Tag: democratic principles

  • مخالفات

    مخالفات

    طه حسين

    جريدة البلاغ

    ١٩ أغسطس ١٩٤٥

    رحم الله زيادًا، لقد أقبل على العراق تتسبقه النذر، وكان صاحب حزم وعزم ومضاء وتصميم، وكان يريد أن يصلح الفاسد ويُقوِّم المعوج، وأن يمحو الفوضى ويقر النظام، وكان يرى أن أهل العراق قد أحدثوا أحداثًا لم تكن، وأن من الحق عليه أن يُحْدِث لكل ذنب عقوبة، وكان يرى أن آخر أمر الحكم بين المسلمين لا يصلح إلا بما صلح به أوله؛ لين في غير ضعف، وشدة في غير عنف.

    ولم يكن للعراق ولا لغيره من أمصار الإسلام وأقطاره في تلك الأيام برلمان يُسأَل أمامه الوزراء عمَّا يقولون ويعملون، ولكنه مع ذلك خطب الناس خطبته المشهورة، فقال لهم فيما قال: «إن كذبة المنبر بلقاء مشهورة، فإذا تعلقتم عليَّ بكذبة فقد حلَّت لكم معصيتي، فإذا سمعتموها مني فاغتمزوها فيَّ، واعلموا أن عندي أمثالها.»

    أباح زياد الطاغية أن يعصوه ويخالفوا عن أمره، إن أثبتوا عليه أنه قال لهم على المنبر غير الحق، أو أنه ينفذ فيهم الأمر على غير ما رسم لهم وأباح لهم أن يعصوه ويخالفوا أمره، وألا يصدقوه فيما يعلن إليهم من الأمر بعد ذلك؛ لأنه إن كذب عليهم مرة، فهو خليق أن يكذب عليهم مرة أخرى، أو مرات أخرى، ولم يكن لأهل العراق ولا لغيرهم من المسلمين دستور مكتوب يبيح للنواب أن يقولوا لأمرائهم أنهم قد أخطئوا، أو أنهم قد خالفوا ما لا ينبغي أن يُخالَف من النظام والقانون، ويبيح للنواب والشيوخ أن يحاسبوا حكامهم حسابًا يسيرًا أو عسيرًا، وأن ينزلوهم عن مناصب الحكم إن أجروا أمور المسلمين على غير ما ينبغي أن تجري عليه.

    ويُخيَّل إليَّ أن في مصر دستورًا مكتوبًا منشورًا مقررًا يفرض على النوَّاب والشيوخ أن يراقبوا الوزراء ويحاسبوهم، ويبيِّنوا لهم حدود هذه المراقبة والمحاسبة، ويبيح للنواب أن ينزلوا الوزراء عن مناصب الحكم إن انحرفوا بالأمر عن الجادة، وساروا في الحكم سيرة تخالف ما رسم الدستور والقانون من الحدود. وليس منبر مجلس النوَّاب ومنبر مجلس الشيوخ بأهون شأنًا من منبر البصرة الذي تحدث منه زياد إلى أهل العراق؛ فلم يكن لأهل العراق أن يعزلوا زيادًا أو أن يخاصموه، وإنما كان عليهم أن يسمعوا له إذا قال ويطيعوه إذا أمر، أمَّا مجلس النوَّاب عندنا فيستطيع أن يقول للوزير المخطئ: أخطأت. ويستطيع أن يرد الوزير عن منصب الحكم ردًّا.

    ويُخيَّل إليَّ أن هذا العهد السعيد الذي يظلنا، إنما اسْتُؤْنِف فيما تزعم الأحزاب المؤتلفة؛ ليصلح أمورًا كانت هذه الأحزاب تراها معوجة، وينفذ الدستور نفاذًا صحيحًا لا يلتوون بنصه ولا يلتوون بروحه؛ لأن الذين سبقوهم إلى الحكم كانوا فيما زعموا يلتوون بالدستور عن طريقه المستقيمة، ويكلفونه ما لا يطيق من التأويل والتعليل.

    ومعنى هذا كله أن وزراء هذا العهد أقبلوا ليحترموا الدستور في نصه وروحه، وفي لفظه ومعناه، وليسيروا في تنفيذه واحترامه سيرة حنبلية لا تحتمل لبسًا ولا غموضًا، ولا تتعرض لمراء ولا جدال.

    يُخيَّل إليَّ هذا كله، ويُخيَّل هذا كله إلى كثير من الناس، ولكن التخييل شيء والتحقيق شيء آخر، كما أن القول شيء والعمل شيء آخر، وكما أن الوعد شيء والبر بالوعد شيء آخر، ولو أنصف الذين ينهضون فينا بأمور الحكم في هذا العهد وفي غيره من العهود لكتبوا هذه الكلمة الخالدة التي قالها زياد: «إن كذبة المنبر بلقاء مشهورة، فإذا تعلقتم عليَّ بكذبة فقد حلَّت لكم معصيتي، فإذا سمعتموها مني فاغتمزوها فيَّ، واعلموا أن عندي أمثالها.»

    لو أنصف الوزراءُ — مهما يكونوا — أَنْفُسَهم وأنصفوا الشعب؛ لكتبوا هذه الكلمة الخالدة في قلوبهم أولًا، وفي مكاتبهم ثانيًا، وفي مجلس النوَّاب ومجلس الشيوخ ثالثًا، ولعرفوا وعرف الناس أن من الحق عليهم إذا تكلموا من منبر البرلمان أن يقولوا الحق وحده، وإذا وعدوا من منبر البرلمان أن يبروا بالوعد، فإن قالوا للبرلمان شيئًا، وساروا خارج البرلمان بغير ما يقولون، فمن حق الناس ألا يسمعوا لهم وألَّا يطيعوهم، ومن حق الناس ألَّا يطمئنوا إليهم، وألَّا يثقوا بهم، وألَّا يصدقوهم. وهل يستطيع وزراؤنا أن يؤكدوا لنا مطمئنين أنهم قد بروا بما وعدوا، وصدقوا الأمة والبرلمان ما قالوا، وأنفذوا الدستور في نصه وروحه، لم يحرفوه عن موضعه، ولم يلتووا به عن طريقه.

    وهل يستطيع وزراؤنا أن يؤكدوا لنا أنهم أنفذوا أمر البرلمان الذي يفرض عليهم الدستور أن ينفذوا أمره، وأنهم بروا بوعودهم للبرلمان الذي يفرض الدستور أن يبروا له بالوعود. وهل يستطيع شيوخنا ونوابنا أن يؤكدوا لنا أنهم قد راقبوا الوزراء وحاسبوهم كما يريد الدستور أن يُراقَب الوزراء ويُحاسَبوا؟! هذه الأسئلة التي يجب أن يلقيها كل مصري على نفسه، والتي يلقيها المصريون بالفعل على أنفسهم ليعرفوا أتقوم أمورنا في مصر على الديمقراطية الصحيحة أم على الديمقراطية المتكلفة؟! أتجري أمورنا في مصر على الاحترام الصادق أم على الاحترام المصنوع؟!

    لقد وعد المغفور له أحمد ماهر باشا بأنه سيسعى لينظم الأمور بيننا وبين الإنجليز قبل أن تبدأ المفاوضات في سان فرانسيسكو. فلما كانت الكارثة، ونهض رئيس وزرائنا القائم بالأمر بعده، وعد بأنه سينفذ خطته، ويسير سيرته، ويمضي سياسته كما رسمها. ولكن وفدنا سافر إلى سان فرانسيسكو، وأقام فيها، وأمضى ميثاقها، وعاد منها وهو الآن بيننا سعيدًا موفورًا، ولم نعلم أن رئيس وزرائنا قد أنفذ خطة سلفه رحمه الله، بل نحن نعلم أنه لم يطلب المفاوضة، ولم يَسْعَ إليها، وإنما هو ينتظرها ولن يتردد في قبولها إن عُرِضَتْ عليه، فهو إذن قد وعد البرلمان، ثم لم يَفِ بالوعد، ورحم الله زيادًا فما أجدر كلمته أن تكون دستورًا للوزراء!

    وأقبل رئيس الوزراء ذات يوم على البرلمان فأنبأه مبتهجًا مسرورًا ومفاخرًا مكاثرًا بأنه قد خطا خطوة حسنة في طريق إلغاء الأحكام العرفية، فرد إلى الناس حريتهم في الكتابة، والخطابة، والانتقال، والاجتماع. وقد ارتاب المرتابون يومئذ، وطلبوا إليه أن يستصدر مرسومًا يسجل به رد هذه الحريات، ولكن الناس عاتبوهم وبينوا لهم أن هذا إسراف في سوء الظن، وأن رئيس الوزراء رجل إذا قال فعل وإذا وعد وفَّى، ثم لم يَمْضِ شهر أو أقل من شهر حتى مُنِعَ الانتقال، ومُنِعَ الاجتماع، ومُنِعَت الخطابة، ومُنِعَت الكتابة بأمر عسكري أمضاه رئيس الوزراء.

    وأقبل وزير المعارف ذات يوم على مجلس النوَّاب، فتحدث في سياسة التعليم، وأعلن أنه لن ينفذ سياسته الجديدة حتى يعرضها على المجلس الأعلى ويظفر منه بإقرارها، وحتى يعرضها على مجلسي البرلمان ويظفر منه بإقرارها، ثم انصرف وزير المعارف عن البرلمان وأخذ في تغيير سياسة التعليم، وقلبها رأسًا على عقب، والبرلمان منعقد لم ينفضَّ ولم ينقضِ كما يقول حكيمنا العظيم، ولم يَنْسَ وزير المعارف إلا شيئين اثنين؛ أحدهما: أن للتعليم سياسة قائمة قد أقرها برلمان شرعي، وأقرها في مجلسيه، فلا ينبغي أن تُغيَّر إلا بقرار من البرلمان، الثاني: أنه هو نفسه وعد البرلمان القائم بألا يُغيِّر سياسة التعليم حتى يظفر بموافقته. نسي هذين الأمرين، وهو مع ذلك عضو في وزارة جاءت لتصلح الفاسد، وتقوم المعوج، وتنفذ الدستور نصه وروحه إنفاذًا صحيحًا.

    بل نسي أكثر من هذا، نسي أن للتعليم قوانين قائمة لا يجوز أن تُغيَّر إلا بقوانين تنسخها وتقوم مقامها، ولكنه مع ذلك يُغيِّر سياسة التعليم غير حافل بقرار البرلمان السابق، ولا آبهٍ بوعده للبرلمان القائم، ولا متحرج من تحميل القوانين القائمة ما لا تطيق، وأنا أعلم أنه لن يعدم تأويلًا يفسر به موقفه، يلتمسه هو في فقهه هو بالقانون، ويلتمسه في فقه أقلام القضايا بالقانون، ولكني أعلم أيضًا أن للفقهاء حِيَلًا فقهية يعلم وزير المعارف من براعتها ورشاقتها أكثر مما أعلم، ويعلم وزير المعارف أن الناس يلجئون إليها حين يضيقون بنص القانون وروحه، وقد جاءت الوزارة الحاضرة فيما تزعم لتنقذ الدستور نصًّا وروحًا في غير عوج ولا التواء.

    وقرر مجلس النوَّاب ألَّا تعرض الصحف من قريب أو من بعيد فيما تدرسه لجنة التحقيق، ولكن وزير المالية قد ترك لصحيفته أن تخالف في صراحة، واستمرار، وتحدٍّ عن أمر مجلس النوَّاب؛ لأنه جاء فيمن جاء ليحترم الدستور، ولِيُعلِّم الناس احترام الدستور.

    وكذلك يتنافس الوزراء في احترام الدستور على هذا النحو البديع ليصدقوا ما قال أبو العلاء:

    إذا كان رب البيت بالدف مولعًا فشيمة أهل البيت كلهم الرقص

    ورب البيت هنا هو رئيس الوزراء الذي قال ولم يفعل، ووعد ولم يَفِ بالوعد.

    على أن هناك نوعًا آخر من احترام الدستور بأسلوب بديع في نصه وروحه، وفي لفظه ومعناه. فقد يُقال إن الاستجواب هو الطريقة التي نظمها الدستور لمحاسبة الوزراء، والاستجواب ينتهي عادة بإبراء ذمة الوزير، واحتفاظه بثقة المجلس الذي يُستجوَب فيه، أو بفقدان الوزير هذه الثقة واستقالته إن كان الاستجواب في مجلس النوَّاب، وقبوله للوم أو استقالته إن أراد حين يكون الاستجواب في مجلس الشيوخ.

    والمصريون جميعًا يعلمون أن استجوابات قُدِّمَتْ إلى مجلس النوَّاب فأُرْجِئَتْ وأُرْجِئَتْ، وانفضَّ مجلس النوَّاب أو انقض دون أن تُنظَر هذه الاستجوابات، أي دون أن يتمكن النوَّاب من محاسبة الوزراء. والمصريون جميعًا يعلمون أن استجوابًا قُدِّم إلى مجلس الشيوخ ونُوقِش فيه، ثم انفض مجلس الشيوخ أو انقض، ولم يعرف أحد رأي المجلس في هذا الاستجواب.

    أليس هذا كله احترامًا بديعًا للدستور؟!

    أليس هذا كله تنفيذًا للدستور بنصه وروحه في غير عوج ولا التواء؟!

    أليس هذا كله دليلًا على أن الديمقراطية التي تظلنا في هذا العهد ناصعة كالثلج، شفافة كالزجاج، وقد كدت أقول أنها رخوة كالزجاج أيضًا، ولكن أستغفر الله وأبرأ إليه من هذا الخاطر الذي هم الشيطان أن يلقيه في روعي فرددته به ردًّا عنيفًا.

    فديمقراطيتنا نقية كضوء الشمس، صافية كصفو السماء في أحسن أيام الاعتدال، صلبة كجبل المقطم، رائعة كجلال الأهرام. تنبئ الناس جميعًا في مصر وفي خارج مصر بأن ليس في الإمكان أبدع مما كان، وبأننا نُحكَم على أحسن أسلوب يمكن أن تُحكَم به الشعوب، يقول وزراؤنا فيفعلون، ويعدون فيبرون، ويأمرهم البرلمان فيطيعون؛ فهم حماة الدستور، وهم حفظة القانون، وهم آخر من يصح أن نفكر فيه إذا ذكرنا قول زياد: «إن كذبة المنبر بلقاء مشهورة، فإذا تعلقتم عليَّ بكذبة، فقد حلَّت لكم معصيتي، فإذا سمعتموها مني فاغتمزوها فيَّ، واعلموا أن عندي أمثالها.»

  • مداورة

    حديث المساء: مداورة

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١٥ فبراير ١٩٣٤

    وقد تكلم صدقي باشا آخر الأمر بعد أنْ آثر الصمت وتعلق به وألح فيه، وكان الذي أخرجه عن هذا الصمت كلام نشرته المقطم مساء أمس، وظن صدقي باشا أنه أوحي به إلى المقطم، بل قال صدقي باشا: إنه سمع منذ أيام أنَّ الوحي سيهبط على المقطم بهذا الكلام.

    فلما هبط الوحي على المقطم — إنْ صح ما قاله صدقي باشا — لم يجد محب الصمت بدًّا من أنْ يخرج عن الصمت، ولم يجد الدكتاتور العظيم مندوحة عن أنْ يقبل هذا التحدي، وأنْ يرد على كلام بكلام، ولا ينبغي أنْ تنخدع بما قاله صدقي باشا، فإن صدقي باشا لم يقل في حقيقة الأمر شيئًا، إنما أحس أنَّ وحيًا هبط على المقطم، فأنزل هو وحيًا على الأهرام، واستحال الأمر إلى خصومة بالوحي، وحرب بالكلام بين شخص مستتر يوحي إلى المقطم، وشخص ظاهر يوحي إلى الأهرام.

    فأما مصر ومصالحها، فأما العدل والحق وكرامتهما، فأما حقيقة الأمر فيما يتصل بصدقي باشا من قصة الكورنيش، فأما رأى الناس في رجل أشرف على أمور الدولة أكثر من ثلاثة أعوام، وكثرت حوله الأنباء والإشاعات، وأثار خصومه حوله الشكوك والريب والظنون، فكل هذه أمور لا قيمة لها ولا خطر، ما دام شخص مستتر يستطيع أنْ يوحي إلى المقطم، وشخص ظاهر يستطيع أن يوحي إلى الأهرام، وما دام القُرَّاء يستطيعون أنْ يقرءوا ما يوحي به هذا وذاك، وأن يلاحظوا أنَّ موحي المقطم كان لبقًا، وأنَّ موحي الأهرام كان رشيقًا مداورًا، وما دام الأمر كله يستطيع أنْ يستحيل إلى خصومة كلامية تعتمد على التصريح والتلميح، ويقضي القُرَّاء فيها بالمهارة لهذا الموحي أو ذاك.

    إنَّ من المؤلم حقًّا أنْ تستحيل أمور مصر إلى هذا اللغو، وأنْ يراد بالمصريين أنْ يقنعوا بهذا الفن من فنون المزاح في أشد المسائل بعدًا عن اللغو والمزاح. إنَّ الفرنسيين لم يكتفوا بالغمز واللمز تنشرهما صحف المساء والصباح حين ظهرت في بيئتهم تلك الفضائح المالية، وإنما تجاوز الأمر عندهم صحف الصباح والمساء إلى الوزارة، ثم إلى البرلمان، ثم إلى القضاء، ثم إلى الشارع … وانتهى الأمر عندهم إلى ما هو معروف من سقوط وزارتين، ومن حركة عنيفة قمعت بالحديد والنار في باريس وغير باريس، ومن تعرض النظام السياسي كله للخطر، ولم ينته الأمر في فرنسا بعد … والله يعلم متى ينتهي، وإلام ينتهي، وكيف ينتهي.

    ونحن — والحمد لله — متواضعون، نقدر ما بيننا وبين فرنسا من الفروق، ونعلم حق العلم أننا نطلب المحال إنْ أردنا أنْ تستقيل وزارة لقصة الكورنيش كما استقالت وزارة لقصة استافسكي، ونحن أبعد الناس عن أنْ نطلب مثل ما فعله الفرنسيون، إنما نطلب شيئًا يسيرًا جدًّا … شيئًا من أيسر حقوقنا أنْ نطلبه، ومن الغريب ألا نُجاب إليه … نطلب أنْ يُسأل الذين يحتملون التبعات عما يحملون من التبعات، نطلب أنْ يُسأل الذين ينفقون الأموال العامة عما ينفقون من هذه الأموال، نطلب أنْ تمحى الشكوك والظنون عن الذين ينهضون بأمور الدولة، ويتشرفون برياسة الوزارة.

    نطلب ألَّا تسوء آراء الناس في رؤساء الوزارات والوزراء، وألَّا يقول بعضهم لبعض: لقد كثرت الأحاديث والإشاعات حول فلان فلم يستطع — أو لم يرد — أنْ يثبت أنه فوق الأحاديث والإشاعات، ولم تستطع الدولة — أو لم ترد — أنْ تثبت أنه فوق الأحاديث والإشاعات … نطلب آخر الأمر ألا يمتاز صدقي باشا من بقية المصريين، وأن يُسأل صدقي باشا عما يُضاف إليه، كما يُسأل المصريون عما يضاف إليهم، وأن يثبت آخر الأمر في وضوح وجلاء أنَّ صدقي باشا رجل سياسي لا غبار عليه، وأنَّ الذين يقولون في صدقي ما يقولون إنما يتجنون عليه، ويتهمونه بما هو بريء منه؛ كيدًا له، وإغراء به، وتأليبًا عليه.

    هذا هو الذي نطلبه، وهو — كما ترى — شيء يسير لا خطر له بالقياس إلى ما طلبه الفرنسيون، وما يزالون يطلبونه، ومع ذلك فنحن لا نُجاب إلى هذا الذي نطلبه، لا تُجيبنا إليه الدولة لأمر يعلمه الله، وتعلمه هي، ولا يُجيبنا إليه صدقي باشا لأمر يعلمه الله، ويعلمه هو … والظريف مع ذلك أنَّ صدقي باشا يتحدث إلى «الإجيبشيان جازيت» فيذكر الديمقراطية الصحيحة، ويذكر التنفيذ الصحيح للدستور، وهو يعلم حق العلم أنه قادر — إنْ أراد — على أنْ يحقق الديمقراطية الصحيحة حين يُسوِّي بين نفسه وبين المصريين، وحين يقدم إلى اللجنة ما تنتظر أنْ يقدم إليها من البيان، أو حين يطلب إلى البرلمان أنْ يؤلف لجنة تسأله وتسمع منه، فصدقي باشا يفسد الديمقراطية حين لا يُمكِّنها من نفسه، وهو مع ذلك يدعو إلى هذه الديمقراطية، ويعلن أنها ضرورة من ضرورات الحياة المصرية إنْ كان المصريون يريدون الاستقلال.

    والدولة تعلم من ذلك ما يعلمه صدقي باشا، ولكنها تقف من ذلك موقف صدقي باشا نفسه … تريد أنْ تعرف الحق، وأن تعرِّفه للناس، ولكنها لا تسعى إلى معرفة هذا الحق، ولا إلى تعريفه للناس، ونحن بعد هذا وذاك نعيش في بلد ديمقراطي فيه دستور يجعل الناس سواء أمام القانون، ويجعل الوزراء مسئولين عن أعمالهم أمام البرلمان.

    وأغرب من هذا وذاك أنَّ صدقي باشا يتحدث إلى «الإجيبشيان جازيت»، فيعلن أنه قد أراد بتغيير النظام تقوية الأمة، وتحقيق الديمقراطية الصحيحة فيها، وتمكينها من كسب الاستقلال، وهو يقف موقفًا أقل ما يوصف به أنه موقف المحارب للديمقراطية، الخارج عليها، المُضْعِف للأمة، المباعد بينها وبين الاستقلال، المباعد بينها وبين احترام الإنجليز وغير الإنجليز.

    أعلن صدقي باشا في الصحف أنه مستعد لأن يقدم إلى لجنة الكورنيش من البيانات ما تحتاج إليه؛ ليثبت أنَّ الصلة بينه وبين مقاول الكورنيش صلة نقية لا غبار عليها، ثم ظهر أنَّ لجنة الكورنيش لا تستطيع سؤاله، فطلبنا إليه نحن أنْ يقدم إليها ما وعد بتقديمه من البيان، وألححنا عليه في هذا الطلب، ثم خيرناه بين هذا وبين الالتجاء إلى البرلمان؛ ليؤلف لجنة تنظر فيما عنده من بيان، ولكن صدقي باشا لم يصنع شيئًا، ولم يختر شيئًا، بل آثر الصمت، ونسى الوعد الذي كان قد وعد به حين كان يصول ويجول في الصحف، وطلبنا إلى الحكومة أن تهيئ لسؤال صدقي باشا في البرلمان، فلم تصنع الحكومة شيئًا، وطلبنا إلى البرلمان أن يسأل صدقي باشا، فلم يصنع البرلمان شيئًا، وسجلنا بعد ذلك أنَّ صدقي باشا رجل ممتاز، وأن امتيازه هذا مخالف للدستور والقانون، وأن الذين يطلبون إلغاء امتيازات الأجانب خليقون أن يطلبوا قبل ذلك إلغاء امتيازات المصريين؛ فلم يصنع أحد شيئًا.

    ثم نشرت أمس تلك الأسطر التي نشرت في المقطم، فتحرك صدقي باشا، وليته لم يتحرك، وكتب صدقي باشا، وليته لم يكتب؛ لأنه لم يزد على أنْ أثبت أنه رجل ممتاز تميزه الظروف، أو يميز نفسه من المصريين جميعًا، ويتحدى الحكومة القائمة، ويتحدى معها البرلمان فيما يظهر، ويتحدى الدولة كلها هادئًا مطمئنًا، مزينًا ثغره بابتسامته الساحرة التي يكثر عنها حديث الناس.

    نشرت المقطم أنَّ اللجنة تنتظر أنْ يرسل إليها صدقي باشا ما وعد بإرساله من بيان، فقال صدقي باشا: إنَّ مركزه لا يسمح له بأن يرسل إلى اللجنة بيانًا ما. ومعنى ذلك أنَّ صدقي باشا قد استكشف في آخر الأمر كما استكشفت الدولة في آخر الأمر أيضًا أن ليس للجنة سبيل عليه. وكان صدقي باشا في أول الأمر يظن أنَّ للجنة عليه سبيلًا، فوعد بأن يقدم إليها كل ما تحتاج إليه من البيان، فلما ظهرت له جلية الأمر في مركزه ابتلع وعده ابتلاعًا، وأعلن أنه لا يستطيع أنْ يقدم إلى اللجنة بيانًا ما، وكانت الدولة في أول الأمر تظن — فيما يظهر — أنَّ للجنة سبيلًا على صدقي باشا، فلما ظهرت لها جلية الأمر اكتفت بهذه الأسطر التي نشرت في المقطم أمس، ورد عليها صدقي باشا بهذا الرد الذي نُشِرَ في الأهرام صباح اليوم.

    ولكن الأمر لا يقف عند هذا الحد؛ فصدقي باشا رجل متفضل على اللجنة لا يريد أنْ يتركها حائرة هائمة، ومن حقه أنْ يفعل إنْ أراد، فليس للجنة سبيل عليه، ولكنه يتفضل عليها وعلى الحكومة، وعلى رئيسها الرجل الطيب، فيطلع صديقًا من أصدقائه الذين لهم مكانة في الحكم، والذين ترجع إليهم اللجنة فيما عنده من المستندات، ويكتفي بذلك، ويريد أنْ تكتفي اللجنة منه بذلك، فأي فضل يشبه هذا الفضل؟ وأي طول يشبه هذا الطول؟ إنَّ صدقي باشا لرفيق باللجنة شفيق على الحكومة؛ كان يستطيع ألَّا يحفل باللجنة ولا بالحكومة، ولكنه مع ذلك تفضل فأظهر ما عنده من المستندات لصديق في الحكومة ترجع اللجنة إليه.

    أرأيت جراءة تشبه هذه الجراءة؟! أرأيت تحديًا يشبه هذا التحدي؟! أرأيت استخفافًا بالوزارة واللجنة والمصالح العامة يشبه هذا الاستخفاف؟ مئات الألوف من الجنيهات تُنْفق، ويشك الناس، وتشك الحكومة في طريقة إنفاقها، وتؤلف لتحقيق ذلك لجنة، ولكن صدقي باشا يكتفي بأن يظهر ما عنده من المستندات لرجل من الأصدقاء؛ ليتحدث عنها إلى الحكومة أو إلى اللجنة. مسألة يُطلب فيها التحقيق الرسمي، فيعالجها صدقي باشا بالطريقة العرفية. وهو في هذا العلاج متفضل متبرع لا سلطان لأحد عليه، بل هو ينتظر أن تشكره اللجنة، وأنْ تشكره الحكومة؛ لأنه أظهر ما عنده من المستندات لبعض الأصدقاء.

    وقل بعد ذلك: إننا نعيش في بلد ديمقراطي يخضع لأحكام الدستور، ويجعل الناس سواء أمام القانون، ويُسأل فيه الوزراء أمام البرلمان، وتحاط فيه الأموال العامة بما شئت وما لم تشأ من ألوان الحماية والرعاية. قُلْ هذا كله ولا تخف أنْ يضحك منك الناس، ولا تخف أنْ يضحك منك الأجانب بنوع خاص، ولا تخف أنْ يضحك منك الفرنسيون، ولا تشك في أنَّ حياتنا الحاضرة تضمن لنا احترام الإنجليز وإقناعهم بأننا قوم أحرار، وبأننا أهل لمفاوضتهم، وأهل لكسب الاستقلال.

    ويقرأ الرجل الطيب هذا الكلام الذي يكتبه صدقي باشا في الأهرام، فيبلع ريقه، وينظر في المرآة، ويذهب إلى المحطة ليأخذ القطار إلى الإسكندرية. ومن يدري؟! لعله يؤخر سفر القطار دقائق في هذا اليوم كما أخَّره دقائق منذ أيام.

    ونشرت المقطم أنَّ صدقي باشا كان قد وعد بتقديم البيان إلى اللجنة في الصحف، وكان قد أفهم بعض أعضاء اللجنة أنه مستعد لتقديم هذا البيان، فينشر صدقي باشا في الأهرام أنه لم «يتشرف» بلقاء أحد من أعضاء اللجنة، ولم يعده بتقديم هذا البيان. وما رأي صدقي باشا في وعده الذي سجله على نفسه في الصحف، والذي لا يستطيع محوه ولا إنكاره؟ لماذا عدل عن هذا الوعد وأعرض عن تقديم البيان؟ لأنه كان يظن أنَّ للجنة عليه سبيلًا، فلما ظهر له أنه محمي من سؤال اللجنة صال وجال، واسترد وعده الذي كان سبق بتقديمه في الصحف.

    وما رأى صدقي باشا في أننا نؤكد له ونحن واثقون بما نقول، أنه قد اتصل ببعض أعضاء اللجنة وأفهمه أنه مستعد لتقديم البيان، ولسنا نزعم أنه لقي أحدًا من أعضاء اللجنة، ولكننا نزعم أنه اتصل ببعض أعضاء اللجنة، ونظن صدقي باشا يوافقنا على أنَّ من الممكن أنْ يتصل بعض الناس ببعض دون أنْ يلقى بعض الناس بعضًا، ومن الممكن أنْ يتحدث بعضهم إلى بعض دون أنْ يرى بعضهم وجوه بعض.

    فنحن — إذن — نؤكد أنَّ صدقي باشا قد اتصل ببعض أعضاء اللجنة، وقد وعد بتقديم البيان إذا لم يقدمه المقاول، فما بال صدقي باشا يعدل الآن عن هذا الوعد الشفهي كما عدل عن ذلك الوعد الكتابي؟ ليس في الأمر شيء غريب، فصدقي باشا واثق بأن اللجنة لا تستطيع أنْ تسأله، وصدقي باشا لهذا لا يقدم إلى اللجنة بيانًا، وحسبه أنْ يتفضل، فيظهر ما عنده من المستندات لصديق يسعى بينه وبين اللجنة سعيًا عرفيًّا، قوامه المودة وحب الإصلاح.

    ولا يشير صدقي باشا إلى اللجنة البرلمانية … ولم يُشِر إليها، ولم يفكر أحد فيها، وليس لأحد عليه أنْ يحمله على أنْ يقدم نفسه إلى التحقيق ما دامت الدولة لا تدعوه إلى التحقيق. صدقي باشا — إذن — رجل متفوق الآن … متفوق على خصومه الذين أثاروا حوله ما أثاروا، وأرادوا به ما أرادوا، ثم ردوا عنه خاسئين، متفوق على الوزارة التي لا تستطيع — أو لا تريد — أنْ تسأله عن شيء، متفوق على البرلمان الذي لا يريد أنْ يسأله عن شيء، متفوق على المصريين جميعًا؛ لأن المصريين جميعًا يريدون أنْ يعرفوا حقيقة موقفه من قصة الكورنيش، ولا يجدون إلى ذلك سبيلًا، ونحن مع هذا كله بلد ديمقراطي خاضع لحكم الدستور، يستوي الناس جميعًا فيه أمام القانون، ويُسأل الوزراء فيه أمام البرلمان. والغريب أننا نقول ذلك ونكتبه ولا نستحي، وأنَّ صدقي باشا نفسه يتحدث بذلك إلى الإنجليز.

  • نزاهة

    حديث المساء: نزاهة

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١٧ أكتوبر ١٩٣٣

    أخص ما ينبغي أن يميز الرجل السياسي الذي ينهض بأعباء الحياة العامة، وينصب نفسه لتصريف أمور الناس: أن يكون نزيهًا فيما يأتي من الأمر، وفيما يُرسِل من القول، وفيما يرسم من الخطط. ومعنى النزاهة فيما أعتقد أن يكون الرجل السياسي الذي ينهض بالأعباء العامة، ويقبل تصريف أمور الناس منصفًا للناس من الناس، ومنصفًا للناس من نفسه قبل كل شيء، وبعد كل شيء، وفوق كل شيء، لا يؤثر بالإنصاف خَصلة أخرى، ولا يتجاوزه مهما تَكُنِ الظروف، ومعنى ذلك أن أخص ما يَتَّصِفُ به الرجل السياسي النزيه، إنما هو حسن فَهمِه للمساواة وتذوُّقه إياها، وتمثُّله لها حتى تصبح جزءًا من مزاجه، ومقوِّمًا من مقوِّمات أخلاقه العامة، لا سبيل إلى فَهمه بدونها، ولا سبيل إلى تصوُّر عملٍ من أعماله دون أن يظهر فيه أثر الإنصاف والعدل، والحرص على تحقيق المساواة.

    وكان عمر بن الخطاب — رضي الله عنه — من أشد الناس قَدرًا للمساواة، وحرصًا عليها، وتذوُّقًا لها، كان ينصف الناس من الناس وكان ينصف الناس من نفسه قبل أن ينصفهم من أنفسهم، وكان عمر — رضي الله عنه — شديد الحرص على أن يسير عُمَّاله وقضاته في الأقاليم سيرته هو في مستقر الخلافة، والناسُ جميعًا يذكرون أنه كان يأخذ قضاته في بتحقيق المساواة بين الذين يختصمون أمامهم في كل شيء، حتى فيما لا يستطيع الإنسان أن يحقق فيه المساواة إلا بهذه الإرادة القوية النادرة التي لا يمتاز بها إلا أمثاله من العظماء، وهو ميول النفس، وأهواء القلب، وما ترسم على وجه القاضي من مظاهر الإقبال والإعراض، وعلامات الحب والبغض، وآثار العطف أو الانحراف، فكان عمر — رضي الله عنه — يطالب قاضيه أبا موسى الأشعري أن يسوِّي بين خصومه حتى في وجهه، ولأمرٍ ما اتفقت أجيال المسلمين — على اختلاف العصور والبيئات والأجناس، منذ ثلاثة عشر قرنًا أو أكثر — على أن عمر كان المثل الأعلى لحب العدل وتحقيق المساواة بين المسلمين.

    ولسنا نطمع في أن يكون ساستنا والناهضون بأعباء الحياة العامة فينا مُثُلًا حية لعمر، ولا للذين اقتدَوْا بعمر من خلفاء المسلمين وقادتهم في عصور المجد الإسلامي القديم؛ فذلك مطمَع يدل كل شيء على أن تحقيقه في هذه الأيام لا سبيل إليه، وإنما نطمع — ومن حقنا أن نطمع — في أن تكون سيرة عمر — رحمه الله — هَدْيًا للذين ينهضون بأعباء السياسة، يتأثرونها ما وسعهم ذلك، يتأثرونها ولو من بعيد جدًّا، فهم إن فعلوا أراحوا أنفسهم من شر كثير؛ أراحوا أنفسهم أمام ضمائرهم، وأراحوا أنفسهم من هذا الخوف الذي يخالط القلوب الحية فيزعجها حين تفكر فيما أَعَدَّ الله للظالمين من حساب عسير. أراحوا أنفسهم من سخط الناس عليهم، وتبرُّم الناس بهم وشَكِّ الناس فيهم، ورجاء الناس أن يخلصوا من سلطانهم الذي ليس له حَظٌّ من رحمة أو رفق فضلًا عن أن يكون له حظ من حب للعدل أو تحقيق للمساواة والإنصاف.

    نعم، وأراحوا أنفسهم من أن يذكرهم التاريخ هذا الذِّكْرَ الذي تشمئز له النفوس، وتعبِس له الوجوه، وتقطب له الجباه، ثم أعانوا مع هذا كله على إذاعة الخير ونشر المعروف وأخذ الناس بحب العدل، والرغبة في الإنصاف، والشعور القوي بمنافع الديمقراطية والإيمان القوي بأنها خير ما وصل إليه الناس من أصول الحكم والنظام. من حقنا أن نطمع في هذا كله من ساستنا والناهضين بأمورنا العامة؛ لأننا نؤدِّي واجباتنا الاجتماعية والسياسية على وجهٍ حسن. فمن الحق على الذين يلون أمورنا أن يؤدوا واجباتهم الاجتماعية والسياسية على وجه حسن. فليس ينبغي أن يؤدي الشعب كل ما يطلب إليه لحاجة الدولة، وأن تعوج الوزارات في تأدية ما يطلب إليها في حاجة الشعب. وليس ينبغي أن يؤدي الشعب إلى الدولة ما تفرض عليه من الضرائب، ولا تؤدي الوزارات إلى الشعب ما يجب عليها من إنفاق هذه الضرائب في مصالح الشعب ومرافقه، وليس ينبغي أن يؤثِر الشعب حاجات الدولة على حاجاته الخاصة، ثم لا ترضى الدولة منه ذلك حتى تظلمه وتجور عليه وتكلفه فوق ما يطيق.

    ولعل الذين يسوسوننا ويلون أمورنا يعلمون أن الشعور العام قد يئس منذ نهض صدقي باشا بالحكم من أن تناله الوزارة برحمة أو رفق. فالشر كل الشر، والخطر كل الخطر أن ييأس الشعب من أن تناله الوزارة بالعدل والإنصاف.

    أكتب هذا كله، وبين يديَّ حوادثُ ثلاثٌ تدعو حقًّا إلى التفكير الطويل فيما وصلت إليه أمور مصر حين أخطأ الناس في المساواة، وحين انصرف الناس فيها عن تحقيق هذه المساواة. وتدعو إلى التفكير الطويل في هذه النزاهة التي يجب أن تكون الشرط الأساسي لكل نهوض بالأعباء أو تصريف للأمور العامة.

    فهذه قصة أبي جرج ليست في أكبر الظن إلا عنوانًا لقصص أخرى لعل أصحابها يُشفِقون من التحدُّث بها إلى الصحف؛ مخافة أن يغضب ذلك الوزراء والمديرين، فيضاعف لهم ما يجِدون من الهم والغم، وما يحتملون من المشقة والجهد، وهي قصة أَقَلُّ ما تُوصَفُ به أنها مَثَلٌ قبيحٌ لإهمال المساواة، وتعمُّد التفريق بين الناس فيما ينبغي ألَّا يفرق بينهم فيه من العدل. وقد أخذت السياسة تتحدث عنها منذ يوم الأحد، وأخذت اليوم تنشر بعض أدلتها بالصور التي لا تدع سبيلًا إلى الشك فيها. والوزارة ساكتة لا تقول شيئًا ولا تنكر شيئًا. أفتراها بعد هذا الصمت الذي هو أشبه الأشياء بالاعتراف ستمضي في إقرار هذا الظلم على هؤلاء الناس؟ أم تراها سترفعه عنهم، وعن أمثالهم، وستعاقب الذين اقترفوه؟ وقد زعموا أن رئيس الوزراء أُخرج من وزارة صدقي باشا لأنه أنكر أمثال هذا الظلم، وأراد تغييرًا في سياسة رئيسه أمس، وخصمه اليوم.

    أفتراه يقر اليوم ما كان ينكر في أول هذا العام؟ أم تراه يطلب إلى الوزير المسئول أن يُنصِف الناس من نفسه، وأن ينصف الناس من أنفسهم؟ فإن فعل فذاك وإن لم يفعل أخرجه من الوزارة، ورضي الناس عن إخراجه؛ لأنه إنما يكون نتيجة للرغبة في العدل والحرص على رفع الظلم والجور.

    وقصة أخرى تحتاج إلى عناية رئيس الوزراء، وقد لفتناه إليها منذ أيام، وهي قصة هذا الهزل المؤلم المُحزِن الذي يأتيه مدير الدقهلية مع رجال التعليم الأوَّلي في إقليمه، حين يتحكم فيهم، ويفرض عليهم زيًّا من الأزياء غير معتمِد في ذلك على حق ولا عدل، ولا مستنِد في ذلك إلى نظام ولا دستور، وإنما هو التحكُّم الذي ينبغي أن يُضحِك لولا أنه اعتداء على الحرية وإرهاق للناس وإضاعة لوقت المعلِّمين فيما لا ينبغي أن يضيع وقتهم فيه. ووزير الداخلية هو المسئول عن هذا الهزل. فمن الحق عليه أن يأمر مديره بأن ينظر في أمور الناس بالجِد، وألا يُكرِهَ فريقًا منهم على غير ما يريدون، وألَّا يتحكم في أزياء الناس؛ فإنه لم يُعَيَّنْ مراقبًا للأزياء، وإنما عُيِّنَ لشيء آخر بعيد كل البعد عن مراقبة الأزياء. ومن الحق على رئيس الوزراء أن يتقدم إلى زميله وزير الداخلية في أن يَكُفَّ هذا الهزل الذي لا يلائم جِدًّا ولا عدلًا ولا احترامًا للدستور، فإن فعل فذاك وإن لم يفعل أخرجه من وزارته، ولم يَلُمْهُ في ذلك أحد؛ لأنه يكون يومئذٍ مدافعًا عن الحرية والعدل والقانون.

    وقصة ثالثة هي أثر من آثار الوزارة السابقة، ومن الحق على الوزارة القائمة أن تصلحها أو أن تنفيها؛ فقد زعموا أن وزير الزراعة السابق تجاوز مشورة الفنيين في وزارته وأمضى عقودًا أجرت بها أرض لحقول التجارب، وأمضى هذه العقود وهو مستقيل، وألزم الدولة بهذه العقود، ولم يكن يملِك إلزامها، وأنفق في ذلك عشرة آلاف من الجنيهات، ولم يكن يملك إنفاقها، وكانت المصلحة الظاهرة تقضي ألا تنفَق ولا سيما في هذا الوقت العصيب، فمن الحق على رئيس الوزراء أن يفضي إلينا بجَلِيَّة الأمر، ومن الحق على وزير الزراعة الجديد — إن كان حقًّا ما أُشِيعَ — أن يمحو هذا الأثر من آثار وزير الزراعة القديم، وإن كانا جميعًا شعبيين. ومن الحق على رئيس الوزراء ألَّا يقبل من زميله وزير الزراعة إلا إلغاء هذه العقود؛ لأن النزاهة السياسية تفرِض عليه ذلك فرضًا.

    ويخيل إلينا أن في حياتنا العامة أمورًا كثيرة ليست أقل خطرًا، ولا أبعد عن العدل والمساواة من قصة أبي جرج ومن هزل الدقهلية، ومن عقود وزير الزراعة السابق. ويخيل إلينا أن النزاهة السياسية تفرض على رئيس الوزراء أن ينفق وقته في تقويم هذا العوج، وإصلاح هذا الفساد؛ فذلك أنفع وأجدى من إنفاق الوقت في مخاصمة صدقي باشا، وهو أضعف من أن يصلح للخصام.