الخيال الطارق
للدكتور طه حسين
أقبل صاحبي وجه النهار مرتاعاً حائل اللون، شاحب الوجه، حائر الطرف، طائر اللب، كأنما ألمّ به طائف من الجن فروّعه ترويعاً، وأخرجه عن ذلك الطور الهادئ الرزين الذي كنت أعرفه منه إذا لقيته فتحدثت إليه، واستمعت لأحاديثه المطمئنة العذبة الخصبة.
أقبل مرتاعاً لا يكاد يبين إذا تحدث أو همّ بالحديث، بل لا يكاد يستقر في مجلس، بل لا يكاد يمسك جسمه من رعدة كانت تلمّ به من حين إلى حين فتهزه هزاً عنيفاً، وتذكّر بقول ذلك الشاعر القديم:
وإني لتعروني لذكراك هزة … كما انتفض العصفور بلله القطر
وأشهد لقد أنفقت كثيراً من الجهد، واصطنعت فنوناً من الحيلة، لأرده إلى ما ألفت فيه من دعة وأمن وهدوء، ولقد افتقدت في تلك الساعة بعض هؤلاء الشيوخ الذين يتلون العزائم والرقى، بعد أن أخفقت أو كدت أخفق فيما كنت أحاول من رده إلى الوقار والصواب. ولكن ظفرت آخر الأمر بما كنت أحاول، واستطعت أن أتحدث إلى صاحبي، وأن أسأله عن مصدر هذا الاضطراب العنيف الذي أصابه وما عرفته عرضة لاضطراب يصيب العقل أو يصيب الجسم.
قال وهو ذاهل أو كالذاهل:
"إثم هذا على أبي العلاء أيها الصديق، فلولا أنني نظرت في كتاب من كتبه آخر الليل لأذود به هذا الأرق الذي ألحّ عليّ إلحاحاً لما أصابني ما ترى، بل لما أصابني ما لم ترَ من تلك الأهوال التي ألمّت بي، واصطلحت عليّ حتى نفرتني من داري وأزعجتني عن أهلي، ودفعتني إليك في هذه الساعة التي لم أتعود أن أسعى فيها إليك. وثق بأني قد خرجت من داري معتزماً ألا أعود إليها، وقد أمرت أهلي أن يلتمسوا لنا داراً أخرى، وأزمعت الرحلة عن القاهرة أياماً، حتى إذا تم لهم ما أريد من التحول عن هذه الدار الموبوءة، عدت إليهم في دارنا الجديدة، لعلي أن أجد فيها ما أنا في حاجة إليه من الدعة وراحة البال".
قلت:
"ما أراك إلا مريضاً تحمل مرضك على أبي العلاء وتكلفه من ذلك ما لم يقترف، وتكلف أهلك من آثار هذا المرض شططاً. ومع أني لم أعرف بعد هذه الأهوال التي ألمّت بك فأزعجتك عن دارك ودفعتك إلى ما تحاول من فراق القاهرة، فلست أرى بأساً بهذا الرحيل؛ فقد طال مقامك في مدينتنا، وقد احتملت من الجهد والعناء في عملك ما يضني الأصحاء والأقوياء، فكيف برجل عليل ضئيل مثلك؟ فارحل مصاحباً، ولكن حدثني عما ألمّ بك من الهول؟".
قال:
"مصدره رسالة الغفران يا سيدي، فليت أبا العلاء لم يكتب رسالة الغفران".
قلت:
"لا تقل هذا ولا تكن أثراً، فإن لغيرك في رسالة الغفران لذة ومتاعاً، وإذا كانت قد سلطت عليك الهول الذي لم أعرفه بعد، فإنها قد أتاحت لقوم آخرين في الشرق والغرب من الشهرة وبعد الصوت ما لم يسلط عليهم هولاً من الأهوال، ولم يغربهم خطباً من الخطوب. ولكن هات حديثك".
قال:
"ما أشك في أن أبا العلاء كان مجنوناً حين كتب هذه الرسالة".
قلت:
"ربّ جنون خير من العقل، ولكن هات حديثك".
قال:
"أتذكر هذا السخف الذي أغرق فيه إغراقاً حين ذكر هذين البيتين القديمين من شعر النمر بن تولب:
ألمّ بصحبتي وهم هجوع … خيال طارق من أم حصن
لها ما تشتهي عسلاً مصفى … إذا شاءت وحواريّ بسمن
قلت:
"هذا من خير ما في الرسالة، وأي بأس عليه من أن يفترض أن الشاعر قد وضع مكان (حصن) في البيت الأول اسماً آخر كجزء أو حفص أو عمرو، ثم يلائم بين هذا الاسم وبين القافية في البيت الثاني؟ فهذا نوع من العبث المباح الذي لا يسوء أحداً، وهو مع ذلك يدرب الذاكرة ويظهر شيئاً من المقدرة اللغوية التي يحرص العلماء والأدباء على إظهارها".
قال:
"أنت الذي يزعم أن هذا العبث لا يسوء أحداً، وما رأيك في أنه قد ساءني وجشمني ما رأيت وما لم ترَ من الأهوال والخطوب! فقد أراد سوء الحظ أن أنظر في هذا الكتاب، وأن أقف عند هذا العبث، فأفكر في هذه الخيالات التي كانت تطرق المحبين والشعراء منهم بنوع خاص، والتي كانت إذا طرقت هؤلاء الشعراء أنطقتهم بما تعرف وما لا تعرف من رائع الشعر وبارع الكلام. وأغرقت في هذا التفكير وجعلت أستعين بالذاكرة على استحضار شيء من الشعر القديم الذي قاله الشعراء في الخيال الطارق والطيف الملمّ، ثم جعلت أسخر من أبي العلاء ومن جفاء طبعه وخشونة مزاجه، وجعلت أرثي لأم حصن هذه التي عبث الشاعر بها هذا العبث فلم يترك اسمها حيث وضعه النمر بن تولب، وإنما حذفه وأخذ يضع مكانه أسماء أخرى بعدد حروف المعجم؛ ولو أنه كان رقيق القلب دقيق الحس ممتاز الشعور رفيقاً بالغانيات لما أزعج أم حصن عن مكانها، ولما أقلقها عن موضعها، ولكنه رجل غليظ لا علم له بالحب، ولا حظ له من الرقة، ولا معرفة له بحسن معاشرة النساء.
وإني لفي ذلك وإذا أنا أحس كأن الأرض تدور تحت قدمي، وكأن كل شيء يضطرب من حولي، ولا أكاد ألتفت إلى ذلك وأفكر فيه حتى يهدأ من حولي كل شيء، وإذا شخص جميل قد قام مني غير بعيد، وهو ينظر إليّ نظرة عطف، وعلى وجهه غشاء من كآبة حلوة، وعلى ثغره ابتسامة كأنها ابتسامة الرضا، ولكني لا أعرف شيئاً أصدق منها تصويراً للحزن والأسى، وتمثيلاً للوعة والحسرة. ولست أدري كيف لم يرعني مقام هذا الشخص الجميل، فلم أظهر فزعاً ولا اضطراباً، وإنما أنست إليه وحققت النظر فيه فتبينت فتاة غضة الشباب رائعة الجمال، لولا أن شبابها يوشك أن يكون وهماً، ولولا أن جمالها يوشك أن يكون خيالاً؛ تبينت شخصاً حياً متحركاً نضيراً، ولكنه على ذلك لا يخلو من شيء يشبه الموت، ومن شيء يشبه السكون، ومن شيء يشبه الذبول. وهو على هذا كله يذكرني بشخص كنت آلفه ويألفني، وكنت أكبره ويكبرني، وقد فقدته منذ حين، فجزعت عليه جزعاً شديداً، وكثيراً ما سألت نفسي: أتراها قد ذكرتني قبل أن تلج باب الموت؟
وإني لأنظر إلى هذا الشخص الماثل، وإن هذه الخواطر لتمر أمام نفسي وادعة كأنها السحاب الرقيق، وإذا أنا أسمع صوتاً رقيقاً خافتاً حلواً يسعى إليّ سعياً خفياً من ناحية هذا الشخص الماثل غير بعيد. وإذا هذا الصوت يحمل إليّ تحية عذبة هي التي كنت أسمعها من صديقتي حين كنت ألقاها وجه النهار، وما أكثر ما كنت ألقاها وجه النهار: (أصبح بخير يا سيدي)، فأجيب: (أصبحي بخير يا سيدتي). فقالت: إنك تعرفني أو تكاد تعرفني، إنك تذكرني وتسأل نفسك الآن كما كنت تسألها من قبل، إذ ذكرتك حين فارقت الحياة وودعت الأحياء؛ نعم يا سيدي قد ذكرتك وألححت في ذكرك، وكلفت من يقرأ تحيتي عليك، ولولا الحياء لكلفت من يدعوك لزيارتي قبل أن أموت ولكن لم أفعل، ولم يعرض عليّ ذلك أحد من الذين كانوا يحيطون بسرير الموت. على أني لست آسفة فإني لم أخسر شيئاً، لأني لم أفارق أحداً ممن كنت أحب لقاءهم في تلك الحياة، إنما أنا أراهم وأسعى بينهم وأتحدث إلى نفوسهم وأسمع منها، وكل ما فقدته إنما هي هذه الأصوات التي كنت أسمعها، وهذه الأيدي التي كنت أصافحها. وثق بأنها لا تعدل شيئاً حين أقيسها إلى ما أسمع الآن من أحاديث الضمائر ونجوى النفوس.
وما كنت لأتراءى لك الآن لولا أنك أغرقت في ذكر الخيال واستحضار الخيالات، ولست أخفي عليك أني كنت أريد حين تراءيت لك أن أداعبك بعض الشيء، فلا تظن أن الدعابة مقصورة على الأحياء، فقد يأخذ الموتى من الدعابة بنصيب أيضاً. كنت أريد أن أتراءى لك على أني أم حصن صاحبة النمر بن تولب، وأن أشكر لك عطفك عليّ ورفقك بي ولومك لأبي العلاء، ولكني لم أستطع أن أخدعك لأني لم أتعود خداعك أثناء الحياة. ثم لأني إنما أقبلت إلى هذا المكان لألقي في روعك رسالة كنت أريد أن تبلغها عني، وكنت أريد أن ألقيها إليك كما تلقى الرسائل إلى الناس في الأحلام، ولكني رأيتك يقظان تنظر في هذا الكتاب فانتظرت لعل النوم أن يسعى إليك، ثم رأيتك تذكر الخيال وتستحضر الأطياف فتراءيت لك، وهل أنا إلا خيال أو طيف؟ لا تطل النظر إليّ ولا تقل شيئاً فإن نظر الأحياء يؤذيني، وإن أصوات الأحياء تثقل عليّ، ولكن اسمع مني ولتتحدث نفسك إليّ إذا لم يكن لك بد من حديث.
وإني لأعلم أنك تريد أن تسألني كيف أتحدث إليك بصوت يشبه صوت الأحياء وأشفق مع ذلك من سماع صوتك؟ فأنا لا أتحدث إليك بصوت يستطيع غيرك أن يسمعه، إنما أنت الذي يمنح هذا الصوت قوته وتشخيصه، ولو أن في هذه الغرفة قوماً غيرك لما رأوا من شخصي ما ترى، ولما سمعوا من صوتي ما تسمع؛ ولكن أصغِ إليّ فإني أحس مقدم النهار، وإني أكره هذا الضوء الذي يغمر الكون حين تشرق الشمس، والذي كنت أحبه أشد الحب أثناء الحياة، والذي لم أحزن على شيء حزني على فراقه قبل أن أموت، والذي لم أتسلّ عن شيء كما تسليت عنه الآن.
أصغِ إليّ فإني أريد أن ألقي إليك رسالتي، وأن أنصرف عنك قبل أن يهجم ضوء النهار فيبدد ظلمة الليل، وإني لحريصة على أن ألقاك، فإن كان لقائي يرضيك الآن كما كان يرضيك من قبل، فانتهز فرصة كهذه الفرصة، في ساعة كهذه الساعة، وانظر في هذا الكتاب وأطل التفكير فيه، فقد أستجيب لدعائك حينئذ".
ثم سكت هذا الصوت قليلاً، وإنما قتلني معه الحب أيضاً؛ فقد تذكّر أن زوجي فارقني قبل أن أموت بأشهر لأن مرضي المتصل قد ثقل عليه، وقد تذكّر أني كنت أظهر تجلداً وعزاء، وقد تعلم أني كنت أخفي في ذلك غير ما أضمر، وأنك كنت تشفق عليّ مما كنت أخفيه، وكنت تود لو استطعت أن تسليني عن بعض ما أجد؛ فاعلم الآن أني حين ثقلت عليّ العلة، وتورمت أطرافي، ورأى الطبيب أن ينزع ذلك الخاتم الذي كان آخر ما بقي لي من زوجي، لم أشك في أنه سينزع معه الحياة من هذا الجسم المريض، ولم أكره ذلك، وأي بأس من مفارقة العلة واليأس! فأبلغ زوجي أني فارقت الحياة وأنا أحبه، وأن مقامي في هذه الأرض بعد الموت لن يطول، وأنه خليق أن يعلم أني أراه وأرافقه، وأنه خليق أن يرعى ذلك وأن يذكرني في شيء من الخير والرفق والوفاء، حتى إذا آن لهذا الخيال أن يصعد في طبقات الجو وأن يمضي إلى ذلك العالم الذي تعيش فيه خيالات الموتى، وأن تنقطع الصلة بينه وبيني من الأسباب.
قالت ذلك ثم نظرت إليّ نظرة قوية حادة لم أستطع أن أثبت لها، وإنما أطرقت برأسي إلى الأرض خائفاً وجلاً، ثم رفعت رأسي بعد ذلك ونظرت فلم أرَ شيئاً، وتسمعت فلم ينتبه إليّ صوت، وإنما هي رسالة الغفران مبسوطة أمامي أرى فيها عبث أبي العلاء حول شعر النمر بن تولب. هنالك أخذني هلع ما أعرف أين أحسست مثله من قبل، وملكني روع كاد يدفعني إلى الصياح لولا بقية من عقل وفضل من حياء، ففارقت غرفتي وهبطت إلى الحديقة أهيم فيها أنتظر مطلع النهار، حتى إذا ارتفعت الشمس قليلاً أوصيت أهلي بما أوصيت وأسرعت إليك. أترى بعد ذلك أن سخف أبي العلاء لم يسؤ أحداً؟"
قال ذلك ثم أخذته رعدة غريبة أشفقت أن ترده إلى مثل ما كان عليه من الوجل والاضطراب، فما زلت به حتى رددت إليه الأمن والهدوء.
وقلت مداعباً:
"ويحك! ألم تقرأ كتاب أناطول فرانس ذلك الذي سماه (جريمة سلفستر بونار)؟ إن فيه قصة إن لم تكن تشبه قصتك هذه من كل وجه، فإنها قريبة منها إلى حد ما، وما أرى إلا أنك قد ذكرت صاحبتك هذه في ضوء النهار أو في ظلمة الليل، حتى إذا أخذت تنظر في كتابك أخذك هذا النوم الخفيف الذي تتراءى فيه الأشباح والخيالات".
قال مغضباً:
"أقسم لك ما كنت نائماً ولا قريباً من النائم، وإنما كنت يقظان أشد ما يكون الناس يقظة وانتباهاً، ولكن ما نفع الحديث معك في هذا وأنت لا تؤمن بعالم الخيال؟"
قلت:
"فإني أشفق عليك من إيمانك هذا؛ فقد تستطيع أن تتحول عن دارك، وأن تفارق القاهرة، وأن تنزل من الأرض أي منزل شئت، فسيتراءى لك هذا الخيال كلما خطر له أن يتحدث إليك، أو أن يحملك رسالة إلى الأحياء. وماذا تريد الآن أن تصنع برسالته هذه؟ أتحملها إلى من أنت مكلف أن تحملها إليه أم تكتمها؟ فإن تكن الأولى فماذا تصنع إن لقيك باللوم لأنك تعرضت لما لا ينبغي لك أن تدخل فيه، وإن تكن الثانية فماذا تصنع إن ألمّ بك الخيال وسألك عن تبليغ الرسالة وتأدية الأمانة والوفاء بالعهد؟"
هنالك نهض صاحبي مغاضباً وهو يقول:
"ما أشد بغضي للذين يمزحون في غير أوقات المزاح!".
ثم انصرف عني وأنا شديد الإشفاق عليه وعلى كثير من أمثاله الذين تطرقهم هذه الخيالات فتملأ قلوب بعضهم أمناً ورضاً، وتملأ قلوب بعضهم الآخر خوفاً وروعاً.
الرسالة ١٤\٥\١٩٣٤
Tag: Dreams
-
الخيال الطارق
-
مدينة سبأ
مدينة سبأ
للدكتور طه حسين
كان الأديب الفرنسي ملرو نائماً كاليقظان، أو يقظان كالنائم، ولا تجد في ذلك شيئاً من الغرابة؛ فنوم الأدباء البارعين يقظة؛ لأنه مملوء بالأحلام التي قد تكون من الصدق والدقة، ومن الخصب والإنتاج بمنزلة لا يبلغها الحق نفسه في كثير من الأحيان. ويقظة الأدباء نوم؛ لأنهم يشغلون فيها عما يحيط بهم من هذه الحقائق الممكنة الواقعة بما يملأ رؤوسهم من هذه الخيالات والأوهام التي تدنو من نفوسهم حتى تصبح كأنها جزء منها، وتبعد عن متناولهم حتى تصبح كأنها النجوم وهم يعجبون بقربها منهم فيطمعون فيها ويطمحون إليها، وهم يشفقون من بعدها عنهم فيحلون في طلبها ويجدون في إدراكها، ويكلفون في بلوغها أعنف الجهد وأشق العناء.
كان الأديب الفرنسي ملرو إذن نائماً كاليقظان، أو يقظان كالنائم. كان في ساعة من هذه الساعات الحلوة التي يقضيها الأدباء مستمتعين بلونين من الحياة؛ أحدهما مختلط مضطرب شاحب وهو لون الحياة الواقعة، والآخر واضح جلي ناصع وهو لون هذه الحياة التي يحيونها بين الخيالات والأوهام. وإنه لفي ذلك وإذا غانية حسناء رائعة الحسن، جميلة بارعة الجمال، غريبة الزي، لم يرَ مثلها قط فيمن رأى من غانيات باريس وفاتنات غير باريس من المدن الأوروبية التي زارها، بل لم يرَ مثلها فيما رأى من الصور والرسوم التي تنقل للناس ما حفظته ذاكرة التاريخ القديم والمتوسط والحديث من ملامح الغانيات وأشكالهن وأزيائهن.
وكانت تتراءى له من بعيد لا يكاد يراها حتى يفقدها، ولا يكاد يفكر فيها بعد فقدها حتى تتراءى له من جديد؛ فلا يكاد ينظر إليها حتى تستخفي، ولا يكاد يستأنف التفكير فيها حتى تبدو. وكانت إذا تراءت له ملأت الجو من حوله عبيراً وعرفاً لم يحسّ مثلهما قط فيما أحسّ من الأعطار المصنوعة ومن الأعطار الطبيعية، ومن شذى الرياض وعرف الغابات؛ وكانت إذا استخفت ذهب معها هذا العبير إلا بقية ضئيلة تضطرب في الجو كأنها البقية الضئيلة من شعاع الأمل. فكانت نفس الأديب الفرنسي ملرو تتعلق بهذه البقية الضئيلة من العبير، كما تهيم بهذا الشخص الجميل الرائع الذي كان يبدو ويستخفي في سرعة كوميض البرق.
ولو أن هذا الخيال عرض لرجل مثلك أو مثلي على هذا النحو وهو نائم لأيقظه، أو عرض له وهو يقظان لذاد عنه كل وهم أو خيال، ولدفعه إلى حياة عنيفة متنبهة تشبه الجنون. ولكنه لم يعرض لك ولم يعرض لي، وإنما عرض للأديب الفرنسي ملرو. ولهذا الأديب قوة ساحرة – فيما يظهر – تمكنه من مقاومة الحق الذي يوقظ النائمين، ومن مقاومة الوهم الذي يُنيم الأيقاظ، وتمسكه في حال بين الحالين، ومنزلة بين المنزلتين؛ فإذا هو نائم كاليقظان ويقظان كالنائم. وقد دعا إليه سحره هذا، فأعانه السحر على أن يظل على الحدود بين المملكتين: مملكة اليقظة ومملكة النوم، مملكة الحقيقة الباطلة التي يضطرب فيها مثلك ومثلي من الناس، ومملكة الخيال الصادق التي يضطرب فيها الأدباء والشعراء.
وظل في مكانه يرى هذه الجنية ويتنسم عبيرها إذا ظهرت له، ثم يتعلق بما بقي من نشرها ويهيم بخيالها إذا غابت عنه؛ وكأن هذه الجنية كانت تريد أن تعبث بالكاتب الأديب ساعة من نهار أو ساعة من ليل، وما أكثر ما تعبث الجن بأبناء الإنسان! ولكن الأديب الفرنسي ملرو كان من البراعة والمهارة، ومن السحر واللباقة، بحيث استطاع أن يعبث بهذه الجنية الماكرة الماهرة، وأن يكرهها على أن تبيح له سرها وتلقي عنه ما بينها وبينه من الأستار.
وأكبر الظن أن الأديب الفرنسي ملرو إنما تعلم هذا الفن الذي يستغوي به الجن من رياضة بسيطة، ما أجدر أدباءنا وشعراءنا أن يتكلفوها ويأخذوا أنفسهم بها، وهي رياضة الصيد في الأنهار والغدران. فهذه الرياضة تحتاج إلى صبر طويل، طويل جداً، وإلى لباقة ودقة قلما تحتاج إليهما الرياضات الأخرى؛ وقد يمكث الصائد على شاطئ الغدير ساعات طوالاً جداً ينتظر الصيد فيصيبه أو لا يصيبه، ولكنه لا ييأس على أية حال.
ظل الكاتب الأديب ملرو في حالته هذه بين الحالين، وفي مقامه هذا بين المملكتين، وظلت الجنية تبدو له فيستقبلها، وتغيب عنه فيتبعها، حتى سئمت منه هذا الصبر، وضاقت منه بهذا الثبات، واستيأست من ترويعه والعبث به، فوقفت منه غير بعيد وحدّقت فيه تحديقاً طويلاً لو حدّقته في رجل مثلك أو مثلي لملأت قلبه رعباً ولدفعته إلى الجنون دفعاً، ولكن الأديب الفرنسي ملرو ثبت لمنظرها الجميل وتحديقها الطويل، مبتسماً في هدوء ينظر إليها ولا يقول لها شيئاً.
وأخذت هي تدنو منه وتطيل النظر فيه وهو ثابت لا يضطرب، ومستقر لا يريم، حتى إذا كانت منه بمكان النجيّ، سألته في لغة غريبة لم يسمع لفظها قط، ولكنه فهم معناها كما يفهم معاني اللغة الفرنسية حين تُلقى إليه. سألته في هذه اللغة الغريبة وفي ابتسام ليس أقل منها غرابة قائلة:
"مَن تكون؟ لقد عرضتُ لكثير مثلك من الناس منذ عشرات القرون فروّعتهم ترويعاً على اختلاف أجيالهم وبيئاتهم، وتفاوت درجاتهم في العلم والجهل وفي الغفلة والذكاء، حتى اتخذتُ ترويع الناس لذة من أهون اللذات إذا فرغتُ مما أنا فيه من أعمال الجد التي تحملني كثيراً من الألم والعناء. حدثني مَن تكون؟ ولا بأس عليك من أن تجيبني باللغة الفرنسية فسأفهمها عنك، كما تفهم أنت عني الآن هذه اللغة الحميرية التي لا يتكلمها أحد من الناس في هذه الأيام، والتي يجد علماؤكم في قراءتها وتفسيرها واستنباط قواعدها وأصولها مشقة. حدثني مَن تكون أيها الفتى الذي عجزتُ عن ترويعه والعبث به؟".
قال الأديب الفرنسي ملرو وهو ينظر هادئاً مبتسماً إلى هذه الجنية:
"بل حدثيني أنتِ مَن تكونين؟ فإني لم أعرض لكِ وإنما عرضتِ لي، وإني لم أحفل بكِ وإنما حفلتِ بي، وإني لم أدنُ منكِ وإنما دنوتِ مني، وإني لم أحاول سحركِ بلحظ ولا لفظ ولا حركة ولا عبير؛ فما ينبغي لكِ أن تسأليني وإنما ينبغي لي أن أسألكِ. ومع ذلك فإني لم أسألكِ حتى بدأتِني بالسؤال، ومع ذلك فإني قادر على أن أعفيكِ من الجواب وعلى أن أدعكِ تمضين في طريقكِ؛ فما أكثر مَن يعرض لي من أمثالكِ، وما أكثر ما أتحدث إليهن وما يتحدثن إليّ! ولئن فاتني أن أعرفكِ وأسمع من أنبائكِ فقد عرفتُ من قبلكِ خيالات أخرى أستطيع أن أستأنف لقاءها متى شئتُ، وأن أقصّ عليها من أنباء الأحياء وتقصّ عليّ من أنباء الأموات".
قالت الجنية أو قال الخيال:
"ما أشد طغيانكم أيها الناس! إنكم لضعاف أشنع الضعف، ولكن المكر يجعل ضعفكم قوة، وذلكم عزة، وجهلكم علماً. حدثني يا فتى مَن تكون؟ وإلا فإني قادرة على أن أسوءك".
قال:
"بل حدثيني أنتِ مَن تكونين، واستيقني أنكِ لا تقدرين من الإساءة إليّ على شيء، بل أنا قادر إن شئتُ على أن أغلق بيني وبينكِ الباب، وأقطع بيني وبينكِ الأسباب. وأي شيء أيسر من أن أمضي إلى هذه الناحية فإذا أنا في مملكة اليقظة التي لا وهم فيها ولا خيال، وإلى هذه الناحية فإذا أنا في مملكة النوم العميق التي لا تستطيع الأحلام أن تدنو منها أو تجد إليها سبيلاً".
قالت:
"فإني أراكَ على قوتك ذكياً ماهراً، تحسن الحوار وتعرف كيف تقطع الطريق على خصومك ومحاوريك. ما أرى إلا أنك جني قد اتخذتَ شكل إنسان، وما أرى إلا إننا نستطيع أن نتفق فنعبث بالناس جميعاً، ونكيد لهم جميعاً، ونخدعهم جميعاً ساعة من نهار أو يوما من أسبوع".
قال:
"بل أشهراً كاملة من عام كامل، بل عاماً كاملاً من أعوام طوال؛ فحدثيني مَن تكونين أحدثكِ مَن أكون. واعلمي منذ الآن إني أكره ترويع الناس والعبث بعقولهم، فإن الرجل الممتاز حقاً هو الذي يحسن العبث بعقول معاصريه، فإن استطاع مع ذلك أن يعبث بخيالهم وآمالهم وأيديهم وجيوبهم فهو الرجل العبقري حقاً. فحدثيني مَن تكونين أحدثكِ مَن أكون؛ فقد يُخيَّل إليّ أن سيكون لهذه الساعة في حياة الناس شأن".
قالت وهي تبتسم ابتساماً عريضاً:
"وأنا أيضاً أرى هذا. فهل سمعتَ شيئاً من حديث تلك المملكة التي امتلأت بذكرها كتب القصص والتاريخ؟".
قال:
"أي مملكة تريدين؟ فما أكثر المملكات اللاتي ملأ ذكرهن كتب القصص والأدب والتاريخ".
قالت في شيء من الدل:
"وهذا العرف الذي يملأ الجو من حولك، والذي يكاد يذهلك لولا أنك رجل ممتاز لا يعرف الذهول إليه سبيلاً، ألا يدلك على شيء؟".
قال:
"بلى! إنه يدلني على أنكِ قد سريتِ من الشرق؛ فهذا العرف لا عهد لي بمثله إلا في كتب القصص والتاريخ. ألا تكونين قد أقبلتِ من بلاد اليمن، تلك التي تحدث عنها القدماء والمحدثون؟".
قالت:
"قد عرفتَني، فأنا جنية من أرض اليمن، أقبلتُ أعبث ببعض أهل الغرب، وأبحث للجن اليمانيين عن بعض الفرائس فظفرتُ بكَ".
قال:
"بل وقعتِ في يدي، فمن أي بلاد اليمن أقبلتِ؟".
قالت:
"من تلك المدينة العظيمة التي كانت تملكها تلك الملكة القديمة العظيمة".
قال:
"ملكة سبأ؟".
قالت:
"هي هي!".
قال:
"وعلامَ نستطيع أن نتفق؟".
قالت:
"على أن نعبث بالناس شيئاً، ثم نهدي إليهم بعد ذلك ما يعوضهم من هذا العبث أحسن تعويض".
ثم اتصل الحديث بينهما وانقطع، ثم اتصل مرة أخرى وانقطع، ثم أصبح الناس وإذا الأديب الفرنسي ملرو يمر بالقاهرة في طيارة قد أُنشئت له، فيقيم في القاهرة يوماً وبعض يوم ثم يفارقها، ثم تمضي أيام ثم يخفق البرق بأنه قد استكشف مدينة سبأ في أقل من تسع ساعات! طار من جيبوتي فعبر البحر ثم مضى حتى انتهى إلى الربع الخالي، وكانت صاحبته الجنية قد سبقته وضربت له موعداً في تلك العاصمة الجميلة، ورسمت له الطريق التي يجب عليه أن يسلكها رسماً دقيقاً صادقاً.
فلما انتهى إلى موعده صوّر من المدينة ما صوّر؛ لم يهبط إلى الأرض ولكن جنيته صعدت إليه ودلته على أجمل المناظر وأجدرها أن يخلب الناس ويسحر ألبابهم. ثم عاد إلى باريس وقد سبقته إليها الأنباء. والناس من أمره بين الشك واليقين؛ فكتب المقالات وألقى الأحاديث ونشر بعض الصور؛ فأما العلماء فأنكروا – وأي شيء أيسر على العلماء من الإنكار؟ – وأما غير العلماء فصدقوا – وأي شيء أيسر على غير العلماء من التصديق؟
ثم تنتقل الأنباء من أوروبا إلى أمريكا عابرة إليها المحيط، فيضطرب العالم الجديد اضطراباً، وإذا البرنامج كله قد تحقق؛ دهش الناس ثم اضطربوا، ثم صدقوا، ثم اندفعوا، فكان العبث بالعقول، ثم بالخيال، ثم بالأيدي، ثم بالجيوب. فإذا كان شهر نوفمبر فإن البعثة ستعبر المحيط، ثم تعبر البحر أيضاً، ثم تمضي في الصحراء. وما أكثر ما في الصحراء العربية الجنوبية من بقايا المدن القديمة التي عرفها الناس والتي لم يعرفوها.
ومن يدري! لعل هذه الجنية التي تراءت للأديب الفرنسي ملرو أن تبرّ بالوعد وتفي بالعهد، وتهدي إلى العلماء المنكرين وغير العلماء المصدقين مدينة قديمة فيها من الآثار ما يعوضهم من هذا العبث الذي يخضعون له في هذه الأيام تعويضاً حسناً.
لا ينبغي أن ننكر على الأدباء حياتهم هذه التي يمضون فيها مع الخيال والوهم، ويسمعون فيها لأحاديث الجن والشياطين، ويتبعون فيها آمالهم وأمانيهم؛ فإن هذه الحياة لذيذة في نفسها بالقياس إلى الأدباء أنفسهم، وبالقياس إلى الناس حين يسمعون أنباءها. ثم هي في كثير من الأحيان خصبة منتجة؛ تبدأ بالحلم والوهم والأمل، وتنتهي إلى اليقظة والحق واليقين. لا ينبغي أن ننكر على الأدباء حياتهم هذه، وإنما ينبغي أن نتمنى لأدبائنا وشعرائنا حياة مثلها يملؤها الوهم والخيال والأمل، ويملؤها النشاط والجد والعمل والصبر على احتمال الجهد، وعلى احتمال السخرية والاستهزاء بنوع خاص.
الرسالة ٢١ – ٥ – ١٩٣٤ -
أحلام
أحلام
أكانت الأفريكان ورلد على ضآلة قدرها ، وصغر شأنها ، تحلم بأن تُعنى الصحف المصرية بما تكتب هذه العناية التي ظهرت صباح اليوم في السياسة والأهرام ؟
سخر الكوكب أمس مما كتبته الأفريكان ورلد ، وتحدث عن رأيها في الوزارة الائتلافية على أنه حلم من أحلام رئيس الوزراء ، وأمنية من هذه الأماني التي تعبث برأس الرجل الضعيف ، ولا سيما حين يستريح في ظل الأهرام ، حيث تكثر الصور والأشباح التي تؤرّق قومًا ، وترسل الأحلام إلى آخرين .
ولكن السياسة والأهرام لم تسخرا مما كتبته الأفريكان ورلد .
فأما السياسة فالظاهر أنها حرصت على أن تعيد للناس ما لم يشك أحد فيه ، من أن الأحرار الدستوريين أكرم على أنفسهم ، وأحرص على مبادئهم ، من أن يشتركوا مع صدقي باشا في اجتيال تبعات الحكم مهما تكن الظروف .
وأما الأهرام فيظهر أنها نظرت إلى مقال الأفريكان ورلد نظرة عناية وجد ، تعلم الأهرام حق العلم أن هذه الصحيفة لا تستحقها . ومن يدري لعل الأفريكان ورلد إنما اتخذت وسيلة إلى إعادة الكلام في الائتلاف والوزارة القومية ، ولعل الذين ألمّ بهم في اليقظة أو في النوم طيف هذا الائتلاف مع رئيس الوزراء ، هم الذين أوحوا إلى الأفريكان ورلد ، وهم الذين تقدموا إلى الأهرام في أن تعلق على ما كتبت الأفريكان ورلد .
والظاهر أن في الجو المصري الآن روحًا يطوف حول جماعة من الناس ، هو روح الائتلاف مع رئيس الوزراء… ! فقد خابت التجربة ، وأخفقت المحاولات ، وظهر أن الترقيع جهد ضائع ، ولم تبقَ إلا محاولة واحدة ، وهي أن يستقيل رئيس الوزراء مرة ثانية ، ويجدد تأليف الوزارة ، على أن يكون الائتلاف أوسع مما هو الآن ، فيشمل قومًا آخرين غير الاتحاديين والشعبيين ، كما قالت بعض الصحف الإنجليزية منذ أيام .
ما أقدر رئيس الوزراء — رغم مرضه — على سعة الآمال وبعد الخيال ! وكأن رئيس الوزراء لم يتبيّن إلى الآن أن زملاءه وأعوانه وأنصاره لا يمكن أن يكونوا في يوم من الأيام مصدر قوته ، وإنما هو نفسه مصدر الضعف الذي يجده ويريد أن يتخلص منه . ولو اعتدلت آمال رئيس الوزراء ، واقتصد في خياله بعض الشيء ، لعرف أن الوسيلة الوحيدة التي تخلصه من هذا الضعف الذي يشكوه إنما هي أن يتعظ بقول الشاعر القديم:
إذا لم تستطع شيئًا فدعه وجاوزه إلى ما تستطيع
وقد ثبت ألف مرة ومرة أن رئيس الوزراء لا يستطيع الحكم ، وإنما يستطيع الراحة . فلم لا يدع ما لا يستطيع إلى ما يستطيع ؟ فيستقيل ويفرغ لصحته ، ويستريح ويُريح ؟
ولكن آمال رئيس الوزراء أوسع من قوته ، وخيال رئيس الوزراء أبعد من طاقته ، وكثيرًا ما شقي الناس بسعة الآمال وبعد الخيال !
على أن من الغريب ألا يتعظ الإنجليز وفريق من المصريين بالتجارب ، ولا يعتبروا بالحوادث ، وأن يمضوا مع الآمال كما يمضي رئيس الوزراء ، ويستسلموا لخيال كما يستسلم رئيس الوزراء ، ويقدّر كل واحد منهم أن المسألة المصرية لم تزل من المسائل التي يمكن أن تُلتمس لها الحلول العرجاء ، أو تُسلك إليها الطرق الملتوية .
فقد طالما لجأ الإنجليز ومعهم فريق من المصريين إلى الحلول العرجاء فلم يظفروا بشيء ، وطالما سلك الإنجليز ومعهم فريق من المصريين هذه الطرق الملتوية فلم ينتهوا إلى شيء… بل انتهوا إلى الفشل والإخفاق ، واضطروا إلى أن يستأنفوا السعي ، وكأنهم لم يسعوا ويجدوا في التماس الحل ، وكأنهم لم يلتمسوه من قبل !
ومصدر هذا الاضطراب والتورط في هذه المحاولات العقيمة أن الإنجليز وأعوانهم من المصريين لا يريدون أو لا يستطيعون أن يعترفوا بالحقيقة الواقعة ، وهي أن الأمة المصرية موجودة حقًّا ، شاعرة بوجودها حقًّا ، جادة في طلب استقلالها حقًّا ، متنبهة لما يُراد بها من الكيد حقًّا . فهي لا تُؤخذ على غِرّة ، ولا تُخدع بالأماني والآمال ، وهي لا تُؤخذ بقوة ولا بعنف ، ولا تقبل إلا ما ترضاه هي ، لا ما يُراد لها .
وإذن فلن يكون ما بينها وبين الإنجليز حل صحيح منتج إلا أن تشترك هي في هذا الحل . وإذن فالدوران حولها لا يفيد ، ولا خير في هذه المحاولات التي جُرّبت مرارًا منذ كانت الحركة الوطنية ، فلم تنتهِ إلا إلى ما أرادت الأمة نفسها .
نعم إن مذاق هذه الأمة مرّ على الإنجليز ، ولكنهم مضطرون إلى أن يحتملوا هذه المرارة ، وإلا فالأمر باقٍ على ما هو عليه . وهم مهما يفعلوا فلن يزيدوا على تأجيل اليوم الذي يذوقون فيه هذه المرارة ، ويعترفون بأن أمور مصر يجب أن تُرد إلى مصر ، وبأن الاتفاق يجب أن يكون مع الأمة المصرية .
نعم إن من المصريين من يحبون الحكم ، ويتعجلون الوصول إليه ، ويظنون كما يظن الإنجليز أن خداع هذه الأمة أمر يسير ، وأن من الممكن أن تُزيّن لها الألفاظ فتُغرّها وترضيها بما لا ترضى . ولكن هؤلاء المصريين قد رأوا وزارات قامت على هذا الخداع فلم تصنع شيئًا ، وهم يرون الآن وزارة تقوم على تزيين الألفاظ حينًا ، وعلى العنف والعسف حينًا آخر ، فلا تصنع شيئًا رغم البقاء الطويل والتأييد القوي المتصل .
إن الزمن لا يمضي عبثًا ، ولا يذهب سدى . ولعل خير ما أنتجه مرّ الغداة وكرّ العشي في هذه الأيام عندنا هو أنه لم يبقَ أمل لرجل له حظ من العقل والتفكير في أن يأخذ مصر بغير ما تريد . فأجدر بالإنجليز وأصدقائهم من المصريين أن يواجهوا هذه الحقيقة الواقعة في شجاعة وحزم ، وزهد فيما يُغرّ ويخدع من الأماني والأحلام…
يذكرون الائتلاف، فعلامَ يقوم هذا الائتلاف ؟ وبين من يكون هذا الائتلاف ؟ وأيُّ طريقٍ تُسلك إلى تحقيق هذا الائتلاف ؟ وعمن تصدر الرغبة في هذا الائتلاف ؟ أيقوم الائتلاف على حل الأزمة الاقتصادية ؟ ولكن هناك أزمة سياسية يجب أن تُحل، وهي معقدة، شديدة التعقيد، تتصل بعلاقاتنا مع الإنجليز، وتتصل بالدستور ونظام الحكم.
وإذن فهل يقوم هذا الائتلاف على الاقتصاد دون السياسة ؟ ولعل الأزمة السياسية عندنا هي أكبر المؤثرات في الأزمة الاقتصادية، فإن قام الائتلاف على حل الأزمة السياسية، فبأي الأزمتين يُراد الابتداء ؟ أبا لأزمة الخارجية بحيث يُحسم ما بيننا وبين الإنجليز قبل كل شيء ؟ أم بالأزمة الداخلية بحيث يُرد إلى البلاد دستورها قبل كل شيء ؟ وعلى كلتا الحالين فمن يكون الائتلاف ؟ أمن الأقليات المختلفة التي تمثلها الأحزاب المتباينة بحيث تحكم القلة وتقف الكثرة موقف المعارضة كما هي الحال الآن ؟ وإذن فأي شيء تغيّر ؟ وماذا يصنع المؤتلفون ؟ أو متى كان الحكم للقلة والمعارضة للكثرة ؟ أم تأتلف القلة والكثرة فلا يكون هناك حكام ومعارضون ؟
وإذن فمن أين تصدر الرغبة في هذا الائتلاف ؟ أمن المصريين أنفسهم ؟ وإذن فيجب أن تُسمع في ذلك كلمة للكثرة قبل أن تُسمع أي كلمة أخرى. أم تصدر هذه الرغبة من الإنجليز فيُملى علينا الائتلاف منهم إملاءً ؟ ! وإذن فأين تكون الكرامة القومية، ومن ذا الذي زعم أن للأجنبي أن تكون الوزارات مؤتلفة أو غير مؤتلفة في البلاد المستقلة ؟
كل هذه مسائل يجب أن يدرسها الذين يفكرون في الوزارة الائتلافية أو في الوزارة القومية. وهم إن فكروا فيها عرفوا أن هناك شرطًا لا بد منه قبل الكلام في وزارة ائتلافية أو قومية، وهو أن تُرد لمصر حريتها، فتستقيل الوزارة القائمة، وتعود الحياة النيابية الحرة يومئذٍ ، ويومئذٍ فحسب، يمكن التفكير الجدي الصادق في الائتلاف. يومئذٍ تصدر الرغبة في الائتلاف عن الشعب المصري الحر، وتصدر هذه الرغبة في وضح النهار، وتحت أعين الناس جميعًا، لا يوصي بها أحد، ولا يُمليها أحد، ولا تصدر في ناحية من الأنحاء.
وإلى أن يأتي هذا اليوم الذي تستطيع مصر أن تفكر فيه حرةً كريمةً مستقلة الرأي، يجب أن تجتمع كلمة المصريين على مقاومة الوزارة القائمة والذين يؤيدونها من الإنجليز.
سيقولون: ولكن الائتلاف هو الوسيلة إلى إسقاط الوزارة، والتخلص من ثقلها. فمن الذي يشترط هذا الشرط ويُلِحّ فيه ؟ أهم الإنجليز ؟ وإذن فلندعهم وما يشاءون حتى يجدوا أنفسهم في المأزق الذي لا مخرج منه إلا بالنزول عند إرادة الأمة.
قد يكون هذا طويلًا، وقد تُحتمل فيه الآلام، ولكن الجهاد السياسي ليس عبثًا ولا لعبًا. ومن لم يعرف الصبر واحتمال الألم وطول الانتظار خليقٌ أن لا يتورط في سياسة الشعوب…
لست أكره الائتلاف، ولا الوزارة القومية، ولعلي أحبهما وأتمناهما، ولكني أحب ائتلافًا يصدر عن إيمان الأمة ورغبتها. أحب ائتلافًا يصعد من الشعب ولا يهبط عليه. وما رأي أنصار الائتلاف في حلٍّ أرى أنه من العدل الذي لا حيف فيه، والقصد الذي لا يتعرض لشك ولا يحتمل تأويلًا ؟ ما رأيهم في أن تستقيل الوزارة القائمة قبل كل شيء، وفي أن يُمهد لانتخاب حر بعد ذلك، وفي أن يكون الائتلاف والوزارة القومية موضوع الانتخاب ؟
ويتقدم أنصار الائتلاف والوزارة القومية إلى المصريين برأيهم، ويتقدم خصوم الائتلاف والوزارة القومية إلى المصريين برأيهم هذا. فأي الفريقين انتصر في الانتخاب الحر الشريف، فإليه أمور مصر كلها في حدود الدستور، يقضي فيها دون أن يتعرض لريبة أو شك أو اتهام.
أظن أن عرض المسألة على هذا النحو خليقٌ أن يزيل الخلاف حول الائتلاف، وأن يجمع كلمة الذين يحرصون على أن يكون حل المسألة المصرية معتمدًا قبل كل شيء وبعد كل شيء وفوق كل شيء على إرادة الأمة، خالصة من كل شائبة، بريئة من كل شبهة، آمنة من كل تأثير.
فليتعاون خصوم الوزارة بالصبر والصدق في الجهاد والمقاومة حتى يكشف الله ضرها عن مصر، ثم ليحتكموا بعد ذلك إلى الأمة في الوزارة التي تحل مشكلاتها الكبرى: أهي الوزارة الحزبية أم الوزارة القومية ؟
كوكب الشرق – ٣\٤\١٩٣٣