Tag: economics

  • حقائق

    حقائق
    ليست خيالاً ولا وهماً، وليست ظناً ولا ترجيحاً، وإنما هي حقائق لا تقبل الشك، ولا تحتمل النزاع، هذه التي رفعها صاحب السعادة أحمد عبد الوهاب باشا وكيل المالية إلى رئيس الوزراء حين طلب إليه أن يدرس حالتنا المالية ليتبين أيمكن أم لا يمكن البدء في تنفيذ هذا المشروع الذي اضطربت له البلاد وما زالت تضطرب، لا أقول منذ عام، بل منذ زمن طويل، وهو مشروع جبل الأولياء.
    حقائق واقعة لا تقبل الشك، ولا تحتمل الجدال، هذه هي التي يستطيع القراء أن يقرؤوها ويتدبروها في غير هذا المكان من الكوكب. وما كان لي أن أتحدث عن هذه الحقائق أو أن أنالها بالتفسير والتأويل، فقد أوتي عبد الوهاب باشا من الكفاية والبراعة ما يمكنه من أن يتحدث عن أشد الأشياء غموضاً، فإذا هي واضحة جلية، لا تحتاج إلى إطالة النظر ولا إنعام التفكير، إنما أريد أن أقف عند ملاحظات سياسية تثيرها قراءة هذا التقرير الذي كتبه عبد الوهاب باشا.
    وأولى هذه الملاحظات أن الناس كانوا يعجبون من تلكؤ الوزارة في الرد على استجواب المستجوبين حين قدموه إلى مجلس النواب، وكانوا يتساءلون: مم تخاف الوزارة؟ وفيم تتثاقل؟ وما لها تطلب الإرجاء إلى غير أجل؟ وما لها يحرجها المستجوبون فلا تستطيع أن تخلص من الحرج إلا بطلب الإرجاء إلى أن يستطيع رئيس الوزراء نفسه أن يرد على هذا الاستجواب؟!
    كان الناس يعجبون، ويلقي بعضهم على بعض هذه المسائل، ويقول بعضهم لبعض إن الوزارة لم تعجز عن أن تحمل النواب على إقرار المشروع في الدورة البرلمانية الماضية، فماذا يخيفها من هذا الاستجواب؟ وماذا عسى أن يكون لرأي وكيل المالية من الخطر المخيف؟ وكان الناس أيضاً يتحدثون في هذه الطريقة الغريبة المخالفة للدستور التي اختلست بها ميزانية الأشغال اختلاساً من مجلس النواب فلم يصوت على هذه الميزانية إلا خمسة وثلاثون عضواً من خمسين، ومائة عضو يمثلون مجلس النواب.
    وكان الناس يتحدثون أيضاً عن إباء الحكومة وإلحاحها في أن تؤجل ميزانية الأشغال حتى يكون الرد على هذا الاستجواب. كان الناس يعجبون لهذا كله ويتحدثون في هذا كله، ويقول بعضهم لبعض يجب أن يكون في الأمر شيء ذو خطر، لأن وزارة صدقي باشا لم تتعود الخوف إلا من الأشياء المخيفة حقاً، فقد ظهر الآن مصدر هذا كله، وظهر الآن أن الإقدام على هذا المشروع في هذه الآونة ليس إسرافاً ولا خطأً، وإنما هو اضطرار لمصر إلى كارثة مالية واقتصادية لا سبيل إلى أن تعرف حدودها أو تضبط نتائجها الخطرة المنكرة.
    هذا وكيل المالية يقرر أن تعلية خزان أسوان تستتبع أعمالاً ضخمةً في الري وتكلف الدولة ملايين يرتاع الإنسان لذكرها. وهذا وكيل المالية يقرر أن عند وزارة الأشغال مشروعات أخرى غير التي ذكرها، أقرها مجلس الوزراء في سنة ١٩٢٩، وأن هذا كله يكلف الدولة ملايين تضيق بها مواردها العادية في أوقات الرخاء، فكيف بها في أوقات الشدة والضيق؟ ثم هذا وكيل المالية يقطع في غير تردد ولا اضطراب بأن البدء في مشروع جبل الأولياء غير ممكن الآن من الناحية الاقتصادية والمالية حتى تفرغ البلاد من تعلية خزان أسوان، وما تستتبعه من الأعمال الضخمة والنفقات التي تروع الأغنياء فضلاً عن المأزومين. ثم هذا وكيل المالية يخاف وينبئنا بأن رئيس الوزراء نفسه يخاف معه من عجز وزارة الأشغال عن أن تجد الرجال الفنيين الذين ينهضون بمشروعاتها في مصر فضلاً عن مشروعاتها في السودان، فكيف لا تضطرب الوزارة إذا طلب إليها أن تعرض على مجلس النواب رأي وكيل المالية؟ وأكبر الظن أن هذه الحقائق لو عرضت على مجلس النواب، وخلي بينه وبين حرية الرأي، ولم تؤثر فيه الاعتبارات السياسية الخالصة لأبى أن يأذن للوزارة بالبدء في هذا المشروع الآن.
    وملاحظة أخرى يثيرها هذا التقرير الذي كتبه وكيل ماليتنا النابغة، وهي أن الوزارة قد أساءت إلى نفسها حين لم تتدبر هذا التقرير كما ينبغي، وحملت نفسها عبئاً قد تنهض بثقله، الآن، لأن الحكم يلهيها عن التبعات، ولكنها لن تستطيع أن تنهض بهذا الثقل يوم تنزل عن مناصب الحكم، ويوم يخلو كل واحد من أعضائها إلى نفسه، ويوم يرى كل واحد من أعضائها ما ستتورط فيه البلاد من الشر حين يبدأ في هذا المشروع.
    أساءت الوزارة إلى نفسها ولم تحسن إلى البرلمان فقد كان يجب عليها أن تظهره على هذه الحقائق ليقر هذا المشروع أو يرفضه على بصيرة وعلم بدخائل الأمور.
    وملاحظة ثالثة يثيرها هذا التقرير، وهي مداورة رئيس الوزراء في رده على المستجوبين وحرصه على أن يؤكد أن عبد الوهاب باشا لم يناقش المشروع من ناحيته الفنية. ومن الذي زعم أن رجال المال والاقتصاد مضطرون إلى أن يناقشوا مثل هذا المشروع من الوجهة الفنية الخالصة، إنما واجب هؤلاء الناس أن يناقشوا مثل هذا المشروع من الوجهة الفنية حين ترتبط بما سيطلب إليهم من تدبير المال، وقد قال عبد الوهاب باشا في ذلك رأيه صريحاً جلياً، لا عوج فيه ولا اضطراب.
    وعبد الوهاب باشا أبقى في وزارة المالية من رئيس الوزراء، لأنه رجل فن، لا رجل سياسة، وتبعات عبد الوهاب باشا في هذا وأمثاله أثقل من تبعات رئيس الوزراء، لأن رئيس الوزراء سيستقيل غداً أو بعد غد، ويبقى عبد الوهاب باشا ليواجه المصاعب المنكرة التي ينشئها له الوزراء معتزين بمسؤوليتهم أمام البرلمان.
    فمن الحق إذن على رئيس الوزراء أن يضع الآراء الفنية لوكيله فوق الاعتبارات السياسية مهما تكن، وأن يظهر البرلمان على هذه الآراء الفنية ليعلم البرلمان ما يأتي وما يدع من الأمر.
    ومهما يكن من شيء فقد كان عبد الوهاب باشا ناصحاً للأمة والحكومة معاً، ناهضاً بواجبه على خير ما ينهض به الرجل الكفء الذي يضع عمله الفني بمعزل أمين حصين من الأهواء السياسية واعتباراتها.
    وكانت الوزارة شجاعةً حقاً، جريئةً حقاً، وأي شجاعة أشجع، وأي جرأة أجرأ من أن تمضي في إقرار هذا المشروع وتنفيذه رغم هذه الحقائق التي يملؤها الروع.
    أما الأمة فتظن أن الوزارة توافقنا، وأن عبد الوهاب باشا يوافقنا أيضاً حين نقول إن أمرها إلى الله.
    كوكب الشرق في ٩ – ٥ – ١٩٣٣

  • أحاديث

    أحاديث
    إذا أَعسرت الحكومةُ والشعبُ موسِر، كانت عاجزة، وإذا أيسرت الحكومةُ والشعبُ معسِر، كانت طاغية. وإنما يصلح أمر الحكومة ويعتدل بين العجز والطغيان حين تكون الملاءمة بين ثروة الحكومة وثروة الشعب. وكل ما يمكن أن يُطلب إلى الحكومات في أيام العسر والأزمة هو أن تُدبِّر أموالها وتحسن التدبير، حتى لا يخنقها الضيق ولا يضطرها العسر إلى الإفلاس.
    والظاهر أن حكومتنا تكره العجز ولا تحب الفقر، والظاهر أيضًا أنها تكره الملاءمة بين حياتها وحياة الشعب. وقد رأت الشعب فقيرًا فأبت إلا أن تكون غنية، ورأته معسرًا فأبت إلا أن تكون موسرة، ورأته مضطرًا إلى الجوع والحرمان فأبت إلا أن تصيب من الترف ما يباح وما لا يباح. حتى إذا انتهى العام المالي أو كاد، أعلنت إلى الشعب في شيء من التحدي والازدراء أنها، على إسرافها وإسرافها، قد استطاعت أن توفر ثلاثة ملايين ونصف مليون، بينما كثير من الناس يتلظّون جوعًا، ويصلون نار المتربة والحرمان.
    ولم يكد الناس يقرؤون ما نشرته الصحف أمس من أن حساب الدولة قد أظهر أن دخلها قد زاد على خرجها هذه الملايين، حتى أقبل بعضهم على بعض يتساءلون: إذن ففيم كان الإرهاق للشعب؟ وفيم كان التضييق على مرافق الدولة التي لا بد من التوسعة عليها؟ وفيم كانت هذه الجهود التي بُذلت عند المصارف؟ وفيم كانت هذه الاتفاقات التي أُبرمت مع المصارف؟ وفيم كان هذا القرض الذي عُقد لكف أيدي المصارف عن الناس؟ وفيم الاستمرار على جباية طائفة من الضرائب يشكو الناس منها ويضيقون بها، ويلحون في أن يُرفع عنهم شرها ويُكشف عنهم ضرها؟ وفيم تشريد الطلاب والتلاميذ حين يعجز آباؤهم وأولياؤهم عن أداء المصروفات أو جزء من المصروفات؟ وفيم رفع المصروفات في كلية الطب وتقاضي ما زيد فيها من طلاب السنة الثانية التي كان يجب إعفاؤهم من هذا المزيد؟ وفيم إلغاء ثلث الكراسي في كلية الآداب؟ وفيم إثبات هذه القاعدة المخزية في ميزانية الجامعة، وهي أن بعض الكراسي التي يشغلها الأجانب تنحلّ إلى مناصب أساتذة مساعدين إذا شغلها المصريون؟ ثم فيم التضييق على الموظفين، أو بعبارة أدق على بعض الموظفين، هؤلاء الذين توقفت حقوقهم في العلاوات والترقيات رغبةً في الاقتصاد، وإشفاقًا على خزانة الدولة من العسر، بل من الإفلاس، ثم لا يمنّ اللّٰه عليهم باستثناء من هذه الاستثناءات التي تسقط على بعض الموظفين الآخرين، كما يسقط الندى على أزهار الربيع؟
    أقبل الناس بعضهم على بعض يتساءلون: فيم هذا كله إذا كانت خزانة الدولة مكتظة بالمال إلى هذا الحد؟ وأقبل بعضهم على بعض يتحدثون أيضًا بأن من الفلاحين من يبيع ماشيته ليؤدي المصروفات عن أبنائه، وبأن من الفلاحين من بيعت حتى آنيتهم اليسيرة لأداء الضرائب، وبأن من الفلاحين من عبثت بأجسامهم السياط فمزقتها تمزيقًا، ومن عبثت بقلوبهم اللوعة فحرقتها تحريقًا، وبأن من الفلاحين من شُدّ بعضهم إلى بعض في حبل، وسيقوا إلى مركز الشرطة، تلهب جلودهم السياط إن تلكأوا وأبطؤوا. وبأن من أهل المدن من تضيق بهم الحال، وتنقطع بهم أسباب العيش، حتى ليقضون بياض النهار وسواد الليل لا يجدون ما يأكلون، ولا يجدون ما يُلهون به صغارهم عن ألم الجوع. وبأن هذا الحرمان المنكر قد أخذ يعبث بالناس في بعض أحياء القاهرة حتى ظهر فيها التيفوس، وحتى هجم هذا التيفوس على مستشفى القصر العيني وكلية الطب فأصاب فريقًا من الأطباء ونفرًا من الطلاب والطالبات. وبأن كثيرًا من الأغنياء الذين لم يعرفوا البؤس قد ذاقوا مرارته، وتجرعوها، واحتملوا ألوانًا من الذل في الاقتراض، يلتمسونه في هذا المصرف فيأبى، ويلتمسونه في ذاك المصرف فيردهم خائبين، وما تعودوا قط أن يسألوا، وما تعودوا قط أن يذوقوا ألم الرد والاعتذار.
    أقبل الناس بعضهم على بعض يتساءلون: فيم هذا كله إذا كانت خزانة الدولة غنية هذا الغنى، مثرية هذا الإثراء، موفورة الحظ، لا من الألوف ولا من مئات الألوف، بل من الملايين؟! وأخذ بعضهم يجيب بعضًا بطائفة من الأجوبة لا يسر الحكومة أن تعرفها لو أن الحكومة تشعر بما يشعر به الشعب من ألم، ولو أن الحكومة تجد ما يجد الشعب من أذى، ولو أن الحكومة تحسب لما يدور في نفس الشعب حسابًا.
    قال بعضهم إن الإنجليز تعصرهم الأزمة، وهم يعصرون الحكومة المصرية، كما قالت الأهرام منذ أسابيع، والحكومة مضطرة أن تعصر الشعب، فتستصفيه من هذه البقرة الحلوب التي تسمى مصر، يستصفيه منها الإنجليز فيما يريدون أن ينهضوا به من الأعمال في السودان وفي الحبشة.
    وقال بعضهم إن ذاكرة المصريين قصيرة، فهم قد نسوا أن الصحف الإنجليزية في الصيف الماضي، وفي الخريف الماضي، تحدثت فأطالت الحديث عن وزير الأشغال السابق، وعن بعض المقاولين، وعن مشروعات هائلة للري وغير الري ستُنفق فيها الملايين والملايين. فلم يكن بد إذن من أن تُهيّأ الأموال وتُدخر، حتى إذا تهيأ الإنجليز للأخذ في هذه المشروعات كانت الأموال مهيأة مرصدة، فانتفعت الشركات الإنجليزية، واندفعت إلى الانتفاع، ووجدت منها الوزارة المصرية في بلاد الإنجليز أعوانًا لها على البقاء في مناصب الحكم.
    وقال بعضهم الآخر: ليس المصري قصير الذاكرة فحسب، ولكنه سريع الانخداع؛ تعبث به الألفاظ وتستهويه الوعود، فيصدق ما لا يجب تصديقه، ويؤمن بما لا يجب الإيمان به. زعموا أن طرائق الحكم في هذا العصر الحديث قد تغيرت، فأصبح الشعب لا يُستغل ولا يُستذل، ولا يُسخر لمنفعة سادته ومواليه، وإنما تُدبر أموره لنفسه، وتُجبى منه أمواله لتُرد عليه. ورأى المصري هذا واقعًا في البلاد الأوروبية، وسمع أن بلده قد أصبح جزءًا من أوروبا، فانخدع، وظن أن أموره ستجري كما تجري أمور الأوروبيين، وأن وزارته قد قامت لتخدمه لا لتظلمه، وأن أمواله تُجبى منه لتنفق عليه، وتُرد عنه السوء إن تورط فيه.
    حتى إذا كانت هذه الأيام السود، نظر إلى الوزارة فإذا هي تقطب له الجبين، ودعا الوزارة فإذا هي تضع الأصابع في الآذان، وألحّ على الوزارة فإذا هي تعلن الفقر، وتعلن الإعدام، وتلح في إعلانها. ثم لم تكتفِ الوزارة بالتقطيب له والإعراض عنه والإباء عليه، بل أقبلت عليه تستعينه على أزمتها، وتلتمس منه أن يكشف عنها ضر الفقر والإعدام، فإن عجز عن ذلك كذبته وعذبته، واضطرته إلى أن يكون عندها ما تريد. وقد احتمل التكذيب، وخضع للتعذيب، وأدى من راحته وأمنه ودمه ما طُلب منه، ثم نظر فإذا هو بائس، وإذا الحكومة ناعمة، وإذا هو معسر والحكومة موسرة، وإذا هو يلتمس القرش وبعض القرش إن كان فقيرًا فلا يجده، ويلتمس الجنيه أو بعض الجنيه إن كان غنيًا فلا يظفر به، وإذا الحكومة قد وفرت ثلاثة ملايين ونصف مليون في أقل من عام!
    ظن المصري المخدوع أنه يحكم لنفسه، فإذا هو يحكم لغيره! واعتقد المصري المغرور أن الوزارات قد قامت لتخدمه، فإذا هي قد قامت لتهضمه! وآمن المصري الغافل بأن طرائق الحكم قد تغيرت، وبأنه قد أصبح سيدًا راشدًا مالكًا لأمره، فإذا طرائق الحكم هي هي كما كانت في العصور القديمة؛ تغيرت أشكالها ولم تتغير حقائقها، وإذا هو كما كان في العصور القديمة مسودًا قاصرًا، لا يملك لنفسه نفعًا، ولا يدفع عن نفسه ضرًّا. وإنما أموره كلها إلى سادته المعصومين، الذين يقضون في أمره وفي أمواله كما يريدون، لا كما يريد!
    تحدث الناس بعضهم إلى بعض بهذه الأحاديث المرة التي تنقطع لها القلوب، وتتصدع لها الأفئدة، وتذوب لها النفوس. وزاد أحاديثهم مرارة، وآلامهم لذعًا، أن الوزارة تفاخر بهذا الاقتصاد، وأن حاشية الحكومة تتمدح بهذه الثروة الحكومية، والشعب معسر معوز معدم، تلفحه الفاقة ويحرقه الجوع.
    وأصبح الناس اليوم، وسيمسي الناس اليوم، وسيصبحون غدًا ويمسون، وفي مصر صوتان يسمعهما الشعب: صوت ينكر غنى الحكومة وبؤس الأمة، وصوت يحمد غنى الحكومة ويراه مفخرة لرئيس الوزراء. وهذان الصوتان يقعان من نفس الشعب مواقع مختلفة، ولكنهما كليهما ينتهيان إلى نتيجة واحدة، وهي إحساس الشعب بأنه بائس تعس، مستغل مستذل، يرثى له قوم، ويسخر منه قوم آخرون.
    ونتيجة هذا الإحساس المؤلم الذي يجده الشعب، والذي يتغلغل في طبقات الشعب كلها، سيئة منكرة، يعرفها رئيس الوزراء، ويقدرها إذا خلا إلى نفسه، ولكنه لا يريد أن ينزل عندما تقتضيه من المواقف، وعندما تدعو إليه من الاستقالة والتنحي عن الحكم لقوم آخرين هم أرفق بالشعب وأعطف عليه، وأرحم له من أن يدعوه في هذا البؤس والعسر والفاقة، بينما تقتصد الحكومة ثلاثة ملايين ونصف مليون!
    كل شيء في مصر الآن مؤلم محرج، يثير حفيظة الشعب، ويملأ قلبه مرارة وحزنًا: حكومته غنية وهو فقير، حكومته مترفة وهو بائس، حكومته مسرفة وهو لا يجد ما ينفق. ثم يفكر الشعب فيرى رئيس وزرائه يستمتع بما لا يستمتع به المصري العادي، يعمل أشهرًا ويقتضي أجر سنة! ومع ذلك فبين المصريين من يعملون ويجدّون ثم لا يقتضون شيئًا، وبين المصريين من يصيبهم المرض، فإذا ظهر أنه مانع من العمل أُبعدوا عن أعمالهم، وإذا ظهر أن علاجه قد يطول أُنقصت أجورهم. فماذا بال رئيس الوزراء لا يكون كغيره من الناس؟ ما باله لا يعتزل العمل إن كان مرضه لا يمكنه من المضي فيه؟ وما بال أجره لا ينقص كأجر غيره من الموظفين إن كان علاجه يحتاج إلى زمن طويل؟ وما بال مصالح الدولة كلها توكل إلى من لا يستطيع أن ينهض بها أو يقوم عليها؟
    اللّٰه يشهد ما نحب لرئيس الوزراء إلا أن يكون كغيره من الناس في كل شيء: في نتائج الصحة، وفي نتائج المرض، وفي نتائج القدرة، وفي نتائج العجز.
    كل شيء مؤلم ممضٍّ في مصر الآن: حكومة غنية، وشعب بائس؛ رئيس وزارة يمتاز في مرضه من بقية الناس، بل من بقية رؤساء الوزارات؛ وموظفون في الدواوين يُوكَل بكل مهم الخدم والخادمات. والمصريون خارج الحكومة يجدّون ويجهدون، ويحتملون ألوان المكروه لعلهم يعيشون، فتضيق بهم الحياة، وتتقطع بهم الأسباب، وتفتح أمامهم أبواب من اليأس، فإذا نظروا منها رأوا من الآثام والسيئات ما لا نحب أن نتحدث عنه أو أن نفكر فيه!
    كوكب الشرق ٢٤\٤\١٩٣٣

  • عناد

    عناد
    زعم المصريون أن المستشار المالي نصح للحكومة المصرية ألا تتعجل إنشاء خزان جبل الأولياء، ثم أكد المصريون هذا الزعم وجعلوه يقينًا، ثم نشرته الصحف! وطلبت وطلبنا معها إلى الحكومة أن تبين للناس وجه الحق فيه. وقد أخذ الإنجليز يزعمون وينشرون كما كان المصريون يزعمون وينشرون أن المستشار المالي لا ينصح بالمضي في هذا المشروع الآن. وكل شيء يدل على أن الإنجليز سيستيقنون بعد ما زعموا كما زعم المصريون ثم استيقنوا. وإذن فمن المحقق — إلى أن تقول الحكومة المصرية غير هذا — أن الرجل الذي تصر الحكومة الإنجليزية على بقائه في منصبه بمصر رقيبًا على تصرفات مصر المالية، لا يريد أن يحتمل تبعة الصمت على هذا التصرف الغريب في هذه الأزمة المنكرة. ومعنى هذا كما قلنا من قبل أن المستشار الإنجليزي لا يتردد في أن يقهر عواطفه الإنجليزية، ويعرض عن المنافع الإنجليزية، ويعلن إلى الحكومة رأيًا مكتوبًا، وهو الأصح بتأجيل المشروع الآن.

    كل هذا حق إلى أن تنفيه الحكومة نفيًا صريحًا واضحًا، لا يحيط به من الغموض والإبهام مثل ما أحاط بموقف وزير الأشغال من هذا المشروع. وإذن فقد تمضي الحكومة في إنشاء الخزان دون أن يحتمل الإنجليز في ذلك تبعة ما، بعد أن نصح مثلهم الرقيب على تصرفاتنا المالية بالتريث والأناة نصحًا لا لبس فيه ولا غموض. فإذا كانت هناك تبعة فمصر الرسمية وحدها هي التي تحتمل هذه التبعة، لأن الشعب قد كره المشروع وأعلن كرهه وألح في العدول عنه أو في تأجيله، ولأن الإنجليز — على حبهم للمشروع وكلفهم به وانتظارهم المنافع المختلفة من ورائه — قد نصحوا على لسان المستشار المالي بتأجيله والتريث فيه.

    وليس يعنينا كما قلنا من قبل أن تكون نية الإنجليز صادقة أو غير صادقة حين قدموا هذا النصح، ولا أن يكون هذا النصح ملائمًا أو غير ملائم لأمانيهم ودخائل نفوسهم. وإنما الظاهر من أمرهم الرسمي وحده هو الذي يعنينا. وإذا كان الشعب المصري الذي سينفق على هذا المشروع، والذي سيحتمل آثاره الضارة أو سينعم بآثاره النافعة، يكرهه ويلح في العدول عنه، وإذا كان الإنجليز أنفسهم ينصحون بتأجيله واصطناع الأناة في تنفيذه، فمن الحق على كل عاقل أن يسأل: وإذن فما مضي الحكومة في هذا المشروع؟ ولمن تريد الحكومة أن تقيم الخزان وقد كرهه المصريون وأظهر الإنجليز الزهد فيه؟

    من الحق على كل عاقل أن يسأل هذا السؤال، ومن الحق على الحكومة أن تجيب على هذا السؤال، وأن تجيب عليه في صراحة ووضوح. ونظن أن الحكومة توافقنا على أن ذلك العصر الذي كانت تُكره فيه الشعوب على ما لا تريد إكراهًا، والذي كان سادتها وقادتها يعلنون فيه أنهم ينفعونها رغم أنوفها، ويحققون لها الخير على كره منها، قد انقضى وعفت آثاره. وأصبحت الشعوب الآن تقدر حقها في أن تريد أو لا تريد، وفي أن تنتفع أو لا تنتفع. وقد عصفت الحياة الحديثة بعصمة السادة والقادة، ونزعتهم عن الخطأ، فأصبحوا رجالًا كغيرهم من الناس، لا تكسوهم المناصب سيادة على الأمم، ولا تمكن لهم في الأرض، ولا تتيح لهم أن يكرهوا الشعوب على ما لا تريد. أصبحوا قومًا تأجرهم الشعوب ليحققوا لها آمالها ومنافعها العامة كما تريد هي، لا كما يريدون هم. فإن اتفقت آراؤهم مع آراء الشعوب فذاك، وإلا وجب عليهم الإذعان لرأي الشعوب والتخلي عن مناصبهم.

    انتقلت السيادة من الحكام إلى المحكومين في هذه الأيام، وأصبح المحكومون هم السادة، وأصبح الحاكمون عمالًا يعملون بأمرهم وينفذون قضاءهم. وأنا أعلم أن هذا كلام قد تبتسم له الحكومة في ضرب من الاستهزاء والسخرية، لأنها لا ترضاه ولا تؤمن به، ولكني أعلم أيضًا أن هذا الكلام هو وحده الذي يرضاه الشعب ويؤمن به، ويطمئن إليه، ويراه مرآة صادقة لما يملأ نفسه من الشعور بسيادته وحقه الخالص في الإشراف على الأمور العامة.

    الشعب إذن لا يريد هذا الخزان الآن، والإنجليز لا يلحون فيه ولا يصرون عليه، فلمن تقيمه الحكومة؟

    ولندع النظريات، فلو قد مالت الحكومة إلى تصور الصلة بينها وبين الشعب على هذا النحو الذي وصفناه، والذي يقوم على سيادة الشعب وحده، لأراحت نفسها من اللوم المتصل، ولأراحتنا نحن من عهدها هذا الطويل السعيد، ولتخلت عن الحكم ومناصبه منذ عهد بعيد.

    لندع إذن هذه النظريات، ولنسأل الحكومة عن الفائدة العملية التي تنتظرها هي لنفسها من إقامة هذا الخزان بعد أن ظهر في وضوح وجلاء أن الأمة لا تنتظر الآن منه خيرًا. إنما تقدم الحكومة على الأعمال الخطيرة لأمرين: إما لتحقيق منفعة شعبية عامة، وإما لتحقيق منفعة سياسية خاصة. فما هذه المنفعة السياسية الخاصة التي تريد الحكومة تحقيقها بإقامة هذا الخزان؟

    كأن الناس يقولون إن الحكومة تتقرب بهذا الخزان إلى الإنجليز لتستطيع الوزارة أن تبقى في مناصبها، ولكن الإنجليز لا يلحون الآن في هذا الخزان، فهل ترى الحكومة أن من الكرامة أن تسرف في الإلحاح إلى حيث تضع نفسها موضع الذي يريد أن يكره الإنجليز على تحقيق منافعهم، ويأخذهم بقضاء مآربهم السياسية رغم أنوفهم؟ وهل من المصلحة السياسية الخاصة للحكومة عند المصريين وعند الإنجليز أنفسهم أن يقال عنها إنها تحرص على المنافع البريطانية أكثر مما تحرص عليها بريطانيا العظمى نفسها؟

    لست أدري أتجد الحكومة أم تهزل؟ فليس في إصرارها على إقامة الخزان رغم المصريين ورغم النصيحة الإنجليزية الرسمية شيء من الجد، وليس هذا الموضوع مما يصلح للهزل، فيا له من هزل هذا الذي يعرض مالية الدولة للاضطراب.

    ولوزير الأشغال كلمة لا تخلو من ظرف، ولكنها لا تخلو من عبرة وعظة. قال لبعض الصحافيين الذين تحدث إليهم منذ أيام: «هاتوا لنا مياهًا بمقدار أربعة أمثال ما عندنا الآن، ونحن نعرف كيف نوزعها».

    ومن المؤكد أن وزير الأشغال لن يضيق بأضعاف ما عندنا من الماء، وأي شيء أيسر من التوزيع والتبديد؟ والحكومة تقيم في كل يوم أدلة واضحة قاطعة على أن التوزيع نفسه ليس معجزًا ولا شاقًا، وإنما المعجز الشاق هو التوزيع المنتج الذي يفيد. إن الحكومة توزع أموال الدولة حتى تحتاج إلى أن تستدين، وهي قادرة على أن تفرغ ما تستدين حتى تضطر إلى أن تستدين مرة أخرى. ويستطيع وزير المالية بالأصالة، أو وزير المالية بالنيابة، أن يقول: هاتوا لنا أضعاف ما عندنا من المال ونحن نعرف كيف ننفقه. ليس شيء أيسر من الإنفاق، ولكن المسألة هي أن نعرف: أنافع هذا الإنفاق أم ضار؟ أمفيد هو أو غير مفيد؟

    تستطيع المياه أن تكثر، فقد يمهد لها الطريق إلى البحر، وقد يمهد لها الطريق إلى الصحراء، وقد تترك لها الحرية فتطغى وتملك كل شيء. ولكن المسألة التي لم يقل فيها وزير الأشغال شيئًا هي قدرته أو عجزه عن توزيع هذه المياه بحيث تبعث في أرض مصر الخصب والثروة.

    والظاهر — كما يقال — أن وزير الأشغال كان يؤمن في وقت من الأوقات أن هذا التوزيع المنتج المفيد ليس بالشيء اليسير الآن على أقل تقدير. ما أجدر وزير الأشغال، وقد جعلت الظروف إليه أمر وزارة المالية في هذه الأيام، أن يفكر في إنفاق المال إذا كان يسيرًا، فقد يكون جمعه من العسر والمشقة أحيانًا ما يضطر الحكومات والأمم إلى الإفلاس. وما أجدره، وقد جعلت إليه الظروف شؤون المالية، ألا يمهد بيده سبيل مصر إلى هذا الشر الذي يشفق منه المستشار المالي الإنجليزي، فينصح الحكومة بالانتظار.

    كوكب الشرق ١٣-٣-١٩٣٣

  • استعجال

    استعجال
    رئيس وزرائنا عجلان لا يهدأ، ولا يريد أن يهدأ الناس من حوله، لا يستريح ولا يريد أن يستريح الناس من حوله منذ عاد إلى كرسي الحكم بعد مرضه الطويل.
    فقد أحس في آخر لحظة أن الاقتصاد المصري في خطر، وأن الثروة المصرية توشك أن تزول، وأن الشقاء الذي أخذ يرسل سحبه في بعض الأجواء المصرية يوشك أن يملأ الجو المصري كله بهذا السحاب المظلم الذي يبرق من خلاله الجوع، ويرعد من خلاله الموت، ويرسل الصواعق على البائسين والمحرومين. ورئيس وزرائنا رحيم شفيق، ورئيس وزرائنا شفيق رحيم، ورئيس وزرائنا رءوف رفيق، ورئيس وزرائنا قد آثر في هذه الأيام أن يضحي بصحته في سبيل بلاده؛ فعدل عن الاستقالة وأزمع البقاء في الحكم. ورئيس وزرائنا قد عاهد الله، وعاهد الناس، وعاهد نفسه منذ اعتزم البقاء في الحكم على أن يدفع عن الاقتصاد المصري كل خطر، وعلى أن يثبت الثروة المصرية في أيدي المصريين، وعلى أن يطرد سحب الجوع والحرمان، والشقاء والموت من جو مصر طرداً عنيفاً.
    ورئيس وزرائنا يتأهب لذلك في جد ما مثله جد، ويسعى لذلك في حزم ما مثله حزم، وهو لهذا كله قد خاصم الهدوء، وقطع الأسباب بين نفسه وبين الراحة، كما قطع الأسباب بين أعوانه وبين الراحة أيضاً. وآية ذلك بينة واضحة، ودليل ذلك ساطع جلي؛ فهو قد تحدث إلى وكيل المالية بالتليفون وتقدم إليه بأن يكلف المفتشين الماليين أن يدرسوا الشؤون المالية والاقتصادية في الأقاليم، وأن يرفعوا إليه تقارير يبينون فيها أحوال الناس: أقادرون هم أم عاجزون؟ أموسرون هم أم معسرون؟ ألهم طاقة بدفع الضرائب أم هم مكرهون على أن يلتووا بها ويعتذروا عن أدائها؟
    وتفرق المفتشون في الأقاليم ليبحثوا ويدرسوا وليفتشوا وينقبوا، ثم ليحرروا ويكتبوا. وقد يحتاج هذا كله إلى أيام تطول أو تقصر، حتى إذا انتهت التقارير إلى وزارة المالية، فقد يحتاج درسها إلى أيام تطول أو تقصر، حتى إذا انتهى هذا الدرس في مكاتب الوزراء ورُفعت خلاصته إلى وزير المالية، فقد يحتاج الوزير لدرس هذه الخلاصة إلى أيام تطول من غير شك؛ لأن الوزير مريض متعب، لا يستطيع أن يتكلف الجهد الثقيل. فإذا فرغ الوزير من الدرس فقد يقترح الدواء إن كان اقتصاد مصر مريضاً، وقد يتحدث إلى الصحفيين المصريين والأجانب بأن الحياة الاقتصادية في مصر لم تكن في يوم من الأيام خيراً مما هي الآن، كما أن الحياة السياسية في مصر لم تكن في يوم من الأيام خيراً مما هي الآن.
    وليس على الوزارة بأس من طول هذا الدرس والبحث، ومن تفرق المفتشين للتفتيش والتنقيب وكتابة التقارير ورفعها؛ فالأموال تُجبى على كل حال؛ إما أن يؤدي الناس هذه الضرائب من تلقاء أنفسهم فيريحوا ويستريحوا، وإما أن يعجز الناس عن تأدية هذه الضرائب فتؤخذ منهم بالقوة والعنف، سواء كان عندهم ما يعطون أم لم يكن. فالحاصلات الزراعية لا يجوز نقلها أو بيعها أو التصرف فيها على أي نحو من أنحاء التصرف إلا بإذن من العمدة والصراف. وهذا العمدة أو هذا الصراف لا يعطي هذا الإذن إلا إذا استيقن أن ليس على خزانة الدولة بأس؛ لأن المال قد دُفع، والضريبة قد أُديت. وقد يؤدى المال وتُدفع الضريبة، ولكن العمدة محنق على صاحب الزرع، أو الصراف مغيظ من صاحب الزرع، فلا بأس بأن يرفض الإذن أو يؤخره حتى يعلم صاحب الزرع أن السلطان المخوف ليس سلطان المأمور والمدير والوزير فحسب، بل سلطان العمدة والصراف أيضاً.
    وإذن فلا بد من أن يُسلَّط بعض الناس على بعض، ولا بد من أن يُذل بعض الناس لبعض، ولا بد أن يتحكم بعض الناس في حياة بعض؛ لأن الدولة تريد أن تعيش، ولا بد لها من المال لتعيش، ولأن الدولة تريد أن تعيش مترفة فلا بد لها من المال لتعيش مترفة. وكيف يجتمع مؤتمر الطيران آخر هذا العام؟ وكيف يجتمع مؤتمر البريد أول العام المقبل؟ وكيف تُدفع معونة الممثلين والممثلات إذا أقبل الخريف؟ وكيف تُمنح العلاوات الاستثنائية؟ وكيف تُنشأ قاعة المحاضرات في الجامعة؟ وكيف تظهر مصر نفسها للناس غنية مترفة إذا لم تدفع إلى الدولة أموالها، ولم تؤدِّ إلى الدولة ضرائبها؟ وكيف تُدفع الأموال وتؤدى الضرائب إذا لم يُبسط سلطان العمدة والصراف على الأغنياء والفقراء، وعلى الأقوياء والضعفاء، وعلى الموسرين والمعسرين؟ ولا ينبغي أن يضيق المصريون بذلك أو يشكوا منه، فعسى أن يكره المصريون شيئاً وهو خير لهم، وأي خير يطمع فيه المصريون أكثر من أن يأخذوا بالحكم الديمقراطي الصحيح، فتعنو وجوههم جميعاً للعمدة والصراف، لا فرق في ذلك بين الذين يرون لأنفسهم مكانة فوق مكانة العمدة والصراف، والذين لا يرون لأنفسهم حظاً من هذه المكانة؟
    المصريون جميعاً سواء أمام القانون، والمصريون جميعاً سواء أمام العمدة، والمصريون جميعاً سواء أمام الصراف؛ ولكن القانون يسوي بين المصريين بالحق والعدل، أما العمدة والصراف فيسويان بين الناس بالشهوة والهوى. ولا بأس على المصريين من هذا، ففيه تمرين لهم على احتمال الشدائد، والصبر على ما يكرهون. ولا ينبغي للمصريين أن يضيقوا بذلك أو يشكوا منه؛ فرئيس الوزراء عجلان، قد وقف عنايته على درس الأحوال وتعرف الشؤون، فهو يسأل عن سوق القطن، وهو يلقى مدير بنك التسليف، وهو يكلف المفتشين الماليين أن يتفرقوا في الأقاليم ليبحثوا أو يدرسوا ثم يرفعوا التقارير.
    فإذا سألت: أين كان وزير المالية ورئيس الوزراء قبل هذه الأيام ليعرفا شؤون الناس وأحوالهم وقدرتهم على الدفع أو عجزهم عن الأداء؟ فإن سؤالك يدعو إلى الابتسام وهز الرؤوس ورفع الأكتاف؛ فقد كان رئيس الوزراء ووزير المالية مريضين يستريحان في أوربا، ويترددان على لوسرن وباريس. وكان رئيس الوزراء مشغولاً بصحته الغالية عن أحوال الناس وشؤونهم، وعن قدرة الناس وعجزهم، وصحة رئيس الوزراء قوام الحياة المصرية، فمن الحق على رئيس الوزراء أن يشغل بها قبل أن يشغل بشؤون الاقتصاد. ولا تقل إن الذي تشغله صحته عن الشؤون العامة يجب أن يفرغ لصحته وأن يدع الشؤون العامة؛ فهذا كلام فارغ لا يقوله العقلاء؛ لأن رئيس الوزراء صحيحاً ومريضاً، قريباً وبعيداً، قوياً وضعيفاً، رجل قد فرضته الظروف على مصر فرضاً، وهو وحده دون غيره قادر على فهم الشؤون والأحوال، وتدبير السياسة والاقتصاد.
    رئيس الوزراء معذور إذن حين شُغل بصحته عن الأزمة. ورئيس الوزراء معذور أيضاً حين شُغل بأزمته الوزارية الخاصة عن الأزمة الاقتصادية العامة. وليس على رئيس الوزراء ولا على مصر بأس ما سيتدارك رئيس الوزراء كل ما فات، وسينجز من الأعمال في هذه الأيام القليلة المقبلة ما لم يستطع إنجازه في تلك الأشهر الطويلة الماضية. وأي دليل على ذلك أبعث للأمل وأدعى للرجاء من أنه أخذ يسأل عن سوق القطن، ويقابل مدير بنك التسليف، ويكلف المفتشين الماليين البحث والدرس ورفع التقارير؟ ولا تذكر أمر المصارف والديون العقارية، ولا تذكر أمر الدول وأداء الدين وفوائده ذهباً أو ورقاً، فكل هذا شيء يسير سيفرغ له رئيس الوزراء بعد أن يتعرف أمر سوق القطن ويقرأ تقارير المفتشين عن قدرة الناس على تأدية الضرائب.
    فرئيس الوزراء متعجل، ولكن على مذهبه هو، لا على مذهبك أنت. وكل وزير خطير مكلف قبل كل شيء أن يدبر من المال ما يمكن الحكومة من الحياة الناعمة المترفة، ثم يفرغ بعد ذلك لشؤون الناس فيهون عليهم ويرد عنهم ما يخافون. ليطمئن المصريون إذن، وليناموا ملء جفونهم، وليذعنوا لتحكم العمدة وعبث الصراف، ولينتظروا؛ فرئيس الوزراء عجلان، وهو زعيم لهم منذ اليوم بأن تؤدى الضرائب على وجهها فتسعد الحكومة وتنعم، وبأن تؤدى الديون إلى المصارف فتسعد المصارف وتنعم، وتهدأ الأمة وتستريح، وبأن تُحل مشكلة الدين العام فترتع الحكومة والأمة في روضة بهيجة من اليمن والعز والنعيم والرخاء الذي لا حد له.
    لقد أقبلت الخطوب على مصر مخيفة مروعة، ولكن مصر خليقة ألا تخاف ولا ترتاع؛ فرئيس الوزراء عجلان، يسأل عن سوق القطن، ويلقى مدير بنك التسليف، ويكلف المفتشين أن يبحثوا أو يدرسوا ويرفعوا التقارير.
    كوكب الشرق ١٢ – ٩ – ١٩٣٣