مخالفات
طه حسين
جريدة البلاغ
١٩ أغسطس ١٩٤٥
رحم الله زيادًا، لقد أقبل على العراق تتسبقه النذر، وكان صاحب حزم وعزم ومضاء وتصميم، وكان يريد أن يصلح الفاسد ويُقوِّم المعوج، وأن يمحو الفوضى ويقر النظام، وكان يرى أن أهل العراق قد أحدثوا أحداثًا لم تكن، وأن من الحق عليه أن يُحْدِث لكل ذنب عقوبة، وكان يرى أن آخر أمر الحكم بين المسلمين لا يصلح إلا بما صلح به أوله؛ لين في غير ضعف، وشدة في غير عنف.
ولم يكن للعراق ولا لغيره من أمصار الإسلام وأقطاره في تلك الأيام برلمان يُسأَل أمامه الوزراء عمَّا يقولون ويعملون، ولكنه مع ذلك خطب الناس خطبته المشهورة، فقال لهم فيما قال: «إن كذبة المنبر بلقاء مشهورة، فإذا تعلقتم عليَّ بكذبة فقد حلَّت لكم معصيتي، فإذا سمعتموها مني فاغتمزوها فيَّ، واعلموا أن عندي أمثالها.»
أباح زياد الطاغية أن يعصوه ويخالفوا عن أمره، إن أثبتوا عليه أنه قال لهم على المنبر غير الحق، أو أنه ينفذ فيهم الأمر على غير ما رسم لهم وأباح لهم أن يعصوه ويخالفوا أمره، وألا يصدقوه فيما يعلن إليهم من الأمر بعد ذلك؛ لأنه إن كذب عليهم مرة، فهو خليق أن يكذب عليهم مرة أخرى، أو مرات أخرى، ولم يكن لأهل العراق ولا لغيرهم من المسلمين دستور مكتوب يبيح للنواب أن يقولوا لأمرائهم أنهم قد أخطئوا، أو أنهم قد خالفوا ما لا ينبغي أن يُخالَف من النظام والقانون، ويبيح للنواب والشيوخ أن يحاسبوا حكامهم حسابًا يسيرًا أو عسيرًا، وأن ينزلوهم عن مناصب الحكم إن أجروا أمور المسلمين على غير ما ينبغي أن تجري عليه.
ويُخيَّل إليَّ أن في مصر دستورًا مكتوبًا منشورًا مقررًا يفرض على النوَّاب والشيوخ أن يراقبوا الوزراء ويحاسبوهم، ويبيِّنوا لهم حدود هذه المراقبة والمحاسبة، ويبيح للنواب أن ينزلوا الوزراء عن مناصب الحكم إن انحرفوا بالأمر عن الجادة، وساروا في الحكم سيرة تخالف ما رسم الدستور والقانون من الحدود. وليس منبر مجلس النوَّاب ومنبر مجلس الشيوخ بأهون شأنًا من منبر البصرة الذي تحدث منه زياد إلى أهل العراق؛ فلم يكن لأهل العراق أن يعزلوا زيادًا أو أن يخاصموه، وإنما كان عليهم أن يسمعوا له إذا قال ويطيعوه إذا أمر، أمَّا مجلس النوَّاب عندنا فيستطيع أن يقول للوزير المخطئ: أخطأت. ويستطيع أن يرد الوزير عن منصب الحكم ردًّا.
ويُخيَّل إليَّ أن هذا العهد السعيد الذي يظلنا، إنما اسْتُؤْنِف فيما تزعم الأحزاب المؤتلفة؛ ليصلح أمورًا كانت هذه الأحزاب تراها معوجة، وينفذ الدستور نفاذًا صحيحًا لا يلتوون بنصه ولا يلتوون بروحه؛ لأن الذين سبقوهم إلى الحكم كانوا فيما زعموا يلتوون بالدستور عن طريقه المستقيمة، ويكلفونه ما لا يطيق من التأويل والتعليل.
ومعنى هذا كله أن وزراء هذا العهد أقبلوا ليحترموا الدستور في نصه وروحه، وفي لفظه ومعناه، وليسيروا في تنفيذه واحترامه سيرة حنبلية لا تحتمل لبسًا ولا غموضًا، ولا تتعرض لمراء ولا جدال.
يُخيَّل إليَّ هذا كله، ويُخيَّل هذا كله إلى كثير من الناس، ولكن التخييل شيء والتحقيق شيء آخر، كما أن القول شيء والعمل شيء آخر، وكما أن الوعد شيء والبر بالوعد شيء آخر، ولو أنصف الذين ينهضون فينا بأمور الحكم في هذا العهد وفي غيره من العهود لكتبوا هذه الكلمة الخالدة التي قالها زياد: «إن كذبة المنبر بلقاء مشهورة، فإذا تعلقتم عليَّ بكذبة فقد حلَّت لكم معصيتي، فإذا سمعتموها مني فاغتمزوها فيَّ، واعلموا أن عندي أمثالها.»
لو أنصف الوزراءُ — مهما يكونوا — أَنْفُسَهم وأنصفوا الشعب؛ لكتبوا هذه الكلمة الخالدة في قلوبهم أولًا، وفي مكاتبهم ثانيًا، وفي مجلس النوَّاب ومجلس الشيوخ ثالثًا، ولعرفوا وعرف الناس أن من الحق عليهم إذا تكلموا من منبر البرلمان أن يقولوا الحق وحده، وإذا وعدوا من منبر البرلمان أن يبروا بالوعد، فإن قالوا للبرلمان شيئًا، وساروا خارج البرلمان بغير ما يقولون، فمن حق الناس ألا يسمعوا لهم وألَّا يطيعوهم، ومن حق الناس ألَّا يطمئنوا إليهم، وألَّا يثقوا بهم، وألَّا يصدقوهم. وهل يستطيع وزراؤنا أن يؤكدوا لنا مطمئنين أنهم قد بروا بما وعدوا، وصدقوا الأمة والبرلمان ما قالوا، وأنفذوا الدستور في نصه وروحه، لم يحرفوه عن موضعه، ولم يلتووا به عن طريقه.
وهل يستطيع وزراؤنا أن يؤكدوا لنا أنهم أنفذوا أمر البرلمان الذي يفرض عليهم الدستور أن ينفذوا أمره، وأنهم بروا بوعودهم للبرلمان الذي يفرض الدستور أن يبروا له بالوعود. وهل يستطيع شيوخنا ونوابنا أن يؤكدوا لنا أنهم قد راقبوا الوزراء وحاسبوهم كما يريد الدستور أن يُراقَب الوزراء ويُحاسَبوا؟! هذه الأسئلة التي يجب أن يلقيها كل مصري على نفسه، والتي يلقيها المصريون بالفعل على أنفسهم ليعرفوا أتقوم أمورنا في مصر على الديمقراطية الصحيحة أم على الديمقراطية المتكلفة؟! أتجري أمورنا في مصر على الاحترام الصادق أم على الاحترام المصنوع؟!
لقد وعد المغفور له أحمد ماهر باشا بأنه سيسعى لينظم الأمور بيننا وبين الإنجليز قبل أن تبدأ المفاوضات في سان فرانسيسكو. فلما كانت الكارثة، ونهض رئيس وزرائنا القائم بالأمر بعده، وعد بأنه سينفذ خطته، ويسير سيرته، ويمضي سياسته كما رسمها. ولكن وفدنا سافر إلى سان فرانسيسكو، وأقام فيها، وأمضى ميثاقها، وعاد منها وهو الآن بيننا سعيدًا موفورًا، ولم نعلم أن رئيس وزرائنا قد أنفذ خطة سلفه رحمه الله، بل نحن نعلم أنه لم يطلب المفاوضة، ولم يَسْعَ إليها، وإنما هو ينتظرها ولن يتردد في قبولها إن عُرِضَتْ عليه، فهو إذن قد وعد البرلمان، ثم لم يَفِ بالوعد، ورحم الله زيادًا فما أجدر كلمته أن تكون دستورًا للوزراء!
وأقبل رئيس الوزراء ذات يوم على البرلمان فأنبأه مبتهجًا مسرورًا ومفاخرًا مكاثرًا بأنه قد خطا خطوة حسنة في طريق إلغاء الأحكام العرفية، فرد إلى الناس حريتهم في الكتابة، والخطابة، والانتقال، والاجتماع. وقد ارتاب المرتابون يومئذ، وطلبوا إليه أن يستصدر مرسومًا يسجل به رد هذه الحريات، ولكن الناس عاتبوهم وبينوا لهم أن هذا إسراف في سوء الظن، وأن رئيس الوزراء رجل إذا قال فعل وإذا وعد وفَّى، ثم لم يَمْضِ شهر أو أقل من شهر حتى مُنِعَ الانتقال، ومُنِعَ الاجتماع، ومُنِعَت الخطابة، ومُنِعَت الكتابة بأمر عسكري أمضاه رئيس الوزراء.
وأقبل وزير المعارف ذات يوم على مجلس النوَّاب، فتحدث في سياسة التعليم، وأعلن أنه لن ينفذ سياسته الجديدة حتى يعرضها على المجلس الأعلى ويظفر منه بإقرارها، وحتى يعرضها على مجلسي البرلمان ويظفر منه بإقرارها، ثم انصرف وزير المعارف عن البرلمان وأخذ في تغيير سياسة التعليم، وقلبها رأسًا على عقب، والبرلمان منعقد لم ينفضَّ ولم ينقضِ كما يقول حكيمنا العظيم، ولم يَنْسَ وزير المعارف إلا شيئين اثنين؛ أحدهما: أن للتعليم سياسة قائمة قد أقرها برلمان شرعي، وأقرها في مجلسيه، فلا ينبغي أن تُغيَّر إلا بقرار من البرلمان، الثاني: أنه هو نفسه وعد البرلمان القائم بألا يُغيِّر سياسة التعليم حتى يظفر بموافقته. نسي هذين الأمرين، وهو مع ذلك عضو في وزارة جاءت لتصلح الفاسد، وتقوم المعوج، وتنفذ الدستور نصه وروحه إنفاذًا صحيحًا.
بل نسي أكثر من هذا، نسي أن للتعليم قوانين قائمة لا يجوز أن تُغيَّر إلا بقوانين تنسخها وتقوم مقامها، ولكنه مع ذلك يُغيِّر سياسة التعليم غير حافل بقرار البرلمان السابق، ولا آبهٍ بوعده للبرلمان القائم، ولا متحرج من تحميل القوانين القائمة ما لا تطيق، وأنا أعلم أنه لن يعدم تأويلًا يفسر به موقفه، يلتمسه هو في فقهه هو بالقانون، ويلتمسه في فقه أقلام القضايا بالقانون، ولكني أعلم أيضًا أن للفقهاء حِيَلًا فقهية يعلم وزير المعارف من براعتها ورشاقتها أكثر مما أعلم، ويعلم وزير المعارف أن الناس يلجئون إليها حين يضيقون بنص القانون وروحه، وقد جاءت الوزارة الحاضرة فيما تزعم لتنقذ الدستور نصًّا وروحًا في غير عوج ولا التواء.
وقرر مجلس النوَّاب ألَّا تعرض الصحف من قريب أو من بعيد فيما تدرسه لجنة التحقيق، ولكن وزير المالية قد ترك لصحيفته أن تخالف في صراحة، واستمرار، وتحدٍّ عن أمر مجلس النوَّاب؛ لأنه جاء فيمن جاء ليحترم الدستور، ولِيُعلِّم الناس احترام الدستور.
وكذلك يتنافس الوزراء في احترام الدستور على هذا النحو البديع ليصدقوا ما قال أبو العلاء:
إذا كان رب البيت بالدف مولعًا فشيمة أهل البيت كلهم الرقص
ورب البيت هنا هو رئيس الوزراء الذي قال ولم يفعل، ووعد ولم يَفِ بالوعد.
على أن هناك نوعًا آخر من احترام الدستور بأسلوب بديع في نصه وروحه، وفي لفظه ومعناه. فقد يُقال إن الاستجواب هو الطريقة التي نظمها الدستور لمحاسبة الوزراء، والاستجواب ينتهي عادة بإبراء ذمة الوزير، واحتفاظه بثقة المجلس الذي يُستجوَب فيه، أو بفقدان الوزير هذه الثقة واستقالته إن كان الاستجواب في مجلس النوَّاب، وقبوله للوم أو استقالته إن أراد حين يكون الاستجواب في مجلس الشيوخ.
والمصريون جميعًا يعلمون أن استجوابات قُدِّمَتْ إلى مجلس النوَّاب فأُرْجِئَتْ وأُرْجِئَتْ، وانفضَّ مجلس النوَّاب أو انقض دون أن تُنظَر هذه الاستجوابات، أي دون أن يتمكن النوَّاب من محاسبة الوزراء. والمصريون جميعًا يعلمون أن استجوابًا قُدِّم إلى مجلس الشيوخ ونُوقِش فيه، ثم انفض مجلس الشيوخ أو انقض، ولم يعرف أحد رأي المجلس في هذا الاستجواب.
أليس هذا كله احترامًا بديعًا للدستور؟!
أليس هذا كله تنفيذًا للدستور بنصه وروحه في غير عوج ولا التواء؟!
أليس هذا كله دليلًا على أن الديمقراطية التي تظلنا في هذا العهد ناصعة كالثلج، شفافة كالزجاج، وقد كدت أقول أنها رخوة كالزجاج أيضًا، ولكن أستغفر الله وأبرأ إليه من هذا الخاطر الذي هم الشيطان أن يلقيه في روعي فرددته به ردًّا عنيفًا.
فديمقراطيتنا نقية كضوء الشمس، صافية كصفو السماء في أحسن أيام الاعتدال، صلبة كجبل المقطم، رائعة كجلال الأهرام. تنبئ الناس جميعًا في مصر وفي خارج مصر بأن ليس في الإمكان أبدع مما كان، وبأننا نُحكَم على أحسن أسلوب يمكن أن تُحكَم به الشعوب، يقول وزراؤنا فيفعلون، ويعدون فيبرون، ويأمرهم البرلمان فيطيعون؛ فهم حماة الدستور، وهم حفظة القانون، وهم آخر من يصح أن نفكر فيه إذا ذكرنا قول زياد: «إن كذبة المنبر بلقاء مشهورة، فإذا تعلقتم عليَّ بكذبة، فقد حلَّت لكم معصيتي، فإذا سمعتموها مني فاغتمزوها فيَّ، واعلموا أن عندي أمثالها.»
مخالفات
Share:
Leave a Reply