Tag: Democratic governance

  • إقطاع

    إقطاع
    طه حسين
    مجلة المصور
    ٢ مايو ١٩٤٧

    لو فهمنا الديمقراطية على وجهها؛ لما شك الحاكم في أنه خادم عليه من الواجبات أكثر مما له من الحقوق، ولما شك المحكوم في أنه سيد في وطنه، لا ينبغي أن يخاف الحاكم أو يرهبه، ولا أن يتملقه أو يستعطفه! وإنما يؤدي إليه الحق على أن حق الدولة كلها على المحكومين، ويطلب إليه الحق على أنه حق الشعب كله من الحاكمين.

    هذا إقطاع أشدُّ خطرًا وأعظم نكرًا من الإقطاع القديم، الذي عرف في الزمان الأول، ولعله لا يزال يعرف إلى الآن في بعض أقطار الأرض. فقد كان الإقطاع القديم طورًا من أطوار الاجتماعية الإنسانية اقتضته ظروف الحضارة، فكان في وقته ملائمًا للأخلاق وملائمًا للدين، وملائمًا للسياسة. وكان الناس يطمئنون إلى نظام طبيعي مألوف نشأ في غير تكلف، ولم يفرضه تحكم ولا طغيان.

    أمَّا الإقطاع الذي أريد أن أتحدث عنه، فإنه شيءٌ لم تفرضه طبيعة الحياة، ولم يقتضه تطور الحضارة، ولم يطمئن الناس إليه، ولا يمكن أن يطمئنوا إليه؛ لأنه مخالف لطبيعة الأشياء، ومخالف لرأي الناس في طبيعة الأشياء، ومخالف لتصور الناس حقائق الحياة وحكمهم على هذه الحقائق.

    ومصدر هذا الإقطاع البغيض خطأ في الفهم، وخطأ في الحكم، وخطأ في التقدير، وأخشى أن أقول: إن من مصادره فسادًا في الأخلاق وغلظة في الأذواق! فالأصل أن المصالح العامة ملك للشعب كله، وأن الحكومات والهيئات الاجتماعية المختلفة إنما تنوب عن الشعب في تحقيق هذه المصالح وتدبيرها والعناية بها. فُهِمَت المصالح العامة على هذا النحو منذ العصور القديمة جدًّا، وفي بيئاتها المختلفة أشد الاختلاف. فهمها على هذا النحو اليونان والرومان على اختلاف نظمهم السياسية، وفهمها على هذا النحو المسلمون في عصورهم الذهبية الممتازة، وفهمها على هذا النحو الأوروبيون والأمريكيون، وسيظلون يفهمونها على هذا النحو. فالوزارة من الوزارات ليست ملكًا للوزير، وإنما هي ملك للدولة، بل إن هذه الوزارة من الوزارات ليست ملكًا للحكومة كلها، وإنما هي ملك للدولة التي هي أبقى وأعم وأشمل من الحكومة. وليست الحكومة في حقيقة الأمر نظامًا عمليًّا تصطنعه الدولة لرعاية مصالحها وتدبير أمورها، وليس أعضاء الحكومة في حقيقة الأمر إلَّا جماعة من الناس ترى فيهم الدولة — مخطئة أو مصيبة — الكفاية والقدرة على رعاية هذه المصالح وتدبيرها وقتًا يقصر أو يطول. فهي تكلفهم هذا الواجب، وتأجرهم على النهوض به، وتراقبهم أثناء النهوض به، فتبقيهم في عملهم ما رضيت عنهم، وتقصيهم عن عملهم إن سخطت عليهم أو أنكرت منهم شيئًا أو آنست منهم تقصيرًا أو قصورًا!

    فأعضاء الحكومة موظفون لا أكثر ولا أقل، وهيئة الحكومة جماعة من الموظفين يعملون متضامنين، ويخضعون لرقابة الدولة، ويتعرضون لما يتعرض له أي موظف من رضا الدولة وسخطها.

    هذا هو الأصل الذي يعرفه الناس جميعًا ويقره الناس جميعًا حين يخلو كل واحد منهم إلى نفسه، وحين يلقى بعضهم بعضًا ويتحدث بعضهم إلى بعض. تعلموه في المدرسة، وقرءوه في الكتب، وهم يقرءونه في الصحف حين يصبحون وحين يمسون. ولكن العمل في مصر — وفي بلاد أخرى تشبه مصر شبهًا قريبًا أو بعيدًا — يخالف هذا الأصل أشد الخلاف ويناقضه أعظم المناقضة!

    فالوزير لا يكاد يجلس على كرسيه حتى يغره الغرور؛ فيخدعه عن نفسه وعن سلطانه، وعن حقه وعن واجبه، وينسيه أنه موظف وُلِّيَ اليوم وقد يُعزل غدًا، وأنه مراقب يمكن أن يسأل عمَّا يأتي، ويمكن أن يسأل عما يدع، ويمكن أن يعاقب على ما يتورط فيه من قصور أو تقصير! ينسى هذا كله وينسى أنه لم يكن وزيرًا أمس، وأنه قد لا يكون وزيرًا غدًا، ولا يذكر إلَّا شيئًا واحدًا هو أنه يستطيع أن يأمر وينهى، وأن في وزارته موظفين يجب عليهم أن يأتمروا إذا أمرهم، وأن ينتهوا إذا نهاهم. ويسرف الغرور على نفسه، ويسرف هو على نفسه في الغرور، فيخيل إليه أنه مستأثر بمنصبه إلى آخر الدهر، وينسى نسيانًا تامًّا هذه الصيغة التي كانت «المقطم» تمهِّد بها فيما مضى من الأيام لسقوط الوزارات، وهي أن الحكم تقليد لا تخليد. وإذا هو يقتنع فيما بينه وبين نفسه، ثم يقنع الناس من حوله بأن الوزارة التي يتولاها إنما هي إقطاع من الإقطاعات قد أُهدي إليه ووُقِف عليه، فهو يتصرف فيه كما كان السادة يتصرفون فيما يُهدى إليهم من الإقطاعات!

    ونظام الإقطاع دقيق، فيه السيد الذي يلقب أحيانًا بالدوق، وأحيانًا بالمركيز، وأحيانًا بالكونت. ثم فيه السادة الذين يلون هذا السيد الأعظم، ويحملون مختلف ألقاب الشرف، وقد رُتِّبت درجات بعضها فوق بعض. ثم فيه بعد ذلك الدهماء التي يجب عليها أن تسمع وتطيع، ليس لها رأي في شيء، ولا ينبغي أن يكون لها رأي في شيء! وهذا النظام هو الذي يطبق في وزاراتنا ومصالحنا تطبيقًا دقيقًا: فالوزير هو السيد الأعظم، ثم يليه السادة الوكلاء، ثم تليهم طبقات مختلفة من الرؤساء قد رُتِّبت درجاتٍ بعضها فوق بعض. ثم تأتي بعد ذلك الدهماء التي يجب عليها أن تسمع وتطيع، والتي تأتلف منك ومني ومن أمثالنا بين عباد الله البائسين!

    ونظام الأحزاب في مصر ليس كنظام الأحزاب في البلاد الأخرى؛ فالحزب الذي يتولى الحكم إنما يتسلم مصر على أنها إقطاع من الإقطاعات يقسم بين الوزراء، ويحكم على النحو الذي كانت تحكم عليه الإقطاعات في الزمان الأول، وينظر إلى الأحزاب التي لا تتولى الحكم على أنها من الدهماء التي لا يعبأ اللَّه بها، فلا ينبغي أن يعبأ بها الناس!

    والحكم في مصر دُولَةٌ بين الأحزاب، فهو اليوم إلى هذا الحزب، وهو غدًا إلى حزب آخر. فالحزب الذي يحكم اليوم لم يكن حاكمًا أمس، ولن يكون حاكمًا غدًا. وكان هذا خليقًا أن يعلِّم الأحزاب أنها حين تتولى الحكم لا تتسلم إقطاعًا، وإنما تكلف خدمة. ولكن الأحزاب مع ذلك لا تتعظ ولا تتعلَّم، وإنما تلي الحكم فيسرع النسيان فيمحو من رءوسها كلَّ ذكرى، ويسرع الغرور فيلقي بينها وبين المستقبل أستارًا كثيفة، وإذا هي تعمل ليومها غير ذاكرة أمس، ولا محتاطة للغد، حتى إذا جاءت الساعة التي لا بدَّ من أن تجيء، وأنزلت الأحزاب الحاكمة إلى منازل الدهماء، ورفعت الأحزاب المحكومة إلى مناصب الحكم؛ لم يتغير شيء، وإنما مضى سادة ليصبحوا مسودين، وأقبل مسودون ليصبحوا سادة، وشكا المحكومون دائمًا من ظلم الحكام، وسخر الحاكمون دائمًا من شكوى المحكومين!

    ولولا أننا قدرنا الأشياء كما ينبغي أن تقدر في ظل النظام الديمقراطي؛ لما نظرنا للوزراء والرؤساء على أنهم سادة ينبغي لهم أن يأمروا وينبغي لنا أن نطيع، بل على أنهم وكلاء قد ائتمناهم على مصالحنا، فإن رعَوها فذاك، وإن لم يرعوها ففي القانون والدستور وازعٌ للجميع.

    نعم، ولكن الحق يجب أن يُقال، والحق أن الحاكمين والمحكومين في مصر لا يفهمون الديمقراطية على وجهها، وهم من أجل ذلك لا يتداولون الحكم فيما بينهم، وإنما يتداولون الظلم والاستبداد!

    فالحكم إقطاع للأحزاب الحاكمة لا أكثر ولا أقل، وليس بينه وبين الإقطاع القديم إلَّا فرق واحد ظاهر، وهو أن الإقطاع القديم كان ثابتًا مستقرًّا لأصحابه، تتوارثه ذريتهم بعد أن يموتوا. أمَّا الإقطاع الحديث فمتنقل لا يحب أن يستقر ولا يخضع لنظام الميراث. وهو من أجل ذلك أشدُّ خطرًا من الإقطاع القديم؛ لأنه فرصة يجب أن تُنتهز، فلعلها لا تعود، أو لعلها لا تعود إلَّا بعد وقت طويل! وإذن فيجب أن يستأثر الحاكمون ما وسعهم الاستئثار، وأن يدخروا منذ اليوم ما يمكن أن يفوتهم في غد، ويجب أن يتربص المحكومون، وأن يكيدوا ويمكروا، وأن يسجلوا ويستعدوا للانتقام!

    وكذلك تضيع المصالح العامة أولًا، ويفسد الحكم ثانيًا، وتفسد الأخلاق ثالثًا، وينحل التضامن الاجتماعي بعد ذلك، ويصبح بعض المصريين لبعض عدوًّا. وليس لهذا كله من دواء إلَّا أن نفهم الديمقراطية على وجهها. ولكن أتظن أن من الممكن أن تُفهم الديمقراطية على وجهها، وقد شبَّ عمرو على الطوق؟ ولم يخطئ الشاعر القديم حين قال:

    والشيخ إن قومته من زيغه لم يُقِمِ التثقيف منه ما انحنى!

  • مخالفات

    مخالفات

    طه حسين

    جريدة البلاغ

    ١٩ أغسطس ١٩٤٥

    رحم الله زيادًا، لقد أقبل على العراق تتسبقه النذر، وكان صاحب حزم وعزم ومضاء وتصميم، وكان يريد أن يصلح الفاسد ويُقوِّم المعوج، وأن يمحو الفوضى ويقر النظام، وكان يرى أن أهل العراق قد أحدثوا أحداثًا لم تكن، وأن من الحق عليه أن يُحْدِث لكل ذنب عقوبة، وكان يرى أن آخر أمر الحكم بين المسلمين لا يصلح إلا بما صلح به أوله؛ لين في غير ضعف، وشدة في غير عنف.

    ولم يكن للعراق ولا لغيره من أمصار الإسلام وأقطاره في تلك الأيام برلمان يُسأَل أمامه الوزراء عمَّا يقولون ويعملون، ولكنه مع ذلك خطب الناس خطبته المشهورة، فقال لهم فيما قال: «إن كذبة المنبر بلقاء مشهورة، فإذا تعلقتم عليَّ بكذبة فقد حلَّت لكم معصيتي، فإذا سمعتموها مني فاغتمزوها فيَّ، واعلموا أن عندي أمثالها.»

    أباح زياد الطاغية أن يعصوه ويخالفوا عن أمره، إن أثبتوا عليه أنه قال لهم على المنبر غير الحق، أو أنه ينفذ فيهم الأمر على غير ما رسم لهم وأباح لهم أن يعصوه ويخالفوا أمره، وألا يصدقوه فيما يعلن إليهم من الأمر بعد ذلك؛ لأنه إن كذب عليهم مرة، فهو خليق أن يكذب عليهم مرة أخرى، أو مرات أخرى، ولم يكن لأهل العراق ولا لغيرهم من المسلمين دستور مكتوب يبيح للنواب أن يقولوا لأمرائهم أنهم قد أخطئوا، أو أنهم قد خالفوا ما لا ينبغي أن يُخالَف من النظام والقانون، ويبيح للنواب والشيوخ أن يحاسبوا حكامهم حسابًا يسيرًا أو عسيرًا، وأن ينزلوهم عن مناصب الحكم إن أجروا أمور المسلمين على غير ما ينبغي أن تجري عليه.

    ويُخيَّل إليَّ أن في مصر دستورًا مكتوبًا منشورًا مقررًا يفرض على النوَّاب والشيوخ أن يراقبوا الوزراء ويحاسبوهم، ويبيِّنوا لهم حدود هذه المراقبة والمحاسبة، ويبيح للنواب أن ينزلوا الوزراء عن مناصب الحكم إن انحرفوا بالأمر عن الجادة، وساروا في الحكم سيرة تخالف ما رسم الدستور والقانون من الحدود. وليس منبر مجلس النوَّاب ومنبر مجلس الشيوخ بأهون شأنًا من منبر البصرة الذي تحدث منه زياد إلى أهل العراق؛ فلم يكن لأهل العراق أن يعزلوا زيادًا أو أن يخاصموه، وإنما كان عليهم أن يسمعوا له إذا قال ويطيعوه إذا أمر، أمَّا مجلس النوَّاب عندنا فيستطيع أن يقول للوزير المخطئ: أخطأت. ويستطيع أن يرد الوزير عن منصب الحكم ردًّا.

    ويُخيَّل إليَّ أن هذا العهد السعيد الذي يظلنا، إنما اسْتُؤْنِف فيما تزعم الأحزاب المؤتلفة؛ ليصلح أمورًا كانت هذه الأحزاب تراها معوجة، وينفذ الدستور نفاذًا صحيحًا لا يلتوون بنصه ولا يلتوون بروحه؛ لأن الذين سبقوهم إلى الحكم كانوا فيما زعموا يلتوون بالدستور عن طريقه المستقيمة، ويكلفونه ما لا يطيق من التأويل والتعليل.

    ومعنى هذا كله أن وزراء هذا العهد أقبلوا ليحترموا الدستور في نصه وروحه، وفي لفظه ومعناه، وليسيروا في تنفيذه واحترامه سيرة حنبلية لا تحتمل لبسًا ولا غموضًا، ولا تتعرض لمراء ولا جدال.

    يُخيَّل إليَّ هذا كله، ويُخيَّل هذا كله إلى كثير من الناس، ولكن التخييل شيء والتحقيق شيء آخر، كما أن القول شيء والعمل شيء آخر، وكما أن الوعد شيء والبر بالوعد شيء آخر، ولو أنصف الذين ينهضون فينا بأمور الحكم في هذا العهد وفي غيره من العهود لكتبوا هذه الكلمة الخالدة التي قالها زياد: «إن كذبة المنبر بلقاء مشهورة، فإذا تعلقتم عليَّ بكذبة فقد حلَّت لكم معصيتي، فإذا سمعتموها مني فاغتمزوها فيَّ، واعلموا أن عندي أمثالها.»

    لو أنصف الوزراءُ — مهما يكونوا — أَنْفُسَهم وأنصفوا الشعب؛ لكتبوا هذه الكلمة الخالدة في قلوبهم أولًا، وفي مكاتبهم ثانيًا، وفي مجلس النوَّاب ومجلس الشيوخ ثالثًا، ولعرفوا وعرف الناس أن من الحق عليهم إذا تكلموا من منبر البرلمان أن يقولوا الحق وحده، وإذا وعدوا من منبر البرلمان أن يبروا بالوعد، فإن قالوا للبرلمان شيئًا، وساروا خارج البرلمان بغير ما يقولون، فمن حق الناس ألا يسمعوا لهم وألَّا يطيعوهم، ومن حق الناس ألَّا يطمئنوا إليهم، وألَّا يثقوا بهم، وألَّا يصدقوهم. وهل يستطيع وزراؤنا أن يؤكدوا لنا مطمئنين أنهم قد بروا بما وعدوا، وصدقوا الأمة والبرلمان ما قالوا، وأنفذوا الدستور في نصه وروحه، لم يحرفوه عن موضعه، ولم يلتووا به عن طريقه.

    وهل يستطيع وزراؤنا أن يؤكدوا لنا أنهم أنفذوا أمر البرلمان الذي يفرض عليهم الدستور أن ينفذوا أمره، وأنهم بروا بوعودهم للبرلمان الذي يفرض الدستور أن يبروا له بالوعود. وهل يستطيع شيوخنا ونوابنا أن يؤكدوا لنا أنهم قد راقبوا الوزراء وحاسبوهم كما يريد الدستور أن يُراقَب الوزراء ويُحاسَبوا؟! هذه الأسئلة التي يجب أن يلقيها كل مصري على نفسه، والتي يلقيها المصريون بالفعل على أنفسهم ليعرفوا أتقوم أمورنا في مصر على الديمقراطية الصحيحة أم على الديمقراطية المتكلفة؟! أتجري أمورنا في مصر على الاحترام الصادق أم على الاحترام المصنوع؟!

    لقد وعد المغفور له أحمد ماهر باشا بأنه سيسعى لينظم الأمور بيننا وبين الإنجليز قبل أن تبدأ المفاوضات في سان فرانسيسكو. فلما كانت الكارثة، ونهض رئيس وزرائنا القائم بالأمر بعده، وعد بأنه سينفذ خطته، ويسير سيرته، ويمضي سياسته كما رسمها. ولكن وفدنا سافر إلى سان فرانسيسكو، وأقام فيها، وأمضى ميثاقها، وعاد منها وهو الآن بيننا سعيدًا موفورًا، ولم نعلم أن رئيس وزرائنا قد أنفذ خطة سلفه رحمه الله، بل نحن نعلم أنه لم يطلب المفاوضة، ولم يَسْعَ إليها، وإنما هو ينتظرها ولن يتردد في قبولها إن عُرِضَتْ عليه، فهو إذن قد وعد البرلمان، ثم لم يَفِ بالوعد، ورحم الله زيادًا فما أجدر كلمته أن تكون دستورًا للوزراء!

    وأقبل رئيس الوزراء ذات يوم على البرلمان فأنبأه مبتهجًا مسرورًا ومفاخرًا مكاثرًا بأنه قد خطا خطوة حسنة في طريق إلغاء الأحكام العرفية، فرد إلى الناس حريتهم في الكتابة، والخطابة، والانتقال، والاجتماع. وقد ارتاب المرتابون يومئذ، وطلبوا إليه أن يستصدر مرسومًا يسجل به رد هذه الحريات، ولكن الناس عاتبوهم وبينوا لهم أن هذا إسراف في سوء الظن، وأن رئيس الوزراء رجل إذا قال فعل وإذا وعد وفَّى، ثم لم يَمْضِ شهر أو أقل من شهر حتى مُنِعَ الانتقال، ومُنِعَ الاجتماع، ومُنِعَت الخطابة، ومُنِعَت الكتابة بأمر عسكري أمضاه رئيس الوزراء.

    وأقبل وزير المعارف ذات يوم على مجلس النوَّاب، فتحدث في سياسة التعليم، وأعلن أنه لن ينفذ سياسته الجديدة حتى يعرضها على المجلس الأعلى ويظفر منه بإقرارها، وحتى يعرضها على مجلسي البرلمان ويظفر منه بإقرارها، ثم انصرف وزير المعارف عن البرلمان وأخذ في تغيير سياسة التعليم، وقلبها رأسًا على عقب، والبرلمان منعقد لم ينفضَّ ولم ينقضِ كما يقول حكيمنا العظيم، ولم يَنْسَ وزير المعارف إلا شيئين اثنين؛ أحدهما: أن للتعليم سياسة قائمة قد أقرها برلمان شرعي، وأقرها في مجلسيه، فلا ينبغي أن تُغيَّر إلا بقرار من البرلمان، الثاني: أنه هو نفسه وعد البرلمان القائم بألا يُغيِّر سياسة التعليم حتى يظفر بموافقته. نسي هذين الأمرين، وهو مع ذلك عضو في وزارة جاءت لتصلح الفاسد، وتقوم المعوج، وتنفذ الدستور نصه وروحه إنفاذًا صحيحًا.

    بل نسي أكثر من هذا، نسي أن للتعليم قوانين قائمة لا يجوز أن تُغيَّر إلا بقوانين تنسخها وتقوم مقامها، ولكنه مع ذلك يُغيِّر سياسة التعليم غير حافل بقرار البرلمان السابق، ولا آبهٍ بوعده للبرلمان القائم، ولا متحرج من تحميل القوانين القائمة ما لا تطيق، وأنا أعلم أنه لن يعدم تأويلًا يفسر به موقفه، يلتمسه هو في فقهه هو بالقانون، ويلتمسه في فقه أقلام القضايا بالقانون، ولكني أعلم أيضًا أن للفقهاء حِيَلًا فقهية يعلم وزير المعارف من براعتها ورشاقتها أكثر مما أعلم، ويعلم وزير المعارف أن الناس يلجئون إليها حين يضيقون بنص القانون وروحه، وقد جاءت الوزارة الحاضرة فيما تزعم لتنقذ الدستور نصًّا وروحًا في غير عوج ولا التواء.

    وقرر مجلس النوَّاب ألَّا تعرض الصحف من قريب أو من بعيد فيما تدرسه لجنة التحقيق، ولكن وزير المالية قد ترك لصحيفته أن تخالف في صراحة، واستمرار، وتحدٍّ عن أمر مجلس النوَّاب؛ لأنه جاء فيمن جاء ليحترم الدستور، ولِيُعلِّم الناس احترام الدستور.

    وكذلك يتنافس الوزراء في احترام الدستور على هذا النحو البديع ليصدقوا ما قال أبو العلاء:

    إذا كان رب البيت بالدف مولعًا فشيمة أهل البيت كلهم الرقص

    ورب البيت هنا هو رئيس الوزراء الذي قال ولم يفعل، ووعد ولم يَفِ بالوعد.

    على أن هناك نوعًا آخر من احترام الدستور بأسلوب بديع في نصه وروحه، وفي لفظه ومعناه. فقد يُقال إن الاستجواب هو الطريقة التي نظمها الدستور لمحاسبة الوزراء، والاستجواب ينتهي عادة بإبراء ذمة الوزير، واحتفاظه بثقة المجلس الذي يُستجوَب فيه، أو بفقدان الوزير هذه الثقة واستقالته إن كان الاستجواب في مجلس النوَّاب، وقبوله للوم أو استقالته إن أراد حين يكون الاستجواب في مجلس الشيوخ.

    والمصريون جميعًا يعلمون أن استجوابات قُدِّمَتْ إلى مجلس النوَّاب فأُرْجِئَتْ وأُرْجِئَتْ، وانفضَّ مجلس النوَّاب أو انقض دون أن تُنظَر هذه الاستجوابات، أي دون أن يتمكن النوَّاب من محاسبة الوزراء. والمصريون جميعًا يعلمون أن استجوابًا قُدِّم إلى مجلس الشيوخ ونُوقِش فيه، ثم انفض مجلس الشيوخ أو انقض، ولم يعرف أحد رأي المجلس في هذا الاستجواب.

    أليس هذا كله احترامًا بديعًا للدستور؟!

    أليس هذا كله تنفيذًا للدستور بنصه وروحه في غير عوج ولا التواء؟!

    أليس هذا كله دليلًا على أن الديمقراطية التي تظلنا في هذا العهد ناصعة كالثلج، شفافة كالزجاج، وقد كدت أقول أنها رخوة كالزجاج أيضًا، ولكن أستغفر الله وأبرأ إليه من هذا الخاطر الذي هم الشيطان أن يلقيه في روعي فرددته به ردًّا عنيفًا.

    فديمقراطيتنا نقية كضوء الشمس، صافية كصفو السماء في أحسن أيام الاعتدال، صلبة كجبل المقطم، رائعة كجلال الأهرام. تنبئ الناس جميعًا في مصر وفي خارج مصر بأن ليس في الإمكان أبدع مما كان، وبأننا نُحكَم على أحسن أسلوب يمكن أن تُحكَم به الشعوب، يقول وزراؤنا فيفعلون، ويعدون فيبرون، ويأمرهم البرلمان فيطيعون؛ فهم حماة الدستور، وهم حفظة القانون، وهم آخر من يصح أن نفكر فيه إذا ذكرنا قول زياد: «إن كذبة المنبر بلقاء مشهورة، فإذا تعلقتم عليَّ بكذبة، فقد حلَّت لكم معصيتي، فإذا سمعتموها مني فاغتمزوها فيَّ، واعلموا أن عندي أمثالها.»

  • الظاهرة الكبرى

    الظاهرة الكبرى
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ٥ أغسطس ١٩٤٥

    يمكن أن يقال: إن الانتخابات البريطانية شغلت العالم أشهرًا متصلة كما شغلته أحداث الحرب الجسام … وليس في ذلك شيءٌ من الغرابة، فلبريطانيا العظمى مكانتها الممتازة بين أمم الأرض، وإمبراطوريتها العظيمة وكلمتها المسموعة في كل مشكلة من مشكلات السياسة العالمية، بل لبريطانيا العظمى آثارها التي تختلف قوةً وضعفًا في السياسة الداخلية والخارجية لكثير من الأمم المستقلة، أو التي تشبه أن تكون مستقلة … فإذا حدث في بريطانيا العظمى ما من شأنه أن يغير سياستها قليلًا أو كثيرًا، فمن الطبيعي أن يتساءل العالم، وأن تتساءل الأمم المتأثرة بهذه السياسة عن طبيعة هذا التغيير، وعمَّا يمكن أن ينتهي إليه من الآماد، وأن يترتب عليه من النتائج.

    وقد كانت الحرب الانتخابية في بريطانيا العظمى مثار اختلافات كثيرة عنيفة في التفسير والتقدير، لا في بلاد الإنجليز وحدها، بل في كثيرٍ جدًّا من بلاد الأرض. فكانت الحرب نفسها عنيفة جدًّا بين المحافظين والعمال … وكان الناس يقرءون خطب الزعماء المختصمين في كثير من التلهف والتشوق … وكانوا يعجبون إعجابًا شديدًا بأن هذه الخصومة العنيفة وتلك الحرب — التي كانت بالقياس إلى الحزبين حرب حياة أو موت — لم تمنع الحزبين من التعاون والتناصر، ومن أن يشدَّ أحدُهما أزْرَ صاحبه حين يَجدُّ الجد في أمور السياسة الخارجية.

    فلم يكد مستر إيدن يعلن في مجلس العموم البريطاني قبيل حله مأساة سوريا وموقف بريطانيا العظمى منها حتى وقف زعيم العمال فأعلن تأييد حزبه لمسلك الحكومة، ثم لم يكد يتقرر اجتماع الرؤساء الثلاثة في بوتسدام حتى أعلن مستر تشرشل في مجلس العموم أنه طلب إلى خصمه وصديقه المستر إتلي أن يصحبه في هذا الاجتماع الخطير؛ ليثق العالم بأن البريطانيين مهما يختلفوا في السياسة الداخلية فهم متفقون في كل ما يتصل بسياسة العالم بعد انتهاء الحرب، وبأن بريطانيا العظمى لن تغيِّر موقفها في السياسة العالمية بتغير حكوماتها، أو بانتقال السلطان فيها من حزب إلى حزب.

    كان الناس يقرءون هذا كله ويعجبون به، ويكبرون هذه الديمقراطية البريطانية التي تعرف ما تريد، وتعرف كيف تسعى إلى ما تريد، وكيف تبلغ ما تريد. وكانوا في الوقت نفسه يختلفون في نتائج الحرب الانتخابية، وكان أكثرهم يرى أن المحافظين سيظفرون بالفوز، وسيتفوقون على خصومهم ولو بكثرة ضئيلة، يبنون ذلك على ما للمستر تشرشل من مكانة ممتازة في نفوس الشعب البريطاني خاصةً، وفي نفوس الناس جميعًا خارج بريطانيا العظمى بعد أن أنقذ وطنه من كوارث لم يكد أحد يشك في أنها واقعة، وبعد أن ثبت وحمل مواطنيه على أن يثبتوا لهذه الخطوب الهائلة المروعة التي لم يعرف التاريخ مثلها في عصر من العصور، وبعدما بذل من جهود لا يكاد يتصورها العقل، واحتمل من عناء لا يكاد يحتمله الناس. فسافر في البر والبحر والجو في غير أوقات السفر، وعرض نفسه لأخطار جسام على تقدمه في السن، وعلى اعتلال صحته كلما تعرضت لهذه الأعراض التي تنشأ عن التنقل السريع إلى الأقطار النائية مهما يكن من اختلاف الفصول.

    وكان قليل من الناس ينتظرون فوز العمَّال، يبنون ذلك على اتجاهات إنسانية هي التي اضطربت لها أوروبا بين الحربين، وهي التي ثارت لها الحرب العالمية الثانية، وهي التي تتصل بالصراع بين نوعين من نظام الحكم، وتدبير أمر الشعوب؛ أحدهما: النظام الديمقراطي السمح الطلق، والآخر نظام الدكتاتورية أو ما يشبهها من هذه الديمقراطيات المقيدة المتحرجة.

    وقد انتهت الحرب الانتخابية في بريطانيا بفوز العمَّال، فلم يكد هذا الفوز يعلن إلى الناس حتى أخذوا يختلفون في نتائجه القريبة والبعيدة، وهم الآن ماضون في هذا الاختلاف، يرى بعضهم أن هذه النتائج ستقتصر على السياسة الداخلية البريطانية؛ فتحكم بريطانيا العظمى حكمًا اشتراكيًّا يمعن في الاشتراكية إمعانًا قويًّا أو ضعيفًا، وتمضي السياسة الخارجية على أساليبها التقليدية لينة في هذا المكان، شديدة في ذاك، مرنة بالقياس إلى بعض الأمم، صلبة بالقياس إلى بعضها الآخر، باسطة للنفوذ البريطاني على كل حال.

    ولم يحدث قط أن اهتم العالم لنتائج الانتخابات في بريطانيا العظمى كما اهتم لها في هذه المرة؛ فبريطانيا العظمى دولة منتصرة قد شاركت في سحق ألمانيا وإيطاليا، وفي تحرير أوروبا من تسلط الألمانيين، ولا يكاد قطر من أقطار الأرض في الشرق والغرب يخلو من قوة بريطانية تستقر فيه، أو تسعى إلى دخوله والاستقرار فيه استقرارًا طويلًا أو قصيرًا، لا نستثني من ذلك إلَّا أمريكا، فتغير السياسة البريطانية من طبيعته أن يحمل هذه الأقطار كلها على أن تتساءل ما عسى أن يكون لهذا التغير من أثر في حياته الحاضرة أو المستقبلة.

    ومهما يكن من الحق أن جوهر السياسة الخارجية في بريطانيا العظمى واحد لا يتغير بتغير الأحزاب الحاكمة، وأن غاية السياسة البريطانية واحدة لا تتغير، وهي بسط النفوذ البريطاني في كل مكان؛ فإن أساليب هذه السياسة تتغير من غير شك بتغير الأحزاب التي تنفذها، وتختلف باختلاف الأشخاص الذين يرعونها ويقومون عليها. وليس من شك عندي في أن أهم الأسباب التي دعت إلى هزيمة المحافظين أنهم غلوا في المصانعة داخل بريطانيا العظمى وخارجها حين كانت المحنة شديدة شاقة، فترفقوا بالشعب البريطاني إلى أبعد حدود الترفق، وتقربوا إلى العمال تقربًا شديدًا، واستعاروا من الاشتراكية نظمًا كثيرة اقتضتها الحرب، ثم وعدوا وغلوا في الوعد حتى اعتقد البريطانيون أنفسهم — واعتقد الأجانب — أن بريطانيا العظمى صائرة إلى الاشتراكية الخالصة.

    وهم في الوقت نفسه توددوا إلى حلفائهم وأنصارهم، وإلى الأمم المحايدة، وغلوا في هذا التودد، ونثروا وعودهم نثرًا، وجلوا أمام الإنسانية وأمام الأمم الضعيفة خاصةً آمالًا خلَّابة، حتى لم تشك أمة من الأمم الخاضعة لنفوذ هذه الدولة أو تلك أنها ستظفر بالحرية والاستقلال متى أصبح النصر شيئًا محققًا.

    وشارك الأمريكيون حلفاءهم البريطانيين في هذا التودد الخارجي، وفي هذه الوعود المبذولة للأمم الضعيفة، فنشر ميثاق الأطلنطي وميثاق الأمم المتحدة وكلام كثير كله وعد، وكله تزيين للآمال والأماني، ولكن الحرب لم تكد تدنو من غايتها في أوروبا حتى استرد المحافظون تقاليدهم القديمة، واستأنفوا سيرتهم الأولى داخل بريطانيا العظمى وخارجها على السواء.

    ولم ينس الناس بعدُ كيف تخلَّص المحافظون في لباقة ورشاقة من مشروع الأستاذ بيفردج، مع أنه كان معتدلًا شديد الاعتدال، ولم ينس الناس بعدُ كيف عاد المحافظون إلى سياستهم التقليدية في الخارج؛ فأيدوا أحزاب اليمين وناهضوا أحزاب اليسار، ولم يتحرجوا من أن يعمدوا إلى القوة أحيانًا في هذا التأييد، وظهر الخلاف بينهم وبين الروسيين في شئون بولندا والبلقان وفي شئون إسبانيا، كما اشتد تأثيرهم في سياسة إيطاليا وبلجيكا حتى قال بعض العمال للمستر تشرشل ذات يوم: إنه يسرف في تأييد الملوك وتملُّقهم.

    ونتج عن هذا الرجوع إلى السياسة التقليدية للمحافظين أن خابت الآمال في السياسة البريطانية داخل بريطانيا العظمى وخارجها، فأمَّا الشعب البريطاني فقد أحس شيئًا يشبه أن يكون خداعًا، وكره أن يذعن لهذا الخداع، وهو قد ذاق أثناء الحرب ألوانًا من الجهد والضيق، وذاق في الوقت نفسه ألوانًا من العدل الاجتماعي الذي اقتضته الظروف، وذاق بنوع خاص حلاوة تلك الوعود؛ فصمَّم على ألَّا يُخدع، وصمَّم على ألَّا يفلت منه ما ظفر به، وصمَّم على ألَّا تكذبه الوعود.

    وأمَّا العالم الخارجي، فقد أصبح ذات يوم وإذا السياسة البريطانية تؤيد الديمقراطيات المعتدلة أحيانًا، والديمقراطيات المزيفة أحيانًا أخرى، وربما أيدت الأقليات في غير تردد؛ فضاق بهذا الانحراف عن الوعود قبل أن يبعد بها العهد، وعن المواثيق قبل أن يجف الحبر الذي كُتِبت به.

    وتعرضت سمعة السياسة البريطانية لكثيرٍ جدًّا من الشك وسوء الظن. والواقع أن المستر تشرشل قد أسرف في سياسة انتهاز الفرص، ولم يحسن تدبير حرصه على تثبيت قوة الإمبراطورية وبسط نفوذها، وإنما اندفع في ذلك اندفاع المنتصر الذي لا يحفل بشيء، ولا يلوي على شيء؛ لأنه واثق بالقدرة على كل شيء.

    من أجل هذا كله كان مركز المستر تشرشل منذ أواخر الصيف الماضي ظاهر القوة، خفي الضعف، وأخذ خصومه في بريطانيا العظمى يجمجمون فيما بينهم وبين أنفسهم أولًا، ثم في مجلس العموم ثانيًا، ثم يصرحون بالمعارضة القوية آخر الأمر، ثم انتهى الأمر بالعمَّال إلى مقاطعته؛ فتصدع الائتلاف، واضطر مستر تشرشل إلى استفتاء الشعب.

    وكان العمال يودون لو مدت لهم الأسباب وجرت الحرب الانتخابية هادئة وادعة في وقت طويل، وقد توسلوا في ذلك إلى المستر تشرشل، ولكنه خدع عن أمره وتعجل الفوز الذي كان واثقًا به، وتعلل بأن الحكومة البريطانية يجب أن تكون مستقرة قوية لا يشك العالم الخارجي في قوتها. وقبِل العمَّال كارهين هذا التحدي الذي وصفوه بأنه بغيض، وأُتيح لهم الفوز، وأشرفوا على السياسة البريطانية تؤيدهم كثرة لم يظفروا بمثلها من قبل.

    ومهما يكن اختلاف الآراء في نتائج هذه الانتخابات، فإن هناك حقائق ثلاثًا هي التي لا تتعرض للشك؛ الأولى: أن الشعب البريطاني قد أثبت أنه يفهم الديمقراطية فهمًا دقيقًا، ويحرص على أن يستمتع بها استمتاعًا كاملًا، ويريد أن يدبر الشعب أمر نفسه بنفسه لنفسه مهما تكن الظروف، الثانية: أن هذه النتيجة قد أزالت التناقض الذي تورط فيه المنتصرون برجوع المحافظين إلى سياستهم التقليدية؛ فقد ثارت الحرب العالمية الثانية لتأييد الديمقراطية بأوسع معانيها، فكان من الطبيعي أن تخطو الديمقراطية البريطانية إلى أمام لا إلى وراء، وأن يشعر العالم الخارجي بشيءٍ من الحرية يمكِّن الشعوب لا أقول في تقرير مصيرها، بل من الأمل في تقرير مصيرها، وانتصار العمال يحقق هذين الغرضين، فيقدم الديمقراطية البريطانية نحو الاشتراكية، ويرد إلى الشعوب الضعيفة والمحررة شيئًا من الأمل.

    وقد ظهرت النتائج السريعة لهذه الخطوة، فضعف أمل ملك بلجيكا في العودة إلى وطنه، وضعف مركز الملكيين في اليونان وفي إيطاليا، واستطاع بعض أعضاء الجمعية الاستشارية في فرنسا أن يصيحوا في وجه الجنرال دي جول بسقوط الدكتاتورية، مع أن الجنرال ليس من الدكتاتورية في شيء.

    وكذلك بدأت الشعوب في أوروبا تتنفس؛ لأنها استيقنت أن وزارة العمال لن تؤيد أحزاب اليمين، ولن تناصر حكومات الأقليات.

    الحقيقة الثالثة هي: أن الشعوب التي تنتظر حريتها واستقلالها واستمتاعها بالعدل الاجتماعي من انهزام المحافظين، وانتصار العمَّال في بريطانيا العظمى ليست خليقة بالحرية، ولا بالاستقلال، ولا بالعدل الاجتماعي.

    فهذه كلها أمور لا تُعطى، وإنما تؤخذ، ولا تأتي من الخارج، وإنما تصدر عن قلوب المواطنين.

  • مستقبل الديمقراطية

    مستقبل الديمقراطية

    طه حسين

    مجلة الهلال

    ديسمبر ١٩٤١

    أنا واثق بأن ليس على الحضارة الإنسانية خطر حقيقي من هذه الحرب مهما يعظم هولها، وأنا واثق بأن الديمقراطية هي خير ما عرف الناس من نظم الحكم، وأنا من أجل هذا مطمئن إلى أن الحضارة إن خرجت ظافرة من هذه الحرب، فستخرج الديمقراطية معها ظافرة.

    ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل!

    كذلك قال الطغرائي منذ قرون طوال، وكان موفَّقًا كل التوفيق إلى الحق والصواب فيما قال، وما أظن أن أحدًا من الذين يعيشون في هذه الأيام يستطيع أن ينازع في هذه الحكمة القديمة الجديدة سواء أكان من الذين يَصْلَوْن نار الحرب من قريب، أم من الذين يَصْلَونها من بعيد.

    فليس من شك في أن الحياة التي تحياها الإنسانية الآن ضيقة الآفاق، ضئيلة الخطر، قليلة العناء. لولا أن في كل نفس إنسانية حية سراجًا قويًّا يشق آفاقها المظلمة، وينفذ بالنفس الإنسانية إلى عالم آخر. وراء هذه الآفاق تستطيع الآمال أن تنطلق فيه حرة خفيفة سريعة قادرة على أن ترتفع حتى تبلغ ما شاءت في جو السماء، وقادرة على أن تمضي أمامها إلى غير أمد.

    وماذا تنتظر من هذه الحياة التي نحياها الآن، وقد أخذها الشر من جميع أنحائها، فلا يكاد الإنسان يفكر في أمسه إلا امتلأت نفسه حسرات على أنه قد مضى بكثير من الطيبات كنَّا نستقلها ونزدريها، فأصبحنا نستكثرها ونودُّ لو أُتيح لنا بعضها؟! ولا يكاد الإنسان يحاول التفكير في غده حتى يتساءل: أمدرك هو هذا الغد، أم مقصر هو عن إدراكه؟

    والغريب أن طبيعة الحياة الإنسانية لم تتغير؛ فهي في كل وقت كما هي الآن، معرضة للخطر الذي يأتيها من حيث ينتظر الناس ومن حيث لا ينتظرون، ولكن هذه الحوادث الهائلة والكوارث المنكرة التي تتكشف عنها الحرب في كل لحظة قد جلت طبيعة هذه الحياة للناس، وأشعرتهم بغرورهم وخداعهم لأنفسهم، فواجهوا الحقائق كما هي، وعرفوا أن مثل الحياة الدنيا كمثل هذا الهشيم الذي تذروه الرياح، والذي ضربه الله لهم في القرآن الكريم، فهم يؤمنون به إذا تلوا الآية أو سمعوا الوعاظ، ولكنهم لا يلبثون أن ينسوا ما تلوا، وأن يعرضوا عمَّا سمعوا، وأن يقبلوا على لذاتهم وأهوائهم كدأبهم قبل أن يتلوا الآية، وقبل أن يسمعوا الوعاظ.

    فأما الآن فكل لحظة من لحظات حياتهم تتلو عليهم هذه الآية، وكل نبأ يصبحهم به النهار، أو يمسيهم به الليل يتحدث إليهم الوعاظ، ويذكرهم بأن الحياة الدنيا هشيم تذروه الرياح، وهم من أجل ذلك خليقون أن يدركهم اليأس، وكثير منهم يدركه اليأس فيفنى في التشاؤم المهلك، أو يندفع إلى التفاؤل المهلك، ولكن نفس الإنسان أقوى من اليأس، وأقوى من أحداث الزمان؛ فهي تستطيع دائمًا أن تأمل، وهي تستطيع دائمًا أن تذكر أمس، وأن تفكر في غد، وأن تستمتع بذكريات الماضي، وأن تحلم بطيبات المستقبل.

    والشر المطلق لا وجود له، كما أن الخير المطلق لا وجود له، أو قُلْ إذا شئت إن الإنسان العادي لا يستطيع أن يتصور الشر المطلق كما أنه لا يستطيع أن يتصور الخير المطلق وهو يسعد بمقدار، ولا أن يفسد الغرور عليه أمره وهو يشقى بمقدار إلا أن يفسد اليأس عليه أمره.

    وهو من أجل ذلك ينتفع بالكوارث؛ لأنها ترده وتصرفه عن غيِّه، وتشعره بأن الحياة لا ينبغي أن تُؤخَذ على أنها هزل خالص، ولا على أنها جد خالص، وإنما هي مزاج من هذا وذاك فيها الرضا والسخط، وفيها الفرح والحزن، وفيها الابتسام والعبوس.

    ولست أدري ما الذي يدفعني إلى هذا التفكير القاتم، بل لست أدري ما الذي يدفعني إلى التعبير عن هذا التفكير القاتم الذي صحبته أو صحبني منذ تتابعت أهوال الحرب، ولكني احتفظت به لنفسي، وضننت به على غيري، أو ضننت بغيري عليه.

    لست أدري ما الذي يدفعني إلى هذا الحديث القاتم، ولم يطلب إليَّ أن أعظ الناس، ولا أن أبصرهم بجد الحياة وهزلها، وإنما طلب إليَّ أن أتحدث عمَّا أنتظره للديمقراطية بعد هذه الحرب.

    وليتني أدري أيمكن أن تأتلف هذه الكلمات بعد هذه الحرب، فقد طالت هذه الحرب، وثقلت، وتتابعت أهوالها، وتوالت كوارثها، وتعمقت آثارها حياة الناس الذين يشعرون، ويفكرون، ويحسون التضامن الاجتماعي.

    طالت هذه الحرب وثقلت، حتى أنستنا الماضي، وصرفتنا عن المستقبل، وشغلتنا باللحظات التي نحياها، أو التي يُتاح لنا أن نحياها، وحتى لو أرسلنا أنفسنا على سجيتها؛ لخُيِّل إلينا أن ليس لهذه الحرب قبل ولا بعد، ولكنا مع ذلك نذكر أن قد كان لهذه الحرب قبل، وأننا قد أنفقنا أعوامًا وأعوامًا كانت تمر فيها بنا الأيام والليالي والأسابيع والشهور، ونحن فارغون لحياتنا الخاصة مقبلون على ما ينفعنا وينفع الناس، لا يصرفنا عن ذلك شيء من هذه الكوارث التي لا يكاد العقل يتصورها، والتي تأخذ الحضارة من كل وجه، وتسعى إليها من كل صوب.

    نعم؛ لا نزال نذكر أن قد كان لهذه الحرب قبل، نَعِمَ الناس فيه بلذات السلم واستمتعوا فيه بالعافية، ولا يزال تذكرنا لهذا الدهر القريب البعيد يُحبِّب إلينا العودة إليه، أو إلى شيء يشبهه، ويثير في نفوسنا الأمل في أن يكون لهذه الحرب بعد ينعم الناس فيه بالسلم، ويستمتعون فيه بالعافية.

    وما يخطر لي أن أتصور هذا الدهر الذي ستنجلي عنه الحرب، ولا أن أشيد فيه القصور الإسبانية، وإنما أنا أرى هذه الحرب كما كان شعراؤنا القدماء يرون الليل إذا شكوا طوله، فظنوا أن نجومه قد شُدَّتْ بالحبال إلى الجبال؛ فهي لا تكاد تنتقل، والناس مع ذلك يذكرون فينعمون بالذكرى، والناس مع ذلك يحلمون فيستمتعون بالأحلام.

    فلنتحدَّثْ إلى أبنائنا وشبابنا عن تلك الأيام التي لم تكن فيها حرب وإنما كانت كلها سلمًا وأمنًا ولذة ونعيمًا، ولنتحدَّثْ إلى أبنائنا وشبابنا عن أيام مقبلة لا حرب فيها ولا ضرب، ولا قتال فيها ولا نزال، وإنما فيها السلم، والأمن، واللذة، والنعيم، وفيها الآمال العراض، والأماني الباسمة، والمطامع البعيدة، والطموح الذي لا حد له، والسعي في آثار المثل العليا، والظفر بكثير مما تطمع فيه النفوس، وتطمح إليه القلوب، والثقة بأن ما يعسر على بعض الأجيال قد يسر لعضنا الآخر، وبأن الأبناء قد يبلغون ما قصر عنه الآباء، وبأن الغد قد يحقق ما عجز عن تحقيقه الأمس.

    وإذا تحدثت إلى نفسي عن مستقبل الديمقراطية بعد أن تنتهي هذه الحرب فإن لي في هذا الحديث لغتين: إحداهما لغة التشاؤم والشك؛ لأننا شهدنا حربًا مضت، ورأينا بعدها سلمًا شملت الناس، وكنَّا نضيق بتلك الحرب الماضية كما نشقى بهذه الحرب الحاضرة، وكنَّا نعقد بتلك السلم التي انقضت آمالًا واسعة، وننوط بها أماني لا تنقضي، فلما أقبلت السلم لم تحقق من آمالنا الواسعة إلا قليلًا، ولم تُتِحْ لنا من أمانينا البعيدة إلا أهونها شأنًا وأقلها خطرًا.

    وكنَّا نظن أن الحرب الماضية قد قتلت نفسها، وأن السلم قد عفت على آثارنا، وأن أمور الناس ستصير إلى عافية دائمًا، وأن مشكلاتهم ستُحَلُّ بينهم بالرضا والثقة المتبادلة.

    وكنَّا نظن أشياء كثيرة، وكنَّا نأمل أكثر مما كنَّا نظن. فلم تكد تتقدَّم الأيام بتلك السلم؛ حتى تبين أن ظنوننا إنما كانت لغوًا، وأن آمالنا قد ذهبت هباء، وأن الحرب لم تقتل نفسها، وأن السلم لم يُعَفِّ آثار الحرب، فلا غرابة إذا فكرنا في غد مع كثير من التحفظ والاحتياط والإشفاق أن تكون عاقبة هذه الحرب كعاقبة الحرب الماضية، وأن تكون السلم المنتظرة عقيمًا مجدبة كالسلم التي انقضت في سبتمبر سنة ١٩٣٩؛ فهذه إحدى اللغتين اللتين أتحدث بهما إلى نفسي إذا فكرت في مستقبل الديمقراطية.

    فأما اللغة الثانية فلغة أمل ورجاء وثقة؛ ذلك أن الإنسان لم يُعَلَّم إلا ليعلم كما قال الشاعر القديم، وإن من طبيعته الانتفاع بالحوادث، والاستفادة من التجارب، وقد أسرف في الأمل على نفسه أثناء الحرب الماضية، فأسرف عليه اليأس بعد انقضاء تلك الحرب؛ فالخير إذن أن يقتصد في الأمل، وأن يكون رجاؤه معتدلًا، وأن تكون أمانيه معقولة تحد بطاقة الناس وقدرتهم على الإصلاح.

    وقد ظن الأوربيون في أعقاب الحرب الماضية أنهم قهروا الطغيان إلى أمد بعيد جدًّا، وأنهم قد أقاموا على أنقاضه عالمًا قوامه العدل، والقسط، والإنصاف، ولكنهم حين ظنوا ذلك لم يخدعوا أنفسهم وإنما خدعوا كثرة الناس؛ ذلك أنهم لم يكونوا فيما بينهم وبين أنفسهم واثقين بأنهم قتلوا الطغيان حقًّا، والطغيان الألماني لا يُقتَل بهزيمة تلقاها ألمانيا خارج حدودها، وإنما يُقتَل في موطنه حين تُقتحَم الحدود الألمانية، وحين يزول السلطان الألماني، وحين تذوق ألمانيا في وقت طويل أو قصير مرارة الغزو التي أذاقتها للآخرين، ومرارة التسلط الأجنبي الذي بعد عهدها به.

    هنالك يُنتظَر أن يثوب إلى الشعب الألماني شيء من رشد وحظ من قصد، وهنالك يُنتظَر أن يبرأ الشعب الألماني من بعض غروره، ويؤمن بأنه كغيره من الشعوب قد يُتاح له النصر وقد تقضي عليه الهزيمة، وهنالك يعتدل الشعب الألماني في أطماعه، ويكبح من جماحه، ويطمئن إلى أنه يستطيع أن يقنع بالمساواة بينه وبين غيره من الشعوب، ويومئذ يمكن أن يُقْبِل مخلصًا على التعاون مع غيره في إقامة النظام الجديد على أساس من العدل والقصد، وعلى رغبة في المساواة والإنصاف.

    فأما أن ينهزم الشعب الألماني خارج حدوده كما انهزم في الحرب الماضية، فذلك شيء يريح الناس من الطغيان الألماني وقتًا ما، ولكن الشعب الألماني نفسه لا يلبث أن يتساءل عن هذه الهزيمة التي لم يرها رأي العين، ولم يَذُقْ آثارها في أرضه ثم لا يلبث أن ينكرها، ثم لا يلبث أن يرى نفسه مظلومًا، ثم لا يلبث أن يحاول إنصاف نفسه.

    والمظلوم معرض متى استطاع إلى أن يصبح ظالمًا مسرفًا في الظلم؛ فحدود الإنصاف ليست واضحة، والفروق بين الإنصاف والانتقام ليست بيِّنة.

    وكما أن الذين نظموا العالم بعد الحرب الماضية لم يكونوا واثقين بالانتصار، فهم كذلك لم يكونوا واثقين بأنفسهم، أو بعبارة أدق لم يكونوا مخلصين لأنفسهم في تلك الثقة التي كانوا يظهرونها، فلم تكن معاهدة الصلح تمضي حتى جحدتها الولايات المتحدة الأمريكية، ولم تكد عصبة الأمم تنشأ حتى جحدتها الولايات المتحدة الأمريكية، فتركت أوروبا لنفسها فلم تصنع شيئًا، وهي لم تصنع شيئًا؛ لأنها لم تخلص لنفسها، وإنما قام سوء الظن أساسًا لما كان بينها من الصلات؛ فألمانيا مغلوبة، فهي تسيء الظن بغالبيتها وهم يسيئون بها الظن، وإيطاليا ترى أنها قد ظفرت من الغنيمة بأقل مما كانت ترجو، وإنجلترا وفرنسا تتنافسان في سيادة البر والبحر. وقد انحازت روسيا إلى نفسها، وعكفت على ثورتها، وفرغت لبغض الغالب والمغلوب جميعًا؛ ولذلك مضت الحرب الكبرى دون أن يجني الناس منها إلا شرها، وأقبلت سَلْمٌ عرجاءُ لم ينتفع بها إلا المهرة الذين يحسنون الصيد في الماء العكر، ويحسنون ملأ حقائبهم وجيوبهم إذا أظلم الليل.

    وكذلك فرغت أوروبا من حرب الشعوب، ولكنها لم تنتهِ إلى السلم، وإنما انتهت إلى الهدنة، وإلى هدنة غير خالصة، إلى هدنة في السياسة الخارجية، وإلى حرب بين الطبقات فسدت بها السياسة الداخلية للأمم فسادًا عظيمًا.

    ولم تَمْضِ أعوام قليلة على السلم حتى استيقن أولو البصائر أن الحرب مقبلة لا محالة، وأن الشعوب عائدة إلى شر مما كانت فيه، وأن النظم السياسية والاجتماعية التي كانت تقوم عليها أمور أوروبا لم تكن صالحة للبقاء، وإنما كانت موقوتة تنتظر من يسبق إلى هدمها.

    وقد سبق الثائرون في روسيا فهدموا من ناحيتهم وحاولوا البناء. ثم سبقت إيطاليا، ثم تبعتها ألمانيا، وانقسمت أوروبا إلى قسمين متباعدين أشد التباعد أحدهما يقوم على دكتاتورية مهلكة لحرية الفرد والجماعة وكرامة الإنسان، والآخر يقوم على ديمقراطية مزعزعة مسرفة في حرية الفرد.

    والجماعة مقصرة مع ذلك في إنصاف الفرد من الجماعة، وفي إنصاف الضعفاء من الأقوياء، والفقراء من الأغنياء، والعاملين من الذين لا يعملون.

    ولم يكن الإنسان محتاجًا إلى كثير من الذكاء ليفهم أن دوام تلك الحال قد كان من المحال، ولم تلبث الحوادث أن أثبتت أن الحياة الأوروبية لم تكن معقولة، ولا قادرة على البقاء.

    كل هذا قد تعلَّمه الإنسان في هذا العصر الذي انقضى بين حربين، فواحدة من اثنتين: إما أن يكون الشاعر صادقًا حين قال:

    وَمَا عُلِّمَ الْإِنْسَانُ إلا لِيَعْلَمَا

    وإما أن يكون التاريخ صادقًا فيما أنبأنا به من أن الإنسان منتفع دائمًا بالحوادث، مستفيد دائمًا من التجارب، ماضٍ دائمًا إلى أمام.

    وإذن؛ فمن حقنا أن نرجو وأن نأمل، وأن نثق بأن للديمقراطية بعد الحرب مستقبلًا رائعًا مزهرًا، وإما أن يكون ظننا بحكمة الحكماء، وفلسفة الفلاسفة، وعِبَر التاريخ، واستعداد الطبيعة الإنسانية للرقي، وقدرة العقل الإنساني على قهر المصاعب، والخروج من الخطوب منتصرًا عليها كاذبًا. وإذن؛ فهو اليأس لا من الديمقراطية وحدها، ولكن من الحضارة الإنسانية كلها.

    والحمد لله على أني لست من اليائسين، وعلى أني لا أفهم لليأس معنى مع الحياة، كما كان يقول مصطفى كامل رحمه الله، فهذه الكارثة الهائلة التي تخضع لها الإنسانية الآن ليست الكارثة الأولى، ولن تكون الكارثة الأخيرة مع الأسف، وقد تعرضت الحضارة الإنسانية لكوارث أخرى ساحقة ماحقة، فظهرت عليها وانتفعت بها، وخرجت منها أشد تألقًا وأكثر إشراقًا مما كانت قبل أن تلم بها الكارثات.

    ولست أدري لِمَ لا تخرج الحضارة ظافرة من هذه الكارثة، كما خرجت من الكوارث الماضية، وهي الآن أشد أيدًا، وأصلب عودًا، وأمضى حدًّا، وأقدر على المقاومة، وأقدر على النفوذ أيضًا؟!

    أنا إذن واثق بأن ليس على الحضارة الإنسانية خطر حقيقي من هذه الحرب مهما يعظم هولها، وأنا إذن واثق بأن الديمقراطية هي خير ما عرف الناس من نظم الحكم من الناحيتين السياسية والاجتماعية، وأنا من أجل هذا كله مطمئن إلى أن الحضارة إن خرجت ظافرة من هذه الحرب، فستخرج الديمقراطية معها ظافرة؛ لأن الحضارة الصحيحة في هذا العصر لا تستطيع أن تقوم إلا على الحرية … الحرية التي تسع الأفراد والجماعات والشعوب، الحرية التي تمنع الأفراد من أن يظلم بعضهم بعضًا، وتمنع الشعوب من أن يظلم بعضها بعضًا.

    وأكاد أعتقد أن هذه الحروب التي خضعت لها الإنسانية، والتي عرَّضت الحضارة لشر عظيم، إنما هي لون من ألوان الجهاد الذي تبذله الإنسانية لتظفر بهذه الحرية، والذي تشقى به الإنسانية كثيرًا بين وقت ووقت لتنعم بما نتج لها من الحرية كثيرًا أيضًا.

    والشيء الذي لا أستطيع أن أشك فيه هو أن العقل الإنساني قد وصل إلى حد من الرقي لا يستطيع معه أن يقبل الضيم، أو يصبر على الذل، أو يعيش إلا في ظل الكرامة.

    وأنا أعلم أن نُظُم الطغيان قد قامت في أوروبا، وبأنها تكلف الناس من أمرهم شططًا في هذه الأيام, ولكني أعلم أيضًا أن هذه أزمات تتعرض لها الحياة الإنسانية بين وقت وآخر، وأن هذه الأزمات رهينة بالأشخاص الذين يثيرونها، أو بالظروف الطارئة التي تقتضيها. فمتى مضى هؤلاء الأشخاص ولا بد من أن يمضوا، ومتى تغيرت هذه الظروف ولا بد من أن تتغير لأن الحياة تغير مستمر؛ استأنف العقل الإنساني طريقه في سبيل الرقي.

    وهذه الطريق جميلة رائعة، تقوم فيها من حين عقبات وصعاب، ولكنها تمضي دائمًا في ظلال من الحرية والكرامة والأمل والمثل العليا.

    فإذا أردت أن تعرف رأيي في مستقبل الديمقراطية إذا انتهت هذه الحرب فلست أستطيع أن أعرض عليك رأيًا بعينه، ولا أن أرسم لك صورة بعينها، وإنما أستطيع أن أعرض عليك ثقة متينة وأملًا باسمًا.

    فأما الثقة فبانتصار الحضارة والنور على الجاهلية والظلمة، وأما الأمل ففي أن يستفيد الناس من دروس الحرب الماضية والسلم الماضية أيضًا، وفي أن يذكروا أنهم قد أقاموا الصلح الماضي على سوء الظن، وعلى سوء النية، وعلى سوء التقدير، وعلى التنافس والتحاسد، وعلى الخديعة والمكر، فجنوا من هذا كله شرًّا عظيمًا. فهم الآن خليقون ألا يتورطوا فيما تورطوا فيه أمس، وأن يقيموا صلحهم المقبل على حسن تقدير الأمور، وعلى أخذها بالحزم والعزم، وعلى الثقة الصادقة، والتعاون القائم على الإخلاص.

    ويُخيَّل إليَّ أن تجنب الأغلاط التي اقتُرِفَتْ في وضع معاهدة فرسايل وفي تنفيذها، كفيل بأن يضمن للناس ديمقراطية، لا أقول كاملة؛ فليس إلى الكمال من سبيل، ولكنها ديمقراطية قريبة من العدل، يستمتع فيها الفرد بحريته وكرامته، وينعم فيها بطيبات الحياة لا يظلمه القوي، ولا يستغله الغني، وتأخذ فيها الشعوب بحظوظها من الحياة الحرة. لا تستأثر فيها الشعوب القوية بالسيادة والغنى من دون الشعوب الصغيرة، وإنما تقوم حياة الأفراد والجماعات والأمم على شيء من الحب والرفق والعدل والإنصاف.

    منى إن تكن حقًّا تكن أحسن المنى وإلا فقد عشنا بها زمنًا رغدا

  • الشعب الديمقراطي

    الشعب الديمقراطي
    طه حسين
    مجلة المصور
    ٢٠ سبتمبر ١٩٤٠

    نحن أمة ديمقراطية نحب حريتنا ونحرص عليها. ولكنْ، كثير جدًّا من أفراد الشعب المصري يشكُّون في أنهم يستمتعون بالديمقراطية حقًّا. فإذا جد الجِدُّ فمن أشد الخطر وأقبح النكر أن نستقبل الخطوب، وقلوبنا مختلفة وضمائرنا متباعدة، فعلينا أن نؤلف بين هذه القلوب المختلفة، وأن نقنع الضمائر المصرية كلها بأن الديمقراطية المصرية ليست وقفًا على فريق من المصريين دون فريق دائمًا، هي خط مشترك بين المصريين جميعًا.

    أخصُّ ما تمتاز به الحياة العامة في الأمم الديمقراطية أنها لا تفرض على الشعب، وإنما تصدر عنه، وأن الشعب لا يساق إليها ولا يكره عليها، وإنما يسعى إليها راغبًا فيها مريدًا لها.

    ومن هنا كانت الشعوب الديمقراطية مسئولة عن أعمالها، تستمتع بثمراتها كما تحتمل سيئاتها؛ لأنها هي التي أرادتها، لم يفرضها عليها أحد ولم يكرهها عليها عسف أو طغيان.

    ومن هنا أيضًا كان من الطبيعي أن يقال للشعب الديمقراطي إذا تعرضت حياته للخطر: هلم دافع عن نفسك، وذُدْ عن كرامتك، واحتفظ بحريتك، وضحِّ بمجهودك وأموالك ونفوس أبنائك في سبيل شرفك وسيادتك.

    يقال هذا الكلام للشعب الديمقراطي؛ فيقع في نفسه أحسن موقع ويبلغ من ضميره أعماقه، ويدفعه إلى العمل والجهاد والتضحية بكل ما يتطلبه الجهاد.

    ويقال هذا الكلام للشعب الديمقراطي، فيذوقه الشعب ويفهمه ويجد لكل كلمة منه معناها الواضح الجلي. يحسُّ هذا المعنى إحساسًا قويًّا في كل عمل يأتيه أفراده مجتمعين أو متفرقين، وفي كل كلمة يقولها أفراده مجتمعين أو متفرقين أيضًا. ذلك أنهم يلاحظون أنهم في حياتهم اليومية يغدون أحرارًا ويروحون أحرارًا ويقولون أحرارًا ويعملون أحرارًا. يأتون من الأمر ما يريدون لا يردهم عنه راد، إلَّا القانون الذي وُضِع ملائمًا لحقوق الأفراد والجماعات وحريتها، منظمًا لهذه الحقوق والحرية. ويعرضون عما يريدون الإعراض عنه لا يدفعهم إليه دافع من غير أنفسهم، ولا يفرضه عليهم سلطان قوي جائر أو متعسف.

    فكل فرد إذن إذا ثار للدفاع عن الوطن، فهو يدافع عن نفسه أولًا وعن وطنه ومواطنيه ثانيًا، ولا كذلك الشعوب التي يقهرها السلطان العنيف ويملك عليها أمرها؛ فيدفعها إلى ما يريد هو لا إلى ما تريد هي، ويصدها عما يريد أن يصدها عنه، وقد تكون هي شديدة الميل إلى أن تقدم إليه. هذه الشعوب تساق إلى الحروب كارهة لها وتخوض غمراتها زاهدةً فيها. وقد يتاح لها النصر ولكنها لا تستمتع به ولا تذوق لذته؛ لأنه نصر لم ينشأ عن إرادة، وإنما نشأ عن تكليف، وقد تقدر عليها الهزيمة فتتجرع مرارتها مضاعفةً؛ لأنها هزيمة لم تنشأ عن خطأ أقدم الشعب عليه وهو حر أو تقصير دفع الشعب إليه غير مكره، وإنما نشأت عن تحكم المتحكمين، وتعسف المتعسفين، واستبداد المتسلطين بما لا ينبغي لهم أن يستبدوا به. ومن هنا نلاحظ أن الشعوب الديمقراطية إذا خاضت غمرات الحرب كان من الطبيعي أن تظهر من أمور الحرب على كل شيء، وألَّا يخفي قادتها وساستها عليها شيئًا من الخير أو الشر؛ لأن هؤلاء القادة والساسة لا يحتملون وحدهم تبعات الحرب التي لم ينكروها، ولم يستبدوا بها، وإنما يحتملونها مع غيرهم من أبناء الشعب؛ لأن الشعب هو الذي أقدم على الحرب وكلفهم قيادتها وتدبير أمورها، فهم يطالعونه بأنباء الحرب أحرارًا متخففين من التبعات، وهم لا ينتظرون منه إلَّا ما ينتظره القائد المصيب من التشجيع والتأييد، أو ما ينتظره القائد المخطئ من اللوم والتثريب.

    فأمَّا الشعوب التي تفرض عليها الحرب ولم تردها، وتدفع إلى القتال ولا رغبة لها فيه، فهي لا تعرف من أمر الحرب شيئًا إلَّا ما يريد أن يقول لها قوَّادها وسادتها، وهم لا يقولون لها إلَّا ما يريدون، ولا يظهرونها إلَّا على ما يحبون أن تظهر عليه، يتوخون في ذلك مصلحتهم أكثر مما يتوخون مصلحة الشعب، ويحرصون في ذلك على أن يجنبوا أنفسهم اللوم أكثر مما يحرصون على أن يبصروا الشعوب بأمرها، ويواجهوها بالحق الصريح.

    وما أظن إلَّا أن الناس يلاحظون الفرق العظيم بين ما يتحدث به المستر تشرشل إلى الشعب البريطاني، وما كان يتحدث به الوزراء الفرنسيون قبل الهزيمة إلى الشعب الفرنسي، وما يتحدث به قادة الألمان والإيطاليين وسادتهم إلى الشعب الألماني والشعب الإيطالي. أولئك يصارحون الشعب بالحقائق، وينذرونه بالخطر، ويدلونه على مواطن الضعف، ويرشدونه إلى مصادر القوة، يقوون في نفسه الأمل، ولكنهم لا يضلونه ولا يخدعونه عما قد يخبئ له الغيب من أسباب القلق، وما يدعوه إلى التحفظ والاحتياط. وهؤلاء يزينون له الحرب ويرغبونه فيها ويهونون عليه الخسائر، ويحقرون له من أمرها ويهولون له أمر الفوز، ويسرفون له في تعظيم أمره. أولئك في حاجة إلى تأييد الشعب ونصحه، فهم يصارحونه بأن التأييد والنصح إنما يأتيان عن الرغبة لا عن الرهبة، وعن الإرادة لا عن الخضوع والإذعان. وهؤلاء يريدون الطاعة والانقياد، فهم لا يصارحون وإنما يهولون ويضللون؛ لأن الطاعة والانقياد إنما يصدران عن الخوف والرهبة لا عن الأمن والثقة والاقتناع.

    هذه هي حالة الحرب في هذين النوعين من أنواع الشعوب؛ قوم يحاربون؛ لأنهم لا يجدون من الحرب بدًّا، ولأن كرامتهم ومصالحهم وحرصهم على حياتهم الحرة المستقلة تدفعهم إلى أن يحاربوا. وقوم آخرون يحاربون لأنهم لا يجدون من الحرب بدًّا، ولأنهم إن لم يحاربوا فسيتعرضون لأنواع الهول في حياتهم الداخلية، إن لم تقتلهم أسلحة العدو فستقتلهم أسلحة القادة والسادة من المواطنين. وهناك نوع ثالث من الشعوب يتردد بين هذين النوعين، ويضطرب بين هذين الفريقين، له من الحرية ظاهرها ومن الديمقراطية أشكالها وصورها، فإذا تحققت أمره لم تجد حريته إلَّا كلامًا، ولم تجد ديمقراطيته إلَّا لونًا من ألوان اللعب.

    فإذا ألمت الحرب بساحة شعب من هذه الشعوب؛ فهو معرض لأشد الأخطار وأعظمها نكرًا كذلك؛ لأن ظواهر أمره تصوره على أنه يثور إذا حارب لحريته وكرامته وحياته المستقلة، وحقائق أمره بعيدة كل البعد عن هذا؛ لأنه لا يشعر بحريته، ولأنه لا يجد كرامته موفورة، ولأنه لا يطمئن إلى حياته المستقلة. فهو يحارب مأمورًا، وهو يجاهد مدفوعًا إلى الجهاد، على حين يظن الناس به أنه يحارب حفاظًا للوطن وذيادًا عن الحقوق. وهو خليق أن يتعرض لكل ما يتعرض له من يقدم على عظائم الأعمال في غير إيمان ولا اقتناع، فهو ظاهر القوة خفي الضعف. وهو مقدم فيما ترى العين ومحجم فيما يرى العقل وفيما يحس الضمير.

    يقول له قادته وسادته: هلم دافع عن حريتك! فيقول لسانه: نعم، ويقول قلبه: أين هي الحرية التي أُراد على أن أدافع عنها؟! يقول له رؤساؤه ومدبرو أمره: هلمَّ احتفظ بكرامتك! فيقول لسانه: نعم، ويقول قلبه: إني لا أجد لهذه الكرامة طعمًا ولا أحس لها ذوقًا، وإذا لم يكن بدٌّ من الاحتفاظ بالكرامة فما ينبغي أن أحارب هذا العدو الخارجي، وإنما ينبغي أن آخذ هذه الكرامة من الرؤساء والقادة قبل كل شيء. ويقول له قادته ومدبرو أمره: هلم ذُد عن حياتك المستقلة! فيقول لسانه: نعم، ويقول قلبه: إني أحب أن أكون حرًّا مستقلًّا فيما بيني وبينكم من الصلة؛ لأكون حرًّا مستقلًّا فيما بيني وبين الأجانب من الصلات. حتى إذا جدَّ الجِد وأقبل الهول؛ رأيت قومًا يقدمون على غير ثقة، ويجاهدون في غير إيمان بالجهاد، ويتعرضون لكل ما يتعرض له غير المؤمنين من الفشل والضعف، ومن التهالك والتخاذل، ثم من الإذعان والاستسلام.

    والشعوب التي تخضع للسلطان الغاشم خضوعًا صريحًا جليًّا، قد تجد في هذا الخضوع نوعًا من الإيمان بغيضًا لا يليق بالإنسانية الكريمة، ولكنه مع ذلك يقنعها ويدفعها إلى العمل والاستماتة في الجهاد. وقد ظهر شيء من ذلك في هذه الحرب، فقد رأى الفرنسيون من أعدائهم في موقعة فرنسا عجبًا من العجب: رأوا ألوفًا من الناس، بل مئات الألوف يقبلون على الموت متهافتين عليه متساقطين فيه كما تتساقط الفراش في النار، لا يحفلون بمكروه ولا يحجمون عن بأس، وهم ينطقون بكلمة واحدة هي اسم زعيمهم الطاغية الألماني.

    والشعوب قد تؤمن بالضلال وتتفانى في سبيله، ولكن الشر كل الشر ألَّا تؤمن الشعوب بالضلال ولا بالهدى، وأن تقف حائرة مترددة بين ذلك، لا تجد من إيمانها واقتناع ضمائرها ما يدفعها إلى هذا النحو أو ذاك.

    هذا هو الخطر كل الخطر، هذا هو الشر كل الشر، فإنك لا تطلب من الفرد أن يزهق نفسه أو يريق دمه إلَّا أن يكون ذلك سبيلًا لبلوغ مثل أعلى وطريقًا إلى تحقيق أمل عزيز على النفس حبيب إلى القلب، يهون في سبيله أن تزهق النفوس وتراق الدماء.

    وإذن، فماذا يجب أن نفعل نحن، وقد أخذت نذر الحرب تصيح بنا من كل وجه، وجعلت أخطار الحرب تسعى إلينا من كل مكان، وأصبح من أشد الأشياء جوازًا وأعظمها احتمالًا أن نصلى نارها راضين أو كارهين. أظنُّ أن الجواب على هذا السؤال يسير لا عسر فيه، وقريب لا يحتاج إلى تفكير طويل. فنحن أمة ديمقراطية ليس في ذلك شك، قد بذلنا في سبيل الديمقراطية جهودًا عنيفة، واحتملنا في سبيلها أعباءً ثقالًا، وضحينا في سبيلها بالشيء الكثير. ولو خُيِّرنا بين الديمقراطية وأي نظام آخر من نظم الحكم لما ترددنا في الاختيار، فقد اخترنا منذ عهد بعيد.

    نحن إذن أمة ديمقراطية نحب حريتنا ونحرص عليها، نؤثر كرامتنا ونحتفظ بها مهما يكلفنا ذلك من ضروب المشقة والعناء، وما أشك في أننا لا نتردد إذا تعرضت ديمقراطيتنا للخطر وللحظر الذي يأتيها من الأجنبي في أننا سنضاعف الجهد ونمضي في التضحية إلى أبعد غاية؛ لنرد العدوان عن هذه الديمقراطية ونحميها من الضياع.

    كل هذا حق لا شك فيه، ولكن هناك حقًّا آخر لا شك فيه، وهو أن كثيرًا جدًّا من أفراد الشعب المصري يشكون في أنهم يستمتعون بالديمقراطية حقًّا، ولا تطمئن قلوبهم إلى أنهم يأخذون من نعمة الديمقراطية نصيبهم المقسوم لهم، وقد يعتقدون أن الديمقراطية المصرية مباحة لفريق من المصريين ومحظورة على فريق آخر. فإذا جدَّ الجد وأقبل الهول؛ فمن أشد الخطر وأقبح النكر أن نستقبل الخطوب وقلوبنا مختلفة، وضمائرنا متباعدة، وإيماننا بالمثل الأعلى الذي نراد على أن ندافع عنه ليس مشتركًا ولا سواءً.

    فإذا كان هناك واجب ينبغي أن ننهض به قبل أن يأخذنا الخطر من جميع أقطارنا، فهو أن نؤلف بين هذه القلوب المختلفة ونلائم بين هذه الأهواء المتباينة، ونقنع الضمائر المصرية كلها؛ لأن الديمقراطية المصرية ليست لعبًا وإنما هي الجد كل الجد، وبأن الديمقراطية المصرية ليست وقفًا على فريق من المصريين دون فريق، وإنما هي حظٌّ مشترك بين المصريين جميعًا، وبأن العدل السياسي والاجتماعي ليس شجرة يستظل بها أولئك دون هؤلاء، وإنما هي شجرة مباركة أصلها ثابت وفرعها في السماء، وهي تظل المصريين جميعًا، ولعلها تستطيع أن تظل غير المصريين أيضًا. وبأن الحقوق السياسية والاجتماعية التي يسجِّلها الدستور المصري للمصريين ليست مباحة لأولئك دون هؤلاء، وكما أن الواجبات السياسية والاجتماعية ليست مفروضة على أولئك دون هؤلاء، وكما أن الواجبات التي ستطلبها الحرب إن اضطررنا إليها لن تفرض على أولئك دون هؤلاء.

    وقد تسألني: كيف السبيل إلى تحقيق هذه الوحدة وإشاعة هذا الإيمان بين المصريين جميعًا؟ وجوابي على ذلك يسير، وهو أن هذا السؤال لا ينبغي أن يوجه إليَّ أنا وإنما ينبغي أن يوجه إلى الذين يعنون بأمور السياسة المصرية، ويقفون عليها ما يملكون من وقت وجهد.

  • مساواة

    حديث الوادي
    مساواة . . .
    أجمل ما تشتمل عليه الرسالة البرقية التي أرسلها مكاتب التيمس إلى صحيفته، يتحدث فيها عن رحلة رئيس الوفد الأخيرة، نقده للرئيس لأنه لا يريد أن يتعاون مع أحزاب المعارضة الأخرى على قاعدة المساواة.
    هذا النقد جميل حقاً وهو خليق بالإكبار والإعجاب وخليق بالتفكير فيه، والتفسير له، بنوع خاص، فرئيس الوفد رجل ظالم حقاً، يعترف له الإنجليز ويعترف له خصومه من المصريين بأنه زعيم الكثرة من الشعب وبأن التصريف المعقول لأمور الشعب من دونه أمر لا سبيل إليه، ثم يقول له الإنجليز ويقول له خصومه من المصريين ما بالك تظلم وتطغى، وتأبى أن تعمل مع غيرك، من الساسة على قاعدة المساواة؟ يؤمن الإنجليز والمصريون بأن الوفد صورة ديمقراطية صحيحة، للشعب المصري، وبأن الأحزاب الأخرى صور لأنواع من القلة، منها الصحيح، ومنها المتكلف المصنوع ثم يقول الإنجليز، ويقول بعض المصريين للوفد، ما بالك لا تتعاون مع هذه الأنواع من القلة الصحيحة أو المصنوعة، على قاعدة المساواة؟
    ومعنى هذا بالضبط أن هؤلاء الإنجليز والمصريين يسلمون بأن الألف أكثر من العشرة، ولكنهم يتساءلون في الوقت نفسه ما بال الألف لا تساوي العشرة؟ يسلمون بأن هناك كثرة واضحة، بينة، وبأن إرادة هذه الكثرة واضحة بينة، ثم يتساءلون ما بال الكثرة لا تساوي القلة، وما بال إرادة الكثرة لا تتضاءل ولا تنزل عند إرادة القلة؟ يسلمون بأن هناك أوضاعاً طبيعية قد وجدت لأن الله أراد أن توجد، ثم يتساءلون ما بال هذه الأوضاع لا تقلب ولا تتغير، فيصبح الواحد مساوياً للاثنين، وتصبح العشرة مساوية للألف، وتصبح الكثرة مساوية للقلة؟ والغريب أن هؤلاء الإنجليز، والمصريين، حين يلقون على أنفسهم وعلى غيرهم هذه الأسئلة، لا يخطر لهم أن يجيبوا بأن هذه الأوضاع لا تتغير، لأن الله قد خلقها كذلك، وإذا أراد الله شيئاً فلا مرد له، وبأن الواحد لا يستطيع أن يساوي الاثنين، لأن طبيعة الأشياء أرادت وستزيد دائماً أن يكون الواحد نصف الاثنين، وبأن الكثرة لا تستطيع أن تساوي القلة، لأن الله قد فطر العقل الإنساني على أن يتصور التفاوت الطبيعي بين الكثير والقليل. لا يخطر لهم أن يجيبوا بهذه الأجوبة على تلك الأسئلة، مع أنها من بسائط الأشياء وأولياتها، ومع أنها لو ألقيت عليهم في حياتهم العادية الخاصة، أو في غير السياسة المصرية، من الأمور العامة، لما ترددوا في أن يهزوا الرؤوس، ويرفعوا الأكتاف ويسخروا من الذين يريدون أن يقلبوا أوضاع الطبيعة ويغيروا حقائق الأشياء ذلك أن هؤلاء الإنجليز وأصدقاءهم من المصريين يؤمنون فيما بينهم وبين أنفسهم بأن الأمور لا ينبغي أن تجرى على طبائعها في مصر، كما تجرى على طبائعها في غير مصر من البلاد، أما لأن اطراد الأمور على طبيعتها في مصر يقتضي أن يكون أمر الشعب إلى الشعب، وأن تصبح الديمقراطية في مصر جداً لا لعباً، والحياة الدستورية في مصر حقاً لا خيالاً، وهذا شيء يكرهه الإنجليز، فيما يظهر، ولا يستطيعون أن يسيغوه أو يطمئنوا إليه وأما لأن الأمور إن جرت على طبيعتها في مصر أصبحت أمور الشعب إلى كثرة الشعب لا إلى قلته وآلت شؤون الحكم إلى رئيس الوفد وأصحابه دون الذين يناظرونهم ويناضلونهم من المصريين. وهؤلاء المصريون لا يستطيعون أن يطمئنوا في قرارة نفوسهم إلى الديمقراطية الصحيحة، وأن يرضوا فيما بينهم وبين ضمائرهم بما قسم الله لهم من مكان القلة المعارضة، أمام الكثرة الحاكمة. فهم يرون أنفسهم أصحاب الذكاء، وهم يرون أنفسهم أصحاب الكفاية وهم يرون أنفسهم أقدر على الحكم، وأبرع في تصريف الأمور، وأجدر أن تلقى إليهم أزمة مصر.
    وهم إذن يؤثرون أنفسهم على الحق، ويقدمون أنفسهم على الديمقراطية ويبغون طريقهم إلى الحكم عوجاً، يخيلون إلى الناس أنهم ديمقراطيون، وأنهم دعاة إلى الحياة الدستورية الصحيحة وهم في حقيقة الأمر أرستقراطيون، لا يدعون إلى حياة دستورية، وإنما يدعون إلى تحكم القلة في الكثرة.
    هذا هو التعليل الصحيح فيما يظهر لهذا النقد الظريف الذي يسوقه الإنجليز وبعض المصريين إلى رئيس الوفد، وإلى أصحابه شيعته الوفديين، وظاهر أن هذا النقد إن فهم من الإنجليز لا يمكن أن يفهم من المصريين فالإنجليز مستعمرون، وهم بحكم موقفهم هذا لا يستطيعون أن يطمئنوا إلى حرية مصر، ولا أن يأمنوا استمتاعها بالحكم الديمقراطي الصحيح، ولا أن تطيب نفوسهم عن سيطرة الشعب على شؤونه واعتداد الشعب بنفسه، وإيمان الشعب بحقوقه، فكل هذا خطر على الاستعمار مضيق لسلطان الإنجليز، دافع بمصر إلى ما تريده صادق من الاستقلال الصحيح. فلا يستغرب من الإنجليز أن يضيقوا بالوفد ورئيس الوفد ولا أن يطلبوا من الكثرة أن تتضاءل حتى تساوي القلة، ولا أن يلجأوا إلى العنف والكيد، يبعدون بهما الكثرة عن الحكم إبعاداً إذا أبت أن تذعن لما يريدون.
    كل هذا يفهم من الإنجليز، والمصريون يفهمونه حق الفهم، ويقاومونه حق المقاومة، ولكنه لا يفهم من المصريين لأنهم إن كانوا يريدون الاستقلال لبلادهم حقاً، ويحرصون على أن تكون بلادهم حرة حقاً، ويخلصون فيما يعلنون من أنهم دعاة الحرية وحماة الدستور، فهم يعلمون حق العلم أن طريق الاستقلال والحرية والدستور، إنما هي أن تكون أمور الشعب إلى كثرة الشعب لا إلى قلته، وأن يكون الألف من المصريين أكثر من العشرة وأن يكون حق الألف أكثر من حق العشرة وهم يعلمون هذا حق العلم، لأنهم أصحاب الذكاء، وأصحاب الكفاية، والذين يجتمع لهم الذكاء والكفاية لا يجهلون البسائط، ولا يغفلون عن الأوليات. وإذن فما مطالبتهم للكثرة بأن تكون متساوية للقلة؟ وما إلحاحهم على زعيم الكثرة في أن ينزل عن حقوق هذه الكثرة لا لشيء إلا ليمكنهم من هذا الحكم الذي يريدونه ويلحون فيه ولا يستطيعون أن يتعزوا عنه، ولا يستطيعون أن ينهضوا وحدهم بأثقاله؟ خير من هذا، وأقرب إلى المعقول وأشد ملاءمة للذكاء أن يعلنوا أنهم لا يحبون الديمقراطية ولا يرضونها ولا يقبلونها نظاماً للحكم، وأنهم يفضلون حكم القلة على حكم الكثرة. فهم إن فعلوا لاءموا بين آرائهم وبين سيرتهم، ووافقوا بين أقوالهم وأعمالهم، وكانوا صادقين فيما يسرون وما يعلنون، وعرف المصريون كيف يخاصمونهم في الرأي، أو كيف يؤيدونهم فيه.
    وأغرب من هذا كله أن يعترف الإنجليز بأن رئيس الوفد رجل شجاع، وبأن رئيس الوفد رجل نزيه، وبأن رئيس الوفد رجل ثابت على الرأي، لا يضطرب ولا ينهزم، ثم يطلبون إليه بعد ذلك أموراً لا تلائم الشجاعة ولا النزاهة ولا الثبات، فليس من الشجاعة أن يكون مصطفى النحاس زعيم الكثرة ثم يضحي بحقوق هذه الكثرة ليرضي الإنجليز أو ليرضي قلة من المصريين وليس من النزاهة أن يكون مصطفى النحاس أميناً على حقوق الشعب ثم يساوم في هذه الحقوق ليرضي الإنجليز وقلة من المصريين، وليس من الثبات على الرأي أن يكون مصطفى النحاس مقتنعاً بأن أمور الشعب يجب أن تكون إلى كثرة الشعب، ثم يعلم بأن أمور الشعب يجب أن تكون إلى قلة ضئيلة من أبناء الشعب ليرضي الإنجليز وفريقاً من المصريين.
    هذا غريب قوامه التناقض والاضطراب وإيثار المنافع والاندفاع مع الأهواء، على أن المسألة ليست رضى الإنجليز ولا غضبهم، وليست رضى القلة أو غضبها، وإنما هي رضى الحق من جهة وتربية الخلق السياسي في الشعب من جهة أخرى، وإقناع الإنجليز وأصدقائهم من جهة ثالثة بأن نهضة المصريين ليست لعباً ولا مزاحاً، فالحق يريد أن تكون أمور الشعب إلى كثرة في كل بلد ديمقراطي، وهذا رأي الوفد الذي لن يحيد عنه، وخطة رئيس الوفد التي لن يساوم فيها. وتربية الخلق السياسي تريد من الوفد ورئيسه إصراراً على حق الشعب وثباتاً فيه. وهذا هو مذهب الوفد الذي لن يحيد عنه، وخطة الرئيس التي لن يجادل فيها، وإقناع الإنجليز وأصدقائهم بأن مصر لم تنهض لتلهو، وإنما نهضت لتجد حتى تظفر بالاستقلال، يريد من الوفد ورئيسه ألا توضع حقوق الشعب وآماله موضع الأخذ والرد ولا موضع البيع والشراء، وهذا هو مذهب الوفد الذي لن يحيد عنه وخطة الرئيس التي لن يقبل فيها نزاعاً ولا حواراً، فإذا لم يكن بد من أخذ ورد، وإذا لم يكن بد من جدال ونزاع، فلترد إلى الشعب حقوقه قبل كل شيء ولنقم الديمقراطية في مصر على أساسها الصحيح المتين، ثم يمكن بعد ذلك أن يكون الأخذ والرد والنزاع والحوار بين الأحزاب في المسائل التفصيلية الثانوية التي تمس الحياة اليومية للناس، فأما الحقوق العليا للأمم فهي فوق المناقشة وفوق الجدال.
    طه حسين
    الوادي، ٥ أغسطس ١٩٣٤.

  • وضوح

    حديث اليوم: وضوح

    طه حسين

    جريدة السياسة

    ١٣ يوليو ١٩٣٢

    يظهر أن صلات جديدة تريد أن تنشأ بين لندرة والقاهرة، قوامها الصراحة والوضوح إلى حَدٍّ ما.
    أو قل إن لندرة تريد أن تعود — فيما يظهر — إلى سياسة الصراحة والوضوح التي كانت بينها وبين
    القاهرة، قبل أن تنهض هذه الوزارة القائمة بأعباء الحكم؛ فتضطرها إلى العدول عن الصراحة والوضوح
    إلى المواربة والغموض. وتفسد بذلك العلاقة بين شعبين كانا يخطوان إلى المَوَدَّةِ الصادقة خطوات
    واسعة بعيدة المدى.

    نعم، كل شيء يدل على أن لندرة تريد أن تستأنف سياسة الصراحة والوضوح، بعد أن سئمت سياسة
    المواربة والغموض، أو بعد أن قضت أوطارها من هذه السياسة وظفرت أثناء عامين من الوزارة القائمة
    بما كانت تريد. فقد أخذت بيئاتها السياسية المختلفة منذ أسابيع تُظهر شيئًا من التبرُّم يزداد
    وضوحًا وجلاءً كل يوم بالعلاقات الرسمية القائمة بين مصر وإنجلترا في هذه الأيام، وكانت مسألة
    المفاوضات مصدر هذا التبرُّم والملل؛ فلم يكَد رئيس الوزراء يطلب إلى الحكومة الإنجليزية
    بأسلوبه غير المعروف البَدء في المفاوضة حتى أظهرت البيئات السياسية الإنجليزية نفورًا شديدًا،
    وقد حملت إلينا الأهرام مظهر هذا النفور منذ أسابيع، ثم أكدته المقطم، ثم أمعنت الديلي تلغراف
    في تأكيده، ثم حاول رئيس الوزراء في ختام الدورة البرلمانية أن يلقي على أمر المفاوضات ستارًا.
    فلم تلبث الأهرام أن أزاحت الستار أمس بمقال جاءها من مكاتبها يصور رأي المقامات السياسية
    الإنجليزية في المفاوضات والانتخابات الحرة والوزارة القومية.

    ومقال الأهرام موعز به من غير شك. فهو إذن صورة مقاربة — إن لم تكن صادقة كل الصدق — لرأي
    المقامات السياسية الإنجليزية في هذه المسائل الثلاث، فأما المفاوضات فترى هذه المقامات
    السياسية أن لا سبيل إليها مع رئيس الوزراء ووزارته؛ لأنهما لا يمثلان مصر ولا يستطيعان تقييدها
    بما قد يتم عليه الاتفاق بينهما وبين الإنجليز. وقد كانت الديلي تلغراف صريحة واضحة، فأعلنت أن
    المفاوضة غير مرغوب فيها مع رئيس الوزراء؛ لأن بقاءه في الحكم حتى يتم تنفيذ المعاهدة غير
    مضمون، ولأن خصومه مع الوفديين والأحرار والدستوريين لا بد أن يحسب لهم حساب في كل اتفاق مع
    مصر. وإذن فالإنجليز لم يغيِّروا مذهبهم الذي أعلنوه غير مرة، وهو أنهم لا يريدون أن يعاهدوا
    حكومة وإن كان رئيسها صدقي باشا، وإنما يريدون أن يعاهدوا شعبًا. وما دام صدقي باشا لا يمثل
    الشعب ولا ينطق بلسانه ولا يستطيع أن يقيده بما يمضي من اتفاق، فمفاوضته لون من العبث والاتفاقُ
    معه لغو لا خير فيه.

    وليس من شك في أن تفكير البيئات السياسية الإنجليزية في هذا الموضوع مستقيم لا عِوَج فيه،
    صريح لا غبار عليه، ملائم كل الملاءمة لتفكير المصريين الذين تمثلهم المعارضة فيما يظهر أصدق
    تمثيل، وإن لم يعجب ذلك رئيس الوزراء. فالمصريون يريدون أن يتفقوا مع الإنجليز اتِّفاقًا يرضونه
    ولا يُكرَهون عليه إكراهًا. اتفاقًا قوامه الإخلاص والصراحة والنصح، لا يختلس منهم اختلاسًا،
    ولا يُفرض عليهم فرضًا. ومن الواضح أن هذا الاتفاق لا يمكن أن يكون على يدي رئيس
    الوزراء.

    أما مسألة الانتخابات الحرة فقد يظهر — إن صح ما يقوله مُكاتب الأهرام — أن الإنجليز قد يئسوا
    منها واعتقدوا أن ليس إليها في مصر سبيل، وأن ما يؤخَذ به صدقي باشا يمكن أن يتهم به الوفديون
    لو أنهم أشرفوا على الانتخابات. لهذا لا تعتمد البيئات الإنجليزية فيما يقول مُكاتب الأهرام على
    الانتخابات الحرة لتعرف رأي المصريين ورضاهم عن المعاهدة، ورأي البيئات الإنجليزية في هذه
    المسألة خاطئ لا يحتاج إلى التصحيح، معوج يحتاج إلى التقويم. وإثم هذا الخطأ والاعوجاج في الحكم
    على أخلاق المصريين وكرامتهم وفَهمهم للحرية وتقديرهم للديموقراطية، ورعايتهم لديموقراطيتهم
    الناشئة يقع على الوزارة القائمة. فلولا أنها سلكت في انتخاباتها طريقها التي نعرفها نحن
    ويعرفها الإنجليز، والتي ننكرها نحن وينكرها الإنجليز، والتي تحول بينها وبين المفاوضة
    والمعاهدة؛ لما رأى الإنجليز رأيهم هذا في مبلغ تقدير المصريين للحرية والكرامة
    والديموقراطية.

    ومهما يكُن من شيء، فإن البيئات السياسية الإنجليزية لا تستطيع أن توجِّه إلى الوفد عُشر ما
    تستطيع أن توجهه إلى رئيس الوزراء ووزارته من التهم في أمر الانتخابات. فمن الأشياء الواضحة
    التي لا تحتمل شكًّا ولا جدالًا أن الوفد لم يُحِطْ الانتخابات في يوم من الأيام بما أحاطها بها
    رئيس الوزراء ممَّا يدعو إلى الشك، ويُضطر إلى الريب. فالوفد لم يُلْغِ حرية الكلام والخطابة،
    ولم يُلْغِ حرية الانتقال، ولم يكلف خصومه الصمت والسكون، ولم يُحِطْهم بالحرس والجند أثناء
    الانتخابات وقبل الانتخابات. والوفد لم يسلك مع الموظفين السبيل التي سلكتها الوزارة القائمة
    معهم في أمر الانتخابات. والوفد لم يعرض عملية الانتخابات نفسها لما عرضتها له الحكومة القائمة،
    ولم يعطل الصحف قبلها. وشيء يسير من المقارنة النزيهة بين انتخابات الوفد وانتخابات الوزارة
    القائمة يثبت في وضوح وجلاء أن ما تُعاب به انتخابات الوفد طبيعي مألوف في كل ديموقراطية ناشئة
    لم يبعد عليها العهد، ولم يمرن عليها الشعب. أما ما تعاب به انتخابات الوزارة القائمة فشيء غير
    ذلك، لا نستطيع أن نقوله مخافة القوانين الجديدة، ولكنا لسنا في حاجة إلى أن نقوله؛ لأن
    الإنجليز يعرفونه حق المعرفة، ويعلمون به حق العلم في إجماله وتفصيله، ويستطيعون أن يحكموا
    عليه، وما نراهم إلا قد فعلوا. وآية ذلك أنهم قد فاوضوا حكومة الوفد، وهم يأبون أن يفاوضوا رئيس
    الوزراء ووزارته.

    رأي البيئات الإنجليزية إذن في الانتخابات الحرة عندنا معوج. وهو على ذلك لا يعنينا. فأمر
    الانتخابات من الأمور المصرية الخالصة التي يحسن — بل يجب — أن يتركها لنا الإنجليز، نصرفها كما
    نحب ونقضي فيها كما نشاء ما داموا هم واثقين بأن الذين سيفاوضونهم وسيعاهدونهم يمثلون الشعب
    تمثيلًا صادقًا صحيحًا.

    وهنا نصل إلى المسألة الثالثة، وهي مسألة الوزارة القومية التي ينتظرها الإنجليز لمفاوضتها
    والاتفاق معها، والتي طلبها الأحرار الدستوريون وينتظرها الشعب المصري كله، لا للمفاوضة وحدها؛
    بل لحل الأزمة الاقتصادية وتنظيم الإدارة وإصلاح ما أصاب الحياة العامة والخاصة في هذين
    العامين. وواضح جدًّا أن كل مصري يريد أن يخرج وطنه من هذا المأزق الذي هو فيه، والذي اضطرته
    إليه سياسة الحياد المزيف، يسره أن تشعر البيئات السياسية الإنجليزية بمثل ما تشعر به البيئات
    السياسية المصرية، لا نستثني من ذلك إلا رئيس الوزراء. فالمصريون جميعًا يريدون الوزارة
    القومية، وينتظرونها ويرغبون إلى جلالة الملك في أن يأمر بتأليفها، ويكل إليها استنقاذ مصر من
    هذا الشر الذي هي فيه. وما نظن أننا نخطئ أو نسرف في حسن الظن إذا قلنا وأكدنا أن أكثر الذين
    يلوذون برئيس الوزراء، ويؤيدونه يرون رأي الأحرار الدستوريين والبيئات السياسية الإنجليزية في
    الوزارة القومية، وأنها وحدها التي تستطيع أن ترد إلى البلاد ما هي في حاجة إليه من أمن ونظام
    وكرامة واطمئنان.

    رئيس الوزراء وحده في أكبر الظن، هو الذي يكره الوزارة القومية ويشفق منها؛ لأنه يعلم علم
    يقين أنه لن يكون عضوًا فيها. فأما المصريون فهم يؤثرون حياة مصر على رضا صدقي باشا. وأما
    الإنجليز فلهم أن يختاروا منذ اليوم بين رضا الشعب المصري ورضا صدقي باشا، والظاهر جدًّا أنهم
    قد اختاروا وأن اختيارهم ليس من شأنه أن يسوء المصريين.

  • سياسة التعليم لذلك الأستاذ الناقد ١

    سياسة التعليم: لذلك الأستاذ الناقد (١)

    طه حسين

    جريدة السياسة

    ٢ سبتمبر ١٩٢٣

    وهل للتعليم عندنا سياسة؟ ذلك شيء كنَّا نرجوه وكنا نعتقد أننا غير مخطئين في هذا الرجاء، حين كانت وزارة المعارف في مثل هذه الأيام من السنة الماضية، تسلك سبيلًا معينة واضحة تدل على أن المشرفين على الأمر فيها يفهمون التعليم، ويقدِّرون حاجة البلد إلى إصلاحه، ويحاولون أن يحققوا من هذا الإصلاح ما يستطيعون. حين كان زكي باشا أبو السعود ينشئ المكتب الفني، ويعد لإنشاء مدرسة الآثار، ويمهِّد لإنشاء الجامعة الأميرية، ويفكر في طائفة أخرى من مشروعات الإصلاح في وزارة المعارف.

    في مثل هذه الأيام من السنة الماضية كنَّا نظن أن لمصر سياسة تعليمية أو أن مصر ستنتهي إلى أن تكون لها سياسة تعليمية. وكنا نعتقد ونكرر أن البرلمان المصري الذي لم يكن قد نشأ بعدُ سيُعين على تكوين هذه السياسة التعليمية، وسيطبعها بالطابع القومي متى انعقد، ونذكر أن موظفًا من الذين كان لهم سلطان عظيم على هذه الوزارة في وقت من الأوقات عاتبنا ذات يوم؛ لأننا قلنا وألححنا في القول إن البرلمان سيهدم هذا البناء العتيق الذي قام عليه التعليم في وزارة المعارف.

    نعم، كنَّا نرجو رجاءً قويًّا أن تظهر لنا شخصية في التعليم، وأن ننتهي إلى سياسة تعليمية تلائم حاجاتنا وآمالنا. ولكن الله أراد أن يكذِّب ظننا في هذا الأمر، كما أراد أن يكذِّب ظننا في أمور أخرى، فلم تظفر مصر بسياسة تعليمية، ولم يظهر للبرلمان المصري أثرٌ في التعليم، ولم يكن لهذه الحياة الدستورية ولهذه الوزارة الدستورية القائمة من التأثير في وزارة المعارف إلا ما شهدنا وما نشهد من محو آثار زكي باشا أبو السعود، والعودة بأمور التعليم إلى ما كانت عليه من الفساد والاضطراب أيام الإنجليز.

    نخطئ الخطأ كله إذا قلنا إن مصر لم تكن لها سياسة تعليمية في وقت من الأوقات، فالحق أن قد كانت لمصر في التعليم سياستان مختلفتان اختلافًا شديدًا: إحداهما سياسة قومية في أغراضها ووسائلها، وهي سياسة الأمراء المصريين الذين سبقوا الاحتلال، والأخرى سياسة أجنبية سيئة الأثر في حياتنا القومية، لا ترمي إلا إلى نشر الجهل من جهة وإلى إفساد العقول المتعلمة من جهة أخرى، وهي السياسة الإنجليزية التي أقامها «دنلوب» معتزًّا بسلطان اللورد كرومر. فلم يكن بدٌّ من أن تكون النتيجة الأولى للاستقلال محو هذه السياسة الإنجليزية في وزارة المعارف، والرجوع إلى السياسة القومية القديمة التي كانت تعتمد على محاربة الأمية من جهة، وعلى إيجاد طبقة من المتعلمين الذين أخذوا بحظٍّ موفور من التعليم العالي ليشرفوا على الأمور العامة من جهة أخرى، والتي كانت لولا الاحتلال منتهية من غير شك إلى إزالة الأمية وإلى إيجاد التعليم الصحيح في مصر، وإلى جعل أمور المصريين العامة بين أيدي المصريين. لم يكن بدٌّ من أن تكون النتيجة الأولى للاستقلال الرجوع إلى سياسة محمد علي وإسماعيل في أمر التعليم.

    ومهما يجادل أنصار الوزارة القائمة، ومهما يقل أنصار الكثرة البرلمانية الحاكمة، فلن يستطيعوا أن ينكروا أن هذه النتيجة التي كنَّا نتمناها قد بدأت تتحقق شيئًا فشيئًا بعد إعلان الاستقلال. فقد استأنفت وزارة ثروت باشا التفكير في الرجوع إلى تلك السياسة، بل رجعت إليها بالفعل وأخذت في تنفيذها، فكثرت البعثات العلمية إلى أوروبا وأمريكا في عهد هذه الوزارة. ثم تبعتها في هذا وزارة يحيى باشا إبراهيم، وأرسلت مصر إلى أوروبا من الطلاب الذين تعلِّمهم الحكومة عددًا غير قليل يتخصَّص في ضروب مختلفة من العلم والفن. وظهر من هذا الفرق بين السياسة التعليمية لبلد مستقل والسياسة التعليمية لبلد يحكمه الأجنبي.

    ثم نظن — ونعتقد أن أنصار الوزارة لا يستطيعون أن ينكروا هذا — نظن أن وزارة ثروت كانت قد استعدَّت استعدادًا جديًّا لإنشاء طائفة أو قل لإنشاء مئات من المدارس الأولية، الغرض منها محاربة الأمية، حتى إذا جاء البرلمان وأقرَّ تعميم التعليم الأولي كانت الوزارة قد مهَّدت لذلك تمهيدًا لا بأس به. ونظن أن وزارة ثروت باشا كانت قد دبرت المال اللازم لإنشاء هذه المئات من المدارس الأولية، ولكن وزارة ثروت استقالت وجاءت وزارة نسيم، فنامت هذه المدارس أو نسيتها وزارة المعارف ونسيتها الميزانية أيضًا. ولكن وزارة يحيى باشا لم تهمل سياسة البعثات العلمية، فمضت فيها على سُنَّة الوزارة الثروتية، بينما لم تلتفت إلى التعليم الأولي إلا التفاتًا ضعيفًا جدًّا، ولكنه التفات. فقد أنشأت لجنة لدرس مشروع التعليم الأولي، وأصلح زكي باشا أبو السعود تكوين هذه اللجنة، ولكن وزارة يحيى باشا سقطت، والله يعلم إلى أين انتهت هذه اللجنة.

    على أن هناك جهدًا قدمته وزارة يحيى باشا إبراهيم، أو قدمه زكي باشا أبو السعود على كرهٍ من وزارة يحيى باشا إبراهيم لتحقيق هذه السياسة التعليمية المستقلة. وهو هذا الجهد الذي بُذِل لإكثار عدد المتعلمين استعدادًا لما لم يكن بدٌّ من إنشائه من المدارس. فقد أنشئت مدرسة المعلمين الثانوية، وأنشئت الأقسام الليلية في مدرسة المعلمين العليا، وكل هذا يدل على أن هاتين الوزارتين اللتين توصفان بالإثم وتتهمان بالتقصير تستطيعان أن تتقدما إلى أي برلمان منصف وفي يدهما عمل قيم في ترقية التعليم. فماذا صنعت الوزارة الدستورية القائمة على سلطة الشعب وحب الشعب وتأييد البرلمان؟ لم تصنع شيئًا، أو قل إنها مَحَتْ ولم تثبت، وهدمت دون أن تفكر في البناء، أو قل إنها عدلت عن هذه السياسة القومية، لا نقول إلى السياسة الإنجليزية، فنحن أحرص على الإنصاف من هذا، بل نقول عدلت عن هذه السياسة القومية إلى سياسة فردية لا ترمي إلا إلى شيءٍ واحد، هو أن يستمتع بالسلطان المطلق في وزارة التعليم فردٌ بعينه، لم يكن بدٌّ من أن يقبض على الأمر في هذه الوزارة؛ لأن السياسة السعدية كانت في حاجة إلى هذا.

    ولو أن وزارة الدستور وقفت عند هذا الحد فنقضت ما أبرم أسلافها، وأرادت أن تستمتع بالسلطان المركزي المطلق لقلنا سياسة سيئة، ولكنها موقوتة تزول متى نزلت الوزارة عن الحكم غدًا أو بعد غدٍ. ولكن الوزارة تجاوزت هذا كله إلى ما هو شرٌّ منه، فمهدت لتكوين سياسة تعليمية سيئة حقًّا، ذلك حين عمدت إلى شيئين: الأول إلغاء مجلس المعارف الأعلى وإنشاء هذه اللجنة الفنية على هذا النحو الذي أُنشئت عليه. ولسنا نعرض للنتائج المباشرة التي تنتج عن هذا العمل، فقد عرضنا لهذا في غير هذا الفصل، وإنما نلاحظ أنها تعجَّلت هذا الأمر تعجلًا غريبًا، واستطاعت أن تحمِل البرلمان على أن يقرَّها منه على ما كانت تريد، فأثبتت لنا بذلك شيئًا كنَّا نتمنى ألا يكون حقًّا، وهو أن البرلمان المصري لا يمتاز — مع الأسف الشديد — بالكفاية في فهم التعليم، ولا بالحرص على أن يكون له سلطان ما على أمور التعليم. فلو أن للبرلمان المصري كفايةً في التعليم، ولو أن للبرلمان المصري سلطانًا على التعليم؛ لما قُضيَ على المجلس الأعلى، ولما أُنشئت هذه اللجنة، ولما وقع هذا العبث العظيم بوزارة التعليم مع هذه السرعة العجيبة، في وقت كان البرلمان فيه خليقًا أن يعنى بأمور أخرى تدعو إليها الحاجة.

    نقول إن هذا أثرٌ سيئٌ من آثار الوزارة في سياسة التعليم؛ لأنه يحملنا على أن نيأس من كفاية البرلمان لفهم التعليم، وإذن فمن الذي سيشرف على التعليم؟ وزارة المعارف وحدها. ونحن نعلم كفاية وزارة المعارف، ونحن نقدِّر آثار وزارة المعارف في التعليم إلى الآن. الثاني أن وزارة المعارف أظهرت — ووافقها على ذلك رئيس الوزراء، وأقرتها على ذلك الكثرة البرلمانية — نفورًا من التعليم العالي، وتلكُّؤًا في تنظيمه وترقيته. وليس أثر ذلك مقصورًا على أن هذا التعليم العالي سيظل في مصر منحطًّا كما هو الآن، بل لذلك أثرٌ آخر أقبح وأعظم شرًّا من هذا الأثر، وهو أن الإشراف على التعليم بجميع أنواعه سيظل إلى أجلٍ بعيدٍ مقصورًا على رجال التعليم في وزارة المعارف، وعلى من تخرِّجهم المدارس القائمة الآن؛ أي إن أمور التعليم ستظل بأيدي قوم تنقصهم الكفاية الصحيحة لفهم التعليم.

    هناك نظرية يظهر أن الذين يعنون بالأمور العامة في مصر لم يلتفتوا إليها في يوم من الأيام، بل يظهر أنهم يسيرون على عكسها ويزعمون أنهم بذلك يحققون الديمقراطية ويخدمون مبادئها، وأنا أعني في هذه المسألة رئيس الوزراء خاصة. فرئيس الوزراء وأنصاره طبعًا يؤثرون التعليم الأولي على التعليم العالي، ويُؤثِرون نشر هذا التعليم الأولي وتعميمه على تنظيم الجامعة وإنشاء أقسام التعليم العالي فيها. وحجتهم في ذلك ظاهرة كحجة الاشتراكيين والمتطرفين من أحزاب الشمال في أوروبا، وهي أن التعليم الأولي يخدم الشعب مباشرةً، بينما التعليم العالي والثانوي لا ينتفع بهما إلا طبقات معينة، هي التي تستطيع أن تؤدي أجور التعليم.

    وإذن فلا بدَّ من إيثار الدهماء على الخاصة، ولا بدَّ من تقديم التعليم الأولي على التعليم العالي، ولا بدَّ من إنشاء المدرسة الأولية قبل إنشاء الجامعة. كذلك يفكِّر سادة اليوم في مصر، ولئن حاججتهم في ذلك ليذكرون لك فرنسا وغير فرنسا، وما نشأ من المذاهب الحديثة التي تؤثِر التعليم الأولي والفني على التعليم العالي. وليس هنا موضع البحث عن قيمة هذه المذاهب الحديثة، ولكننا نريد أن يلتفت سادة اليوم في مصر إلى شيءٍ لا يلتفتون إليه، نريد أن يلتفتوا إلى أننا نستطيع أن نقلِّد الفرنسيين والأمريكيين يوم نستطيع أن نقول إننا نشبه الفرنسيين والأمريكيين؛ أي يوم نظفر من التعليم العالي والثانوي بمثل ما تستمتع به فرنسا وأمريكا.

    في ذلك اليوم نستطيع أن نقول إن لدينا من التعليم العالي والثانوي ما يكفينا، وإن الخير هو أن نُعنَى بهذه الطبقات الفقيرة العاملة التي لا تستطيع أن تنفق شبابها في الدرس والتخصيص العلمي. أمَّا ونحن أبعد الناس عن أن يكون لنا عُشر معشار ما تستمتع به فرنسا من التعليم العالي والثانوي، فخيرٌ لنا ألا نشبِّه نفسنا بفرنسا الآن، ليس لدينا شيءٌ يقاس إلى ما لدى فرنسا من أنواع التعليم، فالجامعات في فرنسا تكاد تبلغ العشرين، ولا يوجد إقليم فرنسي يخلو من مدرسة ثانوية تشرف عليها الدولة.

    ولسنا نذكر المدارس الخصوصية، ولسنا نذكر المدارس الحرة عاليةً كانت أو ثانويةً. أمَّا نحن فليست لدينا الآن جامعة واحدة، وكثيرٌ من أقاليمنا يخلو من المدارس الثانوية، وإذن فنظرية المشرفين على الأمر في مصر خاطئة، وستظل خاطئة أعوامًا طوالًا. وأمرٌ آخر نحب أن تلتفت إليه كثرتنا البرلمانية، وهو أن التعليم العالي وحده هو الكفيل حقًّا بنشر التعليم الأولي وإيجاد سياسة صحيحة لهذا التعليم؛ ذلك أن نشر التعليم الأولي ليس معناه تعميم القراءة والكتابة والحساب، وإنما هو أشد من ذلك تعقيدًا وعسرًا. هو يحتاج إلى عقول تستطيع أن تقدِّر البيئة المصرية ونفسيتها وحاجاتها وآمالها، وأن تلائم بين هذا كله وبين التعليم الأولي الذي تريد أن تنشره في البلاد.

    وليس من اليسير على كل إنسان أن يقدِّر مثل هذه الأمور، وإنما الذين أخذوا بحظٍّ موفور من التعليم العالي، واستطاعوا بفضل هذا التعليم أن يفهموا الجماعات ويقدِّروا حاجاتها المختلفة وآمالها المتنوعة؛ هم وحدهم الذين يستطيعون تصور التعليم الأولي ونشره حقًّا. إذن، فليس أساس التعليم في مصر هو التعليم الأولي، وإنما أساس النهضة المصرية كلها التعليم العالي. والسياسة التعليمية الحكيمة حقًّا هي التي تقوم على إنشاء الجامعة قبل كل شيء، وعلى الاستعانة بالفنيين من الأجانب للأخذ في نشر التعليم الأولي، حتى إذا تم تأسيس الجامعة، وأخذ التعليم العالي يُؤتِي ثمره النافع، استطاع المصريون أن يشرفوا حقًّا على أمور التعليم.

    إن الذين يريدون أن يخدموا الديمقراطية في مصر لا يحسنون إلى الديمقراطية بإيثار التعليم الأولي على التعليم العالي؛ فإن الديمقراطية التي تقوم على التعليم الأولي وحده تقوم على أساس واهٍ، وهي لا تستطيع أن تقاوم الخطوب ولا أن تثبت للأهوال التي تتعرض لها النظم السياسية. ولئن قامت ديمقراطيتنا على التعليم الأولي واعتمدت على إنصاف المتعلمين؛ لتستحيلنَّ في أسرع وقت إلى إحدى اثنتين: إمَّا إلى الفوضى، وإمَّا إلى حكومة الفرد المستبدِّ. نؤكد لكثرتنا البرلمانية أنها تحسن الإحسان كله إلى بلدها، وإلى الحياة الدستورية، وإلى الحرية نفسها، إذا بدأت عملها البرلماني في العام المقبل، لا بتنظيم التعليم الأولي، بل بتنظيم التعليم العالي. ونحن نضرع إليها إن فعلت ألا تعتمد في ذلك على نفسها ولا على وزارة المعارف، بل على الفنيين من علماء أوروبا.