Tag: development

  • ثورة حية وحياة ثائرة

    ثورة حية وحياة ثائرة
    بقلم الدكتور طه حسين
    أحب أن تكون ثورتنا حية ، وأن تكون حياتنا ثائرة ، وأن يصبح المصريون في جديد من أمرهم كلما أشرقت عليهم الشمس وأن يمس المصريون في جديد من أمرهم كلما أقبل عليهم الليل.
    أحب أن تكون ثورتنا حية وأن تكون حياتنا ثائرة وأن يدفع المصريون إلى نشاط قوي عنيف ، لا يستريحون منه إلا حين يضطرون إلى النوم ساعات في كل يوم . وأريد أن يكون هذا النشاط متنوعا مختلفة ألوانه يمس فروع الحياة كلها ، ويمس أفراد الشعب كلهم على اختلاف منازلهم في الحياة . يمس الموظف في ديوانه ، والعامل في مكتبه أو معمله والزارع في حقله ، والعامل في مصنعه .
    أريد أن يشعر المصريون جميعا شعورا قويا عميقا جامحا أو كالجامح بأنهم قد دفعوا إلى جد لا راحة منه وإلى كد لا أناة فيه ، وإلى شوط لابد لهم من أن يبلغوا غايته في أسرع وقت وأقصره ليستأنفوا الاندفاع في شوط آخر ليس أقل من سابقه حاجة إلى الجد والكد والنشاط.
    أريد ألا يفرغ المصريون لأنفسهم وألا تفرغ لهم أنفسهم ، وأن يشغلوا عن الفراغ بالعمل، وعن تفكير الفارغين المطمئنين بجد العاملين المعجلين عن أنفسهم وعن كل شيء.
    كذلك أريد أن أرى المصريين في هذه الأيام لأنهم فرغوا فيما مضى حتى سئموا الفراغ وحتى سئمهم الفراغ ولأنهم يعيشون في أيام ثورة . لا تحب الفراغ ولا ترضاه ولا تطمئن إليه .
    بل هم يعيشون في أيام ثورة لا تبغض شيئا كما تبغض الفراغ لأنه عدوها الذي يفسد أمرها كله بما يصرف الناس عنها إلى ألوان من التفكير الكسل المتخاذل المريب .
    ولست أعرف شيئا أخطر على الثورة ولا أضر بها ولا أشد عليها نكرا من فراغ الناس لأنفسهم وتساؤلهم حين يلقى بعضهم بعضا وحين يخلو كل منهم إلى نفسه عما كان – أن يكون غدا، وعما فعل فلان، وما لم يفعل وعما والناس حين يلقي بعضهم بعضا فارغين للحديث طالبين للراحة مفتنين فيها متنقلين بين ما تبتكر لهم من ألوان الهزل واللهو والعبث ، ليسوا أصحاب عمل ولا إنتاج وإنما هم أصحاب لغو في القول ، يجدون اللذة كل اللذة والمتعة كل المتعة والحياة كل الحياة في النكتة يرسلها أحدهم فتمتلئ لها الأفواه والحلوق بالضحك ، ينامون أيقاظا وينامون حين تمسيهم أجنحة النعاس ينفقون أكثر أيامهم نياما والدنيا من حولهم يقظة عاملة منتجة ، وهم في غمرة ساهون لاهون لا خير فيهم لأنفسهم ، ولا خير فيهم لأحد ، هم القادرون منهم أن يملأوا بطونهم ، بما يلقون فيها من الطعام والشراب ، وأن يملأوا أفواههم وآذانهم ، وعقولهم بما يمضون فيه من السخف الذي لا طائل فيه ، وهم العاجزون منهم أن يشكوا وأن يبكوا وأن يعيبوا الزمان وأهله ويحملوا غيرهم تبعة ما هم فيه من عجز وبؤس وشقاء .
    قوم يضيعون حياتهم في البطر والأشر وغرور الأقوال والأحاديث وقوم يضيعون حياتهم في السخط والشكوى وفي البغض والحسد والتطلع اليائس البائس إلى ما ليس في أيديهم وليس هذا كله من الحياة العاملة المنتجة في شيء بل ليس هذا كله من الثورة الحية ولا من الحياة الثائرة في شيء .
    أريد أن تحيا ثورتنا وأن تثور حياتنا وألا نحقق شيئا حتى ندفع إلى تحقيق أكثر وألا نبلغ غاية حتى ندفع إلى غاية أبعد منها ، وألا نريح ولا نستريح حتى نعوض ما فاتنا فيما مضى من الدهر الطويل.
    أريد هذا كله وأعرف السبيل إلى هذا كله ، لأنها ليست غامضة ولا ملتوية ولا بعيدة المنال ، وإنما هي واضحة مستقيمة قريبة يكفي أن نقصد إليها محبين لها مؤمنين بها لنندفع فيها إلى تحقيق ما نريد ، وهذه السبيل هي تحقيق التجاوب بين الثورة والشعب . التجاوب بالعمل لا بالقول وحده ، التجاوب الذي يقتضي أن تستقر الثورة في كل ضمير وأن تضطرم جذوتها في كل قلب، وأن تعمل لتحقيق أغراضها كل يد ويفكر في تدبير أمرها كل عقل ويدعو إلى بلوغ أهدافها كل لسان.
    هذه السبيل هي ألا تكون الثورة مقصورة على الذين أضرموا جذوتها من رجال الجيش ولا على الذين يعملون معهم من رجال الحكم ولا على الذين استجابوا لهم من المثقفين والمفكرين ، وإنما تتجاوز هؤلاء جميعا إلى أبناء الشعب جميعا تجاوزا فعليا لا تنطق به الألسنة وحدها ، وإنما تؤمن به القلوب والعقول وهذا كله لا يتحقق بالدعاء إلى الثورة وحده وإنما يتحقق بالأخذ السريع في أسباب الإصلاح وتيسير الشعب كله للعمل فيما يقتضيه الإصلاح من ألوان النشاط .
    وأنا أعلم أن هذا يحتاج أول ما يحتاج إلى المال الذي يمكن من الأخذ في تنفيذ المشروعات الكثيرة التي تهيئ للإصلاح الصناعي والزراعي وأنواع الإنتاج المختلفة ، ولكني أعلم كذلك أن الثورة لا تعتمد في تنفيذ ما يقتضيه الإصلاح من الأعمال على الميزانية العادية لأن هذه الميزانية بطبيعتها تضيق عن مثل هذه الأعمال الجسام . وهي معرضة بين عام وآخر لليسر والعسر وللسعة ، والضيق وإنما الإصلاح الجديد يحتاج إلى مصادر جديدة للإنفاق .
    وهذه المصادر فيما أظن ليست بعيدة ولا متعذرة وإنما هي قريبة ميسورة إذا اصطنعت الثورة شيئا من الجراءة وما ينبغي أن تحتاج الثورة إلى أن ندعوها إلى اصطناع الجرأة ، فقد ينبغي أن تكون جريئة بطبعها .
    ما بال الثورة لا تدعو الشعب إلى أن يقرض الدولة بعض ما عنده لتبدأ في مشروعات الإصلاح ، إن الأمر يحتاج إلى شيء من الثقة والثقة لا تأتي وحدها إنما تأتي حين تدعى وحين ترغب وحين تمد للناس أسباب الأمل.
    إني أقرأ أننا في حاجة إلى تشجيع الأجانب على أن يستثمروا رؤوس أموالهم في مصر ، وهذا خير ما في ذلك شك ، ولكن أموال المصريين لم لا تستثمر في مصر! وأين تستثمر إذن! أليس غريبا أن الثورة تدعو إلى الإصلاح منذ ستة أشهر وأنها لم تدع الشعب إلى أن يساهم في قرض واحد لتحقيق مشروع واحد من مشروعات الإصلاح .
    إحدى اثنتين أما أن يكون في مصر مال ففيم ينفق هذا المال إذا لم ينفق في إصلاح مصر! وإما ألا يكون في مصر مال، وإذن فمن أين يأتي هذا المال الذي ينفق في ألوان من الترف السخيف الذي لا يغني؟ .
    ليصدقني رجال الثورة أنهم في حاجة إلي أن يثق الشعب بأن الثورة تريد الإصلاح وسبيلهم إلى ذلك أن يطلبوا البذل إلى القادرين على البذل وهم لن يطلبوا منهم تبرعا ولا إحسانا وإنما يطلبون منهم إقراضا يغل عليهم ربحا ويغل على مواطنيهم عملا ويغل على وطنهم ثراء وخصبا وإنتاجا.
    لتقدم الثورة إذن على كسب ثقة الشعب وأريد ثقته المالية بتمكين الموسرين من أن يستثمروا ثراءهم في إصلاح مصر . لتدعو الثورة إلى بعض القروض ولتمتحن إخلاص الموسرين لها ولأغراضها .
    وما أشك في أن هذا الامتحان سينتهي بأصحابه إلى النجح .
    وإذا رأى الأجانب أموال مصر تستثمر في إصلاح مصر وأبناء مصر يثقون بثورة مصر أعطوا ثقتهم واستثمروا أموالهم في مصر ، هنالك يندفع الشعب إلى العمل ، وهنالك يشغل الشعب بالعمل من الفراغ ، وهنالك يتحقق التجاوب بين الثورة والشعب ، وتصبح ثورتنا حية ، وحياتنا ثائرة .
    طه حسين
    الأهرام ١٩٥٣/٢/٧

  • الحرية أولًا

    الحرية أولًا
    «نفوس الشباب المصريين أشبه شيء بهذا العفريت الذي حبسه سليمان في قمقم مطبق من النحاس الصفيق، وختم عليه بخاتمه، وأمر به فألقي في أعماق البحر.»
    تريد أن تنشئ الذوق الفني المصفى في نفوس الشباب المصريين، ليحبوا الجمال ويذوقوه، ثم لينشئوا الجمال ويبتكروه، ثم ليضيفوا إلى فنهم القديم فنًا حديثًا، ثم ليشاركوا في تنمية هذا التراث الفني العالمي الذي يجعل الإنسان إنسانًا، ويحبب الحياة إلى النفوس، ويجعل الدنيا شيئًا ذا خطر، على رغم ما يحيط بها من هذه الظروف البشعة، التي لجعلها أهون على الرجل الكريم من جناح بعوضة، لولا أن فيها أشياء تتصل بالذوق، فتجعل لها قيمة وشأنًا.
    تريد أن تنشئ الذوق الفني في نفوس الشباب، ليستقبلوا الحياة راغبين فيها، محبين لها، مؤمنين بها، فلا يقنعوا بما يتيحه لهم من إرضاء الغرائز، وقضاء الأرب، وإرضاء الشهوات، وتحقيق الآمال الوضيعة، بل ليتجاوزوا الحياة إلى ما هو أرفع منها شأنًا، وأجل منها خطرًا، وأسمى منها منزلة، وهو الاستمتاع والإمتاع بهذه الثمرات الحلوة التي تجد فيها القلوب راحة، وتجد إليها النفوس روحًا، والتي تسمو بالناس إلى حيث ينظرون إلى الحياة مزدرين لها، ساخرين منها، زاهدين فيها، بعد أن كانوا يحبونها أشد الحب، ويكلفون بها أعظم الكلف، لأنهم يرونها قد انتهت بهم إلى الغاية، وبلغت بهم آخر الشوط، فلا عليهم من أن يتركوها، ولا عليهم من أن تتركهم، بعد أن أتاحت لهم أن يستمتعوا ويمتعوا لحظة قصيرة أو طويلة بهذا الجمال الذي لا تؤدي وصفه الألفاظ، وإنما تجد روعته القلوب، فتنسى في لذاته كل شيء.

    ثم تريد أن تنشئ الذوق الفني في نفوس الشباب، ليعرفوا أنفسهم، وليقدروا وجودهم، وليلقوا من يلقون من الأجانب، وأن يفهموهم ما يريدون أن يقولوا، ويفهموا عنهم ما يقولون، لا يجدون في ذلك مشقة ولا عناء، وإنما يجدون فيه راحة ومتاعًا، ولا يشعرون في أثناء ذلك بما يغض منهم في أنفسهم، ويخيل إليهم، أو يحقق لهم، أنهم أقل من الأجنبي الأوروبي والأمريكي علمًا بما يجب أن يعلم الناس، وشعورًا بما يجب أن يشعر به الناس، وتقديرًا لما يجب أن يقدر الناس.

    تريد أن تنشئ الذوق الفني في نفوس الشباب، لتبلغ بهم هذه المنازل كلها، ولتشعرهم بأن من حقهم أن يعتدوا بأنفسهم، ويعتزوا بقديمهم وحديثهم، ويطمحوا إلى ما يطمح إليه أترابهم من الشباب في الأمم الراقية الأخرى، وهو أن يتلقوا عن آبائهم تراثًا كريمًا، وأن ينموه ويزيدوا فيه، ويدفعوه إلى أبنائهم تراثًا كريمًا لينموه ويزيدوا فيه، وأن يحققوا بذلك لوطنهم ما ينبغي أن يتحقق للوطن الكريم من هذه الحياة التي تنمو على مر الزمن، وتربو على تعاقب الأيام، وأن يحققوا للإنسانية ما ينبغي أن يتحقق للإنسانية من هذا الرقي المتصل والسمو الممتاز.

    تريد أن تنشئ الذوق الفني في نفوس الشباب، وأنا أيضًا أريد أن أنشئ الذوق الفني في نفوس الشباب، لأني أعلم كما تعلم أن مهمتنا في الحياة إنما هي تنشئة الذوق الفني في نفوس الشباب.

    على هذه المهمة وقفنا جهودنا، وفي هذه المهمة أنفقنا حياتنا، ولهذه المهمة خصصنا ما بقي لنا من حياة.

    ولكنك تعلم كما أعلم أن شأننا في ذلك كشأن أبي العلاء حين تقطعت به الأسباب في بغداد، فقال هذا البيت الذي يراه النقاد قريبًا غاية القرب، وتراه أنت وأراه أنا بعيدًا غاية البعد:
    فيا دارها بالكرخ إن مزارها
    قريب، ولكن دون ذلك أهوال

    يرى النقاد أن أبا العلاء لم يزد على أن تغزل كما تغزل الشعراء من قبله ومن بعده، فذكر دار حبيبته، وذكر المصاعب التي تقوم بينه وبين زيارتها. وترى أنت كما أرى أنا أن أبا العلاء لم يكن من الحب في شيء، وإنما رمز بدار حبيبته إلى مطامعه البعيدة، وآماله النائية، وإلى تلك العقبات التي تحول بينه وبين بلوغ المطالب وتحقيق الآمال.

    فتنشئة الذوق الفني في نفوس الشباب يسير كل اليسر، ولكنه على ذلك عسير كل العسر، وهو قريب كل القرب، ولكنه على ذلك بعيد كل البعد.

    وأي شيء أيسر وأقرب من أن تمنح الشباب ما ينبغي لهم من الحرية التي تتيح لهم أن يقبلوا، وأن يرفضوا، وأن يحبوا، وأن يبغضوا، وأن يفعلوا، وأن يتركوا، حين يريدون هم، لا حين يريد غيرهم؟

    ومنهم هذا كثير لا يكاد يحصى: منه التقليد الموروث الذي يفرض على الشاب أن يفكر ويعبر ويعمل ويشعر كما تلقى ذلك عن أسرته وعن بيئته، لا كما تريد نفسه، ولا كما يريد طبعه أن يفكر ويعبر ويشعر ويحس. ومنه التقليد الاجتماعي المكتسب الذي يفرض عليه أن يحيا كما يحيا الناس، ويحظر عليه أن ينفرد أو يشذ، أو يأتي من الأمر ما يكره النظراء والأتراب. ومنه السلطان الذي يشرع القوانين، قاسية مرهقة مقيدة، ثم يصطنع في إنفاذها وسائل أشد منها قسوة وإرهاقًا وتقييدًا.

    حرر الشباب قبل كل شيء، ولو تحريرًا موقوتًا، من هذه القيود كلها أو بعضها. دعهم يفكروا كما يريدون، ودعهم يحيوا كما يريدون، وأرشدهم بالقدوة الصالحة، والأسوة الحسنة، والنصح الدقيق.

    وثق بأنك إن فعلت أعددت نفوسهم لتذوق الفن الرفيع أحسن إعداد، وقومتهم كل التقويم. فالفن يحتاج، قبل كل شيء، إلى حرية واسعة، إلى أبعد غايات السعة: حرية في نفس المنتج، وحرية في نفس المستهلك، كما يقول أصحاب الاقتصاد.

    خذ من شئت من المبدعين في الفن، واستقص حياته، فسترى أنه لم يبدع إلا لأنه شذ، وانفرد، وامتاز، وخرج على ما ألف غيره من القيود.

    وليس كل الناس ميسرًا للفن، وليس كل الناس قادرًا على التذوق والابتكار، ولكن من حق الناس جميعًا أن تهيأ لهم الفرص، وتمد لهم أسباب التذوق والابتكار.

    وأول ما يجب لذلك أن يتاح للشباب، وللشباب خاصة، ما ينبغي لهم من الحرية، فيمثلوا تمثيلًا تامًّا الحياة، بما فيها من خير وشر، ولكل ما في الحياة من حسن وقبح، ولكل ما في الحياة من حب وبغض، ليقبلوا عن اختيار لا عن اضطرار، وليحبوا ويبغضوا عن رضا لا عن إكراه.

    فإذا لم تتح لهم هذه الحرية، فلا تبتغ منهم خيرًا، ولا ترج منهم نفعًا، ولا تنتظر لهم تفوقًا ولا ابتكارًا، وإنما انظر إليهم كما تنظر إلى الرقيق المسخرين، وإلى الحيوان الذي تقمع غرائزه، ويحد من حريته سلطان المستأنسين له المنتفعين به فيما يحاولون من المآرب والأغراض.

    إن الفن حرية لا رق.

    فإذا أردت من الشباب أن يذوقوا الفن، ويمثلوه، ويحاولوه، ويبتكروه، فاجعلهم أحرارًا، لأن الفن أثر من آثار الأحرار، لا من آثار العبيد.

    أي شيء أيسر من أن نجعل الشباب أحرارًا؟ إنك لتريد ذلك، وإني لأريده، ولكن أي شيء أعسر من أن تجعل الشباب أحرارًا!

    إن التقاليد الموروثة، والتقاليد المستحدثة، وسلطان الحكومة، وسلطان الجماعة، وظروف الحياة، كلها في هذا الوطن البائس، تأبى على الشباب أن يكونوا أحرارًا.

    فأنشد معي إذن قول أبي العلاء:

    فيا دارها بالكرخ إن مزارها
    قريب ولكن دون ذلك أهوال

    والتمس من العزائم، والطلاسم، والتمائم، ما يحميك ويحميني من هذه التهمة الكبرى الخطيرة، تهمة الميل إلى إفساد الشباب.

    وأي خطر على حياة الشباب في بلد كمصر أشد من أن تلتمس له بعض الحرية التي يستمتع بها الشباب في غير مصر، من البلاد التي ألفت الحرية، فلم تستطع أن تتسلى عنها، ولا أن تزهد في ثمراتها الحلوة والمرة جميعًا.

    ثم لا تنس أنك لن تمنح الحرية للشباب حين تضع عنهم إصرهم والأغلال التي تثقلهم من التقاليد والظروف، فقد ينبغي أن يعيش الإنسان قبل أن يكون حرًا، وقد ينبغي أن يعصم الإنسان من الحرمان ليعيش.

    فحرر الشباب من البؤس والجوع، وهمِّ التفكير فيما يقيم الأود، وحررهم من الجهل، وأتح لهم علمًا وأدبًا وثقافة، ويسر لهم بعد ذلك أن يعيشوا في جنة، وخُلِّ بينهم وبين الدنيا وما فيها مما يسر ومما يسوء، مما يحسن ومما يقبح، مما يلذ ومما يؤلم.

    وثق بأنهم سيحسون ويشعرون، وثق بأنهم سيرضون ويسخطون، وثق بأنهم سينعمون ويبتئسون، وثق بأنهم سيستقبلون هذا كله بأنفسهم، لا من طريق غيرهم.

    وثق بأنهم إن استقبلوا الحياة ولذاتها وآلامها، وحلوها وأحداثها، فسيصورون ما يستقبلون من ذلك، وسيعبرون عنه، وسيتأثرون به، وسيؤثرون فيه، وسيكون كل واحد منهم إنسانًا حرًا عاملًا.

    وحيثما وجد الإنسان الحر العامل، وجد الذوق الفني، ووجدت آثار الذوق الفني من الاستمتاع والإمتاع جميعًا.

    أرأيت الشباب الجامعيين حين يختلفون إلى الدروس، ويستمعون إلى الأساتذة، وحين يتحدثون إلى أساتذتهم، وحين يتحدث بعضهم إلى بعض، أرأيت في هذا كله شيئًا يشبه ما تعرف من شؤون الشباب الجامعيين في البلاد الأجنبية الراقية؟

    ألم تر إلى أزمة الأستاذ حين يلقي الدرس، وأزمة الطلاب حين يستمعون له؟

    الدرس عبء ثقيل على الأستاذ، يتخفف منه بإلقائه في غير حب ولا كلف ولا ذوق. والاستماع عبء ثقيل على الطلاب، يتخففون منه بإحصاء الدقائق، وانتظار الجرس الذي يرد إليهم ظلًا من الحرية، ويخلي بينهم وبين الانطلاق إلى ما هم فيه من سخف الحديث.

    وفيما يتحدث البائسون؟ في أشياء لا تتصل بالثقافة من قريب أو بعيد، في أشياء لا تتصل بالعلم، ولا بالفن، ولا بالذوق، وإنما تتصل بصغائر الأمور وسفاسفها، وتتصل باللذات القريبة، والمنافع العاجلة، وقد تتصل بالسياسة، فلا تمس إلا أدناها إلى السخف، وأبعدها عن الغناء، وتتصل بهذه اليوميات التي لا تقدم ولا تؤخر في حياة الجماعات.

    فإذا تركوا الجامعة، فإلى الجهود الضائعة، والحياة الفارغة، إلى حرمان المحرومين، وشقاء الأشقياء، وصبر الصابرين على المكروه، ويأس اليائسين حتى من روح الله.

    فإذا أتيح لبعضهم شيء من اللهو، وفضل من المتاع، فأنت تعلم حيث يلتزمون ذلك، وأنت تعلم ما بين ذلك وبين الذوق الفني المترف الرفيع من صلة.

    والحق كل الحق أن نطوي الحديث عنه طيًّا.
    أذهبت إلى مدرسة الفنون الجميلة، أرأيت إلى النقش والحفر والتصوير وغيرها من الفنون؟ تلقى الدروس فيها على الطلاب كما كانت تلقى عليهم دروس النحو والحساب. يدعوهم إليها الجرس، ويصرفهم عنها الجرس، ويشرف عليهم في أثنائها وفيما بينها نظام دقيق قد رسمت له اللوائح وبينت له الحدود. فهم يسكنون بمقدار، ويتحركون بمقدار، وهم يسكتون بمقدار، ويتكلمون بمقدار. مدرسة عسكرية لا أكثر ولا أقل.

    فكيف تريد للذوق الفني المترف الرفيع أن ينشأ، أو ينمو، أو يمتاز في هذه البيئات التي لم تخلق إلا لتقتل الذوق، أو لتفسده على أقل تقدير؟

    وأي شيء أيسر من أن ترد إلى هذه البيئات، في الجامعة، وفي مدرسة الفنون الجميلة، وفي معاهد التعليم كلها، شيئًا من اليسر والسماح، ومن الدعة والحرية؟

    لأنك تريد ذلك، ولأني أريده، ولكن هيهات! دون ذلك اللوائح والقوانين، والأمن والنظام، والخوف، والإغراق في الخوف.

    نفوس الشباب المصريين أشبه شيء بهذا العفريت الذي حبسه نبي الله سليمان في قمقم مطبق من النحاس الصفيق، وختم عليه بخاتمه، وأمر به فألقي في أعماق البحر، كما يحدثنا بذلك القاص في ألف ليلة وليلة.

    وأجسام الشباب المصريين هي هذه القماقم المطبقة الصفيقة، إلا أنها ليست من نحاس، وإنما هي من لحم ودم.

    والفرق بين هذه النفوس السجينة في قماقمها وبين ذلك العفريت هو أن العفريت وجد الصياد الذي استخرج قمقمه من أعماق البحر، وفض عنه خاتمه، ورفع عنه غطاءه، وأتاح للعفريت أن يحدث عهدًا بالهواء والنور والحرية.

    فإلى أن تجد نفوس الشباب المصريين هذا الصياد الذي يخرجها من قماقمها، ويرد إليها الحرية، ويخلي بينها وبين الهواء والنور والجمال، تستمتع به وتمتع به الأجيال…

    إلى أن يوجد هذا، فدعني أقطع الرجاء من تنشئة الذوق الفني في نفوس الشباب كما تشاء.

    طه حسين

    الهلال، ١-١-١٩٤٨.

  • ثقافة

    ثقافة

    لا أزال أذكر محاضرة قرأتها منذ أعوام للأديب الفرنسي العظيم بول فاليري، ألقاها في لوزان، وحاول فيها أن يرد العقل الأوروبي إلى العناصر الأولى التي عملت في تكوينه، والتي تميزه من العقول الأخرى، وتقدمه عليها، وتبيح للأوروبيين ما يستمتعون به من التفوق في الحياة العقلية والعملية معًا.

    لا أزال أذكر هذه المحاضرة؛ لأنها كانت من دقة التفكير، وقوته، ووضوحه، بحيث فرضت علي الإعجاب بها، واضطرتني إلى أن أقرأها غير مرة، وحببت إلي قراءة ما يكتبه صاحبها، على ما في أسلوبه وتفكيره، في أكثر الأحيان، من التواء وغموض، مهما يعجب بهما الفرنسيون في هذه الأيام، فهما مصدر مشقة لقرائه من الفرنسيين المثقفين، فضلًا عن الأجانب.

    كان بول فاليري يرد العقل الأوروبي إلى مكونات ثلاثة عظيمة الخطر، هي: العقل اليوناني وما أنتج من أدب وفن وفلسفة، والعقل الروماني وما أنتج من تشريع ونظام، والدين المسيحي وما نتج من حب للخير وميل إلى الإحسان.

    وكان يرى أن لكل واحد من هذه العقول أثرًا عظيمًا في تكوين الحياة الأوروبية المعنوية، ثم في تكوين الحياة العملية، التي هي في حقيقة الأمر أثر من آثار التفكير الأوروبي، ومرآة ينعكس فيها هذا التفكير.

    فهم يونان حين يفكرون وينتجون في الأدب والفن والفلسفة، وإن بعد العهد بينهم وبين اليونان، وإن اشتد التطور حتى خيل إليك أن ليس بين آثارهم وآثار اليونان من صلة. وهم رومان حين يشرعون، أو يحاربون، أو يستعمرون، مهما يكن الفرق عظيمًا بينهم وبين الرومان في التشريع والحرب والاستعمار. وهم مسيحيون حين يحسنون أو يطمحون إلى الخير، مهما يأخذ إحسانهم وطموحهم من أشكال تباعد بينهم وبين الإحسان الذي صورته المسيحية الأولى.

    وهم لهذا كله قد جمعوا خير ما يتفوق به الرجل على الرجل، وأعظم ما يمتاز به الإنسان من الإنسان.

    أعجبت بهذا البحث، وأعجب به كثير من القراء الأوروبيين حين ألقي، وحين نشر في كتاب، وإن كنت لم أعن بتحقيقه، ولم أحفل بأن يكون الكاتب قد وفق إلى الصواب أو تورط في الخطأ، ولكني على كل حال حمدت لهذا الكاتب أنه استطاع أن يتصور عقلًا أوروبيًا، على اختلاف الأوروبيين في اللغة والنظم، وفي الآثار المختلفة التي يستتبعها اختلاف اللغات والنظم.

    كما أني حمدت للأوروبيين أنفسهم ألا يكون تفاوتهم في الجنس، واللغة، والنظام، وما إلى ذلك كله، مانعًا من أن يكون لهم عقل واحد متشابه، يستطيع كاتب أن يدرسه ويحلله ويرده إلى أصوله المشتركة.

    وكثيرًا ما حاولت، منذ قرأت هذا الفصل، أن أتصور عقلنا المصري وأدرسه، وأرده إلى عناصره الأولى التي كونته كما هو. فلم يكن هذا التصور ولا هذا الدرس شيئًا يسيرًا، ونحن مع ذلك أمة واحدة لها مقومات واحدة نشترك فيها جميعًا، فنحن مشتركون في الجنس، والإقليم، واللغة، والمنافع الاقتصادية، والنظام السياسي والاجتماعي. ولكننا، على هذا كله، مختلفون في العقل اختلافًا ظاهرًا جدًا، وربما كان خطيرًا، وربما كان مصدر كثير من المشقة التي نلقاها في حياتنا الحاضرة.

    ذلك أني ما أظنك تنازعني في أننا لا نقوم الأشياء تقويمًا واحدًا، ولا نحكم عليها أحكامًا متقاربة، لأننا لا نتصورها تصورًا متقاربًا.

    وليس من شك في أننا الآن أقل تشابهًا واتحادًا من هذه الناحية العقلية مما كنا في أي وقت مضى. فقد كان المصريون في أول القرن الماضي، وإلى أن تقدم القرن الماضي حتى تجاوز نصفه، متشابهين في التفكير والتعبير، ثم في حياتهم العملية، كأن لهم عقلًا واحدًا يعبرون عنه بلغة واحدة، وأسلوب واحد، ويصدرون في كل ما يأتونه من الحركات والأعمال.

    أما الآن، وقد أخذنا نتصل بالأوروبيين، وأخذ اتصالنا بالأوروبيين يشتد شيئًا فشيئًا، ويمتد قليلًا قليلًا، فقد تغيرت هذه الحال، وانشق المصريون خاصة، والشرقيون عامة، إلى فريقين: فريق ما زال يفكر ويعبر ويحيا على شيء من الأسلوب القديم، قد يكون قويًا، وقد يكون ضعيفًا، ولكنه على كل حال ظاهر يمكن تصوره وتشخيصه. وفريق آخر يفكر ويعبر ويحيا على أسلوب جديد أوروبي، لا تكاد تظهر الصلة بينه وبين حياتنا القديمة.

    وهذا في نفسه شيء طبيعي لا غرابة فيه، فهو التطور والانتقال من حال إلى حال، وهو الصراع بين القديم والجديد، والنزاع بين حضارة وحضارة، وانتصار إحدى هاتين الحضارتين المتنازعتين على الأخرى، في سرعة أو بطء، باختلاف الظروف التي تحيط بهذا التطور.

    ولكن تطورنا لا يخلو من غرابة، فقد خضعنا له، فيما يظهر، غير شاعرين به، ولا آبهين له، ولم نستطع أن نقدره قدره، ولا أن نحسب حسابًا للآثار التي قد ينتجها. فمضى فريق منا مع الحركة الجديدة، ومضى فريق آخر في الحياة القديمة، واضطرب فريق بين أولئك وهؤلاء.

    وأنا أعلم أن محمد علي الكبير كان يعرف ما يريد، وكان ما يريد من الأمر حين كان ينقل إلى مصر ما كان ينقل إليها من أساليب الحياة الأوروبية والتفكير الأوروبي. وربما كان قليل جدًا بين أعوانه يشاركونه في الشعور بقيمة هذا العمل، ولكني أشك أشد الشك في أن الناس كانوا يقدرون هذا العمل أو يحسبون له حسابًا. إنما كانوا يخضعون له كما كانوا يخضعون لغيره من أمر السلطان، على كره شديد أو رغبة فاترة.

    وتستطيع أن تقول مثل هذا في إسماعيل وأعوانه، وإن كان الفرق بين إسماعيل ومحمد علي وأعوانهما ظاهرًا من بعض الوجوه. فقد كان محمد علي يقدر لنقل الحضارة الأوروبية إلى مصر منفعة عاجلة، هي النهضة الصناعية التي تنهض بحاجات بلد يريد أن يجاهد ويسود، ولكنه لم يكن يفكر كثيرًا فيما كان يفكر فيه إسماعيل من الرغبة في الرقي لأنه رقي، وفي الحضارة لأنها حضارة، والعلم لأنه علم.

    وكذلك كان أعوان محمد علي يعينونه على الوصول إلى هذه المنفعة العاجلة المؤقتة، بينما كان أعوان إسماعيل يعينونه على الطموح إلى مثل أعلى يسمو فوق المنافع العاجلة، ويبعد كلما دنا منه طلابه، فيضطرهم إلى السعي، ويبعث فيهم النشاط.

    ولكن أولئك وهؤلاء كانوا قلة لا تكاد تظهر، وكانت كثرة الناس تخضع للتطور عن كره شديد ورغبة فاترة، كما قلنا.
    كان من أثر هذا أن الذين أشرفوا على هذا التطور في مصر لم يأخذوا له عدته، ولم يضعوا له من النظم والأصول ما يمكنه من أن يسير سيرًا مضطردًا منتجًا، وإنما كانوا يترددون ويضطربون ويشفقون، ويحسبون حسابًا لظروف لا تكاد تحصى. فهم إذا تقدموا من ناحية وقفوا أو تأخروا من ناحية أخرى، ونشأ عن هذا أنا وصلنا إلى حيث نحن الآن.

    ورقينا، مهما يكن عظيمًا، ليس مستويًا ولا متشابهًا، ففيما بيننا بيئات راقية جدًا، وبيئات منحطة جدًا، وفي بعض نواحي حياتنا العامة رقي يشبه أن يكون طفرة، وفي بعض نواحيها الأخرى انحطاط يشبه أن يكون جمودًا. فنحن من الناحية التشريعية والقضائية قد خطونا خطوات بعيدة، بحيث تستطيع أن تقول إن الفرق بيننا وبين كثير من الأمم الأوروبية لا يكاد يذكر. ونحن كذلك، من بعض النواحي العلمية القليلة، لا بأس بالشوط الذي قطعناه، ولكننا من نواحٍ أخرى كثيرة لا نزال أطفالًا وعيالًا على الأوروبيين.

    هذا الاضطراب الذي نلاحظه واضحًا جليًا في حياتنا العامة، يظهر أشد وضوحًا وأكثر جلاء في ناحية بعينها من نواحي هذه الحياة، وهي ناحية الحياة العقلية. فقد عني محمد علي، وعني بعده إسماعيل، بإرسال البعوث إلى أوروبا، وتنظيم المدارس المدنية في مصر. وعنيا أيضًا بتشجيع الترجمة والتأليف، وكان لهذا كله أثر ظاهر، فوجدت في مصر طائفة مثقفة على الأسلوب الأوروبي، وسيطرت هذه الطائفة على حياة مصر، فتولت الحكم والقضاء وتدبير الأمور.

    واتصلت منذ ذلك الوقت سنة الأميرين العظيمين في العناية بالبعوث، وتنظيم التعليم المدني، وتشجيع الترجمة والتأليف، تقوى حينًا وتضعف حينًا آخر، ولكنها اتصلت على كل حال، وأنتجت آثارها الطبيعية، فكثرت هذه الطائفة المتأثرة بالثقافة الأوروبية، واشتدت سيطرتها على الحكم، واستئثارها بتسيير الأمور.

    ولكن تعليمًا آخر مصريًا خالصًا كان موجودًا في أيام محمد علي وفي أيام إسماعيل، لم يستطع هذا الأمير أو لم يرد هذا الأمير أو ذاك أن يمسه بشيء من التغيير أو التبديل، أو أن يخضعه لشيء من هذا التطور، تحرجًا وإشفاقًا، أو لما شئت من الأسباب. فظل هذا التعليم المصري الخالص في الأزهر الشريف متصلًا، محافظًا على تقاليده وأساليبه القديمة، منتجًا آثاره الطبيعية، من إخراج جماعات من الناس يتصورون، ويفكرون، ويعبرون، ويحيون على الأسلوب القديم.

    وأخذ سلطان هذه الجماعة يضعف ويتضاءل، وأخذت هذه الجماعات تشعر شيئًا فشيئًا بضعف سلطانها، وتضاؤله، وإفلات الأمور من أيديها، فما هي إلا أن كان الألم، ثم الشكوى، ثم الإنكار يوشك أن يكون ثورة.

    وأحس أولو الأمر شيئًا من هذا، فحاولوا التجديد في هذه الناحية، ولكن على استحياء وتحرج، فكانت نتيجة هذا التجديد المستحي تعقيدًا لحياتنا العقلية، وإسرافًا في التفريق بين عقولنا، وأساليبنا في الحس والشعور.

    أنشأوا دار العلوم، التي لا تحافظ كل المحافظة، ولا تجدد كل التجديد، وأنشأوا كذلك مدرسة القضاء الشرعي على نحو من هذا التجديد المستحي، وأنشأوا مدارس المعلمين للتعليم الأولي على نحو من هذا التجديد المستحي.

    فأنتج التجديد الخالص من ناحية في المدارس المدنية، وأنتجت المحافظة الخالصة من ناحية أخرى في الأزهر وملحقاته، من ناحية ثانية، وأنتج التجديد المضطرب في هذه المدارس الغريبة من ناحية ثالثة.

    وكانت النتيجة أن عقلياتنا لا تكاد تحصى الآن، فأنت تستطيع أن تلقي على الناس مسألة بعينها، ثم تحاول أن تعرف فهمهم لها ورأيهم فيها، فترى في هذا اختلافًا شديدًا. فللذين أنشأتهم المدارس المدنية فهم ورأي، وللذين أنشأهم الأزهر فهم ورأي، وللذين أنشأتهم تلك المدارس العرجاء فهم ورأي.

    ومن غريب الأمر أن التجديد الخالص نفسه لم يخل من اضطراب وتذبذب. فقد سننا منذ أواخر القرن الماضي لأنفسنا التردد في إرسال الطلبة إلى أوروبا، نرسل بعضهم إلى إنجلترا، وبعضهم إلى فرنسا، وبعضهم إلى ألمانيا، ولا نحسن الإشراف على أولئك ولا هؤلاء، فيتعلم أولئك وهؤلاء كما يستطيعون، وحيث يستطيعون، ثم يعودون إلينا ولهم عقولهم المختلفة، يفهمون من الأشياء فهمًا متباينًا، ويحكمون عليها أحكامًا متباعدة.

    وحاول التجديد آخر الأمر أن يدخل الأزهر، فأفسد كثيرًا ولم يصلح شيئًا. ذلك أنه لم يكن تجديدًا صريحًا ولا صحيحًا، وإنما كان ظاهرًا من التجديد، وقشورًا من العلم، تخيل إلى أصحابه أنهم قد حفظوا العلم كله، على حين لم يعرفوا منه إلا صورًا مشوهة.

    وظهرت مسرعة نتائج هذا التجديد المفسد، فثقفت طبقات من الأزهريين بشيء من العلم الغريب، كان ينقل إليها في الصحف والمجلات عن كتب لا قيمة لها، تمس ما وراء المادة وما بعد الطبيعة، على أسلوب الروحيين، لا على أسلوب الفلاسفة.

    وكم ضحكت وأسفت حين رأيت رجلًا من كبار العلماء ذات يوم يرد على بعض من يسميهم الملحدين، فينقل لهم جملًا من بعض هذه القصص الأمريكية التي تذاع بين الناس على أنها آراء علماء أوروبا في صحة الديانات وقوتها.

    هذه حالنا الآن: اضطراب لا تكاد تعرف له حدًا في الفهم والحكم.

    أفتظن أنا نستطيع أن نتصور عقلًا مصريًا كما تصور بول فاليري عقلًا أوروبيًا، وأنا نستطيع أن نرد هذا العقل إلى أصوله، ونحلله إلى العناصر التي عملت في تكوينه؟ كلا.

    لنا عقل أوروبي خالص، ضعيف لم يقو بعد، فهو يحاول أن يتصور الأشياء ويقضي فيها على المذهب الأوروبي.

    وكان لنا عقل مصري خالص في الأزهر، كان يتصور الأشياء ويقضي فيها على النحو القديم، ولكن التجديد السيئ يفسده شيئًا فشيئًا، فلست أدري كيف يفهم الآن، ولا كيف يقضي، ولكني أعلم أنه يعبث بالأشياء أكثر مما يفهمها ويقضي فيها.

    ولنا عقل ثالث، لا أدري كيف أشخصه؛ فيه أيسر ما كان في الأزهر، وفيه أيسر ما في الجديد الخالص، كل ذلك ممسوخ مشوه.

    فقدر أنت تصور هذا العقل للأشياء، وقضاءه فيها، وقدر أنت بعد هذا كله مقدار حظنا من الاتحاد والاشتراك في التصور والحكم، ثم في الشعور والطموح إلى المثل الأعلى.
    يرى الجغرافيون أن الجنس، واللغة، والدين، والنظام السياسي، والإقليم، مقومات تكفي لتكوين الأمة. وقد يكون هذا صحيحًا، ولكن هذه المقومات نفسها تستتبع مقومًا آخر لا بد منه لتحيا هذه الأمة حياة صالحة، وترقى رقيًا مضطردًا، وهو الثقافة.

    فلا بد للأمة التي تستحق هذا الاسم من ثقافة قومية تمثل ميولها، ومثلها العليا، وجهودها في سبيل الرقي، وفي سبيل الوصول إلى الحق وإلى الخير. ويجب أن تكون هذه الثقافة متشابهة، يختلف مقدارها باختلاف الأفراد والبيئات، ولا أريد أن أقول الطبقات، ولكن نوعها لا يختلف كما يختلف عندنا الآن.

    ويجب أن يكون حظ معين من الثقافة مشتركًا بين أفراد الأمة جميعًا في طور من أطوار حياتهم، وأن تكون لهؤلاء الأفراد بعد ذلك أنواع من الثقافة تختلف في الأغراض أكثر مما تختلف في الطبيعة والمنهج.

    ومن غريب الأمر أننا لا نحاول أن نستفيد بتجارب الأمم من قبلنا. فقد خضع الناس من قبلنا لهذا التطور الذي نخضع له، فنشأ التعليم المدني، فزاحم التعليم الديني، حتى زحمه واستأثر من دونه بالسيطرة والسلطان. ولكن رجال الدين في أوروبا كانوا من المهارة والمرونة بحيث احتفظوا بتعليمهم الديني، فرقوه وأصلحوه، ثم شقوا في الوقت نفسه لأنفسهم طرقًا في التعليم المدني، فشاركوا فيه غيرهم من الناس، وظفروا بإجازاته، وأخذوا نصيبهم من الإنتاج فيه. فلم لا نسير نحن سيرة غيرنا من الناس؟

    تعنى الحكومة منذ أعوام بإصلاح مناهج التعليم وبرامجه، وهذا خير، ولكن الغريب أنها تصلح في الألفاظ والنظريات، ولا تحاول أن تصلح جوهر التعليم، ولا تفكر في هذه الفروق العقلية العنيفة التي تقسم الأمة الواحدة إلى فرق متمايزة، والتي يجب أن تزال، وأن تقوم مقامها وحدة عقلية تمكن الناس من أن يشعروا معًا، ويفهموا معًا، ويحكموا أحكامًا متقاربة.

    في وزارة المعارف حركة إصلاح، وفي الأزهر حركة إصلاح أيضًا، وكلتا الحركتين تأخذ طريقًا غير الذي تأخذه الأخرى. فما أجدر المشرفين هنا وهناك أن يفكروا قليلًا، وأن يدنو بعضهم من بعض، حتى يصلوا إلى طريق يسلكونه معًا، فيحتفظ الأزهر بتعليمه الديني الخالص، ويشق لمن شاء من أبنائه، مع ذلك، طريق التعليم المدني العام.

    طه حسين

    المجلة الجديدة، إبريل ١٩٣٠.