Tag: parliamentary oversight

  • إلى مجلس الشيوخ

    إلى مجلس الشيوخ
    طه حسين
    النداء
    ٣٠ مارس ١٩٤٨

    يقال إن السياسة احتياط للمستقبل قبل كل شيء، ويقال من أجل ذلك إن أحدًا لم يرسم لساسة الشعوب وقادة الأمم خطتهم في لفظ جامع موجز، يروع بدقته وصدقه وإيجازه، كما فعل الشاعر العربي القديم حين قال:

    قدِّر لرِجْلك قبل الخَطْو موضعهافمن علا زلقًا من غرة زلجا
    وقال من أجل ذلك إن الحذر والاحتياط وتدبر العواقب قبل الإقدام على العمل، كل ذلك رهين بالبصائر الناقدة، والقلوب الذكية، والثقافة الواسعة، وعلم الإنسان بما يأتي وما يدع.

    فأصحاب البصائر الكليلة، والقلوب المغلقة، والثقافة الضيقة، والعلم المحدود هم أعجز الناس عن سياسة الشعوب، وأجدرهم أن يُردُّوا عن التعرض لها ردًّا، ويُبعدوا عنها إبعادًا في غير تردُّد ولا تلكُّؤ ولا إحجام. وهذه الأحكام تتصل بالسياسة الداخلية كما تتصل بالسياسة الخارجية، ولكن خطرها في السياسة الخارجية أعظم، ورعايتها فيها أوجب، والتقصير فيها يجر إلى ضروب من الحرج لا سبيل إلى التخلص منها، وإلى فنون من الإثم قد لا يجد الوطن منها مخرجًا، وقد تحمل الأجيال الكثيرة أثقالها دون أن تجد إلى التخفف منها سبيلًا.

    فالحكومة العاجزة قد تُخطئ في تدبير المرافق الداخلية، فيُتاح للحكومة القادرة التي تأتي بعدها أن تصلح الخطأ، وتقوِّم المعوَجَّ، وليس على الشعب بأس آخر الأمر في أن يحتمل نتيجة تقصيره في ذات نفسه ويشقى؛ لأنه مكَّن للحكومات العاجزة من أن تسيطر على أمره، وتتسلط على مرافقه، وتنهض بأعباء الحكم فيه.

    ولعل من شقائه بخطأ الحكومات العاجزة القاصرة درسًا ينفعه في مستقبل أيامه، ويُعلِّمه أن أمور الحكم لا ينبغي أن تُوكل إلَّا إلى أكَفَائها، والقادرين على احتمال أعبائها.

    والشعب المستقل يستطيع أن يحتمل نتائج خطئه، وأن يجني ثمرات صوابه، ما دام الأمر لا يتجاوزه إلى غيره من الشعوب الأخرى، وما دام الأمر لا يتجاوز الجيل الحاضر إلى الأجيال التي لم يتكشف عنها الغيب. أمَّا شئون السياسة الخارجية فأمرها مختلف أشد الاختلاف؛ لأنه يُعرِّض استقلال الشعب للخطر، ويعرض استقلال الشعوب الصديقة للخطر أيضًا، ويثقل الأجيال المقبلة بما لا ينبغي أن يثقلها من القيود والأغلال، فإذا احتمل التقصير في الشئون الداخلية، فإن التقصير في الشئون الخارجية لا ينبغي أن يُحتمل، ولا ينبغي أن يُقبل من حكومة مهما يكن أمرها.

    من أجل هذا كله، حمد المثقفون لمجلس الشيوخ موقفين، لعل البرلمان المصري لم يعرفه مثلهما منذ كانت الحياة النيابية في مصر: فأمَّا أولهما فقد انتهى إلى غايته انتهاءً حسنًا كأحسن ما يكون الانتهاء، وهو موقف مجلس الشيوخ بإزاء قصة البترول. وقد أتيح للأستاذ فؤاد سراج الدين باشا أن يكون صاحب النصيب الأوفى من هذا الموقف الرائع الكريم؛ فهو الذي أثار هذه القضية، وأثارها في مزاج رائع من الدقة والأناة وحسن الاستقصاء، ومن الثقة والحزم والثبات والتصميم، ومن الاعتدال في الرأي، والاعتدال في القول، والاعتدال في الإلقاء، والاعتدال في السيرة البرلمانية نفسها. ويسَّر له هذا كله أن يقنع زملاءه من الشيوخ الوفديين وغير الوفديين، وأن يحمل المجلس على أن يرد الحكومة إلى القصد، ويضطرها إلى احترام الدستور من جهة، وإلى رعاية حقوق الشعب وصيانتها من جهة أخرى.

    وقصة البترول هذه يسيرة في ظاهر أمرها، ولكن الشيخ الشاب قد عرف كيف يتعمقها، وكيف يتيح لزملائه الشيوخ أن يتعمقوها ويتبينوا أثرها في السياسة الخارجية المصرية، فالبترول أخطر العناصر التي تتكون منها السياسة العالمية ما في ذلك شك. والدولة التي تملك شيئًا من ينابيعه ثم تتيح استغلال هذه الينابيع للشركات الأجنبية دون أن تحتاط لمستقبلها السياسي والاقتصادي أشد الاحتياط وأدقه، لا تزيد على أن تفرض على شعبها الذل السياسي والذل الاقتصادي جميعًا، فالذين يثنون على فؤاد سراج الدين وعلى مجلس الشيوخ لموقفهما هذا الحازم الكريم لن يسرفوا ولن يبالغوا مهما يهدوا إليهما من الثناء.

    والموقف الثاني هو موقف مجلس الشيوخ من قضية السودان، وهو الآن كريم رائع، ولست أدري كيف يتطور، ولا إلى أين ينتهي، ولكني أرجو أن يفي الشيوخ لأنفسهم ولوطنهم فيه، كما وفوا لأنفسهم ولوطنهم في قصة البترول. وما دام مجلس الشيوخ قد سبق إلى الشعور بالواجب، وإلى تقدير المصالح السياسية العليا كما ينبغي أن تُقدَّر، وإلى إكراه الحكومة على أن ترجع عن الخطأ بعد أن تتورط فيه، وعلى أن تتقي الخطأ قبل أن تُدفع إليه؛ فقد ينبغي أن نلجأ إلى مجلس الشيوخ لنعينه ونستعينه في وقت واحد.

    نعينه على هذه المهمة الشاقة الخطيرة التي يظهر أنه يريد أن يحسن النهوض بها هذا العام، وهي حماية الحكومة من نفسها، ومن الظروف التي تحيط بها، وحماية الشعب من خطأ الحكومة أو جورها عن القصد، ونستعينه على بعض المشكلات السياسية الخطيرة التي توشك أن تعرض لمصر إن لم تكن قد عرضت لها بالفعل، والتي إن لم يتنبه لها المصريون فقد تجرهم إلى كوارث أو تجر عليهم كوارث ليس إلى إحصائها من سبيل.

    ولن أتحدث في هذا الفصل أو فيما بقى من هذا الفصل إلَّا عن مشكلة واحدة يخيل إليَّ أنها أخطر المشكلات التي تتعرض لها البلاد المستقلة في هذه الأيام، فكيف بالبلاد التي لم تستوفِ استقلالها كاملًا بعد؟ وهذه المشكلة تأتي من الخلاف الذي أثير بين روسيا السوفيتية وأمريكا الرأسمالية، والدول الأخرى التي انقسمت بين هاتين الدولتين المستأثرتين في هذا الطور من أطوار العالم بالحول والطول والسلطان.

    فقد أنشأت روسيا اتحادها في شرق أوروبا ووسطها، وضمَّت إليه ما ضمَّت من الدول بوسائلها الخاصة التي تمتاز بالعنت، أو تمتاز باللين لا أدري، وأنشأت الولايات المتحدة الأمريكية اتحادها الخاص في غرب أوروبا، أو ضمَّت إليه ما ضمَّت من الدول بوسائلها الخاصة التي تمتاز بالترغيب أو بالترهيب لا أدري … وروسيا تنظر إلى الشرق الأدنى في استحياء، وأمريكا تنظر إلى الشرق الأدنى في غير استحياء، وليس لروسيا حلفاء يتصلون بالشرق الأدنى، ولأمريكا حلفاء يتصلون بالشرق الأدنى هم الإنجليز والفرنسيون.

    فاليد الروسية بعيدة عن الشرق الأدنى شيئًا ما، ولكنها تستطيع أن تمتد إليه في كل يوم، واليد الأمريكية قريبة من الشرق كل القرب، وهي تمتد إليه بالفعل في كل يوم، بل في كل ساعة. تمتد إليه مباشرةً أحيانًا، وتمتد إليه بواسطة حلفائها أحيانًا أخرى، والصراع قائم بالفعل في بلاد اليونان بين روسيا وأتباعها، والولايات المتحدة وأتباعها في بلاد اليونان، وهو يريد أو يحاول أن يقوم في تركيا، والبحر الأبيض هو موضع هذا الصراع. وقد جعل الناس يتحدثون منذ أكثر من عام عن اتحاد شرقي لمقاومة التوسع الروسي، ويقال: إن اليونان والترك هم الذين سيضعون الأساس لهذا الاتحاد يتفقون عليه فيما بينهم أولًا، وهم بسبيل هذا الاتفاق، ثم يدعون إليه الدول العربية بعد ذلك، ويقال: إنهم في طريق هذه الدعوة. فإذا تم هذا الاتحاد الشرقي نُظِّمت الصلات بينه وبين الاتحاد الغربي، وتم إنشاء الجبهة القوية التي تقاوم التوسع الروسي في الأرض كلها.

    بهذا كله يتحدث الناس، وأكبر الظن أن أكثر هذا كله صحيح. وهنا نصل إلى ما ينبغي لمصر من الحذر والسهر والاحتياط؛ فإن لمصر مصالح وحقوقًا يجب أن تُراعى، ومن الحق لها على ساستها وقادتها وأولي الأمر فيها ألَّا يعرضوا شيئًا من مصالحها وحقوقها للخطر، وألَّا يقحموها في مغامرات سياسية قد تنتهي بها آخر الأمر إلى كارثة الحرب الماحقة الساحقة التي لا تُبقي ولا تذر، لا لشيء إلَّا لأن روسيا السوفيتية والولايات المتحدة الأمريكية تتنازعان النفوذ والسلطان.

    والخطر كل الخطر أن تُدفَع حكومة مصرية — كائنة ما تكون — إلى هذه المغامرة متأثِّرةً بما تأثرت حكومات أخرى من التخويف والإغراء، ومن الترغيب والترهيب.

    فأول ما يجب على مجلس الشيوخ — أرجو — أن يقف موقف الحذر والحيطة، وألَّا يَنام ولا يُنِمْ حتى تنجلي هذه الغمرة؛ فمصر ليست في حاجة إلى أن تصلى نار الحرب لينتصر هذا الفريق أو ذاك، وإنما هي في حاجة إلى أن تستكمل استقلالها، وتفرغ لما تحتاج إليه من شئون الإصلاح.

    وهناك أمران لا ينبغي لمصر أن تنساهما، ولا أن تتحدث في المحالفات أو الاتحادات قبل أن تفرغ منهما فراغًا تامًّا؛ أولهما: أن تحقق استقلالها الخاص كاملًا موفورًا لا تشوبه شائبة. ولن يتحقق استقلالها إلَّا على أساس من الجلاء ووحدة وادي النيل. الثاني: أن تحل المسائل المعلقة بين الشرق العربي والغرب الأوروبي الأمريكي حلًّا شاملًا كريمًا؛ فتحل مسألة فلسطين على الوجه الذي يكفل للعرب كرامتهم وحقَّهم في الحياة العزيزة الحرة في وطنهم، وتحل المشكلات القائمة بين العراق وبريطانيا العظمى، وتحل المشكلات القائمة بين شمال أفريقيا وفرنسا.

    فإذا تم هذان الأمران جاز لمصر أن تفكر حرة في أن تحالف أو لا تحالف، وفي أن تتحد أو لا تتحد، فأمَّا قبل ذلك فالتفكير في المحالفة والاتحاد ليس إلَّا تفكيرًا في إذلال مصر وجيرانها للسلطان الأمريكي الأوروبي. وقد تعود مجلس الشيوخ الروماني أيام مجد روما — حين كانت الدولة تتعرض لخطر ما — أن يصدر القرار التاريخي المعروف الذي يشتمل على هذه الصيغة: «ليسهر القنصلان على ألَّا يصيب الجمهورية خطر ما.»

    فليُحْيِ مجلس الشيوخ المصري هذه السنة الرومانية القديمة، وليَسهرْ ويضطر الحكومة معه إلى السهر على ألَّا تتعرض مصر لخطر ما!

  • مخالفات

    مخالفات

    طه حسين

    جريدة البلاغ

    ١٩ أغسطس ١٩٤٥

    رحم الله زيادًا، لقد أقبل على العراق تتسبقه النذر، وكان صاحب حزم وعزم ومضاء وتصميم، وكان يريد أن يصلح الفاسد ويُقوِّم المعوج، وأن يمحو الفوضى ويقر النظام، وكان يرى أن أهل العراق قد أحدثوا أحداثًا لم تكن، وأن من الحق عليه أن يُحْدِث لكل ذنب عقوبة، وكان يرى أن آخر أمر الحكم بين المسلمين لا يصلح إلا بما صلح به أوله؛ لين في غير ضعف، وشدة في غير عنف.

    ولم يكن للعراق ولا لغيره من أمصار الإسلام وأقطاره في تلك الأيام برلمان يُسأَل أمامه الوزراء عمَّا يقولون ويعملون، ولكنه مع ذلك خطب الناس خطبته المشهورة، فقال لهم فيما قال: «إن كذبة المنبر بلقاء مشهورة، فإذا تعلقتم عليَّ بكذبة فقد حلَّت لكم معصيتي، فإذا سمعتموها مني فاغتمزوها فيَّ، واعلموا أن عندي أمثالها.»

    أباح زياد الطاغية أن يعصوه ويخالفوا عن أمره، إن أثبتوا عليه أنه قال لهم على المنبر غير الحق، أو أنه ينفذ فيهم الأمر على غير ما رسم لهم وأباح لهم أن يعصوه ويخالفوا أمره، وألا يصدقوه فيما يعلن إليهم من الأمر بعد ذلك؛ لأنه إن كذب عليهم مرة، فهو خليق أن يكذب عليهم مرة أخرى، أو مرات أخرى، ولم يكن لأهل العراق ولا لغيرهم من المسلمين دستور مكتوب يبيح للنواب أن يقولوا لأمرائهم أنهم قد أخطئوا، أو أنهم قد خالفوا ما لا ينبغي أن يُخالَف من النظام والقانون، ويبيح للنواب والشيوخ أن يحاسبوا حكامهم حسابًا يسيرًا أو عسيرًا، وأن ينزلوهم عن مناصب الحكم إن أجروا أمور المسلمين على غير ما ينبغي أن تجري عليه.

    ويُخيَّل إليَّ أن في مصر دستورًا مكتوبًا منشورًا مقررًا يفرض على النوَّاب والشيوخ أن يراقبوا الوزراء ويحاسبوهم، ويبيِّنوا لهم حدود هذه المراقبة والمحاسبة، ويبيح للنواب أن ينزلوا الوزراء عن مناصب الحكم إن انحرفوا بالأمر عن الجادة، وساروا في الحكم سيرة تخالف ما رسم الدستور والقانون من الحدود. وليس منبر مجلس النوَّاب ومنبر مجلس الشيوخ بأهون شأنًا من منبر البصرة الذي تحدث منه زياد إلى أهل العراق؛ فلم يكن لأهل العراق أن يعزلوا زيادًا أو أن يخاصموه، وإنما كان عليهم أن يسمعوا له إذا قال ويطيعوه إذا أمر، أمَّا مجلس النوَّاب عندنا فيستطيع أن يقول للوزير المخطئ: أخطأت. ويستطيع أن يرد الوزير عن منصب الحكم ردًّا.

    ويُخيَّل إليَّ أن هذا العهد السعيد الذي يظلنا، إنما اسْتُؤْنِف فيما تزعم الأحزاب المؤتلفة؛ ليصلح أمورًا كانت هذه الأحزاب تراها معوجة، وينفذ الدستور نفاذًا صحيحًا لا يلتوون بنصه ولا يلتوون بروحه؛ لأن الذين سبقوهم إلى الحكم كانوا فيما زعموا يلتوون بالدستور عن طريقه المستقيمة، ويكلفونه ما لا يطيق من التأويل والتعليل.

    ومعنى هذا كله أن وزراء هذا العهد أقبلوا ليحترموا الدستور في نصه وروحه، وفي لفظه ومعناه، وليسيروا في تنفيذه واحترامه سيرة حنبلية لا تحتمل لبسًا ولا غموضًا، ولا تتعرض لمراء ولا جدال.

    يُخيَّل إليَّ هذا كله، ويُخيَّل هذا كله إلى كثير من الناس، ولكن التخييل شيء والتحقيق شيء آخر، كما أن القول شيء والعمل شيء آخر، وكما أن الوعد شيء والبر بالوعد شيء آخر، ولو أنصف الذين ينهضون فينا بأمور الحكم في هذا العهد وفي غيره من العهود لكتبوا هذه الكلمة الخالدة التي قالها زياد: «إن كذبة المنبر بلقاء مشهورة، فإذا تعلقتم عليَّ بكذبة فقد حلَّت لكم معصيتي، فإذا سمعتموها مني فاغتمزوها فيَّ، واعلموا أن عندي أمثالها.»

    لو أنصف الوزراءُ — مهما يكونوا — أَنْفُسَهم وأنصفوا الشعب؛ لكتبوا هذه الكلمة الخالدة في قلوبهم أولًا، وفي مكاتبهم ثانيًا، وفي مجلس النوَّاب ومجلس الشيوخ ثالثًا، ولعرفوا وعرف الناس أن من الحق عليهم إذا تكلموا من منبر البرلمان أن يقولوا الحق وحده، وإذا وعدوا من منبر البرلمان أن يبروا بالوعد، فإن قالوا للبرلمان شيئًا، وساروا خارج البرلمان بغير ما يقولون، فمن حق الناس ألا يسمعوا لهم وألَّا يطيعوهم، ومن حق الناس ألَّا يطمئنوا إليهم، وألَّا يثقوا بهم، وألَّا يصدقوهم. وهل يستطيع وزراؤنا أن يؤكدوا لنا مطمئنين أنهم قد بروا بما وعدوا، وصدقوا الأمة والبرلمان ما قالوا، وأنفذوا الدستور في نصه وروحه، لم يحرفوه عن موضعه، ولم يلتووا به عن طريقه.

    وهل يستطيع وزراؤنا أن يؤكدوا لنا أنهم أنفذوا أمر البرلمان الذي يفرض عليهم الدستور أن ينفذوا أمره، وأنهم بروا بوعودهم للبرلمان الذي يفرض الدستور أن يبروا له بالوعود. وهل يستطيع شيوخنا ونوابنا أن يؤكدوا لنا أنهم قد راقبوا الوزراء وحاسبوهم كما يريد الدستور أن يُراقَب الوزراء ويُحاسَبوا؟! هذه الأسئلة التي يجب أن يلقيها كل مصري على نفسه، والتي يلقيها المصريون بالفعل على أنفسهم ليعرفوا أتقوم أمورنا في مصر على الديمقراطية الصحيحة أم على الديمقراطية المتكلفة؟! أتجري أمورنا في مصر على الاحترام الصادق أم على الاحترام المصنوع؟!

    لقد وعد المغفور له أحمد ماهر باشا بأنه سيسعى لينظم الأمور بيننا وبين الإنجليز قبل أن تبدأ المفاوضات في سان فرانسيسكو. فلما كانت الكارثة، ونهض رئيس وزرائنا القائم بالأمر بعده، وعد بأنه سينفذ خطته، ويسير سيرته، ويمضي سياسته كما رسمها. ولكن وفدنا سافر إلى سان فرانسيسكو، وأقام فيها، وأمضى ميثاقها، وعاد منها وهو الآن بيننا سعيدًا موفورًا، ولم نعلم أن رئيس وزرائنا قد أنفذ خطة سلفه رحمه الله، بل نحن نعلم أنه لم يطلب المفاوضة، ولم يَسْعَ إليها، وإنما هو ينتظرها ولن يتردد في قبولها إن عُرِضَتْ عليه، فهو إذن قد وعد البرلمان، ثم لم يَفِ بالوعد، ورحم الله زيادًا فما أجدر كلمته أن تكون دستورًا للوزراء!

    وأقبل رئيس الوزراء ذات يوم على البرلمان فأنبأه مبتهجًا مسرورًا ومفاخرًا مكاثرًا بأنه قد خطا خطوة حسنة في طريق إلغاء الأحكام العرفية، فرد إلى الناس حريتهم في الكتابة، والخطابة، والانتقال، والاجتماع. وقد ارتاب المرتابون يومئذ، وطلبوا إليه أن يستصدر مرسومًا يسجل به رد هذه الحريات، ولكن الناس عاتبوهم وبينوا لهم أن هذا إسراف في سوء الظن، وأن رئيس الوزراء رجل إذا قال فعل وإذا وعد وفَّى، ثم لم يَمْضِ شهر أو أقل من شهر حتى مُنِعَ الانتقال، ومُنِعَ الاجتماع، ومُنِعَت الخطابة، ومُنِعَت الكتابة بأمر عسكري أمضاه رئيس الوزراء.

    وأقبل وزير المعارف ذات يوم على مجلس النوَّاب، فتحدث في سياسة التعليم، وأعلن أنه لن ينفذ سياسته الجديدة حتى يعرضها على المجلس الأعلى ويظفر منه بإقرارها، وحتى يعرضها على مجلسي البرلمان ويظفر منه بإقرارها، ثم انصرف وزير المعارف عن البرلمان وأخذ في تغيير سياسة التعليم، وقلبها رأسًا على عقب، والبرلمان منعقد لم ينفضَّ ولم ينقضِ كما يقول حكيمنا العظيم، ولم يَنْسَ وزير المعارف إلا شيئين اثنين؛ أحدهما: أن للتعليم سياسة قائمة قد أقرها برلمان شرعي، وأقرها في مجلسيه، فلا ينبغي أن تُغيَّر إلا بقرار من البرلمان، الثاني: أنه هو نفسه وعد البرلمان القائم بألا يُغيِّر سياسة التعليم حتى يظفر بموافقته. نسي هذين الأمرين، وهو مع ذلك عضو في وزارة جاءت لتصلح الفاسد، وتقوم المعوج، وتنفذ الدستور نصه وروحه إنفاذًا صحيحًا.

    بل نسي أكثر من هذا، نسي أن للتعليم قوانين قائمة لا يجوز أن تُغيَّر إلا بقوانين تنسخها وتقوم مقامها، ولكنه مع ذلك يُغيِّر سياسة التعليم غير حافل بقرار البرلمان السابق، ولا آبهٍ بوعده للبرلمان القائم، ولا متحرج من تحميل القوانين القائمة ما لا تطيق، وأنا أعلم أنه لن يعدم تأويلًا يفسر به موقفه، يلتمسه هو في فقهه هو بالقانون، ويلتمسه في فقه أقلام القضايا بالقانون، ولكني أعلم أيضًا أن للفقهاء حِيَلًا فقهية يعلم وزير المعارف من براعتها ورشاقتها أكثر مما أعلم، ويعلم وزير المعارف أن الناس يلجئون إليها حين يضيقون بنص القانون وروحه، وقد جاءت الوزارة الحاضرة فيما تزعم لتنقذ الدستور نصًّا وروحًا في غير عوج ولا التواء.

    وقرر مجلس النوَّاب ألَّا تعرض الصحف من قريب أو من بعيد فيما تدرسه لجنة التحقيق، ولكن وزير المالية قد ترك لصحيفته أن تخالف في صراحة، واستمرار، وتحدٍّ عن أمر مجلس النوَّاب؛ لأنه جاء فيمن جاء ليحترم الدستور، ولِيُعلِّم الناس احترام الدستور.

    وكذلك يتنافس الوزراء في احترام الدستور على هذا النحو البديع ليصدقوا ما قال أبو العلاء:

    إذا كان رب البيت بالدف مولعًا فشيمة أهل البيت كلهم الرقص

    ورب البيت هنا هو رئيس الوزراء الذي قال ولم يفعل، ووعد ولم يَفِ بالوعد.

    على أن هناك نوعًا آخر من احترام الدستور بأسلوب بديع في نصه وروحه، وفي لفظه ومعناه. فقد يُقال إن الاستجواب هو الطريقة التي نظمها الدستور لمحاسبة الوزراء، والاستجواب ينتهي عادة بإبراء ذمة الوزير، واحتفاظه بثقة المجلس الذي يُستجوَب فيه، أو بفقدان الوزير هذه الثقة واستقالته إن كان الاستجواب في مجلس النوَّاب، وقبوله للوم أو استقالته إن أراد حين يكون الاستجواب في مجلس الشيوخ.

    والمصريون جميعًا يعلمون أن استجوابات قُدِّمَتْ إلى مجلس النوَّاب فأُرْجِئَتْ وأُرْجِئَتْ، وانفضَّ مجلس النوَّاب أو انقض دون أن تُنظَر هذه الاستجوابات، أي دون أن يتمكن النوَّاب من محاسبة الوزراء. والمصريون جميعًا يعلمون أن استجوابًا قُدِّم إلى مجلس الشيوخ ونُوقِش فيه، ثم انفض مجلس الشيوخ أو انقض، ولم يعرف أحد رأي المجلس في هذا الاستجواب.

    أليس هذا كله احترامًا بديعًا للدستور؟!

    أليس هذا كله تنفيذًا للدستور بنصه وروحه في غير عوج ولا التواء؟!

    أليس هذا كله دليلًا على أن الديمقراطية التي تظلنا في هذا العهد ناصعة كالثلج، شفافة كالزجاج، وقد كدت أقول أنها رخوة كالزجاج أيضًا، ولكن أستغفر الله وأبرأ إليه من هذا الخاطر الذي هم الشيطان أن يلقيه في روعي فرددته به ردًّا عنيفًا.

    فديمقراطيتنا نقية كضوء الشمس، صافية كصفو السماء في أحسن أيام الاعتدال، صلبة كجبل المقطم، رائعة كجلال الأهرام. تنبئ الناس جميعًا في مصر وفي خارج مصر بأن ليس في الإمكان أبدع مما كان، وبأننا نُحكَم على أحسن أسلوب يمكن أن تُحكَم به الشعوب، يقول وزراؤنا فيفعلون، ويعدون فيبرون، ويأمرهم البرلمان فيطيعون؛ فهم حماة الدستور، وهم حفظة القانون، وهم آخر من يصح أن نفكر فيه إذا ذكرنا قول زياد: «إن كذبة المنبر بلقاء مشهورة، فإذا تعلقتم عليَّ بكذبة، فقد حلَّت لكم معصيتي، فإذا سمعتموها مني فاغتمزوها فيَّ، واعلموا أن عندي أمثالها.»

  • رضًا …

    حديث الوادي: رضًا …
    طه حسين
    جريدة الوادي
    ٦ يونيو ١٩٣٤
    أما مجلس النواب، فقد أقرَّ أمسِ خطةَ الوزارة في أزمة المحاكم المختلطة بعد ذلك الاستجواب الطويل العريض، ومعنى ذلك — إن كانت لنا عقول تفهم — أنه لا يرى من حقه أن يعرض لهذه الأزمة، إلا حين تطلب الوزارة إليه ذلك، فأمرها إذن مقصور على السلطة التنفيذية، لا ينبغي للمجلس أن يقترح في حلها شيئًا.
    ولا تقل للنواب: إن مسألة المحاكم المختلطة مسألة مصرية خالصة، ما دام قد قالوا: إن من حق مصر أن تُلْغِي هذه المحاكم بقانون تصدره، لا تفاوض في وضعه، ولا في إهداره. وما دام الأمر موقوفًا على إصدار حق كل مصري، فمن حق مجلس النواب أو من حق البرلمان أن يقترح إصدار هذا القانون، بل أن يضع هذا القانون ويسلك ما ينبغي لإصداره من طريق.
    لا تقل هذا للنواب؛ فقد قيل لهم فأعرضوا عنه ولم يحفلوا به، وما ينبغي لك أن تكون نائبًا أكثر من النواب، ولا حريصًا على حق البرلمان أكثر من أعضاء البرلمان، وإن كان البرلمان لا يملك حقوقه إلا لأنها حقوق الشعب؛ فقد أنابه عن نفسه في حمايتها وصيانتها، بل في توسيعها وزيادتها، ما وسعه ذلك في حدود الدستور.
    ولكن هذا كلام كان يقال أمس، فأما قوله اليوم فلا ينبغي ولا سبيل إليه؛ لأنه يوصف بالغلو والإسراف، وبالميل إلى التحدي وتجاوز الحدود. وما دام النواب قد رضوا، واطمأنوا، فكل شيء حسن، وكل شيء يجري على أحسن ما تجري عليه الأمور. وأما مجلس الشيوخ فقد رضي حتى تعب من الرضا، واطمأنَّ حتى سَئِمَ الاطمئنان، وزهد في الاجتماع، وآية ذلك أن كثرته تخلَّفت عن جلسة أمس، ولم تُقْبِل عليها إلا قلة ظلت تنتظر مع الرئيس والمكتب أكثر من نصف ساعة، ثم طال عليها الانتظار؛ فتفرَّقت بعد أن أعلن الرئيس أن المجلس لم يجتمع؛ لأن العدد القانوني لم يكتمل، وبعد أن أعلن الرئيس أن الاجتماع المقبل سيعقد يوم الاثنين.
    والله يعلم أيعقد الاجتماع يوم الاثنين أم تتخلَّف عنه الكثرة التي تخلَّفت أمس! فقد أكثر مجلس الشيوخ من الاجتماع حتى شَبِعَ منه، وانصرف عنه، وأقبل الصيف الذي يحبُّ الراحة والنزهة والسفر والاستمتاع بالهواء الطلق والنسيم العليل. ولولا أن مجلس الشيوخ مطمئنٌّ إلى أن مصالح الأمة لا تتعرض لخطر، ولا يُخشَى عليها بأس، لما تخلفت من أعضائه كثرة ولا قلة، ولَمَا تردَّدَ في الاجتماع كلَّ يوم، آناء الليل وأطراف النهار؛ ليرعى الحقوق، ويصون المصالح، ويحفظ المنافع من الضياع. فأما وأمور مصر إلى وزارة حزم وعزم، فلا بأس على المجلس من أن يجتمع أو يتفرق، ولا جناح على المجلس في أن يتعب أو يستريح.
    النواب إذن راضون مطمئنون، والشيوخ كذلك مطمئنون راضون، وقد كان الأجانب ساخطين فرضوا، وكانوا غاضبين فسكت عنهم الغضب، وكانوا خائفين فأمنوا، وكانوا يائسين فابتسم لهم الأمل، وغمرهم الرجاء. هم راضون في مصر، وهم راضون في أوروبا، بعد أن ألقى رئيس الوزراء رده على الاستجواب أول أمس، فبيَّن للنواب أنه لا ينبغي لهم أن يعرضوا لأزمة المحاكم المختلطة، إلا حين تريدهم الحكومة على ذلك. وأهدى إلى الأجانب طاقة من الزهر الجميل، قد نُسِّقت تنسيقًا جميلًا. وما لهم لا يرضون وقد كان رئيس محكمة الاستئناف المختلطة ينكر على مجلس النواب تعرضه لهذه المحاكم، وكان وزير الحقانية يمانع الرئيس في هذا الرأي، ويُبِيح للنواب أن يتعرضوا من شئون مصر لكل ما يشاءون، وكان الأجانب يُشْفِقون أن يكون الوزراء جميعًا متضامنين مع وزير الحقانية في هذا الرأي؛ فظهر أول أمس أن الوزراء يرون رأيًا غير رأي وزير الحقانية، ويوافقون رئيس محكمة الاستئناف على أن البرلمان لا ينبغي له أن يخوض في أمر المحاكم المختلطة، إلا حين تطلب الحكومة إليه ذلك؛ لأنه أمر دولي يمسُّ السلطة التنفيذية وحدها؟!
    والإنسان يخطئ ويصيب، وأكبر الظن أن وزير الحقانية رأى أنه كان مخطئًا؛ فعدل عن الخطأ وثاب إلى الصواب، وتضامن مع الوزراء، بعد أن أبى الوزراء أن يتضامنوا معه. وقد قبل النواب رأي الوزراء، ورأي رئيس محكمة الاستئناف المختلطة، ورأي الأجانب؛ فمن حق الأجانب إذن أن يرضوا، وقد فعلوا، أعلنوا رضاهم في مصر؛ فنشرت صحفهم كلامًا كثيرًا فيه تحية لرئيس الوزراء، وشكر له، وإعجاب به، وثناء عليه، وتستطيع أن تقرأ البورص التي صدرت مساء أمس. وأعلنوا ذلك في أوروبا؛ فرضيت الطان واغتبطت، وأثنت الطان وحمدت، وتستطيع أن تقرأ ذلك في برقيات الأهرام التي صدرت صباح اليوم.
    كل شيء حسن إذن: النواب راضون، والشيوخ راضون، والأجانب راضون، والإنجليز راضون، أليس الوزراء سيتناولون الغداء على مائدة المندوب السامي ظهر اليوم؟! أليس هذا آية على الرضا والوفاق؟ يجب إذن أن نحمد الله، ما دام كل شيء حسنًا، وما دام سادتنا وموالينا من المصريين والأجانب راضين مبتهجين.
    ستقول: ولكن الشعب المصري ليس راضيًا ولا مبتهجًا، وليس آمنًا ولا مطمئنًّا، ولكنه ساخط كلَّ السُّخْط، مكتئب كل الاكتئاب، خائف كلَّ الخوف، قلق أشدَّ القلق، وقد يكون هذا حقًّا. ولكن الشعب المصري حر، إن شاء أذعن واستكان فأراح واستراح، وإن شاء غضب وسَخِط؛ وحينئذ فلينظر الشعب المصري، فماء النيل غزير، والبحر أغزر ماءً من النيل، فليشرب من هذا أو ذاك؛ فقد يجد في هذا أو ذاك ما يُخَفِّف سخطه وغضبه، ويرده إلى الأمن والاطمئنان!
    لا بأس على مصر، ما دام الوزراء والشيوخ والنواب والأجانب والإنجليز راضين.

  • مداورة

    حديث المساء: مداورة

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١٥ فبراير ١٩٣٤

    وقد تكلم صدقي باشا آخر الأمر بعد أنْ آثر الصمت وتعلق به وألح فيه، وكان الذي أخرجه عن هذا الصمت كلام نشرته المقطم مساء أمس، وظن صدقي باشا أنه أوحي به إلى المقطم، بل قال صدقي باشا: إنه سمع منذ أيام أنَّ الوحي سيهبط على المقطم بهذا الكلام.

    فلما هبط الوحي على المقطم — إنْ صح ما قاله صدقي باشا — لم يجد محب الصمت بدًّا من أنْ يخرج عن الصمت، ولم يجد الدكتاتور العظيم مندوحة عن أنْ يقبل هذا التحدي، وأنْ يرد على كلام بكلام، ولا ينبغي أنْ تنخدع بما قاله صدقي باشا، فإن صدقي باشا لم يقل في حقيقة الأمر شيئًا، إنما أحس أنَّ وحيًا هبط على المقطم، فأنزل هو وحيًا على الأهرام، واستحال الأمر إلى خصومة بالوحي، وحرب بالكلام بين شخص مستتر يوحي إلى المقطم، وشخص ظاهر يوحي إلى الأهرام.

    فأما مصر ومصالحها، فأما العدل والحق وكرامتهما، فأما حقيقة الأمر فيما يتصل بصدقي باشا من قصة الكورنيش، فأما رأى الناس في رجل أشرف على أمور الدولة أكثر من ثلاثة أعوام، وكثرت حوله الأنباء والإشاعات، وأثار خصومه حوله الشكوك والريب والظنون، فكل هذه أمور لا قيمة لها ولا خطر، ما دام شخص مستتر يستطيع أنْ يوحي إلى المقطم، وشخص ظاهر يستطيع أن يوحي إلى الأهرام، وما دام القُرَّاء يستطيعون أنْ يقرءوا ما يوحي به هذا وذاك، وأن يلاحظوا أنَّ موحي المقطم كان لبقًا، وأنَّ موحي الأهرام كان رشيقًا مداورًا، وما دام الأمر كله يستطيع أنْ يستحيل إلى خصومة كلامية تعتمد على التصريح والتلميح، ويقضي القُرَّاء فيها بالمهارة لهذا الموحي أو ذاك.

    إنَّ من المؤلم حقًّا أنْ تستحيل أمور مصر إلى هذا اللغو، وأنْ يراد بالمصريين أنْ يقنعوا بهذا الفن من فنون المزاح في أشد المسائل بعدًا عن اللغو والمزاح. إنَّ الفرنسيين لم يكتفوا بالغمز واللمز تنشرهما صحف المساء والصباح حين ظهرت في بيئتهم تلك الفضائح المالية، وإنما تجاوز الأمر عندهم صحف الصباح والمساء إلى الوزارة، ثم إلى البرلمان، ثم إلى القضاء، ثم إلى الشارع … وانتهى الأمر عندهم إلى ما هو معروف من سقوط وزارتين، ومن حركة عنيفة قمعت بالحديد والنار في باريس وغير باريس، ومن تعرض النظام السياسي كله للخطر، ولم ينته الأمر في فرنسا بعد … والله يعلم متى ينتهي، وإلام ينتهي، وكيف ينتهي.

    ونحن — والحمد لله — متواضعون، نقدر ما بيننا وبين فرنسا من الفروق، ونعلم حق العلم أننا نطلب المحال إنْ أردنا أنْ تستقيل وزارة لقصة الكورنيش كما استقالت وزارة لقصة استافسكي، ونحن أبعد الناس عن أنْ نطلب مثل ما فعله الفرنسيون، إنما نطلب شيئًا يسيرًا جدًّا … شيئًا من أيسر حقوقنا أنْ نطلبه، ومن الغريب ألا نُجاب إليه … نطلب أنْ يُسأل الذين يحتملون التبعات عما يحملون من التبعات، نطلب أنْ يُسأل الذين ينفقون الأموال العامة عما ينفقون من هذه الأموال، نطلب أنْ تمحى الشكوك والظنون عن الذين ينهضون بأمور الدولة، ويتشرفون برياسة الوزارة.

    نطلب ألَّا تسوء آراء الناس في رؤساء الوزارات والوزراء، وألَّا يقول بعضهم لبعض: لقد كثرت الأحاديث والإشاعات حول فلان فلم يستطع — أو لم يرد — أنْ يثبت أنه فوق الأحاديث والإشاعات، ولم تستطع الدولة — أو لم ترد — أنْ تثبت أنه فوق الأحاديث والإشاعات … نطلب آخر الأمر ألا يمتاز صدقي باشا من بقية المصريين، وأن يُسأل صدقي باشا عما يُضاف إليه، كما يُسأل المصريون عما يضاف إليهم، وأن يثبت آخر الأمر في وضوح وجلاء أنَّ صدقي باشا رجل سياسي لا غبار عليه، وأنَّ الذين يقولون في صدقي ما يقولون إنما يتجنون عليه، ويتهمونه بما هو بريء منه؛ كيدًا له، وإغراء به، وتأليبًا عليه.

    هذا هو الذي نطلبه، وهو — كما ترى — شيء يسير لا خطر له بالقياس إلى ما طلبه الفرنسيون، وما يزالون يطلبونه، ومع ذلك فنحن لا نُجاب إلى هذا الذي نطلبه، لا تُجيبنا إليه الدولة لأمر يعلمه الله، وتعلمه هي، ولا يُجيبنا إليه صدقي باشا لأمر يعلمه الله، ويعلمه هو … والظريف مع ذلك أنَّ صدقي باشا يتحدث إلى «الإجيبشيان جازيت» فيذكر الديمقراطية الصحيحة، ويذكر التنفيذ الصحيح للدستور، وهو يعلم حق العلم أنه قادر — إنْ أراد — على أنْ يحقق الديمقراطية الصحيحة حين يُسوِّي بين نفسه وبين المصريين، وحين يقدم إلى اللجنة ما تنتظر أنْ يقدم إليها من البيان، أو حين يطلب إلى البرلمان أنْ يؤلف لجنة تسأله وتسمع منه، فصدقي باشا يفسد الديمقراطية حين لا يُمكِّنها من نفسه، وهو مع ذلك يدعو إلى هذه الديمقراطية، ويعلن أنها ضرورة من ضرورات الحياة المصرية إنْ كان المصريون يريدون الاستقلال.

    والدولة تعلم من ذلك ما يعلمه صدقي باشا، ولكنها تقف من ذلك موقف صدقي باشا نفسه … تريد أنْ تعرف الحق، وأن تعرِّفه للناس، ولكنها لا تسعى إلى معرفة هذا الحق، ولا إلى تعريفه للناس، ونحن بعد هذا وذاك نعيش في بلد ديمقراطي فيه دستور يجعل الناس سواء أمام القانون، ويجعل الوزراء مسئولين عن أعمالهم أمام البرلمان.

    وأغرب من هذا وذاك أنَّ صدقي باشا يتحدث إلى «الإجيبشيان جازيت»، فيعلن أنه قد أراد بتغيير النظام تقوية الأمة، وتحقيق الديمقراطية الصحيحة فيها، وتمكينها من كسب الاستقلال، وهو يقف موقفًا أقل ما يوصف به أنه موقف المحارب للديمقراطية، الخارج عليها، المُضْعِف للأمة، المباعد بينها وبين الاستقلال، المباعد بينها وبين احترام الإنجليز وغير الإنجليز.

    أعلن صدقي باشا في الصحف أنه مستعد لأن يقدم إلى لجنة الكورنيش من البيانات ما تحتاج إليه؛ ليثبت أنَّ الصلة بينه وبين مقاول الكورنيش صلة نقية لا غبار عليها، ثم ظهر أنَّ لجنة الكورنيش لا تستطيع سؤاله، فطلبنا إليه نحن أنْ يقدم إليها ما وعد بتقديمه من البيان، وألححنا عليه في هذا الطلب، ثم خيرناه بين هذا وبين الالتجاء إلى البرلمان؛ ليؤلف لجنة تنظر فيما عنده من بيان، ولكن صدقي باشا لم يصنع شيئًا، ولم يختر شيئًا، بل آثر الصمت، ونسى الوعد الذي كان قد وعد به حين كان يصول ويجول في الصحف، وطلبنا إلى الحكومة أن تهيئ لسؤال صدقي باشا في البرلمان، فلم تصنع الحكومة شيئًا، وطلبنا إلى البرلمان أن يسأل صدقي باشا، فلم يصنع البرلمان شيئًا، وسجلنا بعد ذلك أنَّ صدقي باشا رجل ممتاز، وأن امتيازه هذا مخالف للدستور والقانون، وأن الذين يطلبون إلغاء امتيازات الأجانب خليقون أن يطلبوا قبل ذلك إلغاء امتيازات المصريين؛ فلم يصنع أحد شيئًا.

    ثم نشرت أمس تلك الأسطر التي نشرت في المقطم، فتحرك صدقي باشا، وليته لم يتحرك، وكتب صدقي باشا، وليته لم يكتب؛ لأنه لم يزد على أنْ أثبت أنه رجل ممتاز تميزه الظروف، أو يميز نفسه من المصريين جميعًا، ويتحدى الحكومة القائمة، ويتحدى معها البرلمان فيما يظهر، ويتحدى الدولة كلها هادئًا مطمئنًا، مزينًا ثغره بابتسامته الساحرة التي يكثر عنها حديث الناس.

    نشرت المقطم أنَّ اللجنة تنتظر أنْ يرسل إليها صدقي باشا ما وعد بإرساله من بيان، فقال صدقي باشا: إنَّ مركزه لا يسمح له بأن يرسل إلى اللجنة بيانًا ما. ومعنى ذلك أنَّ صدقي باشا قد استكشف في آخر الأمر كما استكشفت الدولة في آخر الأمر أيضًا أن ليس للجنة سبيل عليه. وكان صدقي باشا في أول الأمر يظن أنَّ للجنة عليه سبيلًا، فوعد بأن يقدم إليها كل ما تحتاج إليه من البيان، فلما ظهرت له جلية الأمر في مركزه ابتلع وعده ابتلاعًا، وأعلن أنه لا يستطيع أنْ يقدم إلى اللجنة بيانًا ما، وكانت الدولة في أول الأمر تظن — فيما يظهر — أنَّ للجنة سبيلًا على صدقي باشا، فلما ظهرت لها جلية الأمر اكتفت بهذه الأسطر التي نشرت في المقطم أمس، ورد عليها صدقي باشا بهذا الرد الذي نُشِرَ في الأهرام صباح اليوم.

    ولكن الأمر لا يقف عند هذا الحد؛ فصدقي باشا رجل متفضل على اللجنة لا يريد أنْ يتركها حائرة هائمة، ومن حقه أنْ يفعل إنْ أراد، فليس للجنة سبيل عليه، ولكنه يتفضل عليها وعلى الحكومة، وعلى رئيسها الرجل الطيب، فيطلع صديقًا من أصدقائه الذين لهم مكانة في الحكم، والذين ترجع إليهم اللجنة فيما عنده من المستندات، ويكتفي بذلك، ويريد أنْ تكتفي اللجنة منه بذلك، فأي فضل يشبه هذا الفضل؟ وأي طول يشبه هذا الطول؟ إنَّ صدقي باشا لرفيق باللجنة شفيق على الحكومة؛ كان يستطيع ألَّا يحفل باللجنة ولا بالحكومة، ولكنه مع ذلك تفضل فأظهر ما عنده من المستندات لصديق في الحكومة ترجع اللجنة إليه.

    أرأيت جراءة تشبه هذه الجراءة؟! أرأيت تحديًا يشبه هذا التحدي؟! أرأيت استخفافًا بالوزارة واللجنة والمصالح العامة يشبه هذا الاستخفاف؟ مئات الألوف من الجنيهات تُنْفق، ويشك الناس، وتشك الحكومة في طريقة إنفاقها، وتؤلف لتحقيق ذلك لجنة، ولكن صدقي باشا يكتفي بأن يظهر ما عنده من المستندات لرجل من الأصدقاء؛ ليتحدث عنها إلى الحكومة أو إلى اللجنة. مسألة يُطلب فيها التحقيق الرسمي، فيعالجها صدقي باشا بالطريقة العرفية. وهو في هذا العلاج متفضل متبرع لا سلطان لأحد عليه، بل هو ينتظر أن تشكره اللجنة، وأنْ تشكره الحكومة؛ لأنه أظهر ما عنده من المستندات لبعض الأصدقاء.

    وقل بعد ذلك: إننا نعيش في بلد ديمقراطي يخضع لأحكام الدستور، ويجعل الناس سواء أمام القانون، ويُسأل فيه الوزراء أمام البرلمان، وتحاط فيه الأموال العامة بما شئت وما لم تشأ من ألوان الحماية والرعاية. قُلْ هذا كله ولا تخف أنْ يضحك منك الناس، ولا تخف أنْ يضحك منك الأجانب بنوع خاص، ولا تخف أنْ يضحك منك الفرنسيون، ولا تشك في أنَّ حياتنا الحاضرة تضمن لنا احترام الإنجليز وإقناعهم بأننا قوم أحرار، وبأننا أهل لمفاوضتهم، وأهل لكسب الاستقلال.

    ويقرأ الرجل الطيب هذا الكلام الذي يكتبه صدقي باشا في الأهرام، فيبلع ريقه، وينظر في المرآة، ويذهب إلى المحطة ليأخذ القطار إلى الإسكندرية. ومن يدري؟! لعله يؤخر سفر القطار دقائق في هذا اليوم كما أخَّره دقائق منذ أيام.

    ونشرت المقطم أنَّ صدقي باشا كان قد وعد بتقديم البيان إلى اللجنة في الصحف، وكان قد أفهم بعض أعضاء اللجنة أنه مستعد لتقديم هذا البيان، فينشر صدقي باشا في الأهرام أنه لم «يتشرف» بلقاء أحد من أعضاء اللجنة، ولم يعده بتقديم هذا البيان. وما رأي صدقي باشا في وعده الذي سجله على نفسه في الصحف، والذي لا يستطيع محوه ولا إنكاره؟ لماذا عدل عن هذا الوعد وأعرض عن تقديم البيان؟ لأنه كان يظن أنَّ للجنة عليه سبيلًا، فلما ظهر له أنه محمي من سؤال اللجنة صال وجال، واسترد وعده الذي كان سبق بتقديمه في الصحف.

    وما رأى صدقي باشا في أننا نؤكد له ونحن واثقون بما نقول، أنه قد اتصل ببعض أعضاء اللجنة وأفهمه أنه مستعد لتقديم البيان، ولسنا نزعم أنه لقي أحدًا من أعضاء اللجنة، ولكننا نزعم أنه اتصل ببعض أعضاء اللجنة، ونظن صدقي باشا يوافقنا على أنَّ من الممكن أنْ يتصل بعض الناس ببعض دون أنْ يلقى بعض الناس بعضًا، ومن الممكن أنْ يتحدث بعضهم إلى بعض دون أنْ يرى بعضهم وجوه بعض.

    فنحن — إذن — نؤكد أنَّ صدقي باشا قد اتصل ببعض أعضاء اللجنة، وقد وعد بتقديم البيان إذا لم يقدمه المقاول، فما بال صدقي باشا يعدل الآن عن هذا الوعد الشفهي كما عدل عن ذلك الوعد الكتابي؟ ليس في الأمر شيء غريب، فصدقي باشا واثق بأن اللجنة لا تستطيع أنْ تسأله، وصدقي باشا لهذا لا يقدم إلى اللجنة بيانًا، وحسبه أنْ يتفضل، فيظهر ما عنده من المستندات لصديق يسعى بينه وبين اللجنة سعيًا عرفيًّا، قوامه المودة وحب الإصلاح.

    ولا يشير صدقي باشا إلى اللجنة البرلمانية … ولم يُشِر إليها، ولم يفكر أحد فيها، وليس لأحد عليه أنْ يحمله على أنْ يقدم نفسه إلى التحقيق ما دامت الدولة لا تدعوه إلى التحقيق. صدقي باشا — إذن — رجل متفوق الآن … متفوق على خصومه الذين أثاروا حوله ما أثاروا، وأرادوا به ما أرادوا، ثم ردوا عنه خاسئين، متفوق على الوزارة التي لا تستطيع — أو لا تريد — أنْ تسأله عن شيء، متفوق على البرلمان الذي لا يريد أنْ يسأله عن شيء، متفوق على المصريين جميعًا؛ لأن المصريين جميعًا يريدون أنْ يعرفوا حقيقة موقفه من قصة الكورنيش، ولا يجدون إلى ذلك سبيلًا، ونحن مع هذا كله بلد ديمقراطي خاضع لحكم الدستور، يستوي الناس جميعًا فيه أمام القانون، ويُسأل الوزراء فيه أمام البرلمان. والغريب أننا نقول ذلك ونكتبه ولا نستحي، وأنَّ صدقي باشا نفسه يتحدث بذلك إلى الإنجليز.

  • امتحان (١)

    امتحان (١)
    طه حسين
    كوكب الشرق
    ٩ فبراير ١٩٣٤

    ونقول اليوم كما قُلنا أمس، وكما قُلنا أول أمس: إنَّ فكرة الديمقراطية في مصر تُمْتَحَنُ الآن امْتِحانًا دَقيقًا عَسيرًا، كما يمتحن فهم المصريين لها، وإيمانهم بها، امتحانًا دقيقًا عسيرًا. بل نقول اليوم أكثر مما قُلنا أمس وأول أمس، نقولُ: إنَّ النظام القائم نفسه هو الذي يُمْتَحن الآن امتحانًا دقيقًا عسيرًا، والذي يمتحنه هو صدقي باشا مُنْشِئ النِّظام القائم، والذي حماه أكثر من ثلاثة أعوام، وتكلف في حمايته ما تكلف، وكلف المصريين في هذه الحماية ما كلفهم.

    ففكرة الديمقراطية الصحيحة تقتضي أنْ يُسأل الوزراء عما فعلوا، وهي تقتضي أن يكون سؤال الوزراء شديدًا مُتحرجًا، مُبالغًا في الشدة والتَّحرج؛ لأنَّها تقتضي أن يكون الذين ينهضون بالأعمال العامة أطهارًا أتقياء، لا فيما بينهم وبين أنفسهم فحسْب، بل فيما بينهم وبين الناس قبل كل شيء؛ لأنَّ الثِّقَةَ بنزاهة الوزراء هي قوام الحكم في كل نظام، وهي قوام الحكم في نظام الديمقراطية خاصة. ولا ثقة حيث تُوجَدُ الإِشَاعَات ويَكْثُر فيها حديث الناس، وتخوض فيها الأندية في الليل والنَّهار، ثُمَّ لا تَجِدُ من شمس الحق المُشرقة ما يبدل سحابها الكثيف أو الرَّقيق.

    والنظام القائم ديمقراطي فيما يقول أصحابه ومنشئوه، وهو قد قَرَّرَ أَنَّ الوزراء مسئولون، وهو قد قرَّرَ أنَّ الوزراء يُحَاكَمُون إذا اقتضت أعمالهم أن يحاكموا. وقد ملأ صدقي باشا وأصحابه، وملأ الرجل الطيب وأصحابه أسماع الناس وقلوبهم وعقولهم، بكلماتِ العدل والقسط والنَّزَاهة والإنصاف والدِّيمُقراطية، وما يشبه هذه الكَلِمَات التي يُحِبُّ الناس أن يَسْمَعُوها، ولكنهم يحبون قبل كل شيء أن يروا معانيها الجميلة الرائقة، وأن يبلوا آثارها الحلوة العذبة، وأن ينعموا برحمتها ويطمئنوا إلى أنها تبسط عليهم ظلها، وتحميهم من الجور والظلم والعبث، وتطرد عنهم القهر والعسف والاستبداد.

    والناس يشهدون هذا الامتحان الذي تخضع له فكرة الديمقراطية، ويخضع له النِّظام القائم، وهم يُحِبُّون أنْ يَرَوا نتيجة الامتحان؛ ليعلموا أنَّ فِكْرة الديمقراطية موجودة حقًّا في مصر، وليعلموا أنَّ النِّظام القائم يُحَقِّق هذه الفكرة ويحميها، ويُثبت أنَّه صَالِحٌ للبقاء وقادرٌ عليه. وموضوع الامتحان سهل يسير ليس بالمعضل ولا بالمعجز، يستطيع أبسط أصول الديقراطية، ويستطيع أبسط النظم الديمقراطية أنْ يجوزاه مع نجاح عظيم. فوزير الداخلية السابق صدقي باشا قد أجاز أعمالًا خطيرة شعر الناس بخطرها وأكثر الناس فيها الحديث، وزَعَمُوا أنَّها أَضَاعَتْ مئات الألوف من الأموال العامَّة، وشعرت الوزارة القائمة نفسها بهذا الخطر، وجزعت له، وأَظْهَرَتِ الحِرْصَ على أن تتبينه وتُعاقب الذين تورطوا، وورطوا غيرهم فيه، وأُلِّفَتْ لذلك لجنة كلفتها التحقيق الدقيق، وانتظر الناسُ وانْتَظَرَتِ الحُكومة نتيجة هذا التحقيق.

    فالمسألة التي تلقى الآن على الديمقراطية والنظام الدِّيمُقراطي في مصر، هي هذه: أيبلُغ التحقيقُ صدقي باشا أم يعجز عن الوصول إليه؟ وقد كان الجواب الأول مُحزنًا مع الأسف فقد ظهر أنَّ التَّحقيق الذي فرضته الحكومة، وأنشأت له لجنة لا يستطيعُ أنْ يبلغ صدقي باشا، بل لا يستطيع أن يفكر في الوصول إلى صدقي باشا؛ لأنَّ صدقي باشا كان وزيرًا؛ ولأنَّ الوزراء لا يسألون إلا أمامَ البرلمان ولجان البرلمان، واللجنة التي ألفتها الحكومة ليست برلمانية، وظهر أيضًا أنَّ السلطة القضائية القائمة ليستْ مُخْتَصَّة بسُؤال صدقي باشا وإنما البرلمان وحده هو المختص بهذا السؤال. وليس على شيء من هذا كله غبار، فليس الخطر على الديمقراطية والحق والعدل ألا يسأل صدقي باشا أمام اللجنة أو أمام السلطة القضائية، وإنما الخطر كل الخطر والإفلاس الديمقراطي كل الإفلاس، والهزيمة المنكرة للحق والعدل والإنصاف والنزاهة، ألا يسأل صدقي باشا بحال من الأحوال. وقد تكلمنا أمس، وتكلمنا أول أمس، عن موقف الوزارة القائمة من هذه المَسْأَلة، حين أُلِّفت لجنة التحقيق، فقد كانت تعلم من غير شك أنَّ في مصر دُستورًا، وأنَّ الدستور لا يُبيح سؤال الوزراء عن أعمالهم إلا أمام البرلمان، وهي إذن قد ألفت هذه اللجنة، وهي مُعتزمة في نفسها ألا يسأل أمامها صدقي باشا، ونحن نكره أنْ نَعْتَقِدَ أنَّ الوزارة كانت تجهل الدستور. فالمسألة الآن هي: هل يظل صدقي باشا بمأمن من أن يُسأل، ما دامت اللجنة لا تستطيع أن تسأله، وما دامت السُّلطة القضائية لا تستطيع أن تسأله، أم هل ينفذ الدستور الذي أصدره صدقي باشا في صدقي باشا نفسه؟ أم هل يؤلف البرلمان الذي أشرف على انتخابه صدقي باشا لجنةً لسؤال صدقي باشا؟ أم هل يُقِيمُ النِّظام القائم دليلًا لخصومه، وخصوم مُنْشِئِه على أنه قادر على البقاء، مُحَقِّق للعدل والنزاهة، لا يتحرج حتى من أن يسأل مُنشئه ومصدره، والذي حماه أكثر من ثلاثة أعوام؟ هذه هي المسألة، وهي كما ترى مسألة عَظِيمة الخطر، خليقة أن يُعنى الناس بها، ويلتفتوا إليها، ويتحدثوا فيها. وهي خليقة — بنوع خاص — أن يُعْنَى بها الوزراء، لا لأنَّهم خصومُ صِدقي باشا، فأُمور الحكم يجبُ أن تكون فوق الخصومات؛ بل لأنَّهم مكلفون بتنفيذ الدستور، ولأنهم قاموا لحماية النظام الجديد. وهي خليقة أن يُعنى بها الشيوخ والنواب، لا لأنهم أصدقاء الدكتاتور العظيم أو خصومه، فأمور الدَّولة يجبُ أن تكون فوق الحب والبغض، وفوق النصر والخصومة؛ بل لأنهم عمد النظام الجديد، قد أقسموا جميعًا يمين الإخلاص له، والاحترام لأصوله وأحكامه. ثم هي خليقة أن يُعنى بها صدقي باشا، لا ليدفع عن نفسه ما تصوغه حوله الإشاعات، فقد يكون صدقي باشا عند نفسه أرفع من أنْ تَمَسَّه الإشاعات، ولا ليدفع عن نفسه ما قد يتعرض له من سوء الظَّنِّ، فقد يكون صدقي باشا أشجع من أن يحفل بسوء الظن؛ ولكن ليحمي النظام الذي أنشأه، والذي حماه أكثر من ثلاثة أعوام. وصدقي باشا يُحِبُّ هذا النظام، كما يحب الأب الرحيم الشفيق ابنه البر الوفي، فمن حق النِّظام علي صدقي باشا أن يحميه، ومن حق صدقي باشا على نفسه أن يحمي ابنه، وأن يُثْبِتَ للنَّاس ولنفسه أَنَّه أَبٌ رَحِيمٌ يَعْرِفُ كيف يحمي أبناءه الأَعِزَّاء. وصدقي باشا مع ذلك قد أقسم يمين الإخلاص والاحترام للنِّظام القائم، فمن الحق عليه أنْ يبر بهذه اليمين، ومن الحق عليه أن يسعى إلى اللجنة القائمة، وإن لم تَدْعُه، وأن يتحدث إليها وإن لم تدْعُه، وأن يتحدث إليها وإن لم تسأله. فإن شق عليه ذلك ورأى سكوتًا من الوزارة، وسكوتًا من الشيوخ والنواب، فمن الحق عليه أن يطلب إلى مجلس النواب تأليف هذه اللجنة البرلمانية التي تستطيع وحدها أن تدعوه وأن تسأله، وأن تحكم له أو عليه، وأن تثبت أن في مصر ديمقراطية ونظامًا ديمقراطيًّا.

    وكم يرتفع صدقي باشا في أعين الناس إن تقدم إلى البرلمان يطلب إليه تأليف هذه اللجنة! ثم نحب أن نقول في صَرَاحَةٍ ووضوح للوزراء وللشيوخ وللنواب، ولصدقي باشا نفسه: إنَّ التَّحقيق الذي جرى مع المُوَظَّفين في قصة الكورنيش ليس شيئًا إذا لم يتبعه التحقيق مع الوزير الذي أذن لهم في العمل إن كان قد أذن، أو الذي تركهم يعملون بغير إذن، إن كان قد تركهم يعملون بغير إذن. فالموظفون مسئولون من غير شك عن كل ما يعملون، ولكنَّ رؤساءهم من الوزراء ليسُوا أَقَلَّ منهم تبعة، بَلْ هُم أَشَدُّ منهم تبعة وأثقل واجبًا. ولعلَّ مِنْ مُجَاوزة العدل أن يُسأل الموظفون المرءوسون؛ لأنَّ الحكومة تملك سؤالهم ومحاسبتهم، وأن يُترك الوزراء المسئولون؛ لا لشيء إلا لأنَّ الدستور يجعل سؤالهم إلى البرلمان! فليسألهم البرلمان إذن، وليُنشئ بذلك القُدْوَة الصَّالحة والأُسْوَةَ الحَسَنَة، وليبين للموظفين الذين يُسألون أنهم لا يسألون وحدهم وإنما يسأل معهم وزراؤهم أيضًا.

    أرأيت أنَّ الامتحان الذي تجوزه الديمقراطية، والنِّظام الديمقراطي في مصر الآن ليسا من الأشياء التي يُمكن الإغضاء عنها، أو التهاون في أمرها، وإنما هو من الأشياء ذات الخطر حقًّا. أما إذا جرت الأمور كما ينبغي أن تجري في البلاد التي لم يفسد مزاجها الظلم؛ فليس من شك في أن صدقي باشا سيسأل قبل أن يمضي وقت طويل. وأمَّا إذا لم يسأل صدقي باشا؛ فقد يكون من العسير أن نعتقد أن في مصر ديمقراطية وأنَّ النظام القائم قد نجح في الامتحان.

  • حماية (٢)

    حديث المساء: حماية (٢)

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٨ فبراير ١٩٣٤

    نعودُ اليومَ إلى هذا العنوان، وإلى الموضوع الذي تحدثنا فيه أمس، فقد يظهر أنَّ هذا الموضوع خَليقٌ أَنْ يتصل الحديث فيه؛ لأنَّه ليس من اليسر ولا من السهولة، ولا من الهوان بحيثُ ينبغي أن يمر كما يمر غيره من الموضوعات التي تتعرض لها الصحف، ثم لا تلبث أن تذهب بها الريح حين تشرق الشمس أو حين يقبل المساء.

    فهذا الموضوع له خطره العظيمُ من وجوه مُختلفة: هو خطيرٌ لأنَّ قصة الكورنيش نفسها خطيرة؛ ولأنَّ المال الذي ذهب فيها كثير، يكاد يبلغ نصف مليون جنيه؛ ولأنَّ الناس قد عنوا أعظم العناية بهذا المِقْدَار الضَّخْم من أَموال الإسكندرية، وحرصوا أشد الحرص على أن يعرفوا فيمَ أنفق؟ وكيف أنفق؟ وماذا أفادت الإسكندرية من إنفاقه؟ ولأنَّ الوزارة القائمة قد تكلفت إظهار العناية بهذا الأمر، والجد في الكشف عن وجه الحق فيه، فألفت لجنتها التي ألفتها، وانصرف أعضاء هذه اللجنة عن أعمالهم اليومية التي تتصل بمناصبهم وبمصالحهم الخاصة أيضًا إلى درس هذا الأمر وتحقيقه، فكل هذا لا يكون إلا حين يكون موضوع التحقيق خطيرًا حقًّا، خليقًا بهذه العناية العَظيمة من الناس، خليقًا بأنْ تخرج له الوزارة عما ألفت من الأناة والهدوء والاستقرار الذي يُشْبِهُ النَّوم.

    وقد أُثيرت قِصَّةُ الكورنيش في حدة غير مألوفة، ألقيت إلى الناس كما تلقى الصخرة من مكان مُرتفع شَاهق، فكان لوقعها ضجة عنيفة، لفتت إليها كل إنسان، وأطلقت بها كل لسان، وشغلت بها كل ضمير. وما دام الأمرُ كذلك فلا بُدَّ فيما يظهر من أنْ يَنْتَهِيَ التحقيقُ في قِصَّة الكورنيش هذه إلى أقصى ما ينبغي أن ينتهي إليه.

    وهناك ناحية أخرى تجعل هذا الموضوع عظيم الخطر بعيد الأثر في حياة المصريين، فهو في حقيقة الأمر امتحان عسير لأخلاقنا السياسية ولفهمنا للديمقراطية، واستعدادنا لاحتمالها، واحتمال ما تُكَلِّفنا النهوض به من الأثقال. فليست الديمقراطية صورًا وأشكالًا، وإنَّما الدِّيمُقراطية حقيقة من الحقائق، لا قِوَامَ لها ولا ثَبَاتَ، ولا استقرار ولا غناء، إلا إذا اعتمدت على أخلاق مُسْتَقِيمةٍ وطِبَاعٍ قَوِيَّةٍ، وضَمَائِرَ حية، ونفوس مُخْلِصَةٍ في حبها والتضحية في سبيلها بكل شيء.

    وأظهر ما تمتاز به الديمقراطية الصحيحة في الشعوب الحية، إنما هو إكبارها للمساواة، وحرصها عليها، واتخاذها أساسًا لما يكونُ بين الأفرادِ والجَمَاعَات من صلات، ولما يكون بين الشعب والحكومة من صلات. فإذا امْتَازَ بعضُ النَّاس من بعض فيما يتصل بالعدل والحق، أو تفوق بعض الناس على بعض فيما يتصل بالعدل والحق، فليست هناك مُسَاواة، وليست هناك ديمقراطية، وليس هناك عدل ولا حق، وإنما هناك سياسة تقوم على الاستئثار، وتقوم على نظام الطبقات أو على ما هو شَرٌّ من نظام الطبقات. تقوم على هذا النظام المنكر الذي يؤثر فردًا على أمة، والذي يجعل القانون حكمًا عدلًا بالقياس إلى الناس جميعًا، إلا هذا الفرد أو ذاك؛ فإنه يميزه ويؤثره ويرفعه فوق القانون.

    وكل هذا شر لا يُلائم النظام الديمقراطي، ولا يُلائم أخلاق الشعب الديمقراطي، ولا يلائم حياة الشعب الذي يراد أخذه بالتربية الديمقراطية. والواجب الوطني على كل فرد من أفراد الشعب وعلى أفراد المثقفين خاصة، وعلى الذين تكون إليهم قيادةُ الشَّعْبِ بِوَجْهٍ أَخَصَّ، إنَّما هو مُقَاوَمة هذا الفساد بكل ما يملكون من قوة وجهد، والتضحية في سبيل ذلك حتى بما لا تَطِيبُ النَّفس بالتضحية به إلا في مشقة وعسر.

    وليس في الديمقراطية شيء أشد إحساسًا مِنْ هذه الأمور التي تمس المساواة بين الأفراد من جهة، والتي تمس جباية الأموال العامة، وتدبيرها وإنفاقها في وجوهها من جهة أخرى. فكل بلد يَحْرص على الحياة الديمقراطية، حريصٌ بطبعه على المُساواة، وحريصٌ بطبعه على النزاهة وطهارة اليد والقلب والضمير في كل ما يمس أموال الشعب.

    ومن هنا قلنا وما زلنا نَقول: إنَّ قِصَّةَ الكورنيش التي أُثِيرتْ في هذه الأَيام امتحانٌ دَقِيقٌ عَسِيرٌ للنظام الدِّيمُقْراطي في مصر، ولمقدار الشعور في مصر الرسمية بحب الديمقراطية وتقديسها، والإخلاص في حمايتها. ففي قصة الكورنيش مساس بالأموال العامة، وفي تحقيق قصة الكورنيش اختبار للمساواة. ولا بد أن ينتهي هذا التحقيق إلى إظهار كل شيء. وليعلم المصريون جميعًا وليعلم الأجانب الذين يرقبون أمور المصريين أن الدولة المصرية مخلصة في حماية الأموال المصرية، مخلصة في تحقيق المساواة بين المصريين.

    وقد أَشَرْنا أمس إلى أنَّ صدقي باشا لم يُسأل، ولم يسأل أمامَ لجنة التحقيق؛ لأَنَّه ظَهَر في آخر الأمر أو في أَوَّلِهِ لا ندري، أو لا نُريد أن ندري، ظهر أنَّ هذه اللجنة لا تستطيع أن تدعو صدقي باشا، ولا أن تسأله؛ لأنَّ صدقي باشا كان وزيرًا، وإنما يسأل الوزراء أمام البرلمان. فإذا صح هذا وانتهى التحقيق دون أن يسأل صدقي باشا بوجه من الوجوه، فإنَّ رُكنًا ذا خطر عظيم من أركان الديمقراطية سينهدم، وستسجل مصر الرسمية انهدام هذا الركن؛ وهو ركن المساواة. فليس هناك فرق ما بين صدقي باشا وبين غيره من الذين سئلوا في قصة الكورنيش أمام لجنة التحقيق إلا أن صدقي باشا كان وزيرًا، ولا ينبغي بحال من الأحوال أن تكون الوزارة حصنًا يَحْمي صدقي باشا من أن يسأل عما أتى من الأَعمال ليسمع جوابه، وليُحكم له، أو ليحكم عليه؛ فليستْ الوزارة امتيازًا، وإنما الوزارة خدمة للدَّولَة، يقتضي صاحبها عليها أجرًا، فيجبُ أَنْ يُؤدي عن أعماله فيها حسابًا، إنْ ظهرت الحاجة إلى أن يؤدي هذا الحساب.

    والعقبة الوحيدة التي تحول دون سؤال صدقي باشا هي أنه كان وزيرًا، وأنَّ الوزراء يُسألونَ أمَامَ البرلمان، فلا بُدَّ إذن من أن توجد الوسيلة لإزالة هذه العقبة التي تقوم في سبيل المساواة، ولا بد إذن من أن توجد الوسيلة ليسمع صدقي باشا ما ينبغي أن يُوجه إليه من سؤال، وليقول صدقي باشا ما عنده من جواب. وما نظن أنَّ صدقي باشا نفسه يكره هذا أو يَضيق به؛ فصدقي باشا قد صال وجال، وتحدث إلى الصحف في قصة الكورنيش، وكتب لها البيانات، ودافع عن نفسه قبل أنْ يُهاجمه أحد. ومن فعل هذا كله، فهو مُطْمئن واثق، لا يكره السؤال ولا يتردد في أنْ يجيب إذا دعي، وفي أن يرد إذا وُجِّهَ إليه السؤال.

    ومن هنا نستطيعُ أنْ نُعين بجهدنا الضعيف على إيجاد الوسيلة لإزالة هذه العقبة، فهناك طَرِيقانِ من أَيسر الأُمور أنْ تسلكا إلى تحقيق هذه الغاية؛ الأُولى: يستطيع أن يحققها صدقي باشا نفسه، وهي أن يذهب إلى اللجنة دون أن تدعوه، وأن يدلي إليها بما عنده من البيان وإن لم تسأله. فقد ينبغي أن يكون صدقي باشا أكرم على نفسه، وأَحَبَّ للديمقراطية، وأحرص على المصالح العامة من أن يؤثر الصمت والاستقرار؛ لأنَّ أحدًا لم يدعه، ولأن أحدًا لم يسأله، وهو الذي تحدث إلى الصحف، ولم يكرهه أحد على الحديث، فليتحدث إلى اللجنة دون أن يضطره أحد إلى الحديث.

    وليس من شك في أن حديث صدقي باشا إلى اللجنة سينفعها ويعينها؛ فقد كان صدقي باشا وزيرًا للداخلية، وقد أجازَ صدقي باشا ما أجاز من قصة الكورنيش، وأَجَازَهُ في عجل، وفي غير مهل، وله في ذلك رأي، وله في ذلك حكمة، وله في ذلك تعليلات، من الخير أن تسمعها اللجنة لتقيم حكمها على أساس صحيح. فإذا آثر صدقي باشا الرَّاحة واختار لزوم الصمت، والاستقرار — وهذا حقه طبعًا — فقد نظُنُّ أنَّ الطريق الثانية لا بُدَّ منها، وهي مفروضة حينئذٍ على الرجل الطيب ووزارة الرجل الطيب. وهذه الطريق الثانية هي أنْ يُسْأَل صدقي باشا أمام البرلمان، وقد بين الدستور كيف يكون سؤال الوزراء والتحقيق معهم.

    ونحنُ نَعْلَمُ أنَّ القانون الذي ينظم هذا لم يصدر بعد. ولكن عدم صدور القانون لا يلغي حق البرلمان، ولا يعطل واجبه، ولا يعفي الوزراء من أن يتحملوا تبعات أعمالهم. فالبرلمان قادرٌ في حدود الدستور على أن يؤلف اللجنة البرلمانية التي نص عليها الدستور، وهذه اللجنة تنظم أعمالها وإجراءاتها بنفسها ما دام القانون لم يصدر، وهذه اللجنة تسأل صدقي باشا وتسمع منه، وتتبين وجه الحق في موقفه من قصة الكورنيش. وهذه اللجنة إنْ أُلِّفت وسألت صدقي باشا؛ تحمي المساواة، وتثبت أن الدستور لا يفرق بين الوزراء وغير الوزراء في احتمال التبعات، وتثبت أنَّ لأموال الشعب حماة يصونونها، ويذودون عنها، ويبحثون عما ضاع منها، ويبينون للناس كيف ضاع، ويحاسبون الذين أضاعوه.

    وبإحدى هاتين الطريقتين يعلم المصريون جَمِيعًا، ويعلم الأجانب الذين يرقبون مصر، أن مصر بلد حر، ديمقراطي، لا يتميز فيه أحدٌ بحماية مهما تكن، ولا يرتفع فيه أَحدٌ عن تأدية الحساب عما يأتي من الأعمال. فليختر صدقي باشا، وليختر رئيس الوزراء، ولننتظر نحنُ لنرى أَيَسْعَى صدقي باشا إلى اللجنة القائمة، أم يُدعى صدقي باشا إلى اللجنة التي سيؤلفها البرلمان؟

  • حماية (١)

    حديث المساء: حماية (١)

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٧ فبراير ١٩٣٤

    ليس أيسر من أن يُسأل أمثالك وأمثالي من عباد الله المعارضين إن قالوا أو فعلوا أو خُيِّل إلى الوزارة أنهم قالوا أو فعلوا، ما تظن الوزارة أنه يحتاج إلى السؤال والتَّحقيق. فأَمَّا إِنْ قَالَ غَيْرُك وغيري، أو فعل غيرك وغيري، من عباد الله المؤيدين أو من عباد الله المُمْتَازِين ما يَحْسُن فيه إلقاء السؤال، واستماع الجواب، واستكشاف الحق، وتبين وجه الصواب، فإن أمر هؤلاء شيء آخر يحسن الإعراض عنه والإبطاء في الالتفات إليه، والنسيان له بعد البدء فيه وتفويضه إلى الله، يقضي فيه بما يشاءُ، حين يسألنا جميعًا عمَّا نفعل ونقول. فنحنُ على هذه الأرض المصرية قسمان: قسمٌ تُحاسبه الدولة في الحياة، ويُحاسبه الله بعد الحياة، وقسم آخر تشغل الدولة عن حسابه، وتكل أمره إلى الله الذي يُحصي كل شيء على كل إنسان، والذي يسأل كل إنسان عن كل شيء. ولا يَنْبَغِي لنا أنْ نُنْكِرَ ذلك ونعترض عليه، فإنَّا إنْ نفعل ذلك أو نقل منه شيئًا، نُسأل عَمَّا فعلنا، ونُسأل عَمَّا قُلنا، ونُضِفْ أَثقالًا إلى أَثْقَالٍ، وأَحْمَالًا إلى أحمالٍ. وإِنَّما الخير في أن نذعن ونرضى بقضاء الله فينا، فنُسْرِعَ إذا دعينا ونجيب إذا سئلنا، ونحتمل ما يريد الله لنا أن نحتمل من آلام الحياة، فلذلك خلق المصريون، وبذلك سبقت فيهم الكلمة، وقضت فيهم الأقدار. وإذا لم يكن بد من أن نفرج الكرب عن نفوسنا، ونُسلي الهم عن قلوبنا، ونتعزَّى عن هذه الآلام التي تنغص علينا الحياة، حين نشعر بما بيننا وبين غيرنا من الفروق، وحين نرى ما بيننا وبين غيرنا من التفاوت والتمايز في ظل الديمقراطية والدستور؛ فيكفي أنْ نَتَحَدَّث بامْتِياز المُمْتَازِين، وحَصَانَةِ المُحصنين، نغبطهم على ذلك، دون أن نحسدهم عليه، فقد يكون في الحديث عن نعمة المنعمين، وسعادة السعداء، عزاء عن بؤس البائسين، وشقاء الأشقياء، ثم لنُسَجِّل هادئين مُطمئنين ما نرى من ذلك، ولنحفظه في ذاكرتنا فقد تنفع الذكرى وقد يُفِيدُ التَّسْجِيلُ، والله يداول الأيام بين الناس، فقد يأتي يوم نستطيع فيه أن نذكر هذه الآلام والحسرات، فنحرص على ألا نفرضها على خصومنا ونحرص على ألا نوئسهم من العدل ونقنطهم من الرَّحمة، ونحرمهم ما ينبغي لهم من المُسَاواة؛ لأنَّ الذين ذاقوا الألم، وعرفوا إيذاءه للضمائر الحية، والنفوس الحية، خليقون ألا يُذيقوا مثل هذا الألم للناس، وأَلَّا يُحمِّلوهم منه ما احتملوا، ولا يسقوهم منه ما شربوا.

    وإني لأستعرض هذه الخواطر كلها بعد أن فرغت من قراءة ما نشرته الصحف عمَّا كان في مجلس النواب أمس من أخذ ورد، ومن حوار وجدال، فقد كان صدقي باشا أمس يصول ويجول، وكان صدقي باشا أمس يُقَدِّم إلى الوزارة القائمة مُلاحظات فيها الجد وفيها الدعابة، فيها القوة وفيها الظَّرف والمزاح. وكان وزير المالية يلقى ملاحظات صدقي باشا بِكَثِيرٍ جِدًّا من الحذر والاحتياط، فيُجِيبُ مُتحفظًا مُتلطفًا، يُرِيدُ التَّسْلِيمَ ويُحَاوِلُ ستره فلا يستطيع.

    ومن قبل هذا كان صدقي باشا يَصُولُ ويَجُولُ في الصحف، يذكر القطن وبيعه، وتوجه الأسئلة حول القطن وبيعه، فيرد صدقي باشا على الأسئلة، ويُناقش صدقي باشا ما يُقال. وتذكر قصة الكورنيش وفضائحها، وتُذاع الإشَاعَات والأَحَادِيث حول قصة الكورنيش وفضائحها، فيصدر صدقي باشا بياناتٍ حول ما يَمَسَّه من هذه القصة، أو حول ما يُرِيدُ بعض الناس أن يمسوه به من هذه القصة، وتجري الأمور على ذلك فلا تعرف مصر آخر الأمر شيئًا من الحق في القطن وبيعه، ولا تنتهي مصر آخر الأمر إلى كل ما ينبغي أن تنتهي إليه من أمر الكورنيش ومن يتصل بهم أمر الكورنيش من قريب أو بعيد. وكان النَّاسُ يقولون منذ أشهر: إن أمر القطن وأمر الكورنيش وغيرهما من الأمور قد ثارت في الجو المصري؛ رغبة منها في مُداعبة صدقي باشا، وأخذه بأن يبين للمِصريين عن طائفة من تصرفاته ليعلموا أكانت هذه التصرفات مُستقيمة لا غبار عليها، أم كانت معوجة تحتاج إلى شيء من التقويم. ولما أثيرت قصة الكورنيش لهج بها الناس وأكثروا الخوض فيها، وما زالوا يلهجون بها ويَخُوضُون فيها إلى الآن. وقال الناس ونشرت الصُّحف: إنَّ لَجْنَةَ التحقيق التي ألفتها الوزارة، ستستقصي كلَّ شيءٍ، وستسأل كل إنسان، يتصل بهذه القصة اتصالًا قويًّا أو ضعيفًا، ثم قال الناس ونشرت الصحف: إن هذه اللجنة ستسأل صدقي باشا نفسه؛ لتعرف منه وجوه الصواب فيما أتى من الأمر في هذه القصة، حين كان وزيرًا للداخلية. وغلا كثير من النَّاس فظنوا أنَّ هذه القِصَّة إنما أُثيرت لإحراج الدكتاتور العظيم، وأيُّ إحراج لرجل كصدقي باشا يُشْبِهُ ما يكون من إلقاء الأسئلة عليه، وانتظار الأجوبة منه؟! ومضى الناس يظنون هذا، ثم يعتقدونه، ثم ينتظرونه، ثم تقوى في نفوسهم الرغبة في الاستطلاع؛ فيتشوقون إلى هذا الموقف الذي سيكون بين رجل كانت إليه الأُمور كلها في مصر، أكثر من ثلاثة أعوام، ثم انصرفت الأمور كلها عنه، وإذا هو يقف أمام لجنة تحقيق تلقي عليه السؤال، وتسمع منه الجواب. ولكن اللجنة قد حققت ودققت، وسألت واستمعت للأجوبة، وأحصت واستقصت، ودنت في ذلك من صدقي باشا، ثم بعدت بذلك كله عن صدقي باشا، وقد أتمت أو كادت تتم تحقيقها، ولم تسأل صدقي باشا. وقيل آخر الأمر: إنها لن تسأل صدقي باشا، ولن تستطيع أن تسأله؛ لأن صدقي باشا محمي من سؤال هذه اللجنة له بالدستور! نعم، هو محمي بالدستور، فقد كان صدقي باشا وزيرًا ولا يسأل الوزراء عما يفعلون بحكم الدستور — فيما ظهر أخيرًا، وفيما قيل — إلا أمام البرلمان، أو أمام اللجان التي يُؤلفها البرلمان. وإذن، فيستطيع صدقي باشا وغير صدقي باشا من الوزراء أن يقولوا ويفعلوا، وأن يصولوا ويجولوا، وأنْ ينشروا في الصحف وأن يخطبوا في الأحزاب، وأن يُلاحظوا في البرلمان، فلن تستطيع السلطة التنفيذية ولن تستطيع اللجان التي تؤلفها هذه السلطة أن تراجعهم في شيء أو أن تسألهم عن شيء؛ لأنهم لا يسألون إلا أمام البرلمان ولجان البرلمان.

    والظريف في هذا الأمر هو موقف وزارة الرجل الطيب من هذه القصة، فقد أُلِّفت لجنة التحقيق هذه لتحصي وتستقصي، وترفع إليها حقيقة الأمر واضحة جلية، لا لبس فيها ولا غموض، ولا خفاء من ناحية من نواحيها. وكانت وزارة الرجل الطيب حين ألفت هذه اللجنة بين اثنتين، فإمَّا أنْ تَكُونَ مُقَدرة أن هذه اللجنة ستسأل الناس جميعًا، وفيهم الوزير الذي حدثت في عهده قصة الكورنيش، وإذن، فقد كانت ساهية لاهية عن الدستور وأحكام الدستور، وحماية الدستور للوزراء من أن تتوجه إليهم مثل هذه اللجنة بالسؤال. وإذن، فما لها لم تستشر؟ وما لها لم يُشَرْ عليها؟ فلو قد استَشَارَتْ وأُشِيرَ عَلَيْهَا حينئذٍ لتجنبت شرًّا كثيرًا، ولمنعت الصحف والناس من أن يذكروا صدقي باشا أو يُفكروا فيه، أو يخوضوا في حديثه حين يَذْكُرون قصة الكورنيش، ولأراحت صدقي باشا نفسه من أن يُدافع عن نفسه وينشر في الأهرام وغير الأهرام، ما نشر من الحديث عن هذه القصة. وإمَّا أَنَّها لم تكن ساهية ولا لاهية، بل كانت تعلم حق العلم أن حكم الدستور في ذلك واضح، وأنَّ صِدْقِي بَاشَا لا يُمْكِنُ أن يتلقى من هذه اللجنة سؤالًا ولا يمكن أن يلقي إلى هذه اللجنة جوابًا. وإذن، فقد كان من الحق أن تُزيل عن هذا كل لبس وكل غموض. وإذن، فقد كان من حقِّ النَّاسِ أَنْ يُلَاحِظُوا أنَّ تأليف هذه اللجنة لن يكون مُغنيًا مُقنعًا؛ لأنَّ قِصَّةَ الكورنيش فيما يظهر كغيرها من القصص التي يتصرف فيها الوزراء، لا يمكن أن تتضح، ولا أن تستبين، إلا إذا سئل الوزير الذي حدثت في عهده، عن رأيه فيها وموقفه منها، وتصرفه بإزاء أشخاصها، وإلا إذا نُوقِشَ الوزير في ذلك مُناقشة دقيقة، عميقة تَمْحُو كل شك وتُزيل كل ريب.

    ومهما يكن من شيء، فقد ظهر للوزارة آخر الأمر وأوله ألا بأس على صدقي باشا من قصة الكورنيش ولجنة التحقيق في قصة الكورنيش. ونُحِبُّ أن يفهم صدقي باشا أننا لا نختصه بشيء من هذه القصة؛ لأننا لا نعرف من أمره فيها شيئًا، وأنْ يفهم صدقي باشا أيضًا أنه كان وزيرًا، وأنَّ هذه القصة حدثت في عهده، وأنَّ إمضاءه هو الذي جعل هذه القصة حقيقة واقعة، وأنَّ مِنْ حَقِّنَا جَمِيعًا أنْ نَعْرِفَ حقيقة موقفه، وجلية الأمر في تصرفاته، وأننا لهذا نكتب ما نكتبه اليوم. وقد كانت هناك وسيلة لسؤال صدقي باشا والاستماع له، والانتهاء إلى الحكم له أو الحكم عليه، وهي تنظيم ما نص الدستور عليه من محاكمة الوزراء، ولكن وزارة الرَّجل الطيب لم تفكر في هذا التنظيم، ولم تهيئ له القانون، ولم تعرضه على البرلمان، ولم تصدره في سرعة، ولم تصدره في بطء، وأكبرُ الظَّنِّ أَنَّها ستستقيل قَبْلَ أنْ تُفَكِّرَ فيه. كانت مشغولة عن ذلك بأحداث جِسَامٍ، كانت مشغولة عن ذلك بحرب صدقي باشا نفسه، وقد ظهر أنَّها شغلت نفسها بذلك في غير نفع ولا جدوى، فهي لم تبلغ من صدقي باشا شيئًا، وهي لم تبعد صدقي باشا عن السياسة، وهي لم تصرفه عن مجلس النواب، وهي لم تحمِ نفسها من ملاحظات صدقي باشا وحملاته التي بدأها أمس، وإنما حاربته وجَدَّت في حربه، بكثير من الإشاعات والأحاديث والمناورات.

    ثم انتهت هذه الحرب إلى موقف صدقي باشا منها أمس في مجلس النواب، وإذا كان صدقي باشا قد ضعف أمره، وهان حتى انصرف الناس عنه، فليس ذلك من فعل الوزارة، وإنَّما هو مِنْ فِعْل صدقي باشا بنفسه، أسرف على الناس حتى انْصَرَف عَنْهُ الناس، وهانَ أَمْره عَلَيْهِم إِلى هَذَا الحَدِّ الذي يُؤذيه ويُضْنِيهِ.

    وكانت الوزارة مشغولة عن قانون محاكمة الوزراء بنقابة المحامين، وانتخابات نقابة المحامين، وخطبة نقيب المحامين، والتشريع المستعجل لنقابة المحامين … وقد انتهى بها هذا كله إلى مثل ما انتهت بها إليه حربها لصدقي باشا؛ فقد رَفَضَ المُحَامُون أنْ يُذْعِنُوا لقانونها، وأعلنوا أنَّ الحُكم الرجعي فيه يخالف الدستور، وأصروا على أن ما أقدموا عليه من انتخاب لا يزال صحيحًا بعد صدور القانون كما كان صحيحًا قبل صدور القانون. وكانت الوزارة مشغولة بما شئت، وما لم تشأ من المشكلات التي لم تنتهِ فيها إلى شيء، وكانت نتيجة هذا الاشتغال بتلك الأعمال الجِسَام أنْ وقف صدقي باشا منها موقف الخصم المخوف، ووقفت هي منه موقف الخصم الخائف، ووقفتِ الأُمَّةُ مِنْهُما ومن تَصَرُّفهما في مرافقها موقف المتألم المحزون.

    أرأيت أننا على هذه الأرض المصرية قسمان: قسم لا يكاد يفعل أو يقول أو تتخيل الوزارة أنه يفعل أو يقول إلا دعي وسئل، وشدد عليه الحساب، وقسم آخر لا يقدر الناس على سؤاله ولا على حسابه، ولا على استدعائه فيفوض الأمر فيه إلى الله؟! وأغرب من هذا كله أن قصة الكورنيش لم تستطع إلى الآن أن تُثير في نفس واحد أو عشرة من النواب الرغبة في شيء يشبه الاستجواب!

  • مليونان …

    حديث المساء: مليونان …

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١٠ أكتوبر ١٩٣٣

    أما أحدهما فتفضل به ديكتاتورنا العظيم على الرعية البائسة قبل أن يبرح مصر في الربيع الماضي ليستشفي ويستريح، ويستعد للاستقالة أو للإقالة، وأما الآخر فيريد أن يتفضل به وزير المالية الجديد على الرعية البائسة؛ ليكون فاتحة خير ووسيلة من وسائل الدعاية للوزارة الجديدة.

    ومما لا شك فيه أن الدكتاتور المستقيل لم يَنْسَ الدعاية واستبقاء الذكر الحسن في نفوس الرعية البائسة حين طابت نفسه الكبيرة للرعية الصغيرة عن هذا المليون، ومما لا شك فيه أيضًا أن وزير ماليتنا العظيم لا ينسى الدعاية وكسب الأعوان والأنصار حين تطيب نفسه الغنية لهذه الرعية المحرومة عن هذا المليون.

    ومن المحقق أن صدقي باشا لم يَسْتَفِدْ من المليون الذي نزل عنه دعاية واسعة ولا ضيقة، ومن المحقق أيضًا أن صبري بك لن يستفيد من هذا المليون الذي ينزل عنه دعاية واسعة ولا ضيقة. فقد لقي الشعب مليون صدقي باشا بالفتور وسيلقى مليون صبري بك بالفتور، والله يعلم كيف وُزِّع مليون صدقي باشا، والله يعلم كيف يُوزَّع مليون صبري بك.

    ولكن الأمر الذي يستحق التفكير والتدبر، ويدعو إلى الروية والتأمل هو أن هذين الرجلين العظيمين يجدان الملايين في سهولة ويسر، يتمناهما أو يتمنى بعضهما كثير من وزراء الدول الغنية الكبرى. فقد وجد صدقي باشا مليونًا في أعقاب الميزانية الماضية، واقتصد صبري بك فيما يُقال مليونًا من صلب الميزانية الحاضرة، وكلا الرجلين لم يخفض ولم يفكر في تخفيض مرتبات الموظفين، وكلا الرجلين لم يعدل ولم يفكر في العدول عن المشروعات الكبرى التي تدفع إليها الدولة دفعًا، سواء أكانت هذه المشروعات مفيدة أو غير مفيدة.

    والناس جميعًا يعلمون أن هذين الرجلين العظيمين مهما يكن حظهما من الكفاية وطول الباع، وسعة الاطلاع، والقدرة على الابتداع، فالله عز وجل لم يمنحهما القدرة على أن يخلقا شيئًا من لا شيء، ولا على أن يقولا للملايين كوني فتكون.

    وإذن؛ فقد كان عند هذين الرجلين العظيمين مقدار من المال لا بأس به لم تحتَجْ إليه الدولة في العام الماضي، فتفضل به صدقي باشا على الشعب، وأي شعب؟! ولا تحتاج إليه الدولة في هذا العام فيتفضل به صبري بك على الشعب، وسنرى أي شعب.

    وهذا المقدار يجب أن يكون قد أُخِذَ من الرعية؛ لأن الله لم يُعوِّد وزارتنا ولا غيرها من الوزارات أن يمطر عليها ذهبًا أو فضة أو ورقًا، وإذا كان هذا المقدار قد أُخِذَ من الرعية، والرعية بائسة يائسة، معدمة محرومة، يلتمس كثير منها قوت أبنائه وبناته فلا يجد، بعد الجهد والمشقة وبعد الكد وطول العناء، فقد يكون من الواضح فيما أظن أن الدولة تقسو وتسرف في القسوة، وتشط وتغلو في الشطط لتكلف الجائع المحروم، والمعدم البائس أن يقدم إليها من المال ما تحتاج إليه وما لا تحتاج إليه وما يحتاج هو إلى جزء يسير منه ليعيش.

    ومعنى ذلك أن الدولة لا تجبي الضرائب، أو قُلْ لا تجبي من الضرائب ما يكافئ حاجتها للقيام على مرافق الناس ومصالحهم، وإنما تستصفي أموالهم استصفاءً، وتمتص دماءهم امتصاصًا، وتعرق لحمهم عرقًا. حتى لا تدع لهم إلا الجلد اللاصق بالعظم، لا أكثر من ذلك. ولو استطاعت أن تدع لهم أقل من ذلك لفعلت. ومعنى ذلك أن هذه السياط التي كانت تُسلَّط على ظهور المعسرين لعجزهم عن أداء ما تطلب الدولة إليهم من المال، لم تكن سياط الحق الذي يضطر إلى العزم والحزم، ولا سياط العدل الذي يلجأ إلى الشدة والعنف، وإنما كانت سياط الظلم الصارخ، والجور الذي لم يكن يستحي أن يبدي وجهه القبيح المنكر للناس في ضوء النهار.

    ومعنى ذلك أن هؤلاء الفقراء والأغنياء، وهؤلاء المعسرين والموسرين الذين تُحجَز حاصلاتهم الزراعية في غير حق لاستيفاء ما تطلب الدولة من المال، إنما يتكلفون نتائج هذا الحجز ويحتملون أثقاله المادية والمعنوية في غير حاجة من الدولة ملجئة ولا ضرورة للدولة ماسة، بل لأن الدولة تريد أن تجمع المال، وأن تجمع المال ليس غير، وأن تجمع المال مهما يكلفها جمعه من قهر للناس وقسوة عليهم، ومن تجاوز للقانون وخروج على المألوف في تنفيذ القانون.

    ومعنى ذلك أيضًا أن الوزارة السابقة قد كانت تفهم عمل الحكومة فهمًا خاطئًا، وكانت تقدر، فيما يظهر، أن الحكومة إنما هي أداة من أدوات الدولة لجمع المال على أي نحو لجلب المال من أي طريق، لا أن الحكومة أداة من أدوات الدولة لخدمة الشعب والترفيه عليه، ولتحقيق مصالح الناس وتيسير أمورهم.

    وإذا كان هذا هو فهم الوزارة السابقة للحكم، وتقدير الوزارة السابقة للصلة بين الدولة وبين الشعب؛ فليس غريبًا بحال من الأحوال أن تنتهي هذه السياسة بالشعب إلى هذه الحال المنكرة التي هو فيها، وأن تنتهي بالوزارة السابقة إلى هذا المصير المنكر الذي انتهت إليه، وأن تفسد رأي الناس في الوزارة، بل رأي الناس في المبادئ التي تقوم عليها الوزارة، وأن تمحو من نفوس الناس ما ينبغي أن يقوم عليه الحكم لا أقول من الحب والمودة، بل أقول من الثقة وحسن الظن اللذين يجعلان الناس بمأمن من الظلم والجور، واللذين يملآن قلوب الناس اطمئنانًا إلى أن الحكومة تخدمهم ولا تظلمهم، وإلى أنها لا تجبي منهم المال إلا بمقدار الضرورة التي تدعو إليها مرافقهم ومصالحهم.

    ثم ليس غريبًا أن تسرف الوزارة السابقة فيما أسرفت فيه من إنفاق المال بغير حساب فيما لا ينفع ولا يفيد، أو فيما يمكن تأجيله والانتظار به أعوامًا طوالًا.

    نعم؛ وليس غريبًا أن تُعقَد المؤتمرات في مصر ويُرسَل المندوبون لحضور المؤتمرات في غير مصر، وأن تحيي الأوبرا فصلها الأنيق الملهى في ليالي الشتاء، وأن تُقام العمارات الشاهقة في غير حاجة إليها، وأن يُدعى الأجانب لإلقاء المحاضرات، أو لغير إلقاء المحاضرات، وأن تَعْبُر أموالنا البحر لتنصب في خزائن الصحف الأوروبية، ولتسبغ على مفوضياتنا ألوانًا زاهية من الترف.

    ليس شيء من هذا غريبًا ما دامت الدولة تجمع المال على النحو الذي كانت تجمعه عليه، وتسرف في إنفاق المال على هذا النحو الذي كانت تسرف في إنفاقه عليه، حتى إذا دار العام المالي وجد صدقي باشا بعد الإسراف والتبذير مليونًا ينزل عنه هدية لمن أراد أن يشملهم بعطفه قبل أن يسافر للاستشفاء، ثم لا يكاد ينتصف العام المالي، والحكومة مسرفةٌ ما شاء لها الإسراف في المال تنفقه عن يمين وشمال حتى يستطيع الوزير الجديد أن يجد مليونًا يريد أن يهديه إلى الناس دون أن يمس مرتبات الموظفين، ودون أن يمس المشروعات الكبرى. ولعله أن يكون قد اقتصد هذا المليون من نفقات الحبر، والورق، وأقلام الرصاص!

    والنتيجة الواضحة الجليلة لهذا كله محزنة حقًّا، تدمي القلوب وتمزق الأفئدة وتظهر حياة هذا الشعب المسكين في صورة من البؤس والشقاء لا يستريح إليها ضمير الرجل المتحضر، ولا تطمئن إليها نفس الإنسان المهذب. فإن الدولة التي تظفر بالملايين بعد هذا الإسراف الذي نحن فيه يجب أن تكون غنية حقًّا، وقد قلنا منذ أشهر، وما زلنا نقول اليوم، إن إسراف الدولة في الغنى حين يسرف الشعب في الفقر والبؤس لا يدل على حكم مستقيم يعتمد على العدل والإنصاف ورحمة الناس والرفق بهم، وإنما يدل على شيء آخر نكره أن نسميه باسمه القبيح. فإذا قُدِّرَتْ مصروفات الدولة بهذه الملايين التي تُقدَّر بها في كل عام، ثم أمكن أن يُؤخَذ منها مليون بهذه السهولة التي دُهِش لها المستشار المالي الإنجليزي فيما تقول الأهرام أمس؛ فليس من شك في أن الاقتصاد الصحيح والتدبير النزيه ينتهيان إلى تخفيض هذه المصروفات تخفيضًا عظيمًا جدًّا يريح دافع الضرائب من كثير من هذه الأعباء الثقال التي تنوء به وتضطره إلى شر حال.

    يجب إذن أن يفيق المصريون، وأن يفكروا في هذا البلاء الثقيل الذي ينغص عليهم حياتهم ويفسد عليهم أمورهم، وأن يسألوا أنفسهم كيف كان البرلمان يراقب الوزارة في شئون الميزانية، وكيف استطاع البرلمان أن يدع هذه الميزانية تمضي كما مضت، وكيف قيل له أن الوزارة قد احتملت من المشقة والجهد شيئًا عظيمًا لتصل إلى موازنة هذه الميزانية إلى تحقيق التكافؤ الدقيق بين الدخل والخرج. فلو قد كان هذا الكلام حقًّا لما كان من الممكن أن يظفر صدقي باشا بمليونه ذاك آخر العام، وأن يظفر صبري بك بمليونه هذا في منتصف العام.

    نعم؛ ويجب أن يفيق المصريون ويسألوا أنفسهم كيف استطاع وزير المالية الجديد أن يدبر هذا المليون، ما دام البلاغ الرسمي ينبئنا بتدبيره. فنحن بين اثنتين إما أن يكون صبري بك قد اقتصده من أشياء ليس منها بد، فهو إذن مخطئٌ خطأً شديدًا معرض مصالح الدولة للخطر، وإما أن يكون قد اقتصده من أشياء لا تدعو إليها الحاجة ولا تلجئ إليها الضرورة؛ وإذن فقد كان صدقي باشا مسرفًا في مال الأمة، سيئ التقدير لهذا التكافؤ بين الدخل والخرج.

    وكم نحب أن نسمع رأي صدقي باشا في هذا المليون الجديد الذي اقتصده صبري بك في أقل من أسبوع؛ فقد كان صدقي باشا في أول عهد هذه الوزارة بالحكم يوحي إلى صحيفته أن تحذر وزير المالية الجديد من الوعد بالاقتصاد؛ لأن الاقتصاد لا سبيل إليه. فنحب أن نعلم كيف اقتصد وزير المالية هذا المليون، وماذا يرى صدقي باشا في هذا الاقتصاد.

    ونحب قبل كل شيء وبعد كل شيء، أن يتنبه المصريون إلى أن ألوانًا من العبث الخطر تحيط بهم وبمرافقهم؛ فهؤلاء قوم يعصرونهم عصرًا، ويرهقونهم إرهاقًا، ويكلفونهم من المال فوق ما يطيقون، ثم يسرفون فيما يجمعون من المال ما وسعهم الإسراف، ثم إذا احتاجوا إلى الدعاية واستعطاف القلوب عليهم ردوا على هذا الشعب المحروم في شيء من الأنفة والكبرياء، وإظهار التفضل والعطف ببعض ما أخذوا منه بالقوة والعنف والبطش وتسليط العذاب.

    كلا؛ لم يُهْدِ صدقي باشا مليونه ذاك إلى أحد وإنما رد ما لم يكن ينبغي أن يؤخذ، ولن يهدي صبري بك مليونه هذا إلى أحد، وإنما يرد بعض ما لم يكن ينبغي أن يؤخذ.

    ولو استقامت أمور الناس في هذا البلد التعس لرُدَّ عليهم أكثر مما يُهْدَى إليهم الآن، ولَسُئِل الوزراء عن هذا العذاب الذي يُسلَّط على الناس في جمع أموال تقوم البراهين في كل يوم على أنها أكثر جدًّا مما تحتاج إليه الحكومة.

    ولكن كيف تستقيم أمور الناس، وهم ليسوا من تدبيرها في شيء؟!

  • سياسة التعليم لذلك الأستاذ الناقد ١

    سياسة التعليم: لذلك الأستاذ الناقد (١)

    طه حسين

    جريدة السياسة

    ٢ سبتمبر ١٩٢٣

    وهل للتعليم عندنا سياسة؟ ذلك شيء كنَّا نرجوه وكنا نعتقد أننا غير مخطئين في هذا الرجاء، حين كانت وزارة المعارف في مثل هذه الأيام من السنة الماضية، تسلك سبيلًا معينة واضحة تدل على أن المشرفين على الأمر فيها يفهمون التعليم، ويقدِّرون حاجة البلد إلى إصلاحه، ويحاولون أن يحققوا من هذا الإصلاح ما يستطيعون. حين كان زكي باشا أبو السعود ينشئ المكتب الفني، ويعد لإنشاء مدرسة الآثار، ويمهِّد لإنشاء الجامعة الأميرية، ويفكر في طائفة أخرى من مشروعات الإصلاح في وزارة المعارف.

    في مثل هذه الأيام من السنة الماضية كنَّا نظن أن لمصر سياسة تعليمية أو أن مصر ستنتهي إلى أن تكون لها سياسة تعليمية. وكنا نعتقد ونكرر أن البرلمان المصري الذي لم يكن قد نشأ بعدُ سيُعين على تكوين هذه السياسة التعليمية، وسيطبعها بالطابع القومي متى انعقد، ونذكر أن موظفًا من الذين كان لهم سلطان عظيم على هذه الوزارة في وقت من الأوقات عاتبنا ذات يوم؛ لأننا قلنا وألححنا في القول إن البرلمان سيهدم هذا البناء العتيق الذي قام عليه التعليم في وزارة المعارف.

    نعم، كنَّا نرجو رجاءً قويًّا أن تظهر لنا شخصية في التعليم، وأن ننتهي إلى سياسة تعليمية تلائم حاجاتنا وآمالنا. ولكن الله أراد أن يكذِّب ظننا في هذا الأمر، كما أراد أن يكذِّب ظننا في أمور أخرى، فلم تظفر مصر بسياسة تعليمية، ولم يظهر للبرلمان المصري أثرٌ في التعليم، ولم يكن لهذه الحياة الدستورية ولهذه الوزارة الدستورية القائمة من التأثير في وزارة المعارف إلا ما شهدنا وما نشهد من محو آثار زكي باشا أبو السعود، والعودة بأمور التعليم إلى ما كانت عليه من الفساد والاضطراب أيام الإنجليز.

    نخطئ الخطأ كله إذا قلنا إن مصر لم تكن لها سياسة تعليمية في وقت من الأوقات، فالحق أن قد كانت لمصر في التعليم سياستان مختلفتان اختلافًا شديدًا: إحداهما سياسة قومية في أغراضها ووسائلها، وهي سياسة الأمراء المصريين الذين سبقوا الاحتلال، والأخرى سياسة أجنبية سيئة الأثر في حياتنا القومية، لا ترمي إلا إلى نشر الجهل من جهة وإلى إفساد العقول المتعلمة من جهة أخرى، وهي السياسة الإنجليزية التي أقامها «دنلوب» معتزًّا بسلطان اللورد كرومر. فلم يكن بدٌّ من أن تكون النتيجة الأولى للاستقلال محو هذه السياسة الإنجليزية في وزارة المعارف، والرجوع إلى السياسة القومية القديمة التي كانت تعتمد على محاربة الأمية من جهة، وعلى إيجاد طبقة من المتعلمين الذين أخذوا بحظٍّ موفور من التعليم العالي ليشرفوا على الأمور العامة من جهة أخرى، والتي كانت لولا الاحتلال منتهية من غير شك إلى إزالة الأمية وإلى إيجاد التعليم الصحيح في مصر، وإلى جعل أمور المصريين العامة بين أيدي المصريين. لم يكن بدٌّ من أن تكون النتيجة الأولى للاستقلال الرجوع إلى سياسة محمد علي وإسماعيل في أمر التعليم.

    ومهما يجادل أنصار الوزارة القائمة، ومهما يقل أنصار الكثرة البرلمانية الحاكمة، فلن يستطيعوا أن ينكروا أن هذه النتيجة التي كنَّا نتمناها قد بدأت تتحقق شيئًا فشيئًا بعد إعلان الاستقلال. فقد استأنفت وزارة ثروت باشا التفكير في الرجوع إلى تلك السياسة، بل رجعت إليها بالفعل وأخذت في تنفيذها، فكثرت البعثات العلمية إلى أوروبا وأمريكا في عهد هذه الوزارة. ثم تبعتها في هذا وزارة يحيى باشا إبراهيم، وأرسلت مصر إلى أوروبا من الطلاب الذين تعلِّمهم الحكومة عددًا غير قليل يتخصَّص في ضروب مختلفة من العلم والفن. وظهر من هذا الفرق بين السياسة التعليمية لبلد مستقل والسياسة التعليمية لبلد يحكمه الأجنبي.

    ثم نظن — ونعتقد أن أنصار الوزارة لا يستطيعون أن ينكروا هذا — نظن أن وزارة ثروت كانت قد استعدَّت استعدادًا جديًّا لإنشاء طائفة أو قل لإنشاء مئات من المدارس الأولية، الغرض منها محاربة الأمية، حتى إذا جاء البرلمان وأقرَّ تعميم التعليم الأولي كانت الوزارة قد مهَّدت لذلك تمهيدًا لا بأس به. ونظن أن وزارة ثروت باشا كانت قد دبرت المال اللازم لإنشاء هذه المئات من المدارس الأولية، ولكن وزارة ثروت استقالت وجاءت وزارة نسيم، فنامت هذه المدارس أو نسيتها وزارة المعارف ونسيتها الميزانية أيضًا. ولكن وزارة يحيى باشا لم تهمل سياسة البعثات العلمية، فمضت فيها على سُنَّة الوزارة الثروتية، بينما لم تلتفت إلى التعليم الأولي إلا التفاتًا ضعيفًا جدًّا، ولكنه التفات. فقد أنشأت لجنة لدرس مشروع التعليم الأولي، وأصلح زكي باشا أبو السعود تكوين هذه اللجنة، ولكن وزارة يحيى باشا سقطت، والله يعلم إلى أين انتهت هذه اللجنة.

    على أن هناك جهدًا قدمته وزارة يحيى باشا إبراهيم، أو قدمه زكي باشا أبو السعود على كرهٍ من وزارة يحيى باشا إبراهيم لتحقيق هذه السياسة التعليمية المستقلة. وهو هذا الجهد الذي بُذِل لإكثار عدد المتعلمين استعدادًا لما لم يكن بدٌّ من إنشائه من المدارس. فقد أنشئت مدرسة المعلمين الثانوية، وأنشئت الأقسام الليلية في مدرسة المعلمين العليا، وكل هذا يدل على أن هاتين الوزارتين اللتين توصفان بالإثم وتتهمان بالتقصير تستطيعان أن تتقدما إلى أي برلمان منصف وفي يدهما عمل قيم في ترقية التعليم. فماذا صنعت الوزارة الدستورية القائمة على سلطة الشعب وحب الشعب وتأييد البرلمان؟ لم تصنع شيئًا، أو قل إنها مَحَتْ ولم تثبت، وهدمت دون أن تفكر في البناء، أو قل إنها عدلت عن هذه السياسة القومية، لا نقول إلى السياسة الإنجليزية، فنحن أحرص على الإنصاف من هذا، بل نقول عدلت عن هذه السياسة القومية إلى سياسة فردية لا ترمي إلا إلى شيءٍ واحد، هو أن يستمتع بالسلطان المطلق في وزارة التعليم فردٌ بعينه، لم يكن بدٌّ من أن يقبض على الأمر في هذه الوزارة؛ لأن السياسة السعدية كانت في حاجة إلى هذا.

    ولو أن وزارة الدستور وقفت عند هذا الحد فنقضت ما أبرم أسلافها، وأرادت أن تستمتع بالسلطان المركزي المطلق لقلنا سياسة سيئة، ولكنها موقوتة تزول متى نزلت الوزارة عن الحكم غدًا أو بعد غدٍ. ولكن الوزارة تجاوزت هذا كله إلى ما هو شرٌّ منه، فمهدت لتكوين سياسة تعليمية سيئة حقًّا، ذلك حين عمدت إلى شيئين: الأول إلغاء مجلس المعارف الأعلى وإنشاء هذه اللجنة الفنية على هذا النحو الذي أُنشئت عليه. ولسنا نعرض للنتائج المباشرة التي تنتج عن هذا العمل، فقد عرضنا لهذا في غير هذا الفصل، وإنما نلاحظ أنها تعجَّلت هذا الأمر تعجلًا غريبًا، واستطاعت أن تحمِل البرلمان على أن يقرَّها منه على ما كانت تريد، فأثبتت لنا بذلك شيئًا كنَّا نتمنى ألا يكون حقًّا، وهو أن البرلمان المصري لا يمتاز — مع الأسف الشديد — بالكفاية في فهم التعليم، ولا بالحرص على أن يكون له سلطان ما على أمور التعليم. فلو أن للبرلمان المصري كفايةً في التعليم، ولو أن للبرلمان المصري سلطانًا على التعليم؛ لما قُضيَ على المجلس الأعلى، ولما أُنشئت هذه اللجنة، ولما وقع هذا العبث العظيم بوزارة التعليم مع هذه السرعة العجيبة، في وقت كان البرلمان فيه خليقًا أن يعنى بأمور أخرى تدعو إليها الحاجة.

    نقول إن هذا أثرٌ سيئٌ من آثار الوزارة في سياسة التعليم؛ لأنه يحملنا على أن نيأس من كفاية البرلمان لفهم التعليم، وإذن فمن الذي سيشرف على التعليم؟ وزارة المعارف وحدها. ونحن نعلم كفاية وزارة المعارف، ونحن نقدِّر آثار وزارة المعارف في التعليم إلى الآن. الثاني أن وزارة المعارف أظهرت — ووافقها على ذلك رئيس الوزراء، وأقرتها على ذلك الكثرة البرلمانية — نفورًا من التعليم العالي، وتلكُّؤًا في تنظيمه وترقيته. وليس أثر ذلك مقصورًا على أن هذا التعليم العالي سيظل في مصر منحطًّا كما هو الآن، بل لذلك أثرٌ آخر أقبح وأعظم شرًّا من هذا الأثر، وهو أن الإشراف على التعليم بجميع أنواعه سيظل إلى أجلٍ بعيدٍ مقصورًا على رجال التعليم في وزارة المعارف، وعلى من تخرِّجهم المدارس القائمة الآن؛ أي إن أمور التعليم ستظل بأيدي قوم تنقصهم الكفاية الصحيحة لفهم التعليم.

    هناك نظرية يظهر أن الذين يعنون بالأمور العامة في مصر لم يلتفتوا إليها في يوم من الأيام، بل يظهر أنهم يسيرون على عكسها ويزعمون أنهم بذلك يحققون الديمقراطية ويخدمون مبادئها، وأنا أعني في هذه المسألة رئيس الوزراء خاصة. فرئيس الوزراء وأنصاره طبعًا يؤثرون التعليم الأولي على التعليم العالي، ويُؤثِرون نشر هذا التعليم الأولي وتعميمه على تنظيم الجامعة وإنشاء أقسام التعليم العالي فيها. وحجتهم في ذلك ظاهرة كحجة الاشتراكيين والمتطرفين من أحزاب الشمال في أوروبا، وهي أن التعليم الأولي يخدم الشعب مباشرةً، بينما التعليم العالي والثانوي لا ينتفع بهما إلا طبقات معينة، هي التي تستطيع أن تؤدي أجور التعليم.

    وإذن فلا بدَّ من إيثار الدهماء على الخاصة، ولا بدَّ من تقديم التعليم الأولي على التعليم العالي، ولا بدَّ من إنشاء المدرسة الأولية قبل إنشاء الجامعة. كذلك يفكِّر سادة اليوم في مصر، ولئن حاججتهم في ذلك ليذكرون لك فرنسا وغير فرنسا، وما نشأ من المذاهب الحديثة التي تؤثِر التعليم الأولي والفني على التعليم العالي. وليس هنا موضع البحث عن قيمة هذه المذاهب الحديثة، ولكننا نريد أن يلتفت سادة اليوم في مصر إلى شيءٍ لا يلتفتون إليه، نريد أن يلتفتوا إلى أننا نستطيع أن نقلِّد الفرنسيين والأمريكيين يوم نستطيع أن نقول إننا نشبه الفرنسيين والأمريكيين؛ أي يوم نظفر من التعليم العالي والثانوي بمثل ما تستمتع به فرنسا وأمريكا.

    في ذلك اليوم نستطيع أن نقول إن لدينا من التعليم العالي والثانوي ما يكفينا، وإن الخير هو أن نُعنَى بهذه الطبقات الفقيرة العاملة التي لا تستطيع أن تنفق شبابها في الدرس والتخصيص العلمي. أمَّا ونحن أبعد الناس عن أن يكون لنا عُشر معشار ما تستمتع به فرنسا من التعليم العالي والثانوي، فخيرٌ لنا ألا نشبِّه نفسنا بفرنسا الآن، ليس لدينا شيءٌ يقاس إلى ما لدى فرنسا من أنواع التعليم، فالجامعات في فرنسا تكاد تبلغ العشرين، ولا يوجد إقليم فرنسي يخلو من مدرسة ثانوية تشرف عليها الدولة.

    ولسنا نذكر المدارس الخصوصية، ولسنا نذكر المدارس الحرة عاليةً كانت أو ثانويةً. أمَّا نحن فليست لدينا الآن جامعة واحدة، وكثيرٌ من أقاليمنا يخلو من المدارس الثانوية، وإذن فنظرية المشرفين على الأمر في مصر خاطئة، وستظل خاطئة أعوامًا طوالًا. وأمرٌ آخر نحب أن تلتفت إليه كثرتنا البرلمانية، وهو أن التعليم العالي وحده هو الكفيل حقًّا بنشر التعليم الأولي وإيجاد سياسة صحيحة لهذا التعليم؛ ذلك أن نشر التعليم الأولي ليس معناه تعميم القراءة والكتابة والحساب، وإنما هو أشد من ذلك تعقيدًا وعسرًا. هو يحتاج إلى عقول تستطيع أن تقدِّر البيئة المصرية ونفسيتها وحاجاتها وآمالها، وأن تلائم بين هذا كله وبين التعليم الأولي الذي تريد أن تنشره في البلاد.

    وليس من اليسير على كل إنسان أن يقدِّر مثل هذه الأمور، وإنما الذين أخذوا بحظٍّ موفور من التعليم العالي، واستطاعوا بفضل هذا التعليم أن يفهموا الجماعات ويقدِّروا حاجاتها المختلفة وآمالها المتنوعة؛ هم وحدهم الذين يستطيعون تصور التعليم الأولي ونشره حقًّا. إذن، فليس أساس التعليم في مصر هو التعليم الأولي، وإنما أساس النهضة المصرية كلها التعليم العالي. والسياسة التعليمية الحكيمة حقًّا هي التي تقوم على إنشاء الجامعة قبل كل شيء، وعلى الاستعانة بالفنيين من الأجانب للأخذ في نشر التعليم الأولي، حتى إذا تم تأسيس الجامعة، وأخذ التعليم العالي يُؤتِي ثمره النافع، استطاع المصريون أن يشرفوا حقًّا على أمور التعليم.

    إن الذين يريدون أن يخدموا الديمقراطية في مصر لا يحسنون إلى الديمقراطية بإيثار التعليم الأولي على التعليم العالي؛ فإن الديمقراطية التي تقوم على التعليم الأولي وحده تقوم على أساس واهٍ، وهي لا تستطيع أن تقاوم الخطوب ولا أن تثبت للأهوال التي تتعرض لها النظم السياسية. ولئن قامت ديمقراطيتنا على التعليم الأولي واعتمدت على إنصاف المتعلمين؛ لتستحيلنَّ في أسرع وقت إلى إحدى اثنتين: إمَّا إلى الفوضى، وإمَّا إلى حكومة الفرد المستبدِّ. نؤكد لكثرتنا البرلمانية أنها تحسن الإحسان كله إلى بلدها، وإلى الحياة الدستورية، وإلى الحرية نفسها، إذا بدأت عملها البرلماني في العام المقبل، لا بتنظيم التعليم الأولي، بل بتنظيم التعليم العالي. ونحن نضرع إليها إن فعلت ألا تعتمد في ذلك على نفسها ولا على وزارة المعارف، بل على الفنيين من علماء أوروبا.