توسع
بين يدي مجلس النواب في هذه الأيام مشروع قانون تتعجل الحكومة إصداره كما تعجلت إصدار قوانين الجامعة منذ حين. ومن الحق على المصريين الذين يفكرون في المستقبل السياسي لهذا البلد تفكيرًا نزيهًا صادقًا، خالصًا من كل شائبة أن يقفوا عند هذا القانون وقفة فيها شيء من الروية والتنبه لما اشتمل عليه من نذير. فهو ينذر بخطر شديد لا يفطن له الناس عند النظرة الأولى، ولكنهم لا يكادون يطيلون النظر فيه حتى يشعروا بأن حربًا عنيفة تهيأ لمستقبل الديمقراطية في مصر…!
ومهما أقل في ذلك فلن أصل إلى المبالغة، ولن أتورط في الغلو، فإن بعد النظر وقصره لا يمسّان تنظيم الصلات بيننا وبين الإنجليز فحسب،
ولا يمسّان حل المشكلة السياسية الظاهرة من إنزال الوزارة القائمة عن مناصب الحكم، وإقامة وزارة حزبية أو قومية مكانها فحسب، بل يجب أن يمسّ شيئًا آخر، هو قيام حياتنا السياسية الداخلية والخارجية، وهو إقامة الديمقراطية في مصر على أساس ثابت متين. وأنا واثق بأنك ستدهش حين أفسّر لك هذا القانون، لأنك لم تتعود أن تحفل بمثله. ولكني أرجو ألا يصرفك الدهش عن التفكير، وأن تنتهي معي إلى الإيمان بأن هذا القانون كيدٌ يدبّر للديمقراطية المصرية؛ والناس عنه غافلون.
هذا القانون هو قانون التخصص في الأزهر. أسمعت هذا اللفظ! إنه يسير، تراه كل يوم في الصحف فلا تقف عنده. وقد يتحدث الناس به من حولك فلا تلقِ إليه سمعًا ولا بالًا. ولكنه مع ذلك خليق أن تقف عنده، وخليق أن تُلقي إليه سمعك وبالك. وخليق أن تتهيأ لاتقاء ما فيه من شر. ولست أريد اليوم أن أتحدث عنه إلا من ناحية واحدة، هي التي تعنيني، وهي التي تعنيك حين تفكر في المستقبل السياسي لهذا البلد الحزين.
يشتمل هذا القانون على حكم يبسط سلطان الأزهر بسطًا منكرًا على التعليم في مصر. وإذا سيطر الأزهر على التعليم فقد سيطر على كل شيء. ولم لا؟ وهو يسيطر على تنشئة الأطفال وتثقيف الشباب.
هذا الحكم هو الذي يُنشئ، في الأزهر قسمًا للتخصص في المهنة، وأنت تنكر لفظ المهنة هذا كما أنكره أنا، وتراه مبتذلًا سقيمًا، ولكن معناه ليس مبتذلًا ولا سقيمًا، فهو يدل على فن التعليم.
يُنشئ هذا القانون إذن في الأزهر قسمًا يتخصص فيه الأزهريون في فن التعليم، حتى إذا أتموا تخصصهم هذا خرجوا منه فانتشروا في أقطار مصر، يعلمون في المدارس المصرية على اختلافها، وليس هذا بأس إذا حَسُنَ الدرس في الأزهر، وضمن لنا قسم التخصص تخريج المعلمين
الأكفاء. ليس بهذا بأس على عقول الأطفال والشبان وأخلاقهم، فالأزهر إذا صلح كان كغيره من المدارس مصدرًا للخير، لا خوف منه ولا بأس به. ولكنك تعلم أن للأزهر نظامًا أقل ما يوصف به أنه بدعة في الإسلام، وهو هذا النظام الذي يجعل لهيئة كبار العلماء سلطانًا واسعًا يشل سلطان الحكومة أيضًا، فكل من تخرج من الأزهر خاضع لسلطان هذه الهيئة، تحاكمه إذا شذ في سيرته شذوذًا ما، وتحاكمه بنوع خاص حين يشذ في التفكير، وحين يخرج فيما يكتب أو يُنشئ عن مألوف العلماء الأزهريين. وهي إذا حاكمته جاز لها أن تخرجه من زمرة العلماء الأزهريين، وهي إذا أخرجته من هذه الزمرة حرمته طائفةً من حقوقه المدنية، وأوجبت على الحكومة أن تفصله من أي عمل فيها، وحرمت على الحكومة أن تكل إليه أي عمل من أعمال الدولة. وقد ظهرت آثار هذا النظام منذ سنين حين حوكِمَ الأستاذ علي عبد الرازق أمام هذه الهيئة فأخرجته من زمرة العلماء، وأذعنت الحكومة المصرية يومئذ لحكم هذه الهيئة فعزلته من منصب القضاء.
الحكومة على اختلاف درجاتها، وأنواع التعليم فيها سيخضعون لهذه السلطة القضائية الغريبة، فيفكرون بمقدار، وينتجون بحساب. ويسيرون على الشوكِ. فإذا شذ أحدهم عما يجب للأزهر – استغفر الله – بل عما يراد لهيئة كبار العلماء أن تحبّ، أقول إذا شذ أحد من هؤلاء الأساتذة حوكم أمام هذه الهيئة! فإذا قضت بإخراجه من زمرة العلماء الأزهريين وجب على وزارة المعارف أن تخرجه من زمرة المعلمين، وأن تحول بينه وبين التعليم. ووجب على الحكومة كلها بعد ذلك ألا تكلفه عملًا رسميًا ما.
سيخضع هؤلاء الأساتذة لهذه الهيئة، وستخضع معهم وزارة المعارف لهذه الهيئة، وستتنازل الحكومة عن شيء من سيادتها لهذه الهيئة، وسيصبح الوزراء منفردين في مكاتبهم ومجتمعين في مجلسهم أداة لهذه الهيئة تصرفهم كما تريد، أو كما يراد لها. هم كذلك الآن بالقياس إلى القضاة الشرعيين وإلى الموظفين القليلين من رجال الأزهر في مصالح الدولة.
فسينبسط هذا السلطان بعد أعوام فيتناول التعليم كله. أرأيت إلى هذا الخطر الذي يضع وزارة المعارف تحت سلطان شيخ الأزهر؟ أفكرت فيما قد يكون لهذا من تأثير؟ لا أقول في مستقبل التعليم، بل أقول في مستقبل السيادة التي يجب أن تكون لحكومة الدولة، بل أقول في مستقبل الديمقراطية المصرية كلها…
أنا واثق كل الثقة بأن الديمقراطية منتصرة آخر الأمر، بل إنها ستشتمل الأزهر نفسه. فمهما تبلغ قوة المحافظين والمسرفين في المحافظة، فلن تغير طبيعة الأشياء. وطبيعة الأشياء تقضي أن يأتي النظام الديمقراطي على كل شيء، ولكنك توافقني فيما أظن على أن الذين يشرعون هذا القانون يهملون طبيعة الأشياء، ويخلقون لمصر مصاعب ومشاكل لا فائدة في خلقها. وقد أثبت كل شيء أنها كانت دائمًا مصدر الشر والفساد.
لقد كان الأزهر حريصًا على إنشاء قسم التخصص في التعليم منذ زمن بعيد، وكان ظاهر هذا الحرص أن تفتح أبواب العمل للأزهريين، وباطن هذا الحرص أن يبسط سلطان الأزهر على المرافق المصرية. وقد قاومت الحكومة هذه الفكرة في عهد الوزارات التي سبقت هذه الوزارة القائمة، وأبت على الأزهر العناية بتخريج المعلمين، لأن هذه العناية حق خالص لوزارة المعارف في كل دولة لها حظ من حضارة، ولكن الذين يحرصون على بسط هذا السلطان الأزهري قد انتهزوا قيام هذه الوزارة التي لا تأبى شيئًا إلا على الشعب؛ فوضعوا قانونهم، ووضعوا فيه هذا الحكم وقدموه إلى مجلس النواب. والغريب (وهل بقي شيء يُستغرب في مصر) أن اللجنة البرلمانية في مجلس النواب قد نظرت هذا القانون وأقرته ورفعته إلى مجلس النواب، ولم تفطن لهذا الحكم، ولا لما فيه من اعتداء على وزارة المعارف ولا لما فيه من تجاوز لأصول الديمقراطية، ولا لما فيه من بسط هذا السلطان الخطر إلى جانب سلطان الحكومة. لم تفطن لشيء من هذا، أو فطنت له ولكنها طوته طيًّا واكتفت بأن تلاحظ أن تعليم اللغات الأجنبية في أقسام التخصص ضيق يجب أن يوسع، وناقص يجب أن يزاد.
ومع ذلك فالبرلمان بطبيعته خليق أن يدافع عن النظم الديمقراطية، وأن يحوطها من كل ما يمكن أن ينتقص أطرافها أو يحد من سلطانها. ولكنك تعلم أن الديمقراطية شيء بغيض إلى بعض الناس في هذه الأيام، ماذا؟ أأُحِدَّ استقلال الجامعة حتى يُمحى؟ أَيُبسط سلطان الحكومة على الجامعيين إلى أقصى حد ممكن؟ أَيُقسم السلطان الجامعي بين الحكومة والأجانب وتُحرم الجامعة حتى أن تقضي في أبنائها ورجالها، ثم يُبسط سلطان الأزهر حتى يتجاوز الأزهر إلى مدارس الدولة ومصالح الدولة؟!
ماذا؟ أبلغ الأمر بسادتنا الذين يحكموننا الآن أن يضعوا معهد العلم الحديث تحت هذه الوصاية الحائفة المشفقة، المسرفة في الخوف والإشفاق وأن يُمكِّنوا لمعهد قديم من أن يبسط سلطانه إلى هذا الحد البعيد!
ماذا؟ أيراد بمصر أن تمشي إلى الأمام فيسيطر العلم الحديث على مرافقها وتسعى بها إلى تحقيق آمالها، ويرفعها إلى مثلها العليا؟ أم يراد بمصر أن تمشي إلى الوراء فيصبح أمر التعليم والتربية فيها إلى مَن لا حظ لهم من تربية وتعليم!!
كل هذا مخالف لطبيعة الأشياء. وكل هذا جهد ضائع وتبديد للقوة والوقت؛ ولكنه على كل حال تأخير للرقي، واستخزاء بحق الشعب في أن يرقى ويأخذ مكانه بين الشعوب الحرة.
ألست توافقني بعد ذلك على أن الوزارة القائمة لا تفسد من شؤوننا الحاضرة وحدها في السياسة والاقتصاد والتعليم؛ ولكن لها برنامجًا آخر خفيًا تنفذه شيئًا فشيئًا، وهو أن ترد مصر إلى حيث كانت في القرون الوسطى، بلدًا خاضعًا لسلطان (١) مطلق يؤيده رجال الدين…!!
يجب أن يتنبه المعارضون وأن يسجلوا هذه الحركات الخفية التي تهيئ لحرب الديمقراطية فسيصلون إلى الحكم غدًا أو بعد غدٍ؛ وسيجدون أمامهم أبنية قائمة تمنعهم من التقدم إن لم يزيلوها.
كوكب الشرق ٥ — ٤ — ١٩٣٣
Tag: Egypt
-
أحلام
أحلام
أكانت الأفريكان ورلد على ضآلة قدرها ، وصغر شأنها ، تحلم بأن تُعنى الصحف المصرية بما تكتب هذه العناية التي ظهرت صباح اليوم في السياسة والأهرام ؟
سخر الكوكب أمس مما كتبته الأفريكان ورلد ، وتحدث عن رأيها في الوزارة الائتلافية على أنه حلم من أحلام رئيس الوزراء ، وأمنية من هذه الأماني التي تعبث برأس الرجل الضعيف ، ولا سيما حين يستريح في ظل الأهرام ، حيث تكثر الصور والأشباح التي تؤرّق قومًا ، وترسل الأحلام إلى آخرين .
ولكن السياسة والأهرام لم تسخرا مما كتبته الأفريكان ورلد .
فأما السياسة فالظاهر أنها حرصت على أن تعيد للناس ما لم يشك أحد فيه ، من أن الأحرار الدستوريين أكرم على أنفسهم ، وأحرص على مبادئهم ، من أن يشتركوا مع صدقي باشا في اجتيال تبعات الحكم مهما تكن الظروف .
وأما الأهرام فيظهر أنها نظرت إلى مقال الأفريكان ورلد نظرة عناية وجد ، تعلم الأهرام حق العلم أن هذه الصحيفة لا تستحقها . ومن يدري لعل الأفريكان ورلد إنما اتخذت وسيلة إلى إعادة الكلام في الائتلاف والوزارة القومية ، ولعل الذين ألمّ بهم في اليقظة أو في النوم طيف هذا الائتلاف مع رئيس الوزراء ، هم الذين أوحوا إلى الأفريكان ورلد ، وهم الذين تقدموا إلى الأهرام في أن تعلق على ما كتبت الأفريكان ورلد .
والظاهر أن في الجو المصري الآن روحًا يطوف حول جماعة من الناس ، هو روح الائتلاف مع رئيس الوزراء… ! فقد خابت التجربة ، وأخفقت المحاولات ، وظهر أن الترقيع جهد ضائع ، ولم تبقَ إلا محاولة واحدة ، وهي أن يستقيل رئيس الوزراء مرة ثانية ، ويجدد تأليف الوزارة ، على أن يكون الائتلاف أوسع مما هو الآن ، فيشمل قومًا آخرين غير الاتحاديين والشعبيين ، كما قالت بعض الصحف الإنجليزية منذ أيام .
ما أقدر رئيس الوزراء — رغم مرضه — على سعة الآمال وبعد الخيال ! وكأن رئيس الوزراء لم يتبيّن إلى الآن أن زملاءه وأعوانه وأنصاره لا يمكن أن يكونوا في يوم من الأيام مصدر قوته ، وإنما هو نفسه مصدر الضعف الذي يجده ويريد أن يتخلص منه . ولو اعتدلت آمال رئيس الوزراء ، واقتصد في خياله بعض الشيء ، لعرف أن الوسيلة الوحيدة التي تخلصه من هذا الضعف الذي يشكوه إنما هي أن يتعظ بقول الشاعر القديم:
إذا لم تستطع شيئًا فدعه وجاوزه إلى ما تستطيع
وقد ثبت ألف مرة ومرة أن رئيس الوزراء لا يستطيع الحكم ، وإنما يستطيع الراحة . فلم لا يدع ما لا يستطيع إلى ما يستطيع ؟ فيستقيل ويفرغ لصحته ، ويستريح ويُريح ؟
ولكن آمال رئيس الوزراء أوسع من قوته ، وخيال رئيس الوزراء أبعد من طاقته ، وكثيرًا ما شقي الناس بسعة الآمال وبعد الخيال !
على أن من الغريب ألا يتعظ الإنجليز وفريق من المصريين بالتجارب ، ولا يعتبروا بالحوادث ، وأن يمضوا مع الآمال كما يمضي رئيس الوزراء ، ويستسلموا لخيال كما يستسلم رئيس الوزراء ، ويقدّر كل واحد منهم أن المسألة المصرية لم تزل من المسائل التي يمكن أن تُلتمس لها الحلول العرجاء ، أو تُسلك إليها الطرق الملتوية .
فقد طالما لجأ الإنجليز ومعهم فريق من المصريين إلى الحلول العرجاء فلم يظفروا بشيء ، وطالما سلك الإنجليز ومعهم فريق من المصريين هذه الطرق الملتوية فلم ينتهوا إلى شيء… بل انتهوا إلى الفشل والإخفاق ، واضطروا إلى أن يستأنفوا السعي ، وكأنهم لم يسعوا ويجدوا في التماس الحل ، وكأنهم لم يلتمسوه من قبل !
ومصدر هذا الاضطراب والتورط في هذه المحاولات العقيمة أن الإنجليز وأعوانهم من المصريين لا يريدون أو لا يستطيعون أن يعترفوا بالحقيقة الواقعة ، وهي أن الأمة المصرية موجودة حقًّا ، شاعرة بوجودها حقًّا ، جادة في طلب استقلالها حقًّا ، متنبهة لما يُراد بها من الكيد حقًّا . فهي لا تُؤخذ على غِرّة ، ولا تُخدع بالأماني والآمال ، وهي لا تُؤخذ بقوة ولا بعنف ، ولا تقبل إلا ما ترضاه هي ، لا ما يُراد لها .
وإذن فلن يكون ما بينها وبين الإنجليز حل صحيح منتج إلا أن تشترك هي في هذا الحل . وإذن فالدوران حولها لا يفيد ، ولا خير في هذه المحاولات التي جُرّبت مرارًا منذ كانت الحركة الوطنية ، فلم تنتهِ إلا إلى ما أرادت الأمة نفسها .
نعم إن مذاق هذه الأمة مرّ على الإنجليز ، ولكنهم مضطرون إلى أن يحتملوا هذه المرارة ، وإلا فالأمر باقٍ على ما هو عليه . وهم مهما يفعلوا فلن يزيدوا على تأجيل اليوم الذي يذوقون فيه هذه المرارة ، ويعترفون بأن أمور مصر يجب أن تُرد إلى مصر ، وبأن الاتفاق يجب أن يكون مع الأمة المصرية .
نعم إن من المصريين من يحبون الحكم ، ويتعجلون الوصول إليه ، ويظنون كما يظن الإنجليز أن خداع هذه الأمة أمر يسير ، وأن من الممكن أن تُزيّن لها الألفاظ فتُغرّها وترضيها بما لا ترضى . ولكن هؤلاء المصريين قد رأوا وزارات قامت على هذا الخداع فلم تصنع شيئًا ، وهم يرون الآن وزارة تقوم على تزيين الألفاظ حينًا ، وعلى العنف والعسف حينًا آخر ، فلا تصنع شيئًا رغم البقاء الطويل والتأييد القوي المتصل .
إن الزمن لا يمضي عبثًا ، ولا يذهب سدى . ولعل خير ما أنتجه مرّ الغداة وكرّ العشي في هذه الأيام عندنا هو أنه لم يبقَ أمل لرجل له حظ من العقل والتفكير في أن يأخذ مصر بغير ما تريد . فأجدر بالإنجليز وأصدقائهم من المصريين أن يواجهوا هذه الحقيقة الواقعة في شجاعة وحزم ، وزهد فيما يُغرّ ويخدع من الأماني والأحلام…
يذكرون الائتلاف، فعلامَ يقوم هذا الائتلاف ؟ وبين من يكون هذا الائتلاف ؟ وأيُّ طريقٍ تُسلك إلى تحقيق هذا الائتلاف ؟ وعمن تصدر الرغبة في هذا الائتلاف ؟ أيقوم الائتلاف على حل الأزمة الاقتصادية ؟ ولكن هناك أزمة سياسية يجب أن تُحل، وهي معقدة، شديدة التعقيد، تتصل بعلاقاتنا مع الإنجليز، وتتصل بالدستور ونظام الحكم.
وإذن فهل يقوم هذا الائتلاف على الاقتصاد دون السياسة ؟ ولعل الأزمة السياسية عندنا هي أكبر المؤثرات في الأزمة الاقتصادية، فإن قام الائتلاف على حل الأزمة السياسية، فبأي الأزمتين يُراد الابتداء ؟ أبا لأزمة الخارجية بحيث يُحسم ما بيننا وبين الإنجليز قبل كل شيء ؟ أم بالأزمة الداخلية بحيث يُرد إلى البلاد دستورها قبل كل شيء ؟ وعلى كلتا الحالين فمن يكون الائتلاف ؟ أمن الأقليات المختلفة التي تمثلها الأحزاب المتباينة بحيث تحكم القلة وتقف الكثرة موقف المعارضة كما هي الحال الآن ؟ وإذن فأي شيء تغيّر ؟ وماذا يصنع المؤتلفون ؟ أو متى كان الحكم للقلة والمعارضة للكثرة ؟ أم تأتلف القلة والكثرة فلا يكون هناك حكام ومعارضون ؟
وإذن فمن أين تصدر الرغبة في هذا الائتلاف ؟ أمن المصريين أنفسهم ؟ وإذن فيجب أن تُسمع في ذلك كلمة للكثرة قبل أن تُسمع أي كلمة أخرى. أم تصدر هذه الرغبة من الإنجليز فيُملى علينا الائتلاف منهم إملاءً ؟ ! وإذن فأين تكون الكرامة القومية، ومن ذا الذي زعم أن للأجنبي أن تكون الوزارات مؤتلفة أو غير مؤتلفة في البلاد المستقلة ؟
كل هذه مسائل يجب أن يدرسها الذين يفكرون في الوزارة الائتلافية أو في الوزارة القومية. وهم إن فكروا فيها عرفوا أن هناك شرطًا لا بد منه قبل الكلام في وزارة ائتلافية أو قومية، وهو أن تُرد لمصر حريتها، فتستقيل الوزارة القائمة، وتعود الحياة النيابية الحرة يومئذٍ ، ويومئذٍ فحسب، يمكن التفكير الجدي الصادق في الائتلاف. يومئذٍ تصدر الرغبة في الائتلاف عن الشعب المصري الحر، وتصدر هذه الرغبة في وضح النهار، وتحت أعين الناس جميعًا، لا يوصي بها أحد، ولا يُمليها أحد، ولا تصدر في ناحية من الأنحاء.
وإلى أن يأتي هذا اليوم الذي تستطيع مصر أن تفكر فيه حرةً كريمةً مستقلة الرأي، يجب أن تجتمع كلمة المصريين على مقاومة الوزارة القائمة والذين يؤيدونها من الإنجليز.
سيقولون: ولكن الائتلاف هو الوسيلة إلى إسقاط الوزارة، والتخلص من ثقلها. فمن الذي يشترط هذا الشرط ويُلِحّ فيه ؟ أهم الإنجليز ؟ وإذن فلندعهم وما يشاءون حتى يجدوا أنفسهم في المأزق الذي لا مخرج منه إلا بالنزول عند إرادة الأمة.
قد يكون هذا طويلًا، وقد تُحتمل فيه الآلام، ولكن الجهاد السياسي ليس عبثًا ولا لعبًا. ومن لم يعرف الصبر واحتمال الألم وطول الانتظار خليقٌ أن لا يتورط في سياسة الشعوب…
لست أكره الائتلاف، ولا الوزارة القومية، ولعلي أحبهما وأتمناهما، ولكني أحب ائتلافًا يصدر عن إيمان الأمة ورغبتها. أحب ائتلافًا يصعد من الشعب ولا يهبط عليه. وما رأي أنصار الائتلاف في حلٍّ أرى أنه من العدل الذي لا حيف فيه، والقصد الذي لا يتعرض لشك ولا يحتمل تأويلًا ؟ ما رأيهم في أن تستقيل الوزارة القائمة قبل كل شيء، وفي أن يُمهد لانتخاب حر بعد ذلك، وفي أن يكون الائتلاف والوزارة القومية موضوع الانتخاب ؟
ويتقدم أنصار الائتلاف والوزارة القومية إلى المصريين برأيهم، ويتقدم خصوم الائتلاف والوزارة القومية إلى المصريين برأيهم هذا. فأي الفريقين انتصر في الانتخاب الحر الشريف، فإليه أمور مصر كلها في حدود الدستور، يقضي فيها دون أن يتعرض لريبة أو شك أو اتهام.
أظن أن عرض المسألة على هذا النحو خليقٌ أن يزيل الخلاف حول الائتلاف، وأن يجمع كلمة الذين يحرصون على أن يكون حل المسألة المصرية معتمدًا قبل كل شيء وبعد كل شيء وفوق كل شيء على إرادة الأمة، خالصة من كل شائبة، بريئة من كل شبهة، آمنة من كل تأثير.
فليتعاون خصوم الوزارة بالصبر والصدق في الجهاد والمقاومة حتى يكشف الله ضرها عن مصر، ثم ليحتكموا بعد ذلك إلى الأمة في الوزارة التي تحل مشكلاتها الكبرى: أهي الوزارة الحزبية أم الوزارة القومية ؟
كوكب الشرق – ٣\٤\١٩٣٣ -
غموض
غموض
كان الناس يتهامسون في الأسبوع الماضي بأن شيئًا جديدًا قد طرأ في مسألة الدين، وأداء فوائده ذهبًا أو ورقًا. وكانوا يتهامسون بألوان من الأحاديث في تفسير هذا الشيء الطارئ، وأشرنا نحن إلى هذا كله حين أخذنا الوزارة القائمة بالمواقف المريبة التي تقفها بإزاء المفاوضات والامتيازات والدين. ولم نرد أن نفصّل، ولم نرد أن نبسط القول، فقد زعموا أن من الحق على الصحف إذا عرضت لبعض المسائل السياسية الخارجية أن تصطنع الدقة وتحرص على الاحتياط، وألا تقول كل ما تعلم حتى لا تُحرج الذين يشتغلون بهذه السياسة الخارجية، ولا تُثير من المشكلات ما لا خير في أن يُثار.
لذلك لمحنا ولم نصرّح، وأجملنا ولم نفصّل، وقدّرنا أن في هذا التلميح ما يكفي. ولكن يظهر أن «الأهرام» تريد أن تخطو خطوة أوسع من خطوتنا نحن؛ فهي تلمح أيضًا، ولكن تلميحها أقرب إلى التصريح، وهي تُجمل ولكن إجمالها أدنى إلى التفصيل.
وهي تُحدّثنا صباح اليوم بأن مسألة الدين قد طرأ عليها تعقيد سياسي له قيمته وخطره. فالظاهر أن المندوب السامي قد ذهب إلى لندرة ليُقنع حكومته بمعونة مصر في ألا تدفع ذهبًا. وكانت حكومته قد أظهرت استعدادها لهذه المعونة، وموافقتها على وجهة النظر المصرية. والظاهر أيضًا أن إيطاليا قد أظهرت ميلًا إلى إجابة مصر إلى ما تريد. وإذن لم تبقَ إلا دولة واحدة هي التي لم تغيّر موقفها، وهذه الدولة هي فرنسا.
والأهرام تتساءل عن الأسباب التي تدعو فرنسا إلى التشدد في موقفها هذا، وتمنعها أن تُظهر لمصر ما أظهرته دائمًا من المودة وحسن الاستعداد لتوثيق الصلات بينها وبيننا على قاعدة التعاون الصادق الخالص من الشوائب بمقدار ما تستطيع الصلات السياسية بين الأمم أن تخلص من الشوائب.
وتحاول الأهرام أن تُجيب عن هذا السؤال، فلا تُصدّق أن فرنسا تتشدّد في موقفها لأن الفرنسيين الذين يملكون السندات المصرية كثيرون جدًّا، وتلاحظ الأهرام—ولها الحق—أن منفعة فرنسا إنما هي في حسن الصلة بينها وبين مصر، وفي المحافظة على تقاليدها في معاملة مصر، وفي الظفر بما ظفرت به دائمًا من حب المصريين لها، وإيثارهم إياها بالمودة حين يُقيمون في بلادهم، وبالزيارة حين يرحلون عنها.
وإذن فليس هذا السبب هو الذي يضطر فرنسا إلى أن تتشدّد في موقفها بإزاء مسألة الدين، ويكون حظها من حسن الاستعداد أقل من حظ إنجلترا وإيطاليا، فيجب أن يكون هناك سبب آخر. وهذا السبب تستنتجه الأهرام بالظن والحدس، ونريد نحن أن نستنتجه بالظن والحدس أيضًا كما فعلت الأهرام، لأن الظن والحدس هما أقرب وسائل الاستنتاج وأصدقها في مثل هذه المسائل.
وهو أن فرنسا ليست قليلة الحظ من حسن الاستعداد بالقياس إلى مصر، ولعلها شديدة الحرص جدًّا على أن تحتفظ بتقاليدها، وتؤثر حب المصريين ومودّتهم على هذه المبالغ المالية اليسيرة التي لا تُلائم حقًّا ولا عدلًا.
ولعلها كانت تريد أن تقبل وجهة النظر المصرية، ولكنها على أن تقبلها هي، وعلى أن تُسدي هي إلى مصر هذا الصنيع، وعلى أن يشعر المصريون شعورًا واضحًا بأنها قد آثرت مودّتهم على منفعة فريق من أبنائها.
فأما أن تغيّر موقفها لأن الإنجليز أرادوا ذلك، وأشفعوا فيه، فتخسر هي من الناحية المادية، ولا تربح شيئًا من الناحية المعنوية، ويستأثر الإنجليز بهذا الربح المعنوي، ويعتقد المصريون أن إنجلترا هي التي وضعت عنهم ثقل الدفع ذهبًا، فذلك شيء تنفر منه فرنسا ولا ترضاه، لا لكرامتها ولا لما تريده لأعمالها من حسن الموقع في نفوس المصريين.
وتدافع الأهرام بعد ذلك عن توسط الإنجليز بما ليس يعنينا أن نقف عنده الآن. إنما الذي يعنينا هو أن تحرج فرنسا من أن تُسدي إلى مصر صنيعة بإرادة الإنجليز أو بشفاعتهم، أمر قد تحدّث فيه الناس منذ أيام، وكرهنا نحن أن نفصّل القول فيه. وما كنا لنعود إليه لولا أن استنتجته الأهرام صباح اليوم بالظن والحدس والتخمين كما تقول.
ومن المعقول جدًّا أن تجد دولة عظيمة كفرنسا مثل هذا الحرج، ولكن من المعقول أن يتساءل الناس عن الذي اضطر فرنسا إلى هذا الحرج. فالمعروف أن الإصبع الإنجليزية لا تدع أمرًا من أمور السياسة الخارجية المصرية إلا مسته ولعبت فيه. والمعروف أن فرنسا وغيرها تعلم هذا حق العلم، وتعلمه بنوع خاص منذ سنة ١٩٠٤، وتعلمه بنوع أخص منذ أرسلت إلى الدول تبليغها بعد صدور تصريح فبراير ١٩٢٢.
وإذن فأيّ شيء جدّ في الأمر؟ أهي حكومتنا التي لم تُحسن تصريف هذا الأمر الدقيق، ومراعاة ما يحيط به من الظروف، فاضطربت فيه اضطرابًا مريبًا، أظهرت للفرنسيين استقلالًا لم تستطع أن تحتفظ به وتمضي فيه، وأظهرت للإنجليز تهالكًا لم تستطع أن تخلّص منه أو تتراجع عنه؟ فصدقها الفرنسيون وهمّوا أن يعاملوها معاملة الحكومة المستقلة، وأسرع الإنجليز فاستغلوا تهالكها عليهم، وإسرافها في الاستعانة بهم، ونشأ عن هذا الموقف المريب ما كان موضوع حديث الناس منذ أسبوع، وما استنتجته الأهرام بالظن والحدس والتخمين صباح اليوم.
أم هو شيء آخر لم يصل إليه حظ الأهرام من الظن والحدس والتخمين؟ قد يكون هذا وقد يكون ذاك، وكلاهما يُحزن، وكلاهما يسوء.
ولكن وراء هذا وذاك شيئًا لا يُحزن ولا يسوء، بل يسرّ ويرضي، وهو أن موقف الأمة المصرية بإزاء مسألة الدين قد أحدث آثاره الطبيعية، فأخذت الدول تُظهر استعدادها لقبول الرأي المصري، وكلها يحرص على أن يشعر المصريون منها بحسن هذا الاستعداد.
ووراء هذا وذاك شيء آخر، هو أن من الخير أن تتخذ الحكومة في السياسة الخارجية طريقًا واضحة، وخطة صريحة جليّة، لا يظهر فيها عوج ولا التواء. فقد يدعو فساد الظروف السياسية الداخلية للحكومة إلى أن تدور وتضطرب، فتمضي حينًا وترجع حينًا، وتمضي مرة ذات اليمين وأخرى ذات الشمال، وتسرف مرة في القوة، ومرة في الضعف، وتصانع مرة، وتصارح مرة أخرى. كل هذا يحدث—مع الأسف—وكل هذا يمكن تفسيره وتأويله في السياسة الداخلية.
أما في السياسة الخارجية فشرّه إن حدث عظيم، لأن السياسة الخارجية لا ينبغي أن تعتمد على مداورة الأحزاب، ولا مصانعة الأصدقاء ومدافعة الخصوم.
وسواء أصحّت كل هذه الأحاديث أم لم تصح، فإن الذي يُلاحظ دائمًا على سيرة وزارتنا القائمة في مسائل السياسة الخارجية هو أنها لا تخلو من غرابة، وإيثار للغموض والإبهام.
والواقع أننا لم ننتظر خيرًا منذ ارتحل رئيس الوزارة إلى أوربا، فأخذ يظهر في سياحته تلك بهذه المظاهر الفخمة الضخمة التي هي أشبه شيء بالإعلان التجاري منها بالزيارات السياسية.
لم ننتظر خيرًا من هذا الإعلان، بل توقّعنا منه شرًّا كثيرًا. فقد يكون من الحسن أن يظهر رئيس وزرائنا في إيطاليا وفرنسا مظهر رئيس الوزراء لبلاد مستقلة حقًّا، ولكن على شرط أن يجد من نفسه القوة على أن يظل كذلك، وبشرط ألا يستحيل هذا الاستقلال متى وصل رئيس الوزراء إلى جنيف، فأخذ ينتظر وزير الخارجية الإنجليزية، ويصطنع المقبول وغير المقبول من الوسائل ليظفر برؤيته والتحدّث إليه، ثم إذا عاد إلى القاهرة اتخذ المقبول وغير المقبول من الوسائل ليُظهر أنه متمتع بعطف وزير الخارجية الإنجليزية.
هذا التناقض نفسه مريب، وهو إن كان مريبًا بالقياس إلى المصريين—مع أنهم يعلمون من أمر رئيس الوزراء ما يعلمون—فهو أكثر ريبة بالقياس إلى الأجانب الذين إن عرفوا شيئًا فقد تخفى عليهم أشياء.
لقد زار رئيس وزرائنا روما وفرنسا، وتحدّث إلى الحكومتين الإيطالية والفرنسية في مسألة الدين حديث الوزير المستقل، ولكنه لم يلبث أن ذهب إلى جنيف فدار حول وزير الخارجية الإنجليزية دوران الوزير غير المستقل، ثم عاد إلى القاهرة وإذا الإنجليز يتوسطون عند فرنسا وإيطاليا فيما كان يُحدّثهما فيه رئيس الوزراء من غير واسطة.
فإحدى اثنتين: إما أن يكون رئيس وزرائنا مستقلًّا فيسير سيرة المستقلين، أو تابعًا فيسير سيرة التابعين.
أما الاضطراب بين هاتين السيرتين فهو الذي لا خير فيه، وهو الذي يُثير الريب والشكوك، ويملأ الجو بهذه الأحاديث التي أفاض الناس فيها منذ أيام، والتي استنتجتها الأهرام بالظن والحدس والتخمين صباح اليوم، والتي لا تفيد أحدًا من الأجانب ولا من المصريين.
كوكب الشرق ٢ – ٤ – ١٩٣٣ -
استجواب
استجواب
أظنه الاستجواب الثاني في تاريخ مجلس النواب القائم. فأما الأول فكان حول الجامعة، وكان المجلس حريصًا كل الحرص على أن يتعجّل اليوم الذي يُعرض فيه، لأن حياة الدولة يومئذ كانت تتعرض لخطر شديد. وقد عُرض هذا الاستجواب وخرجت منه الحكومة ظافرة، وخرج منه المجلس منتصرًا، وخرجت منه الدولة آمنة على حياتها، مطمئنة على مستقبلها، وخرجت منه الأمة سعيدة راضية، واثقة بأنها لن تتعرض لظمأ ولا جوع.
ونظر الإنجليز إلى ظفر الحكومة، وانتصار المجلس، وأمن الدولة، وابتهاج الأمة، نظرةً فيها ابتسامة ساخرة راضية معًا؛ تسخر من عناية الحكومة والبرلمان بأيسر الأمور، وترضى لأن الجامعة برئت من بعض العناصر الخطرة على سياسة الاستعمار.
أما الاستجواب الثاني فهو هذا الذي تحدث فيه المجلس أمس في تحديد موعده، وهو استجواب أقل ما يوصف به أنه ضئيل الخطر، يدل على فراغ البال، والعناية بصغائر الأمور؛ فهو يدور حول جبل الأولياء. وأيّ شيء يكون جبل الأولياء؟ وأيّ قيمة أو خطر لهذا الخزان الذي إن أُنشئ لم ينفع ولم يضر، وإن لم يُنشأ لم تربح مصر شيئًا ولم تخسر شيئًا؟ لهذا كان المجلس ضيق الصدر بهذا الاستجواب، وبالذين قدموه، وكيف لا يضيق صدر المجلس بهؤلاء الذين يضيّعون وقتهم، ويريدون أن يضيّعوا وقته فيما لا يغني ولا يفيد؟
والظاهر أن أصحاب الاستجواب قد أحسّوا ضيق صدر المجلس، فضاقت صدورهم هم أيضًا بهذا الاستجواب. لهذا كان المجلس متبرّمًا أمس، حريصًا على ألّا يحدّد موعدًا يخطب فيه الخطباء، ويردّ فيه الوزراء. وكان صاحب الاستجواب فاترًا في الإلحاح، يدور حوله ولا يتورّط فيه.
وكان زعيم المعارضة — كما تسميه «الأهرام» — فاترًا أيضًا، يضرب الأمثال بفرنسا مرة، وبلجيكا مرة أخرى. ولم يكن الوزراء أقل فتورًا من الأعضاء؛ فأما وزير الأشغال أصالة والمالية نيابة فقد تخفّف من الحمل وبرئ من التبعة، وأعلن أن رئيس الوزراء يريد أن يردّ بنفسه على هذا الاستجواب.
ورئيس الوزراء — كما تعلم — مريض، وقد يأذن له الأطباء في إمضاء الأوراق، وفي الذهاب إلى أحد مكتبيه أو إليهما في المالية والرئاسة إن ألحّ في ذلك أو أصرّ عليه، ولكن الوقت الذي يسمح فيه مرضه بأن يسمع فيطيل الاستماع، ويتكلم فيطيل الكلام، بعيد فيما يظهر، قدّره وزير الحقانية بشهر، ووافقه المجلس على هذا التقدير.
والشهر أمد قصير جدًا في حياة مجالس النواب، ولا سيما حين تكون دورتاه قصيرة، وحين تكون مشرفة على نهايتها. والشهر على ذلك أمد قصير تقع فيه حوادث قد تجعل الاستجواب غير مفيد، لأنه تأخر عن إبانه، وقد تثير ما يضطر أصحابه إلى استرداده، وقد تثير ما يدعو الحكومة إلى أن تطلب تأجيله إلى أجل غير مسمى. وقد يتمّ في هذا النظر في العطاءات، والاتفاق مع الذين يقيمون الخزان، فيصبح الاستجواب درسًا من دروس التاريخ، ومناقشة حول مسألة تاريخية خالصة.
أكانت الحكومة مصيبة أم كانت مخطئة حين مضت في إقامة الخزان برغم المصريين، وبرغم الإنجليز معًا في ظاهر الأمر؟ والمناقشات التاريخية قيّمة جدًا، ولكن مكانها — كما تعلم — في غرفات المدارس وحجراتها، لا في قاعات مجلس النواب.
وإذن فقد أُجّل الاستجواب شهرًا، ومن الآن إلى أن ينقضي هذا الشهر ستشرق الشمس ثلاثين مرة، وستغرب الشمس ثلاثين مرة، وستتألق النجوم، وتكثر الهموم. ومن يدري؟ لعل همًّا حادثًا يصرف عن همّ قديم. ثم يقال بعد ذلك إن سادة مصر ينظرون إليها نظرًا فيه شيء من الجد، ويصرفون أمورها تصريفًا فيه شيء من العناية الصحيحة.
كلا، إنما ينظر المسيطرون على مصر إلى مصر نظرة كلها سخرية واستهزاء. ولو قد عني المسيطرون على مصر بشؤونها عناية صحيحة فيها شيء من الجد ولو قليلًا، لما أقام رئيس الوزراء في الحكم وهو مريض، يعجزه مرضه عن العمل، فتتعطل المصالح، وتضيع المرافق، ويمرض معه البرلمان، ويصبح نشاط مجلس النواب رهينًا بنشاطه، وحياة مجلس النواب موقوفة على حياته.
استطاع رئيس الوزراء أن يتابع نشاط البرلمان شهرًا ونصف شهر، ثم مرض منذ شهرين، فمضى البرلمان في طريقه — كما استطاع — مضطربًا متعثرًا، إلا حين يذهب أعضاؤه إلى الزمالك أو إلى منزله ليظهروا أسفهم لمرض الرئيس، واغتباطهم بشفاء الرئيس، وأملهم في نشاط الرئيس. فأما فيما عدا ذلك فمرض يشبه الشلل — كما قالت «الأهرام» منذ أيام.
وتثار في المجلس مسألة لها خطرها، لأنها تمسّ حياة مصر من جميع فروعها، فيجاب النواب بأن رئيس الوزراء مريض، وهو يريد أن يقول في هذه المسألة قوله، فانتظروا حتى يطلق اللّٰه لسانه، ويأذن له بالكلام.
ويقبل النواب مثل هذا راضين عنه، مبتهجين له، كأنهم إنما أقبلوا إلى البرلمان ليكونوا رهنًا بأمر الرئيس ورغبة الرئيس. وكأن مصالح مصر ومرافقها وحياتها أهون عليهم من صحة رئيس الوزراء.
فإذا انقضى الشهر، ولم تسمح صحة رئيس الوزراء له بأن يشهد جلسات المجلس ويشترك في أعماله، فماذا يصنع الوزراء؟ وماذا يصنع النواب؟ وماذا يصنع المستجوبون؟ سيطلب الوزراء التأجيل شهرًا آخر حتى ينشط الرئيس، وستلحّ الأغلبية في هذا التأجيل، وتبتهج له لعلها ترى الرئيس، وستتورط الأقلية فتبتهج كغيرها لهذا التأجيل، لعلها تبدأ معارضتها بالترحيب بالرئيس وتهنئته بما ساق اللّٰه إليه من شفاء.
وفي أثناء ذلك تمضي الحكومة في إقامة الخزان، لا تلوي على شيء. أجدّ هذا أم هزل؟ أعناية هذا أم إهمال؟
وأغرب من هذا كله أن جواب رئيس الوزراء معروف؛ فهو لن يزيد على هذا الجواب الذي أُرسل إلى زعيم المعارضة في المجلس — كما تسميه «الأهرام» — حين قدم سؤالًا في هذا الموضوع، فأُجيب بأن الأمر من حق السلطة التنفيذية، لا من حق البرلمان. لن يزيد رئيس الوزراء إن تكلّم عن هذا المعنى، وسيغضب المعارضون، وستكرههم الأغلبية على الصمت، وسيصوغ بعض الأعضاء اقتراحًا فيه الثقة بالوزارة والانتقال إلى جدول الأعمال، وستقبل الحكومة هذا الاقتراح، وتقبله الأغلبية، وتخرج الحكومة ظافرة، ويخرج المجلس ظافرًا، ويبتسم ممثل الحكومة الإنجليزية ابتسامة فيها سخرية ورضا. ولن يكون شيء غير هذا إن أذن اللّٰه لرئيس الوزراء بالنشاط.
وإذن فلم لا يُمثَّل هذا الفصل بعد عشرة أيام؟ ولم يؤجَّل هذا التمثيل شهرًا كاملًا؟ ولم يحرص رئيس الوزراء على أن يشترك في هذا التمثيل؟ أهو شيء عظيم جدًا لا يريد رئيس الوزراء أن يفوته الاشتراك فيه؟ أهو شيء خطر جدًا لا يأمن رئيس الوزراء أن يكله إلى وزير الأشغال أصالة والمالية نيابة؟
فإن تكن الأولى، فما موضع العظمة في هذا الفصل التمثيلي؟ وإن تكن الثانية، فما موضع الخطر؟
إن الناس جميعًا يعلمون حق العلم أن الحكومة قد أخذت نفسها بإقامة الخزان، وأنها ستمضي في إقامته دون تردد ولا إبطاء مهما تكن الظروف، ومهما يقل النواب، لا يصرفها عن ذلك إلا سقوط الوزارة.
ولعلك قرأت «الأهرام» أمس، ولعلك فهمت أن الأمور مرهونة بأوقاتها، وأن سقوط الوزارة قد يكون، ولكن في الوقت الموقوت. وهذا الوقت الموقوت قد يكون في يونيو، وقد يكون في يوليو، وقد يكون قبل ذلك وقد يكون بعد ذلك، ولكنه لن يحين إلا بعد أن يتم التدبير والتقدير لإقامة الخزان.
فليؤجَّل الاستجواب شهرًا، وليؤجَّل الاستجواب شهرين، ولينظر الاستجواب قبل الشهر أو قبل الشهرين؛ فلن تفيد مصر من تأجيله أو تعجيله شيئًا.
كوكب الشرق ٣٠/٣/١٩٣٣ -
زيارتان
زيارتان
من المحقق أن حظَّ الأزهر من الرعاية لم يجد حظَّ الجامعة المصرية في هذه الأيام، لا بالقياس إلى حضرة صاحب الجلالة الملك، فهو يرعى مرافق مصر كلها بما ينبغي لمقامه السامي من العدل والعطف والبر بشعبه الكريم عليه، المخلص له، بل بالقياس إلى الحكومة التي لا تتنزّه عن الأثرة، كما أنها لا تتنزّه عن الإيثار. وقد تعلم أنت كما أعلم أنا أن رئيس وزرائنا هو حامي الدين، والذائد عن الإسلام، والأثير عند الشيخ الأكبر مهما تختلف الظروف وتتبدل الخطوب، والذي لا يأتي عملًا إلا التمس له الشيخ الأكبر تأييدًا أو تخريجًا في كتاب من كتب الفقه، أو سفر من أسفار الأصول.
وحكومتنا – كما تعلم أنت وأعلم أنا – حكومة تقليد لا تجديد، قامت لتحقيق غرض واحد، هو أن تردّ مصر والعالم الإسلامي إن استطاعت إلى سماحة الإسلام وطهارته، وأن تمحق البدع محقًا، وتمحو الإلحاد محوًا. فلا غرابة في أن تؤثر الأزهر بالعناية والرعاية، وتنكب الجامعة ما استطاعت إلى التنكيل بها سبيلًا، فإن أعياها ذلك وضعت الجامعة موضع المغضوب عليه، المزهد فيه.
ولست أريد الآن أن أذكر ما ربح الأزهر، أو بعبارة أدق ما ربح الأزهريون من عطف الحكومة على الأزهر، وما خسرت الجامعة والجامعيون من غضب الحكومة على الجامعة، فقد يكون لهذا يوم قريب. وإنما أقف عند شيء واحد لا أعدوه، ذكرته حين قرأت ما نشرته الصحف من وصف الزيارة الملكية لكلية أصول الدين أمس.
في أواخر فبراير من السنة الماضية، تفضّل جلالة الملك فشرّف الجامعة بزيارته الكريمة. فزار كلية الحقوق والآداب والمكتبة، ثم تفضّل فذهب إلى سرادق الجامعة حيث سمع النثر والشعر، وحيث تفضّل فوزّع بيده الكريمة بعض شهادات الدرجات الجامعية العلمية والتشريفية على أصحابها.
ولاحظ الناس يومئذ أن الجامعة لم يُسمَع لها في هذا الحفل صوت.
وإنما سمعوا وزير المعارف يخطب بصوته العميق العريض فيطيل، وسمعوا مفتشًا من وزارة المعارف ينشد قصيدة لشوقي رحمه الله، وتفضّل صاحب الجلالة فزار كلية من كليات الأزهر أمس، فلم يُسمع في هذه الزيارة لغير الأزهر صوت. لم يُسمع صوت المعارف في عمقه وعرضه، ولم يقل مفتش من وزارة المعارف شعرًا ولا نثرًا. ومن الناس من يظن أن مصدر هذا الاختلاف أن الأزهر كان أحرص من الجامعة على أن يتكلم بين يدي حامي الأزهر ومنشئ الجامعة، ولكن هنا يجب الإنصاف، وهنا يجب أن يكتب التاريخ.
فقد أُرغمت الجامعة إرغامًا على ألا تتكلم، لأسباب يعرفها وزير المعارف ووكيله، والذين كانوا يرقون إليه بالكيد، وينزلون عليه بالوحي. واستقال مدير الجامعة أو همَّ أن يستقيل. وتعب عمداء الجامعة في هذا تعبًا شديدًا، وسعى وكيل الجامعة في هذا سعيًا معقدًا ملتويًا طويلًا. وانتهى مدير الجامعة إلى أن نزل لوزير المعارف عن الكلام بين يدي صاحب الجلالة. فتكلم وزير المعارف وبرع في الكلام، وقال فأطال القول، وانتهت الزيارة، وانصرف الناس، وبعضهم يتحدث إلى بعض بأنهم أقبلوا ليستمعوا لمدير الجامعة فإذا هم يستمعون لوزير المعارف. وتنبأ بعضهم لبعض بأن منع الجامعة من الكلام بين يدي منشئ الجامعة لا يدل على خير، وكان بعضهم يسبق الحوادث فيرى في منع الجامعة من الكلام نذيرًا بأنها ستمنع من العمل قليلًا أو كثيرًا. وكان بعضهم يرى في إنشاد مفتش من وزارة المعارف للشعر في حفل جامعي نذيرًا بأن يد وزارة المعارف ستنبسط في الجامعة والجامعيين حتى تخضع الجامعة لوزير المعارف ووكيله والذين يرقون إليه بالكيد، والذين ينزلون عليه بالوحي.
ولم تمض أيام أربعة حتى كان من أمر الجامعة ما كان، ولم يتم العام دورته حتى غُيّر قانون الجامعة فقصّت أجنحتها، وحيل بينها وبين العمل الجامعي الصحيح. وفي أثناء هذا العام أُقصي من الجامعة من كرههم الوزير ووكيله، وضُيّق على الذين لم يُكرهوا ولم يُخافوا، ولكنهم وُضعوا موضع الشك والريبة، ووُسّع فيها على الذين عرفوا كيف يدورون حول الأقطاب في القمة والحضيض، وجرت أمور الجامعة – كما علمت – متعثرة، مشي المقيد في الوحل كما يقول مسلم بن الوليد.
أما الأزهر الشريف فلا أظن أن أحدًا نازع شيخه الأكبر في الكلام بين يدي زائره الكريم، وتعليل ذلك يسير، فكلام الشيخ الأكبر بين يدي صاحب الجلالة المتديّن أهون على الله والناس من أن يُخاف أو يُحسب له حساب.
وشخص الشيخ الأكبر ألين عودًا، وأشد مرونة من أن ينكره رئيس الوزراء أو يحاول التخلص منه. وقد بذل الشيخ الأكبر من الجهد والقوة في تأييد رئيس الوزراء وأعماله وأقواله وآماله ما لم يبذله مدير الجامعة السابق. وطمع رئيس الوزراء من شيخ الأزهر فيما لم يطمع في مثله من مدير الجامعة السابق. فما الذي يمنع حامي الإسلام أن يُخلي بين شيخ الإسلام وبين الكلام؟
ولا تقل إن شيخ الأزهر رجل دين فيجب أن يتكلم، لأن الوزراء لا يحسنون من علم الدين ما يُحسن. فأنا أؤكد لك أن مدير الجامعة السابق رجل علم، فكان يجب أن يتكلم، لأن الوزراء، وفيهم وزير التقاليد، لا يحسنون من العلم بعض ما يُحسن. وأنت تعلم أن كثيرًا من الوزراء إذا تكلموا لم ينشئوا الكلام، وإنما أُنشئ لهم. وقد أُنشئت لوزير التقاليد خطبته يوم الجامعة، فتلاها بصوته العميق العريض. فكان من الممكن أن تُنشأ خطبة أزهرية لوزير مختص بشؤون الأزهر فيتلوها، ولكن شيخ الأزهر أُثير، ومدير الجامعة لم يكن مرغوبًا فيه، ولكن رجال الأزهر تورطوا في تأييد رئيس الوزراء، ورجال الجامعة أبوا أن يكونوا أداة سياسية لرئيس الوزراء. وكان رجال الأزهر يريدون، أو يرضون، أن يكونوا دعاة إلى الرجوع، وكان رجال الجامعة يريدون أن يكونوا رسل الرقي، ولكن رجال الأزهر يجدون في بسط سلطان الحكومة القائمة على الشعب خيرًا، وكأن رجال الجامعة لا يفكرون في حكومة ما، وإنما يريدون تحرير العقل. وتحرير العقل خطر، لأنه وسيلة الحرية والديمقراطية. وإذن فيجب أن يُخفت صوت الجامعة، ويجب أن يرتفع صوت الأزهر.
وكان في الجامعة قوم لا يحبون أن تخفت أصواتهم فأُبعدوا عنها، وليس في الأزهر إلا من يحب أن يرتفع صوته إن شاءت الحكومة، ويخفت صوته إن شاءت الحكومة، فيجب أن يُقربوا جميعًا.
ولا تقل إن رجال الأزهر رجال دين فيجب أن تُعرف لهم مكانتهم الدينية، فإن رجال الجامعة رجال علم، وقد أدوا واجبهم العلمي أحسن أداءً، ورفعوا مكانة مصر العلمية وكرامتها في أقطار الأرض، ولم يؤدِّ رجال الدين واجبهم الديني، ولا نهضوا منه بشيء.
أتذكر أننا استفتينا شيخ الأزهر في التمثيل والرقص والغناء، وما يُنفق عليها من أموال المسلمين في الأوبرا، وأكدنا لك أن الشيخ سينكر إعانة الأوبرا في مجلس الشيوخ. فقد مرت ميزانية وزارة المعارف أمام مجلس الشيوخ يوم الاثنين، أي قبل الزيارة الملكية للأزهر بليلة واحدة، فلم تُذكر إعانة الأوبرا، ولم يُسمع صوت الشيخ. ومن يدري؟ لعله تخلّف عن هذه الجلسة عمدًا لتبرأ ذمته من إعانة التمثيل والرقص والغناء، فغيّر المنكر بالصمت، واكتفى بأضعف الإيمان. ومن يدري؟ لعله تخلّف عن هذه الجلسة مضطرًا ليتمرن على إلقاء خطبته بين يدي صاحب الجلالة، فآثر حسن الإلقاء على حسن البلاء في سبيل الإسلام والمسلمين.
لا تقل إن رجال الأزهر رجال دين، فيجب أن تُراعى مكانتهم الدينية، فإن رجال الدين لا يسكتون على موت السنوسي، لأن وزارة مصر الإسلامية أبت أن تأذن له بالاستشفاء في مصر الإسلامية. إنما رجل الدين هو الحاخام الأكبر، الذي لم يتردد في أن يشارك الإسرائيليين في الاحتجاج على ما يُقال إن اليهود يلقون من الشر في ألمانيا.
لا، ليست المسألة مسألة دين ولا مسألة علم، وإنما هي مسألة سياسية ليس غير. رأت الوزارة في الجامعة معهدًا خطرًا على سياسة القهر والتسلط فغضبت عليها، ورأت في الأزهر – أو في شيوخه – مؤيدًا لهذه السياسة فرضيت عنه وآثرته بالخير. أما الأمة فإنها تعلم حق العلم أين الذين يؤيدونها وينصرونها، ويهيئون لها وسائل الحرية والعزة والكرامة، فتنظر إليهم في حب، وترمقهم في أمل.
فليهنأ الأزهر برضى الحكومة، ولتهنأ الجامعة برضى الأمة وغضب الوزارة.
كوكب الشرق ٢٩-٣-١٩٣٣ -
غيوم
غيوم
يظهر أن في جوّ السياسة المصرية الخارجية غيومًا، لعلها خفيفة رقيقة ليس وراءها شيء، ولعلها ثقيلة صفيقة وراءها أشياء. ولعل الأيام المقبلة تكشف عما تحجب هذه الغيوم من خير أو شر. ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أن من الواجب العناية بهذه الغيوم، وتتبعها في دقة وفطنة. ومن الواجب أيضًا أن يجدّ المصريون في أن يقفوا منها موقف الصراحة التي لا تحتمل شكًّا ولا تأويلًا. وما الذي يمنعهم من ذلك؟ وآمالهم ومثلهم العليا في حياتهم الداخلية، وفي علاقاتهم الخارجية، واضحة كل الوضوح، جليّة كل الجلاء. ووسائلهم إلى تحقيق هذه الآمال، والوصول إلى هذه المثل العليا، لا غموض فيها ولا إبهام.
فهم يريدون أن يكونوا أحرارًا في بلادهم بكل ما يدلّ عليه معنى هذه الكلمة، ويسلكون إلى تحقيق هذه الحرية سبلهم الواضحة التي يراها الناس حبًّا، والتي قوامها المطالبة بالحق في غير هوادة، وفي غير مراوغة ولا دوران.
فهم يريدون أن تكون صلاتهم الخارجية قائمة على الحرية، لا يُكرهون عليها إكراهًا، ولا يُدفعون إليها دفعًا، ولا يُستدرجون إليها استدراجًا، ولا يُقضى فيها وهم غائبون.
والظاهر أن الوزارة المصرية القائمة تقف الآن مواقف مريبة إلى حدّ ما في بعض المسائل ذات الخطر، فتثير مواقفها هذه شكوكًا وأوهامًا ليس من مصلحة أحد أن تثور. ونحن نذكر من هذه المواقف المريبة التي تقفها الوزارة الآن ثلاثة ليس غير.
فأما أولها فموقف الحكومة بإزاء المفاوضة مع الإنجليز؛ فقد كان رئيس الوزراء يستغل مسألة المفاوضة في الأعوام الماضية، ويتخذ سعيه إليها وآماله في الظفر بها وسيلة من وسائل البقاء في الحكم. وقد قال في ذلك فأكثر، وقال زميله القديم توفيق دوس باشا في ذلك فأطال. ثم انقضت هذه الآمال، وتبددت هذه الأماني، وظهر أن لا مفاوضة ولا شيء يشبه المفاوضة. ولكن الحديث عن المفاوضة عاد فتجدّد في أول هذا الشتاء، وأخذ الناس يقولون إن أحاديث تجري بين رئيس الوزراء والمندوب السامي، ويشيعون أنها تتقدم حينًا وتتأخر حينًا آخر.
ثم مرض رئيس الوزراء، وعجز عن المفاوضة والمحادثة أو ما يشبهها، ولكن الناس ظلوا يتحدثون عن المفاوضة، وغلا بعضهم فقال: إن ما عجز عنه صدقي باشا ينهض به قوم آخرون غير صدقي باشا.
ثم سافر المندوب السامي فجأة، ولعله لم ينخدع لها أحد، فكثرت الإشاعات، واستفاضت الأحاديث بأن في الأمر شيئًا، وبأن مشروع معاهدة قد تمّ. وسافر المندوب السامي ليعرضه على حكومته؛ فإن أقرّته أمضاه رئيس الوزراء، واستقال لأن مهمته انتهت. وإن رفضته استقال رئيس الوزراء لأنه عجز عن تحقيق الاستقلال، وقد أخذ على نفسه عهدًا ليحققن الاستقلال، أو لينزلن عن الحكم.
والناس يختلفون في مشروع المعاهدة هذا؛ فمنهم من يرقى به حتى يبلغ المشروع الذي وصل إليه الوفد الرسمي الأخير، ومنهم من ينزل به حتى يصل إلى مشروع ثروت-تشامبرلين، ومنهم من يضطرب بين هذين المشروعين هبوطًا وارتفاعًا. وأكبر الظن أن أكثر هذه الأحاديث غير صحيح، ولكن هناك شيئًا لا شك فيه، وهو أن هذه الأحاديث التي تتصل وتستفيض وتلحّ في الاستفاضة والاتصال قد أثارت ريبًا كثيرًا في نفوس الناس من المصريين والأجانب.
فأما المصريون فمن حقهم أن يرتابوا، لأن الأمر يتصل بحياتهم واستقلالهم، وهم لم يتعودوا إلحاحًا في التكتم والمداورة حول مسألة الاستقلال كهذا الإلحاح في التكتم والمداورة الآن. وهم لا يثقون بالوزارة القائمة، ولا يطمئنون إليها. ولعل أيسر ما يقال عن رأيهم في هذه الوزارة أنهم يرتابون أشدّ الارتياب بكل ما تأتي؛ لأنهم قد جرّبوا عليها الإسراف في الهوان، والإفراط في التقصير، والغلوّ في دفع الأثمان الباهظة لأيسر الأشياء وأقلّها خطرًا.
وهم يعلمون حقّ العلم أن البقاء في الحكم شيء له قيمته، ويجب أن يؤدّى ثمنه، فيخافون—ومن حقهم أن يخافوا—ألّا يكون إسراف الحكومة في تملّق الإنجليز، ومبالغتها في تحقيق أغراضهم ومآربهم في مصر والسودان، كافيًا للحياد النزيه، ووسيلة كافية للبقاء في الحكم. وأن تُعرض الوزارة، أو يُطلب إليها أصدقاؤها والمؤيدون لها من الإنجليز، مشروعَ معاهدةٍ معيّنًا على أن يكون ثمنًا للحكم وقتًا آخر، طويلًا أو قصيرًا.
وأما الأجانب فلم ينظروا في يوم من الأيام—وهم لا يستطيعون أن ينظروا—إلى المفاوضات بين المصريين والإنجليز نظرة المستخف الذي لا يحفل ولا يكترث؛ فلهم مصالحهم أيضًا في مصر، وهذه المصالح جزء من موضوع المفاوضات. ومن حقهم أن يعرفوا، أو أن يحاولوا أن يعرفوا، إلى أي حدّ تُراعى هذه المصالح، وعلى أي نحو تُراعى، وماذا يبقى لهم، وماذا يُؤخذ منهم. فإذا كانت المفاوضات سرًّا مكتومًا، وحديثًا من وراء ستار، فليس غريبًا أن تثور الريبة في نفوس الأجانب هؤلاء، وليس غريبًا أن تكثر بينهم الأحاديث، وتستفيض فيهم الإشاعات؛ فيفرح منهم فريق، ويجزع منهم فريق آخر، ويضطرب الجوّ السياسي على كل حال.
هذا كله ولم نذكر البرلمان الذي لا يعلم من أمر هذه الأحاديث أكثر مما علمه عامة الناس، ولكن البرلمان راضٍ عن موقفه هذا، فلندعه وما يرضى.
ونستطيع أن نؤكد أن هذا الغموض والإبهام، وهذا التستّر والتكتم، ليس من شأنه أن يوجد في مصر جوًّا صالحًا لحياة صالحة. وما رأيك في جوّ سياسي قوامه الإشاعات المضطربة المختلطة، التي تدعو إلى الريبة وسوء الظن، وتُلقي في روع المصريين والأجانب معًا أن شيئًا يجري خلف ستار، هو بالمؤامرة أشبه منه بالمفاوضة؟
أما الموقف الثاني من المواقف المريبة التي تقفها الحكومة فبإزاء الدين. فقد زعمت الحكومة أن رئيسها وُفِّق إلى إقناع الدول الأوروبية بوجهة النظر المصرية، كما يقولون، وعاد رئيس الوزراء من أوروبا فتمدّح بهذا الفوز في شيء من الدلال والتيه، وفي لون من التلميح والتعريض، وفي تجنّب للصراحة والوضوح، كما يفعل أصحاب الكفايات السياسية العليا. ثم ظهر أنه لم يوفّق إلى شيء. فأوفد صاحب السعادة عبد الحميد بدوي باشا إلى إيطاليا وفرنسا وإنجلترا ليجدد الحديث في هذا الموضوع، وقيل إنه وُفِّق إلى شيء كثير، ثم قيل إنه لم يوفّق إلى شيء.
ثم صدر حكم المحكمة المختلطة فغضب الناس جميعًا، وأعلن رئيس الوزراء أنه لن يدفع إلا ورقًا، ولكنه لم يتخذ إلى الآن وسيلة من الوسائل ليثبت للناس أنه يريد أن يفعل كما قال.
ومن هنا ابتدأت الريَب والشكوك في نفوس المصريين والأجانب معًا: أيريد رئيس الوزراء أن يلائم بين قوله وفعله فلا يدفع إلا ورقًا؟ أم هو يريد أن يطاول ويماطل لتهدأ ثائرة الشعب، ثم ينزل بعد ذلك عند ما يريد الدائنون؟
فإن تكن الثانية، فإن المصريين معذورون حين يسيئون الظن ويتوقعون الشر، وينكرون الحكومة التي تخدعهم، والأجانب الذين يستغلونهم. والأجانب معذورون حين يضطربون بين اليأس والأمل، وبين الخوف والرجاء، وحين يترددون بين الذهب النضار، وبين ما قد يضطر إليه المصريون من بغضهم والتبرّم بهم.
وإن تكن الأولى، فما أبطأ الحكومة في اتخاذ قرار حاسم مريح! وما سببها إلى اتخاذ هذا القرار؟ أتريد أن تتخذه وحدها في غير مفاوضة ولا مناقشة؟ أم تريد أن تفاوض وتناقش؟ ومن تفاوض؟ أتفاوض الإنجليز وحدهم ليكونوا وسيلتها وشفعاءها عند الأمم الأخرى؟ أم تفاوض الدول الأخرى في غير وساطة من الإنجليز؟
كل هذه مسائل يخوض فيها الناس من المصريين والأجانب، فتثير في نفوسهم شكوكًا وريَبًا، وتخلق جوًّا رديئًا قوامه سوء الظن، وفساد الرأي، وضعف التعاون الذي يجب أن يكون بين الذين يعيشون على ضفاف النيل من المصريين والأجانب جميعًا. كلٌّ يرتاب بصاحبه، وكلٌّ يخاف من صاحبه، وكلٌّ يصدق فيه قول الشاعر القديم:
فإمّا أن تكون أخي بحق فأعرف منك غثّي من سميني
وإلّا فاطرحني واتخذني عدوًّا أجتويك وتجتويني
الموقف الثالث من هذه المواقف المريبة موقف الحكومة في شأن الامتيازات؛ فالمصريون جميعًا يكرهون الامتيازات، ويريدون أن يتخلصوا منها كما تخلّص غيرهم من الأمم الشرقية. وكانت الحكومة المصرية تصل مسألة الامتيازات بمسألة المفاوضة مع الإنجليز. فلما صدر حكم المحكمة المختلطة في مسألة الدين ظهرت مطالبات منظّمة بإلغاء الامتيازات فورًا، لم يخفَ عنها أحد من المصريين ولا من الأجانب المقيمين في مصر، بل عرف أولئك وهؤلاء من أين هبّت الريح. وقد بلغت الريح البرلمان، لكنها لم تلبث أن هدأت، فهدأت حاسة النواب والشيوخ، واستقرّت فاستقرّت حاسة تلك الجماعات التي كانت ترسل العرائض في كل يوم إلى الصحف. ولعل المصريين والأجانب جميعًا قد فهموا—أو كادوا يفهمون—كيف هبّت الريح وكيف استقرّت، ولكن استقرار هذه الريح لم يستتبع استقرار النفوس في البيوتات المصرية والأجنبية؛ فالمصريون ينتهزون الفرصة ليلحّوا في إلغاء الامتيازات، والأجانب يقفون موقف الدفاع حينًا، وموقف الهجوم المنكر حينًا، وموقف الريبة والخوف على كل حال.
وليس من مصلحة أيّ إنسان أن يكون الخوف والريبة والبغض قوام الصلات بين المصريين والأجانب. ولا يقف الأمر عند هذا الحد؛ فهذه جريدة «الديلي» تشير إلى هذه المواقف الثلاثة التي تقفها الحكومة المصرية في الدين، والمعاهدة، والامتيازات، فيظهر في إشارتها الشك والارتياب أيضًا. فليس الشك مقصورًا إذن على المقيمين في مصر، وإنما يتجاوزهم إلى أوروبا وصحفها الكبرى.
ومع ذلك فليس هناك موقف أصرح ولا أوضح من موقف الأمة المصرية الطبيعي بإزاء هذه المسائل الثلاث؛ فهي فيما بينها وبين الإنجليز تريد استقلالًا شريفًا لا لبس فيه ولا غموض، وهي فيما بينها وبين الدائنين تريد أن تدفع بنقدها كما تفعل الأمم التي لا تزال معتزمة أداء ما عليها من دين، وهي فيما بينها وبين الدول صاحبات الامتيازات تريد أن تلغي هذا النظام العتيق، وأن تلغيه في غير مواربة ولا عداء.
فما الذي يمنع الحكومة أن تقف من هذه المسائل موقفًا صريحًا واضحًا كموقف الأمة، فتزيل الشكوك وتمحو الريَب؟ الذي يمنعها شيء يسير لا تحفل به، ولكنه قوام الحياة الصالحة في كل دولة تقدّر كرامتها: وهو أن الصلة قد انقطعت بينها وبين الأمة؛ فهي تسيء الظنّ بالشعب وتخاف منه على كل شيء، والشعب يسيء الظنّ بها ويخاف منها على كل شيء. والغريب مع ذلك أن يعتقد بعض الأجانب من الإنجليز وغير الإنجليز أنهم يستطيعون أن يتفقوا مع هذه الوزارة على شيء ضئيل أو عظيم.
كوكب الشرق ٢٨ – ٣ – ١٩٣٣ -
مقاومة
مقاومة
لا عنف فيها ولا حدّة، ولا بأس فيها ولا شدّة، ولكنها هادئة مطمئنة، يخيل إلى كثير من الناس أنها استسلام وإذعان، فإذا بلغوها وجدوا فيها مرّة، وإذا اختبروها وجدوا فيها صلبة، وإذا سلطوا عليها ما يملكون من قوة لم يبلغوا منها شيئًا. وإذا ابتسامات هذه المقاومة الهادئة ليست مظهرًا من مظاهر الضعف، ولا لونًا من ألوان الرضا، ولا أسلوبًا من أساليب الإذعان، وإنما هي سخرية لاذعة ممضّة، تغرّ وتغري، حتى إذا دنا منها الطامع فمسّها، والمزدري لها وجد عندها السم الزعاف، فارتد عنها مفلول الحدّ، مقطوع الرجاء.
ما أجمل هذا الهدوء الهادئ الذي يحسبه المستعمرون ذلّة، فإذا هو العزة كل العزة، ويراه الطامعون إذعانًا، فإذا هو الإباء كل الإباء. وإذا هو الدليل الواضح والبرهان القاطع على أن الثورة ليست في العنف وحده، ولا في الشدّة وحدها، ولا في هذا الاضطراب الذي يفسد فيه النظام، وتقع فيه الآثام، وذهب فيه الأخيار الأبرياء فداءً للأشرار الآثمين؛ وإنما قد تكون دعةً وأمنًا واطمئنانًا، يدور حولها العدوّ فلا يصل إليها، ولا يستطيع أن يدنو منها. حتى إذا جدّ الجد تبيّن أنه قد أنفق جهده في غير طائل، وأضاع وقته في غير غناء.
ما أكثر ما عنى الشعراء وأصحاب الفن هذه الابتسامات الساحرة التي ترتسم على ثغور بعض الأفراد هازئة بالحوادث، مزدرية بالخطوب. وما أكثر ما عنى الشعراء وأصحاب الفن بابتسامات الأفراد هذه، فأبدعوا وأجادوا، وأظهروا للناس آيات فنية خالدة. وما خلقهم أن ينظروا إلى ابتسامات أخرى ساخرة هي أروع من تلك الابتسامات وأجمل، وهي أكثر منها وقعًا في القلوب، وأبعد منها أثرًا في النفوس، لأنها ابتسامات تترجم عن سخرية الشعب من قوة الأقوياء، وازدراء الأمة لسلطان المتجبّرين.
في هذه الابتسامات الشعبية جمال الصبر والجلد، وجمال العزّة والشمم، وجمال الثقة والأمل. وفيها فوق هذا كله وبعد هذا كله جمال التضامن الصادق، والتعاون الذي لا يجد الضعف ولا الفشل سبيلًا إليه.
ما أجدر الشعراء وأصحاب الفن أن يصوّروا سخرية الشعوب هذه، وما أجدر المتسلطين والذين يريدون أن يكرهوا الأمة على ما لا تحب، ويأخذوها بما لا ترضى، أن ينظروا هم أيضًا إلى هذه الابتسامات. فلعلها أن تثير في نفوسهم العظة، ولعلها أن تملأ قلوبهم بالعبرة، ولعلها إذ تقنعهم بأن إذلال الأفراد قد يكون ميسورًا، ولكن إذلال الأمة شيء لا يطمع فيه.
فمن الحمق أن يُنفق فيه الجهد، ويُضاع فيه الوقت، ويضحّي فيه الساسة بذكائهم وكفايتهم. وما يطمعون فيه من حسن الأحدوثة وبعد الصيت.
ما أجمل هذه الابتسامات وقد ارتسمت على ثغر مصر منذ نهض رئيس الوزراء بأعباء الحكم، فما زالت مرتسمة على هذا الثغر، لم تفارقه ولم تتحوّل عنه، ولم يشبها عبوس، ولم يغيّر من صفائها وجمالها تقطيب ولا شحوب.
لقد نظرت مصر إلى صدقي باشا حين ألّف وزارته، ففهمت ما كان يريد، فابتسمت له شفقةً عليه، تعظه وتحذيرًا. ولكنه أخطأ فهم هذه الابتسامة، فلم يرَ فيها وعظًا ولا نصحًا ولا نذيرًا، وإنما رأى فيها رضًا وتشجيعًا وتسليمًا. فمضى في سبيله يشتدّ ويسرف في الشدة، ويغيّر ويُغلو في التغيير، ويبدّل ويُمعن في التبديل.
وهو كلما مضى في طريقه شوطًا نظر إلى مصر فرأى ابتسامة الإشفاق والنذير. ولم يفهم منها إلا الإذعان والتسليم. فيستجمع قواه ويمضي أمامه مشتدًّا ملحًّا. وإذا قويت تسلّط على البرلمان فيحلّه، وعلى الدستور فيغيّره. ثم على الأفراد والجماعات فيُؤخذ بعضها بالرغبة، وبعضها بالرهبة. ثم على المصالح العامة كلها فيسري فيها الفساد كما تسري العلّة في جسم الرجل الصحيح. ثم على السياسة الخارجية بيننا وبين الإنجليز، وبيننا وبين غير الإنجليز من الأمم: فإذا هي مزاج غريب، ظاهره العزة التي لا تخدع أحدًا، وباطنه التسليم والانخذال.
وهو كلما مضى أمامه شوطًا أو أشواطًا نظر إلى مصر فرأى هذه الابتسامة المشفقة الساخرة. ولم يفهم منها إشفاقًا ولا سخرية، حتى بلغ به الجهد أقصاه، وانتهى به الإعياء إلى غايته. هنالك وهناك فحسب. ولكن بعد فوات الوقت وضياع الجهد: يبدو له أنه قد غرّه بأمته الغرور، فأصغر من شأنها وهي كبيرة، وحقّر من أمرها وهو عظيم، وظنّها راضية وهي ساخطة، وحسبها مذعنة وهي شديدة الإباء.
هنالك وهناك فحسب نظر أمامه فلم يرَ إلا جهدًا قد أنفق عبثًا، وقوةً قد ذهبت هباء. والتفت عن يمينه وعن شماله فلم يرَ لنفسه مخرجًا من هذا المأزق السياسي الحرج الذي ورّط نفسه فيه؛ فوقف حيث أراد اللّٰه أن يقف، لا يستطيع أن يتقدّم لأن الطريق أمامه مغلقة، ولا يستطيع أن يتأخّر لأن السبيل وراءه مقطوعة. فهو حائر لا يدري ماذا يصنع، ولا يعرف كيف يقول.
وأصدقاؤه الذين ظاهروه وناصروه، وأولياؤه الذين عقدوا به الآمال، وناطوا به الأماني: ينظرون إليه ويوبّخون عليه ويمدحون به. ويقولون له: ماذا صنعت؟ وإلى أين انتهيت؟ أين تلك الآمال الواسعة والأماني العريضة؟ أين أنت وأين نحن من تحقيق الأمل وتصديق الظنّ وإنزال هذه الأمة حيث تريد؟
نعم، يسألونه فلا يجد لهم جوابًا. ويُلحّون عليه في السؤال فيُلحّ هو في الصمت، فيُطرقون كما أطرق، ويسكتون كما سكت. وتأخذهم الحيرة كما أخذته. والأمة المصرية هادئة وادعة، ومطمئنة ساكنة، وعلى ثغرها هذه الابتسامة الحلوة الواضحة التي لم يبقَ شك ولا ريب فيما تريد أن تدلّ عليه.
ماذا؟ أبعد ثلاثة أعوام لا تشرق الشمس فيها إلا على قوة مسلّطة، ولا تغرب الشمس إلا على مكرٍ مدبر، وكيدٍ مهيَّأ. وتظلّ الأمة كما كانت يوم نهض رئيس الوزراء ليبدّل حياةً بحياة، ونظامًا بنظام؟
ماذا؟ لقد كان الزعماء أول الأمر يهمّون بالكلام فيُؤخذون بالصمت، وبالحركة فيُضطرّون إلى السكون، وبالسفر فيُردّون إلى بيوتهم. وكان يُقال: بقيّة من فوضى يجب أن يمحوها الحزم، وفضل من اضطراب يجب أن يزيله النظام. ويُشرف العام الثالث على غايته والأمر كما كان في الساعة الأولى.
لا ينبغي أن يتكلّم الزعماء، ولا أن يتحرّكوا، ولا أن يسافروا؛ لأن الأمة ما زالت لهم محبّة، وبهم واثقة، وحولهم ملتفّة، ولدعوتهم مستجيبة. وإذن ففيم بُذلت القوى؟ وفيم أُنفقت الجهود؟ وفيم بُعثرت الأموال؟ وفيم أُلغي نظام وأُقيم مكانه نظام آخر؟ وفيم حُلّ برلمان وأُقيم مكانه برلمان آخر؟ وفيم سُلّطت الرغبة والرهبة على الأفراد والجماعات؟ وفيم رُقّعت الوزارة رتقًا؟ وفيم بُسطت أيدي المديرين على الناس بما يُباح وما لا يُباح؟ وفيم أضاع رئيس الوزراء صحته وخضع لسلطان الأطباء؟ وفيم هذا كله، ما دام الرئيس الجليل لا يستطيع أن ينتقل إلا التفّت حوله الأمة كلها كأول يوم ألّفت الوزارة، ولا يستطيع أن يتكلّم إلا خفقت له القلوب كلها كأول يوم ألّفت الوزارة، ولا يستطيع أن يدعو إلا استجابت له الأمة كلها كأول يوم ألّفت الوزارة؟ وإذن ففيم كان كل هذا الجهد؟ وفيم ضُحّي بكل هذا الوقت؟
سؤال لا يجد عند رئيس الوزراء له جوابًا. وإنما تجد جوابه واضحًا جليًّا، لاذعًا مخيبًا للآمال في هذه الابتسامة الحلوة المرّة: الراضية الساخطة معًا، المطيعة الميئسة معًا.
هذا رئيس الوفد وصاحبه لم يكد يمتدّ بهما السفر حتى عجزت الحكومة عن أن تحمل حبّ الأمة لهما والتفافها حولهما. فإذا هي تردّهما كارهين في قطار تحميه الشرطة، أو يحميه الجيش، أو يحميانه معًا. كما هي كارهة حين كانا محاولين السفر في العام الأول من أعوام هذه الوزارة.
وما أحبّت الأمة رئيس الوفد ولا صاحبه افتتانًا بشخصيهما، وهيمان بهما: فهما مثلك ومثلي. ولكن الأمة ترى فيهما مبدأها الذي أقسمت لتبلغه، ومثلها الأعلى الذي أقسمت لتنتهين إليه.
هلمّ إذن يا صاحب الدولة فاجمع من شئت من جنود الشرطة وجنود الجيش. ورُدّ رئيس الوفد وصاحبه إلى القاهرة، وضع كلًا منهما في بيته، وأغلق على كلٍ منهما الأبواب، وأقم دون كلٍ منهما الحجاب، وافعل مثل ذلك بغيرهما من الزعماء: فلن تبلغ بهذا كله فوق ما بلغت. وماذا بلغت؟ وأين تجد القوة على استئناف الجهاد؟ أحركة يأس هي أم حركة رجاء؟
فما أكثر ما تعبث الآمال بالنفوس، وما أكثر ما يعجز الناس عن فهم العبر والعظات! وإن تكن حركة يأس: فأصدق الشاعر القديم حين قال:
ربما تكره النفوس من الأمر له فرجة كحّ العقال
أما أنتِ أيتها البلد العزيز الأبيّ، فاحتفظي بابتسامتك الحلوة المرّة. فليس أشد منها غيظًا لحوادث الدهر، ولا أبلغ منها استهزاء بالمحن والخطوب.
كوكب الشرق ٢٥ – ٣ – ١٩٣٣ -
محاولة
محاولة
أما أن رئيس الوزراء قد أخفق في تنفيذ الخطة السياسية التي رسمها لنفسه ، أو التي رُسمت له يوم ألّف الوزارة منذ ثلاثة أعوام ، فذلك شيء لا شك فيه ، لا بالقياس إلى الذين يعارضونه ويخاصمونه ، بل بالقياس إلى الذين يؤيدونه وينصرونه ، وبالقياس إليه هو .
الذين يعارضون رئيس الوزراء لم يشكّوا لحظة في أن إخفاقه محتوم ، وفشله أمر لا بدّ منه ، لأنه أقام سياسته على إكبار كفايته الخاصة أكثر مما ينبغي ، وإصغار شأن الأمة إلى حدّ لا تقبله الكفاية الصحيحة حقًّا . ومن أقام سياسته على إكبار نفسه وإن كان فردًا ، وإصغار خصمه وإن كان أمة كاملة ، فهو مخفق من غير شك .
وقد أخذ المعارضون لرئيس الوزراء يلاحظون سياسته ، ويتابعون خطواته في تنفيذ هذه السياسة ، ويبتسمون لهذه الخطوات التي كان يراها هو انتصارًا ، ويراها معارضوه إمعانًا في طريق الإخفاق والخذلان . فلا هم اغترّوا بهذه الخطب الطوال التي كانت تُحشد ، ولا بالوفود التي كانت تُرسل ، ولا بتأليف ما سمّاه حزب الشعب ، ولا بإنشاء ما سمّاه جريدة الشعب ، ولا بما رآه فوزًا في الانتخاب ، ولا بأسفاره وإقاماته ، ولا برحلاته إلى أوروبا وعودته منها ، وزياراته للعواصم ومقابلته للوزراء ورؤساء الحكومات ، بل للبابا .
لم يغترّوا بشيء من هذا ، لأنهم قدّروا — ومن الحق على كل إنسان له حظّ من الفطنة أن يقدّر — أن الفوز الصحيح الباقي المنتج في هذه الأيام لا سبيل إليه إلا أن يعتمد رجال السياسة على الأمم والشعوب ، لأنها وحدها القوام الثابت لكل سياسة عملية .
ولم يكد يعود صدقي باشا من أوروبا حتى كان فوزه الموقوت قد انتهى إلى غايته ، ولم يبقَ بدّ من أن يتحوّل هذا الفوز شيئًا فشيئًا إلى الفشل والإخفاق . وقد داور صدقي باشا ما استطاع أن يداور ، وأخفى ضعفه ما وجد إلى إخفائه سبيلًا ، ولكنه لم يخدع أحدًا ولم يخفِ شيئًا .
وما هي إلا أن اعترف هو بهذا الإخفاق في كتاب الاستقالة الذي رفعه إلى حضرة صاحب الجلالة الملك ليتخلّص من زملائه الذين خالفوه في سياسة الحكم . فقد كانت هذه الاستقالة نفسها اعترافًا واضحًا بالفشل ، وأي فشل أشدّ ، وأي إخفاق أعظم من أن يعجز رئيس الوزراء عن أن يقنع زملاءه وأقطاب وزارته بسياسته ، ويضطرّ إلى أن يستقيل ليتخلّص منهم ، وإلى أن يعترف بهذا كله في كتاب الاستقالة ؟
وقد رقّع صدقي باشا وزارته كما استطاع ، ولكن لم يستفد من هذا الترقيع شيئًا . فنزع الرقعة التي ألصقها بوزارته في يناير ، ووضع مكانها رقعة أخرى منذ أيام ، وكان هذا الترقيع الأخير تسجيلًا آخر لهذا الإخفاق .
وأنصار رئيس الوزراء يدورون مع رئيس الوزراء ، فهم يردّدون ما يقول ، ويكتبون ما ينطق به ، فيعلنون الفوز إن أعلنه ، ويلطّفون اعترافه بالإخفاق حين يعترف به . وربما كان تسجيل هذا الإخفاق هو الشيء الوحيد الذي اتفق عليه رئيس الوزراء وأنصاره وخصومه جميعًا في وقت واحد ، ولكنهم لا يكادون يتفقون على هذا الإخفاق حتى يختلفوا في المسلك المحرِج منه والتخلّص من أثقاله وآثاره .
فأمّا رئيس الوزراء وأنصاره فيخيّل إليهم أن الترقيع وسيلة من وسائل التخلّص من هذا الفشل ، فهم يرقّعون ويرقّعون ، وهم يكسبون الوقت وينتظرون ما تدور به الأيام .
وأمّا معارضوه وخصومه فيرون أن كل شيء قد دلّ دلالة قاطعة على أن وزارة صدقي باشا لم تكن صالحة للبقاء ، ولم تصبح الآن قادرة على محاولة البقاء ، وأن من العبث أن تتحدّى طبيعة الأشياء وتقاومها . وأنت تعلم حق العلم أنك مهما تؤيّدك القوى الظاهرة والخفية ، فلن تستطيع أن تثبت لطبيعة الأشياء ولا أن تتغلّب عليها .
وإذن فلا مخرج من هذا المأزق الذي اضطرّ إليه صدقي باشا ، وورّط فيه سياسة بلده ، إلا أن يستقيل ، ويدع هذه السياسة لمن هم أقدر منه على تصريفها والنهوض بأعبائها . وحسبه أنه قد أخّر رقيّ وطنه ثلاثة أعوام ، وحسبه أنه قد أضاع على بلاده كثيرًا من الفرص كانت تستطيع أن تنتهزها لتتقدّم خطوات واسعة في سبيل الإصلاح ، وحسبه أنه قد امتحن بلاده ، وأسرف في امتحانها ، وقد فتن أمته وغلا في فتنها ، فأظهر مواضع للضعف ما كان ينبغي أن تظهر مشوّهة قبيحة على هذه الحال .
ولكن رئيس الوزراء يحبّ الحياة لوزارته ، كما يحبّ كل إنسان لنفسه الحياة ، فهو يماطل ويداور ، ولا يريد أن يتعجّل فيقصي نفسه عن الحكم ، وإنما يريد أن تقهره الظروف القاسية فيدع الحكم كارهًا لا طائعًا . وهو يعلّل نفسه بالأماني ، ويذهب المذاهب المختلفة في إطالة مدّته في الحكم ، ولعله لا يعدم من الإنجليز الذين غلوا في تأييده وإعانته من يشاركه في الرأي ، ويقاوم معه طبيعة الأشياء ، ويدفعه إلى التعلّق بالحكم حتى يضطرّ إلى تركه اضطرارًا .
وكذلك وضع رئيس الوزراء نفسه في هذا الموضع المؤلم الذي يثير الإشفاق والرحمة حتى في نفوس خصومه ومعارضيه ؛ فهو ضعيف قد فقد كل حيلة في التماس القوة على النهوض بأعباء الحكم ، وهو مريض في حاجة شديدة إلى الراحة ، وهو رغم ضعفه السياسي ، ورغم مرضه ، متعلّق بالمنصب ، حريص على البقاء فيه .
والناس يقولون (ومن الكتاب السياسيين من يوافقهم على ما يقولون ولا يتحرّج في إظهار شيء من الرضى والأمل بما يقولون) إن في الحركة الإدارية التي أحدثت أمس تمهيدًا لتغيير السياسة الصدقية التي قام على فسادها ألف برهان وبرهان . فقد يظهر أن نقل المديرين من إقليم إلى إقليم إنما هو توسعة على هؤلاء المديرين في أن ينهجوا في السياسة نهجًا رفيقًا ، غير النهج العنيف الذي دفعهم إليه عنف صدقي باشا ، وإيثاره لإظهار القوة والبأس . فقد يكون من العسير على مدير أسيوط السابق أن يلين بعد شدة ، ويخف بعد عنف ، دون أن يعرض كرامته وهيبته لدى الناس . وقد يكون الابتسام على ثغور الناس لا يصور دائمًا الاحترام ، وقد يصور ما هو نقيض الاحترام ، لذلك نقل إلى الغربية ليكون رفيقًا شفيقًا بعد أن كان عنيفًا مسرفًا في العنف . وأرسل إلى أسيوط مدير البحيرة السابق ليظهر فيها من اللين والمصانعة ما لم يكن يستطيع أن يظهره مديرها السابق . وقل مثل هذا في سائر المديرين الذين شملهم التغيير والتبديل .
وقد يكون هذا حقًّا ، وقد يكون صدقي باشا قد رأى أو رُؤِيَ له أن من الخير أن تتغيّر السياسة في الأقاليم ، وأن يؤخذ الناس بالحسنى ، وتنجلي عنهم غمرة العذاب الذي أخذهم من كل مكان ، لتهدأ ثورة النفوس ، وليخفّ ما أشعرته القلوب من بغض للحكام . ولكن الشيء الذي ينبغي الوقوف عنده إن كان هذا الكلام صحيحًا هو أن الحكومة كانت أشد رعاية لنفسها ولمديريها منها لأهل الأقاليم . فهي تضنّ بمدير أسيوط على أن يكون رفيقًا بعد عنف ، ويلين بعد شدة ، وهي تؤثره بحبها وتحرص على كرامته وهيبته من الناس ، ولكنها لم تؤثر هؤلاء الناس بعطفها ورحمتها ، ولم تحرص على كرامة هؤلاء الناس أن يمتهنها مدير أسيوط بما كان يصب عليهم من عذاب فيه الإيلام والإذلال معًا . هي تخاف على المدير من ابتسامة الناس ، ولا تخاف على الناس من عبوس المدير .
كرامة موظفيها أعز عليها ، وآثرها عندها من كرامة الأمة التي إنما أقامت الحكومة لتخدمها وترعى مصالحها ؛ لا لتسخّرها لأنواع الذل ، ولا لتؤثر عليها أفرادًا من الموظفين . ومعنى هذا أيضًا إن صح ما يقوله الناس ، وينتظر الخير منه بعض الكتاب السياسيين ، أن الحكومة تعبث بعقول الناس ، وتلاعب الأمة كما يلاعب الرجل الطفل الصغير .
كان أهل أسيوط يضيقون بمديرهم فينقل هذا المدير ، ويرسل إليهم مدير آخر ، ويخيّل إلى الحكومة أنها قد أرضت أهل أسيوط ، ولكن أهل أسيوط جزء من الأمة المصرية ، لأن أسيوط جزء من أرض مصر . وإساءة مدير أسيوط إلى أهل إقليمه كانت إساءة إلى الأمة المصرية كلها . فانقلوه من أسيوط ، وضعوه حيث شئتم من الأرض ، فلن يغيّر ذلك من الأمر الواقع شيئًا ، والأمر الواقع أن هذا المدير وأصحابه لم يسيئوا إلى أهل أقاليمهم وحدهم ، وإنما أساءوا إلى الأمة كلها ، لأنهم أساءوا إلى القانون الذي كُلِّفوا تنفيذه ، وإلى النظام الذي كُلِّفوا حياطته ، وإلى العدل الذي كُلِّفوا القيام على حمايته . وقد ذهب العصر الذي كانت الحكومات تفرّق فيه بين الأقاليم ، وترى أن الإساءة إلى أحدها لا تمس غيره .
ذهب هذا العصر ، وأصبح كل فرد من أبناء مصر يصوّر الأمة المصرية كلها في حقه على الحكومة من الحماية والرعاية . ولم تبقَ الأقاليم إلا وحدات إدارية ليس غير . وأكثر من هذا أن نقل المديرين أو عزلهم أو محاكمتهم ، كل ذلك لا يغيّر من الأمر شيئًا ما دام الذي بسط أيدي المديرين على الناس مستأثرًا بالحكم ، قادرًا على أن يبسط أيديهم مرة أخرى . فليس الذي يهدئ ثورة النفوس ويلطّف حدة القلوب هو أن ينقل مدير أو يعزل ، وإنما هو أن تستقيل الوزارة أو تُقال .
إن الذين يظنون أن هذه الحركة الإدارية قد تكون تمهيدًا لسياسة جديدة تسلكها الوزارة القائمة يخطئون خطأ قبيحًا جدًّا ، ويقيمون أوضح الأدلة على أنهم لم يفهموا الشعب المصري بعد . فالشعب لا يُخدع من الآن بالصور والأشكال ، والشعب لا يرضى بأن يُنقل مدير مكان مدير ، وإنما يريد الشعب أن تجتثّ هذه السياسة من أصلها ، وأن تتخلّى الوزارة القائمة ليأتي مكانها قوم آخرون ، لا يبسطون أيدي المديرين على الناس إلا بالخير . وأغرب من هذا أن من الكتاب السياسيين من عظم حظهم من خصب الخيال وبعده ، فهم يقدّرون أن هذه الحركة الإدارية تمهيد لتغيير السياسة الإنجليزية المصرية كلها ، ولإقامة وزارة مكان وزارة . وإذن فما أقوى رئيس الوزراء على نفسه ، وما أحراه بالإعجاب والإكبار ، وما أقسى هؤلاء الذين يوحون إليه ويملون عليه ، ويدفعونه إلى أن يمهد لخصومه الذين سيخلفونه ويعفون آثاره في سياسة الدولة .
هذا كثير على رئيس الوزارة ، فما علمنا أنه قد بلغ من الإيثار هذا الحد إلا أن يكون لهذا التغيير المنتظر قوام آخر ، هو الذي أشارت إليه النيو إيست أخيرًا ، وهو توسيع الائتلاف وإضافة رؤوس أخرى إلى رأس الوزارة القائمة . وإذن فما أجدر هذا التغيير بأن يلقى نفس الإخفاق الذي لقيته وزارة صدقي باشا .
قد تخطر في عقول الساسة حلول مختلفة للموقف السياسي في مصر الآن ، ولكن الشيء الوحيد الذي لا بدّ منه لأي حل يراد أن ينظر فيه نظر جد وتفكير هو أن يتنحّى رئيس الوزراء عن سياسة الدولة الآن ، وما أشد حاجته إلى أن يعتزل السياسة في هذه الأيام ويستريح .
كوكب الشرق ٢٤ – ٣ – ١٩٣٣