Tag: Cultural development

  • والفلسفة

    والفلسفة
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ١٤ مايو ١٩٥٥

    نعم والفلسفة، أنترجمها إلى العربية كما ترجمها الأولون من العرب فغيَّروا بترجمتها طبيعة الحياة العربية، وأقاموا بفضلها هذه الحضارة الإسلامية الرائعة التي كان لها أثرها الخطير في إحياء أوروبا في القرون الوسطى … قبل أن يُتاح لها العلم المباشر بفلسفة الأولين وآدابهم وفنونهم على اختلافها؟

    هذا سؤال لا يُلْقِيه المعاصرون كما ينبغي أن يُلْقى، ولا يفكرون فيه كما يجب أن يكون التفكير فيه، وإنما يَقْطَعون فيه بالرأي الحازم الجازم، ثم يهجمون برأيهم هذا في غير تحفظ ولا تثبت ولا روية؛ ليهدموا آراء غيرهم هدمًا ويدكوها دكًّا.

    فالمعاصرون من كُتَّابنا محاربون يُتْقِنون أساليب الهجوم ويتفقون في المصاولة والمجاولة والمطاولة حتى حين لا يصاولهم ولا يجاولهم ولا يطاولهم أحد، ولعلَّهم إنما يهاجمون حيث لا موضع للمهاجمة، ويَصُولون ويَجُولون حيث لا موضع لصيال أو جيال، وربما كان الخير في أن يأخذوا ما يعرض لهم من الأمور أخذًا رفيقًا هيِّنًا، فيه شيء من سعة الخُلُق وسماحة النفس وسجاحة الطبع، ورجاحة الحلم. ذلك أجدر أن يهديهم ويهدي غيرهم إلى الحق، وأحرى أن يدلهم ويدل غيرهم على الصواب، ولكنهم أخذوا أنفسهم بالعنف في غير موضع للعنف والجدال في غير حاجة إلى الجدال.

    والقصة كلها تنحل كما يُقال إلى عناصر ثلاثة تعمل مُجْتَمِعةً أحيانًا وتعمل متفرقة أحيانًا أخرى؛ فأحد هذه العناصر الافتتان بالألفاظ والانخداع بالظواهر؛ قوم يَرَوْن المخترعات الحديثة وما أُتِيحَ للغرب عامة ولأمريكا خاصة من التفوق في تجديد الحياة المادية التي يحياها الناس وابتكار الأدوات الرائعة والمروعة فيُبهَرون ويُسْحَرون، وقد أُلْقِيَ في روعهم أن هذه المخترعات التي تملأ الحياة دعة وسعة، والتي تعرض الحياة للموت والفناء، إنما مَرَدُّها إلى تقدُّم العلم ورُقِيِّه فيدعون مُسْرِعين إلى ترجمة العلم، لا يتحفظون ولا يتثبتون ولا يسألون أنفسهم كيف تكون ترجمة العلم، ولمن تكون ولماذا تكون، ومن الذين سينتفعون بهذه الترجمة؟ … وما عسى أن يكون أثر هذه الترجمة في تمكين العرب خاصة والشرقيين عامة من المشاركة في الاختراع، والابتكار، وتجديد الحياة، وتعريضها للهول والفناء؟

    وثاني هذه العناصر ما أَلِف الناسُ في هذه البلاد مِنْ تَعَصُّبِ كل امرئ لِمَا يُحْسِن ولِمَا يظن أنه يُحْسِن، فالمؤرخ لا يعدل بالتاريخ علمًا، والفيلسوف لا يعدل بالفلسفة شيئًا، والرياضي يرى الرياضة أول العلم وآخره، والأديب يرى الأدب قوام الحياة!

    وقد بلونا ذلك حين رأينا رجال التعليم يحاولون أن يضعوا مناهج الدرس وبرامجه للمدارس الابتدائية والثانوية، فتتعصب كل جماعة لِمَا تمارس من ألوان العلم، يريد كل فريق منهم أن يقيم التعليم ومناهجه وبرامجه على اللون الذي يفرغ له ويتخصص فيه، وينسون جميعًا أن الثقافة مزاج يجب أن يأتلف من عناصر مختلفة، وأن تعتدل فيه هذه العناصر فلا يطغى بعضها على بعض.

    أما العنصر الثالث فيَسِيرٌ جدًّا؛ وهو الحرص على المشاركة في كل ظاهرة من ظواهر النشاط للظفر بنصيب قليل أو كثير من نتائج هذا النشاط، مادية كانت أو معنوية.

    وقد قِيلَ للناس إن رئيس الحكومة أرصد خمسين ألفًا من الجنيهات للترجمة؛ فكل قادر على الترجمة ينبغي أن يكون له نصيب من هذه الألوف الخمسين، نصيب قليل أو كثير؛ فشيء خير مِنْ لا شيء، ومَالُ الشعب يجب أن يُرَدَّ إلى أكثر عدد ممكن من الشعب، وأُحِبُّ أن أُرِيح هؤلاء الطامعين الطامحين بالحق وبغير الحق؛ فأؤكد لهم أن رئيس الوزراء لم يضع تحت تصرُّفي ألفًا واحدًا ولا آلافًا قليلة، ولا ألوفًا كثيرة، ولم يُطْلِق يدي في مال ما لأنفقه كما أحب وأهوى، وإنما أظهر استعداده للعناية بشئون الأدب والفن والإنتاج الثقافي كله، وعَهِد إلى زميله وزير التربية والتعليم بوضع ما تقتضيه هذه العناية من نظام.

    ووزير التربية والتعليم جادٌّ فيما طلب الرئيس إليه؛ فَلْيَنْتَظِرِ الطامعون والطامحون إذن، فقد يُتاح لكل واحد منهم نصيبه من هذه الألوف التي قد تبلغ الخمسين وقد تزيد عليها كثيرًا.

    ولْنَعُدْ بعد ذلك إلى الذين يجادلون ويناضلون ويجاولون ويصاولون منخدعين بالألفاظ والظواهر أو متعصبين لِمَا يُحْسِنون، أو ما يظنون أنهم يُحْسِنون من ألوان المعرفة فندعوهم إلى كلمة سواء تريحهم وتريحنا وتريح الناس جميعًا من هذا الجدال العقيم الذي لا يُغْنِي عن أحد شيئًا.

    فأما الذين يُحِبُّون ترجمة العلوم، فمن حقهم أن يطلبوا ذلك إلى العلماء وإلى الحكومة، وقد أُنْشِئ في مصر منذ حين مجلس البحوث العلمية، فليطلبوا إليه من ترجمة العلم ما يريدون، وليطلبوا إلى الدولة أن تُيَسِّر له ذلك، فتُعِيد النظر في نظامه وتمنحه من المال ما يمكنه من البحث وإعانة الباحثين، وما يمكنه من الترجمة وإعانة المترجمين إلى أبعد حد ممكن. فليس عليهم في مطالبة المجلس والحكومة بهذا كله حرج أو جناح؛ فهم يعيشون في وطن ناهض طامح إلى المجد حريص على أن يشارك في تنمية الحضارة الإنسانية، ومن حقهم أن يطالبوا بتوجيه هذا الطموح إلى حيث يرون الخير.

    وأما الذين يطلبون ترجمة الفلسفة فمن حقهم أن يطلبوا هذه الترجمة إلى المجلس الجديد الذي تريد الحكومة إنشاءه ليقوم على رعاية الآداب والفنون والثقافة، وأظنهم لا يكرهون أن ينتظروا نشأة هذا المجلس، فإذا تمَّتْ نشأته وأخذ في عمله طلبوا إليه ما يحبون.

    وأنا مؤمن أشد الإيمان وأقواه بأن ترجمة أصول الفلسفة الإنسانية ضرورة من ضرورات الحياة الراقية في كل وطن يطمح إلى الرقي ويجد في سبيله، وأنا مؤمن كذلك بأن لا أمل لوطن حي يريد أن يرقى وأن يكون لحياته حظ من خصب، لا أمل لهذا الوطن في أن يبلغ ما يريد إلا إذا عرف أصول الفلسفة الإنسانية على اختلاف مذاهبها وأوطانها.

    ولكن كنت أحب لهؤلاء ألا يسرفوا على أنفسهم وعلى الناس بهذا الكلام الذي يُرْسَل إرسالًا في غير تحفظ ولا تثبت ولا احتياط؛ فالأولون من العرب لم يُؤْثِروا الفلسفة على الأدب حين ترجموا ما ترجموا من آثار الأولين، وإنما ترجموا ما عرفوا وما أُتِيحَ لهم أن يترجموا. ولو أنهم عرفوا الآداب اليونانية واللاتينية كما كان ينبغي أن تُعْرَف لما قصَّروا في ترجمتها.

    وما أكثر السخف الذي يُقال عن غير بحث أو تحقيق! فالعرب لم يترجموا شعر هوميروس ولا شعر بندار، والعرب لم يترجموا تمثيل الشعراء التمثيليين إعراضًا منهم عن هذه الألوان من الأدب؛ لأنها كانت — فيما يزعم الزاعمون — وثنية لا تلائم الإسلام. كأن كل ما ترجموا من الفلسفة كان يلائم الإسلام ويطابقه ولا يخالفه قليلًا أو كثيرًا!

    ولا أعرف مقالة أشد إمعانًا في الحمق والسخف من هذه المقالة؛ فقد ترجم العرب من فلسفة الفلاسفة ما يُخالِف الإسلامَ أشد الخلاف، لم يمنعهم ذلك من ترجمته والرد عليه، وقد وُجِد بينهم في العصور الأولى من خلب لُبَّه بعضُ الآراء الفلسفية المخالفة للدين؛ فألَّفَ في ذلك الكتب وكتب فيه المقالات ونَظَم فيه الشعر، يجاهر بذلك حين تُتاح له المجاهرة ويَسْتَخْفي بذلك حين لا يكون له بد من الاستخفاء، إنما ترك العرب ترجمة الآداب القديمة؛ لأنهم لم يعرفوها حق معرفتها وهم لم يعرفوها لأن المسيحية هي التي سبقت إلى الإعراض عنها واضطرتها إلى أن تستخفي وتختبئ حتى تُستكشَف في العصور الحديثة.

    وقد كان المسيحيون كما كان المسلمون يذكرون الشعراء القصصيين والغنائيين والتمثيليين؛ لأن أسماء هؤلاء الشعراء وقعت إليهم، ولكن أولئك وهؤلاء لم يقرءوا آثار هؤلاء الشعراء؛ لأنها لم تكن شائعة ولا مألوفة عند اليونانيين في الشرق، ولا عند الذين كانوا يتكلمون اللاتينية في الغرب.

    وأنا مطمئن إلى أن العرب لو عرفوا الشعر التمثيلي اليوناني جده وهزله لترجموه، ولحاولوا أن يصنعوا مثله ولحاولوا كذلك أن ينشئوا التمثيل، وأن يجعلوه فنًّا عربيًّا أصيلًا كما ترجموا الفلسفة ثم جعلوها فلسفة عربية أصيلة.

    فالعرب إذن لم يتعمدوا الإعراض عن ترجمة الآداب القديمة وإنما اضطروا إلى هذا الإعراض اضطرارًا، وهَبْهم تعمَّدوا هذا الإعراض، فمَنِ الذي يستطيع أن يلزمنا أن نخطئ كما أخطأوا ونقصر كما قصروا — إن كانوا قد تورطوا في خطأ أو تقصير؟!

    لِيَطْمَئِنَّ الذين يريدون ترجمة الفلسفة؛ فستُتَرْجَم الفلسفة إلى اللغة العربية ما في ذلك شك، وسيُتَرْجَم قديمها وحديثها مهما تختلف مذاهبها وأوطانها؛ لأن طبيعة الحياة المصرية الحديثة تقتضي هذه الترجمة وتفرضها فرضًا، وفيمَ هذه الخصومة كلها أو فيمَ كل هذا اللغو الذي لا ينفع ولا يفيد؟!

    لقد قُلْتُ في حديث مضى إن الناس جميعًا لا يستطيعون أن يقرءوا العلم، ولا أن يصبحوا بحكم هذه القراءة علماء، وإن العلماء يُحْسِنون اللغات الأجنبية ويقرءون فيها علمهم وهم ليسوا في حاجة إلى أن يُتَرْجَم لهم، وأقول مثل هذا بالقياس إلى الفلسفة فليس كل الناس يستطيع أن يسيغ فلسفة ديكارت، وكانت، وأوجست كونت، وأمثالهم من أعلام الفلسفة في العصور القديمة والحديثة، وإنما يسيغها وينتفع بها الذين يقرءون لها من الأساتذة والطلاب وأصحاب الثقافة العليا.

    وكل هؤلاء يُحْسِن لغة أو غير لغة أجنبية، فترجمة العلم والفلسفة تستطيع أن تنتظر قليلًا حتى تُهَيَّأ لها الوسائل المادية والفنية وليس في انتظارها ضرر قليل أو كثير، ولا أعرف أحدًا يستطيع أن يجادل في أن قُرَّاء الأدب والمنتفعين به والحريصين عليه أكثر جدًّا من قُرَّاء العلم والفلسفة، وأنا حين أفكر في هذه الأشياء لا أفكر في مصر وحدها، وإنما أفكر في البلاد العربية كلها، وأفكر في كل الذين يتخذون اللغة العربية وسيلة إلى الثقافة وإلى الثقافة العليا خاصة، وأنا لا أحاول ترجمة شكسبير وغيره من أعلام الأدب والثقافة باسم الحكومة المصرية، وإنما أحاول ذلك باسم الجامعة العربية التي تعمل للعالم العربي كله.

    فليس بأس إذن من أن نبدأ بما ينفع أضخم عدد ممكن من العرب، وأن ننتظر قليلًا بما ينفع الخاصة حتى يُتاح لنا من الأسباب ما يمكننا من أن نترجم للخاصة وللكثرة معًا، ولن يطول هذا الانتظار؛ فالحكومة معنية بهذا الأمر جادَّة فيه كما لم تُعْنَ به ولم تجدَّ فيه حكومة أخرى مِنْ قَبْلِها.

    فالذين يخلصون للعلم والفلسفة يستطيعون أن ينتظروا مطمئنين، والذين يحرصون على أن يكون لهم نصيب من النشاط في ترجمة العلم والفلسفة يستطيعون أن ينتظروا مطمئنين أيضًا، والذين يطمعون في أن يأخذوا بحظوظهم من الألوف الخمسين أو الستين أو من مئات الألوف يستطيعون كذلك أن ينتظروا مطمئنين، فإذا كانوا لا يحبون الانتظار ولا يريدون إلا العجلة فليوجهوا إلحاحهم وتعجلهم إلى رئيس الوزراء ووزير التربية والتعليم لا إليَّ أنا؛ فلستُ أَمْلِك من هذه الألوف الكثيرة أو القليلة شيئًا، ولو قد ملكتُ منها شيئًا لملأت عليهم الأرض علمًا وفلسفة وأدبًا وفنًّا، ولا أكرهتهم على أن يطالبوني بشيء من الريث والأناة لكثرة ما أفرض عليهم من الجد والجهد والنشاط.

    أما بعد، فإن الشاعر القديم لم يخطئ حين قال:

    قَدِّرْ لِرِجْلِكَ قَبْلَ الْخَطْوِ مَوْضِعَها فَمَنْ عَلَا زَلَقًا عَنْ غِرَّةٍ زَلِجَا

    وأي تقدير للخطر أوجب من تقدير الوسائل المادية والفنية التي تتيح لنا الترجمة في غير تعرض لزلل أو لخلل أو توقف في أثناء الطريق؟!

  • أدب الثورة وثورة الأدب

    أدب الثورة وثورة الأدب
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ٢٣ أكتوبر ١٩٥٤

    لم تكد ثورتنا تشب وتملأ أحداثها وظواهرها قلوب الناس وعقولهم في مصر، وفيما حولها من البلاد العربية، حتى أخذ فريق من الكُتَّاب يتساءلون في إلحاح: «أين أدب الثورة؟»
    ثم لم تكد الثورة تبلغ من عمرها أشهرًا قصارًا، حتى أخذ هؤلاء الكُتَّاب يُظهِرون اليأس وخيبة الأمل؛ لأن أدب الثورة لم يستجب لهم حين دعوه، ولم يهبط عليهم من السماء كما يهبط الغيث، ولم تتفجر عنه ينابيع الأرض كما تتفجر عن الماء والبترول.
    ثم لم يلبثوا أن قرروا فيما بينهم وبين أنفسهم، ثم فيما بينهم وبين قرائهم، أنَّ الأدب المصري قد أخفق؛ لأنه لم يردد أصداء الثورة، ولم يصور حقائقها، ولم يلائم ما تتصل به نفوس الناس وقلوبهم من هذه العواطف والخواطر التي أثارتها الأحداث، ولا سيما بعد أن أُخرِج فاروق من مصر، وبعد أن أُزِيلَتْ أُسرتُه كلها، وصار الأمر كله إلى المصريين يدبِّرونه بأنفسهم، لا يتنزل عليهم وحي من العرش ولا من سلطان المحتلين.
    وما أكثر ما كانوا يقولون — وما أكثر ما يقولون الآن أيضًا — أنَّ الأدب المصري يعيش في وادٍ على حين يعيش المصريون في وادٍ آخر!
    وكذلك تقرر في نفوس كثير من الناس أنَّ أدبنا المعاصر مقصِّر أشد التقصير، مخفق أعظم الإخفاق؛ لأنه لم يحس بما تجيش به الصدور، ولم يصبح مرآة للحياة التي يحياها الناس. ونشأ عن هذا الحكم الخاطف أنَّ فريقًا من الناس استيأس من الأدب المعاصر، وكاد يستيئس من الأدب كله، وأعرض عن قراءة الأدب، وانصرف إلى قراءة الصحف يَجِد فيها ما يُعِينه على قطع الوقت وتجديد النشاط، ويَجِد فيها كذلك أصداء ما يملأ حياة الناس من الأحداث.
    وأقبل فريق من الكُتَّاب على إنشاء أدب يلائم ما يطلبه هؤلاء السادة من تصوير الثورة وحقائقها، وابتهاج الناس بما ظهر من نتائجها … وترقب الناس لما لم يظهر بعد من هذه النتائج، فأخرجوا لنا أدبًا يحسبونه أدب ثورة، وليس هو من أدب الثورة في شيء، وإنما هو كغيره من الأدب الذي أُنشِئ قبل أن تشب الثورة بالأوقات الطوال والقصار.
    ومصدر هذا الحكم بإخفاق الأدب وخيبة الأمل فيه، إنما هو هذا الخطف الذي نبَّهتُ إليه غير مرة في هذه الأحاديث، والذي يأتي من القصور عن تعمق الأشياء، وفهم الحياة الاجتماعية على وجهها، ووضع الأشياء في مواضعها.
    فليس من فقه الحياة في شيء أن ينجم الأدب فجاءة من الأرض أو ينصبَّ فجاءة من السماء؛ لأن الثورة شبت في الثالث والعشرين من شهر يوليو سنة ١٩٥٢م، وإنما نشوة الأدب وتطوره من هذه الظواهر البطيئة التي لا تستجيب للناس حتى يتعجلوها ولا تستأخر عن آبائها، وإن تمنى الناس عليها الأناة والإبطاء.
    وأكاد أعتقد أنَّ القدماء من مؤرخي أدبنا العربي كانوا أفقه بالحياة وأحسن لها فهمًا وتقديرًا من هؤلاء المعاصرين، الذين يخطفون أحكامهم خطفًا، ويظنون أنَّ ظواهر الحياة خاضعة لسلطانهم؛ يدعونها فتستجيب، ويهملونها فتنتظر، ويرجئونها فترجئ نفسها.
    فنحن نقرأ في بعض الكتب العربية، التي حاول أصحابها منذ أكثر من ألف عام أنْ يؤرخوا الأدب العربي القديم، أشياءَ لا يكاد المعاصرون يسيغونها أو يطمئنون إليها؛ لأنها تجانب ما ألفوا من السرعة، وتخالف ما استحبوا من هذا الاستعجال البغيض.
    نقرأ مثلًا عند بعضهم أنَّ ظهور الإسلام قد اضطر الشعر العربي إلى الضعف والتهافت؛ لأن العرب بهرهم القرآن وشغلتهم أحداث النظم الجديدة، وما استتبعت من الفتوح عن الفراغ لقول الشعر وتجويده والتأنق فيه كما كان الجاهليون يصنعون. والقدماء يستنبطون هذا من إعراض لبيد عن قول الشعر بعد أنْ أسلم، ومن اشتغاله بقراءة القرآن وحفظه، ويستنبطونه كذلك مما عرض لشعر حسان من الضعف في أكثر شعره الإسلامي، بعدما كان شعره الجاهلي يمتاز بالرصانة والقوة والفحولة. كما يستنبطونه من أنَّ بعض شعراء النبي ﷺ كانوا يكثرون في هجاء قريش فلا يبلغون منها شيئًا؛ لأنهم كانوا يعيبونها بالكفر والشرك، وينذرونها بعذاب الله في الحياة الآخرة، ولم تكن قريش تحفل بشيء من هذا حين كانت تعارض الإسلام وتنصب له الحرب.
    ومع أنَّ رأي القدماء هذا لم يكن دقيقًا كل الدقة، ولا صادقًا كل الصدق؛ لأنه لم يقم على الاستقراء الصحيح؛ فإنه كان يصوِّر حقيقة واقعة … وهي أنَّ الشعراء الذين أرادوا أنْ يجدِّدوا أنفسهم بعد أنْ أسلموا، وأنْ يلائموا بين فنهم وبين دينهم الجديد لم يُوفَّقوا في أكثر الأحيان إلى ما كانوا يريدون؛ لأن الطبع لا يُستكرَه على ما لا يُحِب في كثير من الأشياء … وفي شئون الأدب والفن بنوع خاص، ولم يخطئ ابن دريد حين قال:
    والشيخ إن قوَّمته من ريفهلم يَقُمِ التثقيف منه ما انحنى
    وهؤلاء الشعراء كانوا قد جاوزوا سن التطور، فلم يكن من اليسير أنْ يرجعوا أدراجهم، ولا أنْ يبتكروا لأنفسهم طبعًا جديدًا، فكان تجديدهم تكلفًا، وكان إعراض لبيد عن الشعر نوعًا من اليأس؛ لأنه عرف أنه لا يستطيع أنْ ينشئ فنًّا يجمع بين الملاءمة لحياته الجديدة التي أدركها شيخًا وبين الروعة التي أُتِيحت له فيما أنشأ من الشعر قبل أنْ يعتنق الإسلام.
    وليس أدل على ذلك من أنَّ شعراء آخرين أسلمت ألسنتهم، واستجابت ظواهر أمرهم للنظام الجديد، وظلت طباعهم جاهلية — كما كانت — فقالوا الشعر في الفنون التي أَلِفوها قبل أنْ يُسلِموا، ولم يتعرض شعرهم لضعف أو تهافت أو خمود، وإنما احتفظ بقوته كاملة كدأبها حين كان أصحابها جاهليين.
    فالحطيئة مثلًا لم يتغيَّر فنُّه بعد إسلامه؛ لأنه لم يحاول لفنه تغييرًا. ولأن الإسلام لم يصل إلى أعماق نفسه، فظل مسلمًا في ظاهر أمره، وفيما كان يبدو من بعض سيرته الاجتماعية، ولكنه ظل جاهليَّ القلب والذوق والضمير، ويقول الشعر هاجيًا ومادحًا وواصفًا، كما تعوَّد أنْ يقوله في العصر الجاهلي. وأمثال الحطيئة كثيرون نستطيع أنْ نقرأ شعرهم فيما حُفِظ لنا من شعر القدماء، فلا نرى فيه انحرافًا عن السُّنَّة الجاهلية، ولا تأثرًا عميقًا بالثورة الإسلامية الخطيرة التي قلبت حياة العرب رأسًا على عقب، وغيَّرت أمورهم كلها تغييرًا لم يكن يخطر لهم ببال.
    ومن أجل هذا، صنع بعضُ الذين أرَّخوا الشعر العربي القديم صنيعًا أقل ما يُوصَف به أنه ملائم للدقة والصدق وصواب الحكم أشد الملاءمة وأقواها، فلم يطلقوا وصف الشعراء الإسلاميين إلا على فريق بعينه يأتلف من أولئك الذين لم يدركوا الإسلام شبابًا ولا شيوخًا، وإنما وُلِدوا في الإسلام، ولم يعرفوا العصر الجاهلي إلا كما يعرف التاريخ. فالشعراء الفحول، كالأخطل وفرزدق وجرير، إسلاميون؛ لأنهم وُلِدوا بعد أنْ أسلمت الجزيرة العربية، وبعد أنْ فاض الإسلام منها على ما حولها من الأقطار، وعمر بن أبي ربيعة شاعر إسلامي؛ لأنه وُلِد — فيما يقول الرواة — في اليوم الذي مات فيه عمر بن الخطاب رحمه الله. وقُلْ مثلَ ذلك بالقياس إلى عامة الشعراء الذين وُلِدوا أيام الخلفاء وشبوا وأدركتهم الشيخوخة أيام بني أمية. هؤلاء شعراء إسلاميون لم يدركوا الجاهلية ولم يدركوها، وإنما رُوِيَتْ لهم أحداثها كما ستُروَى أحداث العصر الذي نعيش فيه للذين أخذوا يُولَدون منذ شبت الثورة؛ فهم قد نشئوا نشأة إسلامية، رأوا آباءهم يخضعون للنظام الجديد يؤدُّون الواجبات الدينية والواجبات السياسية الجديدة، ويقرءون القرآن ويروون الحديث، ويتحدثون عن النبي وأصحابه وخلفاءه، ويختلفون إلى المساجد مصبحين وممسين وبين الصباح والمساء.
    وهؤلاء المؤرخون عندما عرضوا للشعراء الذين أدركوا الإسلام أو أدركهم الإسلام، وهم شباب أو شيوخ لهم يسمونهم شعراء إسلاميين، إنما عدهم بعضهم في صراحة شعراء جاهلين؛ لأنهم تأثروا بالحياة الجاهلية التي أنضجت قرائحهم، وكوَّنت أذواقهم فلم يستطيعوا لطبائعهم تغييرًا.
    وبعض هؤلاء القدماء كره أنْ يسميهم جاهليين؛ لأنهم أسلموا وكثير منهم كان عميق الإسلام، حسن البلاء في ذات الله، فسموهم مخضرمين؛ أي: مختلطين، عاشوا بعض أعمارهم جاهليين، وبعضها الآخر مسلمين.
    ومعنى هذا كله أنَّ القدماء من مؤرخي الأدب العربي، فهموا حقيقة الصلة بين الثورة والأدب خيرًا مما يفهمها كثير من كُتَّابنا المعاصرين.
    عرفوا أنَّ الثورة مهما تكن خطيرة ومهما تكن بالغة عميقة الأثر في حياة الأفراد والجماعات، لا تُغيِّر الأدب فجأة، ولا تحوِّل طبيعة الفن إلا تحويلًا يسيرًا أقرب إلى التكلف منه إلى الفطرة التي تستجيب لما حولها من حقائق الحياة في غير جهر ولا عناء.
    وهناك وجوه أخرى للصلة بين الأدب والثورة، لا يُحقِّقها كُتَّابُنا المتعجلون، فالأدب يمهد للثورة وينشئها؛ لأنه يثير نفوس الناس. يبغِّض إليهم بعض أطوار الحياة التي يحيونها، ويعرض عليهم مُثُلًا جديدة يُحبِّبها إليهم، ويُزيِّنها في قلوبهم، ويطبعها في نفوس الناشئين والشباب الذين لم تتقدَّم بهم السن بعد.
    وهو بهذا يفتح للثورة أبواب النفوس والضمائر ويُمهِّد لها الطريق في حياة الأفراد والجماعات، يُتاح له النجح أحيانًا ويدركه الإخفاق أحيانًا أخرى. فإذا أُتيح له النجح لم تتغير طبيعته فجاءة، وإنما ظل كعهده مضطربًا بين القديم الذي هدمه وبين الجديد الذي أنشأه، حتى إذا استقرت أمور الثورة وأصبحت طبيعة للأجيال الجديدة الناهضة — كما يقال في هذه الأيام — نشأ الأدب الذي يمكن أنْ يُضاف إلى الثورة حقًّا وصدقًا.
    ويكفي أنْ تفكر في حياة الفرنسيين أثناء القرن الثامن عشر، فسترى طائفة من الأدباء والفلاسفة والمفكرين أنكروا حياة العصر الذي كانوا يعيشون فيه، وحملوا الناسَ من حولهم على إنكارها، وطبعوا هذا الإنكار في نفوس الناشئين والشباب الذين لم يتم نضجهم بعد، فأنشئوا جيلًا جديدًا هو الذي ألهب نار الثورة، وملأ بها الدنيا وشغل بها الناس، وغيَّر بها حياة فرنسا وأوروبا وأجزاء أخرى كثيرة من العالم.
    ولكن هؤلاء الأدباء والفلاسفة والمفكرين لم يدركوا الثورة التي أنشأوها، وإنما أطفأ الموت جذوة نفوسهم قبل أنْ يشعلوا هم جذوة الثورة، فماتوا قبل الثورة بوقت قصير أو طويل.
    والذين ثاروا بالفعل وملئوا الدنيا هولًا وإصلاحًا في وقت واحد، لم يُنشِئوا أدبًا ذا خطر، شُغِلوا بالعمل عن الفن، وشُغِلوا بصنع التاريخ عن كتابته، وابتكروا للأدباء الذين جاءوا بعدهم موضوعات أنشئوا فيها أدبًا حيًّا رائعًا أُتيح البقاء لكثير منه وذهب بعضه مع ما يذهب من آثار الناس.
    وابحث إنْ شئت عن الأديب الفرنسي الذي عاصر الثورة، وأنشأ في أثنائها أدبًا جديرًا بالبقاء، فلن تجد هذا الأديب مهما تُطِل في البحث والتنقيب، بل تستطيع أنْ تقرأ ما تركه رجال الثورة أنفسهم من الخُطَب والأحاديث التي ألهبتْ نفوسَ المعاصرين ودفعتهم إلى النهوض بالأعباء الثقال، وتحقيق الأمور العظام، فلن تجد في هذا الخطب ما يلائم ذوقك الفني. بل لن تجد فيه ما يرضي عقلك المستأني وحُكْمك الذي يريد أنْ يتدبر قبل أنْ يصدر؛ لأنها كانت خطبًا وأحاديث تلائم الظروف والأوقات التي أغرت بها ودفعت إليها، فلما تغيرت تلك الظروف وانْقَضَت تلك الأوقات، أصبحت تلك الخُطَب والأحاديث تاريخًا من التاريخ، لا تصلح إلا لقراءة الباحثين الذين يريدون أنْ يؤرخوا للأحداث. ولكن انظر بعد ذلك فيما أنشأ الكُتَّاب والشعراء الفرنسيون بعد أن استقرت الأمور في وطنهم، وبعد أنْ تأثرت حياة بلادهم بالثورة، وأصبحت الحرية لهم طبعًا والرقي لهم غاية لا يستطيعون عنها نكولًا، فسترى الأدب الحق والفن الجدير بالبقاء … «وسترى أنَّ أدب الثورة إنما يأتي بعد الثورة لا أثناءها».
    وما أشك في أنَّ هذا النحو من تصوير الصلة بين الأدب والثورة، هو الذي يلائم حقائق الأشياء، ويُفسِّر ما بين الأدب والسياسة من تضامن وتعاون وتفاعل — كما يقول المعاصرون — «فالأدب يثور قبل أنْ تثور السياسة.» وثورة الأدب هي التي تمهد الطريق لثورة السياسة؛ لأنها تهيِّئ قلوب الناس ونفوسهم وعقولهم، تبغِّض إليهم نظامًا قائمًا، وتحبِّب إليهم نُظُمًا تُحقِّق لهم آمالًا تمتد إليها عقولهم وتقصر عنها أيديهم. وليست الثورة السياسية آخر الأمر إلا استجابة لثورة العقول والقلوب والنفوس التي يُحْدِثها الأدب، وتُحْدِثها مع الأدب مؤثِّرات أخرى، يتصل بعضها بالحياة المادية للناس، ويتصل بعضها بالحياة المعنوية، ويأتي بعضها من الصلة بين الأمة وبين أمم أخرى تحيا حياة خيرًا من حياتها، وأدنى إلى العدل والحرية وإنصاف المظلومين من الظالمين، والمساواة بين المستأثرين الذين يجدون كل شيء، والمحرومين الذين لا يجدون شيئًا.
    ولست أعرف ثورة سياسية بالمعنى الجديد أو القديم للفظ الثورة، إلا وقد سيعقبها ثورة أدبية عقلية، كانت هي التي أعزت الناس بها ودفعتهم إليها، وأخرجتهم عن أطوارهم، فلم يستطيعوا صبرًا على ما يكرهون ولا إبطاء عما يريدون.
    هناك إذن ثورتان؛ أولاهما: ثورة العقل التي يُصوِّرها الأدب، والثانية: ثورة السياسة التي تعتمد على القوة، فتُغيِّر نظامًا وتقيم مكانه نظامًا آخر. وهناك أدبان: أدب يسبق الثورة ويدفع إليها، وأدب يأتي بعد الثورة فيصوِّرها أولًا ويصوِّر آثارها في حياة الناس، ويحبِّب إليهم هذه الآثار، ويدفعهم إلى الأمام في الرقي والإصلاح والتجديد.
    الأدب أثناء الثورة حين تضطرب نفوس الناس بالأمل والطموح، ونفوس فريق منهم بالخوف والمحافظة، متواضع مقتصد يمشي على استحياء — إنْ أمكن وصف الأدب بالمشي وبالحياء أيضًا — لأن الناس مشغولون عنه بأحداث الثورة مما يقع وما يُنتظَر، وبما تدفع إليه هذه الأحداث، ولأن الأدب — ولا سيما في هذا العصر الحديث — إنما يستمد حوله وطوله وقُوَّته وروعته من الحرية الكاملة التي معقب عليها. وهذه الحرية موقوفة مطبعة الأشياء أثناء الثورة، سواء أراد الناس في ذلك أم لم يريدوه، والأدب يجاهد في سبيل الحرية ويُحتمَل في هذا الجهاد ألوان المكروه على اختلافها قبل أنْ تصنع الثورة السياسية أمرًا واقعًا.
    وهو بجهاده وبتحمله الخطوب يدفع إلى الثورة دفعًا؛ لأنه يقاوم الاستبداد والعسف، ويدعو الناس إلى مقاومتهما، وهو في أثناء الثورة لا يستطيع أنْ يقاوم الثورة؛ لأنه مقاوم نفسه إنْ قاومها، فالثورة ابنته وثمرته، وهي لا تقف الحرية إلا لتطلقها بعد حين يقصر أو يطول.
    فالأدب الذي ينشأ أثناء الثورة إما أنْ يجري على طبيعته الأولى فيكون اتصالًا للأدب القديم، وإما أنْ يحاول مجاراة الثورة السياسية فيكون دعوة لها وإغراء بها، وهو في هذه الحال أدب ضعيف فاتر؛ لأن الأحداث المادية الواقعة أقوى منه وأخطر أثرًا، يراها الناس ويحسون آثارها في نفوسهم، وفيما حولهم من الحياة والأحياء.
    هذا هو الذي يعلل ما أصاب شعر حسَّان من الضعف، كانت الثورة الإسلامية أقوى من شعر الشعراء، وكان كل في بالقياس إليها أثناء قيامها فاتر، وهو يعلل في الوقت نفسه انصراف بعض شعراء عن الشعر؛ لأنهم لم يروا لأنفسهم فيه إربًا. وهو يعلل كذلك اتصال الشعر الجاهلي بأساليبه القديمة عند شعراء الأعراب، الذين قال الله — عز وجل — فيهم: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ).
    واقرأ إنْ شئت فيما يتصل بالأدب الفرنسي أثناء الثورة ما كتبه شاتو بريان مذكرات بأنه عن إلمامه بباريس حين كانت النفوس مضطربة ثائرة، فستراه يصف أندية الأدباء في تلك الأوقات بالضعف والفتور وقلة الغناء.
    ليس هناك معنى إذن لمطالبة الأدباء المعاصرين بإنشاء أدب الثورة؛ لأن أدب الثورة الحق لم يأتِ وقته بعد، وسيأتي وقته حين يخرج الشباب الذين تطبع الثورة نفوسهم بطابعها، والذين يتعلمون الآن في المدارس وفي الجامعات إنْ شئت؛ أي إنَّ هذا الأدب لن تظهر بواكيره إلا بعد أعوام نرجو ألا تكون مسرفة في الطول.
    ولست أشك في أنَّ أدب الثورة هذا الذي أتحدث عنه، سيكون مغايرًا مغايرة شديدة لأدبنا الذي ننتجه ونعيش عليه الآن، فسيتخلص الجيل الناشئ من تعقيدات مختلفة قاومناها نحن ما وجدنا السبيل إلى مقاومتها، ولكننا لم نستطع أنْ نعفي أنفسنا من آثارها وأعقابها.
    لن يحتاج الجيل الناشئ إلى ما احتجنا إليه دائمًا من مداورة السلطان والاحتياط من شرِّه، والاستخفاء بكثير من آرائنا، نكتمها أحيانًا في نفوسنا، فنشقى بكتمانها ونعرب عنها أحيانًا في كثير من الألغاز واصطناع للمجاز، والافتنان في التنكر، والتستر والاستخفاء لن يحتاج الجيل الناشئ إلى شيء من هذا؛ لأنه لن يجد أمامه النظام الملكي لمستأثر بالأمر من دون الشعب.
    وسيخلص الجيل الناشئ من تعقيد آخر فقاومناه ما استطعنا أنْ نقاومه، ولكنه كان يؤثر في حياتنا العقلية حتى أثناء مقاومتنا له تأثيرًا بعيد المدى، وهو تعقيد الاحتلال الأجنبي الذي كان يتغلغل في أعماق حياتنا المادية والسياسية، ويتدخل في كثير من مرافقنا، ويؤثر بذلك في مصالح الأفراد والجماعات، ويحالف النظام الملكي حينًا فيثقل علينا الهول، ويخالفه حينًا آخر فيأخذنا الشر من جميع أقطارنا، ونُضْطَر إلى كثير من المصانعة والموادعة، ونلاين حينًا ونخاشن حينًا آخر، ونشقى بتفرق الأهواء واختلاف الميول والنزعات من حولنا، ونجد العناء كل العناء في التماس ما نلتمس لأنفسنا من طريق إلى التفكير والتعبير.
    لن يشقى الجيل الناشئ بهذا الاحتلال؛ لأنه سيحيا في وطن لا يتسلط الأجنبي عليه من قريب أو بعيد، سينشأ حرًّا في وطن حر بأوسع معاني هذه الكلمة وأعمقها، وسيخلص من عقدة الاستعمار هذه التي شقيت بها الأجيال من قبله دهرًا طويلًا.
    وسيخلص الجيل الناشئ من عقدة أخرى غير هاتين العقدتين، وهي عقدة النظام الاقتصادي البغيض الذي شقيت به الأجيال من قبله، والتي قسمت الشعب إلى: الأغنياء المترفين الذين ينفقون بغير حساب فيما لا يغني عنهم ولا عن غيرهم شيئًا، والفقراء المعدمين الذين يشقون بغير حساب؛ لأنهم لا يجدون ما يقيم الأَوَد أو يرضي حاجة الإنسان الذي يستطيع أنْ يكون إنسانًا.
    وكلمات المرض والفقر والجهل والأعداء الثلاثة التي كانت الحكومات تتشدق بها فيما مضى، كلمات يسيرة حين تنطق بها الألسنة، ولكنها عسيرة معقَّدة حين نحاول أنْ نحقق معانيها في نفوسنا، فهي تُصوِّر أشقى ما يمكن أنْ يُفرَض على الناس من ضروب الحياة، وهي تمتحن نفوسهم بألوان لا تُحصى من التعقيد الذي يميت القلوب، ويفل الحد، ويلغي النشاط، ويُبغِّض العيش إلى الناس. هذا الذي لا يجد ما ينفق وله قلب ذكي وعقل راجح وقدرة على العمل الخصب والنشاط المنتج، ولكنه لا يستطيع أنْ يعمل، ولا أنْ ينشط؛ لأنه لا يجد إلى العمل ولا إلى النشاط سبيلًا، وكيف السبيل إلى العمل والنشاط إذا لم تجد من الطعام والشراب ما يمسك عليك الحياة؟!
    وهذا الجاهل الذي لا يُفرِّق بين الخير والشر، ولا يُميِّز بين ما ينفعه وما يضره، وله فضل من قوة وحظ من أيد، ولكنه لا يعرف كيف يوجه قوته، ولا فيما ينفق جهده، فهو يتخبط بين الشر اليسير والإثم المفسد لحياته، ولحياة من حوله من الناس. وامضِ ما شئت في تصوير ما يثير المرض والفقر والجهل في حياة الناس من شر، وما ينشئ في نفوسهم من عقد، وما يبث أمامهم من عقاب، وتصور جيلًا يتاح له في يوم من الأيام ما لم يُتَح للأجيال الماضية من صحة الأجسام، وذكاء القلوب، ونفاذ البصائر، وسعة المعرفة، وانظر ما عسى أنْ يكون من الفرق بين هذا الجيل السعيد وبين الأجيال التي سبقته من الأشقياء، ثم وازن بين ما يمكن أنْ ينتجه هذا الجيل السعيد من ألوان النشاط في حياته المادية والعقلية والفنية، وبين ما أنتجته أجيال الشقاء من قبله، فسترى الفرق عظيمًا خطيرًا بين إنتاج الموفورين وإنتاج المحرومين، وبين إنتاج السعداء وإنتاج الأشقياء.
    وإذا بلغت هذه الغاية من الموازنة، فقد عرفت أنَّ أدب الثورة الذي يستحق هذه الإضافة ليس هو الأدب الذي أنتجناه أو الذي ننتجه الآن، وإنما هو الأدب الذي سينتجه أبناؤنا وأحفادنا حين يُتاح للثورة أنْ تبلغ غايتها وتحقق أغراضها، وتضع عن المصريين إصر حياتهم تلك التي ضاقت بهم وضاقوا بها، وتتيح لهم حياة أخرى لا يجدون فيها قهرًا ولا عسفًا، ولا يخضعون فيها لبأس أو ظلم، ولا يشقون فيها بفقر أو جهل أو مرض، وثق بأني لا أخدع نفسي عن حقائق الأشياء، ولا أخدعك عن هذه الحقائق، فلست أنا من السذاجة بحيث أظن أنَّ الثورة ستتيح للأجيال المقبلة سعادة دائمة ونعيمًا مقيمًا، فالسعادة الدائمة الكاملة لم تُتَح للناس، ولن تُتاح لهم في هذه الحياة الدنيا، والنعيم المقيم مُدَّخَر للصالحين من الناس في حياتهم الثانية، وليس معجلًا لهم في حياتهم هذه الأولى …
    ولكن الشيء الذي أثق به كل الثقة، وأومن به أعمق الإيمان، هو أنَّ الثورة ستتيح حين تبلغ غاياتها للأجيال المقبلة من قوة النفوس وصلاح الحياة ما يمكنها من طلب السعادة والنعيم قادرة على طلبهما، ومن مقاومة البؤس والشقاء قادرة على مقاومتها …
    وليس هذا بالشيء القليل، وما أعظم الفرق بين أدب يقبل عليه أصحابه، وهم آمنون مطمئنون لا يسعى إليهم الخوف ولا يُدبَّر لهم الكيد، وأدب ينتجه قوم يختلسون الفراغ له اختلاسًا، ويسترقون العناية به استراقًا، ويجدون مِنْ حولهم ما هو خليق أنْ يبغِّض إليهم الأدب ويصرفهم عنه صرفًا، يشقون في أنفسهم ويشقون بشقاء من حولهم من الناس، ولا تُتاح لهم حتى الوسائل اليسيرة للإعراب في صراحة، وأمن عما يجدون من شقائهم وشقاء الناس.
    فانتظر إذن أدب الثورة بمعناه الصحيح من الجيل الناشئ يوم يُتاح له الإنتاج، واقرأ أدبنا هذا الثائر إنْ شئت، وأعرض عنه إنْ أحببت، فإنا لا نملك أنْ نعطيك إلا ما في أيدينا، وفي أيدينا أدب ثائر لا أدب ثورة، وما أعظم الفرق بين الأدبين!

  • المثل الدنيا

    المثل الدنيا
    طه حسين
    النداء
    ١٣ يناير ١٩٤٨

    يقال: إن الأمم المتحضرة ترى في ارتفاع قامة الإنسان إلى السماء بدلًا من انحنائها إلى الأرض، رمزًا لما ينبغي لنفسه المثقفة الممتازة من التصعيد في أجواء الرقي التماسًا للمثل العليا. ويقال كذلك: إن النفس الإنسانية التي تعنى بصغائر الأمور ودنياتها ليست خليقة بالإنسان الذي خلق للكمال أو للجد في سبيل الكمال، وإنما هي خليقة بالحيوان الذي انحنى جسمه إلى الأرض، وفُرِض عليه أن يعيش مستجيبًا لغرائزه، لا يتجاوزها ولا يتخطى أغراضها اليسيرة المنحطَّة، التي لا تتجاوز حاجات الجسم إلا قليلًا وفي أحيان قليلة.

    يقال هذا، ويقال كلام كثير مثل هذا، ويتعلل كثير من الذين يعنون بالتربية والتهذيب بهذا الكلام الكثير الذي يقال، فلا يكاد الصبي يعقل الأشياء والناس حتى يُسَلَّط عليه وابل لا ينقطع ولا يخفُّ من النصائح والمواعظ والعبر والأمثال والحكم، كلها يدعوه إلى أن يرفع رأسه ولا يخفضه، وإلى أن ينظر ببصره في السماء لا إلى الأرض، وبألا ينظر ببصره في الأرض إلا ليستخرج من هذا النظر فيها علمًا أو معرفةً أو ثقافة ترده إلى السماء عزيزًا أبيًّا؛ لأنه خلق لينظر في السماء، ثم ليسعى إليها، ثم ليصعد فيها، ثم ليعيش هناك في الملأ الأعلى، سعيدًا مغتبطًا ممتازًا مترفعًا عن الصغائر، متنزهًا عن الدنيات، تاركًا تراب الأرض للحيوان الذي خلق منه ليعود إليه.

    وقد خُلِق جسم الإنسان من تراب الأرض، وهو عائد إليه ما في ذلك شك، ولكن جسم الإنسان ليس إلا أداة لنفسه وعقله وقلبه وروحه؛ فإن الإنسان نفس أولًا وجسم يخدم النفس بعد ذلك؛ يخدمها لتبلو ما في هذه الأرض وتعلم علمها، حتى إذا قضت من هذا كله وطرًا؛ طرحت هذا الجسم إلى أصله وارتقت إلى حيزها الأعلى، فأقامت فيه مستمتعة بما علمت قبل أن تهبط إلى الأرض، وبما استكشفت حين أقامت في الأرض؛ فهي على كل حال سماوية لا أرضية، وهي على كل حال قد خُلِقَت للتسامي لا للتداني، وللتعالي لا للتسافل، وللارتفاع لا للانخفاض.

    وما يزال الصبي يسمع هذا الكلام وأمثاله، حتى إذا بلغ الشباب كان قد استقر في ضميره أنه كائن ممتاز، خلق ليسود الخليقة، ويتسلط على العالم، ويقضي في الدنيا كما يشاء هو لا كما تشاء هي، وظواهر الأشياء تثبت في نفسه هذا الغرور، وتزين في قلبه هذه الكبرياء، وتملؤه بنفسه إعجابًا وعنها رضًا ولها حبًّا؛ فهو يسخِّر المادة والقوة لأغراضه ومنافعه، وهو يستخدم الحيوان لحاجاته ومآربه، وهو يستغل ضعاف الناس أنفسهم ليرضي لذَّاته وشهواته ومطامعه ومطامحه، وهو من أجل هذا كله مؤمن بنفسه واثق بتفوقها مستيقن بأنه قد اسْتُخْلِفَ على الأرض استخلافًا.

    ولست أدري أيستقيم هذا التفكير ويصدق هذا الكلام بالقياس إلى هذا الجيل الذي نعايشه من المصريين، أم لا يستقيم ولا يصدق؟! وإنما هو لغو من اللغو، وكلام من الكلام، وفضل من سخف الأحاديث، فقامات المصريين مرتفعة في الجو كقامات غيرهم من الناس، وعيونهم تستطيع أن تنظر إلى السماء وأن تنظر إلى الأرض، ونفوسهم تستطيع أن تصعد في أجواء الرقي لتلتمس المثل العليا، ولكن البائسين لا يجدون الوسيلة إلى شيء من ذلك، تشغلهم حياة أجسامهم عن حياة نفوسهم، وتصرفهم منافعهم القريبة عن منافعهم البعيدة، وتستغرق المثل الدنيا جهودهم كلها؛ فلا يجدون ما ينفقون في سبيل المثل العليا من هذه الجهود. والأمر يسيرٌ كل اليسر، لا يحتاج فهمه وتقريره إلى تعمُّق ولا استقصاء.

    فطبيعة المعلم هي أن يشغل بالعلم عن غيره من الأشياء، وأن يشغل بالعلم ليرفع نفسه به، وليرفع تلاميذه معه إلى الآفاق العليا، وليتيح للناس بهذا أن يرتقوا أولًا، وأن يستغلوا الطبيعة في سبيل هذا الارتقاء ثانيًا. وطبيعة المتعلم هي أن ينظر إلى معلمه مرتفعًا بين هذا كله، فلا يستمتع به ويتمسك بأسبابه ليترقَّى كما يترقَّى أستاذه، وليصعد معه في آفاقه العليا، ولينعم معه بهذا الخير الذي نسميه معرفةً وفنًّا وأدبًا.

    ولكن أين المعلمون والمتعلمون من هذا كله في مصر؟! أحق أن العلم يشغلهم عن كل شيء؟! أم الحق كل الحق أن المعلم يفكر في طعامه وشرابه وكسائه وفي طعام أسرته وشرابها وكسائها، أكثر مما يفكر في العلم والتعليم؟ وهو من أجل ذلك يتخذ العلم والتعليم وسيلة، لا إلى أن يرقى ويرقي تلميذه، بل إلى أن يعيش ويتيح لأسرته أن تعيش، وهو من أجل ذلك يلاحظ أن العلم والتعليم لا يرزقانه كما ينبغي أن يُرزَق؛ فيطالب بالمزيد من الرزق، ثم يمشي إلى أمثاله من المعلمين ليطالبوا جميعًا بالمزيد من الرزق، ثم ينظمون معًا هذه المطالبة، ثم يجاهدون معًا في سبيلها، ثم يلحون معًا في هذا الجهاد، ثم يشغلون بهذا الجهاد عن العلم والتعليم؛ فيجتمعون ليتفرقوا، ويتفرَّقون ليجتمعوا، ويكتبون المذكرات، ويعقدون المؤتمرات، وينشرون في الصحف، ويخطبون في المجامع، ويشغلون أنفسهم بأنفسهم، ويشغلون وزارة التعليم بأنفسهم، ويشغلون الآباء والأبناء بأنفسهم أيضًا، ويضيع التعليم بين هذا كله؛ فلا يستمتع به معلم، ولا ينتفع به متعلم.

    وإذا أتيح للمعلمين شيء من وقت فخلوا إلى طلابهم وتلاميذهم، فهل يفرغ الطلاب والتلاميذ لما يلقي عليهم الأساتذة والمعلمون من الدروس في هذه الأوقات القصار التي يختلسونها من جهادهم في سبيل الرزق اختلاسًا؟ أم هل يمنح الطلاب والتلاميذ أساتذتهم ومعلميهم أنصاف نفوسهم أو أثلاثها أو أرباعها، ويشغلون سائرها بمستقبلهم القريب أو البعيد، بقيمة الشهادات والإجازات التي يسعون إليها؛ لأن التعليم ليس وسيلة إلى ترقية النفس وتهذيب الطبع وترقية الخلق وتصفية الذوق، وإنما هو وسيلة لتحصيل الإجازة أو الشهادة التي تقوم بهذه الجنيهات التي تتيح لهم إذا أصبحوا رجالًا أن يشتروا ما يأكلون ويشربون ويلبسون.

    فالطلاب والتلاميذ حِرَاص على أن يستوثقوا من قيمة الشهادات والإجازات، ومن أن هذه القيمة يجب أن ترتفع؛ لأن أثمان الغذاء والكساء ترتفع في كل يوم، وهم يدفعون للتعليم أثمانًا تقبضها الدولة؛ فيجب أن تغُلَّ عليهم هذه الأثمان إجازات وشهادات ترد عليهم ما أنفقوا من المال. فالقصة تجارة لا أكثر ولا أقل: المعلم يبيع العلم؛ فيجب أن تدفع الدولة لهذا العلم ثمنًا يمكِّن صاحبه من العيش، والدولة تبيع العلم الذي تأخذه من المعلم للطلاب والتلاميذ بهذه الأجور التي تأخذها منهم؛ فيجب أن تكون هذه الصفقة بين الدولة والشباب رابحة تتيح للشباب أن يعيشوا حين يصيرون رجالًا. فأما التربية والتثقيف، وتهذيب الطبع، وتصفية الذوق، وترقية الخلق، ورفع النفس إلى الملأ الأعلى لتلائم قامة الجسم المرتفعة في الجو، وجعل الإنسان إنسانًا بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة في البيئات المتحضرة؛ فكل هذه أشياء لا ينظر إليها ولا يحتفل بها، وإنما تكون أو لا تكون، وتجيء أو لا تجيء، وتقبل إن جاءت ولا يسأل عنها إن لم تجئ، المهم هو أن يعيش المعلمون وأسرهم وأن يهيأ للمعلمين من الوسائل ما يمكنهم من العيش؛ فأما ما فوق ذلك فأعراض لا قيمة لها ولا تفكير فيها.

    ودع المعلمين والمتعلمين وانظر إلى غيرهم من الطبقات المثقفة؛ فسترى أن أفرادها مشغولون بالغذاء والكساء عن غيرهما من المثل العليا والمآرب الرفيعة والآمال السامية، فقد ينبغي أن يعيش الناس قبل أن يفكروا في الرقي فضلًا عن أن يسعوا إليه، فضلًا عن أن يبلغوا حظهم منه، فضلًا عن أن يتزيَّدوا من هذا الحظ. ولا تسل نفسك بعد ذلك لماذا ترقى الحضارة على اختلاف فروعها في البلاد المتحضرة الأوروبية والأمريكية وتظل راكدة في مصر مع أنها قد ارتقت في أطوار كثيرة من أطوار الحياة المصرية القديمة؟!

    فعِلَّة ذلك قريبة أشد القرب يسيرة أعظم اليسر؛ لأن الحضارة لا ترقى إلا إذا فرغ لترقيتها المثقفون على اختلاف طبقاتهم وألوان ثقافتهم، وهم لا يفرغون لترقيتها إلا إذا أراحتهم بطونهم وأجسامهم من أعباء الغذاء والكساء، وأراحتهم بطون أهلهم وأجسامهم من أعباء الغذاء والكساء وتكاليف هذه الحياة المادية السخيفة. والله لم يجعل لرجل قلبين في جوفه، وإنما جعل له قلبًا واحدًا، وهذا القلب إما أن يشغل بالعلم والمعرفة والمثل العليا على اختلافها، وإما أن يشغل بالغذاء والكساء، فأما أن تشغله بالمثل العليا والمثل الدنيا جميعًا فشيء لا سبيل إليه.

    وما دام المثقفون من المصريين على اختلاف طبقاتهم ومذاهبهم في الحياة مشغولين بما يقيم أَودَهم وأَودَ أهلهم ويمسك عليهم وعلى أهلهم حياتهم المادية التي تنحل آخر الأمر إلى غذاء وكساء ويقظة جاهدة ونوم تشغله أحلام سخيفة تتصل هي أيضًا بالغذاء والكساء؛ فلا تنتظر منهم للثقافة خيرًا ولا تنتظر منهم للحضارة رُقيًّا، ولا تقل: إن في مصر أجيالًا من المثقفين يرفعون نفس الإنسان ليلائموا بينها وبين قامته المعتدلة المرتفعة، ويطمحون ويشيعون الطموح إلى المثل العليا، ولكن قلْ راضيًا أو كارهًا، مسرورًا أو محزونًا: إن في مصر مثقفين يتخذون الثقافة وسيلة لا غاية، ويتخذونها وسيلة إلى المثل الدنيا لا إلى المثل العليا.

    والله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وإذا أراد الله بقوم سوءًا فلا مَرَدَّ له وما لهم من دونه من والٍ.

  • وزارة الشعب ترد إلى الشعب أمواله على أحسن وجه وأنفعه

    وزارة الشعب ترد إلى الشعب
    أمواله على أحسن وجه وأنفعه
    طه حسين
    جريدة المصري
    ١٠ أغسطس ١٩٤٣

    توجه مندوبنا بوزارة المعارف إلى دار الدكتور طه حسين بك لزيارته بمناسبة قرب سفره إلى فلسطين، ولكن لا بدَّ لأي صحفي أن يستغل فرصة اجتماعه بمعجم وزارة المعارف، فقال مندوبنا: حضرنا الحفلة الصامتة التي أقامتها جامعة فاروق الأول يوم السبت الماضي تكريمًا لمعالي وزير المعارف والرئيس الأعلى للجامعة، وكنا نودُّ لو نسمع منكم كلمة تصور شعوركم وشعور الجامعيين الفاروقيين بعد انتهاء العام الدراسي الأول. فأجاب سعادته بقوله: «ألم ترَ من ابتهاج الذين شهدوا الحفلة من الجامعيين ما يُغنيك عن الخُطَب كما أغنى غيرك من الذين تفضَّلوا فشهدوا الحفلة؟! ولكنك صحفي لا يرضيك إلا الكلام الذي تُطالع به قراءك وترضي به صحيفتك. وربما كان أصدق تصوير لشعور الجامعيين أنه شعور الرضى والأمل والثقة. فقد لقيت الجامعة الناشئة من تأييد الحكومة ومعونتها أكثر جدًّا مما كانت تنتظر، وأطمعها هذا التأييد في المزيد منه فطلبت إلى الحكومة كثيرًا، ولكنها لم ترد يومًا عن شيء طلبته ولم تسمع بعدُ كلمة «لا». وأنا واثق بأنها لن تسمعها ما دام حضرة صاحب المقام الرفيع مصطفى النحاس باشا رئيسًا للحكومة وحضرة صاحب المعالي أحمد نجيب الهلالي باشا وزيرًا للجامعة. والجمهور بالطبع لا يعرف إلا قليلًا جدًّا من تأييد الحكومة للجامعة الناشئة، ويكفي أن أضرب لك بعض الأمثال؛ فقد كانت ميزانية المعامل هذا العام ستة عشر ألفًا من الجنيهات، وهي كما ترى ضئيلة بالنسبة لجامعة يُراد تأثيثها، ولكني تحدثت بذلك إلى رئيس الحكومة ووزير المعارف فطمأناني. ثم أصبحت ذات يوم وإذا مجلس الوزراء يأذن لجامعتنا في أن تَشتري من أدوات المعامل ما تجِد إلى شرائه سبيلًا، ويقدِّم بين يدي هذا الإذن مبلغ خمسة وأربعين ألفًا من الجنيهات، فترتفع الأموال التي خُصصت للمعامل إلى أكثر من ستين ألف جنيه. وأكبر الظن أننا سنحتاج إلى أكثر من هذا، وأننا لن نجد من رفعة رئيس الحكومة وزملائه إلا كل عون وتأييد. وما رأيت هؤلاء الناس يواجهون أمرًا من أمور الشعب إلا ذكرت ما كان يقوله بركلاس في القرن الخامس قبل المسيح، وهو: «يجب أن تُردَّ أموال الشعب إلى الشعب». فهم يردون إلى الشعب أمواله على أحسن وجه وأنفعه وأضمنه للإصلاح الذي لا يذهب مع الريح، ولكنه يبقى مع الزمن، وينتج آثارًا خالدة. وأي شيء أنفع وأبقى مما ينفق على التعليم على اختلاف فروعه؟! وهل رأيت حكومة قدرت التعليم قدره وطابت نفسها بالإنفاق عليه كما فعلت هذه الحكومة؟ على أن ما فعلته الحكومة فيما يتعلق بالمعامل ليس إلا شيئًا قليلًا إذا قيس إلى ما تفعله فيما يتعلق بمباني الجامعة. وإني لن أبلغ من شكر الحكومة ومعالي وزير الأشغال خاصة ما أريد مهما أَقُلْ. ويكفي أن تعلم أن المباني التي تحتاج إليها الجامعة للسنة المقبلة قد تتكلف نحو مائة ألف من الجنيهات، ولم تبخل الحكومة بشيءٍ من هذا ولن تبخل بأكثر منه إذا دعت إليه الحاجة؛ لأنها تعلم أن خير الادِّخار هو الإنفاق في سبيل التعليم. ذلك فضلًا عمَّا تحتاج إليه هذه المباني من جِدٍّ وحزم وإسراع في العمل حتى لا يتأخر بَدءُ العام الدراسي عن أوانه. وهنا يكفي أن نذكِّر وزير الأشغال ونذكُر البيت العربي القديم:
    إذا أيقظتك خطوب الزمان فنَبِّهْ لها عمرًا ثم نَمْ
    وقد نبهنا وزير الأشغال لحاجة الجامعة، ولكننا لن ننام، وإنما نتفرغ للراحة والاستجمام على حين يتعب هو ويجِد. فإذا عدنا أول العام وجدنا الجامعة قد استوفت ما كانت تحتاج إليه. ألست ترى أن الذين يقدمون إلى الجامعة مثل هذه المعونة خليقون بالشكر والتقدير في الحفلات الصامتة والحفلات الناطقة جميعًا؟»
    وسأله مندوبنا عن الغرض من إنشاء معهد الآداب والفنون، وصلته بين الهيئات العلمية المختلفة بمصر وبينه وبين الحكومة. فأجاب بقوله: «إن الغرض من هذا المعهد تنسيق البحث العلمي والإنتاج الأدبي والفني في مصر، وإظهار الشعب المصري والبلاد العربية على نتائج النشاط العقلي في مصر. وواضح أن هذا كله لا يتأتَّى إلا بالاجتماعات المنظمة والمحاضرات التي تُلقى بين حين وحين والمجلات والنشرات المختلفة التي تُنشر بنظام. وسيتألف المعهد من شُعَبٍ خمس، سيكون لكل واحدة منها وجودها الخاص ومجلتها ومحاضراتها، وهي شعبة العلوم وشعبة الطب وشعبة الآداب وشعبة العلوم السياسية والتشريعية، وشعبة الفنون الجميلة. وسيكون اتِّصال المعهد وثيقًا بالجامعتين والهيئات العلمية المختلفة. وسيكون له حق منح الإجازات والإعانات للباحثين أفرادًا وجماعات. وسيشير المعهد على الحكومة في كل ما تستشيره فيه، ويرفع إليها ما يعرض له من الرغبات والاقتراحات التي تمَس حياة العلم والعمل جميعًا. أمَّا موعد إنشائه فسيكون في أول الدورة البرلمانية بمشيئة الله، ولولا أحداث السياسة التي شغلت الحكومة والبرلمان لتمَّ إنشاؤه في الدورة الماضية، فقانونه مُعَدٌّ لم يبقَ إلا أن يُرسَل إلى اللجنة التشريعية ثم إلى مجلس الوزراء لاستصدار المرسوم الملكي لعرضه على البرلمان.»
    مجمع اللغة العربية وسأله مندوبنا عمَّا يُراد إدخاله من تعديل على نظام مجمع فؤاد الأول للغة العربية. فقال سعادته إن الفكرة الأساسية هي تقوية المجمع وترقيته وزيادة حظِّه من الاستقلال، وتمكينه من أن يفرغ لما أُنشئ له من المحافظة على سلامة اللغة العربية، ووضع ما تحتاج إليه من المعاجم. وسيستفيد المجمع فائدة محققة من إنشاء المعهد المصري للآداب والفنون؛ لأن هذا المعهد سيضع علم وفن ما يحتاج إليه من الاصطلاحات، يقوم بذلك الأخصائيون من العلماء والفنانين، فيُسهِّل مهمة المجمع اللغوي ويحصرها في الناحية اللغوية الخالصة. فأنت ترى أن التعاون بينهما سيكون متصلًا ومنتجًا.
    التعليم الحر وسأله مندوبنا عن مشروعات التعليم الحر. فقال سعادته إن ما يستطيع أن يقوله الآن عن التعليم الحُرِّ هو أن مشروع القانون الجديد للتعليم الحر مُهيَّأٌ للعرض على البرلمان، وهو الآن بين يدي حضرة صاحب المعالي وزير المعارف. وهو يضمن ثلاثة أشياء أساسية؛ الأول: تمكين الدولة من الإشراف على التعليم الحر كله لترقيته وتقويته، وجعله ملائمًا لتعليم الدولة. والثاني: حماية حقوق المعلمين وتيسير الأمر لهم بحيث لا تكون حياتهم عُرضة للاضطراب. والثالث: تمكين هذا التعليم من أن يكون مساعدًا حقيقيًّا لوزارة المعارف فيما ترمي إليه من نشر التعليم والثقافة في جميع طبقات الشعب إلى أبعد حدٍّ ممكن.
    شئون أخرى وسأله مندوبنا عن مشروعات أخرى تتعلق بالتعليم الفني وتعديل المناهج في التعليم العام. فقال: دع هذا إلى شهر سبتمبر المقبل …

  • كلية الآداب

    كلية الآداب

    حديث الدكتور طه حسين بك، عميد كلية الآداب

    وجه مكتب تحرير المقتطف إلى الأستاذ الدكتور طه حسين بك، عميد كلية الآداب، السؤالين التاليين:

    أولًا: ما هو القسط الذي قدمته كلية الآداب لنهضة الفكر في مصر خلال السنوات العشر الماضية؟

    ثانيًا: ما هي الصورة المثالية التي تريدونها لكلية الآداب؟

    فتفضل بالجواب التالي:

    ١-

    أثرت كلية الآداب في تطور الفكر المصري تأثيرًا واضحًا جدًا، يبدو في ناحيتين هامتين: في طريقة تصور الأشياء والحكم عليها، وفي الحياة العلمية ذاتها، وفي الإنتاج.

    وعلى الرغم من غرابة هذه الكلمة، فإنها بالنسبة لنا حقيقة واقعة، فالطلبة والمتخرجون أنتجوا في ميدانهم كمترجمين، ومؤلفين، وصحفيين، وكذلك بالطبع أنتج أساتذتهم.

    وأريد أن أعرف مدرسة أخرى في الشرق كله وصلت في فترة قصيرة إلى ما وصلنا إليه. وقد نكون، في فترة السنين العشر الماضية، امتصصنا ـ كما تقول ـ خير ما في المعاهد السابقة لنا من مقومات… ولكن أليس «الامتصاص» في ذاته دليلًا على القوة والحياة؟

    فإن أردت بعض مثل على ما نحن بسبيله، فلتعلم أن اللغة العربية مدينة الآن لكلية الآداب بأحسن تاريخ عمل حتى الآن للحياة العقلية في القرنين الأول والثاني للهجرة. ولولا أن أحمد أمين عمل في كلية الآداب، لما أنتج هذا الإنتاج الذي عجزت عن تحقيقه القرون الماضية كلها.

    وأوجدت كلية الآداب شيئًا اسمه التنقيب عن آثار مصرية خالصة، وآثار إغريقية ورومانية، فهي وحدها التي أوجدت اشتراك المصريين العلمي في علوم الآثار، والجيولوجيا، وما قبل التاريخ.

    وكلية الآداب هي التي أوجدت أول المؤلفات العلمية العربية في الجغرافيا، فكتابا حوض النيل وسكان هذا الكوكب من أحسن الآثار التي تجمع بين اللذة العلمية والأدبية. وإني أتحدى أي مدرسة اشتغلت بالعلوم الجغرافية ووصلت إلى مثل ما وصل إليه قسم الجغرافيا عندنا.

    ويخيل إلي أيضًا أن كلية الآداب هي أول معهد أظهر في العربية ترجمة أدبية لـفاوست وهرمان ودوروتيه لجوته، عن الألمانية مباشرة، لا نقلًا عن لغة أخرى.

    ثم إن كليتنا هي التي أنشأت معهد الآثار الإسلامية، ولم يكن موجودًا قبل الآن، ولأول مرة في تاريخ مصر أدخلت كلية الآداب الدراسات القديمة اللاتينية واليونانية، لتساهم في الكشف والاستفادة من أعظم حضارتين فكريتين في العالم القديم.

    ولا يمكن أن ننسى أن كلية الآداب ساهمت مساهمة خطيرة في الحركات الأدبية العامة لم تكن لمعهد آخر، فقد احتفلنا بالعيد الألفي للمتنبي، في أسبوع أقمناه لدراسته دراسة وافية. وأكثر من هذا أنتجنا كتابين، أحدهما للدكتور عبد الوهاب عزام، والثاني لي، سيظهر قريبًا. ولولا كلية الآداب ما كنت أفكر في دراسة المتنبي والكتابة عنه.

    وهناك، في خارج الكلية، يشترك الأساتذة اشتراكًا جديًا في الحياة العلمية العامة. وأظنك تعلم أن الذي يقوم بتحقيق كتاب السلوك وطبعه هو الدكتور زيادة، أحد أساتذة التاريخ. كما أن لمعهدنا قسطًا وافرًا في توجيه السياسة التعليمية العامة، بما نقدمه في لجان وزارة المعارف من آراء، وما نشترك فيه من كتب ومقررات للدراسات الثانوية والخاصة.

    وكلية الآداب هي التي مثلت مصر في المؤتمرات العلمية المختلفة التي تمس الآداب، فقد مثلنا في مؤتمرات المستشرقين ثلاث مرات تمثيلًا رفع المكانة الأدبية للبلاد كلها. وكذلك اشترك الأستاذان مصطفى عبد الرازق والخولي في مؤتمرات تاريخ الأديان، واشترك الأستاذان مصطفى عامر وعوض في مؤتمرات الجغرافيا والسكان.

    وكلية الآداب هي أول معهد أدخل في روع الحكومة والشبان فائدة الرحلات إلى البلاد الشرقية، فقامت من أساتذتنا وطلابنا رحلات إلى الشام والعراق، وأرسلنا من ينوب عن معهدنا في حفلات الفردوسي بطهران.
    وهناك أمر خطير جدًا لا يعرفه الناس تمامًا حتى الآن، فبعثة الجامعة إلى بلاد اليمن مشروع من مشاريع أحد المتخرجين من قسم الجغرافيا، الدكتور حزين، وقد وصلت إلى نتائج هامة جدًا.

    أولها: الاكتشافات الجيولوجية ذات القيمة الخطيرة، وكذلك الاكتشافات المتعلقة بالحشرات وأنواع النباتات.

    ثانيًا: أحضرت البعثة معها نحو مائة وخمسين نقشًا أثريًا جديدًا، سيتخذها أحد أعضاء البعثة موضوعًا لرسالة دكتوراه.

    ثالثًا: ملأت البعثة أسطوانات للهجات جنوب اليمن، وهو العمل الأول من نوعه في هذه الناحية.

    وقبل هذا وذاك أظهر أعضاء البعثة أنهم على استعداد تام لاقتحام الأخطار، فقد أدركهم من المرض والآلام ما يدرك عادة المغامرين في سبيل الغايات الكريمة، وشعروا جميعًا بلذة هذا الألم لتحقيق أغراضهم العلمية.

    هذا ما يتصل بالأساتذة، ويمكن أن تراجع في مكتبة الجامعة قائمة الكتب التي أنفقت عليها كلية الآداب، وعاونت على ظهورها.

    وأما ما يتصل بالطلاب والمتخرجين، وبالنشاط الفكري، فأترك للمتحدث (وهو من خريجي الكلية) إحصاءه، فهو أعرف به (١)، ولا تنس رسالات الماجستير والدكتوراه.

    ولعل كليتنا هي التي عرفت المصريين والشرقيين بالشاهنامة، وقدمتها لهم مطبوعة منقحة.

    (١) يشير الدكتور طه إلى مجهودات الهيئات الجامعية التي تعمل على نشر الثقافة العامة، مثل لجنة ترجمة دائرة المعارف الإسلامية، ولجنة الجامعيين لنشر العلم، ولجنة البردي، ومجهودات موفقة لكثير من الطلاب والمتخرجين في التأليف والترجمة والصحافة.

    وفي سنة ١٩٣٢ اشتركت كلية الآداب في الحركة العقلية الصرفة، حين أخرج عميد كلية الآداب من كليته، فنهض الجامعيون نهضتهم الخطيرة للذود عن كرامة الجامعة واستقلالها، وقاوموا الحكومة شهرًا، وضربوا في ذلك أمثالًا لن تنسى. وكان لهذه الثورة تأثير خطير في التفكير الجامعي للشبان.

    وأما الرقي العام للأمة فقد شاركت فيه كليتنا مشاركة واضحة، فهي التي فتحت أبواب التعليم العام للفتيات، وفيها الآن ١٨٧ فتاة يشتغلن في جميع أقسام الكلية.

    كما أنها خطت خطوة أخرى، بأن أدخلت ضمن هيئة تدريسها ثلاث سيدات، هن الآنسة سهير القلماوي (للغة العربية)، والسيدة درية فهمي (للغة الفرنسية)، والآنسة فاطمة سالم (للدراسات القديمة)، وهن يدرسن للطلاب والطالبات.

    والنتيجة أن لطلبة كلية الآداب وأساتذتها أن يفاخروا بأثر كليتهم في هذه المدة القصيرة، وأن ينتظروا أن تعظم هذه الآثار كلما مضى الزمن، ولا يحفلوا بما يقول الكاشحون، فالقافلة تمضي موفقة على الرغم من المصاعب التي تلقاها، وهي تعتمد على هذه المصاعب، لأن قيامها شرط أساسي لنجاحها. فهي الامتحان الذي يروضها، ويعلمها، ويمحص رجالها تمحيصًا. وهي لا تريد النجاح السهل، إنما تريد النجاح العسير الذي يبعث الشجاعة، والثقة بالنفس، والأمل في المستقبل، وما يحقق الرجولة التي تحتاج إليها مصر في هذا العهد الجديد.

    ٢-

    الذي أرجوه، وأعمل لتحقيقه، هو أن تؤدي كلية الآداب إلى أغراض ثلاثة:

    الأول: إحياء قديمنا المصري والعربي.

    الثاني: تحقيق الصلة الواضحة القوية بيننا وبين الحضارة الغربية.

    الثالث: إظهار أوروبا على ما يجب أن تعرفه من استعدادنا الصحيح للحياة الخصبة، وللمساهمة في ترقية الحضارة الإنسانية.

    ومهما تبلغ كلية الآداب من تحقيق هذه الأغراض، فلن ترضى، ولن يرضى رجالها، طلابًا وأساتذة، لأن الرضا آية الخمول والخمود، وهما أبغض الأشياء إليها.

    المقتطف، يناير ١٩٣٧.