدها، فأمور الوزارة عندنا في المنزلة الثانية أو الثالثة، بل على أن تستقيم أمور «مصر»؛ فأمور «مصر» عندنا أجل وأعظم من أمور الوزارة ومن تختلف أو تتفق معه من الموظفين.
نعم، نحن نتمنى صادقين أن يكون هذا الصلح مريحًا لـ«رئيس الوزراء» فيفرغ لأزمة المصريين ليعالجها بكفايته البارعة، فيصد المصارف عن ثروة المصريين، ويكف يد الدولة عن هذه الأرض التي تريد أن تبيعها بعد أيام لأن أهلها عجزوا عن تأدية الضرائب، ويعلن إلى الدول الأجنبية في حزم الواثق المطمئن أن «مصر» لن تؤدي دينها وفوائده إلا ورقًا، ويرد إلى المصريين الاطمئنان على أنهم آمنون على أنفسهم ودمائهم، وعلى أموالهم ومرافقهم. نتمنى هذا كله صادقين، ونذكر المتخاصمين الذين أذن الله لهم بالصلح يوم الخميس بأن الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا أحل حرامًا، أو حرّم حلالًا، وهم يعلمون حق العلم أن الحلال في السياسة المصرية بيّن، والحرام في السياسة المصرية بيّن، وأنهم يعلمون حق العلم أن الصلح والخصام بين الأفراد لا يغيران من سياسة الأمم شيئًا، وإنما الذي يحدث الأزمات ويعقدها وينتهي بها حتى إلى إسقاط الوزارات، هو ما لا يأذن الله به، ولا تأذن به السياسة الصحيحة الصالحة من تحليل الحرام، وتحريم الحلال.
[1] كوكب الشرق في ١٦-٩-١٩٣٣.خاتمة
ورُفع الستار فإذا مشهد مهيب رهيب، يملأ النفوس روعة ويمزق الأفئدة حزنًا وأسى؛ هوة بعيدة الغور، لا يكاد يظهر لها قرار، تسعى إليها في وجل واضطراب وزارة مثقلة قصيرة الخطو، لا تكاد تنهض حتى تكبو، وقد تفتحت أبواب السماء وامتلأ الجو بينها وبين الأرض بأرواح يصعد بعضها ويهبط بعضها الآخر، ولها كلها دويٌّ مختلط قد ملأ الفضاء كله، بعضه عذب كل العذوبة، وبعضه مرٌّ كل المرارة. فأما تلك الأرواح التي كانت تهبط من السماء فإنما هي ملائكة تحمل إلى الناس نسيم الرحمة والراحة، وضوء الأمل والرجاء، وتنادي الناس في أصوات حلوة أخاذة: «لا تيأسوا من روح الله، إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون».
وأما الأرواح التي كانت تصعد في السماء فملائكة تحمل شكاية الشاكين، وبكاء الباكين، وحزن المحزونين، وبؤس البائسين، وألم الذين نكبتهم الخطوب ودهمتهم الحوادث، وامتحنهم الله في أنفسهم وأبنائهم وأموالهم وأخلاقهم وكرامتهم؛ وكانت هذه الأرواح ترتفع إلى السماء رفيقة شفيقة، تستزيد رحمة الله للناس، وتستمطر عدل الله على القساة الظالمين.
وكانت هذه الهوة العميقة التي لا يكاد يظهر لها قرار ممتلئة بأشباح بشعة منكرة، تضطرب فيما بينها أشد اضطراب، وتختلط أصواتها المنكرة أشد اختلاط. وكانت هذه الأشباح المنكرة المضطربة كلها أوزارًا وأوضارًا وآثامًا وسيئات، قد كُتبت عليها أسماؤها بأحرف من نار تخلب الأبصار؛ فبعضها يسمى ازدراء الشعب، وبعضها يسمى قهر الشعب، وبعضها يسمى تبذير أموال الشعب، وبعضها تسليط الأجنبي على الشعب، إلى ذلك من الأسماء التي لا تُحصى. وكانت هذه الأشباح المنكرة المضطربة تدور في هوتها العميقة الواسعة دورانًا عنيفًا، وكان لها هدير قوي مخيف.
وكان النظارة ينظرون في الجو فيرون هذه الأرواح الهابطة وتلك الأرواح الصاعدة، فتمتلئ قلوبهم خوفًا وأمنًا، ثم ينظرون فإذا وزارة مثقلة مكدودة تسعى سعي المقيد، تريد أن تقف فتُدفع، وتريد أن تتأخر فتُرد، وهي تدنو من حافة الهوة، وحافة الهوة تدنو منها. وقد تعلقت قلوب النظارة ونفوسهم بهذا المنظر العجيب، وبهذا الصراع الرائع بين الحق والباطل، وبين العدل والجور، وبين الإنصاف والإجحاف، وبين الرحمة والقسوة، وبين النعماء والبأساء. ثم ترتفع أصوات النظارة فجأة فإذا صيحة قد ملأت ما بين الأرض والسماء، كلها رضا، وكلها ابتهاج، وكلها تفدية للوطن، ثم يلقي النظارة بأبصارهم نحو الهوة فإذا هي قد أطبقت كأنها لم تكن، وإذا الأرض أمام أعينهم سواء.
الله أكبر من كل كبير، والله أعظم من كل عظيم، والله أعز قوة وأعلى سلطانًا من أن يقاومه أصحاب القوة والسلطان، والله أشد حولًا وأعظم طولًا من أن يتحداه طاغية مهما يكن، أو يتصدى لأمره عظيم مهما يبلغ من شأنه الارتفاع.
عفا الله عن «رئيس الوزراء» المستقيل؛ لقد جمع جموعه، وألبَّ قواه، وتأهب ثم وثب، حتى إذا استقر على كرسي الحكم رفع طرفه في الجو مطاولًا، وخفض طرفه إلى الأرض مستكبرًا، ونظر إلى من حوله وما حوله مزدريًا، ثم أعلن في ثقة وحزم: «ألا إنه عشر سنين، لن تنقص وقد تزيد». ثم مضى يصرف الأمر تصريف الواثق المطمئن الذي لا يخاف الأيام ولا يحسب للأحداث حسابًا. وما له يخاف الأيام ويحسب للأحداث حسابًا، وقد فرض نفسه على الأيام والأحداث عشر سنين لن تنقص وقد تزيد؟ فليمضِ أمامه إذن لا يلوي على شيء، ليتقدم شهرًا وشهرًا، وليتقدم عامًا وعامًا، وليمضِ آمنًا مطمئنًا حتى ينفق من سنينه العشر تسعًا أو أكثر من تسع، ويومئذ يستطيع أن يفكر في الحساب، ويومئذ يستطيع أن يقدر خطر الأيام وعادية الأحداث؛ فأما قبل ذلك فالطريق ممهَّدة مبسوطة، والرياح مواتية مسالمة، والجو صفو صحو، والبحر هادئ مطمئن.
أما هذه الأصوات التي ترتفع من حوله ومن حول صديقه «المندوب السامي» بالاحتجاج والإنكار، وبالشكاة والأنين والتحذير والتخويف، فإنما هي نقيق الضفادع. ومتى تعود الساسة العظماء والقادة والزعماء والمسيطرون على الناس والأشياء أن يحسبوا لنقيق الضفادع حسابًا، أو يلقوا إلى نقيق الضفادع بالًا؟
ويمضي «رئيس الوزراء» المستقيل أمامه البأس والبطش، ويتبعه القهر والعنف، ويحيط به الاستخفاف بالناس والاستكبار على الناس، والسخرية من أمر الناس، ويرمقه صديقه «المندوب السامي» بعين ملؤها الحنان والعطف، والتشجيع والتأييد، ونقيق الضفادع على ذلك متصل لا ينقطع، مستمر لا يقف، يزداد حدة وشدة كلما تقدمت الأيام. وإذ هو قد طال حتى ثقل على الأسماع، وحتى ضاقت به نفوس، وتبرمت به قلوب، وإذن فلا بد من أن تسكت هذه الضفادع. وأي شيء أيسر من أن يفرض على الضفادع السكوت؟ إشارة يسيرة إلى الجند والشرطة فإذا الألسنة معقودة، والأفواه مكمومة، والجو من حول «رئيس الوزراء» هادئ، لا يسمع فيه إلا أناشيد النصر والفوز. وتعدو الشرطة، ويبطش الجند، وتسفك دماء، وتزهق أرواح، ويلجأ الناس إلى غير ما يحبون، ويُغرى الناس بأن يبيعوا ضمائرهم بيعًا، حتى إذا تمت الصفقة، وبِيعت الضمائر، أُذلَّ البائعون وقبضوا ثمن ضمائرهم استكانة وهوانًا.
ويفتح «رئيس الوزراء» وأعوانه آذانهم يلتمسون في الجو أناشيد الفوز والانتصار، فلا يسمعون إلا نقيق الضفادع متصلًا، لا ينقطع، مستمرًا لا يقف، يزداد حدة وشدة كلما تقدمت الأيام. هنالك يصدر الأمر إلى الشرطة والجند أن أمعنوا في البأس والبطش، هنالك يضع السادة القادة، الزعماء العظماء أصابعهم في آذانهم، هنالك يلقي السادة القادة والزعماء العظماء حجبًا كثيفة بينهم وبين من حولهم وما حولهم من الناس والأشياء. وإذا نقيق الضفادع يصل إلى الأسماع مهما تُسد الآذان، وإذا اضطراب الضفادع يصل إلى العيون مهما تُلقى الحجب والأستار، وإذ نقيق الضفادع واضطرابها يطغيان على كل شيء، ويغمران كل شيء، ويكتسحان كل شيء. وإذا مقاومة السادة القادة والزعماء العظماء لهذا النقيق والاضطراب تضعف شيئًا فشيئًا، وتفتر قليلًا قليلًا، وترق حتى تعجز عن الاحتمال.
وإذا «رئيس الوزراء» المستقيل مريض لا يقوى على العمل، وإذا «المندوب السامي» مضطر إلى أن يعبر البحر إلى بلاد الإنجليز، وإذا الذين كادوا لمصر ومكروا بها يدبرون أمرهم بينهم ويجيلون الرأي في أنديتهم سرًّا وجهرًا: كيف يخرجون من هذا المأزق؟ وكيف يخلصون من هذا الضيق؟
إيه أيتها الضفادع، ارفعي أصواتك بهذا النقيق؛ فهؤلاء الإنجليز الذين كانوا يرونكِ ضفادع قد أخذوا يثوبون إلى أنفسهم، ويشعرون بأنكِ لستِ من الضفادع في شيء، وإنما أنتِ الأمة المصرية الخالدة التي لن يقهرها وزير وإن كان «صدقي باشا»، ولن تذلها دولة وإن كانت دولة الإنجليز. إيه أيتها الضفادع، ارفعي صوتكِ بهذا النقيق، فإن فيه عظة لمن أراد أن يتعظ، وعبرة لمن أراد أن يعتبر. ارفعي صوتكِ بهذا النقيق ورجعيه ترجيعًا؛ فإنه يصدع آذانًا قليلة، ولكنه يحيي الملايين من الأبناء المخلصين. ارفعي صوتكِ بهذا النقيق ورجعيه ترجيعًا؛ فإنما هو نشيد الحرية والإيمان بها، نشيد الاستقلال والجد فيه، نشيد العزة والحرص عليها، نشيد الثبات والإباء مهما يعظم ظلم الظالمين. ارفعي صوتكِ بهذا النقيق؛ فإنه صوت الأمل الذي يمحو من قلوب الضعفاء والمستضعفين ظلمة اليأس والقنوط.
ليس مصريًّا من أشفق من ظلم الظالم، ليس مصريًّا من خاف من عدوان المعتدي، ليس مصريًّا من يئس من قدرة مصر على الحياة والعزة والفوز.
تبارك الله، لم تتم خمسة عشر يومًا منذ أعلن «رئيس الوزراء» المستقيل أنه قد استشار أطباءه فرأى أنه قادر على البقاء في الحكم، وقد استشار ضميره فرأى أنه سيضحي بصحته في سبيل بلاده. نعم، ولم يتم أسبوع واحد على هذا الشاي الذي تساقاه الأصدقاء عند «وزير الداخلية»، فصفا ما بينهم من الأمر، ثم يمسي الناس أمس فإذا الأنباء تنتشر بينهم بأن مشورة الأطباء لم تكن تمكن «رئيس الوزراء» المستقيل من أن يحتمل أعباء الحكم أكثر من أسبوعين، وبأن مشورة الضمير لم تكن تمكن «رئيس الوزراء» من أن يمضي في تضحيته الأخيرة أكثر من أسبوعين، وبأن شاي الصلح لم يكن يمكن «رئيس الوزراء» من أن يبتسم للحكم أكثر من أسبوع، وبأن «رئيس الوزراء» يرفع استقالته أمس إلى حضرة صاحب الجلالة الملك، وبأن حضرة صاحب الجلالة الملك يرفق بشعبه ويعطف عليه فيقبل استقالة هذه الوزارة التي أذاقت مصر من الهم والغم، ومن الحزن واليأس ألوانًا، ويرحم «رئيس الوزراء» فيريحه من عناء الحكم.
تبارك الله، لقد كُتب لمصر الفوز ما آمنت بحقها، ووقفت له، وصبرت على ما يصيبها في سبيله من الخطوب والأحوال. تبارك الله، لقد أمدَّ مصر من عزها القديم ونهضتها الحديثة بهذه القوة التي تمكنها من الوفاء، وتعينها على الثبات، وتكفل لها الفوز في الجهاد.
ابتسموا أيها المصريون لحياتكم المقبلة، واعتزوا أيها المصريون بمجدكم القديم، واحذروا أيها المصريون أن تؤيسكم الخطوب، واحذروا أيها المصريون أن يبطركم الفوز، واعلموا أيها المصريون أن أموركم راجعة إليكم مهما تكن الظروف؛ لأنكم تريدون ذلك وتصممون عليه. سيقولون لكم إن المحنة لم تنتهِ بعد، ولعلها أن تطول، ولكنكم قد احتملتم أثقل أعبائها، وبلَوتم أمر قسوتها، وخرجتم بعد ذلك ظافرين. ومهما تتنكر لكم الخطوب فلن تلقوا شرًّا مما لقيتم، ولن تلقوا مثل ما لقيتم، ولن تجدوا من خصومكم بعد اليوم إلا كيد الضعيف ومكر المخفق المشفق.
فثقوا بالله وانتظروا منه التأييد، وأوفوا بعهد الوطن، وأحسنوا في سبيله الجهاد، وأخلصوا الحب لصاحب العرش، وانتظروا منه العناية الرشيدة، والرعاية الحكيمة، والعطف الكريم.
[1] كوكب الشرق في ٢٢-٩-١٩٣٣.رئيس
قيل لهم أقبلوا فأقبلوا مسرعين، ولو قيل لهم عودوا لعادوا مسرعين، وقد يقال لبعضهم اعملوا فيملؤهم النشاط للعمل والجد فيه، وقد يقال لبعضهم اكسلوا فيملؤهم الحب للكسل والحرص عليه؛ ولكن من بينهم رجلًا واحدًا أبى إلا أن يميز نفسه تمييزًا؛ لأن الدعوة التي أُرسلت إليه فيما يظهر لم تكن غامضة ولا مبهمة، وإنما كانت واضحة جلية الأغراض؛ فقد أُشعر بأنه لا يُدعى كما يُدعى غيره من الناس، وإنما يُدعى لأمر عظيم. فتأهب لهذا الأمر العظيم، وأخذ العدة للإقدام عليه والنهوض به، وأبى إلا أن يرسل النذير من «باريس» يسبقه إلى مصر على أجنحة البرق — يقولون — فتحدث إلى صحفي في محطة من محطات «باريس» يعلن رأيه في السياسة ومذهبه في الحكم.
وهذا الرجل العظيم المقبل على أمر عظيم، هو صاحب المعالي «عبد الفتاح يحيى باشا»، الذي يكاد الناس يجمعون على أن الظروف تريد أن تجعله رئيسًا لـ«الوزارة المقبلة». وكان «عبد الفتاح يحيى باشا» مستقرًّا في «فرنسا» ينعم بالحياة، ويستقبل لذاتها التي حُرمت في هذه الأيام على كثير من المصريين بحكم هذه الأزمة المنكرة التي فرضتها تلك السياسة المنكرة، سياسة «صدقي باشا» وأعوانه، وكان «عبد الفتاح يحيى باشا» من هؤلاء الأعوان.
و«عبد الفتاح يحيى باشا» رجل قد يسر الله له أسباب الحياة، وأنعم الله عليه بسطة في المال؛ فهو يقيم في مصر مترفًا، ويقيم في أوربا مترفًا. كان وزيرًا مع «صدقي باشا»، فلم يكن له بد من هذه الرحلة إلى أوربا، ولم يكن له بد من أن يغير الجو ويبدل الهواء، ولم يكن له بد من أن يسافر إلى أوربا على حساب الدولة ليزور المفوضيات ويفتش على أعمال الوزراء المفوضين. فلما أخرجه «صدقي باشا» من الوزارة لم يكن له بد أيضًا من أن يسافر على حساب نفسه، لا على حساب مصر. وإنه لفي ذلك، وإذا دعوة تبلغه أن أقبل، فإن السياسة في حاجة إليك، فيقبل مسرعًا.
والله يعلم، والسياسة تعلم: أيقبل على حساب نفسه؟ أم يقبل على حساب مصر؟ فلكل من الفرضين تأويل معقول؛ فهو إن قبل على حساب نفسه لم يعدُ أن يكون رجلًا من الناس، أتيح له الغنى فسافر، ولم يكن بد من أن يعود، وكان قدر ما يحتاج إليه من نفقات للسفر والعودة فأنفق ما قدر، وإن كان قد عجل عودته تعجيلًا. وهو إن عاد على حساب مصر فرجل من رجال السياسة، وعظيم من عظماء الدولة، أزعجته الدولة من راحته، وقطعت عليه أسباب لذته، ودعته إلى أمر عظيم، وسعت عند شركات الملاحة في أن تُرجِئَ له إقلاع السفينة؛ فمن حقه على الدولة أن تؤدي عنه أجر هذه العودة، وليس على الرجل من ذلك بأس؛ فالدولة محتاجة إليه، وليس هو محتاجًا إليها. وآية ذلك أنه سافر، ولو كان محتاجًا إلى الدولة لأقام، وآية ذلك أنه دُعي إلى أن يعود، ولو لم تكن الدولة محتاجة إليه لتركته حيث كان.
«عبد الفتاح يحيى باشا» إذن رجل عظيم، يرغب عن السياسة فترغب فيه السياسة، ويعرض عن الحكم فيسعى إليه الحكم، وينفر من السلطان فيتهالك عليه السلطان. وهو رجل مترف، لا يقضي الصيف في مصر حيث يقضيه المأزومون، وإنما يقضيه في أوربا حيث يقضيه الوزراء والأعيان وكبار الموظفين. وأكبر الظن أن «عبد الفتاح يحيى باشا» لم يذهب إلى أوربا ليدرس فيها شؤون المصريين، ولا ليقف فيها على ما يشقون به من ألوان البؤس وضروب الحرمان، ولا ليرى فيها ما يطيف بهم في المدن والريف من هذه الأشباح المزعجة المخيفة، أشباح الفقر والإعدام والإفلاس والجوع؛ وإنما ذهب إلى أوربا ليستريح من العلم بهذا كله، ومن سماع الحديث عن هذا كله، وليرى ويسمع أشياء أخرى، فيها ترويح عن النفس وترفيه عليها.
وكان المعقول — لو أن في مصر شيئًا معقولًا — حين دُعي إلى مصر، وعرف لمَ دُعي إلى مصر، أن يفكر ويطيل التفكير، وأن يؤثر الصمت ويغرق فيه حتى يتبين جلية هذا الأمر العظيم الذي يُدعى إليه، وحتى يتبين قدرته على النهوض بهذا الأمر أو عجزه عن احتمال أثقاله، وحتى يتبين كيف استقال رئيسه القديم، وكيف يُراد أن يخلفه ويسوي تركته أو يصفيها كما يقول أصحاب المواريث، وحتى يتبين رأي المصريين الذين يُدعى إلى حكمهم وتصريف أمورهم: أمشجع هو على قبول الحكم وتصريف الأمور؟ أم منفر هو من قبول وتصريف الأمور؟ وحتى يعرف الأشخاص الذين يُراد على أن يرأسهم أو يشاركهم ويعمل معهم: أملائمون هم لطبيعته ومزاجه وميله إلى فهم الحكم؟ أم مخالفون هم لطبيعته ومزاجه ومذهبه في الحكم؟
كان هذا معقولًا، لو أن أمور مصر في هذه الأيام تجري في حدود المعقول؛ لكن أمور مصر في هذه الأيام مريضة، تجري كما تستطيع، يذهب بعضها إلى الشمال، ويصعد بعضها حين يجب الهبوط، ويهبط بعضها حين يجب الصعود. وما دامت أمور السياسة في مصر مريضة إلى هذا الحد، فليس عجيبًا أن يمرض الساسة، وأن تجري أعمالهم على غير المعقول. وكذلك لم يرَ رئيس وزارتنا المقبل في هذه الدعوة التي وصلت إليه وتعجلت قدومه إلا شيئًا واحدًا، وهو أنه يُدعى لـ«الحكم». وكيف يتردد من يُدعى إلى الحكم في قبول الدعوة حين تُوجَّه إليه، لا يشترط في ذلك شرطًا، ولا يتبين لذلك رأسًا ولا ذنبًا، ولا يضع لذلك قاعدة ولا أصلًا؟ لقد دُعي إلى الحكم، وكان من الممكن أن يُدعى غيره إلى الحكم، وما زال من الممكن أن يُدعى غيره إلى الحكم؛ فإما أن ينتهز الفرصة ويستوثق من الأمر، ويثبت نفسه فيه تثبيتًا، وإما أن يفلت منه هذا الطائر الذهبي ذو الريش البديع الذي يسمى الفرصة ليقع على غيره من «المستوزرين»؛ فقد دُعي من قبله رئيس مجلس الشيوخ فأقدم على عجل، وهو ينتظر، ودُعي معه فيما يقال عضو في مجلس الشيوخ فأقبل على عجل، وهو يرجو. وفي مصر كثيرون لم يُدعوا، ولكن منهم من توهم فعاد من السفر، ومنهم من توهم فأحيا الوهم في نفسه آمالًا كبارًا. ورئيس وزرائنا المنتظر أذكى قلبًا، وأرجح حلمًا من أن يُرسل هذا الطائر الذهبي ذا الريش البديع بعد أن أمسكه بيد واحدة أو بيدين اثنتين.
فهو إذن خليق أن يشدد القبض على هذا الطائر، وأن يمكن لنفسه في الأمر تمكينًا. وسبيل ذلك واضحة ممهدة: تصريح يلقيه إلى مكاتب «الأهرام» قبل أن يثب إلى القطار. وفي هذا التصريح عهد بأنه يُحب النظام الجديد الذي اشترك في وضعه وفرضه، ويحرص على حمايته وتثبيته، ويرى فيه وحده الخير كل الخير. وفي هذا التصريح إنذار للمصريين بأن ليل «صدقي باشا» لم ينجلِ عن صبح مشرق، وإنما انجلى عن ليل مظلم مثله؛ فمن خدعته الآمال ومنّى نفسه أن يكون حرًّا تحت هذه الشمس المشرقة فليخدع نفسه، وليكذب نفسه، وليطرح أمانيه، وليملِ في نومه إن كان يحب النوم، وليظل في حزنه إن كان يحب اليقظة الحزينة. فقد ذهب «صدقي باشا»، وجاء «عبد الفتاح يحيى باشا»، وكلاهما يحب هذه السياسة التي تشقى بها مصر منذ أعوام، وكلاهما يحرص على هذه السياسة أشد الحرص. وقد حيل بين أحدهما وبين المضي في تثبيتها وتأييدها لأنه عجز عن ذلك وأخفق فيه، ولكن صاحبه خليق بأن يتم ما بدأ وينفذ ما لم يجد إلى تنفيذه سبيلًا.
نعم، وفي هذا التصريح كبت للحساد، وتحدٍّ للخصوم، واختيار لخطة الحرب والمنافسة، ووضع لأساس الوزارة الجديدة؛ فمن شاء أن يرضى فليرضَ، ومن شاء أن يغضب فليغضب؛ فـ«رئيس وزرائنا» المنتظر راضٍ آمل واثق. وحسبك بهذا كله وضعًا للأمر في نصابه، وتسييرًا لسياسة مصر في أيسر الطرق.
وكذلك يقبل «عبد الفتاح يحيى باشا» باسطًا يدًا كيد «صدقي باشا» إلا أنها أشد من هذه اليد بطشًا وقوةً، وأعظم قدرةً على الحركة، رافعًا في وجوه المصريين سوطًا كسوط «صدقي باشا» إلا أنه أقدر من سوط «صدقي باشا» على أن يمزق الأجسام إن احتاجت إلى التمزيق.
وكذلك يمضي ليل ويتبعه ليل، وكذلك تبقى الأزمة السياسية كما كانت قبل أن يستقيل «صدقي باشا»، معقدة أشد التعقيد، مظلمة أشد الإظلام. وبرغم ذلك يبتهج المصريون؛ لأن الليل الذي انجلى كان طويلًا ثقيلًا، لن يبلغ طوله وثقله ليل آخر حتى ولو ألقى أستاره «عبد الفتاح يحيى باشا».
وكذلك تظهر الحوادث في سرعة غريبة حقًّا، وقوة غريبة حقًّا، أن المصريين قد كانوا ملهمين حين فرحوا بسقوط «صدقي باشا» وأصحابه، ولكن في غير إسراف، ومن دون أن يزدهيهم الابتهاج أو يخرجهم عن أطوارهم؛ فقد ذهبت وزارة قاهرة، وستأتي وزارة تريد أن تكون قاهرة. وما ينبغي للمصريين أن يبتهجوا حقًّا إلا يوم يُمحى القهر محوًا، ويوم يُرفع عنهم ضرره رفعًا. وهم قد عرفوا كيف يثبتون لـ«صدقي باشا»، وكيف يضطرونه إلى الإخفاق والإفلاس، وهم يعرفون حق المعرفة كيف يثبتون لخليفة لـ«صدقي باشا»، وكيف يضطرونه إلى الإخفاق والإفلاس. وهم يعرفون حق المعرفة أنهم لن يستطيعوا أن ينتظروا من «عبد الفتاح يحيى باشا» ما لم ينتظروا من «صدقي باشا»؛ فلن تُفرج عنهم الأزمة، ولن يُكشف عنهم الضر، ولن تُرد إليهم الحرية، ولن يشعروا بأنهم أعزاء في بلادهم، وإنما هي حال سيئة ستطرد أيام الرئيس الجديد كما طردت أيام الرئيس القديم حتى يأذن الله بأن تزول. وقد أخذت بوادر هذا الإذن العظيم تبدو واضحة قوية، فلم يُنقل المندوب السامي، ولم يُضطر «صدقي باشا» إلى داره إلا لأمر من عظائم الأمور.
نعم، إن المصريين يعلمون حق العلم أن هذه الأزمة السياسية الظاهرة التي يضطرب لها سطح البحيرة ليست شيئًا ذا خطر، وإنما هي مقدمة لشيء ذي خطر، وهم ينظرون إلى هذه الأزمة الظاهرة ساخرين منها، يتخذونها لهوًا ولعبًا حين يتحدثون ويسمرون. وما لهم لا يلهون بها ولا يضحكون منها، وهذا «رئيس الوزراء» المستقيل يرفع استقالته ويُعلم بقبولها، وزملاؤه ماضون في أعمالهم قد جهلوا كل شيء؟ وما لهم لا يسخرون ولا يضحكون، وهذا «رئيس الوزراء» المستقيل يُخيَّل إلى نفسه ساعة من نهار أو ساعة من ليل أنه زعيم كثرة برلمانية، فيبرق ويرعد، ويرغي ويزبد، ويريد أن يتحكم في الأمر، ويلح في أن يُستشار، ثم يرى في الجو ابتسامة تكشر عن أنياب حداد، فيهدأ ويستقر، وينفي كل ما قال؟ وما لهم لا يسخرون ولا يضحكون، وهذا الرئيس المنتظر يُدعى إلى الحكم فيظهر اللهفة عليه والرغبة فيه، لا يأخذ لذلك شرطًا، وإنما يعطي على نفسه كل شرط؟ وما لهم لا يسخرون ولا يضحكون، وهذه الوزارة المقبلة تُتهيأ، وتجري الأحاديث بتأليفها، وتُوزع الأعمال والدواوين على أعضائها، ورئيسها بين السماء والماء يعجب بالنجوم وانعكاس صورها على الموج؟
والاستشارة الملكية في تأليف الوزارة لم تكن قد بُدئت بعد. كل شيء غريب في هذه الأيام إلا شيئًا واحدًا، وهو أن المصريين لا يُخدعون عن هذه الحال، ولا ينظرون إليها نظرة الجد، وإنما يتفكهون ويبتسمون وينتظرون.
[1] كوكب الشرق في ٢٥-٩-١٩٣٣. -
في الحب | On Love

في الحب
سيبسم لهذا العنوان قوم وسيعبس له آخرون، وسيكون بين الباسمين من يبسم عن رضا لأنه يريد أن يقرأ عن الحب شيئًا، ومن يبسم عن سخرية لأنه لا يرضى أن يكون الحب موضوعًا للحديث في مجلة ينتظر منها الجد الصارم ولا يحب منها الإقبال على لغو الحديث، فأما العابسون فسيكون عبوسهم سخطًا خالصًا؛ لأن حديث الحب لهو كله، وما أكثر الصحف والمجلات التي تلهج باللهو وتغرق فيه!
ومع ذلك فقد كانت حياتنا في العصر الأول أسمح من هذا كله وأكثر يسرًا، وكانت أحاديث الحب لا تثير سخطًا ولا عبوسًا وإنما تثير رضا وابتهاجًا وتدعو إلى الروية والتفكير في كثير من الأحيان، وقد مضى في تاريخنا الأدبي والعقلي عصر لم يكن الحب فيه هزلًا ولا دعابة، وإنما كان جدًّا خالصًا لا يخلو من صرامة وحزم في كثير من الأحيان، فلم يكن حب الغَزِلين في شمال الحجاز وفي نجد لهوًا ولا مجونًا، ولا مصدرًا للدعابة والفكاهة، وإنما كان جزءًا من جد الحياة اقتضته ظروف من السياسة والدين فدُفِع إليه الغَزِلون في شيء من التصوف لعله خير ما يستحق البقاء من شعرنا العربي القديم، ونحن نقرؤه فنجد راحة إليه واستمتاعًا به لا يشوبهما مجون ولا يتصل بهما ميل إلى العبث واللهو، وإنما تجد فيهما النفوس غذاءً روحيًّا يرتفع بها عن صغائر الحياة، ويعزيها عن هذه السفاسف اليومية التي تنزل بها عما تحب لنفسها من مكان رفيع. على أن هذا الهيام الذي شمل النفس العربية في نجد وشمال الحجاز لم يتردد في أن يغزو البيئات الدينية والعلمية الصارمة الحازمة في مكة والمدينة، فقد كان شعر جميل وكُثَيِّر والقيسين يُنشَد في المسجد الحرام ويُنشَد في المسجد النبوي، ويستمتع به في هذين المسجدين المطهرين قوم وقفوا أنفسهم على رواية العلم والدين لا يجدون في ذلك حرجًا ولا جناحًا؛ وربما تجاوز بعضهم هذا الاستمتاع بأحاديث الحب وما كان يُنشَد فيه من شعر إلى الحب نفسه؛ فشقي بالحب إن كان الحب شقاءً، ونعم بالحب إن كان الحب نعيمًا، وذاق لذته المؤلمة وحلاوته المرة، إن صح أن تكون اللذة مؤلمة وأن تكون الحلاوة مرة.
وقد كان عبد الرحمن بن أبي عمار الجشمي صاحب قراءة للقرآن ورواية للحديث، وإقبال على النسك والزهد وتفرغ للعبادة والطاعة، حتى لقبه أهل مكة بالقس، فلم يمنعه ذلك حين رأى سلَّامة وسمع غناءها أن يحبها حبًّا انتهى به إلى الهيام وجعله شاعرًا غزلًا كغيره من الشعراء الغزلين. لم يجد في ذلك حرجًا ولا جناحًا؛ لأن ذلك لم يورطه في إثم ولا فسوق، وعبد الرحمن بن أبي عمار القس هو الذي يقول في سلامة هذين البيتين الرائعين:
سلَّامُ هل لي منكمُ ناصرُ
أم هل لقلبي عنكم زاجرُ
قد سمع النَّاس بوجدي بكم
فمنهم اللائم والعاذرُ
ويزعم الرواة أن سلامة أحبت القس وحُبِّبت إليه، وهمَّت ذات يوم أن تقبِّله أو أن تضع فمها على فمه كما يقول الرواة، ولكنه امتنع عليها مؤثرًا نقاءَ القلب وصفاء الضمير، مشفقًا أن ينعم بحبها في الدنيا فيشقى بحبها في الآخرة ويصبح من هؤلاء الأخلاء الأعداء الذين ذكرهم القرآن الكريم.
وقد آثر ابن عباس رحمه الله — كما يعرف النَّاس جميعًا — أن يسمع لغزل ابن أبي ربيعة على أن يسمع لأسئلة نافع بن الأزرق في الفقه والحديث وتفسير القرآن، فقد كان القدماء أسمح منا نفوسًا وأحسن منا استقبالًا لأمور الحياة، يعنفون بأنفسهم في مواضع العنف، ويرفقون بها في مواطن الرفق، ولا يتكلفون هذا الجد السخيف والتزمُّت الذي لا يدل على شيء، وأنا بعد هذا كله لا أريد أن أتحدث عن الحب مرغِّبًا فيه أو مرغِّبًا عنه، محسِّنًا له أو زاريًا عليه، بل لا أريد أن أتحدث عن الحب في نفسه، وإنما أريد أن أتحدث عنه من حيث إنه كان موضوعًا للبحث والدرس والتأليف عند أديبين عظيمين؛ أحدهما عربي مسلم قديم، والآخر أوروبي مسيحي حديث، فأما أولهما فهو ابن حزم الأندلسي، وأما ثانيهما فهو ستندال الفرنسي، فقد عاش أولهما في القرن الحادي عشر، وعاش ثانيهما في القرن التاسع عشر، فبينهما نحو ثمانية قرون، وهما بعد ذلك يختلفان أشد الاختلاف ولا يكادان يتفقان إلا في الشيء اليسير جدًّا.
فابن حزم مسلم متعمق للإسلام، يؤمن به إيمانًا صادقًا متينًا، يرتفع به إلى شيء يوشك أن يكون نسكًا، وهو قد وقف حياته أو أكثر حياته على تعمق العلوم الإسلامية والعربية؛ فهو متقن لرواية الحديث، محسن للفقه، متخصص في الكلام متفوق في الجدل، عالم بشئون الفرق الإسلامية، مهاجم لأكثرها مدافع عن أقلها، منافح عن الإسلام، ناقد لما ورث المسيحيون واليهود من المسيحية واليهودية، عارض لكل مسألة من مسائل الدين بالدرس والنقد والتحليل، مظهر رأيه فيها، مؤيد له بما يرى أنه الحجة القاطعة والبرهان الساطع الذي لا يمكن الشك فيه، فهو بذلك رجل من رجال الدين، ومن رجال الدين الذين وقفوا أنفسهم وحياتهم على درسه واستقصائه، والذود عنه والقيام من دونه.
وهو صاحب مذهب بعينه في الدين ليست عليه كثرة المسلمين؛ فهو ظاهري يؤثر النص ويكره التأويل، ولا يحب التأوُّل ولا يميل إلى التأويل، وهو من أجل ذلك لا يُخاصَم في الكلام وحده وإنما يُخاصَم في الفقه أيضًا، وهو من أجل ذلك متقن للغة أشد الإتقان، متعمق لكل ما يتصل بها من علم أشد التعمق؛ فهو لغوي، وهو نسابة، وهو راوية للشعر والأدب والأخبار، ثم هو قبل هذا كله من أسرة قد تولت الوزارة واتصلت بالقصور وعملت في الدواوين ودبرت أمور السياسة، وقد شارك في بعض ما نهضت به الأسرة من الأعباء، ولكنه صرف نفسه عن السياسة، أو صرفته الظروف عن السياسة إلى العلم، فأحاط بكل ما كانت تتكون منه الثقافة الإسلامية العربية في ذلك الوقت، ثم لم يكتفِ بأن يكون عالمًا ممتازًا، بل أراد أن يكون معلمًا ممتازًا أيضًا، ومؤلفًا ممتازًا كذلك، هذا هو ابن حزم.
أما ستندال فقد نشأ في عصر الثورة الفرنسية، وشارك في الخطوب السياسية والعسكرية التي امتلأ بها عصر نابليون وقاتل في غير موقعة من مواقع هذا القائد العظيم، وشهد الأحداث الكبرى التي اضطربت لها فرنسا ثم اضطربت لها أوروبا ثم اضطرب لها العالم كله في آخر القرن الثامن عشر وفي النصف الأول للقرن التاسع عشر، وهو بحكم نشأته وبيئته والعصر الذي عاش فيه، مسيحي اللون حر الضمير واسع الثقافة إلى أبعد حد ممكن، ولكنه لم يكن وزيرًا ولم يحاول أن يكون وزيرًا، ولم يكن معلمًا ولم يحاول أن يكون معلمًا، وإنما عاش لنفسه أولًا، ومُنِح قلبًا ذكيًّا وعقلًا خصبًا وضميرًا حيًّا ونبوغًا فنيًّا ممتازًا، فلم يجد بدًّا من أن يصور حياته وحياة النَّاس من حوله وحياة العصر الذي عاش فيه.
فالاختلاف بين هذين الرجلين بعيد إلى أقصى غايات البعد، ولكنهما على ذلك يلتقيان في بعض الأمر، فكلاهما أوروبي المولد والنشأة؛ وُلِد ابن حزم ونشأ وعاش في إسبانيا، ووُلِد ستندال وعاش في فرنسا وغيرها من البلاد الأوروبية.
وقد ذكرت آنفًا أن ابن حزم عربي مسلم، وما أردت بعروبته هذا المعنى الضيق الذي يتصل بالجنس والنسب؛ فقد يقال إن ابن حزم لم يكن عربيًّا صليبة، وإنما أردت هذه العروبة التي تتصل بالثقافة والسياسة والدين واللغة والنشأة، وهذه الخصائل التي هي أهم ألف مرة ومرة من الجنسية والعنصرية.
فقد كان الرجلان إذن أوروبيين، ولكن أحدهما عربي الحياة والآخر فرنسي الحياة، وأحدهما من أبناء القرن الحادي عشر والآخر من أبناء القرن التاسع عشر، وقد كان الرجلان يلتقيان في شيء آخر؛ فكلاهما عاش في عصر فتنة واضطراب. عاش ابن حزم في عصر انهيار الدولة الأموية في الأندلس وانتثار النظام السياسي في هذا الجزء من أوروبا، وقل إن شئت في هذا الجزء من العالم الإسلامي القديم، وقد شهد ابن حزم انتقال السلطان من بني أمية إلى حجابهم، ثم انهيار الأمر حول هؤلاء الحجاب، وقيام ملوك الطوائف، وتدخل البربر في شئون العرب الإسبانيين، ثم هو لم يشهد ذلك من برجه العاجي، وإنما شهده شهود المشارك فيه، المصطلي بناره، المتحمل لآثاره، فذاق السجن ونُفِيَ من الأرض وتقاذفته مدن الأندلس، بل تقاذفته مدن العالم الإسلامي الغربي؛ فهو قد عبر إلى إفريقية، وهو قد عبر إلى الباليار، وهو قد لقي في هذا كله ألوانًا من المحن وضروبًا من الخطوب.
وعاش ستندال في عصر الثورة وفي عصر الحروب التي أثارها نابليون أو أُثِيرت عليه، وشارك في هذه الحروب فانتصر حين انتصر نابليون وانهزم حين انهزم نابليون، واضطرته هذه الحروب إلى التقلب في أقطار أوروبا، فذهب إلى ألمانيا والنمسا والروسيا وأقام في إيطاليا فأطال الإقامة وعاد آخر الأمر إلى فرنسا.
وليس المهم بالقياس إلى هذين الرجلين أنهما عاشا في عصر فتنة واضطراب وتأثرا بهما في حياتهما المادية، وإنما المهم أن كليهما قد مُنِح حسًّا دقيقًا وشعورًا رقيقًا، وعاطفة ثائرة، ومزاجًا حادًّا وذوقًا رفيعًا، فتأثر بهذه الفتنة وتأثر بهذا الاضطراب، وعاش عيشة سخط وشذوذ وقلق لا عيشة رضا واطمئنان وحرص على ملاءمة الجيل الذي كان يعيش فيه.
كان ابن حزم شاذًّا في إسبانيا المسلمة المضطربة، وكان ستندال شاذًّا في فرنسا المسيحية الثائرة، وكان كلاهما ساخطًا على ما يرى، منكرًا لما يشهد، عاكفًا على نفسه يتسلى بعلمه وأدبه عما يجري حوله من الخطوب.
في هذا كله كان الرجلان يختلفان ويتفقان، ومن هنا فرغ ابن حزم لعلوم اللغة والدين، وفرغ ستندال للقصص والإنشاء الأدبي الخالص، ومن النافع أن نقف عند هذين الكاتبين وقفة قصيرة؛ فقد يكون من المفيد أن نرى كيف عُنِيَ الأديب المسلم القديم والأديب المسيحي الحديث بهذا الأمر الخطير الذي هو الحب.
وإذا قلت إن الحب أمر خطير؛ فإنما أصدر في ذلك عن ابن حزم من جهة وعن ستندال من جهة أخرى، ولست في حاجة إلى أن أصدر في ذلك عن شعر الشعراء ولا عن أدب الأدباء ولا عن الحياة نفسها؛ لأني لا أكتب فصلًا في الحب من حيث هو، وإنما أكتب فصلًا في الحب كما صوره هذان الأديبان.
والظاهر أن الحب قد كان خطيرًا حقًّا في إسبانيا المسلمة أيام ابن حزم، وليس أدل على ذلك من أن هذا المحدث الفقيه المتكلم الفيلسوف المنفي من أرض وطنه قد فرغ لكتابة رسالة فيه، وهو لم يفرغ لكتابة هذه الرسالة إلا لأن صديقًا من أصدقائه الفقهاء المحدثين المتأدبين قد طلب إليه أن يكتب هذه الرسالة، فلولا أن الأمر له شيء من خطر لما طلب هذا الفقيه المحدِّث الأديب إلى ابن حزم أن يفرغ له ويكتب فيه، ولما أجاب ابن حزم إلى ما طُلِب إليه وهو على جناح سفر قد أُزعِج عن وطنه واستقر في شاطبة لينتقل منها إلى منفًى آخر.
ثم نحن نقرأ كتاب ابن حزم فنرى أن الحب قد شغل ابن حزم في حياته كلها كما شغله الفقه والتفسير والحديث والكلام، ونقرأ كتاب ابن حزم فنرى أن الحب لم يشغله وحده، ولم يشغله مع صاحبه الذي طلب إليه تأليف الكتاب وحدهما، وإنما الظاهر أنه كان يشغل النَّاس جميعًا في إسبانيا المسلمة لعهد ابن حزم، ولعله كان يشغل المثقفين والممتازين أكثر مما كان يشغل غيرهم من الناس.
أما في فرنسا فالحب شيء خطير في كل وقت لا يحتاج ذلك إلى دليل، ولكنك سترى أن ستندال لم يكن يقدر الحب كما ألِفَه مواطنوه الفرنسيون.
أكاد أعتقد أن في نفوسنا من إسبانيا المسلمة صورة غير مطابقة للحقيقة الواقعة أثناء القرن الخامس للهجرة على أقل تقدير، فنحن نقرأ فقهًا وفلسفة وحديثًا وكلامًا وتفسيرًا ولغة، ونحن نقرأ أخبار الفتن والحرب فيُخيَّل إلينا أن إسبانيا المسلمة قد كانت في القرن الخامس موطن الجد المظلم والثورات المنكرة والاختلاف المؤذي للنفوس، لا نكاد نستثني من ذلك إلا هذه البيئات الخاصة التي كانت تمتاز بالعكوف على اللذات والانصراف إلى الشعر والموسيقى والغناء، ولكن ابن حزم يعطينا في كتابه «طوق الحمامة» صورة أخرى لإسبانيا المسلمة في ذلك العهد، صورة وطن كان النَّاس فيه جميعًا يذوقون الحب، ويبلون لذاته وآلامه، يتعرضون له كما يتعرضون لغيره من محن الحياة، بل يتعرضون له كما يتعرضون للموت، لا فرق في ذلك بين أصحاب الجد منهم وأصحاب الهزل، ولا بين الذين يفرغون للعلم والدين، والذين يفرغون للأدب والفن، والذين يفرغون للسياسة والحرب.
وأكبر الظن أن أمور النَّاس كلهم تجري على هذا النحو في جميع أقطار الأرض، ولكن حظوظ النَّاس من الحرية في تصوير هذا والتعبير عنه تختلف باختلاف الأوطان والبيئات والظروف، والظاهر أن إسبانيا المسلمة كانت على حظ عظيم لا في الحب وحده بل في التحدث عن الحب أيضًا، ومن الحق أن ابن حزم تحرج شيئًا أو كاد يتحرج شيئًا من الكتابة في هذا الموضوع، ولكنه لم يلبث أن يعفي نفسه من هذا الحرج بآثار رواها في أول الكتاب وبحض على الطاعة ونهي عن المعصية، وترغيب في الفقه سجَّلها في آخر الكتاب، فقد روى ابن حزم بسنده المتصل إلى أبي الدرداء رحمه الله أنه كان يقول: «أَجِمُّوا النفوس بشيء من الباطل؛ ليكون عونًا لها على الحق.» وروى آثارًا أخرى عن جماعة من السلف الصالح رحمهم الله.
وكان هذا أشبه باستئذان للدخول في هذا الموضوع الخطير الذي يظهر أن ابن حزم فكر فيه وعاش معه منذ نشأ إلى أن مات، وأخص ما يتفق فيه ابن حزم وستندال أنهما لم يريدا أن يكتبا في الحب كتابة المتزيد المتكلف، وإنما أرادا أن يكتبا فيه كتابة العالم الذي يؤثر البحث والاستقصاء، ويعتمد على الملاحظة والمشاهدة، ويستنبط من هذا كله أصولًا وقواعد هي أشبه بالعلم وأقرب إليه من شبهها بالأدب وقربها إليه، فليس الذي يعنيهما أن يرويا الأخبار ولا أن يستنبئا الخيال ولا أن يفلسفا في غير موضع للفلسفة، وإنما الذي يعنيهما أن ينظرا إلى الواقع ويعمدا إليه ويأخذا منه في غير تكلف ولا تصنع أيضًا، كلاهما يريد العلم ويعتمد على الظواهر الواقعة، ولكن أحدهما يعيش في القرن الحادي عشر، والآخر يعيش في القرن التاسع عشر، وبين حياة العقل الإنساني في هذين العصرين أمد بعيد؛ فابن حزم يعيش في عهد الكلام وما بعد الطبيعة، وستندال يعيش في عهد العلم والتجربة، فليس غريبًا أن يكون ابن حزم فيلسوفًا حين يفسر الظواهر الواقعة، وأن يكون ستندال عمليًّا حين يفسر هذه الظواهر نفسها.
ومن هنا عمد ابن حزم إلى تعريف الحب كما كان النَّاس في عصره يعمدون إلى تعريف كل شيء، وعمد إلى تعريفه على النحو الفلسفي الذي ألفه أصحاب المنطق؛ فهو يثبت قبل كل شيء أن الحب حقيقة واقعة لا منصرف عنها ولا تخلص منها، وأنه من أجل ذلك شيء مباح لا ينكره الدين ولا العرف ما دام لا يتجاوز حدود الدين والعرف، وهو يذكر الحب الذي ألم بطائفة من خلفاء بني أمية في الأندلس ومن خلفاء الفاطميين في مصر، والحب الذي ألم ببعض الفقهاء من أبناء الصحابة والتابعين وما أفتى به ابن عباس رحمه الله في بعض الأمور التي تتصل بالحب، ثم يذكر بعد ذلك «مائية الحب» كما يقول، وهي كلمة يأخذها من «ما»، وهي توازي كلمة «الماهية» عند الشرقيين من أصحاب المنطق والفلسفة، كأن الشرقيين يأخذون كلمتهم من «ما هو»، وكأن ابن حزم وأصحابه الأندلسيين يأخذون كلمتهم من «ما» وحدها، فيجعلون الألف همزة حين ينسبون. ومائية الحب كما يقول ابن حزم، أو ماهيته كما يقول الشرقيون؛ هي عند ابن حزم: «الاتصال بين أجزاء النفس المقسومة في هذه الخليقة في أصل عنصرها الرفيع.» كان ابن حزم يذهب إلى ما ذهب إليه بعض الفلاسفة من قدماء اليونان من أن هناك عنصرًا رفيعًا تأتلف منه نفس واحدة قد قُسِّمت أجزاؤها على المخلوقات ذوات النفوس، فقد يحدث اتصال بين بعض هذه الأجزاء المقسمة بين النَّاس فيكون الحب، وقد يحدث انفصال فيكون البغض، وبمقدار ما يكون الاتصال قويًّا أو ضعيفًا يقوى الحب أو يضعف، وبمقدار ما يكون الانفصال قويًّا أو ضعيفًا يشتد البغض أو يلين.
وهذا الاتصال إنما هو ملاءمة في الشكل وتشابه في الطبع وحنين جزء من النفس إلى جزء آخر من النفس، والأعراض الطارئة هي التي تباعد بين هذه الأجزاء أو تتيح لها أن تقترب وتأتلف، وابن حزم لا يحب أن يذهب مذهب إمامه محمد بن داود الظاهري ومذهب غيره من الفلاسفة الذين يرون أن النفوس كرات مستقلة تستقر في المخلوقات إلى حين، وإنما هو يرى أن النفوس أجزاء من نفس واحدة قد قُسِّمت على المخلوقات إلى حين، ثم هي تعود إلى أصلها، وإن كان ابن حزم لم يصرح بهذه العودة في هذا الكتاب، والشيء المهم هو أن الحب عند ابن حزم لا يأتي من الأجسام وإنما يأتي من النفوس، وليست الأجسام في حقيقة الأمر إلا وسائط ووسائل تتيح للنفوس أن تتقارب أو أن تتباعد، وآية ذلك أن من النَّاس من يحب شخصًا تنقصه هذه الخصلة أو تلك من خصال الجمال الجسمي وهو يعلم أن بين النَّاس من يستوفون خصال الجمال كلها أو أكثرها، ومن يزيدون على محبوبه في هذه الخصال، فلو كان الجمال الجسمي مصدر الحب لما أمكن أن يحب الإنسان شخصًا قبيحًا أو منقوص الحسن، ونحن نعلم أن العاشقين لمن لا يبلغ الحسن فيهم أقصاه ولمن يقدر عليهم القبح ليسوا قليلين، ولا تفسير لذلك عند ابن حزم إلا أن الحب ظاهرة تتصل بالنفوس ولا تتصل بالأجسام إلا اتصالًا عارضًا، فنحن هنا أمام بحث فلسفي يتصل بما بعد الطبيعة أكثر مما يتصل بالطبيعة نفسها، أو قل: إنه يتخذ الطبيعة سلمًا يرقى فيه إلى ما بعد الطبيعة، وليس شيء من هذا كله غريبًا؛ فابن حزم يعيش في القرن الحادي عشر، والعلم عنده ما وُرِث عن الفلاسفة والمتكلمين.
فأما ستندال فهو لا يعمد إلى التعريف ولا يفكر في الاستنباط المنطقي، وإنما يعمد إلى الاستقراء والاستقصاء، فهو لا يعرف الحب جملة وإنما يستقصي أنواع الحب عند أفراد النَّاس وعند أصنافهم، وهو يضع أصلًا في أول كتابه لا يكاد يحققه حتى يشك في دقته ويفتح باب الاستقراء والاستقصاء من جديد.
فليس هناك حب واحد إذن، وإنما هناك أنواع أربعة من الحب؛ أولها الحب الجامح الذي يملك على النفس أهواءها وعواطفها وحسها وشعورها، والذي يندفع كالسيل لا يلوي على شيء ولا يترك لصاحبه حظًّا من أناة أو روية أو تفكير، والثاني الحب المترف الذي ينشئه التكلف وما تقتضيه الحضارة الراقية المصفاة من إتراف في الذوق، وتأنق في فنون المتاع، والذي لا يكاد يتصل بالنفس ولا بالقلب، ولا يكاد يؤثر في العاطفة أو في الشعور، وإنما هو لون من ألوان الذوق، وفن من فنون الترف، قد وُضِعت له قواعده وأصوله، وأحاط النَّاس بأسراره ودقائقه، فهم يصعدون فيه عن علم وينتهون إلى غايته عن بصيرة، والثالث الحب الجسدي الذي تدفع إليه الغرائز والذي يشترك فيه الإنسان والحيوان، والرابع حب الغرور الذي ينشأ عن الكبرياء وإيثار النفس بهذه الظواهر الخداعة التي يكبر بها الإنسان أمام نفسه وإن لم يكبر بها في أنفس الناس، وقد مثل ستندال لأنواع الحب هذه بأمثلة تصورها تصويرًا صادقًا وتدل عليها دلالة واضحة، فأبطال الحب المعروفون الذين تحدث عنهم التاريخ يصورون النوع الأول، والمترفون من الفرنسيين أثناء القرن الثامن عشر يصورون النوع الثاني، والصائد الذي يشتهي قروية رآها تهيم في الغابة فأعجبه شكلها يصور النوع الثالث، وكثرة الشعب الفرنسي في عصر ستندال تصور النوع الرابع. على أن ستندال لا يلبث أن يلاحظ أن هذا التقسيم ليس دقيقًا ولا نهائيًّا، وأن من الممكن أن ينحل كل نوع من هذه الأنواع الأربعة إلى أنواع أخرى جزئية يدل عليها بألفاظ أخرى، فأمور الحب أشد دقة وأكثر اختلافًا وأيسر تفاوتًا من أن تُستقصَى على نحو قاطع محتوم، وليس المهم عند ستندال أن تُحْصَى أنواع الحب أو تُستقصَى، وإنما المهم أن نتبين كيف ينشأ الحب وكيف ينمو وكيف يضعف وكيف يموت، وستندال يرى أن هذا كله إنما يجري طبقًا لقوانين يعرضها في هذا الكتاب، والإعجاب هو أول درجة من درجات الحب ترقاها النفس حين تتجاوز نظرتها العادية البريئة من الاكتراث إلى الشخص الذي كُتِب لها أن تحبه، فهي تبدأ بالخروج عن عدم الاكتراث إلى التفات خاص لا يكاد يتم حتى ينشأ عنه إعجاب يقف النفس عند هذا الشخص الذي التفتت إليه، ولا يكاد هذا الإعجاب يتصل حتى ترقى النفس في هذا السلم إلى درجة أخرى، وهي درجة التوق والشوق أو الطموح إن شئت، وهي الدرجة التي يقول فيها الإنسان لنفسه: أحْبِبْ إليَّ بأن أقبِّل هذا الشخص أو بأن يقبِّلني؛ فهو طموح إلى الاتصال المادي بعد أن تم الاتصال النفسي.
ثم يرقى الإنسان إلى الدرجة الثالثة، فأنت تستطيع أن تتوق وأن تشتاق وأن تطمح، ولكن هذا كله شيء وانتظار الوصول إلى ما تطمح إليه شيء آخر، فإذا تجاوزت الطموح إلى الأمل فقد ارتقيت إلى الدرجة الثالثة في تصديك للحب، ثم لا يكاد يستقر الأمل في نفسك، أو لا تكاد نفسك تستقر في الأمل، حتى تبلغ الدرجة الرابعة، وهي الدرجة التي يتم فيها تكوُّن الحب، فأنت قد أُعجِبت ثم اشتقت ثم أملت، ثم استحال هذا كله في نفسك إلى لذة قوية تحدث بمجرد أن ترى من تحب أو أن تسمعه أو أن تمسه أو أن تتصل بسبب من أسبابه، وأنت إذا وجدت هذه اللذة مُعَرَّض لأن تجد الألم إذا انقطعت الأسباب بينك وبين من تحب، وكذلك لا تبلغ الدرجة الرابعة حتى تضطرب بين ما يحدث الحب من لذة وألم، ومن نعيم وجحيم، وإذا وُجِد الحب فلا بد له من أن ينمو، إلا أن يُقتَل يوم مولده ونموه. يبدأ حين تبلغ الدرجة الخامسة، وهي ما يسميه ستندال التبلور الأول، ومنشؤها اتصال تفكيرك فيمن تحب، فأنت لا تفكر فيه كما هو قبل أن تلتفت إليه، أو قل: إنك لا تفكر فيه كما يفكر فيه غيرك من النَّاس الذين لا يحفلون به ولا يأبهون له، وإنما تسبغ عليه شيئًا من إعجابك به وشوقك إليه وأملك فيه، وإذا أنت تضيف إليه محاسن تزعم أنها لا توجد في غيره، وإذا أنت تقوي شعورك بالغبطة حين تتصل به بمقدار ما تضيف إليه من المحاسن، فهو وحده الذي يستطيع أن يرضي ما تطمح إليه نفسك من المثل العليا في اللذة والسعادة والنعيم، وغيره لا يقدر على أن يبلغك من هذا كله شيئًا؛ لأن هذا كله موصول بما خلعت على محبوبك من المحاسن والخصال التي ميزته بها من النَّاس جميعًا، وكذلك تتصل نفسك به اتصالًا قويًّا متينًا غير مقطوع، وإذا أنت حريص أشد الحرص على استبقاء هذا الاتصال والتزيد منه في كل لحظة ما وجدت إلى ذلك سبيلًا، وإذا بلغت هذا الحرص فليس لك بد من أن ترقى إلى الدرجة السادسة؛ فالحرص مصدر الخوف والشك، ومتى انتهيت من الحرص إلى غايته فلا بد لك من أن تشك في أنك موفق أو غير موفق، وأنت في هذه الدرجة السادسة تسأل نفسك بين لحظة ولحظة، أيجد حبك صدى في نفس محبوبك أم لا يجد؟ ثم أنت لا تكتفي بهذا السؤال، ولا تطمئن إلى هذا الشك، ومتى اطمأن الإنسان إلى الشك؟! إنما أنت مضطر إلى أن تلتمس الدليل القاطع على أنك لم تخطئ فيما قدرت، ولم تخفق فيما طلبت، وعلى أن محبوبك يقارضك حبًّا بحب ويبادلك هيامًا بهيام، وأنت كذلك تسأل نفسك ثم تجيب نفسك، ثم تشك في الجواب فتستأنف السؤال، فإذا طال عليك هذا الأمر وظفرت بالإشارة الدالة أو اللمحة المطمعة أو الآية المقنعة فأنت راقٍ على رغمك إلى الدرجة السابعة وهي التبلور الثاني كما يسميها ستندال، فأنت قانع بأنك محبوب، وأنت تزين لنفسك هذا الحب الذي تجده والذي تطمئن إلى أن له صدى في نفس من تحب، تخلع على هذا الحب من صفات القوة والسعة والعمق والجمال ما شئت وما لم تشأ، ثم يُصبح هذا الحبُّ حياتك التي تملك عليك كل شيء، وتصرفك عن كل شيء وتأخذ عليك طريقك، وقد انتهيت الآن إلى قمة الحب، فلم يبقَ إلا أن يتصل نعيمك به أو شقاؤك، بما يمكن أن يعرض له من الضعف والفتور.
كذلك يعرض ستندال مقدمات الحب ونشأته ونموه وبلوغه إلى أقصى غاياته، ثم هو يعود إلى هذه الدرجات بعد ذلك فيدرسها درسًا مفصلًا عميقًا يضرب له الأمثال ويستدل عليه بالوقائع، فهو كما ترى بعيد كل البعد عما بعد الطبيعة، قريب كل القرب من الطبيعة نفسها، لا يلتمس للحب حدًّا ولا رسمًا ولا تعريفًا، وإنما يميز أظهر أنواعه ثم يتبعه منذ تتهيأ النفس له إلى أن تفنى النفس فيه، وواضح جدًّا أن ستندال حين يسلك هذه الطريق إنما يذهب مذهب العلماء المعاصرين له الذين تأثروا بنشأة العلوم التجريبية وتطورها، فاعتمدوا على الملاحظة المباشرة أكثر مما اعتمدوا على أي شيء آخر.
وقد همَّ ابن حزم أن يسلك هذه الطريق نفسها، بل هو لم يسلك إلا هذه الطريق، طريق الملاحظة المباشرة؛ فهو لا يخترع أحاديثه عن الحب اختراعًا ولا يبتكرها ابتكارًا ولا يخلقها من عند نفسه، وهو لا يكاد يلم بالفلسفة إلا حين يحاول تعريف الحب، وهو لا يقرر أصلًا من الأصول ولا فرعًا من الفروع إلا مستمدًّا له مما رأى بنفسه، أو مما وجد في نفسه، أو مما سمع من الذين لا يعرض الشك له فيما يلقون من الأحاديث، فابن حزم معتمد على الملاحظة المباشرة كما يعتمد عليها ستندال، ولكن ابن حزم لا ينتفع من ملاحظته المباشرة كما ينتفع بها ستندال، فبين الرجلين دهر طويل تطوَّر فيه العقل الإنساني، وتطورت فيه مذاهب البحث ومناهجه، ووسائل الملاحظة وأدواتها تطورًا عظيمًا بعيد المدى، فملاحظة ابن حزم دقيقة كملاحظات ستندال، ولكنها قريبة لا تتعمق ولا تكاد تتجاوز نفسها إلا قليلًا؛ لأن ابن حزم لم يظفر من أدوات البحث والاستقصاء والتعمق بمثل ما ظفر به الكاتب الفرنسي الحديث.
وبين الرجلين فرق آخر، وهو أن ابن حزم على شذوذه الذي لفت إليه المعاصرين جميعًا في الشرق والغرب، بل لفت إليه الذين جاءوا بعده بوقت طويل، لم يستطع أن يخلص من العادة المألوفة في التفكير والاستنباط؛ فهو قد فكر كما كان النَّاس يفكرون من حوله، بل كما فكر النَّاس من قبله ومن بعده، واستنبط كما كانوا يستنبطون، لم يستطع أن يتجاوز ذلك؛ لأن وقت تجاوزه لم يكن قد آن، ولأن وسائل هذا التجاوز لم تكن قد استُكشِفت بعد.
وقد يكون من الغريب أن ابن حزم قد صرَّح أكثر مما صرح ستندال، فستندال يزعم صادقًا أو غير صادق — ومن المحقق أنه غير صادق — أنه لم يتخذ نفسه موضوعًا للملاحظة في أي فصل من فصول كتابه؛ فهو لم يتحدث عن نفسه ولا عن عواطفه وشعوره بحال من الأحوال، أما ابن حزم فيحدثنا عن نفسه في صراحة رائعة حقًّا، ولعل أحاديثه عن نفسه هي خير ما اشتمل عليه الكتاب، وليس عليه من ذلك بأس؛ لأنه يحدثنا صادقًا من غير شك أنه لم يقترف في الحب إثمًا، ولم يورطه الحب في خطيئة كبيرة من الكبائر.
وهو من أجل ذلك يحدثنا عن نفسه في صراحة وإسماح، ويقص علينا من أنبائه ما يثير في نفوسنا كثيرًا جدًّا من الرفق به، والرثاء له، والعطف عليه. فنحن نشهده في دار أبيه الوزير وقد تعلقت نفسه بجارية من جواري الدار رائعة الحسن، بارعة الجمال، قوية النفس، صادقة العزم، حازمة الجد، لا تحب العبث ولا تميل إلى الدعابة، وإنما تغرق في الجد إغراقًا يكاد يدفعها إلى العبوس، وقد اجتمع أهل الدار في يوم من الأيام التي يجتمعون فيها لبعض الأمر، وقد ألم بهم ضيف فطعموا ونعموا، وأشرفوا من بعض أطناف الدار على البستان ينظرون إليه ثم إلى النهر، ثم يمدون أبصارهم إلى أبعد من البستان وأبعد من النهر، فيرون من قرطبة وضواحيها منظرًا عجيبًا، وقد وقفت هذه الجارية عند باب من أبواب الطنف تشرف منه على هذا المنظر الرائع الجميل، وابن حزم يحتال متنقلًا ليدنو منها ويقف من مكانها غير بعيد، ولكنها لا تحس احتياله ولا تلاحظ قربه حتى تنأى وتنتقل إلى باب آخر، وابن حزم يتبعها رفيقًا دائمًا محتالًا دائمًا متهالكًا دائمًا، وهي تبعد كلما قرب، وتنأى كلما دنا، ثم يقترح مقترح أن تهبط الجماعة إلى البستان وتجلس على عشبه الأخضر بين ما يزينه من شجر وزهر فيهبط القوم، ويحاول ابن حزم أن يدنو فتنأى صاحبته، ثم يقترح مقترح على الجارية أن تغني، وكانت بارعة في العزف متفوقة في الغناء، فتضرب وتغني، ويكون هذا كل ما استطاع ابن حزم أن يظفر به من هذه الجارية، ثم تمضي الأيام وتحدث الأحداث وتلم الخطوب ويبعد العهد، ويعود ابن حزم بعد أعوام إلى وطنه في قرطبة فيرى هذه الجارية وقد ابتذلتها حوادث الدهر، واضطرتها الخطوب إلى أن تتكلف ما لا يتكلف أمثالها من المترفات، وإذا الزهر قد ذوى، وإذا الحسن قد غاض، وإذا الضر قد بدا أو كاد يبدو، ونحن نرى ابن حزم يصور نفسه لنا وقد شغَفَتْ فتاة قلبه كما لم تشغفه فتاة قط، وقد اتصل الحب بينه وبينها، ثم اختطفها منه الموت، فانظر إلى الجزع الذي ليس بعده جزع، والوجد الذي ليس بعده وجد، والعذاب الذي لا يشبهه عذاب، وإذا هو يقضي أيامًا لا يضع ثيابه ولا ينعم بطعام أو شراب، وإذا هو يذكر حبيبته مستيقظًا ويحلم بها نائمًا، ويقول في حبه لها الشعر أثناء اليقظة وأثناء النوم، وإذا الأيام تمضي حتى تصبح أعوامًا وأعوامًا، والسن تتقدم بالفتى قليلًا قليلًا حتى يصبح كهلًا ثم يصير إلى الشيخوخة، وحبه لتلك الفتاة ما زال شابًّا في قلبه لم يؤثر فيه مر الزمن ولم يستطع السلوان أن يرقى إليه.
فابن حزم إذن يعتمد على الملاحظة المباشرة الحرة الصريحة، يلاحظ نفسه وخلطاءه، ويلاحظ النَّاس من حوله، ولكنه على هذا كله مقيد مقصوص الجناح، لا يكاد يتعمق ولا يكاد يرتفع؛ لأنه يفكر كما كان يفكر النَّاس في عصره؛ فأسبابه إلى التعمق والاستقصاء قصار لا تتجاوز به القواعد السطحية أو التي توشك أن تكون سطحية.
وقد رتب ابن حزم كتابه ترتيبًا منطقيًّا مقاربًا، ولكنه كره أن ينفذ كتابه على النحو المنطقي الذي رتبه قبل أن يبدأ في إنشائه، وآثر أن يخالف بين الخطة المرسومة وتنفيذ هذه الخطة فوضع فصول كتابه حيث اقتضت مناسباتها أن تُوضَع، لا حيث اقتضى الترتيب المنطقي أن تكون، وهذا أيضًا دليل على أن ابن حزم قد حاول أن يتخفف من أثقال عصره ويتحرر من قيود التفكير التي كانت تمنع معاصريه من الحركة الحرة، كما نفهمها نحن الآن، ولكنه لم يبلغ مما أراد إلا أقله وأيسره.
ودليل آخر على أن ابن حزم أراد أن يتحرر من هذه القيود فذهب إلى أبعد مما ذهب إليه ستندال، ولكنه مع ذلك لم يبلغ ما أراد، وهو أن ابن حزم كره أن يرجع بحديث الحب إلى ما امتلأت به كتب الأدب من أخبار العشاق والمحبين، فلم يحفل بكل ما كان من حديث الأعراب، ومن غزل الغزلين في نجد والحجاز، ومن تكلف الشعراء بعد ذلك لما تكلفوا من فنون الحب، وأبى إلا أن يقصر ملاحظته على نفسه وعلى ما رأى وما سمع من معاصريه، على حين لم يكتفِ ستندال بما رأى وما سمع، وإنما اعتمد على ما قرأ أيضًا، وعلى ما قرأ من أخبار القدماء في جنوب فرنسا نفسها وفي إسبانيا المسيحية والمسلمة، بل على ما قرأ من كتب العرب أنفسهم؛ فهو قد عرف كتاب الأغاني ونقل عنه أطرافًا من أخبار الغزلين، ومن أخبار جميل وبثينة بنوع خاص، والغريب أننا نُعجَب بابن حزم لأنه أعرض عما كان يعرف من أمر القدماء وأبى أن يعتمد على غير الملاحظة المباشرة، ونُعجَب في الوقت نفسه بستندال لأنه طلب ما لم يكن يعرف من حب القدماء، فاستقصى حب الغزلين في جنوب فرنسا وتأثرهم في هذا الحب بحضارة المسلمين في الأندلس، ثم مضى يستقصي أصل هذا الحب الإسباني حتى انتهى به «الأغاني» إلى صدر الإسلام ثم إلى العصر الجاهلي، وقد أخطأ فيما فهم من ذلك وأصاب، ولكنه حاول ما لم يتعود أمثاله أن يحاولوه، فنحن نُعجَب به من هذه الناحية، كما نُعجَب بابن حزم لأنه ترك ما لم يتعود أمثاله أن يتركوه.
كلا الرجلين قصد إلى إجادة الدرس وإتقان البحث وتعمق الاستقصاء، ولكن أحدهما وُفِّق لما لم يُوفَّق له الآخر لأنه ملك من الوسائل والأدوات وأسباب العلم والثقافة ما لم يُتَح لصاحبه.
على أن هناك نواحي امتاز بها ستندال ولم تخطر لابن حزم على بال، فكلا الرجلين قد حاول درس النفس الإنسانية من بعض نواحيها، وكلا الرجلين قد اتخذ هذا الدرس وسيلة إلى نقد الحياة الاجتماعية المحيطة به، وكلا الرجلين قد أعطانا صورة دقيقة أو مقاربة لهذه الحياة، ولكن ابن حزم وقف عند هذا الحد، فأما ستندال فتجاوز النقد إلى الاقتراح، فستندال ينقد الحياة الفرنسية نقدًا مرًّا، لا يكتفي بذلك بل يعرض لتربية الفتاة فيستخلص عيوبها ويرد إلى العيوب كثيرًا من آفات الحب عند الفرنسيين بل عند الأوروبيين، ثم هو لا يكتفي بذلك بل يقترح مذهبًا جديدًا في تربية الفتاة لتستطيع أن تحب حبًّا صحيحًا صالحًا نقيًّا، وتلهم الفتى حبًّا صحيحًا صالحًا نقيًّا، ثم هو يتجاوز ذلك إلى الزواج، فينقد نظامه، ويقترح ألوانًا من الإصلاح تقرب المسافة بين الحب والزواج تقريبًا بعيدًا، وكل هذه أمور لم تخطر لابن حزم؛ لأنه كما قلت كان مثقلًا بقيود عصره مقصوص الجناح لم يستطع أن يتعمق ولا أن يرتفع.
وفي كتاب ستندال لون آخر من ألوان البحث لم يخطر لابن حزم ولم يكن يمكن أن يخطر له، فستندال يبحث عن الصلة بين الحرب وبين طبائع الشعوب من جهة، وبين الحب ونظام الحكم من جهة أخرى، وهذا اللون من بحث ستندال ممتع حقًّا، ولا سيما حين يعرض لبعض خصائص الشعوب والحكومات، فالحب مقيد بارد شديد الكسل والفتور في بلاد الإنجليز؛ لأن طبيعة الإقليم وطبيعة الشعب وطبيعة الحكومة الأرستقراطية، كل ذلك يقتضي أن يكون الحب الإنجليزي خجلًا مستخذيًا لا يظهر إلا على استحياء، والحب في إيطاليا جامح مندفع لا يثبت أمامه شيء، وهو لا يستخفي ولا يتردد ولا يستخذي ولا يخجل، وإنما يظهر صريحًا حرًّا كما تظهر الشمس؛ لأن طبيعة الإقليم الإيطالي والشعب الإيطالي وتفرق السلطان في إيطاليا لعهد ستندال، كل ذلك يقتضي أن يكون الحب الإيطالي جريئًا عنيفًا مقدامًا، والحب في فرنسا مغرور منافق لا يكاد يثبت ولا يستقر؛ لأن طبيعة الشعب الفرنسي والإقليم الفرنسي ونظم الحكم في فرنسا بعد انهيار الإمبراطورية، كل ذلك يقتضي أن يكون الحب الفرنسي مرائيًا ثرثارًا لا يقول شيئًا ولا يصور شيئًا، فأين نحن من ابن حزم الذي لم يتجاوز بالحب وطنه الأندلسي؟! وقد خطر له مرة أو مرتين أن يَعبُر بالحب مضيق جبل طارق ففعل، ولكنه تحدث إلينا عن أندلسي باع جارية له كان يحبها لبعض البربر، ثم تبعتها نفسه، ولم يستطع السلو عنها، ولم يُرِد البربري أن يعفيه من البيع، فرفع أمره إلى السلطان في قصة طريفة مؤثرة.
وقد مضى ابن حزم بالحب إلى الشرق فأبعد حتى انتهى إلى بغداد، ولكنه يحدثنا عن عالم أندلسي انتهى إلى حارة لا تنفذ، ورأى في هذه الحارة جارية دلته على أن الحارة غير نافذة، وكانت الجارية سافرة؛ فراعَهُ حسنها وشغفه حبها، وخاف على نفسه ودينه الفتنة فسافر إلى البصرة ومات فيها شهيدًا لهذا الحب.
فكأن ابن حزم لم يُرد أن يعرض في كتابه لغير الحب الأندلسي، درسه في موطنه، ثم تبعه أحيانًا إلى مهاجره في إفريقية أو في بغداد.
على أن هناك مسألة هي فيما أعتقد أجل خطرًا من كل ما عرضت له في هذا الحديث إلى الآن، لماذا ألف ابن حزم كتابه طوق الحمامة؟ ولماذا ألف ستندال كتابه في الحب؟
أما أيسر الجواب عن هذه المسألة فهو أن صديقًا لابن حزم طلب إليه أن يضع له هذه الرسالة ففعل، وأن ستندال أنفق حياته كلها متتبعًا للحب على اختلاف صوره وأشكاله ومواطنه، فألف فيه كتابًا، ولكن هذا لا يقنعني، ويُخيَّل إليَّ أن هناك جوابًا آخر قد يكون أجل من هذا خطرًا وأبعد منه أثرًا، فكتاب ابن حزم وكتاب ستندال لم يقصد بهما إلى الحب في نفسه، وإنما قصد بهما إلى الفن، إلى فن تصوير الحب والتعبير عنه. فقد ألف ابن حزم كتابه في البلاغة إذن، وقصد به إلى أن يعلم الشعراء والكتاب — والشعراء خاصة — كيف يتصورون الحب وكيف يصورونه وكيف يصفونه في الشعر والنثر، وآية ذلك هذه النماذج الشعرية التي يبثها في كل فصل من فصول الكتاب، وهي نماذج ينشئها هو ولا ينقلها عن غيره، وأكبر الظن أنه صنع كثيرًا من هذه النماذج خاصة لهذا الكتاب.
وأما ستندال فقد ألف كتابًا في النقد وفن الجمال، أراد به إلى أن يشرح أولًا مذهبه فيما عرض من أمر الحب في قصصه المختلفة، وأراد به بعد ذلك أن يعلم القصاص كيف يتصورون الحب وكيف يصورونه وكيف يعرضونه فيما ينشئونه من القصص الطوال والقصار، وآية ذلك هذه النماذج القصصية التي أضافها إلى كتابه بعد أن عرض نظرياته في الحب.
فنحن إذن أمام كتابين من كتب العلم لم يقصد بهما صاحباهما إلى العبث ولا إلى اللهو ولا إلى مجرد التجربة، وإنما قصدا بهما التعليم قبل كل شيء.
وقد أُعْجِبَ القدماء بكتاب ابن حزم ولكنهم لم ينظروا إليه إلا على أنه أثر أدبي، على أنه غاية في نفسه لا وسيلة إلى فن الشعر، ولم يُعجَب المعاصرون لستندال بكتابه في الحب حين نشره في أوائل القرن الماضي، فقد بِيع من طبعته الأولى في عشر سنين بضع عشرة نسخة، فلما مضى على نشره عشرون عامًا أنبأنا ستندال نفسه بأنه لا يظن أن الذين ذاقوه وفهموه قد بلغوا المائة، أما الآن فقد تقدمت دراسات الحب من نواحيه المختلفة تقدمًا هائلًا، حتى أصبح كتاب ابن حزم وكتاب ستندال كتابين لهما خطرهما في التاريخ الأدبي ليس غير، ولكنه خطر غير قليل.
الكاتب المصري فبراير ١٩٤٦