مشكلة اللغات الأجنبية
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
١٨ يناير ١٩٤٨
عمدت وزارة المعارف أخيرًا إلى تخفيف برامج اللغات الأجنبية في المدارس، فما هو رأيك في هذه السياسة من حيث تأثيرها في الثقافة العامة للجيل الجديد؟
هذا هو السؤال الذي طرحه مندوبنا على الدكتور طه حسين بك والدكتورة درية شفيق، فأجابا بما يلي:
الدكتور طه حسين رأيي أن النزعة إلى إضعاف اللغة الأجنبية في المدارس شديدة الخطر … لا على حياتنا الثقافية وحدها، بل على حياتنا العامة كلها. فاللغة العربية تتطور وترقى، ولكنها لم تبلغ بعدُ أن تكون لغة عالمية للعلم والأدب والسياسة والاقتصاد. واتصالنا بالعالم الغربي هو الأساس الصحيح لنهضتنا ورُقِيِّنا، ولن تُفلِح وزارة المعارف إلَّا إذا أعادت النظر في تعلُّم اللغة الأجنبية، فلم تقصره على اللغتين الإنجليزية والفرنسية؛ لأن في ذلك احتقارًا للعقل المصري ووقفًا له على النفوذ الثقافي للفرنسيين والإنجليز. وإنما يجب أن تُدرَّس اللغات الأوروبية الكبرى كلها في المدارس، على أن يختار التلميذ أو أسرته لغتين من هذه اللغات؛ فالألمانية والإيطالية والإسبانية والروسية لغات عظيمة الخطر في الثقافة والسياسة والاقتصاد، ويجب أن يكون بين شبابنا من يُحسنوا هذه اللغات. ومن الخزي لمصر في القرن العشرين أن يُنقل إليها الأدب الألماني والإيطالي والروسي والإسباني لا مباشرةً من اللغات التي كُتب بها، بل من طريق التراجم الإنجليزية والفرنسية. هذا الاحتكار لا يلائم الاستقلال الذي نطمح إليه، وهذا الجهل لا يلائم الكرامة التي نحن أهل لها. والأمر لا يحتاج إلَّا إلى شيءٍ من الشجاعة يمكِّن وزارة المعارف من أن تخطو هذه الخطوة التي طالبت وما زلت أطالب بها. والشرق العربي وحده هو الذي قبِل هذا الاستعمار الثقافي الإنجليزي الفرنسي، فإذا كنَّا نريد الاستقلال حقًّا فسبيله ألَّا نبيح لأمة من الأمم — مهما تكُن — أن تحتكر أخص ما يمتاز به الإنسان وهو العقل والقلب والذوق.
الدكتورة درية شفيق رأيي أن الاتجاه الذي يقصد به تخفيض عدد الدروس للغات الحية في مدارس الحكومة اتجاه يسيء إلى مصر وإلى تطلُّعها المرموق نحو الفائدة من حضارات الأمم الأخرى. ونحن نسيء إلى أنفسنا إذا خلطنا بين التعصب للوطنية والاستفادة من حضارة الغرب؛ فإن مصر الحديثة لم تستطع أن تتبوَّأ مكانها الرفيع بين الأمم الغربية والشرقية إلَّا بعد أن استكملت بعض الدراسات الغربية. وكان محمد علي الكبير والخديو إسماعيل فاهمين هذا الوضع تمامًا؛ لذلك كانت بعوثهم العلمية كثيرة، متعددة الجوانب. ولولا مدرسة البعوث لكان تأخرنا ملحوظًا، ولولا مدرسة الألسن وناظرها رفاعة الطهطاوي وتلاميذه الأعلام؛ لما زخرت آدابنا وعلومنا العربية بهذا التراث الفخم من المعرفة. ولولا دراسة أدبائنا للُّغات الفرنسية والإنجليزية والألمانية وغيرها دراسة عميقة؛ لما فخرنا بهؤلاء الأدباء الذين يضارعون أدباء الغرب فكرًا وعقلًا وأسلوبًا. فإذا نحن حاربنا هذه اللغات لأمر غير مفهوم، فإنما نحارب أنفسنا، وسوف يأتي يوم — إذا نجح خصوم اللغات الحية — نبحث فيه عن مترجم في مصالح الحكومة أو الأعمال الحرة فلا نجده. ناهيك بما يترتب على جهل أمة بهذه اللغات، فإن كل جديد سيبقى محجوبًا عن لغتنا وآدابنا، ولن نُفيد من أي تيار فكري جديد؛ لأننا قوم انطوينا على أنفسنا ونسِينا أن من يتعلم لغة أمة أمِن مكرها كما قال رسول الله ﷺ.
Tag: Cultural Diplomacy
-
مشكلة اللغات الأجنبية
-
لقاء بعد يأس
لقاء بعد يأس
طه حسين
جريدة البلاغ
٢٠ مايو ١٩٤٥
عرفته من بعيد كما عرفه المثقفون جميعًا في أقطار الأرض كلها؛ لأن شخصيته الثقافية والسياسية فرضته على هؤلاء المثقفين فرضًا منذ الحرب العالمية الماضية.
ولعلي قد سمعت اسمه لأول مرة قبل تلك الحرب، وقبل أن أتصل بالثقافة الأوروبية اتصالًا مباشرًا، حين كان الطلاب المصريون الذين كانوا يدرسون في مدينة ليون يتحدثون بشئون مصر السياسية، فيجدون من عمدة المدينة رعاية لهم، وعناية بهم، وعطفًا عليهم. ثم سمعت اسمه حين كنت طالبًا في باريس أثناء الحرب، وحين كان وزيرًا من وزراء الحرب، وحين كان الفرنسيون يذكرون اسمه في شيء كثير من الحب الباسم والدعابة الرائقة. فقد اقترن اسمه دائمًا في نفوس الفرنسيين بالحب والدعابة والابتسام؛ لأنه هو نفسه مبتسم دائمًا، مداعب دائمًا، محب دائمًا.
ثم سمعت اسمه بعد ذلك يُذكر في أجيال من الذين تخرجوا في مدرسة المعلمين العليا مقرونًا كذلك بالدعابة والابتسام والحب، وسمعت تندر هؤلاء الأجيال من خريجي مدرسة المعلمين العليا بدعابة هذا الوزير الممتاز حين كان طالبًا في هذه المدرسة، وعبثه بأترابه وأساتذته، ومقرونًا كذلك بكثير جدًّا من الثناء على حديثه العذب، وأدبه الغض، وبحثه العلمي الممتاز. ثم قرأت كتابه عن الحسناء الفرنسية المعروفة مدام ريكامييه، فأُعجبت بالكتاب أشد الإعجاب، وأكبرت الكاتب أعظم الإكبار، وتتبعت ما ظهر من كتبه، وترقبت ما كان ينتظر أن يظهر، وأصبحت منذ ذلك الوقت صديقًا له من بعيد. ثم كثر ذكر إدوار هريو في الصحف الفرنسية والعالمية؛ لأنه أصبح منذ سنة ١٩٢٤ مؤثرًا عظيم الخطر في السياسة الفرنسية والعالمية، ولم أره مع ذلك إلا في صيف ١٩٣٧.
وقد لقيته في باريس حين اجتمع أصدقاء المدارس الفرنسية في الشرق برياسته، فلم أكد أسمع منه، وأتحدث إليه حتى استيقنت بأن الصورة التي ارتسمت له في نفسي كانت مقاربة شديدة الصدق.
ثم كثر التقاؤنا بعد ذلك في تلك المؤتمرات التي كانت تُعقد في باريس حول المعرض العالمي، كمؤتمر التعليم الجامعي، ومؤتمر التعاون الفكري، واللجنة الدائمة للفنون والآداب. ولم أكن أقدر أن الصلة بينه وبيني ستزيد على هذا المقدار، ولكني لم أكد أعود إلى مصر في آخر الصيف من ذلك العام، وأستقر فيها أشهرًا حتى علمت أنه سيزور مصر؛ ليضع الحجر الأساسي للمدرسة الفرنسية التي أُنشئت في هليوبوليس. والناس يذكرون وصوله إلى هذه البلاد في أبريل سنة ١٩٣٨، واحتفاء الحكومة والجامعة به، وتكريم المثقفين المصريين له، وإهداء الجامعة إليه درجة الدكتوراه الفخرية. وقد كنت ألقاه في هذه الحفلات كلها كما كان يلقاه غيري من المصريين، إلا أن إهداء درجة الدكتوراه إليه أنشأ بينه وبيني صلة خاصة. فقد كنت عميدًا لكلية الآداب التي أهدت إليه هذه الدرجة الفخرية. وكان منذ ذلك الوقت يزعم أني أصبحت عميده، وأنه أصبح يدين لي بشيء من الخضوع على حد قوله. ولست أنسى أنه لقيني بعد ذلك في المفوضية الفرنسية بهذه الجملة الظريفة: «سيدي العميد: لن ترى بين زملائك من سيكون أحرص مني على طاعتك.»
وقد زرت معه حفائر الجامعة في تونة الجبل، ونزلنا ضيفًا على صديقنا الأستاذ سامي جبرة، وأقمنا في هذه الحفائر يومًا كاملًا، رأيت فيه من قرب إدوار هريو زائر للآثار مستقصيًا للبحث قارئًا للنقوش اليونانية، مجتهدًا في قراءة النقوش الهيروغليفية مستعينًا على هذه وتلك الأساتذة جوجيه، ودريوتون، وسامي جبره، مستفسرًا مستوضحًا ملحًّا في الاستفسار والاستيضاح، مناقشًا فيما يلقى إليه، مقيدًا ما يسمع. كل ذلك في جو شديد القيظ، فقد كنَّا في شهر مايو، وفي أيام كالتي شهدناها في الأسبوع الماضي، وفي الصحراء. وقد بدأ إدوار هريو زيارته للآثار مع الصبح ولم يسترح إلا حين دُعي إلى الغداء، ولعله ضاق بالدعوة إلى الغداء؛ لأنها قطعت عليه ما كان يحب أن يمضي فيه من البحث والاستقصاء. ولكننا نحن نعمنا بهذه الساعات القليلة التي قضيناها معه حول المائدة، وفي ظل حجرة من الحجرات نسمع منه، ونتحدث إليه في فنون مختلفة من الحديث، في الأدب والتاريخ، ولكنه كان يحرص على أن يفر من الأدب والتاريخ؛ ليسأل أصحاب الآثار عن آثارهم، وأصحاب الزراعة عن زراعتهم، فقد كان معنا من يعنى بالزراعة ويستطيع القول فيها. ولم تنتهِ الساعة الرابعة حتى أذن إدوار هريو في أصحابه باستئناف البحث، وزيارة الآثار، ومضى في ذلك ومضينا معه، حتى أقبل الليل، هنالك جلسنا نستريح حول تلك الساقية الرومانية التي اكتشفها الأستاذ سامي جبرة، والتي أُديرت في تلك الساعة، وجعلت تسمعنا صوتها الشجي، وتسمعنا خرير الماء في الصحراء المحرقة المرهقة، وجعل إدوار هريو في أثناء ذلك يسمعنا حديثه العذب، حديثه الذي لم يكن يتصل بالسياسة، ولا بلون معين من ألوان الثقافة، وإنما كان يرتفع عن هذا كله، ويمس هذا كله مسًّا رفيقًا. وأذكر من حديثه ذاك قوله لنا إنه وقد بلغ السادسة والستين من عمره، لا يحزن على شيء كما يحزن على ثلاث خصال: فهو لم يأخذ من الموسيقى الحظ الذي كان يتمناه، وهم لم يتعلم من اللغات الأجنبية المقدار الذي كان يحب أن يتعلمه، وهم لم يستطع أن يتخذ لنفسه دارًا في الريف الفرنسي. أمَّا أنَّه لم يستطع أن يتخذ لنفسه دارًا في الريف، فشيء ليس فيه شك. وأمَّا أنَّه لم يتعلم اللغات الأجنبية كما كان يحب، فيكفي أن نعرف أنه يحسن من هذه اللغات الأجنبية: الإنجليزية، والألمانية، والإيطالية، والإسبانية، وكان في ذلك الوقت يدرس الروسية. ثم دفعته زيارته لمصر إلى دراسة الهيروغليفية. ولست أذكر اليونانية واللاتينية؛ لأنه علم من أعلام الدراسات القديمة. وأمَّا أنَّه لم يحسن الموسيقى، فيكفي أن نعرف أن كتابه عن بتهوفن، هو خير ما أخرج للناس في فرنسا عن هذا الموسيقي العظيم. ولكنك تعرف الرجل المثقف الممتاز بهذه الخصلة التي تميزه من غيره حقًّا، وهي أنه شَره إلى المعرفة مهما يُحصِّل منها، ساخط على إنتاجه مهما يبلغ من الجودة والإتقان.
وقد مضى إدوار هريو في زيارته لآثار مصر إلى غايتها، فحمَّل نفسه، وحمَّل أصحابه جهودًا ثقالًا. ولكنه عاد إلى فرنسا، فلم يمكث فيها أشهرًا، حتى أخرج كتابه عن هذه الزيارة، وإذا هو من خير ما يُقرأ، ومن أعظم الكتب التي أُخرجت في هذه الأيام عن الشرق الأدنى حظًّا من اللذة والإمتاع.
وأخص ما يمتاز به إدوار هريو فيما يقول هو حبه لأداء الدَّيْن، فلم يكد يحول الحول على زيارته لمصر، وتلقيه فيما تلقَّى فيها من الحفاوة، حتى كانت الحكومة الفرنسية تهدي إلى وزير المعارف إذ ذاك، وإلى وزير المواصلات، وسام اللجيون دونور. أحد الوزيرين تلقاه في الجامعة، وقدم إليه باسمها دبلوم الدكتوراه، والآخر يسر له أسفاره في أنحاء المملكة. وحتى كانت جامعة ليون تدعو عميد كلية الآداب لشهود افتتاح العام الجامعي فيها في نوفمبر سنة ١٩٣٨، وتهدي إليه درجة الدكتوراه الفخرية. وحتى كنت أقضي مع عمدة ليون في مدينته يومًا كالذي قضاه معي في القاهرة، وفي تونة الجبل.
على أن حب إدوار لأداء الدَّين عنصر أساسي من عناصر شخصيته السياسية، فالفرنسيون جميعًا يعرفون هذه الخصلة من خصاله، يحبها كثير منهم، وينكرها كثير منهم أيضًا؛ لأنه لا يرضى لنفسه أن يلتوي بدينه الخاص، ولا يرضى لوطنه أن يلتوي بدينه العام. وقد اختلف الفرنسيون في أداء ديون الحرب الماضية إلى أمريكا، أو في طريقة أداء هذه الديون. فكان فريق منهم يريد أن تُلغى هذه الديون كلها أو بعضها، وكان كليمنصو على رأس هؤلاء الناس. وكان فريق آخر يريد أن تؤدى هذه الديون، يرى أن الالتواء بالدَّين لا يلائم مكانة فرنسا، ولا منفعتها في المستقبل. وكان هريو على رأس هؤلاء الناس، وقد سقطت وزارته من أجل حرصه على الوفاء بالدين.
فإذا أردت أن تعرف عنصرًا آخر من العناصر الأساسية لشخصية هريو السياسية، فهو حبه للسلم، واستعداده للتضحية في سبيل هذه السلم بكثير جدًّا من ألوان الغرور الوطني. فهو الذي خاصم بوانكاريه حول احتلال وادي الرور، ولم يسترح حتى أجلى الجيوش الفرنسية عن هذا الجزء من أجزاء ألمانيا؛ إيثارًا للعافية، وحرصًا على استصلاح المغلوبين، واجتناب الكيد الذي كان يُكاد حول فرنسا مع بعض حلفائها. وهو الذي سعى وألح في السعي؛ للتقريب بين فرنسا وروسيا السوفيتية؛ فزار روسيا غير مرة، ودافع عن استئناف العلاقات معها، واستئناف السياسة التقليدية بينها وبين وطنه دفاعًا عرَّضه لكثير من العنت، ولألوان الكيد الذي كاده له رأس المال، وأنصاره من المحافظين.
وقد كان إدوار هريو لسان أنصار السلم من الفرنسيين في عصبة الأمم، ورئيس لجنة التعاون الفكري في هذه العصبة، وخطبه السياسية والثقافية في جنيف ما زالت باقية في آذان الذين سمعوها، وفي أذهان الذي قرءوها إلى الآن.
وهناك عنصر آخر يكمل الشخصية السياسية لأدوار هريو، وهو يتصل بالسياسة الفرنسية؛ فإدوار هريو ديمقراطي بأوسع معاني هذه الكلمة وأدقها، لا يكاد يفصله من الاشتراكيين إلا استبقاؤه للملكية، واحتياطه في تسليط الدولة على كل شيء. وهو الذي قرر المجانية في التعليم الثانوي الفرنسي، وترك في التعليم الفرنسي كله آثارًا لا تُمحى؛ فهو من أشد المؤيدين للمدرسة الواحدة، ومن أشد المقتنعين بمدنية التعليم، ومن أقوى المجاهدين في جعل التعليم على اختلاف فروعه ودرجاته حقًّا مباحًا للمواطنين جميعًا لا يردهم عنه فقر وضعف، ولا طبقة اجتماعية مهما تكن.
هذه هي الشخصية السياسية لإدوار هريو أجملتها إجمالًا شديدًا جدًّا. فأما شخصيته الأدبية فرائعة حقًّا، فلست أعرف أني لقيت رجلًا ظفر بمثل ما ظفر به إدوار هريو من هذه الثقافة الواسعة إلى غير أمد، العميقة إلى غير مدى، المترفة إلى غير حد. وما قولك في رجل يستطيع أن يتحدث في أي لون من ألوان العلم، وفي أي ضرب من ضروب الأدب الفرنسي والأجنبي، وفي أي فن من الفنون الجميلة، وفي أي فرع من فروع السياسة والإدارة، حديث المتقن العالم بما يقول، الفاهم لما يسمع، لا حديث من يتكلف أو يصطنع أو يستعير، وإنما هو أصيل في كل ما يأخذ فيه من أطراف الحديث، وكتبه نفسها تصوِّر أروع تصوير هذه الثقافة الواسعة العميقة المترفة ذات الألوان المختلفة، والثمرات المتباينة. فهو يكتب في الأدب الفرنسي، وفي التاريخ الفرنسي، وفي الفن الفرنسي، وهو يكتب في تاريخ الثقافة الإسكندرية القديمة، وهو يزور البلقان، فيكتب عن البلقان، وعن اليونان خاصة، ويزور الشرق فيكتب عن الشرق، عن تاريخه القديم والحديث، وعن الصلة بينه وبين أوروبا، ويزور مصر فيكتب عن مصر قديمها وحديثها، وهو يكتب في الموسيقى، وهو على تقدم سنه، وكثرة عمله في رياسة مجلس النوَّاب، وإدارة مدينة ليون، وفي ما ينشئ من الكتب، وما يدرس من مصادر التاريخ للثورة الفرنسية في مدينة ليون، يتعلم الروسية، ويتعلم الهيروغليفية، ويحاول أن يتعلم العربية. وهو على هذا كله أشد الناس هدوءًا، وأعظمهم اطمئنانًا، وأوفرهم حظًّا من اعتدال المزاج، لا تلقاه إلا راضيًا، ولا تراه إلا باسمًا، ولا تتحدث إليه إلا سمعت منه الفكاهة النادرة والنكتة الظريفة، والحديث الذي يغذو العقل والروح. وبينما كان إدوار هريو ماضيًا في حياته هذه الهادئة العنيفة الخصبة، أقبلت الحرب العالمية الثانية، فلقيها كما لقي الحرب الأولى حازمًا عازمًا باسمًا مؤمنًا بأن الكلمة الأخيرة ستكون للحق والعدل، وبأن وطنه سيخرج من الحرب الثانية ظافرًا كما خرج ظافرًا من الحرب الأولى.
ولكن الكوارث تلم، والنوائب تنوب، وإذا الجيوش الفرنسية تقهر، وإذا الماريشال بيتان يطلب الهدنة، ويقبل شروط المنتصر، وإذا نظام الحكم في فرنسا يتغير، وتقوم فيها حكومة الطغيان بأعين العدو، وإذا الزعماء الفرنسيون الأحرار يتفرقون، فمنهم من يُتاح له الفرار، ومنهم من يأخذه العدو. ولكن إدوار هريو مقيم على عهده لفرنسا الكبرى ذات النظام الديمقراطي الصحيح، يدير الشئون في مكتب مجلس النوَّاب كما كان يفعل قبل أن تلم الملمة، والنذر تسعى إليه سرًّا وجهرًا فلا يحفل بها، ولا يلتفت إليها، والرئيس روزفلت يدعوه إلى أمريكا ليقيم فيها حتى تنجلي الغمرة فيعتذر شاكرًا.
ثم تنتهي المحنة إلى أقصاها فيؤخذ ويُعتقل، ويُمتحن في جسمه وفي عقله، فهو لا يستمتع بما تحتاج إليه سِنُّه من العناية، ولا يستمتع بما يحتاج إليه عقله من الغذاء، وإنما هو أسير في يد الفرنسيين المتعاونين مع ألمانيا، وفي يد الألمانيين.
ثم يُنقل إلى ألمانيا، ويقيم فيها بين بوتسدام وبرلين في مستشفى من المستشفيات، حتى يأتي الجيش الأحمر فينقذه من الأسر، ويرده إلى الحرية.
وقد أخذه الجيش الأحمر فُجاءة، ورده إلى الحرية عجلًا، وبعد به عن المستشفى أمدًا غير قصير. ولكنه حريص دائمًا على أداء الدَّين، وهو لم يودِّع مدير المستشفى الألماني، ولم يشكر له أنه كان حسن الرعاية له، فهو يستأذن القائد الروسي، ويلح في الاستئذان حتى يرده القائد إلى المستشفى، فيشكر مضيفه الألماني، ويودِّعه وداعًا جميلًا، وفي نفسه مع ذلك من بغض الألمان نار ليس إلى إطفائها من سبيل.
وقد لقيت إدوار هريو ظهر الخميس الماضي، واجتمعت معه بعد هذه المحنة، كما اجتمعت معه قبلها حول مائدة الغداء، وتحدثت إليه وسمعت منه بعد الغداء، فإذا هو كعهدي به لم يتغير، وقد سألته وأنا أودعه: أتصدر لنا كتابًا في وقت قريب؟ قال وهو يضحك، ويضع يده على كتفي: في وقت قريب جدًّا أيها الصديق العزيز. -
مصر والعروبة
مصر والعروبة
طه حسين
مجلة الرسالة
٢٦ ديسمبر ١٩٣٨
أخي العزيز قرأت مقال الأستاذ ساطع الحصري بك في رسالة الاثنين الماضي، وأظن أن من حقِّي عليك أن تنشر ردِّي على هذا المقال، وما أرى أنك تبخل علي بهذا الحق. وهذا الرد فصل من كتاب «مستقبل الثقافة» الذي سيظهر بعد أيام، فهو إذن قد كُتِب وطُبع قبل مقال الأستاذ الحصري … ولك أصدق المودة وأخلص الإخاء. طه حسين
قد أشرت منذ حين إلى أن من الحق على الدولة المصرية أن تذيعها في طبقات الشعب المصري من جهة، وأن يُتجاوَز بها الحدود المصرية إلى الأقطار التي تستطيع أن تسيغها، وأن تنتفع بها من جهة أخرى.
لأمر ما قالت بعض الأقطار الشرقية لمصر: إنها زعيمة الشرق العربي، ولأمر ما صدَّقت مصر ما قيل لها، فإن كان هذا حقًّا؛ فإن له نتائج يجب أن تنشأ عنه، وتبعات يجب أن تترتب عليه.
وإن لم يكن هذا حقًّا؛ فإن من الواجب علينا أن نحققه؛ لأن فيه تحقيقًا لكرامتنا من ناحية، ولأن فيه ارتفاعًا عن الأثرة التي تليق بشعب كريم. والشيء الذي لا شك فيه هو أن الله قد هيأ لمصر من أسباب القدرة على إحياء الثقافة ونشرها ما لم يهيئ لغيرها بعدُ من الأمم العربية، فمما لا يليق بالمصريين وقد تسامَع الناس بأنهم كرام، وزعموا لأنفسهم أنهم كرام أيضًا، مما لا يليق بهم أن يؤثروا أنفسهم بما أُتيح لهم من الخير، ويختصوها بما أُتيح لها من النعمة، وإنما الذي يلائم كرمها وكرامتها، وما تطمح إليه من المثل الأعلى: أن يكون حديثها ملائمًا لقديمها، وأن تكون مشرق النور لما حولها من الأقطار، وأن تكون البلد الذي تهوي إليه أفئدة الراغبين للعلم والراغبين فيه.
وقد يظن المصريون أنهم يبلون في سبيل ذلك بلاءً حسنًا، فأحب أن أصارحهم بأنهم لم يفعلوا في سبيل ذلك شيئًا.
إن الأقطار العربية تقرأ ما يُنشر في مصر من الصحف والكتب والمجلات، ولكن مصر لم تصنع إلى الآن شيئًا لتُيسِّر لهذه الأقطار قراءة كتبها وصحفها ومجلاتها. ولعل من هذه الأقطار ما يلقى كثيرًا من الجهد في الظفر بحاجته من هذه الكتب والصحف والمجلات، ولو قد يسرت مصر للأقطار العربية قراءة آثارها المطبوعة لما بلغت من خدمة الثقافة إلَّا أيسرها وأهونها، على أن ذلك يعود عليها بالمنفعة المادية والمعنوية جميعًا.
نعم، إن مصر تيسر لبعض البلاد العربية استدعاء لبعض المعلمين، ولعلها تنفق في ذلك شيئًا من المال، ولعلها تجد في ذلك شيئًا من الجهد، ولكن هذا من أيسر الأمر أيضًا، وتبعات المركز الممتاز الذي أُتيح لها بين الأقطار العربية تفرض عليها أكثر من ذلك. ولست أذكر إلَّا أمرين اثنين: أحدهما قد أخذت مصر بأسبابه، ولكن في بطء وتردد؛ وهو فتح أبواب مدارسنا ومعاهدنا للطلاب الشرقيين والعناية بهم إذا وفدوا على بلادنا، لا بأن نُيسِّر لهم طلب العلم فحسب، بل بأن نيسر لهم حياتهم في مصر أيضًا. وإني لأوازن بين ما تصنعه البلاد الأوروبية لتحقيق العناية بالطلاب الأجانب وما نصنعه نحن، فأوازِنَ بين الوجود والعدم.
ومع ذلك فأوروبا حين تُعنى بالطلاب الأجانب إنما تنشر الدعوة لنفسها، وتستقدم الأجانب لينفقوا فيها أموالهم، وليعودوا منها وقد تأثروا بها وأصبحوا لها رسلًا في بلادهم. فأمَّا نحن، فلسنا في حاجة إلى نشر الدعوة؛ لأننا لا نطمع في شيء، ولأن الدعوة المصرية تنشر نفسها في الأقطار العربية لما تقوم عليه من الحب والمودة والإخاء. وإنما يجب علينا أن نيسر لطلاب الأقطار العربية الدرس والإقامة في مصر، أداءً للحق، ونهوضًا بالواجب، ووفاءً للأصدقاء، وصرفًا لهؤلاء الأصدقاء عن الرحلة إلى أقطار الغرب إن وجدوا في هذه الرحلة مشقةً أو عناءً.
والأمر الثاني دعوت إليه سرًّا منذ أكثر من عشرة أعوام حين تولى حضرة صاحب المقام الرفيع، علي ماهر باشا، وزارة المعارف للمرة الأولى؛ فقد شهدت مؤتمرًا للآثار عُقِد في سوريا ولبنان وفلسطين، فلمَّا عدتُ رفعت إلى الوزير تقريرًا خاصًّا طلبت فيه أن تُنشئ مصر مدارس مصرية للتعليم الابتدائي والثانوي في هذه الأقطار، وكان الذي أثار في نفسي هذا الاقتراح ما رأيته من السلطان العقلي للمدارس الأجنبية على هذه الأقطار، وكنت أرى أن العقل المصري أقرب إلى العقل السوري والفلسطيني، وأحرى أن يتصل به ويؤثر فيه تأثيرًا حسنًا من العقل الأمريكي أو الفرنسي.
ولكن وزير المعارف حينئذ نبهني باسمًا إلى أن ذلك ليس ميسورًا، فقد تريده مصر ولكن السياسة الأجنبية ستأباه من غير شك. وكان هذا حقًّا حينئذ، فأمَّا الآن وقد عُقِد بيننا وبين أوروبا اتفاق مونترو، وقد ظفرت سوريا ولبنان ببعض الحرية، واستقلت العراق، فما أرى أن مصاعب سياسية تقوم دون هذا النوع من التعاون الثقافي بين الأقطار العربية التي تجمعها وحدة اللغة والدين والمثل الأعلى، والتي تشترك في منافع اقتصادية عظيمة الخطر.
ما أظن أن السياسة الوطنية لهذه الأقطار تكره أن تنشأ فيها مدارس مصرية تحمل إلى أبنائها ثقافة عربية شرقية، ويحملها إليهم معلِّمون شرقيون مثلهم، وعرب مثلهم، يتحدثون إليهم بلغتهم، ويشاركونهم في الذوق والميل والشعور، وما أظن أن السياسة الأوروبية تمانع في ذلك، وقد تم الاتفاق بيننا وبين أوروبا على أن تستقر في بلادنا مدارس أوروبية، وتستمتع بكل ما يُمكِّنها من النهوض بمهمتها في حدود القوانين المصرية، وعلى أن يكون التبادل أساسًا لهذا الاتفاق.
وواضح أننا لا نريد أن ننشئ مدارسنا المصرية في فرنسا أو إنجلترا أو إيطاليا، ولكن من حقِّنا أن ننشئ المدارس المصرية في البلاد العربية التي تتأثر بسلطان هذه البلاد ونفوذها تأثرًا قليلًا أو كثيرًا.
ومن المحقق أننا إذا أنشأنا المدارس المصرية في الأقطار العربية؛ فسنُنْشئُها وسنُسيِّرُها على النحو الذي نُحب أن تنشأ عليه المدارس الأجنبية في بلادنا، وأن تَسيرَ عليه أيضًا، سنُنشئها على أنها معاهد للتعاون الثقافي بيننا وبين أهل هذه البلاد، لا يستأثر المصريون وحدهم بالعمل فيها، بل يستعينون بمن يقدرون على معونتهم من الوطنيين، ولا تُفرض فيها الجغرافيا المصرية والتاريخ المصري دون الجغرافيا الوطنية والتاريخ الوطني، وإنما تكون معاهد ينشأ فيها الوطنيون لأوطانهم لا لمصر. وحسب مصر أنها تُعين على ذلك، وتُشارك فيه، وتؤدي ما عليها من الحق لجيرانها وشركائها في اللغة والدين والاقتصاد، وحسبها أن تظفر منهم بالحب والمودة والإخاء.
وقد يُقال إن أعباء الدولة المصرية أثقل من أن تسمح لها بمثل هذا التوسع في إذاعة الثقافة خارج حدودها، على حين أنها في أشد الحاجة إلى إذاعة الثقافة داخل هذه الحدود. وقد يكون هذا حقًّا من بعض الوجوه، ولكن من الحق أيضًا أن لحياتنا المستقلة تبعاتها، وأن التقصير في النهوض بهذه التبعات لا يلائم ما نزعمه لأنفسنا من الكرامة والزعامة.
ومما لا شك فيه أن هذه المدارس إن أنشأناها ستكون أنفع لمصر وللبلاد التي تنشأ فيها من كثير من القنصليات والمفوضيات التي نبثها في أقطار الأرض ولا نكاد نجني منها، ولا تكاد البلاد التي نبثها فيها تجني منها نفعًا.
ومما لا شك فيه أيضًا أن العبء المالي الذي يتبعه إنشاء هذه المدارس لا ينبغي أن يقع كله على الدولة، وإنما ينبغي أن يشارك فيه القادرون على هذه المشاركة من المصريين أولًا، ومن الوطنيين ثانيًا، وحسب الدولة أن تعينها معونة قيمة بالمال والرجال.
على هذا النحو تحمل مصر تبعاتها، وتنهض بواجباتها الثقافية، وتلائم بين حديثها وقديمها؛ فقد كانت مصر فيما مضى من العصور الإسلامية مصدر الثقافة والعلم للأقطار العربية في الشرق الأوسط، لم تقصِّر في ذلك إلَّا حين اضطرها السلطان العثماني إلى التقصير فيه. فأمَّا الآن وقد استردت استقلالها، فيجب أن تسترد مكانتها الثقافية في الشرق القريب. وهناك بلاد عربية لم يُنشئ فيها الأجانب، ولا يستطيعون أن ينشئوا فيها المدارس والمعاهد، ولا يجد أهلها فضلًا من المال ينفقونه في تنمية الثقافة كما ينبغي؛ فالحق على مصر أن تسرع إلى معونة هذه البلاد، وألَّا تدخر جهدًا إلَّا بذلته في هذه السبيل.
وهذه البلاد هي الحجاز وبلاد الدولة العربية السعودية بوجه عام. وما أشك في أن المصريين يرضون كل الرضى عن إنشاء مدرستين على أقل تقدير؛ إحداهما: في مكة، والأخرى: في المدينة، بل ما أشك في أنهم يتجاوزون الرضى إلى البذل والإنفاق، وقد علمت أن أهل الحجاز أنفسهم يتمنون ذلك ويُلحُّون فيه.
وليس هذا كله ما ينبغي أن تنهض به مصر لنشر الثقافة في الأقطار العربية، بل هناك شيء آخر قد عم الشعور به، واشتدت الحاجة إليه حتى أخذت وزارة المعارف تفكر فيه وتستعد له؛ وهو التعاون على تنظيم الثقافة، وتوحيد برامجها بالقياس إلى الأقطار العربية كافة. يدعو إلى ذلك حاجة هذه البلاد إلى توحيد الجهود ما دام مثلها الثقافي الأعلى واحدًا، ويدعو إلى ذلك أن التعليم العالي في مصر قد بلغ من الرقي درجة تدعو إليه طلاب العلم في الأقطار العربية.
وللتعليم العالي في مصر نظم دقيقة شاقة قد تحول بين هؤلاء الطلاب وبين الانتفاع به والظفر بإجازاته ودرجاته، فلا بدَّ من أن يُهيَّأ هؤلاء الطلاب لهذا التعليم تهيئة حسنة تلائم تهيئة المصريين له. وقد اجتمع فريق من قادة الرأي الشرقي العربي منذ أكثر من عام في لجنة التأليف والترجمة والنشر، وتشاوروا في ذلك كما تشاوروا في غيره من ألوان التعاون الثقافي، ورسموا لذلك خطة، وشرعوا له نظامًا، ثم أخذت وزارة المعارف تفكر فيه وتستعد للدعوة إلى مؤتمر انعقاد عربي شرقي. والذي أرجوه أن يكون هذا المؤتمر دوريًّا، وأن يكون هذا المؤتمر متنقلًا في الأقطار العربية على نحو ما يسير عليه المؤتمر الطبي الذي أُنشئ منذ حين.
وقد شَهِدتُ في العام الماضي — ممثلًا لوزارة المعارف — مؤتمر اللجان الوطنية للتعاون الفكري، فتحدثت فيه إلى المؤتمرين بأن مصر تستطيع أن تكون مركزًا من أهم المراكز لهذا التعاون الفكري إذا نهضت بتبعاتها الثقافية نحو الأقطار العربية؛ ذلك لأنها بحكم مركزها الجغرافي، وبحكم نهضتها الحديثة، أصدق صورة لما تطمح إليه عصبة الأمم من هذا التعاون الفكري الخالص الذي يقارب بين الأمم، ويلغي ما بينها من الفروق، ويرتفع بحياتها العقلية عن ألوان الخصومة وضروب النزاع؛ فالجامعة المصرية مثلًا بيئة تلتقي فيها الثقافات الإنسانية كلها تقريبًا، يحملها إليها أساتذة ممتازون من المصريين ومن الأوروبيين على اختلاف أوطانهم ومذاهبهم في السياسة والدين والاقتصاد.
وهذه الثقافات كلها تلتقي وتمتزج وتصهر في العقل المصري الذي يسيغها ويتمثلها ويطبعها بعد ذلك شيئًا ما بطابعه المصري الخاص، وهو قادر بعد هذا على أن يذيعها في بلاد الشرق شرقية وغربية أوروبية بريئة مما يفسد الثقافة عادةً من التعصب والهوى.
وقد وقع هذا الحديث من المؤتمرين موقعًا حسنًا. فهل يقع هذا الحديث من المصريين أنفسهم موقعًا حسنًا؟ وهل يشعر المصريون بأن فرصة ذهبية — كما يُقال — تتاح لهم الآن؟ فلكل شر أثرٌ حسن. والشر أن حاجتنا إلى الأوروبيين لا تزال شديدة في التعليم، والأثر الحسن لهذا الشر أننا نستطيع أن نكون رسل العلم والثقافة والأمن والسلم والتوفيق بين الشرق والغرب جميعًا.
فإذا أرادت مصر أن تنتهز هذه الفرصة؛ فذلك يسير عليها، لا يحتاج إلَّا إلى أن تعنى بتقوية الصلة بينها وبين لجنة التعاون الفكري في جنيف، ومعهد التعاون الفكري في باريس من جهة، وبينها وبين البيئات والمعاهد العلمية في الشرق العربي، بل في الشرق الإسلامي من جهة أخرى.