Tag: Democratic Reform

  • بين الانتظار والانهيار

    بين الانتظار والانهيار

    طه حسين

    جريدة البلاغ

    ٢٨ أكتوبر ١٩٤٥

    كل شيء ممكن حتى اجتماع المتناقضات. فما من شك في أن الوزارة المصرية قد طلبت إلى الإنجليز الجلاء عن مصر والسودان وتعديل المعاهدة؛ لأن وزراءنا قالوا لنا ذلك، وهم صادقون، ولا يمكن إلَّا أن يكونوا صادقين؛ لأن النهوض بالأعباء العامة والاستقرار على كراسي الحكم والسيطرة على شئون الدولة، كل هذه خصال تفرض على أصحابها الصدق فرضًا، ولا تنطق ألسنتهم إلَّا بالحق الساطع القاطع الذي لا يقبل نزاعًا ولا يتعرض لجدال أو مراء. فإذا قال وزراؤنا أنهم قد طلبوا إلى الإنجليز رسميًّا ما تريد مصر أن يطلب إليهم؛ فيجب أن نصدِّقهم، وإن لم نصدقهم فويل لنا! ويل لنا من أنصار الوزراء الذين سيتهموننا بالمكابرة وتعمد الإساءة إلى الحكومة! وويل لنا من الوزراء أنفسهم؛ فسيتهموننا بجحود الجميل وكفر النعمة. ومن يدري؟ لعلهم يسلطون علينا بعض البأس وينالوننا ببعض ما نكره! فهم أصحاب حزم وعزم، وهم أصحاب قطع وجزم، والأمر إليهم، فهم يستطيعون أن يفعلوا ما يشاءون، وما هي إلا إشارة ظاهرة أو خفية وإذا الذين لا يصدِّقون الوزراء إذا قالوا معرضون لما يعرفون وما لا يعرفون من المكروه.

    وزراؤنا صادقون إذن حين يقولون أنهم طلبوا إلى الإنجليز الجلاء عن وادي النيل من منبعه إلى مصبه. فيجب أن نعرف لهم هذه اليد البيضاء، وأن نشكر لهم هذه النعمة الغراء، وأن نقرر أنهم قد استحقُّوا تقدير الوطن. ولكن وزراءنا لم يقولوا جميعًا أنهم طلبوا الجلاء إلى الإنجليز، وإنما قال بعضهم ذلك وقال بعضهم أنهم لم يطلبوا شيئًا، وهم جميعًا صادقون؛ لأنهم جميعًا وزراء. والوزير صادقٌ دائمًا حتى حين يقول الحق ونقيضه، فوزراؤنا الذين قالوا لنا أنهم طلبوا الجلاء صادقون، ووزراؤنا الذين قالوا لنا أنهم لم يطلبوا الجلاء صادقون. والأمر يسير كل اليسر، فقد ينبغي أن نلغي عقولنا؛ لأن عقول الوزراء تكفينا، وقد ينبغي أن نكذِّب أنفسنا؛ لأن صدق الوزراء يغنينا، وقد ينبغي ألَّا نأمل ولا نتمنى وألَّا نطمح إلى مجد ولا نطمع في استقلال ولا نطالب بحرية.

    وما حاجتنا إلى هذا كله، وإنما نحن شعب قاصر قد قام الوزراء بالوصاية عليه، فهم يفكرون له ويشعرون به، وهم يقومون بتفكيرهم وشعورهم مقام الشعب في التفكير والشعور، فليس على الشعب إلَّا أن يأكل ويشرب إن وجد الطعام والشراب، وأن يستيقظ وينام إن أتيحت اليقظة والنوم. ولو استطاع الوزراء أن يأكلوا ويشربوا للشعب لكان من الحق على الشعب أن يصوم؛ لأن الوزراء يأكلون مكانه ويشربون مكانه، ويغنونه من هذا العناء الثقيل. ولو استطاع الوزراء أن يستيقظوا ويناموا نيابةً عن الشعب؛ لكان من الحق على الشعب أن يعلِّق نفسه في حال بين اليقظة والنوم، لا يمعن في اليقظة فيجد ما يكره، ولا يغرق في النوم فيجد ما يحب، وإنما يتأرجح بين ذلك. وأي شيء ألذ من أن يظل الشعب متأرجحًا بين اليقظة والنوم، تمرُّ به الأشياء فيحسها ولا يحسها، ويحققها ولا يحققها، وإنما هي خيالات تمس النفس مسًّا رفيقًا؛ فتحدث فيه لذَّة رفيقة أيضًا.

    ولكن الوزراء — مع الأسف الشديد — لا يستطيعون أن يغنوا الشعب عن الطعام والشراب واحتمال أثقال الحياة المادية، فحسبهم أن يغنوه عن التفكير وعن الشعور وعن الطموح إلى الحرية والنزوع إلى الاستقلال والمطالبة بالجلاء؛ لأنهم ينهضون بهذا، وهم ينهضوا بهذا بفيضٍ من العناية الإلهية التي وضعت على عاتق رئيس الوزراء أمور مصر، فاحتملها قويًّا متينًا ورصينًا مكينًا.

    وما من شك في أن العناية الإلهية قد ألقت في نفس رئيس الوزراء قبسًا من هذا النور المقدَّس الذي يعصمه من الخطأ، ويبرئه من الضعف، ولا ينطقه إلَّا بالحق. وما من شك في أن رئيس الوزراء حين اختار زملاءه قد أهدى إلى كل واحد منهم جزءًا يسيرًا من هذا القبس المقدس؛ فامتلأت نفسه قداسةً ونورًا. ومن أجل ذلك حقَّ علينا أن نصدق الوزراء، ولا نشك فيما يقولون لنا في وقت واحد من أنهم طلبوا الجلاء إلى الإنجليز ومن أنهم لم يطلبوا الجلاء إلى الإنجليز! فللعناية الإلهية أسرارٌ لا يفهمها مثلك ومثلي من عامة الناس، وإنما يفهمها المقربون من الأصفياء والأتقياء الذين ترفع لهم الحجب وتنجاب لهم الأستار.

    حقٌّ علينا إذن أن نصدق وزراءنا، حقٌّ علينا كذلك أن نصدق المستر بيفن وزير الخارجية البريطانية، لا لأن العناية الإلهية قد آثرته بالوزارة، أو آثرت به الوزارة، فالعناية الإلهية لا تحب الإنجليز ولا تختار منهم أحدًا لشيء، وإنما العناية تحب الألمان فتختار منهم هتلر، وتحب المصريين فتختار منهم صاحب الدولة رئيس الوزراء. ومع ذلك فيجب أن نصدق المستر بيفن؛ لأنه حين يتحدث إلى مجلس العموم لا يستطيع أن يقول له غير الحق؛ لأن الشعب البريطاني حين يختار نوَّابه ووزراءه يعرف كيف يؤدِّبهم ويهذبهم ويروضهم على ألَّا يخدعوه وعلى ألَّا يقولوا له غير الحق الصريح. وليس ما يدعو إلى الشك فيما قال المستر بيفن، فهو ينبئنا بأن مصر لم تطلب إليه شيئًا. وهو يتفق في هذا مع وزير التجارة الذي أنبأنا بأن مصر لم تطلب شيئًا، ومع وزير المالية الذي أنبأنا بأن مصر لم تقدم مذكرة؛ لأنها أرفع من تقديم المذكرات، ولأنها ليست موظفة عند الإنجليز. وإذن، فالمستر بيفن صادق؛ لأنه متفق مع وزيرين من وزرائنا، وقد عرف أن وزراءنا جميعًا صادقون دائمًا مهما يقولوا. وإذن، فمصر قد طلبت ولم تطلب، وكتبت ولم تكتب، واتصلت ولم تتصل، وانفصلت ولم تنفصل، وهي بهذا ترضي المصريين والإنجليز معًا.

    ورضا المصريين شيءٌ يسيرٌ؛ لأن المصريين يرضون بكل شيء، ويرضون بغير شيء. وإذا لم يرضوا فما أكثر ما يفيض به النيل من ماء يمكن أن يشربوه صفوًا ويمكن أن يشربوه كدرًا ويمكن أن يلقوا أنفسهم فيه إلقاءً! فلن يأبه لهم أحد، ولن يعبأ بهم أحد. ولماذا يحفل حافل بالمصريين وهم ضعاف لا يقدرون على شيء؟! لا يقدرون حتى على أن يحملوا وزراءهم على أن يسيروا معهم سيرة الوزراء الجادين، على أن يصارحوهم بالحق في غير مداورة ولا مناورة وفي غير مداراة ولا مماراة.

    مهما يكن من شيء فحكومتنا قد طلبت الجلاء ولم تطلبه، وحققت وحدة النيل ولم تحققها، وفاوضت الإنجليز ولم تفاوضهم. وقد اطمأن المصريون جميعًا إلى هذه الحال، فلم يشذ عنهم إلَّا واحدٌ، واحدٌ لا ثاني له، ولا يمكن أن يكون له ثانٍ بين المصريين، ألم تعرفه بعد؟ إنه حضرة صاحب الدولة إسماعيل صدقي باشا. إسماعيل صدقي باشا لا يحب الضعف ولا الفتور، ولا يقبل المطاولة ولا المماطلة، ولا يرضى من رئيس الوزراء إلَّا أن يكون حازمًا صارمًا كما كان هو حازمًا صارمًا، وإلَّا أن يكون صادق القول مستقيم الفعل، كما كان هو صادق القول مستقيم الفعل، وإلَّا أن يكون مُتحرِّجًا مع الإنجليز كما كان هو متحرجًا مع الإنجليز. ومن أجل ذلك غضب صدقي باشا منذ حين، واتهم النقراشي باشا بأنه يطاول ليكسب الوقت.

    والنقراشي باشا رجل لا يخاف أحدًا، ولكنه مع ذلك خاف من صدقي باشا، فلم يكد يقرأ مقاله ذاك حتى جمع هيئته السياسية وأذعن بما أرادت منه هذه الهيئة. فقرر وقرر معه مجلس الوزراء أن الوقت مناسب كل المناسبة للمطالبة بحقوق مصر، ورضي صدقي باشا عن رئيس الوزراء وعن زملائه، فرضي رئيس الوزراء وزملاؤه عن أنفسهم. ومضت الأمور هادئة مطردة، فاجتمع البرلمان وأقر ميثاق سان فرانسيسكو، واطمأن على أن حقوق مصر يحملها مختار العناية الإلهية، ويمضي بها في طريق النجاح والتوفيق.

    وكان من الممكن أن تمضي الأمور على هذا النحو أسابيع وأشهرًا، لولا أن عفريتًا من عفاريت الإنجليز سأل وزير الخارجية في مجلس العموم عمَّا تطلبه مصر بشأن السودان، فصرَّح المستر بيفن بما صرح به وتبين أن مصر لم تطلب شيئًا وإن كانت قد طلبت كل شيء. وقد دُهش بعض المصريين لجرأة المستر بيفن الذي يقول ما يخالف الحقيقة المعروفة في مصر، ولكن دهش المصريين لا قيمة له كما أن غضبهم لا قيمة له، وكما أن رضاهم لا قيمة له أيضًا.

    إنما الشيء الخطير … الخطير حقًّا، الشيء الذي ينغص النهار ويؤرق الليل هو أن صدقي باشا غضب، وغضب صدقي باشا شيءٌ لا يطاق، وليس أدلَّ على ذلك من أن النقراشي باشا الذي لا يخاف أحدًا ولا يهتم لأحدٍ قد خاف من غضب صدقي باشا، واهتم له، فقطع راحته وأسرع إلى الرياسة ولقي صدقي باشا هناك. وخلص كلاهما لصاحبه، فقال له وسمع منه، ولم يشهد نجواهما إلَّا الله. ثم انصرف صدقي باشا وقد سكت عنه الغضب، ولكنه لم يفارقه، وإنما احتفظ ببقية منه حتى تجتمع الهيئة السياسية، وحينئذٍ يغضب صدقي باشا فتغضب الهيئة كلها لغضبه، أو يرضى صدقي باشا فترضى الهيئة كلها لرضاه. وأنا أبشِّر المصريين أن صدقي باشا سيرضى قبل أن تغرب الشمس، وبأن الهيئة كلها سترضى قبل أن تغرب الشمس أيضًا، وبأن الأمور ستجري على خير ما يحب الوزراء، فليس المهم أن يُطلب الجلاء أو لا يطلب، وليس المهم أن تُحقق وحدة وادي النيل أو لا تتحقق، وإنما المهم أن تجري الأمور في مصر على ما تجري عليه الآن إلى أطول وقت ممكن. ولهذا كان غضب صدقي باشا خطيرًا، فصدقي باشا ركن من أركان العهد القائم. فإذا غضب وغضب معه واحد أو اثنان أو ثلاثة تعرض العهد القائم للانهيار، وما ينبغي لهذا العهد أن ينهار؛ لأن انهياره رجوع إلى الفوضى التي ملأت مصر فسادًا، ومن الذي يرى مصر الآن وقد ملئت صلاحًا وفلاحًا ونجاحًا وخيرًا، ثم يفكر في أن يردها إلى ذلك الفساد القديم.

    ليس المهم إذن أن نطالب بحقوق مصر، وإنما المهم أن تمسك مصر في هذه العيشة الراضية التي تعيشها، وفي هذه الكرامة الموفورة التي تستمتع بها، وفي هذا العدل المنشود الذي يستظل به المصريون جميعًا. فأمَّا الجلاء وتحقيق وحدة وادي النيل وتعديل المعاهدة، فأمور يصح أن يفكر فيها رئيس الوزراء متى رأى الوقت ملائمًا. وقد تقول: إن الهيئة السياسية ومجلس الوزراء قد قررا أن هذا الوقت هو أنسب الأوقات! ولكن لا تعجل على نفسك ولا تعجل على الناس، فالوقت المناسب الذي قررته الهيئة ومجلس الوزراء كان في النصف الأول من سبتمبر، ونحن الآن في النصف الثاني من أكتوبر، فما كان مناسبًا قبل شهر يمكن ألَّا يكون مناسبًا بعد شهر. والعناية الإلهية قد اختارت النقراشي باشا لحمل الأمانة القومية ولم تختر غيره. وإذن، فإذا رأى النقراشي باشا أن الوقت غير مناسب فرأيه هو الحق الذي لا شك فيه، ويجب على الهيئة السياسية أن تذعن وعلى الوزراء أن يذعنوا أيضًا، وإلَّا انهار العهد الحاضر وجاءت الوزارة المحايدة، ثم جاءت الانتخابات الحرة، وأي شيءٍ أشدُّ هولًا من الوزارة المحايدة والانتخابات الحرة؟

    يجب أن يختار المصريون — أستغفر الله — فقد اختار المصريون منذ زمن طويل. يجب أن يختار أنصار العهد الحاضر لا بين الانقضاض والانفضاض، كما كان يخيِّرهم مكرم باشا منذ حين، ولكن بين الانتظار والانهيار. وإذن، فلا ينبغي أن يطالبوا رئيس الوزراء بشيء، ولا ينبغي أن يتعجلوا في شيء، وإذا أرادوا أن يسألوه عن شيء؛ فليسألوه في خلوة وبمأمن من العذَّال والرقباء، فإن هم أذعنوا لهذا القانون مضت الأمور سهلة ميسرة، وإن هم خرجوا عن هذا القانون وأتعبوا النقراشي باشا بالسؤال والاستعجال كانت الكارثة وتفرق القوم بعد اجتماع واختلفوا بعد ائتلاف، وعاد الشر الذي يجب ألَّا يعود. أتعرف هذا الشر؟ إنه حرية الشعب، وويلٌ لمصر إذا سادت فيها حرية الشعب!

    أرأيت أن الأمر أيسر جدًّا مما تظن! أيسر من المطالبة بحقوق مصر، أيسر من مفاوضة الإنجليز سرًّا أو جهرًا، أيسر من الاتصال بهم من طريق رسمية أو غير رسمية، أيسر جدًّا من كل هذا هو أن يبقى العهد الحاضر أو لا يبقى.

    هذه هي المسألة، وليست هناك مسألة أخرى إلَّا في نفوس الشعب، ومن الذي يحفل بنفوس الشعب؟!

  • خطبة الدكتور طه حسين بك في احتفال المعلمين الإلزاميين بتكريم وزير المعارف

    خطبة الدكتور طه حسين بك في احتفال المعلمين الإلزاميين بتكريم وزير المعارف
    طه حسين
    جريدة المصري
    ٩ مايو ١٩٤٣
    سيدي صاحب المقام الرفيع …
    أصحاب المعالي الوزراء …
    سادتي …
    ربما كان هذا الاجتماع أصدق وصف لوزارتكم هذه القائمة لنظامكم هذا الذي تسعد به مصر منذ أكثر من عام، فهو اجتماع الإلزاميين الذين يعلِّمون طبقات الشعب، في دار الجامعة التي تهيئ لمصر صفوة المفكرين من أبنائها. ومعنى هذا أن هذا الاجتماع إن صوَّر شيئًا فإنما يصور مثلكم الأعلى، يصور هذه المساواة التي لا يختلف فيها المصريون مهما تكن مكاناتهم، ومهما تكن منازلهم.
    وإني لأستأذنك، يا صاحب المقام الرفيع، وأستأذن زملاءك الوزراء، وأستأذن هؤلاء السادة من رجال التعليم الإلزامي، في أن أصور وزارتكم تصويرًا ما، وربما كان هذا المقام ملائمًا لأن أستمد هذه الصورة الصادقة التي ترتسم في نفسي لك ولأصحابك من حديث نبوي كريم؛ فقد قال رسول الله ﷺ للمسلمين ذات يوم: «ألا أنبئكم بأحبِّكم إليَّ وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة؟ أحاسنكم أخلاقًا، الموطَّئون أكنافًا، الذين يألفون ويؤلفون. ألا أنبئكم بأبغضكم إليَّ وأبعدكم مني مجلسًا يوم القيامة؟ الثرثارون المتفيهقون.» (تصفيق). وأنت وأصحابك، يا صاحب المقام الرفيع، من أحاسن الناس أخلاقًا، ومن المُوطَّئين أكنافًا، ومن الذين يألفون ويؤلفون.
    أنت وأصحابك تخدمون الشعب ولا تَمنُّون عليه، تهبون للشعب نفوسكم وجهودكم وعقولكم وما تملكون، دون أن تستعلوا على الشعب، أو دون أن تظنُّوا أنكم تسدون للشعب نعمة، وإنما تؤمنون بأن الشعب له عليكم حق، فأنتم تُؤدُّونه؛ لأنكم خدَّامه لا أكثر ولا أقل. (تصفيق). وأنتم مُوطَّئون أكنافًا، فقد سمعت، يا صاحب المقام الرفيع، منذ حين خطيب الإلزاميين يتحدث بأن هذا الاجتماع تاريخي؛ لأنه أول اجتماع شهد فيه رئيس الحكومة حفلة الإلزاميين، فأنت تسعى إلى الشعب، وأنت تسعى إلى الشعب لأنك تؤمن بأن من حق الشعب عليك أن تسعى إليه.
    وأنت وأصحابك، يا صاحب المقام الرفيع، من الذين يألفون ويؤلفون، لا ينكركم من المصريين أحد، ولا تنكرون من المصريين أحدًا، وأنت في قلوب المصريين جميعًا أمناء على مُثُلِ المصريين العليا، والمصريون جميعًا في قلوبكم أصحاب الحق فيما تملكون من جهد وقوة وإخلاص.
    وائذن لي، يا صاحب المقام الرفيع، في أن أُصوِّر وزارتك هذه وعهدك هذا وبرلمانك أيضًا تصويرًا ما، وائذن لي في أن أستعير هذا التصوير الثاني من حديث كريم للنبي الكريم، فقد قال رسول الله ﷺ للأنصار في حديث جرَى: «إنكم لتكثرون عند الفزع، وتقلون عند الطمع.» وأنت وأصحابك سراع إلى نجدة مصر حين تحتاج مصر إلى النجدة، وأنت وأصحابك تكثرون حين تحتاج مصر إلى مَن يذودُ عنها، وإلى من يَحميها، وإلى من يُوطِّئ لها مكانها اللائق بها.
    وأنت وأصحابك أعفُّ الناس عن الغنائم، وأنت وأصحابك أطهر الناس يدًا، وأنزه الناس قلبًا، وأنقى الناس ضميرًا، وأزكى الناس نفسًا، وأسمى الناس طبعًا، وأرفع الناس عمَّا لا يليق بكرام الناس. (تصفيق وهتاف).
    ثم ائذن لي بعد ذلك في أن أتحدث إلى هؤلاء السادة الإلزاميين حديثًا أحب أن يسمعوا له، وأحب أن يتفضلوا فيستشعروا في نفوسهم، وأحب أن يتفضلوا فيذيعوه فيما بينهم، ويذيعوه في قراهم وفي مدنهم، في أقاليمهم وفي بيئاتهم التي يعيشون فيها، فهو حديث العلم، وحديث العلم في العهد الديمقراطي الراقي الذي نعيش فيه الآن. (هتاف متواصل).
    أخص ما يمتاز به زميلك، وزير المعارف، أن يؤمن إيمانًا قد مازج نفسه، وجرى في عروقه مع دمه بأن المصريين جميعًا أصحاب الحق المطلق في أن يتعلموه، وفي أن يكرموا، وفي أن يردَّ عن عقولهم فقر الجهل، وفي أن يردَّ عن أجسامهم الفقر المادي الذي يأتي من البؤس ومن المرض. هو مؤمن بهذا إيمانًا خالصًا، ولولا أنك رئيس الوزارة التي يعمل فيها لما استطاع أن يجد لإيمانه هذا منفذًا في الحياة العملية، ولما استطاع يومئذ أن يكون وزيرًا يعالج ما يعالج من الأمور.
    إنه يؤمن بحق المصريين جميعًا ألا يردُّوا عن التعليم، وقد عمل وأعنته على ما عمل، عمل على ألا يرد مصري عن التعليم مهما تكن فروع هذا التعليم. ضاقت الجامعة فأنشأ جامعة أخرى، ضاقت المدارس الثانوية فأضاف إليها فصولًا، وأضاف إليها مدارس، ضاقت المدارس الابتدائية فأضاف إليها فصولًا وأنشأ مدارس أيضًا.
    ثم رأى أن الفقر يقوم عقبة عنيفة جدًّا بين كثير من المصريين وبين التعليم، وخصوصًا في هذه الأيام الشاقة، فلجأ إليك ووجد منك خير ملجأ، وإذا أبواب التعليم تُفتح، وإذا الفقراء يدخلون المدارس والجامعات لا يُردُّون بالفقر مهما تكن ظروف الميزانية، ومهما تكن الظروف الأخرى. وإذا نسب المجانية تزداد وتزداد وتزداد، حتى إذا ضاق بطلب زيادة المجانية استصدر من مجلس الوزراء قرارًا بألَّا يرد طالب عن الامتحان إذا عجز عن دفع المصروفات.
    وزميلك وزير المعارف يريد أن يستفيد التلاميذ مما يُلقى إليهم من العلم، فهو يعنى بصحتهم ما وجد إلى هذه العناية سبيلًا، ويجد من زميله وزير الصحة ما يمكِّنه من هذه العناية، ثم يلجأ إليك وإلى البرلمان يستعينكما على أن يطعم الفقير، وعلى أن يردَّ عن أبناء المدارس الإلزامية عارض الجهل، وعارض الجوع، فإذا البرلمان يقيِّد الدولة بتغذية التلاميذ بالمدارس الأولية، ويرصد لذلك في العام الماضي مائة ألف من الجنيهات، ثم يرصد لذلك في هذا العام ثلاثمائة ألف، وإذا نجيب الهلالي يغذِّي أبناء المدارس الإلزامية مائة وخمسين ألفًا في العام الماضي، وسيغذِّي منهم في العام المقبل نصف مليون. (تصفيق متواصل).
    وزميلك وزير المعارف يشاركك في عاطفة تمتاز بها امتيازًا ظاهرًا جدًّا، وهو أنك تحب مصر لا كما يحب إنسان وطنه، ولكنك في الوقت نفسه تبغض الأثرة، وتحب للعالم الشرقي وللعالم العربي ما تحبه لمصر. فأنت لا تريد أن تكون مصر معتزلة، ولا تريد أن تكون مصر أثرة، وإنما تريد أن يكون الشرقيون جميعًا شركاء لمصر في هذه المائدة العلمية الهائلة التي يُولمها وزير المعارف. (تصفيق وهتاف).
    ومن أجل هذا لم يكد نجيب الهلالي يتولى وزارة المعارف في وزارتك هذه حتى أخذ الأساتذة من المصريين يخرجون من بلادهم عشرات إلى البلاد الشرقية، يعلِّمون فيها. وإذا من الأشياء المقررة عندنا في وزارة المعارف ألا يرد لشرقي طلب مهما يكن في سبيل العلم، وألا يرد لحكومة شرقية طلب مهما يكن في سبيل نشر الثقافة، فنحن قوم نحب العلم، لا نحبه لأنفسنا وحدها، ولكن نحبه للناس جميعًا، ثم ها نحن أولاء لم نكتف بنشر ثقافتنا والثقافة العربية الإسلامية في الشرق العربي وحده، ولكنَّا نرسل رسل الثقافة المصرية إلى بلاد الحبشة، ولأول مرة في تاريخ مصر الحديثة تؤسس في بلاد الحبشة مدرسة مصرية تنشر الثقافة المصرية بلغة أجنبية في بلاد لا تتكلم العربية، لا لشيء إلا لأنك أبعد الناس عن البخل بالأشياء المادية، وبالأشياء المعنوية أيضًا، ولا لشيء إلا لأن وزارتك لا تفهم مطلقًا أن يعيش الإنسان لنفسه، وإنما يعيش الإنسان لوطنه، ويعيش الوطن للإنسانية كلها.
    وزميلك وزير المعارف، يا صاحب المقام الرفيع، يتصور مكانة مصر وكرامتها تصورًا أقل ما يوصف به أنه يلائم شعورنا بالكرامة المصرية، ويلائم اعتزازنا بهذه الكرامة، ويلائم هذه المثل العليا التي نطمع فيها، وهي أن تكون مصرنا العزيزة كأي وطن من أوطان الدنيا المستقلة. وهو من أجل هذا لم يكفه أن ينشر الثقافة المصرية في الشرق العربي، ولا أن ينشئ مدرسة ثانوية في السودان، ولا أن يبعث الذين ينشئون مدرسة في الحبشة، ولكنه يريد أن ينشر الثقافة المصرية في بلاد الإنجليز نفسها، وإذا هو لا يقبل أن يكون للبريطانيين معهدهم في مصر حتى يكون للمصريين معهدهم العربي المصري في لندن. كذلك يفهم نجيب، وكذلك يفهم زملاؤك الوزراء الكرامة المصرية والاستقلال المصري على هذا النحو الذي تفهم أنت عليه كرامة مصر وعزتها واستقلالها، وعلى هذا النحو الذي لا يمكن أن تعيش مصر المستقلة إلا إذا فهمت نفسها عليه. (تصفيق وهتاف متواصل).
    ثم دعني أصورك وأصور وزرائك وأصور عهدك الديمقراطي هذا تصويرًا أخيرًا، فأنت قد دعوت إلى الاستقلال كما دعا إليه سعد من قبلك، وأنت قد جاهدت في الاستقلال، وأنت قد كسبت الاستقلال وعدت به كريمًا موفورًا، ولكنك حين عدت به إنما عدت به مكتوبًا على الورق، ثم تركت الحكم، فظل الاستقلال مكتوبًا على الورق، وأخذت تتخطفه الأيدي، وتنتقص أطرافه من يمين مرة ومن شمال مرة أخرى؛ لأنه كان استقلالًا مكتوبًا على الورق. فلما جئت وجاء معك زملاؤك وجاء معك برلمانك، جعلت الاستقلال حقيقة واقعة، ومادة تُلمس وتُرى وتُحس، يلمسها كل إنسان، ويراها كل إنسان.
    وليس أدل على ذلك من موقفك في شهور يونيو ويوليو وأغسطس الماضية، وليس أدل على ذلك من موقفك حين كان العدو قريبًا من أبواب الدلتا، وحين لم يستطع أحد أن يمسَّ مصالح مصر بأذًى، وحين عاد العدو عن مصر وردت الأخطار عنها، وخرجت مصر من هذه الأزمة كريمة موفورة. يشهد العالم كله بأنها لم تكن أقل كرامة، ولا أقل عزة، ولا أقل احتمالًا للخطب من أي بلد مهما يكن في الشرق أو في الغرب. كل هذا يا سيدي الرئيس تدين به مصر لك ولزملائك ولأعوانك من أعضاء البرلمان، تدين به لهذا العهد الديمقراطي الذي تسعد به، والذي نرجو أن تسعد به.
    فإذا احتفى بك وبزميلك وبزملائك هؤلاء الإلزاميون، فثقْ بأنهم لا يحتفون بك؛ لأنهم يريدون أن يتملقوك، فالأمر بينك وبين الشعب ليس أمر تملق، إنما هو أمر حب ومودة وإخلاص. (تصفيق وهتاف). ولماذا يمكن أن يتملقوك أو يتملقوا زميلك وزير المعارف، لقد أديتما إليهم بعض حقوقهم، ولا أقول كل حقوقهم، وهم لم يكرموكما قبل تأدية هذه الحقوق، وإنما كرموكما بعد أن أديتما إليهم هذه الحقوق، وبعد أن أُصلِح الكادر إصلاحًا ما، وبعد أن أنشئ صندوق الادخار، فهم إذن لا يحتفون بكما تملُّقًا، وإنما يحتفون بكما حبًّا، ويحتفون بكما شكرًا أيضًا.
    وكان زملاؤك الوزراء، وكان برلمان الوفد. قد أديتم للإلزاميين ما أديتم من الحق، فائذن لي أن أقول لمقامك الرفيع، ولزميلك وزير المعارف، ولزملائك الوزراء، ولمن حضر من أعضاء البرلمان: إن الذي أديتموه إليهم حسن، ولكن الذي بقي لهم في أعناقكم كثيرٌ جدًّا، لا لشيء يا صاحب المقام الرفيع إلا لأنك تريد — ولأننا نريد معك — أن يكون أبناء مصر كرامًا دائمًا، ولن يكون المصريون كرامًا إلا إذا كُرِّم الذين يُعلِّمونهم ويُنشِّئونهم. وهذا الشعور نفسه هو الذي حملكم على أن تؤدوا ما أديتم من الحق، وأنا واثق بأنه سيحملكم على أن تؤدوا ما بقي من هذا الحق. (تصفيق).
    وآية ذلك أنكم لم تختصوا الإلزاميين بعطفكم، وإنما شملتم رجال التعليم جميعًا، فلن يمضي هذا العصر، يا صاحب المقام الرفيع، حتى يشعر كل معلم في مصر — مهما يكن الفرع الذي يعلم فيه — بأن وزارتك الديمقراطية قد أحسَّت أن له حقًّا، وأن حقه يجب أن يُؤدَّى إليه. وهذا الحق هو أن يكون كريمًا، وأن يمكَّن من احتمال أعباء الحياة كما ينبغي أن يتحمل الرجل الكريم أعباء الحياة.
    أتريد آخر الأمر، يا صاحب المقام الرفيع، أن أُحدِّثك لماذا لا تجد وزارتك ولا يجد عهدك ارتياحًا من بعض القلوب؟ أمَّا أنا فأستطيع أن أُحدِّثك بهذا حديثًا صريحًا، لا لبس فيه، وأزعم أن أحدًا لن يستطيع أن ينكر ما سأحدِّثك به: إن وزارتك لا تريح؛ هي أولًا لا تريح نفسك، فهي متعبة متعبة، ولكنها لا تريح قومًا آخرين ليس من مصلحتهم أن يشعر الشعب بوجوده ولا بحقوقه ولا بكرامته، وإنما مصلحتهم أن يُستغل الشعب كما تُستغل الأرض، وكما تُستغل الماشية. وأنت ووزارتك تشعرون الشعب بأن له حقًّا، وبأن له كرامةً، وبأن لا فرق بينه وبين أحد كائنًا ما يكون.
    فمن أجل هذا كانت وزارتك متعبة لبعض القلوب، مؤرقة لبعض الناس، مانعة كثيرين من أن يستريحوا؛ لأنك تهيئ لهم عناءً عظيمًا يوم يشعر كل مصري بأن من حقه أن يعيش حرًّا كريمًا، لا فرق بين هذا الغني أو ذاك، وبين هذا القوي أو ذاك، وإنما المصريون جميعًا كما يقول الدستور سواء أمام القانون. أتريد أن تعرف الفرق بينك وبين الذين لا يحبُّونك؟ الفرق بسيط جدًّا: أنت أخذت الدستور على أنه جد، وغيرك أخذ الدستور على أنه مزاح.
    سيدي صاحب المقام الرفيع
    إن هؤلاء السادة الإلزاميين لم يسعوا إلى هذا المكان ليستمعوا لي، وإنما سعوا إلى هذا المكان ليشكروك وليشكروا زميلك وليكرموكما، وقد أقحمت نفسي بين الخطباء إقحامًا؛ لأن كلمة الحق يجب أن تُقال، ويجب أن تُقال مهما تكن الظروف، وقد قلت هذه الكلمة الآن، فائذن في أن أحييك وأحيي زملاءك، وفيهم صديقي نجيب الهلالي، ثم ائذن لي في أن أدع هذا المكان، وقد يخيَّل إليَّ أن هؤلاء السادة يريدون أن يستمعوا منك ومن زميلك بعض الشيء. (هتافات مختلفة وتصفيق حاد متواصل).