Tag: Diplomatic negotiations

  • ذات الرءوس

    ذات الرءوس

    طه حسين

    جريدة البلاغ

    ٧ فبراير ١٩٤٦

    هي وزارتنا الرائعة البارعة، كانت لها رءوس ثلاثة إلى أمس، فنقل منها مجلس الأمن رأسًا ليضعه في محكمة العدل الدولية، وعادت الوزارة ذات رأسين بعد أن كانت ذات رءوس ثلاثة. وقد تبقى ذات رأسين اثنين، وقد يُضاف إليهما رأس ثالث مكان الرأس الذي نُقِلَ إلى لاهاي، يختلف ذلك باختلاف الوزير الذي سيُختار لوزارة الخارجية إن أُتِيحَ لهذه الوزارة أن تبقى، وأن تُعدَّل، وأن يُختَار للخارجية فيها وزيرٌ جديدٌ.

    والقراء يعرفون بالطبع قصة ذلك الكائن الخرافي الغريب الذي كان يحمل رءوسًا سبعة، لا يكاد عدوُّه يقطع منها رأسًا إلَّا نبت مكانه رأس آخر، ولكن عدوًّا من أعدائه عرف مقتله فقضى عليه. وكان من الممكن أن تكون وزارتنا كذلك الكائن لها رءوس بمقدار ما فيها من الوزراء، ولكن ثلاثة من وزرائنا ليس غير استطاعوا أن يكونوا رءوسًا، وأدرك الخمول أو التواضع سائرهم، فقنعوا بأن يظلوا أعضاء يعملون في المرافق المختلفة لهذه الأمة السعيدة بهذا العهد السعيد.

    فأمَّا الرءوس الثلاثة فمعروفون: أحدهم رئيس الوزراء، والرئيس مشتق من الرأس، فهو رأس بطبعه وإن كان كغيره من رءوس الوزارات المصرية يعمل رأسًا ويدًا، فهو رأس للوزارة حين يجلس في مكتبه برئاسة مجلس الوزراء، وهو يد للوزارة حين يجلس في مكتبه بوزارة الداخلية، أو قُلْ إنه يدان: يد يمنى حين يذهب إلى وزارة الداخلية، ويد يسرى حين ينوب عن وزير الخارجية أثناء غيابه في لندرة. وقد كان يدًا ثالثة بين اليمين واليسار وقتًا ما حين ذهب وزير العلم والعرفان إلى السودان.

    أمَّا الرأس الثاني لهذه الوزارة فهو هذا الذي اقْتُطِعَ منها أمس ونُقِلَ مما بين كتفيها إلى كرسي من كراسي محاكم العدل. فقد كان رأسًا أي رأس، كان رأسًا مرفوعًا في القارات الثلاث في أفريقيا حين كان يختلف إلى مكتبه بمصر، وفي أمريكا حين كان يرأس وفدنا في سان فرنسسكو، وفي أوروبا حين كان يرأس وفدنا في لندرة. وقد كاد أن يكون رأسًا في قارة رابعة حين ذهب إلى الحجاز مؤديًا فريضة الحج، لولا أن الوزارة استعارت يدًا من أيديها فجعلتها رأسًا من رءوسها وقتًا ما حين كان وزير الصحة أميرًا للحج.

    مهما يكن من شيء، فقد كان وزير خارجيتنا رأسًا ثانيًا من رءوس الوزارة، له الخطر كل الخطر، وبه معقد الأمل كل الأمل، أمل مصر أولًا وأمل البلاد العربية ثانيًا، وأمل البلاد الإسلامية بعد ذلك. فقد انتُخِبَ في مجلس الأمن، ولم تُنتخَب فيه تركيا ولا إيران. وهو قد حقق هذه الآمال كلها على أحسن وجه وأكمله، وما كان ينبغي له أن يفعل غير ذلك، فهو فقيه متعمق للفقه، وهو قاضٍ متمكن في القضاء، وهو سياسي ممتاز في السياسة، وهو من أجل ذلك يأتي البيوت من أبوابها ولا يأتي البيوت من ظهورها، وهو من أجل ذلك يفتح الأبواب فيحسن فتحها ويغلق الأبواب فيحسن تغليقها. وقد أغلق باب مجلس الأمن في وجه مصر وفي وجه البلاد العربية الأخرى.

    فأمَّا مصر فقبلت حكمه ونزلت عند رأيه، ووقفت أمام الباب المغلق ترمقه مستخذية وتنظر إليه متهالكة، ترفع رأسها لتفضه وتفض رأسها لترفعه، أو قل إنها ترفع رأسًا وتفض رأسًا، فقد كان لها في ذلك الوقت رأسان في مصر، يرتفع أحدهما في رياسة الوزراء فينخفض الآخر في حزب الكتلة، ويرتفع أحدهما في دار مكرم باشا فينخفض الآخر في رياسة الوزارة.

    والشعب المصري واقف موقف النظارة، يعجب بهذين الرأسين اللذين لا يرتفع أحدهما إلَّا انخفض أحدهما الآخر. والشيء المهم هو أن رأس وزارتنا الثالث قد غلق أبواب مجلس الأمن فأحسن تغليقها، فمصر وغيرها من البلاد العربية أهون شأنًا من أن تُهَدِّد السلم. وإذن فلن ينظر مجلس الأمن في شئونها، ومصر وغيرها من البلاد العربية لا تشكو من شيء أعقبته الحرب، وإنما تشكو من عاهات مستديمة وعلل مقيمة نشأت قبل أن تشب الحرب، وإذن فلن ينظر مجلس الأمن في شئونها.

    وقد جعل رأس من رءوس الوزارة المصرية يملأ الأرض ضجيجًا وعجيجًا وبكاءً محتجًّا على تغليق الأبواب، وجعل الرأس الآخر يملأ الجو ثناءً ودعاءً رضًا بتغليق الأبواب، وجعل الرأسان يختصمان وإن حملهما جسم واحد، وجعل أعضاء هذا الجسم يستجيبون لهذا الرأس مرة فيصيحون وينوحون ويستجيبون لذلك الرأس مرة فيحمدون ويشكرون. فأمَّا البلاد العربية الأخرى، فقد هزَّت رءوسها ورفعت أكتافها، وأعرضت عن الوزارة المصرية ورءوسها الثلاثة، وحطمت الأقفال واقتحمت الأبواب، وعرضت على مجلس الأمن شئون سوريا ولبنان، ثم قررت أن تعرض على مجلس الأمن شئون فلسطين، وأثبتت بذلك أن جماعة الأمم العربية متضامنة كل التضامن، وأن مصر تنوب عنها فتحسن النيابة في مجلس الأمن، وأن الأمور تجري في هذا الجزء من ساحل البحر الأبيض المتوسط على خير ما تجري عليه الأمور.

    وعلى كل حال فقد عرفنا لوزارتنا رأسين بارزين يعملان فيحسنان العمل، ويقولان فيحسنان القول. أحدهما يملأ مصر حزمًا وعزمًا وسلامًا وأمنًا، يعلن في مجلس الشيوخ مثلًا أنه يحفظ الأمن فيحسن حفظه، وفي نفس الوقت الذي كان يعلن فيه ذلك كانت عصابة من المجرمين تُغِير على قطار قريبًا من القاهرة فتثخن حفظة البريد جراحًا وتشد وثاقهم وتأخذ ما تستطيع أخذه من المال وتنصرف موفورة لم تلقَ كيدًا؛ لأن رأسًا من رءوس الوزارة المصرية أو لأن الرأس الأول من رءوس الوزارة المصرية قد ملأ مصر حزمًا وعزمًا وسلامًا وأمنًا، وأعلن ذلك في مجلس الشيوخ.

    وعرف المصريون رأسًا ثانيًا من رءوس وزارتنا قد قال في لندرة فأحسن القول وعمل فيها فأحسن العمل، شرَّفَ مصر بين الأمم فانتُخِبَتْ في مجلس الأمن، وأضعف التضامن بين الأمم العربية فذهب في ناحية وذهبت الأمم العربية في ناحية أخرى، وعرف العالم كله له هذا الفضل وهذا التفوق، فانتخبه قاضيًا في محكمة العدل.

    فأمَّا الرأس الثالث من رءوس وزارتنا، فأمره عجب أي عجب، هو الرأس الذي يحسن التنغيص على الرأسين الآخرين وعلى أعضاء الوزارة، يصيح في غير أبان الصياح حتى إذا نغص على أصحابه يَوْمَهم، وأرَّق عليهم نَوْمَهم، وأقضَّ عليهم مضاجعهم سكت فجأة كأنه لم يأتِ حركة ولم يرفع صوتًا. كل همه أن يملأ الأرض صياحًا، وليس من همه أن يعمل شيئًا، يُقْدِم لِيُحْجِم، ويهجم لينهزم، ويحتج ليستكين، لا يريد إقدامًا ولا هجومًا ولا احتجاجًا، وإنما يريد تنغيصًا وتأريقًا وإقلاقًا. هو رأس نشيط لا يستطيع أن يستريح، ولا يريد أن يريح.

    له في كل يوم استقالة، وله في كل يوم عدول عن الاستقالة، وهو قد تحدث باسم الوزارة. كان رأسها الأول متعبًا يوم الثلاثاء، وكان رأسها الآخر غائبًا في لندرة؛ فتحدث نائبًا عن الرأسين أو مستبدًّا بأمر الرأسين.

    ولست أدري، أرضيَ الرأسان عما قال طوعًا واختيارًا أم قسرًا وقهرًا. فأمَّا الرأس الغائب فلم يَرْضَ ولم يسخط؛ لأنه لم يسمع مما قيل شيئًا. فأمَّا الرأس الحاضر فقد كان يود في أكبر الظن أن يخرج بالصمت من لا ونعم؛ لأنه يؤثر الصمت ويهواه، ولكن الماكرين من الشيوخ سألوه فأحرجوه، سألوه أيقر ما قال الرأس الثاني، ولم يكن يستطيع إلَّا أن يجيب: نعم. وهل كان يستطيع أن يقول إنه لا يتشدد في الجلاء الكامل عن برِّ مصر وجوِّها وبحرِها؟! وهل كان يستطيع أن يقول إنه سيستفتي سكان السودان في أمر السودان ورأسه المكرمي يقيد الحكومة أشد التقييد، فيعلن أن الحكومة لا ترضى بأقل من الجلاء الكامل عن البرِّ والبحرِ والجوِّ، ولا تقبل استفتاء في السودان مهما تكن الظروف؟!

    كان رئيس الوزراء يستطيع أن ينكر شيئًا من ذلك! أشهد لقد انتصر الرأس المكرمي على الرأسين الآخرين انتصارًا مؤزرًا في مجلس الشيوخ، فقد أنكر الرأس النقراشي الأول وزير الخارجية كل الإنكار، وأعلن أن الحكومة المصرية ترى من حقِّها أن تعرض قصتها على مجلس الأمن إذا لم تتفق فيها مع الإنجليز، ثم أعلن أنه يقر الرأس المكرمي على ما قال من المطالبة بالجلاء كاملًا شاملًا، ومن رفض الاستفتاء مهما تكن الظروف.

    ومع ذلك فقد نصَّت المذكرة المصرية على أن وزارتنا تريد أن تفاوض في مسألة السودان مستوحية أماني السودانيين. فمن أين تُستوحَى هذه الأماني من السودانيين أنفسهم فهو الاستفتاء، وقد قال الرأس المكرمي غير الحق من غير السودانيين، فهي لا تستوحي شيئًا، وقد قال الرأس النقراشي للإنجليز غير الحق.

    وإذن؛ فالسفينة التي يقودها ربانان مضطرة إلى الغرق، والجسم الذي رُكِّب بين كتفيه رءوس ثلاثة لا يستطيع أن يعيش إلَّا في عالم الأساطير والأعاجيب. ومصر جزء من عالم الأساطير والأعاجيب منذ أقدم العصور.

    ولكن أعجوبتنا المصرية الحديثة الرائعة — وهي الوزارة ذات الرءوس الثلاثة — لا تمتاز برءوسها هذه المثلثة وحدها، بل تمتاز بشيء آخر لست أدري أين أضعه من جسمها العجيب، أأضعه موضع الذنب فتكون وزارة مذنبة أم أضعه موضع الأنف فتكون وزارة ذات أنف ممتاز؟! وقد قال شاعرنا القديم:

    قوم هم الأنف والأذناب دونهمو ومن يساوي بأنف الناقة الذنبا؟!

    فأين تحب الهيئة السياسية أن تضع نفسها من هذا الجسم الوزاري العجيب؟! أمَّا هي فتريد أن تكون أنفًا أو أنوفًا، ولست أكره لها ذلك وإن لم يَرْضَ البرلمان وإن لم يَرْضَ الدستور، وأمَّا الوزارة فتريد أن تضعها موضع الذنب، وإن ضاقت بذلك كرامتها ولم يَرْضَ به مركز أعضائها الممتاز.

    مهما يكن من شيء، فلتضع الهيئة السياسية نفسها حيث شاءت، ولتضعها الوزارة حيث شاءت، وربما كان خير الحلول أن تكون أنفًا حين يجد الجد وتتحرج الأمور، وأن تكون ذَنَبًا حين يُحاس الحيس وحين تجري الريح رخاءً.

    والشيء الذي لا أشك فيه ولا يشك فيه أحد هو أن صدقي باشا غاضب. كان يريد أن تكون الهيئة السياسية أنفًا كما كانت في شهر سبتمبر وفي شهر ديسمبر، ولكن الوزارة جعلتها ذنبًا بعد أن جاء الرد البريطاني، فلم تدعها إلى الآن لسبب غير مفهوم كما يقول صدقي باشا في الأهرام صباح اليوم. وغضب صدقي باشا يخيف أحيانًا ولا يخيف أحيانًا أخرى، على أنه ليس غاضبًا للهيئة السياسية وحدها، بل هو غاضب لمجلس النوَّاب أيضًا، فقد أُجِّلت مناقشة المفاوضات إلى وقت بعيد في مجلس النواب.

    وصدقي باشا غاضب على الحكومة التي تقبل المحادثات، مع أن الأمر لا ينبغي أن يُقبَل فيه إلَّا المفاوضات، والقارئ الذكي يفهم أن المفاوضات شيءٌ تُؤلَّف له الوفود التي تذهب إلى لندرة، والتي يمكن أن يكون فيها صدقي باشا، وأن تكون الهيئة السياسية فيها أنفًا. أمَّا المحادثات فشيءٌ تستأثر به الوزارة، ولا يشارك فيه صدقي باشا، ولا تكون الهيئة السياسية فيه إلَّا ذنبًا. وإذن فصدقي باشا غاضب، والسؤال الخطير الآن هو: هل تخاف الحكومة من غضب صدقي باشا فترضيه وتغضب الإنجليز برفض المحادثات أم تسخر الحكومة من غضب صدقي باشا هذه المرة فتسوءه وترضي الإنجليز بقبول المحادثات؟!

    وهناك حل بديع فيما أعتقد يريح الناس جميعًا. فقد قطع مجلس الأمن أمس رأسًا من رءوس الوزارة، فأي بأس على الوزارة من أن تقطع الذَّنَب إن كانت الهيئة السياسية ذَنَبًا؟! وما أكثر الوزارات التي تعيش ولا أذناب لها، ومن أن تجدع الأنف إن كانت الهيئة السياسية أنفًا! وما أكثر الوزارات التي تعيش وأنوفها مجدوعة!

    كل شيء يمكن، قد استطاعت وزارتنا أن تعيش برءوس ثلاثة، وهي الآن تعيش برأسين اثنين، فما يمنعها أن تعيش بغير ذنب؟! وما يمنعها أن تعيش بغير أنف؟! بل ما يمنعها أن تعيش بغير أنف ولا ذنب؟! بل ما يمنعها أن تعيش برءوس كثيرة جدًّا، وذلك يسير؟!

    يُقال إن التعديل الوزاري قريب، فليصبح أعضاء الهيئة السياسية كلهم وزراء، ولتعِشْ وزارتنا بعشرين رأسًا لا برأسين اثنين، ذلك أجدر أن يُضْحِك المصريين. وما أشد حاجة المصريين إلى أن يضحكوا في هذه الأيام!

  • وأخيرًا …

    وأخيرًا …

    طه حسين

    جريدة البلاغ

    ١٦ ديسمبر ١٩٤٥

    كل شيء يجري في مصر على خير ما يحب المصريون، وعلى أحسن ما يشتهون، نظامٌ مستقرٌّ كما تستقر الجبال، وأمنٌ شاملٌ ينعم به الأقوياء والضعفاء على السواء، واستقامةٌ في العمل لم يسجل التاريخ مثلها لأمة من الأمم في عصر من العصور، وصدقٌ في القول سيصبح مضرب الأمثال لمستقبل الأجيال، كل شيء يجري في مصر على خير ما يحب المصريون، كل شيء يجري في اطراد وانتظام كما تجري الشمس والقمر في السماء.

    إذا أصبحت مصر غدا الوزراء والموظفون في دواوينهم فعملوا ما شاء الله أن يعملوا، وكسلوا ما شاء الله أن يكسلوا، وقالوا ما شاء الله أن يقولوا. فإذا انحرفت الشمس عن كبد السماء وسَعَتْ إلى مغربها شيئًا ما، راح الوزراء والموظفون إلى دُورِهم فأكلوا ما شاء الله أن يأكلوا، وناموا ما شاء الله أن يناموا، فإذا ألقت الشمس بَدًّا من كافر كما يقول الشاعر القديم، سعى الوزراء والموظفون إلى أنديتهم وقهواتهم وإلى ملاعبهم وملاهيهم، فلهوا ما شاء الله أن يلهوا، وسمروا ما شاء الله أن يسمروا، وشربوا ما شاء الله أن يشربوا، حتى إذا انتصف الليل عاد الوزراء والموظفون إلى دُورِهم، فكان النوم وكانت الأحلام، ثم إذا أصبحوا استأنفوا حياة غدٍ كما بدءوا حياة أمس، والله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل، والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم.

    والشعب المصري هادئ مطمئن ينظر إلى غُدُوِّ الوزراء والموظفين ورواحهم كما ينظر إلى شروق الشمس وغروبها، متفكرًا في آيات الله، متعجبًا من حكمة الله، مستيقنًا بأن كل شيء يجري كما سبق به القضاء منذ الأزل، وكما جرى به القلم في اللوح المحفوظ قبل أن يُخلَق النور والظلمة، وقبل أن تُبسَط الأرض وتُرفَع السماء، وتُنثَر بينهما الكواكب والنجوم.

    وقد يوجد بين المصريين من يضيق بهذه الحياة المطردة المتشابهة التي تسعى إلى غايتها سعيًا سهلًا سواء لا عوج فيه ولا التواء، وهؤلاء المصريون هم المرضى الذين يجب أن نلتمس لهم الطب؛ لنشفي قلوبهم ونفوسهم من هذا الضيق الذي لا يدل إلا على انحراف الأمزجة، وفساد الأذواق، واعتلال الطباع.

    وهم يلتمسون لضيقهم هذا عللًا يبتكرونها ابتكارًا، ويبتدعونها ابتداعًا، ويخلقونها من عند أنفسهم؛ لأنهم لا يحبون الهدوء، ولا يطمئنون إلى الاستقرار. لقد نشئوا والإنجليز مستقرون في بلادهم، مسيطرون على مصالحهم، والوزراء والموظفون يغدون ويروحون، فما بالهم يضيقون بما نشئوا عليه، ويسأمون بما كان الحق عليهم أن يألفوه؟! فما بالهم يطالبون بجلاء الإنجليز عن مصر؟! وما الذي قدَّم إليهم الإنجليز من المساءة حتى يضيقوا بهم هذا الضيق، وينكروا مكانهم هذا الإنكار، ويخرجوا على ما عُرِفَ عنهم من التقاليد؟!

    فقد عُرِفَ المصريون بكرم الضيافة منذ أقدم العصور، فما تنكُّرهم للضيف؟! وما تبرُّمهم به؟! وماذا يقولون لآبائهم إن أُنْشِرَ آباؤهم من القبور؟! وماذا يقولون لأبنائهم حين يسأل أبناؤهم عن هذه العلة الطارئة، كيف طرأت؟ أو فِيمَ طرأت؟!

    لقد صحبنا الإنجليز منذ نشأتنا كما صحبنا الزمان، لم نسئ إليهم ولم يسيئوا إلينا، فلِمَ نطالبهم بالجلاء عن ديارنا؟! ولِمَ نُلح في هذه المطالبة، ونسرف في الإلحاح؟!

    أرأيت إلى السبب الذي ترددت الحكومة من أجله ترددًا طويلًا في المطالبة بالجلاء؛ لقد همَّتْ أن تُبصِّرنا بعواقب الأمر، وأن تنبهنا إلى مصادره وموارده، وأن تذكرنا بآدابنا التي ورثناها عن آبائنا، والتي يجب أن ننقلها إلى أبنائنا، والتي تفرض علينا أن نكرم الضيف ونهش به، ونقوم منه مقام الخادم من سيده والعبد من مولاه، أليس شاعرنا القديم هو الذي قال:

    وإني لعبد الضيف ما دام حاضرًا ولا شيء عندي غيرها يشبه العبد

    وأيسر ما يجب على الحكومة الرشيدة التي تعرف الواجب وتنهض به، هو أن تهدي الشعب إذا ضل، وتؤدبه إذا انحرف عن مكارم الأخلاق، وتحمله على الجادة إن حاد عن سواء السبيل، ولكن الأمور قد فسدت في هذه الأيام حقًّا. فسدت حتى أصبح الشعب هو الذي يؤدب الحكومة، أو قُلْ حتى أصبح الشعب هو الذي يضطر الحكومة إلى أن تسيء الأدب، وتجور عن القصد، وتطلب إلى الضيف أن يرحل، وإلى الإنجليز أن يجلوا!

    لقد ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس، فإذا الشعب المصري يضيق بضيفه من الإنجليز، ويلح عليهم في الجلاء، وإذا هو يطالب حكومته بإجلاء هؤلاء الضيف.

    طلب الشعب ذلك في أحاديثه وفي صحفه، واضطر البرلمان إلى أن يطلبه كما طلبه الشعب، ووضع رئيس الوزراء أصابعه في آذانه ما استطاع أن يضع أصابعه في آذانه؛ حتى لا يسمع هذا اللفظ، ولا يؤذي نفسه الكريمة هذا الانحراف عن الأدب. ولكن الشعب ألح وأغرق في الإلحاح، واضطر رئيس الحكومة إلى أن يسمع، واضطر رئيس الحكومة إلى أن يقول، فقال للبرلمان معللًا ومؤملًا ومطاولًا ومماطلًا إنه سينتهز الفرص.

    ولكن الشعب ألحَّ وأغرق في الإلحاح، ولم يَرْضَ بالتعليل ولا بالتأميل، ولم يقنع بالمطاولة ولا بالمماطلة، فخطا رئيس الوزراء خطوة أخرى، وجمع الملأ، فقال له وسمع منه، وأعلن إلى الشعب في سبتمبر الماضي أن الوقت ملائم لطلب الجلاء، وكان في ذلك الوقت الملائم منكرًا لفساد الزمان، وخروج الشعب عن طبعه، وانحرافه عن أدبه القديم، ولكنه أضمر في نفسه شيئًا وأظهر لهذا الشعب الذي يشبه الأطفال شيئًا آخر يعلله ويدلِّله ويدعوه في رفق إلى الهدوء والنوم.

    ولكن الشعب لم يهدأ ولم يَنَمْ، وظل يطالب بإخراج الضيف وإجلائه عن أرض الوطن، وقد أعاد رئيس الوزراء أصابعه إلى أذنه شهرًا وشهرًا وبعض شهر؛ حتى عمَّ الفساد، وأصبح معديًا كأنه الوباء، وإذا الوزراء أنفسهم يطالبون رئيسهم بإخراج الضيف وإجلائه عن أرض الوطن، والرئيس يُدهَش ثم ينكر ثم يثور، ثم ينظر فإذا هو بين اثنتين. فإمَّا أن يدع المنصب ويلزم داره؛ ليأتي الرئيس الذي يُخرج الضيف ويحقق الجلاء، وإمَّا أن يشارك فيما أجمع الشعب عليه من اعتلال المزاج وفساد الطبع، وانحراف الذوق عن الجادة، فيطالب بالجلاء ويتقدم في إخراج الضيف عن أرض الوطن.

    وقد فكَّر رئيس الوزراء وقدَّر، ثم تروى وتدبر، ثم اضطر إلى أن يذهب مذهب الشعب، ويصير إلى ما صار إليه الشعب من الغلظة وفساد الذوق، فهمَّ ولم يكد يفعل، وأقدم ولو استطاع لآثر الإحجام، وتمثل فيما بينه وبين نفسه قول أبي العلاء:

    ولما رأيت الجهل في الناس فاشيًا تجاهلت حتى ظُنَّ أني جاهل

    على أن رئيس وزرائنا لم يسرف في التجاهل، ولم يُعنِّف نفسه في مجاراة الشعب، وإنما أرخى الحبل شيئًا، وتقدَّم في استحياء إلى الضيف يسأله متلطفًا متظرفًا رقيقًا رفيقًا، أمستعد هو لا للخروج بل للمفاوضة في الخروج؟ ومن الطبيعي ألا تُؤخَذ الأشياء بالعنف، وإلا لانزعج الضيف عن مستقره قبل أن نمد له الأسباب، ونهيِّئ له الوسائل، ونتلطف له فيما نريد منه ونطلب إليه.

    هذه هي قصتنا منذ استسلمت ألمانيا في شهر مايو الماضي، ومنذ استسلمت اليابان في شهر أغسطس الماضي، ومنذ قررت الهيئة السياسية أن الوقت ملائم للمفاوضات في شهر سبتمبر الماضي.

    وقصتنا تُختصَر في كلمتين اثنتين، أو في كلمات ثلاث: شعب قليل الذوق يريد أن يُخْرِج الضيف من داره، ورئيس مؤدب مهذب يريد أن يكون كريمًا إلى النهاية، ثم يُضْطَر آخر الأمر إلى أن يجاري الشعب فيتلطف في ذلك إلى أقصى غايات التلطف.

    والمهم هو أن رئيس الوزراء قد اضْطُر آخر الأمر أن يشارك الشعب في مرضه، ويطلب إلى الإنجليز تحديد وقت لا للجلاء كما قلت، بل للمفاوضة في الجلاء.

    ولكن الحرب قد أفسدت كل شيء، فليس المضيفون وحدهم هم الذين فسدوا وساءت أذواقهم، ولكن الأضياف أنفسهم قد فسدوا وساءت أخلاقهم أيضًا. فقد كان المألوف ألا يقيم الضيف إذا نَبَتْ به الدار، وأحس من مضيفه إعراضًا عنه أو زهوًا فيه، وكان الطبيعي أن يجلو الإنجليز منذ أحسوا ضيقنا بهم وزهدنا منهم، ولكنهم أقاموا وألحُّوا في الإقامة، وضِقْنا نحن وألححنا في الضيق، وكلما أظهرنا نحن هذا الإلحاح أظهروا هم ألوانًا من التحدي والاستخفاف.

    وهل كانت تصريحات المستر بيفن في مجلس العموم إلا ضروبًا من التحدي، وألوانًا من الاستخفاف؟! نطالب نحن بالجلاء ونلح في المطالبة، ويقول هو للبريطانيين أن الحكومة المصرية لم تطلب إليه شيئًا!

    ومن أجل هذا لن أُدهَش إذا تلقَّى وزير الخارجية البريطانية ذلك الطلب الرقيق الرفيق الذي أرسله إليه رئيس الوزراء، فهز رأسه ورفع كتفيه ورسم على ثغره ابتسامة ساخرة، وأمر بعض أعوانه أن يرد على رئيس وزرائنا بأنه سيحدد موعد المفاوضات في الوقت الملائم؛ فالوقت الملائم يختلف بالقياس إلينا وإلى الإنجليز، بل هو يختلف بالقياس إلينا وحدنا، ألا ترى أنَّا رأينا الوقت ملائمًا في سبتمبر ولم نطلب المفاوضات إلا في ديسمبر! فما الذي يمنع الإنجليز أن يروا الوقت ملائمًا حين يشاءون هم لا حين نشاء نحن؟! وما عسى أن يصنع رئيس الوزراء إذا تلقَّى الرد بأن موعد المفاوضات سيُحدَّد في الوقت الملائم؟! أيرضى وإن غضب الشعب، أم يشارك الشعب في غضبه، وإذن فماذا يصنع؟!

    وكل هذه المشكلات إنما جاءت من فساد الزمان وتغيُّر الناس، فلو أن الزمان مضى كما كان يمضي مِنْ قَبْلُ صالحًا معتدلًا، ولو أن الناس ظلُّوا كما كانوا من قبل مؤدبين مهذبين مكرمين للضيف؛ لما نشأت هذه المشكلات، ولما اضطر رئيس الوزراء إلى هذه الحياة المعقدة التي تملؤها الأحزان والهموم.

    والظاهر أن حياة رئيس الوزراء قد أصبحت معقدة حقًّا لا تملؤها الأحزان والهموم وحدها، وإنما يملؤها مع الأحزان والهموم شيء آخر يوشك أن يُسمَّى إشفاقًا وخوفًا. فقد تحدثت إلينا الصحف أمس، بأن رئيس الوزراء يصطنع ألوانًا من الاحتياط لم يصطنعها أحد من قبله، حتى أستاذه العظيم صدقي باشا، فلم نعلم قط أن صدقي باشا أقام الشرطة السرية على سطوح الدُّور في غُدوِّه أو رواحه، ولكن الصحف تُنبئنا بأن النقراشي باشا قد استنفد فرقة الشرطة السرية في القاهرة، ثم رد بعض الشرطة العلنية شرطة سرية، فستر لباسها الرسمي وألبسها الجلاليب، وأقامها على سطوح الدور؛ لتحميه في ذهابه من داره إلى حفل المحمل، وفي عودته من هذا الحفل إلى داره.

    أَحَقٌّ هذا؟! وإن كان حقًّا؛ فما تأويله؟ وما تعليله؟ وكيف يمكن أن يُقبَل أو يُساغ؟!

    أَحَقٌّ أن النقراشي باشا لجأ إلى ما لم يلجأ إليه أستاذه صدقي باشا، فأقحم الشرطة على الناس دورهم وأقامها على سطوح الدور؛ لتحمي طريقه في الذهاب والإياب؟! لتحميه من ماذا؟! لتحميه من أنه زعيم الشعب قد آمن الشعب به إيمانًا مطلقًا كما آمن بصدقي باشا من قبله إيمانًا مطلقًا، وقد رفض الشعب من أجله زعماءه القدماء؟! فهذا رئيس الوفد لا يلتفت إليه أحد، ولا يحفل به أحد، ولا يحس وجودَه أحد. ومن أجل ذلك تُحاصَر داره، ويُحاصَر ناديه، ويُضيَّق عليه حين يذهب فيشهد الصلاة، كل ذلك رفقًا به وعطفًا عليه؛ حتى لا يشهد زهد الناس فيه، وتنكر الناس له، وإعراض الناس عنه.

    لقد أخذ النقراشي باشا قلوب الشعب كله من النحاس باشا أخذ عزيز مقتدر، فمِمَّ يخاف النقراشي باشا وقلوب الشعب معه، ونفوس الشعب طوع يده؟! ومِمَّ يخاف النقراشي باشا وهو قد طلب مفاوضة الإنجليز وجارى الشعب في الحرص على الجلاء؟! ألم يأنِ لهذه المأساة المضحكة أن تنقضي؟! ألم يأنِ لهذه الغمرة المسلية أن تنجلي؟! ألم يأنِ للذين لا يؤمن بهم أحد، ولا يطمئن إليهم أحد أن يعودوا إلى دورهم، ويقنعوا بما قسم الله لهم من الحياة الهادئة الخاملة، ويتركوا للشعب حقَّه في أن يختار في حرية وصراحة مَنْ ينطقون بلسانه، ويصدرون عن أمره؛ لأنه يحبهم ويحبونه، ولأنهم إذا خرجوا لم يقيموا الشرطة السرية على السطوح، ولم يقحموا الشرطة على الناس دورهم بغير إذن من القضاء.

  • استئذان

    استئذان
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ١٣ ديسمبر ١٩٤٥
    ألم أقل لك: إن مجلس الوزراء في هذه المرة مؤثِر للجِد والحزم، مصمم على أن يحتفظ بحقه في السيادة والسلطان والتفوق كاملًا شاملًا غير منقوص؟ ألم أقل لك: إن وزراءنا مؤمنون، وإن المؤمن لا يُلدغ من جحر مرتين، وإن الرجل العاقل الحصيف هو الذي ينتفع بتجارب الدهر وعِبَر الأيام؟ وإن وزراءنا قد استجابوا للهيئة السياسية في سبتمبر الماضي، وأقروا رأيها في أن ذلك الوقت كان ملائمًا أشد الملاءمة لبدء المفاوضات للظفر بحقوق مصر؛ فأطمعوا الهيئة السياسية فيهم وفي سلطانهم، وخيَّلوا إليها وإلى الناس أنها أصبحت هي السلطة العليا، تدعو فيُستجاب لها، وتأمر فيُذعن لأمرها، وتقول فيُسمع لما تقول.

    وكان صاحب الدولة صدقي باشا أسرع أعضاء الهيئة إلى انتهاز هذه الفرصة، والانتفاع بهذه السابقة، فظنَّ أنه يستطيع أن يوجه إلى الوزراء كما يشاء الشعب المعرض عنه وإلى الحكومة الخائفة منه، كما كانت كاهنة أبولون تتحدث إلى طلاب الوحي. لاحظ الوزراء هذا كله وضاقوا به والهيئة السياسية، وكأنهم قد قالوا لأنفسهم: كيف نخلص من طاعة البرلمان لنتورط في طاعة الهيئة السياسية؟! وقد اضطرتهم الحوادث مع ذلك إلى أن يلجئوا إلى هذه الهيئة السياسية؛ لعلها أن ترد عنهم الشر وتحميهم من المكروه.

    كان ذلك حين فعل وزير المالية فعلته، فجمع حزبه واتخذ قراره الخطير، وأثار تلك العاصفة القاصفة الهينة اللينة مع ذلك! هنالك قال بعض القائلين للمؤتلفين المختلفين: اتخذوا الهيئة السياسية حكمًا فيما شجر بينكم من خلاف. كان المؤتلفون المختلفون أحرص الناس على أن ترد الأمور إلى نصابها، فيعود مكرم باشا إلى وزارة المالية، ويمضي النقراشي باشا في الاتصال والانفصال والتمهيد لتعجيل المفاوضات أو تأجيلها. فلم يكد اقتراح التحكيم يعرض حتى تعلق العهد السعيد كله بهذا الاقتراح كما يتعلق الغريق المشرف على التلف بأهون الأشياء. ولكن الهيئة السياسية أخذت نفسها على أنها جِدٌّ لا مزاح، ومنحت نفسها سلطانًا لم تمنحه لها القوانين ولا المراسيم، فاجتمعت وسمعت وحكمت كما يجب أن يقول رئيس الوزراء أو كما قال قيصر من قبل.

    وخرج وزير المالية مرفوع الرأي، موفور الكرامة، عالي الصوت، مشرق الوجه، يمشي في الأرض مرحًا، كأنه يريد أن يخرق الأرض، أو أن يبلغ الجبال طولًا. فقد حكمت له الهيئة السياسية على رئيسه، وقررت فيما قررت وجوب البدء فورًا في المفاوضات، وكان قرار الهيئة السياسية قد صدر أثناء الليل، وكلام الليل — كما تقول أحاديث العامة — قد صُنع من زبد أو قد دهن بالزيت، فهو يثبت لبرد الجو ما أقامت ظلمة الليل، فإذا أشرقت الشمس بنور ربها ذاب كلام الليل وتفرق مع الريح. وقد كان هذا مصير القرار الذي اتخذته الهيئة السياسية بليل يوم الأربعاء الماضي، طلعت عليه شمس الخميس فذاب ثلثه، ثم طلعت عليه شمس الجمعة فذاب ثلثه الثاني، ثم طلعت عليه شمس السبت فكاد ثلثه الأخير يذوب كله لولا أن مجلس الوزراء اجتمع ظهر ذلك اليوم فاحتفظ بنصف هذا الثلث الأخير، وأحاطه بشيء من الثلج لعله يثبت لشمس الشتاء. وكان هذا الثلج خليقًا أن يحتفظ بما بقي من قرار الهيئة السياسية لولا أن مناقشة الوزراء في اجتماع السبت كانت أشد حرارة وأكثر التهابًا من شمس الشتاء؛ فذاب قرار الهيئة السياسية كله، وذاب معه الثلج الذي أحيط به، وخرج وزير المالية مطرق الرأس خافت الصوت يمشي على الأرض هونًا كأنه يمشي في الهواء. فقد قضى مجلس الوزراء لرئيسه عليه وعلى الهيئة السياسية جميعًا، واحتاج مكرم باشا إلى أن ينعكف يومًا أو أيامًا ليسترد قوته ويستعيد نشاطه ويستطيع أن يستأنف الجهاد؛ الجهاد الكبير بالطبع، فما ينبغي لجهاد مكرم باشا إلا أن يكون جهادًا كبيرًا خطيرًا. والمهم هو أن مجلس الوزراء لم يذعن لأمر الهيئة السياسية، ولم يرضَ أن تتحكم فيه هي أو أن يتحكم فيه وزير المالية.

    كان يظن أن الهيئة السياسية ستأخذ الأمر في إسماح ودعابة — كما أخذت أمر الوقت المناسب في سبتمبر الماضي — فلما رأى منها الجِد والحزم أراها هو أيضًا جِدًّا وحزمًا! ومع ذلك فسيجتمع مجلس الوزراء مساء اليوم لينظر في الموقف السياسي، وليقرر أن الوقت ملائم أو غير ملائم لطلب البدء في المفاوضات، وليقرر أن من الخير أو من الشر أن يقدم على هذه الخطوة الجريئة، فما تأويل هذا الاجتماع الثالث؟ أيكون مجلس الوزراء قد رضي عن نفسه بعد أن ألقى الدرس القاسي على الهيئة السياسية وعلى وزير المالية، وبعد أن بيَّن للناس جميعًا أن يصدر الأمر ولا يتلقاه، وأن يطاع ولا يطيع، فقرر أن يستأنف البحث من جديد ومن تلقاء نفسه، لا عن أمر الهيئة السياسية ولا عن خوف من نذير وزير المالية؟ أم يكون مجلس الوزراء قد أعطى نفسه شيئًا من الوقت ليقتل المسألة بحثًا ودرسًا وتمحيصًا واستقصاءً، وليقضي مساء اليوم عن روية وبصيرة؟ أم يكون هناك أشياء يلمحها الناس من بعيد، ولا يكادون يضعون أيديهم عليها؟ فقد قيل له: إن برقية أقبلت من لندرة أرسلها وزير الخارجية إلى رئيس الوزراء؛ فكانت سببًا في تأجيل القرار الخطير واعتكاف المجاهد الكبير. ثم قيل لنا اليوم: إن سفيرنا في لندرة قد اختلف غير مرة إلى وزير الخارجية البريطانية، قابل الوزير أو أعوان الوزير لا أدري. وأشيع بين ذلك أن وزير الخارجية البريطانية قد يسلك إلى موسكو الطريق الطويل ليلم بالقاهرة يومًا أو بعض يوم، ثم علمنا آخر الأمر أنه سيسلك الطريق القصير، فلا يزور الشرق، ولكنه قد يلم ببرلين.

    قيل لنا هذا كله، فما معناه؟ معناه يسير جدًّا، لا يحتاج إلى كثير من الذكاء، ولا إلى أفضل من التأويل. فليست الهيئة السياسية هي التي ستفاوض النقراشي باشا في حقوق مصر، وليس وزير المالية هو الذي سيفاوض النقراشي باشا في حقوق مصر، وإنما المستر بيفن وزير الخارجية البريطانية هو الذي ستجرى معه المفاوضات. وإذن فقد يكون من حسن الذوق ومن الأدب الرقيق الرفيق، وقد يكون من حسن اللياقة (بالياء) ومن حسن اللباقة (بالباء) أن يستأذن وزير الخارجية البريطانية في التقدم إليه، يطلب البدء عاجلًا أو آجلًا في المفاوضات. وقد قال الحكماء: إن الرجل الحازم هو الذي يقدر لرجله موضعها قبل الخطو، فلا يتعرض للزلل ولا للسقوط. من حسن الذوق إذن ومن المهارة السياسية أن نستأذن المستر بيفن في التقدم إليه بهذا الطلب، فإن أذن لنا؛ قدمنا هذا الطلب فرضي مكرم باشا ورضيت الهيئة السياسية ومضت الأمور إلى غايتها، وإن لم يأذن لنا؛ وضعنا الهيئة السياسية ووزير المالية أمام الحقائق الواقعة المجردة، وحمَّلناهم تبعتهم، وقلنا لهم: تخيروا بين تأجيل المفاوضات حتى يأذن بها الإنجليز وبين انهيار العهد السعيد من أساسه. وما من شك في أنهم حينئذٍ سيختارون تأجيل المفاوضات حتى يأذن بها الإنجليز.

    أظن أن الأمر واضح كل الوضوح، لا لبس فيه ولا غموض، وأن هذا الأسبوع الذي مضى بين قرار الهيئة السياسية وبين اجتماع مجلس الوزراء مساء اليوم إنما هو أسبوع الاستئذان، وقد كان يمكن أن يطلب الإذن ويُعطى أو يُرفض في يوم أو يومين، ولكن وزير الخارجية البريطانية ليس فارغ البال، ولا منقطعًا لمشكلات المصريين، وإنما هو مشغول بمشكلات أخرى لعلها أن تكون أجلَّ خطرًا وأشدَّ تعقيدًا من مشكلات المصريين. وهو — على كل حال — قد طلب إليه الإذن بالتقدم إليه في طلب المفاوضات، فأذن بذلك أو رفضه كما نرى مساء اليوم أو صباح الغد، وهذا يكفي.

    وكذلك سلك رئيس الوزراء طريق الحكمة والتبصر، فعلم الآن أيقدم أم يحجم، أيفاوض أم لا يفاوض! وفي أثناء ذلك تستفيض الأحاديث في الشرق والغرب بأن الاتفاق قد تم بين البريطانيين والفرنسيين على أن يجلوا معًا في وقت قريب عن سوريا ولبنان. وما أسعد إخواننا السوريين واللبنانيين، وما أسعدنا نحن بهذا الخير الكثير الذي سيتاح لهم قريبًا بإذن اللَّه! فسيظفرون بالجلاء عن بلادهم قبل أن نفاوض نحن الإنجليز في الجلاء عن بلادنا، وهم سيظفرون بجلاء دولتين عظيمتين عن بلادهم قبل أن نجرؤ نحن على مفاوضة دولة عظيمة واحدة بالجلاء عن بلادنا؛ لأننا قوم حكماء نؤثر الأناة والريث، ولا يجب أن نسبق الحوادث، ولا أن نتعجل الأمور. فقد سبق القضاء بما لا بدَّ من وقوعه، فإن كان القضاء قد كتب لمصر أن يجلو عنها الإنجليز؛ فسيجلون عنها في يوم من الأيام، سواء أفاوضناهم في ذلك أم لم نفاوضهم! وإن كان القضاء قد كتب لمصر أن يبقى فيها الإنجليز فسيبقون، سواء أفاوضناهم في الجلاء أم لم نفاوضهم!

    وإذن، فنحن محقون حين نتمهل ونستأني، وقد نكون محقِّين حين نؤثر الراحة، ونترك للقضاء وحده إجلاء الإنجليز عن مصر إن كان الجلاء مكتوبًا في اللوح المحفوظ.

    نعم، يجب أن نبتهج صادقين، وأن نغتبط مخلصين بفوز إخواننا السوريين واللبنانيين بجلاء الجيوش الأجنبية عن بلادهم، وأن نتمنى لهم مزيدًا من الحرية والكرامة والعزة، وأن ندعو اللَّه عز وجل أن يمسنا بجناح من رحمته فيلحقنا بإخواننا السوريين واللبنانيين في طريقهم إلى العزة والكرامة والاستقلال.

    والغريب أن رئيس وزرائنا راضٍ عن نفسه كل الرضا، مطمئن إلى سياسته كل الاطمئنان، مقتنع بأنه يخدم مصر كأحسن ما يمكن أن تُخدم! أليس قد حفظ فيها النظام، واضطرها إلى الصمت، وإلى أن تفرغ لحياتها راضيةً عنها قانعةً بها؟! وماذا تريد مصر أكثر من أن يعيش أبناؤها طاعمين حين يجدون الطعام كاسين حين يجدون الكساء؟!

    على أن رئيس الوزراء ليس وحده هو الراضي عن نفسه، فحلفاؤنا الإنجليز راضون عنه أيضًا؛ ألم تقرأ ثناء التيمس عليه؟! وإذا رضي الإنجليز فقد ابتسمت الدنيا وأشرقت الآمال، فرضا الإنجليز هو الذي يعتد به ويلتفت إليه، وغضب الإنجليز هو الذي يجب أن يُتَّقى ويُحسب له الحساب. فأمَّا أن يستقيل الدكتور حامد محمود وأصحابه من حزب رئيس الوزراء ساخطين على موقفه من المسألة المصرية فشيء قليل الخطر جدًّا. المهم كل المهم ألا يغضب بنو تميم. ألم يقل الشاعر القديم:

    إذا غضبت عليك بنو تميمحسبت الناس كلهم غضابا؟!
    وبنو تميم هم بالطبع حلفاؤنا الإنجليز.

  • قسمة٢

    حديث اليوم: قسمة

    طه حسين

    جريدة السياسة

    ٢٢ يوليو ١٩٣٢

    قد تكون عدلًا هذه القسمة ولكنها لا تخلو من الجور، وقد تكون قصدًا ولكنها لا تخلو من الإسراف، وقد تكون جِدًّا ولكنها لا تخلو من الهزل. وهي على كل حال آية بديعة يجب أن تسجل مع الثناء لرئيس الوزراء. وما زال رئيس الوزراء يأتي بالأعاجيب، لا نكاد ننسى أعجوبة حتى يأتينا بأعجوبة خير منها أو مثلها. فهو يطرفنا في كل يوم بما يسلي عن الصدور، ويجلي عن النفوس، ويملأ القلوب غبطة وحبورًا. جعلنا أحرارًا عبيدًا، وجعلنا آمنين خائفين، وجعلنا محاربين مسالمين، وجعلنا أغنياء فقراء. وأقام على ذلك كله أدلة لا تحتمل النقض، ولا يعرض لها الشك، فصدقناه وآمنا به، وكذبنا أنفسنا وأنكرنا ما نحس، وجحدنا ما نشعر. ولكنه جاءنا بآية جديدة أمس حين خطب في أشياعه وأتباعه الذين حشدوا له في نادي حزب الشعب في الإسكندرية. قسم العافية نصفين، وشقها شقين وجعل نصفها في مصر، ونصفها الآخر في أوروبا، وأعلن أنه كسب نصفها الأول حين رأى الأشياع والأتباع يهتفون ويصفقون لزعيمهم الذي اختاروه وآثروه بحبهم وإعجابهم، وأنه سيكسب النصف الثاني في أوروبا، حين يذهب للراحة والاستشفاء. وهو بالطبع لا يعرف أين يوجد هذا النصف: في إيطاليا، وقد يكون في كرلسباد، وقد يكون في فيشي، وأكبر الظن أنه في لندرة. وليس من شك عندي ولا ريب في أن العافية قد أصبحت شيئًا يقسم نصفين، ويشطر شطرين، ويكون نصفه في الجنوب، ونصفه الآخر في الشمال، ليس عندي في هذا شك ولا ريب؛ لأن رئيس الوزراء قد قاله وأعلنه، وأنا ملزم أن أصدق رئيس الوزراء إذا قال؛ لأني معجب به قبل كل شيء، وخائف منه بعد ذلك، ولأني إن خالفته فقد أنكرت استقرار النظام، وهو يؤكد أنه مستقر.

    يمكن إذن أن تنقسم العافية نصفين، ولكني كنت أحب أن أعلم، وقد يتيح لي رئيس الوزراء أن أعلم، كيف تقسم العافية، وعلى أي نحو تشق، وبماذا تقسم؟ أتقسم طولًا أم تقسم عرضًا، أم تؤخذ من عمقها، وتشقق من سمكها؟ وبمَ تقسم؟! أتقص قصًّا؟ أم تقط قطًّا؟ أم تقطع بالسكاكين، أم تحطم بالفئوس؟ ومهما يكن من شيء فقد قسم رئيس الوزراء عافيته نصفين، استرد أحدهما أمس في نادي حزب الشعب، وسيسترد الآخر متى عبر البحر. ولكن فيمَ هذا العناء وعلام هذه المشقة وفيم الأسفار، واقتحام البحار، والغيبة عن الأنصار؟! وفيمَ حرمان الشعب طلعة زعيمه، ومحضر عظيمه، وفيمَ ترك الديار تتعرض للأخطار، ما دام تصفيق الأشياع، وهتاف الأتباع، يزيل الصداع ويمحو العلة ويبدل الزعماء من أسقامهم صحة، ومن آلامهم لذة؟! هؤلاء أشياع الرئيس وأتباعه في الإسكندرية قد ردوا عليه نصف عافيته حين هتفوا وصفقوا. وأين يقع أشياع الرئيس وأتباعه في الإسكندرية من أشياعه وأتباعه في الأقاليم؟ وأي مدير وأي مأمور يعجز عن أن يحشد لرئيس الوزراء من الأشياع والأتباع أضعاف مَن حُشدوا له في الإسكندرية؟ وقد احتشد لرئيس الوزراء في شمال البلاد وجنوبها، حين زار الأقاليم عشرات الألوف ومئاتها وكلهم هتف، وكلهم صفق. فما بالهم لم يردوا على الرئيس نصف عافيته أو ثلثها أو ربعها؟ فأنت توافقني على أن العافية إذ جاز أن تنقسم نصفين جاز أن تنقسم أثلاثًا وأرباعًا، وأن تشق أسداسًا وأسباعًا. وكان الحق على رئيس الوزراء وهو الرجل العدل المنصف، أن يقسم عافيته إلى أجزاء متساوية يوزعها على الأقاليم والمدن التي يمكن أن يزورها حتى إذا طوف أقطار مصر رد إليه كل إقليم جزءًا من عافيته، وكان يستطيع أن يحتفظ بجزء أو أجزاء من هذه العافية ويوزعها على المدن التي يحتاج لزيارتها في أوروبا. فأما أن يقسم عافيته نصفين اثنين ويقصرهما على الإسكندرية وأوروبا فمجاوز للعدل بعيد عن الإنصاف، مخالف للديمقراطية التي استقر عليها النظام. قال قائل: وما ذنب رئيس الوزراء إذا كانت عافيته لا تحب الحر، ولا تستقيم مع القيظ، ولا يردها عليه الهتاف والتصفيق إلا إذا مسهما من نسيم البحر نفَس عليل بَلِيل، وأصابهما ريق من هذا السحاب الذي يظلل أوروبا في الصيف والشتاء؟ فعافية رئيس الوزراء ليست جافة ولا يابسة، وإنما هي لينة، تحب اللين، وهينة تؤثر الجو الرطب.

    والظاهر في حقيقة الأمر أن الذي رد على رئيس الوزراء نصف عافيته ليس هو هتاف الهاتفين، ولا تصفيق المصفقين، وإنما هو شيء آخر ظهر في «الشعب» صباح أمس، وأحب رئيس الوزراء فيما يظهر أن يعرفه الناس، فأوحى إلى جريدة «المقطم»، فنقلته عن «الشعب» ثم أحب رئيس الوزراء أن تذيعه «الأهرام» أيضًا، فقال في خطبته أمس، ونشرت «الأهرام» هذه الخطبة صباح اليوم، وهو أن المفاوضة آتية لا ريب فيها. نعم، نشرت «الشعب» و«المقطم» هذا الكلام وأعلنه رئيس الوزراء ثم نشرته «الأهرام»، فيجب أن تكون الطير قد حملته إلى رئيس الوزراء من لندرة. ومن الطير ما يصدق، ومنها ما يكذب، ورئيس الوزراء عليم بصدق الطير وكذبها؛ ولذلك لم ترد عليه هذه الطير عافيته كلها وإنما ردت عليه نصفها، ليس غير؛ لأنها لم تحمل إليه يقينًا وإنما حملت إليه ظنًّا وأملًا. وقد قُلتُ لك منذ أيام: إن لندرة تداعب حكومة القاهرة، فتدنيها أصبعًا إذا احتاجت إلى شيء، وتقصيها شبرًا إذا قضت منها ما تريد. وأمر حكومة القاهرة مع لندرة كأمر البحتري مع صاحبه حين قال:

    لج هذا الحبيب في الهجر جِدَّا وأعاد الصدود منه وأبدى

    ذو فنون يريك في كل يوم خلقًا من جفائه مستجدَّا

    أغتدي راضيًا وقد بت غضبا ن وأمسي مولًى وأصبح عبدًا

    ولسنا ندري في أي الأطوار تكون حكومة القاهرة الآن: أراضية أم غضبى؟! سيدة أم مسودة! وأكبر الظن أنها شيء بين ذلك، ما دام رئيس الوزراء لم يسترد عافيته كلها، وإنما استرد نصفها وسيطلب إلى الأطباء في روما أن يدلوه على نصفها الآخر.

    وهل هو سيطلب هذا النصف إلى أطباء روما أو إلى عظيمها مسوليني؟ فدكتاتور إيطاليا طبيب بالسياسة يحسن العلم بها والمشورة فيها، وهو إلى الآن أعظم الذين نهضوا بالدكتاتورية حظًّا من التوفيق. نجح في إيطاليا؛ فدان له الشعب وأحبته كثرته المطلقة، ونجح في سياسته الخارجية؛ فأكره خصوم إيطاليا على أن يعرفوا لها مكانها النابه بين الدول العظمى. فمن حقه أن يكون أستاذًا مسموع الكلمة، وطبيبًا مقبول الرأي عند رؤساء الحكومات الذين يريدون أن يصطنعوا الحزم في سياستهم الداخلية والخارجية. وقد وفق رئيس وزرائنا مع المصريين؛ فدانوا له جميعًا وأحبوه جميعًا حبًّا قوامه الإخلاص والإيثار، وآمنوا جميعًا وأنا أولهم لنظامه الجديد. ولكن نجاحه في السياسة الخارجية مشكوك فيه؛ فالإنجليز قساة لا يرحمون، جياع لا يشبعون. وليس يضر رئيس الوزراء وقد ينفعه كثيرًا أن يستشير طبيب إيطاليا في أمر هذه العلة، وأن يسأله عن أقرب الطرق إلى إكراه الإنجليز على قبول المفاوضات. وأنا واثق بأن موسوليني سيشير عليه بالرأي المستقيم؛ فقد عرف من قبلُ كيف ينزل إنجلترا وفرنسا عند ما كان يريد. ومن يدري لعل مشورة موسوليني هذه أن ترد على رئيس الوزراء النصف الثاني من عافيته، فيعود إلينا وقد غاب عنا أيامًا لا أسابيع؟ ونحن أحوج ما نكون إلى أن يعود إلينا في أقرب وقت، بل إلى أن يبقى فينا لا يفارقنا إلا حين يذهب إلى لندرة ليفاوض الإنجليز، ويستخلص منهم الاستقلال. وعلى كل حال فإني أهنئ رئيس الوزراء مخلصًا بنصف عافيته الذي استرده، وأتمنى له صادقًا أن يجد نصفها الثاني في غير مشقة ولا عناءٍ، ولا فراق طويل.

  • شئون

    حديث اليوم: شئون
    طه حسين
    جريدة السياسة
    ١٢ يوليو ١٩٣٢

    كل شيء يدور في هذا العالم، كما قال فيلسوف من فلاسفة اليونان لا أذكر اسمه الآن، وليس يعنيني أن أتكلف البحث عنه؛ لأني لا أكتب في تاريخ الفلسفة، وإنما أكتب في تاريخ السياسة، أو قل: في شيء ليس من اليسير تسميته؛ فليس هو تاريخًا بالضبط، وليس هو سياسة بالضبط، وإنما هو كأي شأن من الشئون المصرية في هذه الأيام غامض مبهم، ليس من السهل أن يحدد، أو أن يحقق أو أن يسمى. وآية ذلك أننا مختلفون: يرى بعضنا أن في مصر أزمة عنيفة لا تذر شيئًا أتت عليه إلا ذهبت به وعصفت به عصفًا. ويزعم رئيس الوزراء — ومعه الأمة كلها — أن ليس في مصر أزمة، أو أن الأزمة في مصر لا تكاد تذكر بالقياس إلى الأزمة في فرنسا وإنجلترا وغيرهما من أقطار الأرض، وأن الحياة عندنا ناعمة، والدنيا لنا باسمة، وأن الفلاح سعيد ينتقل من عيد إلى عيد، بينما الفرنسي أو الإنجليزي لا يظفر من نعيم الدنيا بشيء؛ تُحجز أرضه وثمراتها وتباع ماشيته وأمتعته، وتُجنى منه الضرائب بألوان من الضغط. والغريب من أمرنا أنَّا نسأل الفلاح أسعيد هو أم شقي؟ أناعم هو أم بائس؟ فيجيبنا بأنه قد وصل من التعس إلى قراره، وأنه قد أخذ يحس لذع الجوع! فإذا لم يمسسه جناح من رحمة الله فهو هالك من غير شك. ثم يسأله رئيس الوزراء: أسعيد هو أم شقي؟ فيجيب بأنه قد وصل من السعادة إلى قمتها، وأن الحكومة القائمة قد مدت له الأسباب ليبلغ السحاب، وأن الأمر إن امتد لهذه الحكومة عامًا أو بعض عامًا، فسيدخل الفلاح الجنة في هذه الحياة العاجلة دون انتظار للآجلة!

    وعلى هذا النحو يعلن المعارضون أن في مصر أزمة حادة، وتعلن الحكومة أن مصر لا تعرف من الأزمة إلا اسمها. والمعارضة صادقة؛ لأنها تحس وتشعر. والحكومة صادقة؛ لأنها تحسن البحث والاستقصاء. فنحن إذن فقراء أغنياء، سعداء أشقياء، بائسون ناعمون.

    وقل مثل هذا في حياتنا السياسية الداخلية؛ فنحن أحرار عبيد، ونحن أعزاء أذلاء، نحن مجتمع النقائض، ونحن باجتماع هذه النقائض راضون، وإليه مطمئنون. نقرأ رئيس الوزراء أو نسمع له فنتفكه، ونقرأ كلام المعارضين — وقد حيل بيننا وبين الاستماع لهم — فنحزن ونتوله! وكذلك جمع الله لنا ما لا بد منه في الحياة الصالحة من الرضا والسخط، ومن اللذة والألم ومن الفكاهة والجِد، ومن السعادة والشقاء.

    وقد ذهبت هذا المذهب من الاستطراد؛ لِأُثْبِتَ لك أن كل شيء في مصر غامض مبهم في هذه الأيام لا يمكن أن يحدد ولا أن يسمى. وإني لا أدري كيف أحدد ما أكتب فيه، ولا كيف أسميه؟! ولكني أعلم أنه ليس فلسفة، ولا تاريخ فلسفة.

    كل شيء يدور إذن كما قال ذلك الفيلسوف اليوناني القديم. فالقمر يدور حول الأرض، والأرض تدور حول الشمس، والشمس تدور حول نفسها. وجريدة الشعب تدور حول البرلمان، والبرلمان يدور حول الوزارة، والوزارة تدور حول نفسها. ولست أدري أيحتفل القمر وتحتفل الأرض وتحتفل الشمس إذا أتم كلُّ منها دورته؟! لأني لم أتعلم بعدُ لغة الكواكب والنجوم. ولكني أعلم أن الوزارة تحتفل إذا أتمت دورتها؛ وآية ذلك أن رئيس الوزراء قد استقبل عامه الثالث سعيدًا ناعم البال، فطار بجناحين، وخطب بلسانين، وأهدى السلم إلى برقة، ووضع ثقل الحرب على الإسكندرية. ثم عاد إلى القاهرة ومعه جيشه وأنصاره ظافرين موفورين، لم يُكْلَمْ أحد منهم كَلْمًا. عاد إلى القاهرة ليحتفل بإتمام دورة أخرى هي دورة البرلمان. فقد كان يوم الخميس الماضي عيدًا سعيدًا، حفل له البرلمان، وابتهج له المجلسان وخطب فيه الرؤساء والوكلاء والمؤيدون والمعارضون، فأعلنوا جميعًا أن مصر بخير وأن المال عليها موفر، والاستقلال لها محقق، والحرية لأهلها مكفولة. ثم هنأ أولئك وهؤلاء أنفسهم بإتمام الدورة على خير حال، وبأنهم قد داروا ثم داروا فلم يصبهم دوار، ولم يأخذهم صداع، ولم تَزِلَّ بهم قدم، ولم تضطرب تحتهم أرض، فظلوا قائمين، أقدامهم على الأرض، ورءوسهم في الهواء، وأعينهم شاخصة إلى السماء، يرقبون دورة القمر حول الأرض، ودورة الأرض حول الشمس، ودورة الشمس حول نفسها؛ ليدوروا هم حول الوزارة من جديد، ولتدور الوزارة حول نفسها من جديد، ولتدور جريدة الشعب حولهم وحول الوزارة من جديد.

    ثم كان يوم الجمعة فظهر الشعب محتفلًا بالدورتين ممتلئًا بآيات البيان مما قيل في البرلمان، متحليًا بتلك «الفريدة» التي ألقاها رئيس الوزراء في مجلس النواب فأخرس بها المعارضة، وأنكر بها المفاوضة، وأعلن فيها أنه لم يأتِ البيوت من أبوابها، وإنما جاءها من ظهورها، وأنه لم يطلب المفاوضة بالأسلوب المعروف وإنما طلبها بالأسلوب غير المعروف. وأن مبدأ المفاوضة مقبول، وتاريخها مجهول، وأن أساس هذه المفاوضة التي قد تكون وقد لا تكون، سيكون في مصلحة مصر؛ لأن مصلحة مصر يجب أن تكون فوق شيء. وأن الحكومة القائمة لا تنسى وليس يمكن أن تنسى ومن المستحيل أن تنسى مصلحة مصر في صداقة إنجلترا.

    وقد سمع النواب وازدهاهم الإعجاب، فصفقوا وهتفوا ثم انصرفوا، وأخذ الأكفاء منهم وكلهم أكفاء، والأذكياء منهم وكلهم أذكياء، يسألون أنفسهم عن رئيس الوزراء ماذا قال؟ وبأي شيء أجاب على ما يشاع ويذاع، ويملأ الأسماع، من أن الإنجليز يرفضون المفاوضة، ويخافون المعارضة، ويؤثرون الانتظار حتى يكون استقرار، غير هذا الاستقرار؟ أخذ النواب يتساءلون فلا يجدون جوابًا، ويحسبون فلا يحسبون حسابًا. ذلك أن رئيس الوزراء — كما قلت لك في غير هذا الفصل — خطيب بارع، يقول كل شيء ولا يقول شيئًا. فهو قد طلب المفاوضة ولم يطلبها، وهو مقبل على المفاوضة مدبر عنها. وهو حريص على المفاوضة زاهد فيها. وهو يعلم أن المفاوضة آتية لا ريب فيها، ولكنه لا يعلم متى تأتي، أمرها كأمر الساعة لا بد منها ولا محيص عنها، ولكن علمها عند الله، وعند الله وحده، قد تدركنا وقد نفلت منها. كذلك المفاوضة، لا بد من أن تأتي ومن أن يحدد لها يوم أو أيام، ومن أن تدور حول مصلحة مصر ومصلحة مصر في صداقة إنجلترا. ولكن متى؟ علم ذلك عند الله. ولكن مع من؟ علم ذلك عند الله. ولكن أين؟ علم ذلك عند الله. ورئيس الوزراء رجل كغيره من الناس، له ذكاء لا يشبهه ذكاء، وفطنة ليس كمثلها فطنة، ولكنه لا يعلم الغيب، ولا يزعم لنفسه علم الغيب. فهو إذن لا يستطيع أن يخترق حجبه ليعلن للشيوخ والنواب متى تكون المفاوضة؟ أو أين تكون المفاوضة؟ أو مع من تكون المفاوضة؟ كل ما يعلمه هو أنه طلب المفاوضة بأسلوب غير معروف، فرُدَّ على طلبه بأسلوب غير معروف، وكانت نتيجة هذا كله أن المفاوضة بيد الله يتيحها لمن يشاء متى شاء وحيث شاء وكيف شاء.

    وبينما كان رئيس الوزراء يبسط على مجلس النواب جناحي خطابته العريضين فيظله من اليأس بأمل غامض ويحميه من القنوط برجاء شاحب، كانت سفينة من السفن تشق العباب وعليها كتاب. فأما قصد السفينة فثغر من ثغور مصر، وأما وجهة الكتاب فجريدة الأهرام.

    وقد وصلت السفينة وبلغت الرسالة، وظهرت الأهرام صباح اليوم وفي صدرها كلام، أُفٍّ له من كلام! لقد أقفل الإنجليز باب المفاوضة الآن، وألقى رئيس الوزراء يوم الخميس ستارًا مزركشًا على مهزلة المفاوضة، وانصرف الناس لشئونهم. فما بال الأهرام تثير حديث المفاوضة من جديد، وترفع الستار عن هموم وأخطار، كان من الخير أن تظل مكتومة مستورة، حتى ينتهي الصيف ويأتي الخريف؛ فقد يكون الخريف وقتًا ملائمًا لمثل هذه الأحاديث؟!

    نعم، إن لكل شيء وقتًا وإبَّانًا، ولكن يظهر أن لا بد من إعداد الأشياء والتمهيد لها قبل أن تكون، وأن ما يقع في الخريف يحسن أن يهيأ له في الصيف، وأن الله إذا كان قد قدر للشمس والأرض والقمر دوراتٍ لا تستطيع أن تخرج عنها، فإن الناس لم يحسنوا إلى الآن أن يقدروا للوزارات والبرلمانات دوراتٍ دقيقةً كل الدقة، مضبوطة كل الضبط. فقد تدور الوزارة في مدارها آمنة مطمئنة مقدِّرة أنها لن تقف قبل نوفمبر، ثم يعرض لها عارض فتقف قبل ذلك. هذه أشياء نشهدها كل يوم، وفي كل مكان، وأنا أخشى أن يكون حديث الأهرام الذي ظهر صباح حديث الأهرام هذا تأكيدًا لما هو معروف من إعراض الإنجليز عن المفاوضات ونفورهم منها حتى بعد أن يتم العام ويبتدئ العام الجديد، وفيه كلام عن الانتخاب، فيه الخطأ وفيه الصواب. لكنَّ فيه شيئًا آخر، فيه ذكر الوزارة التي يمكن أن تفاوضها إنجلترا. وهذه الوزارة لا تشبه الوزارة القائمة في شكل ولا في لون، ولا تقاربها في عرض ولا في طول. وهي مشبهة كل الشبه للوزارة التي ذكرها الأحرار الدستوريون في كتابهم الذي رفعوه إلى حضرة صاحب الجلالة الملك.

    ومن الغريب أن وزارة مكاتب الأهرام هذه لا تشبه الوزارة التي كانت قد اقترحت، وطلب أن يشترك فيها رئيس الوزراء فقد ذكر مكاتب الأهرام أن المقامات الإنجليزية ترغب في أن تفاوض وزارة قومية يشترك فيها المستقلون والأحرار الدستوريون، والوفديون والاتحاديون والوطنيون، ونسيت الشعبيين وعلى رأسهم رئيس الوزراء.

    كل شيء يدور حتى الإنجليز، وحتى لندرة، وحتى المقامات السياسية في عاصمة بريطانيا العظمى؟!

    أرجو أن أكون مفهومًا، فلست أقدر مقال الأهرام هذا أكثر مما ينبغي، ولست أزعم له خطرًا عظيمًا. ولكني أسأل عن أمرين؛ أحدهما: صدق مكاتب الأهرام فيما يضيف إلى المقامات السياسية الإنجليزية. فإن كان مكاتب الأهرام صادقًا فيما يروى فقد بدأت المقامات السياسية الإنجليزية تعلن ما كانت تخفي من أن في مصر أزمة سياسية يجب أن تحل، ومن أن حلها يجب أن يكون بإبعاد صدقي باشا عن الحكم، وبأن يرد أمر المصريين إلى المصريين، ومعنى هذا أن سياسة الحياد قد فشلت، ولا بد من أن تغير وتزول. وإعلان هذه الآراء في المقامات السياسية الإنجليزية في لندرة خطر يجب أن يتداركه رئيس الوزراء. والظاهر أن الخرق قد اتسع على وزيرنا المفوض في لندرة، وعلى من يشاركونه سرًّا أو جهرًا في كسب هذه المقامات للوزارة القائمة. فلم يبقَ بد من أن يمد وزيرنا المفوض بمدد جديد. ولو أن رئيس الوزراء يقبل لي رأيًا أو مشورة لاقترحت أن يسافر وزير المواصلات فورًا إلى لندرة ليعين على جمع الأمر قبل أن يتشتت.

    وإذا لم يكن مكاتب الأهرام صادقًا في روايته عن المقامات الإنجليزية — وأنا أرجح جدًّا أنه صادق — فمن حق الحكومة أن تعاتب الأهرام. فإن نشر هذا المقال ليس من شأنه أن يمتع الشيوخ والنواب بالراحة التي يستحقونها بعد أن داروا وداروا وآن لهم أن يستقروا.

    الأمر الثاني الذي أسأل عنه هو استقلال مكاتب الأهرام بكتابة هذا الفصل. فهل كتبه من تلقاء نفسه أم هل أوحي إليه به كله أو بعضه؟ فإن تكن الأولى فلا بأس على مكاتب الأهرام، فهو صحفي أمين يؤدي واجبه كما ينبغي أن يؤدى الواجب. ومن حق رئيس الوزراء أن يهمس في أذن الأهرام بأن من رسائل المكاتبين الأجانب ما ينشر وما لا ينشر. وبأن هذه الرسالة كان ينبغي أن تؤجل الآن. وإن تكن الثانية، فمَنِ الذين ألهموا مكاتب الأهرام وأوحوا إليه؟ أمصريون هم أم إنجليز؟ أرسميون هم أم غير رسميين؟ ففي لندرة مصريون وإنجليز وفيها رسميون وغير رسميين. وأولئك وهؤلاء يعنون بشئون مصر ويرقبون شئون الوزارة القائمة. ومن المصريين في لندرة الآن مَن يحسب له حساب وينبغي أن يقدر رأيه حق قدره.

    الحق أني ضقت ذرعًا بمقال الأهرام ولم أرتح إليه؛ فهو لا يؤذن بخير ولا يدل على أن الدنيا ستبتسم للوزارة منذ الآن كما ابتسمت لها من قبل. وإنما يدل على أن الأرض قد أخذت تضطرب قليلًا تحت أقدامها، ويوشك هذا الاضطراب أن يشتد فيصبح زلزالًا أو شيئًا يشبه الزلزال. نعم، وهو يدل على أن هؤلاء الأحرار الدستوريين كانوا موفقين حين فزعوا إلى صاحب العرش يرغبون إليه في أن يرعى بحكمته العالية، وعطفه السامي شعبه المخلص الأمين، فيحميه من هذه الكوارث التي توشك أن تلم به وينقذه من هذا الخطر الذي يحيق بثروته وكرامته وأخلاقه وحياته، كأمة من حقها أن تحيا كريمة حرة في ظل عرشه الكريم.

    نعم، يظهر أن هؤلاء الأحرار الدستوريين كانوا موفقين حين فزعوا إلى صاحب العرش؛ يرغبون إليه في أن يكل أمور مصر إلى وزارة قومية تحبها الأمة وتخلص لها وتعينها على أن تسلك بالبلاد طريق السلامة في هذا الوقت العصيب.

    هذه المقامات السياسية الإنجليزية في لندرة تنتظر هذه الوزارة وترى أنها وحدها هي التي تستطيع أن تتفق مع الإنجليز. وهذا الشعب المصري على ضفاف النيل ينتظر هذه الوزارة ويرى أنها وحدها هي التي تستطيع أن تستنقذه من البؤس، وتحميه من الخطر، وتعزه بعد ذل، وتحفظ له كرامته، وتحقق له استقلاله.

    نعم! وهذه الوزارة القائمة تعترف بأن الأزمة فوق جهدها وطاقتها، وتعلن أن علم المفاوضة عند الله، وتقبل راضية أو كارهة أن تبقى في الحكم لتصريف الشئون اليومية، وانتظار ما يضمره لها القضاء، وما ستتكشف عنه حكمة صاحب العرش من حب للشعب ورفق به وإشفاق عليه.

    ألم أقل لك: إن مقال الأهرام مخيف؟!

  • مشكلة

    حديث اليوم: مشكلة

    طه حسين

    جريدة السياسة

    ٨ يوليو ١٩٣٢

    بين القاهرة ولندرة في هذه الأيام أخذٌ وردٌّ ودفعٌ وشدٌّ، ووصلٌ وصدٌّ، وقربٌ وبعدٌ، تدنوان
    حتى يخيل إليك أن قد بلغ الحب بينهما أقصاه، وانتهى إلى غايته. وتبعدان حتى يخيل إليه أن قد قام
    الجفاء مقام الصفاء، واختصم المُحِبَّان؛ فلا مودة ولا ولاء. تقضي القاهرة للندرة كل حاجة وتحقق
    لها كل أمل. وتمنح لندرة القاهرة ما تحتاج إليه من نصر وتأييد، ومن عطف ومَوَدَّة. حتى إذا كان
    حديث المفاوضات عبست لندرة، ووجمت القاهرة، وتساءل الناس عن مصدر ذلك العبوس وهذا الوجوم.
    ومصدرهما في حقيقة الأمر يسير سهل. فلندرة فطنة ماهرة، وفي القاهرة سذاجة وسلامة نية، إذا خطت
    لندرة عرفت أين تضع قدمها، وقدرت لرجلها قبل الخطو موضعها. أما القاهرة فلا تخطو وإنما تجري ولا
    تقدر، وإنما تندفع. والعجب أن يكون على رأس حكومة القاهرة رئيس الوزراء، وهو أكفأ الأكْفاء،
    وأذكى الأذكياء، وأمهر المهرة، وأمكر المكرة. وأن تتورط القاهرة بعد ذلك فيما تتورط فيه، فتعتقد
    أن المَوَدَّةَ بينها وبين لندرة صادقة صافية، لا يشوبها كدر، ولا يعتريها فساد. ومع ذلك فأيسر
    حَظٍّ من الفطنة السياسية والفهم لحقائق الأشياء، يظهر حكومتنا على أن الإنجليز أمهر وأذكى من
    أن تخدعهم ظواهر الأمور، أو أن يخيل إليهم أن الأمر في مصر مستقر، وأن الظروف ملائمة لتصفية ما
    بين البلدين من الحساب؛ كما يقول أصحاب السياسة أو أصحاب المال.

    إنما يريد الإنجليز أن تتحقق أغراضهم وتقضى حاجاتهم المستعجلة، ويتم لهم في ظل هذه الوزارة
    القائمة ما لم يكن سبيل إلى إتمامه في ظل الأحرار الدستوريين أو الوفديين، فإذا قَضَوْا أوطارهم
    هذه ضحِكوا من أصدقائهم الذين قضوا هذه الأوطار، وأعرضوا عنهم إعراض الزاهد فيهم المزدري لهم.
    ثم استقبلوا الوفد والأحرار الدستوريين مبتهجين مبتسمين، يقسمون بالله جَهد أيمانهم ما أَكرهوا
    مصر على شيء، ولا أخذوا منها غير ما أعطتهم. كذلك فعلوا مع صاحب الدولة يحيى باشا إبراهيم
    فأبلغوه قانون التعويضات، وقانون التضمينات، بعد أن يئسوا من ثروت رحمه الله. وعجزوا عن أن
    يُبلغوه إحدى هاتين اللقمتين. فلما قضوا من ذلك وطرًا، تجافَوْا عن الحكومة القائمة، واستقبلوا
    وزارة سعد رحمه الله مبتهجين مبتسمين، كأنهم لم يُكرهوا يحيى على شيء ولم يظفروا منه
    بشيء.

    هذه سيرة الإنجليز إذا أيسوا من الوزارات القوية، اصطنعوا الوزارات الضعيفة. فركِبوها مطية
    يبلغون بها أغراضهم العزيزة العاجلة. وغريب أن رئيس الوزراء على ذكائه وفطنته، وعلى مهارته
    وكفايته، لم يفطن لهذا يوم تولَّى الحكم، ولم يقدر أن تأييد الإنجليز لوزارته، يجب أن يكون
    محدودًا بما لهؤلاء الإنجليز من منافعَ مستعجَلة. فأما تسوية العلاقات بين مصر وإنجلترا فلا
    سبيل إليها إلا أن تقوم بها عن مصر حكومة تعرفها مصر وتؤمن لها بالقوة والسلطان؛ لأنها هي التي
    تمنحها القوة والسلطان، حكومة تصور البرلمان تصويرًا صحيحًا، على أن يكون هذا البرلمان صورة
    صادقة، ومرآة صافية لإرادة الأمة وميولها وأهوائها وآمالها. حكومة كتلك الحكومات التي أقامها
    الدستور الذي دفنه رئيس الوزراء، وأقسم جَهد أيمانه في الإسكندرية أن لن يُنْشَر ولن يعود إلى
    الحياة.

    أعلن الإنجليزُ هذا مرة ومرة. وسمع رئيس الوزراء هذا الإعلان وقرأه وفهمه. ولكنه لم يكَد يصل
    إلى الحاكم حتى نسي ما قرأ وما سمع، وما فهم. وظن أنه ما دام يستطيع أن يتَّفق مع الإنجليز
    فيقضي لهم حاجاتهم، ويحقق لهم مآربهم المُستعجَلة فهو يستطيع أن يتفق معهم على حل المسائل
    المعلقة بين البلدين.

    ومضى رئيس الوزراء في سبيله هذه؛ فألغى دستورًا وأقام دستورًا، وأعرض عن كثرة ومال إلى قِلة،
    وأهمل أمة واعتز بأجنبي، وتقرب إلى الإنجليز ما استطاع أن يتقرَّب، وتحبب إليهم ما استطاع أن
    يتحبب. وضحَّى في سبيل ذلك ما استطاع أن يضحي حتى إذا بلغ من هذا كله أقصاه، قال للإنجليز:
    والآن فلنتفاوض. فابتسمت لندرة ابتسامتها الصفراء، وقالت: دون هذا وتستقيل الوزارة. والخير أن
    تقنع بما قسم الله لك، وتكتفي بتصريف الأمور في مصر، فما أقمناك لتفاوض ولا لتعاهد! وإنما
    أقمناك وأيدناك لترغم المصريين على الهدوء والسكون وتريحنا من مصر حتى نفرغ من مشاكلنا الأخرى
    ويومئذٍ نشكر لك ما قدمت إلينا من خدمة، ثم نتقدم إلى هؤلاء المصريين فنصلح ما بيننا وبينهم من
    فساد، ونصفي ما بيننا وبينهم من حساب.

    قال الإنجليز ذلك لرئيس الوزراء، يبسمون فيه حينًا، ويعبسون فيه حينًا آخر. أفتراه فَهِمَ
    عنهم ما يريدون؟ أفتراه انصرف عن المفاوضة وأعرض عن المعاهدة؟ وقنع بما أراد الله له منذ اليوم
    وهو أن تكون وزارته وزارة إدارية تصرف الشئون اليومية ولا تعرض للمسائل السياسية الكبرى.

    قال قوم: نعم، وقال قوم: لا. فأما الأولون فزعموا أن رئيس الوزراء لا يحب أن يخالف عن أمر
    الإنجليز، فإذا قالوا له أقدِمْ على المفاوضة أقدَمَ. وإذا قالوا له أحجِمْ عنها أحجَمَ. وقد
    طلبوا إليه الإحجام فهو مُحجِم من غير شك. وأما الآخرون فزعموا أن رئيس الوزراء أشجع من أن
    يتهيب أمر الإنجليز أو وعيدهم، وأحرص على استقلال مصر من أن يمضي فيه على هوى لندرة.

    قالوا وقد وقف رئيس الوزراء مع المستر مكدونلد موقفًا خطيرًا في أول عهده بالحكم، فطلب إليه —
    في لهجة حازمة عنيفة لم يتعود أحد أن يخاطب بها الإنجليز — ألا يعرض لشئون مصر الداخلية.

    قالوا: ومهما يقل الأحرار الدستوريون من أن كتاب رئيس الوزراء هذا إلى الحكومة البريطانية، قد
    كان متفقًا عليه مع دار المندوب السامي في شكله وموضوعه؛ فقد صدر الكتاب عن رئيس الوزراء وتلقته
    الحكومة الإنجليزية وسكتت عليه. والذي يخاطب رئيس الوزارة الإنجليزية بتلك اللهجة منذ سنتين
    يستطيع أن يكتب إليه الآن كتابًا يقول فيه:

    بلغني أن حكومتك تتلكأ في قبول ما أعرض عليها من المفاوضة. ولما كان طلب المفاوضة
    حقًّا من حقوق مصر الثابتة فأنت بين اثنتين: إما أن تفاوض وإما أن أعلن استقلال مصر
    التام. وأُكْرِهَ جنودك على أن تنسحب إلى حيث أريد لها من غرب القناة أو شرقها. وأحتل
    السودان وألغي الامتيازات وأسرح المستشارين وأقضي في مصر بما أريد في غير خضوع لمراقبة
    أو محاسبة.

    قالوا: ولن تستطيع الوزارة الإنجليزية أمام هذا الكتاب أن تجيب إلا بقبول وجهة النظر المصرية
    فتدخل في المفاوضات مع رئيس الوزراء. وأنا أوافق هؤلاء الناس على كل ما قالوا، وأعتقد موقنًا أن
    رئيس الوزراء يستطيع أن يُكْرِهَ الإنجليز على المفاوضة إذا عجز عن أن يستدرجهم إليها. ولكن من
    حق الإنجليز أن يصارحوه بعد هذه المفاوضة، وأن يرفضوا إبرام المعاهدة حتى يبرمها الشعب المصري.
    فالإنجليز لا يعاهدون رئيس الوزراء وإنما يعاهدون الشعب المصري. فإذا قال الإنجليز هذا لرئيس
    الوزراء وسيقولونه. وقد قالوه ألف مرة ومرة فكيف يجيبهم رئيس الوزراء؟ وهو يعلم والإنجليز
    يعلمون معه، أن الشعب لا يسنده ولا يؤيِّده ولا يطمئن إليه ولا إلى ما يأتي به مهما يكُن، وهو
    يعلم والإنجليز يعلمون معه حق العلم أن الوفديين والأحرار الدستوريين والمستقلين لم يلعبوا يوم
    قاطعوا الانتخابات، ويوم نبذوا الوزارة القائمة، ويوم أعلنوا أن مصر لا تتقيد بشيء ما ممَّا
    تتقيد به هذه الوزارة. وهو يعلم والإنجليز يعلمون معه حق العلم أن كثرة الأمة لم تشترك في
    الانتخابات وأنها لا تشترك في الحكم، وأنها إذن لن تفاوض الإنجليز معه، وأنها إذن لن تعاهدهم،
    وأنها إذن ستكون حرة يوم تتم المعاهدة في أن تنكرها وتهز لها كتفيها سخريةً منها واستهزاءً بها.
    ماذا يصنع رئيس الوزراء؟ وماذا يصنع الإنجليز معه يومئذٍ؟ إن رئيس الوزراء والإنجليز لَيعلمون
    حق العلم أن الشعب المصري مغلول لا يستطيع أن يتحرك، معقود اللسان لا يستطيع أن يتكلم، وإذن فهل
    إذا أُمْضِيَتِ المعاهدة، وأقرها البرلمان القائم وزالت عن الجيش البريطاني صفة الاحتلال، وأصبح
    الشعب المصري مستقلًّا حقًّا، ثم طالب بالدستور القديم، وبأن تعود إلى الأمة حقوقها كاملة،
    وحرياتها موفورة، وبأن تؤدي الحكومة حسابًا عن حكمها. هل إذا كان هذا كله — ولا بد من أن يكون —
    يخلي الإنجليز بين الشعب ورئيس الوزراء؟ أم هل يقوم الإنجليز دون رئيس الوزراء كما يقومون دونه
    اليوم؟ فإن تكن الأولى فليسرع رئيس الوزارة إلى المفاوضة، وإن كنت أكره أن أكون مكانه. وإن تكن
    الثانية فَلْيُنْبِئْنَا رئيس الوزراء: أيريد أن يأتينا بالاستقلال أم بالاستعباد؟

    الحق أنها مشكلة عسيرة، وأن حلها يسير، إن شاء رئيس الوزراء وشاء الإنجليز. وهذا الحل إنما
    يكون حين يتنحى رئيس الوزراء عن الحكم ويحل البرلمان، وتُجرى الانتخابات الحرة المطلقة. وأنا
    واثق بأن المعارضة كلها لن تفكر، في حين أَعِدُ رئيس الوزراء وأَعِدُ أصدقاءه من الإنجليز بأنه
    إن فاز في هذه الانتخابات بالزعامة أو فاز بالعضوية في أحد المجلسين ليس غير؛ فله أن يفاوض
    الإنجليز، وله أن يعاهدهم، وعلينا نحن أن ننظر إلى معاهدته منصفين فنقبلها إن أرضتنا.

    فأما قبل ذلك فرئيس الوزراء يعلم والإنجليز يعلمون معه أن الشعب المصري يريد أن يفاوض
    الإنجليز ويعاهدهم، مفاوضة الحر للحر ومعاهدة الشعب الكريم للشعب الكريم. لقد قلنا ذلك للإنجليز
    والأحكامُ العرفية معلَنة، والحماية قائمة والإنجليز منتصرون، يحكمون فلا يُرَدُّ لهم حكم
    ويأمرون فلا يُعصى لهم أمر. أفترانا وقد زالت الحماية، وزالت الأحكام العرفية، وأُعْلِنَ
    الاستقلال، لا نستطيع أن نقول ما كنا نقوله منذُ ثلاث عشرة سنة؟ كلا يا صاحب الدولة. تستطيع أن
    تفاوض الإنجليز وأن تعاهدهم وأن تبلغ منهم فوق ما بلغ محمد محمود والنحاس أو دونه، فأنت واثق
    والإنجليز واثقون منك بأن نتيجة هذا كله مرفوضة منبوذة؛ لأنك قد أقدمت على المفاوضات وأمتك
    ذليلة مغلولة. أَعِدْ إليها عزتها وفك عنها أغلالها. ثم فكر بعد ذلك في المفاوضة إن كان لك
    إليها سبيل، فأما قبل ذلك فاقنع بالوزارة الإدارية وصرف الشئون اليومية، حتى يقضي الله بينك
    وبين الشعب وإنه ليوم قريب، وإن رأيته بعيدًا.