مدرسة اللغات
في وزارة المعارف
يجب أن نهنئ وزارة المعارف، فقد ظهرت وزارة المعارف بما ينبغي أن نُهنأ به، يجب أن نهنئ وزارة المعارف، فقد أصبحت لها جريدة رسمية، وأصبح لها في هذه الجريدة الرسمية كتاب رسميون يؤيدونها ويذودون عنها وإن كانوا يستحقون وراء الألقاب والأوصاف الشفافة التي لا تحجب ما وراءها… أصبحت لوزارة المعارف جريدة رسمية، ولكن هذه الجريدة الرسمية تسيء إلى وزارة المعارف من حيث تريد الإحسان إليها، تثني على وزارة المعارف بحق وبغير حق، لا تُكلف في ذلك صوابًا ولا تتحرى فيه منفعة، بل لا تحتفظ في ذلك بكرامتها ولا بكرامة وزارة المعارف، ولا تكره أن تضحك الناس منها ومن وزارة المعارف.
أقرأت ما نشرته المقطم حين نشرت نتيجة الامتحان في مدارس المعلمين الأولية؟ زعمت أن الفضل في هذا النجاح الباهر يعود إلى فلان من موظفي وزارة المعارف وأثنت على فلان بما يستحق وما لا يستحق. ولكنها نسيت أو تكلفت أن تنسى أن فلانًا هذا قد نُقل أمس أو أول أمس إلى التعليم الأولي، فلم يستطع أن يشرف عليه بعد ولا أن يُحدث فيه أثرًا حسنًا أو سيئًا. أقرأت ثناء المقطم يوم نشر نتيجة الكفاءة أن هذا الثناء قد وزع توزيعًا حسنًا فأصاب من ليس لهم في التعليم حظ قليل ولا كثير. أصاب رؤساء الامتحان وموظفي الوزارة والمصححين إلى آخر ما هناك. بهذه الطريقة تظفر وزارة المعارف بما تشاء من حمد وثناء، وليس يعنيها أن يكون هذا الثناء مستحقًا أو مغصوبًا، وليس يعنيها أن يكون هذا الثناء جِدًّا أو هزلًا، وإنما يعنيها أن تثني عليها الصحف السيارة، شأنها في ذلك وأن بعض العُمَد الأميين في عصر من العصور… إلى هذا الحد وصلت وزارة المعارف في مصر فهي تشتري الثناء ولو كلفها ذلك أن تجعل نفسها ضحكة لمن يريد أن يضحك. فكيف تريد أن تُشرف هذه الوزارة على العلم والتعليم إشرافًا جِدِّيًّا منتجًا وهي في الثناء والحمد أرغب منها في النفع والإنتاج لوزارة المعارف إذن جريدة رسمية تدفع عنها وتثني عليها. ووزارة المعارف تبيح لهذه الجريدة الرسمية وكتابها من أسرارها ودخائلها وما تفعل به على الصحف الأخرى والكتاب الآخرون ذلك لأن الصحف الأخرى قد تؤثر الحق. والكتاب الآخرون قد يقتصدون في المدح ويميلون إلى النقد. وإذن فهم يوعدون ثم تُخلف مواعيدهم، وهم يطلبون البيان إلى وزارة المعارف فلا يُسمع لهم طلب ولا يُجابون إلى بيان وذلك شيء مألوف في طبائع الناس، والمشرفون على الأمر في وزارة المعارف ناس من الناس يشاركون غيرهم في مواطن الضعف والتقصير.
تفضي وزارة المعارف إلى جريدتها الرسمية وكتابها الرسميين بأسرارها ودخائلها وتنشر فيها بلاغات شبيهة بالرسمية كما يقولون، تدفع فيها عن نفسها نقد الناقدين. فقد قرأنا في المقطم تاريخ مدرسة اللغات وما دار فيها من مناقشات وما كان من اجتماع بمكتب الوزير وما اتُخذ من قرار في هذا الاجتماع وكل هذا قد نُشر بلهجة الواثق المؤكِّد الذي لا ينطق عن الهوى ولا يتكلم إلا عن وحي، ولكننا برغم هذا كله نشك في صدق ما نُشر ونعتقد أن مدير مصلحة الآثار المصرية لا يرى رأي وزارة المعارف. لا رأي كمال باشا في تعليم الهيروغليفية على هذا النحو العقيم الذي عرفه القراء. نعتقد ذلك. نريد أن تؤكد لنا وزارة المعارف أننا مخطئون، وأن الفنيين قد تورطوا معها في هذا الخطأ وقرروا أن تُدرس الهيروغليفية في مصر على هذا النحو السخيف. فإذا أكدت لنا وزارة المعارف أننا مخطئون فلن يصعب علينا الجهر بأن مدير مصلحة الآثار قد أخطأ الطريق كما أخطأتها وزارة المعارف وقد رأى في مسألة واحدة رأيين متناقضين: أحدهما في تقرير الجامعة الأميرية والآخر في هذا الاجتماع الأخير.
على أن أمر وزارة المعارف لم يقف عند هذا الحد. فهي لا تكتفي بالدفاع عن نفسها وإنما تضيف إليه الدفاع عن كمال باشا كأن أحدًا من الناس يهاجم كمال باشا أو يصفه بما يكره. وهي في هذا الدفاع عن كمال باشا تسلك طريقًا معوجة شرها أكثر من خيرها وضرها أكبر من نفعها. فتنال الفرنسيين الذين نظموا المتحف المصري وأوجدوا علم الآثار المصرية بألوان من التعريض والتلميح كنا نحب ألاّ نُعرض لها لأنها لا تلائم الكرامة ولا تشرف من يتورط فيها ولا سيما في مثل هذه الأيام. وهي لا تكتفي بالنيل من «مارييت» و «ماسبيرو» وأمثال «مارييت» و «ماسبيرو» وإنما تفرق بين المصريين أنفسهم تفريقًا سخيفًا. تريد أن تثبت أو يريد أبواقها أن يثبتوا أن كمال باشا قد نفع وأفاد فخرج التلاميذ الذين تفاخر بهم مصر. ويحكم! فمن الذي أنكر أن كمالًا قد نفع وأفاد؟ ولكنها، أو ولكنهم يزعمون لتلاميذ كمال ما لا يزعم تلاميذ كمال لأنفسهم. يزعمون لتلاميذ كمال تأليفًا وترجمة يُعلن تلاميذ كمال أنفسهم أنهم لم ينفردوا بها وإنما اشتركوا فيها مع آخرين لم يرضعوا الهيروغليفية ولا علم الآثار من ثدي كمال، وإنما تعلموا على غير كمال. ويزعمون أن هذه الترجمة وهذا التأليف أثر من آثار كمال، وتلاميذ كمال أنفسهم يعترفون بأنهم إن يكونوا قد وصلوا إلى شيء فمصدر ذلك أنهم أقاموا سنتين في المتحف يتعلمون على غير كمال ويقتفون آثارًا غير آثار كمال، وتلاميذ كمال أنفسهم يعترفون بأنهم إن يكونوا قد وصلوا إلى شيء، فمصدر ذلك أنهم أقاموا سنتين في المتحف يتعلمون على غير كمال ويقتفون آثارًا غير آثار كمال، وإننا إذا طالبنا بإنشاء مدرسة للآثار فإنما نطالب بأن تنهج وزارة المعارف في درس الهيروغليفية والآثار هذا المنهج الذي نهجه المتحف المصري حين أخذ تلاميذ كمال وغيرهم فعلَّمهم كيف تُدرس اللغة الهيروغليفية وكيف تُدرس الآثار. وهو الآن يريد أن يرسلهم إلى أوروبا ليتمموا درسهم فيها.
نعم! نريد أن تُنشأ مدرسة الآثار على هذا المنهج. نريد أن تكون القاعدة التي وضعها المتحف أساسًا لهذه المدرسة. نريد أن تكون هذه المدرسة في المتحف لا في مدرسة المعلمين.
نريد… ولكن وزارة المعارف تريد شيئًا آخر. وقد تمضي وزارة المعارف فيما تريد، ولكن مُضيها هذا لن يُغير في الأمر شيئًا ولن يجعل مدرستها الجديدة نافعة ولا مفيدة. ومازلنا نلح في أن وزارة المعارف قد فشلت وفشل معها كمال باشا في تعليم الهيروغليفية فلا معنى لاستئناف هذا الفشل. ومازلنا نلح في أن وزارة المعارف قد عُنيت بشيء عناية ناقصة وأهملت شيئًا آخر إهمالًا عظيمًا. عُنيت بعصر الفراعنة وأهملت عصر المسلمين. وعنايتها بعصر الفراعنة ناقصة لا تفيد ولكن عصر المسلمين ومجد المسلمين وفن المسلمين كل هذه الأشياء تستحق من وزارة المعارف مثل هذه العناية الناقصة إذا لم يكن لنا بد من النقص. نريد أن تُجيبنا وزارة المعارف: ما بالها تتعجل في تعليم اللغة الهيروغليفية ولا تُفكر بوجه من الوجوه في درس الآثار الإسلامية؟ سيقولون: آثار توت عنخ آمون وما أحدثت من ضجة. كلا! إن وزارة المعارف كغيرها من الوزارات لم تحفل بهذه الآثار. وحسبك أن هذه الآثار معروضة في المتحف وأنها لم تُزر إلى الآن زيارة رسمية ما، وإنما زارها المارشال اللنبي وقرينته! وهناك آثار إسلامية ظهرت ولها قيمتها وقد أحدثت حركة في أوروبا وفي مصر ولكن الذي أظهرها ليس إنجليزيًا وإنما هو مصري مثلك ومثلي هو بهجت بك لا كارتر ولا كارنارفون. هناك الفسطاط ظهرت وأُلف فيها كتاب أو غير كتاب وعُني بها الأوروبيون، ولكننا نحن نجهلها الجهل كله وأي جهل أشد من أن يكون هذا الكتاب أو هذه الكتب قد كُتبت بالفرنسية وطُبعت في أوروبا ولا تزال مكتوبة بالفرنسية غير مترجمة إلى العربية وليس من شك في أن لهذا الكتاب أو هذه الكتب قيمة علمية فنية لا جدال فيها. فماذا عملت وزارة المعارف للعناية بهذا الكتاب أو هذه الكتب أو بالفسطاط مع أن ترجمة هذا الكتاب إلى العربية ونشره على الناس لا تُكلف وزارة المعارف عشر ما سيُكلفها طبع المعجم الذي وضعه كمال باشا والذي لا نعرف قيمته العلمية بعد. نريد أن تُجيبنا وزارة المعارف ما بالها تُعنى بشيء وتُهمل شيئًا آخر؟ لا نشك في أن هذا الإهمال للآثار المصرية لم يصدر عن ازدراء لهذه الآثار وإنما نثق الثقة كلها بأنه صدر عن ضيق التصور من جهة وعن استغلال عواطف الجمهور من جهة أخرى. ضيق التصور، فوزارة المعارف أضيق رأسًا من أن تسع هذه الفكرة التي تُكلفها إنشاء مدرسة عامة للآثار تتناول عصور مصر على اختلافها، واستغلال عواطف الجمهور لأن الناس قد سمعوا بهذه الآثار المصرية المستكشفة ورغبوا في أن تُعنى حكومتهم بالآثار المصرية، فوزارة المعارف تستغل هذه الرغبة ليقول الناس: إنها نازلة عند إرادة الأمة مُحققة لمنفعة الأمة. ولكن الناس يعلمون أن النزول عند إرادة الأمة يجب أن يكون صحيحًا غير ممسوخ، وأن الذين يحاولون تحقيق منفعة الأمة يجب أن يحققوها كاملة غير منقوصة. وإذن فإذا أردت يا معالي الوزير أن تنزل عند إرادة الأمة فتعنى بالآثار المصرية والفن المصري فليكن ذلك على وجه المنفعة والصواب. فليكن ذلك في إنشاء مدرسة عامة للآثار يُشرف عليها الأكفاء من علماء الآثار ويُدرس فيها العلماء من أساتذة الآثار. ليكن ذلك في إنشاء هذه المدرسة العامة التي يختلف إليها الطلبة ليتخصصوا في فنونها المتنوعة والتي يختلف إليها الجمهور ليعلم من تاريخ مصر وفن مصر ومجد مصر ما يُحسن رأيه في مصر. ليكن ذلك في إنشاء هذه المدرسة لا في إنشاء درس للهيروغليفية وزيارة للمتحف المصري بعد الظهر. فإن ذلك ضرب من العبث بالعقول وخداع الناس عن حقوقهم ومنافعهم.
ثم نعود فنلفتك يا معالي الوزير إلى أنك تريد أن تبني بناءً فضع أساسه وابدأ بأسفله لا بأعلاه. أنشئ إدارة الفنون والآداب وكل أمرها إلى الأخصائيين ثم كلف هؤلاء الأخصائيين أن يُنشئوا لك مدرسة الآثار العامة. إذن تنفع حقًا. وإذن تُوَفق حقًا إلى صواب.
طه حسين
السياسة ١٦ يوليو ١٩٢٣.
Tag: Egypt
-
مدرسة اللغات
-
مدرسة اللغات القديمة ايضا
مدرسة اللغات القديمة أيضًا
في وزارة المعارف
بين يدي الآن التقرير النهائي للجنة الجامعة الحكومية. أقرأ فيه ما كتب عن درس الآثار في هذه الجامعة. وكانت وزارة المعارف قد ألفت لدرس هذا الموضوع لجنة لا بأس بها وكان أعضاء هذه اللجنة الأستاذ المسيو «لاكو» مدير مصلحة الآثار المصرية والأستاذ المسيو «فوكار» مدير المعهد الأثري الفرنسي في مصر وصاحب السعادة عبد الحميد باشا مصطفى وصاحب السعادة أحمد كمال باشا وانفصل عن اللجنة صاحب العزة علي بك بهجت مدير دار الآثار العربية
أقرأ تقرير هذه اللجنة الخاصة عن درس الآثار في جامعة الحكومة فأرى أن هذه اللجنة قد نصت صراحة على أن الفصل بين درس اللغات ودرس الآثار غير معقول ولا مفيد. وقضت في صراحة على هذه الفكرة التي كانت تريد أن تنشئ مدرسة تشبه مدرسة اللغات أو مدرسة الألسن وتدرس فيها اللغات دون الآثار.
الحق أني لم أكن قد قرأت هذا التقرير عندما كتبت المقالة الأولى في هذا الموضوع فلما قرأته اليوم لم تزدني قراءته إلا إيمانًا وتثبيتًا واغتباطًا بما كان من اتفاقي في الرأي مع لاكو وفوكار وكمال وكلهم فني وكلهم متقن للآثار المصرية واللغة المصرية. ازددت إذن إيمانًا وتثبيتًا وإصرارًا على أن وزارة المعارف تخطئ الطريق وتتجاوز القصد حين تنشئ مدرسة للغات القديمة أو قسمًا للغات القديمة تلحقه بمدرسة المعلمين العليا. تخطئ الطريق وتتجاوز القصد لأن اللغة الهيروغليفية كما قلت ليست لغة تدرس لنفسها وإنما هي لغة تدرس قراءة الآثار، وقراءة الآثار وحدها لا تفيد لأن هناك آثارًا كثيرة غير مكتوبة ولا بد من اصطناعها وتفهمها إذا أردنا أن نفهم تاريخ مصر القديم. فلا بد إذن من أن ندرس فنون الآثار على اختلافها بحيث يكون طلابنا قادرين على أن يستخدموا الآثار جميعها لدرس التاريخ المصري سواء من هذه الآثار ما كُتب وما لم يُكتب. والغريب في هذا الأمر أن صاحب السعادة كمال باشا أمضى هذا التقرير ووافق على النص الذي يحظر الفصل بين درس اللغة ودرس الآثار. وهو مع هذا الإمضاء وهذه الموافقة واضع المشروع العقيم الذي نحاربه حربًا صريحة لأننا نعتقد أنه غير نافع وأن شره أكثر من خيره وإن كانت وزارة المعارف لا تحفل بنصح ناصح ولا تعني بمشورة من يشير. وإن كانت وزارة المعارف لا تحفل بأن تناقض نفسها وتتورط في شيء كانت أزمعت ألا تتورط فيه لأن وزارة المعارف قد أصبحت منذ حين مشغوفة بالإعلان عن نفسها كلفة بتملق الجمهور والاستفادة من عواطفه. فهي تعلم أن الجمهور حريص على درس اللغة الهيروغليفية. وإذن فهي تزعم للجمهور أنها ستدرس له اللغة الهيروغليفية. وهي تعلم أن الجمهور حريص على أن يكون المصريون هم أصحاب المناصب على اختلافها. ونجد من الصحف ومن أصحاب الصحف من يحمد لها ذلك ويشجعها عليه فتمضي إلى الأمام غير معنية بحق ولا منفعة وإنما يعنيها التصفيق والتصفيق وحده.
نعم إن وزارة المعارف تخطئ الطريق وهي تعلم أنها جربت درس الهيروغليفية حين أنشأت في مدرسة المعلمين درسًا لهذه اللغة وكلفت كمال باشا القيام بهذا الدرس ففشل الدرس ولم ينته بوزارة المعارف إلى نتيجة. وهي الآن تعيد هذه التجربة التي فشلت، وتعيدها في طريقة أوسع وأشد تعقيدًا. فشلت في درس الهيروغليفية فتريد أن تفشل فيه مرة أخرى وأن تفشل في اليونانية واللاتينية والقبطية لأنها تريد أن تدرس هذه اللغات كما درست الهيروغليفية في تجربتها الأولى. وليس لهذا علة إلا ما ذكرته لك من كلف الوزارة في هذه الأيام الأخيرة بإعجاب المعجبين وتصفيق المصفقين وثناء الصحف والصحفيين. وفي الأمر شيء آخر غريب وهو أن هذا التقرير الذي أشرت إليه آنفًا يرى الاكتفاء بأستاذين للآثار المصرية القديمة ويشعر بأن هذا شاقٌّ ناقصٌ ولكنه مضطر إليه لأن وجود الأساتذة ليس بالشيء اليسير. ذلك يرى التقرير وعلى ذلك ينص التقرير.
أما وزارة المعارف – أو كمال باشا الذي أمضى هذا التقرير فيرى الاكتفاء بأستاذ واحد هو كمال باشا ويمنح هذا الأستاذ الواحد الذي هو كمال باشا مرتب أستاذين لأن أستاذ اللغة السامية أو اليونانية سيتقاضى مرتبًا لا يتجاوز مائتي جنيه. أما أستاذ الهيروغليفية (كمال باشا) فسيتقاضى ٤٠٠ جنيه لأنه سيكون أستاذًا ومشرفًا في وقت واحد فهو يتقاضى مرتب الأستاذ ومرتب المشرف. وكنت أظن أن وطنية كمال باشا تسمح له بأن يشرف مجّانًا بحيث تستطيع وزارة المعارف أن تضم إليه أستاذًا آخر يعلم الآثار بينما هو يعلم اللغة. كنت أظن ذلك وهو ليس بعسير على كمال باشا الذي لا يريد إلا الخير ولا يتمنى إلا أن تنشأ مدرسة الآثار قبل موته. وكنت أظن أن وزارة المعارف تستطيع أن تستغل وطنية الأستاذ لمصلحة مصر وأن تستغل حب الأستاذ فنه لمصلحة مصر. ولكننا نريد شيئًا ويريد الله شيئًا آخر. وإذا أراد الله شيئًا فلا مردَّ له. غير أني أزعم شيئًا آخر، أزعم أن السياسة الدنلوبية لا تزال مشرفة في وزارة المعارف وهذه السياسة الدنلوبية امتازت وستمتاز دائمًا بشيئين: أحدهما أنها ضيقة التصور ليست بالعميقة ولا الحرة. تتصور الأشياء منقوصة. تتصورها من أحد وجوهها لا من وجوهها كلها. وهي في الوقت نفسه جامدة غير حرة تعني بالألفاظ والعبث بالعقول أكثر مما تعني بالحقائق والمنفعة الصحيحة. الثاني أنها تنافس كل حركة وطنية لا تصدر عن وزارة المعارف. تريد أن تحتكر كل شيء. تريد أن تستأثر وحدها بالأمر لتفسد ولا تصلح. هي ضيقة جامدة وهي محتكرة أثره. وإليك البيان:
لا ألتمس هذا البيان بعيدًا وإنما أجده في هذه المدرسة نفسها. فقد رأيت كيف تصورت الآثار المصرية واللغة المصرية القديمة. فأنشأت ثوبًا شديد القصر جدًّا. شديد الضيق جدًّا يلبسه من يلبسه فإذا هو لا يسع طوله ولا عرضه وقد رأيت في المقال السابق أن الجامعة المصرية تدرس ما ستدرسه وزارة المعارف ففيها درس العبرية واللاتينية وسيكون فيها منذ السنة المقبلة درس اليونانية والهيروغليفية. وإذن فوزارة المعارف تنافس الجامعة المصرية لا أكثر ولا أقل. تنافسها وتريد أن تخنقها لأن الجامعة معهد وطني حر وقد قامت سياسة دنلوب على أن المعاهد الوطنية الحرة إما أن تذعن لوزارة المعارف وإما أن تزول. تنافسها وهي منتصرة في هذه المنافسة لأن لشهاداتها قيمة رسمية وليس لشهادات الجامعة قيمة رسمية. وإذن فالطلبة يكلفون بالشهادات القيمة التي تقدر بالمال وينصرفون عن هذه الشهادات التي ليست لها قيمة مالية. وإذن فسيجد أستاذ الهيروغليفية في مدرسة المعلمين طلابًا وسيبحث أستاذ الهيروغليفية في الجامعة عن هؤلاء الطلاب فلا يجدهم. وإذن فيجب أن تغلق الجامعة أبوابها.
لا أستطيع أن أفسر حركة المعارف غير هذا التفسير، ويخيل إليّ أنه لا يستحق الإعجاب ولا تصفيق الجمهور. ويخيل إليّ أن الجامعة خليقة بالتشجيع والمعونة لا بالخذلان والمنافسة، ويخيل إليّ أن الجامعة أكرم وأحرص على المنفعة من وزارة المعارف. ففي الأمر شيء غريب! في الأمر أن وزارة المعارف التي تنفق مئات الألوف من الجنيهات على كبار الموظفين الذين لا يعرفون من الهيروغليفية إلا اسمها قد بحثت في كل وزارة المعارف في أركانها وزواياها. فيمن أرسلتهم إلى أوربا ومن علمتهم في مصر. بحثت عن أستاذ للغة العبرية فلم تجد. فلجأت إلى الجامعة تستعير منها أستاذها. ولن ترفض الجامعة ولن يرفض أستاذ الجامعة لأنهما يريدان الخير. ووزارة المعارف تريد أن تنافس الجامعة وأن تنافسها بأستاذ الجامعة. أليس في ذلك شيء من مهارة سياسة دنلوب؟ أليس في ذلك شيء من خزي سياسة دنلوب؟ أليس في ذلك شرف لهذه الجامعة التي حاربها دنلوب وتلاميذ دنلوب منذ أنشئت وهم الآن يلجئون إليها ويطلبون معونتها لأنها انتصرت في ضيق وشدة على سياسة دنلوب وأنصار دنلوب.
الوزارة إذن تنافس الجامعة وتنافسها منافسة ليست كريمة ولا صادقة ولا نافعة. ولو أن سياسة دنلوب غير مشرفة في وزارة المعارف لسلكت وزارة المعارف إحدى طريقين: فإما أن تنشئ مدرسة للآثار، مدرسة كاملة. مدرسة تنفق عليها آلاف الجنيهات لتخرج الأثريين النافعين حقًّا، وإما أن تعدل عن هذا المشروع العقيم وتمنح الجامعة هذا المقدار الضئيل من المال لتوسع به الجامعة نطاق البحث فيها. ولكن وزارة المعارف لا تزال دنلوبية. فهي لا تبحث عن نفع ولا عن خير. وإنما تريد تصفيق الجمهور وتحارب المعاهد الحرة التي ينشئها هذا الجمهور.
قلت لك إننا نريد شيئًا ويريد الله شيئًا آخر وإذا أراد الله بقوم سوءًا فلا مردَّ له».
طه حسين
السياسة، ١٢ يولية ١٩٢٣. -
مسألة التعليم

مسألة التعليم
حديث اليوم
ليست المسألة الآن أن نعلم كيف ندرس العلم فقد نعرض لهذه المسألة بعد حين. وإنما المسألة هي أن نعلم لِمَ ندرس العلم؟ ولقد أحب أن يعرض ناس كثيرون لدرس هذه المسألة والجواب عليها وأن ينشروا مباحثهم وآراءهم ففي ذلك خير كثير لا شك فيه. على أن جواب هذه المسألة يختلف باختلاف من تلقى إليه هذه المسألة. فلو أنك سألت وزارة المعارف لِمَ تدرس العلم في مدارس الدولة لوجدت من وزارة المعارف جوابين مختلفين. أحدهما يصدر عن الإنجليز والآخر يصدر عن المصريين الذين يعملون في هذه الوزارة. أما الإنجليز فجوابهم معروف قد نشروه ولم يخفوه. تحدث به ممثلوهم السياسيون وتحدث به كتابهم الصحفيون: وهو أننا ندرس العلم لنعمل في دواوين الحكومة عمالًا صغارًا يشرف علينا رؤساء متسلطون هم الإنجليز. وإذن فيجب أن يقوم التعليم على قاعدتين تمسان مقداره وصورته أو تمسان كمه وكيفه كما يقول الفلاسفة. القاعدة الأولى أن يكون مقدار ما نتعلم قليلًا وقليلًا جدًّا من القلة بحيث لا يسمح لنا أن نتجاوز أعمالنا الصغيرة الضئيلة في الدواوين.
القاعدة الثانية أن يكون ما نتعلم والطريقة التي بها نتعلم من الرداءة والقصور بحيث يحولان بيننا وبين كل حياة شخصية فيها أثر ما للاستقلال الفردي أو الاعتراف بالنفس أو القدرة على الابتكار.
هاتان القاعدتان كفيلتان بتحقيق الغاية التي كان يسعى إليها الإنجليز في وزارة المعارف: يجب أن نعلم قليلًا وأن نُسئ علم هذا القليل. يجب ألا تنمو عقولنا ويجب أن تكون هذه العقول التي حرمت النمو ممسوخة مشوهة من المسخ والتشويه بحيث لا تدرك شيئًا على وجهه ولا تستطيع أن تنتقل من حكم إلى حكم أو من قضية إلى قضية. بحيث لا تستطيع أن تحسن التصرف في الحياة. فإذا عني بتنفيذ هاتين القاعدتين ووفق الإنجليز إلى هذا التنفيذ فقد وفقوا إلى ما يريدون من تثبيت سلطانهم الاستعماري دون أن يتعرضوا لخطر عظيم أو ضئيل. هذا جواب الإنجليز. وهو واضح معقول فالإنجليز مستعمرون قبل كل شيء وليس ينبغي أن نطلب إلى المستعمر أن يحول البلد الذي يريد أن يستعمره إلى بلد قويٍّ خليق بالاستقلال قادر عليه.
أما جواب المصريين الذين يعملون في وزارة المعارف فليس من السهل أن تصل إليه لأنه في كثير من الأحيان غير موجود. فكثير جدًّا من رجال وزارة المعارف لم يلقوا على أنفسهم هذه المسألة ولم يتحدثوا إلى أنفسهم بأن للتعليم غاية أو غرضًا وإنما عملوا ومازالوا يعملون في وزارة المعارف بطريقة آلية صرفة كما يعمل غيرهم من الموظفين في المالية والداخلية وغيرهما من الوزارات. يعملون ليتقاضوا أجورهم. يعملون ليعيشوا. وهم معذورون فقد كان سلطان الإنجليز قويًّا شديدَ الأثر في نفوسهم وكان من القوة بحيث لا يبيح لهم أن يفكروا أو يبتكروا أو يعملوا. خضعوا لهذا السلطان كارهين أو غير كارهين فأثر فيهم هذا الخضوع وأصبح العمل الآلي طبيعة من طبائعهم حتى أن بعضهم ليأخذه الدهش إذا سألته ما غاية التعليم وما الأصول التي ينبغي أن تتخذ لتحقيق هذه الغاية. وآخرون في وزارة المعارف يفكرون ويحاولون أن يتبينوا غايات التعليم وأغراضه ولكن هناك شيئًا لا أدري ما هو يحول بينهم وبين الوصول إلى نتيجة واضحة بيّنة لهذا التفكير. ولعل هذا الشيء هو هذا الجو السيء الذى يعيش فيه المصريون المستقلون في وزارة المعارف بين إنجليزي مستعمر ومصري خاضع أو متهالك على الخضوع. ثقيل جدًّا هذا الجو يحول بين الرجل المستقل وبين التنفس الهادئ وبين التفكير الصحيح. فهو مضطرب حائر ليس له رأي أو له رأي لا يكاد يتبينه. وآخرون في وزارة المعارف لا يفكرون في التعليم ولا يفكرون في الخضوع للإنجليز وإنما هم يريدون التخلص من الإنجليز والاستئثار بمناصبهم. ويرون أن المسألة الآن ليست مسألة التعليم وإنما هي مسألة الاستقلال لا تستلزم إصلاح التعليم الآن وإنما تستلزم قبل كل شيء أن يقوم المصريون مقام الإنجليز. ذلك أن الإنجليز قد ظلموا المصريين فاستأثروا بأمورهم ومناصب الحكم فيهم وقد آن للمصريين أن يخلصوا من هذا الظلم وأن يستردوا مناصب الحكم فإذا وفقوا إلى ذلك فقد يفكرون في إصلاح التعليم.
هذه فيما أعتقد الأجوبة التي تستطيع أن تلقاها في وزارة المعارف إذا تحدثت إلى المصريين في وزارة المعارف، في إصلاح التعليم وهي أجوبة ليس يعنينا أن تكون قيمة أو معوجة وإنما يعنينا أنها لا تمس التعليم. ولكنك قد تسأل عن غاية التعليم قومًا آخرين متصلين بوزارة المعارف ولكنهم لا يعملون في دواوينها وإنما يعملون في مدارسها. قد تسأل عن غاية التعليم قومًا هم المعلمون. وهؤلاء المعلمون أجدر الناس بأن يفهموا سؤالك وأجدر الناس بأن يحسنوا الجواب على هذا السؤال. ولكن هؤلاء المعلمين ينقسمون انقسامًا كإخوانهم الذين يعملون في الوزارة ينقسمون أقسامًا مختلفة. فمنهم الزكي النابه الذي يتحرق غيرة على أمته ومصير التعليم في أمته. فيفكر ويقرأ، ويبحث ويقارن ويكون لنفسه رأيًا في غاية التعليم ومناهجه وبرامجه. ومنهم الذي يعمل في المدرسة كما يعمل في الديوان. يريد أن يتقاضى أجره يريد أن يعيش. ومنهم الذي أصابه اليأس ونالته خيبة الأمل فهو لا يريد أن يفكر وحسبه أن يحتمل الحياة. ومنهم الإنجليزي الذي ينفذ في المدرسة خطة رئيسه في الديوان. يستعمر أكثر مما يعلم. والأمر غير واقف عند هذا الحد. فإن هؤلاء المعلمين الأذكياء الذين يفكرون ويرون في التعليم آراء مختلفة خاضعون لنظم وقوانين لم يضعوها وإنما وضعها الإنجليز المستعمرون أو المصريون الذين لا يفكرون. هم خاضعون لهذه النظم والقوانين. فهم أقل الناس حظًّا من حرية الرأي. يريدون ولكنهم لا يستطيعون أن يتكلموا. يفكرون ولكن في أنفسهم وضمائرهم لأنهم إن أعلنوا آراءهم أو نشروا شيئًا من أفكارهم لمناهج التعليم أو برامجه نالهم سخط الرؤساء بما لا يحبون ولا يحتملون. وإذن فاليأس أسرع إليهم من الرجاء وربما استحالوا بحكم هذا الضغط المتصل وهذا الجو الفاسد إلى أن يعملوا في المدارس كما يعملون في الدواوين ولكنهم يألمون. هم خاضعون لهذه النظم. وهم خاضعون لنظم أخرى تصور عملهم في المدرسة تصويرًا رديئًا وتحدد لهذا العمل غاية ليس لهم أن يتجاوزوها، وهم يعلمون هذه الغاية حق العلم ويسعون إليها حق السعي ليرضى عنهم الرؤساء وتحسن فيهم شهادة المفتشين. فإذا سألت المعلم عن غاية التعليم أجابك مقتنعًا حينًا وساخرًا حينًا آخر: غاية التعليم هي شيء شاق. شاق جدًّا. هي أن ينجح الطلبة في الامتحان. فالمعلم كفء إذا كثر عدد الناجحين من تلاميذه. هذا مقياس كفايته وليس لهذه الكفاية مقياس آخر. نستغفر الله! بل قد تقاس الكفايات بمقاييس أخرى لا نعرض لها لأنها لا تمس التعليم. ولكنك قد تلقي نفس هذا السؤال على غير وزارة المعارف وعلى غير المعلمين. بل تلقيه على التلاميذ والطلاب فلا تجد منهم إلا جوابًا واحدًا: غاية التعليم هي أن أنجح في الامتحان. هي أن أحصل على الشهادة التي أبلغ بها ديوانًا من دواوين الحكومة والتي تكفل لي التفوق على غير المتعلمين.
كذلك يجيبك رجال وزارة المعارف. وكذلك يجيبك المعلمون. وكذلك يجيبك التلاميذ والطلبة. وعلى نحو من ذلك يجيبك آباء التلاميذ والطلبة. وكل هذه الأجوبة على اختلافها وتباينها تدل على شيئين اثنين: أحدهما أن الذين يُعنون بالتعليم لا يقدرون التعليم.
والثاني أن الإنجليز قد وفقوا من هذه الناحية إلى ما كانوا يريدون فمسخوا في نفوسنا أو في نفوس كثير منا صورة التعليم بل تستطيع أن تقول إنهم حالوا بيننا وبين أن نوجد للتعليم في أنفسنا صورة ما. ومع هذا فليس تحديد غاية التعليم (بحرًا وجوًّا، أن يُحبَّ – كما يقول الفرنسيون – وإنما هو إن لم يكن يسيرًا كل اليسر، فليس عسيرًا كل العسر.) لِمَ نتعلم؟ يجب إذا أردت أن تجيب على هذه المسألة أن تجتهد قبل كل شيء في تحديدها وتضييق موضوعها. فهناك التعليم الأولى. وهناك التعليم الثانوي. وهناك التعليم العالي. وهناك التعليم الفني. وقد تشترك كل هذه الأنواع في أنها نافعة مكونة للعقل الإنساني. منمية للملكات الإنسانية على اختلافها سواء أكانت عملية أم نظرية. قد تشترك كل هذه الأنواع في هذه الأغراض وما يشبهها. ولكن يُخَيَّل البيان أن لكل نوع منها غاية يسعى إلى تحقيقها وغرضًا يجتهد في الوصول إليه.
ليس من شك في أن التعليم الأولى يكون عقل الطفل وينمي ملكاته المختلفة. ولكن عقل الطفل وتنمية ملكاته ليسا كل شيء. بل إن هذه التنمية وهذا التكوين نفسهما يستلزمان التفكير في شيء آخر وهو الصيغة التي تريد أن تصوغ بها عقل الطفل وملكاته وأخلاقه. الصورة التي تريد أن تصور فيها هذا العقل وهذه الأخلاق وهذه الملكات. وهذه الصورة نفسها يجب أن يُنظر إليها من وجوه مختلفة ومن وجهين اثنين بنوع خاص: أحدهما أنك تريد أن تكون رجلًا وأن تمنحه من التعليم سلاحًا يمكنه من النضال في الحياة. الثانية أنك تريد أن تكون فردًا من أفراد أمة فيجب أن يكون هذا الفرد ملائمًا لهذه الأمة أو يجب بعبارة واضحة أن تكون الصورة التي تريد أن تصور بها هذا الفرد ملائمة لحياة الأمة ملائمة للمثل الأعلى الذى تسمو إليه هذه الأمة قابلة لأن تتطور وتستحيل كما تتطور الأمة وتستحيل دون أن يكون بينها وبين الأمة في ذلك مشادة أو نزاع. أنت إذن في المدرسة الأولية مكلف أن تنظر إلى هذين الغرضين اللذين يتصل كل منهما بصاحبه اتصالًا شديدًا. فلا قيمة للفرد بغير الأمة ولا وجود للأمة بغير الفرد. وعلى الملاءمة بين الصورة العقلية للفرد والمثل الأعلى للأمة تقوم الحياة الاجتماعية والسياسية والعقلية. وإذن فغاية التعليم الأولى واضحة جلية وهي أن تكون أفرادًا قادرين على الحياة لأمة قادرة على العيش في الحياة.
ولقد نعلم أن هذا كله مجمل يحتاج إلى التفصيل. ولقد نعلم أن هذا كله غامض يحتاج إلى التوضيح. وليس التفصيل علينا عسيرًا. وليس التوضيح علينا شاقًا. ولكننا نريد أن نجتنب الإطالة. فنكتفي بمثل واحد نعتقد أنه يفصل هذا الرأي ويوضحه.
علامَ تقوم حياتنا اليوم؟ تقوم على أننا أمة قد سُلبت حقوقها السياسية ووجودها السياسي فهي تريد أن تسترد هذه الحقوق وتثبت هذا الوجود. فإذا استردت هذه الحقوق وأثبتت هذا الوجود السياسي فهي تريد أن تنتفع بحقوقها ووجودها وأن تتخذ هذه الحقوق وهذا الوجود وسيلة إلى الرقي السياسي وغير السياسي. وإذن فأول واجب على المدرسة من هذه الوجهة هو أن تعد الطفل لهذا الجهاد وأن تشعره بهذه الحقوق وهذا الوجود وتملأ قلبه حرصًا على استرداد هذه وإثبات هذا. فما رأيك في تعليم أولى كالتعليم المصري يخلو أو يكاد يخلو من كل شيء يشعر التلميذ المصري بأن له وطنًا هو مصر وبأن لهذا الوطن حقوقًا سياسية أو وجودًا سياسيًّا. ما رأيك في تعليم أولى في مصر يخلو أو يكاد يخلو من تاريخ مصر ويخلو أو يكاد يخلو من جغرافية مصر؟ ثم لا يقف الأمر عند هذا الحد. فإن لنا في الحياة آمالًا ولنا في الحياة أساليب نتخذها لتحقيق هذه الآمال. فيجب أن يكون الطفل بحيث يستطيع أن يشعر بهذه الآمال ويجاهد لتحقيق هذه الآمال ويتخذ في هذا الجهاد ما ألفنا من طرق وأساليب. نريد أن يكون نظام الحكم فينا ديمقراطيًّا فيجب أن تكون المدرسة الأولية ديمقراطية. نريد أن تكون ديمقراطيتنا هادئة معتدلة فيجب أن تعد المدرسة الأولية لهذا الهدوء وهذا الاعتدال. نريد أن تكون وحدتنا الاجتماعية والسياسية والعقلية ظاهرة بيّنة قوية. فيجب أن تعد المدرسة الأولية لهذه الوحدة. نريد في عبارة موجزة أن تكون المدرسة الأولية قالبًا تُصاغ فيه حياتنا المقبلة كما نحب أن نحياها وكما نريد أن تكون. ومن هنا لا نجد سبيلًا إلى النزاع في أن التعليم الأولى أمر من أمور الدولة يجب أن تتولاه ويجب أن تشرف عليه. ولكنا نريد أن تحسن الدولة ولاية هذا التعليم والإشراف عليه بحيث تفهم الدولة آمالنا ومثلنا العليا وأساليبنا في الحياة فتكون من هذا كله هذا القالب الذى يُصاغ فيه الطفل والذي هو المدرسة الأولية.
هذا فيما نظن الغرض الذى يجب أن يسعى التعليم الأولى إلى تحقيقه. فإذا تعقّد هذا الغرض وتنوّع. ولكننا نحدثك عنه في غير هذا المقال.
طه حسين
السياسة، ٢٢ يونية ١٩٢٣. -
من باريس
من باريس
العلم والثروة
هنا وهناك في مصر أغنياء كثيرون ولكن معظمهم أشد بؤساً من الفقراء المعوزين لأنهم لا يفقهون الثروة ولا يقدرونها ولا يفهمون ما ينبغي أن توجد هذه الثروة من صلة بينهم وبين مواطنيهم وهم أغنياء وكل حظهم من ثروتهم أن يأكلوا كثيراً ويستمتعوا بلذات مادية لا تتجاوز الحس إلى القلب أو إلى العقل. ثروتهم مقصورة على أجسامهم فإن وصلت إلى نفوسهم فهي لا تمس منها إلا مواضع الضعف والغرور تمس الفخر والتيه. تمس العجبة والخيلاء. لكنها لا تمس الذكاء ولا تمس عاطفة الرحمة بالبائس ولا تمس عاطفة الإعانة على الخير.
في مصر أغنياء كثيرون ولكنهم أشد بؤساً من الفقراء المعوزين. لا ينتفعون بثروتهم أحياءً ولا ينتفع الناس بثروتهم بعد موتهم. هم لا يملكون الثروة وإنما يحملونها على ظهورهم لينقلوها من جيل إلى جيل. يحملون الثروة عن آبائهم لينقلوها إلى أبنائهم ليعبروا بها النهر وكثيراً ما تنوء بهم هذه الثروة فتغرق ويغرقون معها ولا يظفر أبناؤهم منا إلا بالتعس والبؤس وسوء الحال.
في مصر أغنياء كثيرون ولكنهم في الحق فقراء معوزون!
وفي أوروبا أغنياء ولكنهم أبعد الناس عن الفقر. وأدناهم إلى الغنى حقاً لأنهم يفهمون الثروة ويقدرونها ويحسنون الانتفاع بها في حياتهم الخاصة وفي حياة أممهم ومدنهم وقراهم وأسرهم. فهم يتمتعون بالثروة حقاً، يجنون منها لذة الجسم ولذة القلب ولذة العقل. بل يجنون منها اللذة الصحيحة في الحياة وتخليد الاسم بعد الموت. ينفعون وينتفعون. ليسوا عالة على قومهم وليس قومهم عليهم عالة. وإنما هم، يفهمون أن الثروة أداة من أدوات المنفعة العامة المشتركة التي ينبغي أن يستمتع بها الناس جميعاً كل على القدر الذي يتاح له. هم يملكون الثروة ويحسنون التصرف فيها لا يشترون بها الطعام والشراب واللباس فحسب. وإنما يشترون بها أيضاً الحب والعطف والإجلال وحسن الأحدوثة في الحياة وبعد الموت. ليسوا أنعاماً ينقلون أثقال الثروة من جيل إلى جيل وإنما هم ناس يملكون الثروة ويستثمرونها فيفيدون ويستفيدون. ليسوا عبيداً للمادة وإنما هم سادتها يملكونها ويسخرونها لحياة الإنسان والترفيه عليه.
أقرأ في جريدة «الطان» أن رجلاً أهدى إلى جامعة باريس عشرة ملايين لإقامة حي خاص يسكنه الطلبة الذين يدرسون في هذه الجامعة بحيث يتاح لهؤلاء الطلبة أن يعيشوا في منازل صحية يجدون فيها ما يمكنهم من الدرس النافع بين ضروب الراحة والنعيم. وأقرأ في جريدة «الطان» أن امرأة أوصت بثروتها كلها لجامعة باريس وثروتها تكاد تبلغ الخمسة عشر مليوناً. وأقرأ في جريدة «الطان» أن هذه المرأة قبل أن تموت أهدت إلى كثير من الجامعات مقادير مختلفة من المال وأنها أهدت مرة إلى جامعة باريس مقداراً من المال تنفقه في طبع الرسائل التي يقدمها الطلبة الفقراء لنيل الدكتوراه. وأهدت مرة أخرى إلى جامعة باريس ما يمكنها من إنشاء درس لأدب القرن الثامن عشر وتاريخه. وأن امرأة أخرى أهدت إلى جامعة باريس ثروة تغل عليها (٣٥,٠٠٠) فرنكاً في السنة لترقية البحث عن «الراديوم» في الطب. وإن رجلاً ترك لها نصف مليون. وأن أستاذاً في مدرسة ثانوية ترك ثروته التي تبلغ (٧٦,٤٠٨) فرنكاً لإعانة طلبة التاريخ الحديث. وأن امرأة تركت مليوناً لإعانة المؤرخين على بحثهم التاريخي. وأقرأ في الصحف المختلفة أن دور التمثيل والموسيقى ومنازل اللهو واللعب قد خصصت جزءاً من دخلها في يوم من الأيام لإعانة العلماء على تأسيس المعامل العلمية المختلفة. بل أقرأ ما هو أغرب من هذا. أقرأ تعاون الفقراء والمعوزين واقتنائهم في جمع المقادير المختلفة من المال لإعانة العلماء على تأسيس المعامل وتكميلها. وأقرأ في الوقت نفسه مقالات طويلة مرة ملؤها السخط والغضب والغيظ لأن العلماء يشكون فقر المعامل ونقصها ويستعينون الجمهور فلا يعينهم ولا يمنحهم من المال ما ينبغي أن يمنحهم. هذا الجود وهذا البذل اللذان أشرت إليهما في أول هذه الكلمة لا يرضيان ولا يقنعان ومع ذلك ففقر العلم في فرنسا إضافي جداً لأن الدولة والأفراد والجماعات يخصونه بعناية عظمى. وآية ذلك ما وصلت إليه فرنسا من الرقي العلمي لذا لا يزال مطمح أمم كثيرة في أوروبا بعد.
كتبت في غير هذا المقال منذ أشهر أن العلم مهما اشتد غناه وعظمت ثروته فهو فقير محتاج إلى المعونة لأنه يحيا وحاجة من عاش لا تنقضي فسيظل العلماء يشكون وسيظل الناس يبذلون. هذا في فرنسا. أما في مصر فالثروة كثيرة ضخمة تنوء بالأغنياء. ولسنا نستطيع أن نذكر فقر العلم أو حاجته إلى المعونة لأنا لا نستطيع أن نذكر العلم في مصر. فليس لمصر علم وإنما هي في علمها عالة على أوروبا وأمريكا تستعير منهما كل شيء. وهي لا تحسن الاستعارة ولا تستطيع أن تستعير منهما ما هي في حاجة إليه أو جزءاً موفوراً مما هي في حاجة إليه لأنها لا تجد من المال ما يمكنها من أن تستعير هذا المقدار العلمي الذي هي محتاجة إليه لتعيش. أما إذا احتاجت إلى السيارات والدراجات والحُليّ وإلى اللباس وبديع الأداة والآنية فما أكثر المال وما أيسر البذل. هنا تظهر ثروة الأغنياء ويظهر سخاؤهم فتكثر في مصر هذه الأدوات المختلفة التي يقيد قليلها ويضر كثيرها. نعم. نحن أغنياء أجوادٌ إذا احتجنا إلى متاع الدنيا. فأما إذا احتجنا إلى غذاء العقل والقلب ففقرنا لا يُعدّ له فقر. هناك علوم مزهرة في أوروبا وأمريكا ونحن لا نسمع بها في مصر إما لأننا لا نحاول أن نسمع بها وإما لأننا نضع أصابعنا في آذاننا حتى لا نسمع بها فنحتاج إلى أن ننفق المال في جلبها إلى بلادنا. ولكني واثق بأن لوناً من ألوان البدع في الحُليّ أو الملابس أو السيارات أو الأزرار لا يكاد يظهر في باريس أو في نيويورك حتى نسمع به ونرغب فيه ونتهالك عليه. والنتيجة أننا في حياتنا الظاهرة كأرقى الشعوب مدنية وحضارة وربما كنا أفخرَ لباساً وزينةً من أغنياء باريس ونيويورك ولندن فإذا رآنا الأوروبي خُيّل إليه أننا ناس مثله نلبس كما يلبس بل خيراً مما يلبس ونزدان كما يزدان بل خيراً مما يزدان، ونتصرف في فنون الحياة المادية كما يتصرف بل خيراً مما يتصرف يحسبنا مثله إذا رآنا ولكنه لا يكاد يمتحننا ويخبرنا حتى يشعر بأن وراء هذه الزينة وهذه المظاهر الفناء أو شيئاً يشبه الفناء. وماذا تريد من قوم يجلبون من أوروبا كل ما ييسر عليهم الحياة المادية ويمكنهم من الاستمتاع بلذاتها المادية فإذا ذُكر العلم والأدب والفن هزوا الرؤوس والأكتاف. بل هم يفعلون شراً من هذا. فالعلم في بلادهم ولكنهم يعمون أو يتعامون عنه. لا يرونه ولا يشعرون به، ويحسه الأوروبيون والأمريكيون على بعد الشقة فيسعون إليه ويحملونه إلى بلادهم حتى إذا نبه منا نابه فأحس كما يحس الناس واشتاق إلى ما يشتاق إليه الناس وأراد أن يكون مصرياً يعرف مصر كما يعرف الفرنسي فرنسا اضطر إلى أن يبحث عن مصر في باريس أو لندن أو برلين يا للخزي! بل قد يحتاج إلى أن يبحث عن مصر في أثينا!!!.
لقد قلنا هذه الأشياء وقلنا وسنقولها ونقولها. فلم يحفل بنا أحد ولن يحفل بنا أحد. اللهم إلا جماعة الراغبين اليائسين وهم قليلون. فأما القادرون على أن ينفعوا. فأما القادرون على أن يفيدوا بلادهم فهم عن النفع والفائدة في شغل. وما أنت والعلم تحدثهم به وتثقل عليهم فيه وهم أرغب في هذا المتاع الباطل الذي يبهر العين ويخلب النظر ويحمل فلاناً على أن يقول: لقد رأيت سيارة فلان فأعجبتني ولأشترين مثلها. رأيت ثوب فلان فراقني ولأصطنعن مثله. فإما أن يقول الناس لقد رأينا عالماً مصرياً أو أديباً مصرياً أو فنياً مصرياً يروقنا أن يكون لدينا مثله فذلك شيء لا يخطر لأغنيائنا على بال. ولقد أكتب هذه الكلمة وأنا أثق الثقة كلها بأن كثيراً من أغنيائنا سيقرؤونها وينالون كاتبها بالسخط والنعي لأنه يحدثهم بما لا خير فيه.
لدينا جامعة أنشئت منذ خمس عشرة سنة ولولا لطف الله بها لماتت على أنها ليست بعيدة من الموت. ولقد أظهر أغنيائنا ميلاً شديداً إلى تأييد هذه الجامعة وإعانتها لأن ذلك كان بدعاً يومئذ وكان فيه فخر للباذلين فلما انقضى البدع هبطت الرغبة وفتر الميل وحبس الذين بذلوا المال أموالهم فلم يعطوا ولم يفوا بما وعدوا أن يعطوا. لا تذكر الحرب فإن الحرب لم تُسئْ إلى مصر ولم تنزل الفقر بأهلها ولقد أساءت الحرب إلى فرنسا فزعزعت ثروتها وخربت جزءاً عظيماً منها بل زعزعت نظامها الاجتماعي فلم يزدها ذلك إلا حباً للعلم وتشجيعاً للعلم وإعانة للعلماء ولم يضع عليها من ذلك شيءٍ فقد أتاح لها العلم أن تنتصر. أما أغنياؤنا فقد ضاعف الله عليهم ثروتهم أضعافاً مضاعفةً فلم يزدهم ذلك إلا ضَنّاً وحبساً للمال عن وجوه الخير وتهالكاً على اللذات المادية. والحكومة والأفراد في ذلك سواء فلست أنسى الوزارة النسيمية الأولى وما أنفقت من المال لإصلاح سيارات الحكومة فقد كان ذلك يكاد يبلغ نصف المليون من الجنيهات. أما الجامعة فكانت الحكومة تعينها بألفي جنيه قبل أن تبلغ ميزانيتها عشرين مليوناً فبلغت هذه الميزانية أربعين مليوناً ولم تزد إعانة الجامعة وإنما أنذرت الجامعة مرات بقطع هذه الإعانة! وكانت وزارة الأوقاف تمنحها معونة قدرها خمسة آلاف جنيه أيام النظام القديم فلما قُبل النظام الجديد نقصت هذه الإعانة حتى بلغت ۱۸۰۰ جنيه. ولست أدري افتقرت وزارة الأوقاف ولعل افتقارها كافتقار الحكومة المصرية؟ ثم نحن نطلب الاستقلال نزعم أن ليس بيننا وبين أهل أوروبا فرق وأن من حقنا أن نستمتع بنظام الحياة الذي يستمتعون به. وقد يكون هذا حقاً ولكن يجب أن نعترف بأن أهل أوروبا وأمريكا لم يصلوا إلى حياتهم الراقية الحرة بالتهالك على السيارات والحُليّ وملابس الحرير وما يشبهها وإنما وصلوا إليها بالتهالك على العلم والرغبة فيه. يجب أن نحمد الله على أن الدستور قد صدر فلئن يئسنا من الحكومة ومن الأفراد فلن نيأس من الأمة ممثلة في البرلمان. ويقيننا أن هذا البرلمان لن يغفر في المستقبل لوزارة المعارف مثل هذه الأغلاط المنكرة. لن يغفر لوزارة المعارف ما وصلت إليه حال التعليم في مصر من ضعف وفساد. ولن يغفر لوزارة المعارف أن تظل مصر من الجهل والضعف بحيث توجد علوم لا تسمع بها مصر ولا يأخذ المصريون منها بنصيب.
طه حسين
باريس في ١١ مايو سنة ١٩٢٣
السياسة، 22\5\1923. -
حزم
حزم
أما قبل أن يتكلم وزير الداخلية في مجلس النواب عن موقف الحكومة من المبشرين، فقد كانت صحيفة الوزارة مستخذية، شديدة الارتباك، تعتذر عن الوزارة وتلح في الاعتذار، وتلقي تبعة التبشير وما يسلك إليه المبشرون من طرق الإكراه والعبث على هذا الشعب البائس، لأنه يرسل أبناءه وبناته إلى هذه المدارس والملاجئ، ولأنه لا ينشئ المدارس والملاجئ الإسلامية التي تعلم الفقراء وتؤوي البائسين وتصرف أولئك وهؤلاء عن هذه المعاهد التي يملؤها الخطر على الدين والأخلاق.
ولم تكن صحيفة الوزارة تتحرج من أن تنال من خصوم الوزارة في دينهم وأخلاقهم وكرامتهم، معتمدة في ذلك على أكاذيب الكاذبين من شيوخ الأزهر، واختلاقات المختلفين من غير شيوخ الأزهر، زاعمة أننا آخر من ينبغي أن نتحدث عن المبشرين أو نذود عن الدين، لأن واحدا أو غير واحد من المأجورين والموتورين، والذين لا يشفقون من أن يبيعوا ضمائرهم بمنصب أو مقدار من المال قليل أو كثير، لفّق طائفة من الأكاذيب واصطنع طائفة من الأضاليل، وأعانته الحكومة الإسلامية الصالحة القائمة التي يقطر منها الإيمان ويتصبب منها الورع كلما قالت أو تحركت أو عملت، فأخذ يذيع أكاذيبه وأضاليله بأعين الحكومة التي تدفع عن الدين، وتذود عن الأخلاق، ولا تؤثر إلا الحق والصدق فيما تعمل وما تقول. ولكننا لم ننتظر رأي حامي الإسلام وراعيه، ووزير التقاليد، ومن يعمل لهما من هؤلاء الذين يتخذون دين الله تجارة ويسلكونه طريقا إلى هذا النعيم الزائل في هذه الحياة الزائلة. لم ننتظر رأي هؤلاء السادة الأخيار الأبرار الأطهار لندفع عن الحق ونذود عن الدين، ونبلي عن هذا وندافع عن ذاك بلاء نود لو قام ببعضه شيخ الأزهر ومن إليه من أصحابه الطاهرين الطيبين. والله يعلم ما نذكر ذلك تمدحا به ولا فخرا، فما قصدنا قط فيما عملنا إلى تمدح أو فخر، وما قصدنا قط فيما عملنا إلى دفاع عن أنفسنا أو انتقام لها، ولو قد شئنا بعض ذلك لكان لنا من علماء الدين الذين يكذبون على الدين، ولكان لنا مع المتجرين بالورع موقف أو مواقف يشفقون منها كل الإشفاق ويفرون منها كل الفرار، ويودون ولو بجدع الأنوف وصلم الآذان لو رد عنهم شرها وصرف عنهم نكرها، فالله يعلم ماذا صنعوا بهذه الضمائر، ولكن إلى حساب الله ورأي الناس.
فلندع سخف هذه الصحيفة والذين يمدونها بالأكاذيب والأضاليل فيما يمسنا، ولنقف عند أحاديثها عن الوزارة وسيرتها مع المبشرين. فأما قبل أن يلبس وزير الداخلية ثوب الحزم هذا الذي لبسه في مجلس النواب أول أمس، فقد كانت صحيفة الوزارة راعشة زائغة، تدفع عن الوزارة بالراح، وتلتمس لها المعاذير، وتتهم خصومها بالإغراق والإسراف وبالتجني والتمني. وأما بعد أن استأسد وزير الداخلية وأعلن بملء فمه في مجلس النواب أنه نفى مبشرة من الأرض، وأنه سيستنقذ فتيات المسلمين من مدرسة بورسعيد، وأن الوزارة أعدت مقدارا من المال لإنشاء المدارس والملاجئ للفقراء والبائسين، فقد رد الروح إلى صحيفته، وانبعث فيها النشاط، واضطربت فيها الحياة، وانطلق لسانها بالحمد والثناء وبالفخر والكبرياء، فأخذت تصف حزم الوزارة وحسن بلائها في الدفاع عن الدين. وكيف لا؟ ألم تجرؤ الوزارة فتنفي أجنبية من أرض مصر؟ وكيف لا؟ ألم تكرم الوزارة فتؤوي الفقراء والبائسين؟ وكيف لا؟ ألم تغرق الوزارة في الكرم فترصد الأموال لإنشاء الملاجئ والمدارس تؤوي إليها الفقراء والبائسين؟ ولكن صحيفة الوزارة فيما يظهر محتاجة إلى أن يعلم الناس حقيقة هذا الأمر ليتبينوا أن الوزارة أقل ما تكون استحقاقا للثناء على ما أتت وما وعدت، لأنها لم تأت شيئا ولم تعد بشيء، ولو قد تركت إلى نفسها لظلت جامدة، صامتة ساكنة، لا تعمل ولا تقول. لقد وُفِّق المسلمون من أهل بورسعيد حين لم يحفلوا بالوزارة، ولم يلجؤوا إليها بعد أن استعدوها واستغاثوها فلم يجدوا عندها غناء ولا بلاء. وُفِّق المسلمون في بورسعيد حين أعرضوا عن الوزارة هذه المرة، وفزعوا إلى مقام حضرة صاحب الجلالة الملك، يستعدونه ويلوذون به، ويطلبون إليه أن يأمر حكومته لترد عنهم هذا البلاء وتصرف عنهم هذه المحنة.
هنالك وجد المسلمون في بورسعيد من جلالة الملك سميعا لهم، عطوفا عليهم، رفيقا بهم، حريصا على أن يدفع عنهم هذا المكروه. نعم، ووفقنا نحن حين أعرضنا عن الوزارة فلم نطلب إليها شيئا ولم نستعن بها على شيء، وإنما رجونا أن يتفضل صاحب الجلالة فيأمرها فتطيع، وينفخ فيها من روحه القومي لتجد شيئا من الشجاعة تستعين به على النهوض بواجبها بعد أن قامت الأدلة القاطعة على أنها حين تُترك لنفسها لا تصنع شيئا.
جلالة الملك إذن هو الذي تفضل فأمر الوزارة أن ترصد من أموال المسلمين ما تحمي به فقراء المسلمين من عبث المبشرين. ونحن واثقون كل الثقة بأن الوزارة لو أجرت أمر صاحب الجلالة كما أراد وكما صدر إليها لكان حزمها أشد، وسعيها أدنى جدا إلى التوفيق.
ولكنها أنفذت أمر جلالة الملك كما استطاعت وكما وسعتها الشجاعة، فجاء سعيها منقوصا وعملها بعيدا عن التوفيق. نعم، لو أنفذت الوزارة أمر جلالة الملك على وجهه لما اكتفت بنفي مبشرة من أرض مصر، بل لعطلت هذه المدرسة تعطيلا، ولقطعت على المبشرين كل سبيل للعبث بدين الأطفال في بورسعيد. وآية ذلك أن «الشعب» نفسها تذكر أمر جلالة الملك للوزارة، وعطف جلالة الملك على الشعب، وذود جلالة الملك عن الدين، وهي تذكر ذلك لا مستنتجة ولا مستنبطة ولا متخيلة، وإنما تذكره مستيقنة رواية قد تحدث بها إليها مصدر يثق بما يقول. وآية ذلك أيضا أن «الشعب» تنبئنا بأن الوزارة كانت تريد أن ترصد مبلغا كبيرا من المال فلم يرض جلالة الملك عن هذا المبلغ، بل تفضل فأمر الوزارة أن ترفعه حتى بلغت به سبعين ألفا، والله يعلم أي مقدار كانت الوزارة تريد أن ترصده لهذا العمل، وأكبر الظن أنه كان كبيرا عند صحيفة «الشعب»، يسيرا في حقيقة الأمر. وقد كنا أمس نخشى أن يكون وعد الوزارة بإرصاد هذا المبلغ من المال كلاما من الكلام وأمنية من الأماني. فأما وقد ظهر أن صاحب الجلالة هو الذي أنطق الوزارة بهذا الوعد، وهو الذي رفع هذا المقدار إلى حيث هو، فنحن مطمئنون إلى أن البر بهذا الوعد لن يتأخر، وإلى أن انتظار الوفاء لن يطول، لأننا نعلم حق العلم أن جلالة الملك لن يترك سبيلا إلى المطل والإخلاف. فالشكر إذن خالص لجلالة الملك لا على الوزارة، والشعب يعرف كيف يلقى عطف جلالة الملك بحبه الخالص وولائه الصادق وإخلاصه المتين.
أما الوزارة فإنها تشفق مما طلبنا إليها من العلاج الصحيح لمسألة التبشير، ومن الدفاع الصحيح عن الدين والقومية والأخلاق: تشفق من المراقبة الدقيقة التي نلح في أن تفرضها الدولة على المدارس الحرة، سواء منها المصرية والأجنبية. تشفق من هذا لأنها تشفق من الامتيازات، ولأنها تخاف إن سعت في فرض المراقبة على المدارس الأجنبية أن يتنكر لها الأجانب ويزوروا عليها، وهي على رضى الأجانب حريصة، وإلى عطف الأجانب محتاجة، وفي حب الأجانب راغبة. تشفق من هذا، ولولا إشفاقها لما نام القانون بعد أن هُيِّئَ وأذيع واستفتي فيه الناس. تشفق وتصور صحيفتها هذا الإشفاق تصويرا مخزيا لا يلائم كرامة ولا عزة، ولا يلائم وزارة الاستقلال هذه التي أفحم رئيسها رئيسَ الوزراء الإنجليزي برده التاريخي المشهور والمعروف الذي لا يشك أحد في أنه هُيِّئَ على غير علم من الإنجليز، وكتب على غير موافقة من المندوب السامي، وأرسل على غير رضى من وزارة الخارجية البريطانية، والذي لا يشك أحد فيه أن المستر ماكدونالد لم يكد يقرؤه حتى أخذه الدوار، واستيقن بأن الوزارة المصرية تعرف كيف ترد الدول الكبرى إلى مواقفها المتواضعة، وكيف تصد المعتدين حين يتعرضوا لأمورها الخاصة فتضطرهم إلى التسليم والاعتذار.
نعم، إن هذا الإشفاق من فرض المراقبة على المدارس الحرة تصوره صحيفة الوزارة تصويرا لا يشرف الوزارة؛ فهي تزعم أننا إنما نطلب هذه المراقبة تعجيزا للوزارة وتحديا لها وتكليفا لها ما لا تطيق. نستغفر الله، ومتى جاز لأحد أن يعتقد أن هذه الوزارة الكريمة الحرة، أن هذه الوزارة العزيزة المستقلة، أن هذه الوزارة التي أفحمت ماكدونالد تعجز عن أن تراقب التعليم في أرض مصر. من الذي يقدر أن هذه الوزارة التي لا تحفل إلا بمصر، ولا تحرص إلا على مصر، ولا تشفق إلا على مصر، تعجز عن أن تقول للأجانب أن يعلموا أن مصر بلد مستقل، وهو لا يسمح بأن يُلقى إلى أبنائه من التعليم إلا ما يلائم حاجتهم ومنفعتهم وكرامتهم. من الذي يقدر أن هذه الوزارة تعجز عن أن تتمتع بأبسط حقوق السيادة، بل تعجز عن السعي لتتمتع بأبسط حقوق السيادة؟
يذكرون الامتيازات، زاعمين أن في مصر نظاما يقضي بأن تطلب الحكومة إلى جمعية المحكمة المختلطة الموافقة على بعض القوانين التي تريد مصر أن تنفذها في الأجانب، وزعموا أن مصر قد طلبت وما زالت توافق على كثير من هذه القوانين. فلماذا لم تطلب الوزارة إلى هذه الجمعية أن توافق على هذا القانون، كما أُشير عليها حين كانت تجد في إصداره؟ هل تستطيع الوزارة أن تبين للناس موقفها الغريب هذا؟ لقد اندفعت في العناية بهذا القانون حتى خُيِّل إلى الناس أنه قد يصدر في غيبة البرلمان، ثم اندفعت في إهمال هذا القانون حتى اعتقد الناس أنه مات قبل أن يشهد الحياة. أين هذا الشيطان الذي خنق هذا القانون قبل أن يشهد النور؟ أجنبي هو أم مصري؟ وفيم كانت هذه العناية المسرفة؟ تفسير ذلك يسير: كانت الوزارة تريد أن تتخذ هذا القانون أداة سياسة للتأثير في المدارس الحرة المصرية بعد أن تبين لها أن سياسة الإعانة وبذلها عن جود، أو منعها أو التقتير فيها، لا تكفي لنشر الدعوة.
لتسمح لنا الوزارة وصحيفتها في أن نقول غير مترددين إن الحكومة في حاجة إلى شيء من الشجاعة لتوقظ هذا القانون من نومه أو لتبعثه من موته، ولتسعى لدى الدول الأجنبية في تنفيذه على المدارس الحرة كلها. نعم، ولو تُركت الوزارة إلى نفسها لما التفتت إلى هذا القانون ولا فكرت فيه. ومع ذلك فإنه وحده الخليق بحماية الأخلاق المصرية من عبث المفسدين، وهو وحده الخليق بحماية الإسلام من عدوان المبشرين.
أفيؤذن لنا في أن ندع الوزارة بعد أن يئسنا منها في الضرب على يد المبشرين، وفي أن نفزع إلى حضرة صاحب الجلالة الملك مرة أخرى، ونطلب إلى جلالته أن يتفضل فيأمر وزارته بأن تُخرج هذا القانون وتجدّ في إنفاذه على المصريين والأجانب؟ أفيؤذن لنا في أن نرفع إلى جلالة الملك أن الأخلاق المصرية في حاجة إلى الحماية، وأن القومية المصرية في حاجة إلى الرعاية، وأن الدين الرسمي للدولة في حاجة إلى الصيانة، وأن سبيل هذا كله إنما هو مراقبة الدولة بدقة وأمانة ونزاهة للتعليم الحر، سواء منه المصري أم الأجنبي؟ أفيؤذن لنا في أن ننتظر أن يتفضل جلالة الملك فيشمل برعايته السامية هذه الناحية من حياة المصريين؟
كوكب الشرق ١٦ – ٦ – ١٩٣٣ -
تلهية
تلهية
تحدثت زميلتنا «السياسة» الغراء صباح اليوم إلى قرائها بحديث إن صح ما فيه كان فضيحة لا كالفضائح، ونكرًا لا كغيره من النكر الذي تعود الناس أن يشهدوه في هذه الأيام.
تحدثت السياسة بأن وزير الداخلية القيسي باشا عبث بمجلس النواب وبالأمة المصرية كلها حين زعم للنائب الذي سأله مساء الأربعاء في أمر المبشرين أن الحكومة تريد أن ترصد سبعين ألفًا من الجنيهات لإنشاء ملاجئ ومدارس تؤوي إليها الفقراء والبائسين من أبناء المسلمين وبناتهم لتجعلهم في مأمن من عدوان المبشرين على دينهم وأخلاقهم وأعراضهم.
تحدثت السياسة بأن وزير الداخلية القيسي باشا قد عبث بمجلس النواب وبالمسلمين جميعًا من أهل مصر حين قص عليهم هذه القصة لأن الحكومة لم تفكر في إرصاد هذا المال لعلاج التبشير ولا لحماية أبناء المسلمين وبناتهم من المبشرين، وإنما أرصدته لتنفيذ قانون آخر أقره البرلمان، ولم يكن بينه وبين التبشير والمبشرين صلة، وهو القانون الذي يقضي بمنع التسول. وإذن فقد قال وزير الداخلية القيسي باشا ـ إن صح ما جاء بالسياسة ـ للنواب وللمسلمين غير الحق. وإذن فقد ظفر وزير الداخلية القيسي باشا بثناء النواب وشكر الشاكرين له من المسلمين، لأنه قال لهم غير الحق، وخيل لهم ما لم يقع، وصور لهم ما لم يكن، وأنبأهم بأن الحكومة تفكر فيما لم تفكر فيه.
وإذن فقد تعمد وزير الداخلية القيسي باشا ـ إن صح ما جاء بالسياسة ـ أن يلهي الناس عن المبشرين، فحاول ذلك وسلك إليه طريقًا لا ندري أين يقع من فضائل الإسلام ومكارم الأخلاق، لا سيما الأخلاق التي تلائم كرامة الوزراء ومناصب الدولة الكبرى، وإذن فقد كان الأمر كله تلهية، وتلهية بغير حق.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد ولكن الوزراء جميعًا أقروا زميلهم بالسكوت عما قال ووافقوه على ما زعم فشاركوه في تبعاته الخلقية والدينية، فهم جميعًا قالوا لمجلس النواب وللمسلمين ـ إن صح زعم السياسة ـ غير الحق. وهم جميعًا حاولوا صرف الناس عن المبشرين وأعمالهم بهذا النبأ الذي لا يصور الحق، ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فإن للوزارة صحفًا تؤيدها وتدعو لها، وتثني عليها، وقد استغلت هذه الصحف موقف وزير الداخلية فأذاعته وبشرت به، وغلت وما زالت تغلو في حمده والثناء عليه. وإذن فهذه الصحف تشارك الوزراء في إذاعة غير الحق، والتلهية بغير حق، وصرف الناس عن المبشرين بهذه الأنباء التي لا تلائم الحق.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فقد زعمت صحيفة الشعب أن هذا المقدار كان كبيرًا، ولكن حضرة صاحب الجلالة الملك لم يرض به، بل أمر فرفع إلى السبعين ألفًا. وإذن فقد استباحت صحيفة الشعب لنفسها ـ إن صح ما تحدثت به السياسة ـ أن تتحدث عن حضرة صاحب الجلالة الملك بغير حق. واستباحت صحيفة الشعب لنفسها ـ إن صح ما تحدثت به السياسة ـ أن تموه على الناس، وتدعو للوزارة باسم جلالة الملك، ومقام جلالة الملك أرفع وأعلى وأكرم على المصريين جميعًا من أن يتخذ وسيلة إلى الدعاية، ولا سيما حين لا تعتمد هذه الدعاية على الحق. فإن من الهين على الناس أن يعد الوزراء ويخلفوا، ومن الهين على الناس أن يقول الوزراء ثم لا يدققوا في القول، ولكن الشيء الذي لا ينبغي ولا ينبغي أن يؤذن به أو يصر عليه أن تذاع الوعود باسم حضرة صاحب الجلالة الملك، ثم يتبين الناس أنها لم تكن حقًا، وأنها لم تصدر عن جلالة الملك، وإنما اخترعت اختراعًا، واتخذت وسيلة للدعاية السياسية من جهة، ولصرف الناس عن المبشرين من جهة أخرى.
كوكب الشرق في ٢٠ – ٦ – ١٩٣٣ -
علاج
علاج
وأخيرا بحثت الوزارة فأطالت البحث ، ونقبت الوزارة فأكثرت التنقيب ، ثم هداها الله بعد الجهد الطويل والعناء الثقيل والإشفاق من سوء العاقبة وانتقاض الأمر عليها وفساد الصلة بين المصريين والأجانب عامة ، وبين المصريين والمبشرين بنوع خاص ، إلى شيء من الشجاعة يسير نهضت به لمعالجة التبشير ، فنفت مبشرة أجنبية من الأرض ، والله يعلم أنفتها نفيا مؤقتا يكون بعده رجوع قريب ؟ أم نفتها نفيا متصلا لا رجعة بعده ولا إياب ؟
ولكنها نفتها على كل حال ، ووقفت مع المبشرين عند هذا الحد الذي لا تستطيع فيما يظهر أن تتجاوزه إلى أبعد منه . ثم بحثت وأطالت البحث ونقبت وأكثرت من التنقيب ، وهداها الله إلى شيء من الكرم والجود على المصريين بعد الإسراف في الكرم والجود على الأجانب ، فقررت أن تستنقذ الفتيات المسلمات من مدرسة التبشير في بورسعيد لتضمهن إلى مدارسها وملاجئها ، وإلى مدارس المسلمين وملاجئهم . وهذا حسن من غير شك ، بشرط ألا يكون من لهو الحديث ولا من هذه الوعود التي يقصد بها إلى التلهية والتسلية ، وإلى تهدئة الخواطر وتخدير الأعصاب كما يقولون . ومن المحقق أن الناس ينتظرون من الوزارة أن يكون برها بهذا الوعد صادقا ، لا التواء فيه ، سريعا لا إبطاء به . وهم يتمنون ألا يؤجل اعتماد هذا المقدار الذي وعدت الحكومة به أمس إلى الدورة البرلمانية المقبلة ، فإن شدة القيظ توشك أن تذيب هذا الوعد إن طال به الانتظار. وآية ذلك أن الإنجليز أشفقوا على اعتماد جيل الأولياء أن يذيبه الصيف ، فتعجلوا الحكومة في أن تمضيه لهم إمضاء ، وتختطفه لهم من المجلسين اختطافا . وآية ذلك أيضا أن الشركة الأمريكية التي تمهد لخزان تسنا أشفقَت على الخمسين ألفا أن يذيبها الصيف ، فتعجلت الحكومة في الإمضاء والوفاء . والحكومة تتعجل هذا المقدار ما وسعها التعجل ، ويقال — ولعل ما يقال أن يكون كذبا ، ولكنه يقال على كل حال — إن الحكومة قدمت الإمضاء على كل إجراء ، ودفعت خمسين ألفا قبل أن يأذن لها البرلمان في هذا الأداء . فالناس يتعجلون الاعتمادات المالية في هذه الأيام مخافة أن يذيبها حر الصيف أو يصيبها الحيف ، ومن حق المصريين أن يتعجلوا هذه الآلاف السبعين التي وعد بها وزير الداخلية أمس ، وأن يروا أمر هذا الاعتماد يسلك طريقه القانونية مسرعا ، أو ما شئت من الوزارات تنشئ هذه المدارس الموعودة ليكون الأمر عملا لا قولا ، وجدا لا هزلا ، وليخلص من المبشرين وإغرائهم عدد مهما يكن قليلا فهو مصري يحب أن يخلص لمصر وللإسلام .
وما زلنا ننتظر قبل أن نصدق حتى يكون الوفاء ، فالوعد كثير والكلام يسير ، والحمد أكثر والثناء أيسر ، ولكن البر والتنفيذ هما اللذان يجب أن نرجوهما ، ولا نصدق حتى نظفر بهما .
وبعد هذا كله نستأذن الوزارة في أن نلفتها إلى أن ما اتخذت من إجراء إلى الآن ، مهما يكن حسنا منتجا ، فهو بعيد كل البعد عن أن يكون علاجا صحيحا مغنيا لهذه المشكلة الثقيلة ، مشكلة التبشير والمبشرين . فمهما تنف الحكومة من المبشرين والمبشرات فلن تستطيع أن تغلو في ذلك ، فسيكون خطر عظيم. وهناك تعليم حر ينشره قوم من رجال الدين الأجانب على اختلاف دياناتهم ومذاهبهم ، يقصدون به في ظاهر الأمر إلى التعليم والتثقيف ، وهو من هذه الناحية نافع حقا ، مفيد حقا ، ولكنه لا يقف عند التعليم والتثقيف ، وإنما يشارك التعليم الأجنبي في إضعاف القومية المصرية وبسط النفوذ الأجنبي ، ويتفرد بدعاية دينية ظاهرة أو خفية ، مقصودة أو غير مقصودة ، لها في الشعور الديني للأطفال أثر بعيد . فلابد إذن من أن تنهض الدولة بمراقبة هذه الأنواع المختلفة من التعليم لتعصم الأخلاق والقومية والدين من هذا الفساد الذي يسعى إليها سعيا قويا ملحا لا أناة فيه . وقد همت الوزارة القائمة بإصدار تشريع يمكنها من مراقبة التعليم الحر ، وجدت في ذلك حتى هيأت مشروع القانون وأذاعته في الناس لتعرف رأيهم ، لكنها سكتت عنه فجأة ، وانصرفت عن المضي فيه لأسباب غير ظاهرة . وأكبر الظن أنها لم تفكر حين وضعت هذا التشريع ، أو وجدت في إصداره إلا في شيء واحد سياسي ، هو بسط سلطانها على المدارس الحرة المصرية . فقيض الله لها من أشار عليها أن تبسط سلطان هذا القانون على المدارس المصرية والأجنبية ، وهناك كفت عنه وأهملته إهمالا ، وآثرت أن تترك هذا القانون على أن تقف من الأجانب موقفا لا يرضونه . وأنت تعلم مقدار ما أظهرته وزارتنا القائمة من الحرص على رضى الأجانب منذ نهضت بأعباء الحكم .
مهما يكن من شيء فإن العلاج الصحيح لأمر المبشرين إنما هو في إخضاع مدارسهم ومدارس غيرهم من الأجانب للمراقبة المصرية الدقيقة ، بحيث يستطيع المفتشون المصريون أن يختلفوا إليها ويستمعوا لما يلقى فيها ، ويمتحنوا تلاميذها ويسألوهم عما يسمعون ، وعما يفعلون ، فإن أحسوا من بعض هذه المدارس خروجا بالتعليم عما يلائم منفعة مصر وحاجتها وكرامتها ودينها أذنوا وزارة المعارف بهذا الخروج ، وأنفذت وزارة المعارف في هذه المدارس حكم القانون .
على هذا النحو ، وعلى هذا النحو وحده تأمن مصر ناحية من أخطر النواحي التي يسلكها الأجانب سواء منهم المبشرون وغير المبشرين إلى نفوس التلاميذ والطلاب . فلتتشجع الحكومة أو ليتشجع البرلمان أو لتتشجع الحكومة والبرلمان جميعا ، وليصدر هذا القانون ، فهو إن صدر أراح المصريين وأراح الأجانب أيضا . هو يريح المصريين لأنه يكف عنهم كثيرا من الشر ، وهو يريح الأجانب لأنه يحميهم من سوء ظن المصريين فيهم ، ويقيم الصلة بينهم وبين المصريين في التعليم على أساس من المودة والصفاء والتعاون القيم الذي لا ريبة فيه .
ولكن أتظن الوزارة القائمة تجرؤ على إصدار هذا القانون ؟ أتظنها تستطيع أن تتقدم إلى الأجانب أصحاب الامتيازات تطلب منهم أن يخضعوا مدارسهم لمراقبتها وتفتيشها ؟ هذا عدل من غير شك ، هذا شيء من أوليات السيادة القومية والاستقلال الطبيعي ، ولكن العدل شيء وإقرار العدل شيء آخر . وإذا عجزت وزارة عن أن تقر العدل بين المصريين الذين لا يمتاز بعضهم من بعض أمام القانون ، فماذا تظنها تصنع بالقياس إلى الأجانب الذين يعتصمون بالامتيازات ويحتمون بما لبلادهم من بأس وسلطان ؟
اللهم إن كل محاولة لإقصاء المبشرين لا قيمة لها ولا غناء فيها ما دامت معاهدهم حرة طليقة لا تستطيع الحكومة أن تدخلها أو تراقبها أو تصل إليها إلا بعد أن يقع فيها الشر ويصبح أمرا لا سبيل إلى تداركه أو منعه من الوقوع .
كوكب الشرق ١٥\٠٦\١٩٣٣ -
استعجال
استعجال
رئيس وزرائنا عجلان لا يهدأ، ولا يريد أن يهدأ الناس من حوله، لا يستريح ولا يريد أن يستريح الناس من حوله منذ عاد إلى كرسي الحكم بعد مرضه الطويل.
فقد أحس في آخر لحظة أن الاقتصاد المصري في خطر، وأن الثروة المصرية توشك أن تزول، وأن الشقاء الذي أخذ يرسل سحبه في بعض الأجواء المصرية يوشك أن يملأ الجو المصري كله بهذا السحاب المظلم الذي يبرق من خلاله الجوع، ويرعد من خلاله الموت، ويرسل الصواعق على البائسين والمحرومين. ورئيس وزرائنا رحيم شفيق، ورئيس وزرائنا شفيق رحيم، ورئيس وزرائنا رءوف رفيق، ورئيس وزرائنا قد آثر في هذه الأيام أن يضحي بصحته في سبيل بلاده؛ فعدل عن الاستقالة وأزمع البقاء في الحكم. ورئيس وزرائنا قد عاهد الله، وعاهد الناس، وعاهد نفسه منذ اعتزم البقاء في الحكم على أن يدفع عن الاقتصاد المصري كل خطر، وعلى أن يثبت الثروة المصرية في أيدي المصريين، وعلى أن يطرد سحب الجوع والحرمان، والشقاء والموت من جو مصر طرداً عنيفاً.
ورئيس وزرائنا يتأهب لذلك في جد ما مثله جد، ويسعى لذلك في حزم ما مثله حزم، وهو لهذا كله قد خاصم الهدوء، وقطع الأسباب بين نفسه وبين الراحة، كما قطع الأسباب بين أعوانه وبين الراحة أيضاً. وآية ذلك بينة واضحة، ودليل ذلك ساطع جلي؛ فهو قد تحدث إلى وكيل المالية بالتليفون وتقدم إليه بأن يكلف المفتشين الماليين أن يدرسوا الشؤون المالية والاقتصادية في الأقاليم، وأن يرفعوا إليه تقارير يبينون فيها أحوال الناس: أقادرون هم أم عاجزون؟ أموسرون هم أم معسرون؟ ألهم طاقة بدفع الضرائب أم هم مكرهون على أن يلتووا بها ويعتذروا عن أدائها؟
وتفرق المفتشون في الأقاليم ليبحثوا ويدرسوا وليفتشوا وينقبوا، ثم ليحرروا ويكتبوا. وقد يحتاج هذا كله إلى أيام تطول أو تقصر، حتى إذا انتهت التقارير إلى وزارة المالية، فقد يحتاج درسها إلى أيام تطول أو تقصر، حتى إذا انتهى هذا الدرس في مكاتب الوزراء ورُفعت خلاصته إلى وزير المالية، فقد يحتاج الوزير لدرس هذه الخلاصة إلى أيام تطول من غير شك؛ لأن الوزير مريض متعب، لا يستطيع أن يتكلف الجهد الثقيل. فإذا فرغ الوزير من الدرس فقد يقترح الدواء إن كان اقتصاد مصر مريضاً، وقد يتحدث إلى الصحفيين المصريين والأجانب بأن الحياة الاقتصادية في مصر لم تكن في يوم من الأيام خيراً مما هي الآن، كما أن الحياة السياسية في مصر لم تكن في يوم من الأيام خيراً مما هي الآن.
وليس على الوزارة بأس من طول هذا الدرس والبحث، ومن تفرق المفتشين للتفتيش والتنقيب وكتابة التقارير ورفعها؛ فالأموال تُجبى على كل حال؛ إما أن يؤدي الناس هذه الضرائب من تلقاء أنفسهم فيريحوا ويستريحوا، وإما أن يعجز الناس عن تأدية هذه الضرائب فتؤخذ منهم بالقوة والعنف، سواء كان عندهم ما يعطون أم لم يكن. فالحاصلات الزراعية لا يجوز نقلها أو بيعها أو التصرف فيها على أي نحو من أنحاء التصرف إلا بإذن من العمدة والصراف. وهذا العمدة أو هذا الصراف لا يعطي هذا الإذن إلا إذا استيقن أن ليس على خزانة الدولة بأس؛ لأن المال قد دُفع، والضريبة قد أُديت. وقد يؤدى المال وتُدفع الضريبة، ولكن العمدة محنق على صاحب الزرع، أو الصراف مغيظ من صاحب الزرع، فلا بأس بأن يرفض الإذن أو يؤخره حتى يعلم صاحب الزرع أن السلطان المخوف ليس سلطان المأمور والمدير والوزير فحسب، بل سلطان العمدة والصراف أيضاً.
وإذن فلا بد من أن يُسلَّط بعض الناس على بعض، ولا بد من أن يُذل بعض الناس لبعض، ولا بد أن يتحكم بعض الناس في حياة بعض؛ لأن الدولة تريد أن تعيش، ولا بد لها من المال لتعيش، ولأن الدولة تريد أن تعيش مترفة فلا بد لها من المال لتعيش مترفة. وكيف يجتمع مؤتمر الطيران آخر هذا العام؟ وكيف يجتمع مؤتمر البريد أول العام المقبل؟ وكيف تُدفع معونة الممثلين والممثلات إذا أقبل الخريف؟ وكيف تُمنح العلاوات الاستثنائية؟ وكيف تُنشأ قاعة المحاضرات في الجامعة؟ وكيف تظهر مصر نفسها للناس غنية مترفة إذا لم تدفع إلى الدولة أموالها، ولم تؤدِّ إلى الدولة ضرائبها؟ وكيف تُدفع الأموال وتؤدى الضرائب إذا لم يُبسط سلطان العمدة والصراف على الأغنياء والفقراء، وعلى الأقوياء والضعفاء، وعلى الموسرين والمعسرين؟ ولا ينبغي أن يضيق المصريون بذلك أو يشكوا منه، فعسى أن يكره المصريون شيئاً وهو خير لهم، وأي خير يطمع فيه المصريون أكثر من أن يأخذوا بالحكم الديمقراطي الصحيح، فتعنو وجوههم جميعاً للعمدة والصراف، لا فرق في ذلك بين الذين يرون لأنفسهم مكانة فوق مكانة العمدة والصراف، والذين لا يرون لأنفسهم حظاً من هذه المكانة؟
المصريون جميعاً سواء أمام القانون، والمصريون جميعاً سواء أمام العمدة، والمصريون جميعاً سواء أمام الصراف؛ ولكن القانون يسوي بين المصريين بالحق والعدل، أما العمدة والصراف فيسويان بين الناس بالشهوة والهوى. ولا بأس على المصريين من هذا، ففيه تمرين لهم على احتمال الشدائد، والصبر على ما يكرهون. ولا ينبغي للمصريين أن يضيقوا بذلك أو يشكوا منه؛ فرئيس الوزراء عجلان، قد وقف عنايته على درس الأحوال وتعرف الشؤون، فهو يسأل عن سوق القطن، وهو يلقى مدير بنك التسليف، وهو يكلف المفتشين الماليين أن يتفرقوا في الأقاليم ليبحثوا أو يدرسوا ثم يرفعوا التقارير.
فإذا سألت: أين كان وزير المالية ورئيس الوزراء قبل هذه الأيام ليعرفا شؤون الناس وأحوالهم وقدرتهم على الدفع أو عجزهم عن الأداء؟ فإن سؤالك يدعو إلى الابتسام وهز الرؤوس ورفع الأكتاف؛ فقد كان رئيس الوزراء ووزير المالية مريضين يستريحان في أوربا، ويترددان على لوسرن وباريس. وكان رئيس الوزراء مشغولاً بصحته الغالية عن أحوال الناس وشؤونهم، وعن قدرة الناس وعجزهم، وصحة رئيس الوزراء قوام الحياة المصرية، فمن الحق على رئيس الوزراء أن يشغل بها قبل أن يشغل بشؤون الاقتصاد. ولا تقل إن الذي تشغله صحته عن الشؤون العامة يجب أن يفرغ لصحته وأن يدع الشؤون العامة؛ فهذا كلام فارغ لا يقوله العقلاء؛ لأن رئيس الوزراء صحيحاً ومريضاً، قريباً وبعيداً، قوياً وضعيفاً، رجل قد فرضته الظروف على مصر فرضاً، وهو وحده دون غيره قادر على فهم الشؤون والأحوال، وتدبير السياسة والاقتصاد.
رئيس الوزراء معذور إذن حين شُغل بصحته عن الأزمة. ورئيس الوزراء معذور أيضاً حين شُغل بأزمته الوزارية الخاصة عن الأزمة الاقتصادية العامة. وليس على رئيس الوزراء ولا على مصر بأس ما سيتدارك رئيس الوزراء كل ما فات، وسينجز من الأعمال في هذه الأيام القليلة المقبلة ما لم يستطع إنجازه في تلك الأشهر الطويلة الماضية. وأي دليل على ذلك أبعث للأمل وأدعى للرجاء من أنه أخذ يسأل عن سوق القطن، ويقابل مدير بنك التسليف، ويكلف المفتشين الماليين البحث والدرس ورفع التقارير؟ ولا تذكر أمر المصارف والديون العقارية، ولا تذكر أمر الدول وأداء الدين وفوائده ذهباً أو ورقاً، فكل هذا شيء يسير سيفرغ له رئيس الوزراء بعد أن يتعرف أمر سوق القطن ويقرأ تقارير المفتشين عن قدرة الناس على تأدية الضرائب.
فرئيس الوزراء متعجل، ولكن على مذهبه هو، لا على مذهبك أنت. وكل وزير خطير مكلف قبل كل شيء أن يدبر من المال ما يمكن الحكومة من الحياة الناعمة المترفة، ثم يفرغ بعد ذلك لشؤون الناس فيهون عليهم ويرد عنهم ما يخافون. ليطمئن المصريون إذن، وليناموا ملء جفونهم، وليذعنوا لتحكم العمدة وعبث الصراف، ولينتظروا؛ فرئيس الوزراء عجلان، وهو زعيم لهم منذ اليوم بأن تؤدى الضرائب على وجهها فتسعد الحكومة وتنعم، وبأن تؤدى الديون إلى المصارف فتسعد المصارف وتنعم، وتهدأ الأمة وتستريح، وبأن تُحل مشكلة الدين العام فترتع الحكومة والأمة في روضة بهيجة من اليمن والعز والنعيم والرخاء الذي لا حد له.
لقد أقبلت الخطوب على مصر مخيفة مروعة، ولكن مصر خليقة ألا تخاف ولا ترتاع؛ فرئيس الوزراء عجلان، يسأل عن سوق القطن، ويلقى مدير بنك التسليف، ويكلف المفتشين أن يبحثوا أو يدرسوا ويرفعوا التقارير.
كوكب الشرق ١٢ – ٩ – ١٩٣٣ -
توفيق
توفيق
لا أعرف وزارة وفقت إلى إسخاط الشعب وإثارة الحفيظة والموجدة في نفسه كما وفقت وزارتنا القائمة. فأنت لا تكاد تنظر في ناحية من نواحي الحياة المصرية إلا رأيت الشعب يسلك طريقًا، والوزارة تسلك طريقًا أخرى؛ هذا إلى اليمين، وهذه إلى الشمال، هذا إلى الشمال، وهذه إلى الغرب. كانت القاعدة الأساسية التي اتخذتها الوزارة أصلًا لحياتها وسيرتها إنما هي أن تضاد أعمال الشعب وميوله وأهواءه ومنافعه، وكأن الغرض الأساسي الذي وقفت الوزارة جهودها على تحقيقه والوصول إليه إنما هو إحراج الشعب وتسليط السخط والحنق عليه.
وهذه الأيام التي نشهدها تقدم أوضح الأدلة وأجلاها على هذا التناقض الشنيع بين حياة الشعب وحياة الوزارة، وبين آمال الشعب وآمال الوزارة. ولسنا نذكر جوع الشعب وإسراف الوزارة، ولسنا نذكر تهالك الشعب على الحرية وكلف الوزارة بالبأس والبطش، ولسنا نذكر طموح الشعب إلى الاستقلال وإذعان الوزارة لسلطان الأجنبي؛ فقد كثر الحديث في ذلك وطال حتى لم تبقَ حاجة إلى تكراره ولا إلى تذكير الناس به، لأنه أصبح قوام حياتهم في جميع أوقاتهم. وإنما نذكر نشاط الشعب في هذه الأيام، ونشاط الوزارة؛ فإن في المقارنة بين هذين النوعين من النشاط عبرة وعظة. الشعب ثائر مضطرب، لما يلقى أبناؤه وبناته من كيد المبشرين وعبثهم بالدين وطغيانهم على الأخلاق والأعراض، فالشعب يسخط ويشكو، والشعب يلح في السخط ويغرق في الشكوى، والشعب لا يستريح ولا يريح الصحف كأنه يعتقد أن قد أصبح الأمر إلى الصحف، فهي قادرة على أن تجلي المبشرين عن مصر، وتغلق معاهدهم وملاجئهم، وترد عدوانهم على أبناء المسلمين وبناتهم، وتصد طغيانهم على الدين والأخلاق والأعراض.
أما الوزارة فشديدة النشاط، مسرفة فيه، لا تكاد تقف منه عند حد. وقد استغرق نشاطها مدينة القاهرة، ومدينة الإسكندرية، ومدينة بورسعيد، وأقطار الدلتا كلها. فإذا سألت عن موضوع هذا النشاط فثق بأنه شيء آخر غير حماية الدين والأخلاق والأعراض. وإذا سألت عن الذين يوجه إليهم هذا النشاط فثق أنهم قوم آخرون غير المبشرين. فالوزارة لا تنشط لحماية الدين والأخلاق والأعراض، وإنما تنشط لحماية نفسها، وهي لا تحمي من شر تخافه أو خطر تخشاه، وإنما تحمي نفسها من أوهام تفزعها في اليقظة وتروعها في النوم. والوزارة لا توجه قواها الهائلة إلى المبشرين، وإنما توجهها إلى الشعب. نعم، إلى هذا الشعب الذي يستغيثها ويستعين بها وينتظر منها أن تحميه من عدوان الأجنبي. الوزارة شديدة النشاط في الإسكندرية لأن رئيس الوفد وصاحبه أقاما فيها أيامًا، ثم سافرا منها صباح اليوم، والوزارة تخاف من رئيس الوفد وصاحبه أينما كانا وحيثما أقاما، وإلى أي وجهة قصدا، وفي أي مكان نزلا. والوزارة تجند الجنود وتنشر البنود وتزلزل الأرض لتحول بين الناس وبين الاتصال برئيس الوفد وصاحبه. فأما المبشرون الذين يعتدون على الدين والأخلاق والأعراض في الإسكندرية فالوزارة عنهم في مشغل، ولم لا؟ أليس الدفاع عن النفس، حتى من الوهم والخيال، واجبًا قبل كل شيء وبعد كل شيء وفوق كل شيء؟ فلتوجد الوزارة أولًا، ولتحم وجودها من الخطر، ثم لتفكر بعد ذلك في وجود الشعب وحمايته!!!
والوزارة شديدة النشاط في بورسعيد، قد ملأت جنودها الشوارع، وأخذت على الناس كل طريق، لا لأن مبشرة أجنبية تكيد للدين والأخلاق والأعراض وتتحدى سلطان الدولة وتعطل أحكام القضاء، بل لأن الأستاذ النقراشي ذهب إلى هذه المدينة يستقبل عضوًا من أعضاء الوفد قادمًا من أوروبا.
فالوزارة مشفقة من الأستاذ النقراشي وصاحبه، تخاف أن يتصل بهما الناس أو يلتفوا حولهما، ولم لا؟ أليس من الحق عليها أن تدافع عن وجودها أولًا، ثم تفكر بعد ذلك إن سمحت لها الظروف في حماية الدين والأخلاق والأعراض، وسلطان الدولة وأحكام القضاء؟
أما الدلتا فنشاط الوزارة فيها لا حد له، قد أجلبت الوزارة عليها بخيلها ورجلها، ونشرت فيها شيئًا يشبه الأحكام العرفية؛ فالجند يحتلون المدن احتلالًا، وهم يقطعون الطرق فيها ومن حولها بما يبنون من عقبات، وما يقيمون من حواجز وحصون. وهم يحاصرون المحطات ويحيطون بالدور، والقطار المسلح مرابط فيما يقال بين محطة سعد زغلول، ورجال الإدارة لا ينامون الليل ولا يهدأون في النهار. لماذا؟ لا لأن المبشرين يكيدون للدين والأخلاق والأعراض، ولكن لأن رئيس الوفد وصاحبه سينزلان في طنطا وسيذهبان منها بالسيارة إلى حيث يزوران أم المصريين، ولعلهما أن يزورا في طريقهما بعض الوفديين.
وإذن فحياة الوزارة في خطر، والدفاع عن الحياة أول الواجبات وأشدها لزومًا، فلتنفق الجهود، ولتحشد الجنود، ولتنشر البنود، ولتضطرب الأرض، وليقتنع الشعب بأن الوزارة القائمة حية قوية عظيمة الحظ من القوة والحياة!
أما القاهرة فأمرها عجب منذ أيام؛ قد شهدت منذ يوم السبت ما نسيته منذ أشهر، فانتشر فيها الجند، وكثر فيها ذهابهم ومجيئهم، وظهرت فيها قوة الحكومة كأروع ما تكون وكأشد ما تكون مما عرفها الناس، وفتحت فيها أبواب السجون، وصرف فيها رجال الإدارة عن الراحة والاستمتاع بلذة العيش، كأنما نحن في أيام الانتخاب منذ عامين! فإذا سألت فيم هذا كله فالجواب يسير، وهو أن عمال ثورنيكروفت مصريون، وأن شركة ثورنيكروفت تريد أن تتبختر سياراتها في الشوارع، وأن الوزارة مضطرة لحماية هذه السيارات، وإذن فيجب أن تنفق جهودها كلها في مدينة القاهرة لتمكن هذه الشركة من أن ترسل سياراتها مختالة في الشوارع، ويجب أن يحصر هؤلاء العمال في بيوتهم، وأن يصرف عنهم ما قد يصل إليهم من إعانة المحسنين، لأن شبع هؤلاء العمال لا يخلو من خطر على هذه السيارات.
وكذلك يريد الله أن يظهر التناقض بين حياة الشعب وحياة الوزارة في أشنع صوره وأبشع مظاهره: شعب يستغيث بالوزارة لتحمي دينه وأخلاقه وأعراضه من عدوان المبشرين، فإذا الوزارة تنصب له الحرب، وتغري به الجند، وتحظر عليه الاتصال بمن يحب. جماعة من الشعب يضربون فلا تحميهم الحكومة، ولكن تحمي الشركة منهم، وتسرف في هذه الحماية حتى تسخر الجند وتفتح السجون وتمنع الإعانة وتدع هؤلاء المضربين نهبًا للجوع.
أفتظن أن من الممكن أن توفق وزارة من الوزارات إلى مثل ما وفقت له هذه الوزارة من إسخاط الشعب وإحراجه وإنارة الحفائظ والضغائن فيه؟ إن من المضحك المؤلم حقًا أن يستعين الشعب بالوزارة فإذا هي تعين عليه. إن من المضحك المؤلم حقًا أن يلوذ الشعب بالوزارة فإذا هي تبسط عليه يدها بالقهر والعسف. ولكن أي غرابة في ذلك، فإن مصالح هذا الشعب المصري لم توكل حمايتها إلى المستر «كين بويد»، وإنما وكلت إلى وزارة تريد قبل كل شيء أن تعيش. فإذا استوثقت من العيش واطمأنت إلى البقاء في مناصب الحكم فكرت بعد ذلك فيما يمكن أن تلهي به هذا الشعب من الأماني والوعود. وقد أثبتت الحوادث أن إرضاء الأجانب يطيل بقاء الوزارات ويمكن لها في الأرض، وأن إرضاء الشعب لا يقدم ولا يؤخر، فإذا لم توفق الوزارة إلى إرضاء هذا الشعب وموافقة آماله ومثله العليا فقد وفقت إلى ما هو خير من ذلك، وفقت إلى إرضاء الأجانب، وحسبك بإرضاء الأجانب وسيلة إلى طول البقاء.
كوكب الشرق ١٩ – ٦ – ١٩٣٣ -
مقالات من الخمسينيات | From the 50s
1952
١٩٥٢
من بعيد . . .
تستطيع مصر أن تقول في غير إسراف ولا غلو ولا تزيد أنها في هذه الأيام تملأ الدنيا وتشغل الناس كما كان يقال عن شاعر عربى قديم . فليس فى الأرض حكومة إلا وهي تعنى بشؤون مصر ، تتلقى أنباءها وتدرسها درس التعمق والاستقصاء وترتب على هذا الدرس خطتها فيما يكون بينها وبين الدول الأخرى من صلة بشأن مصر خاصة والشرق الأدنى بوجه عام .
وليس في الأرض شعب إلا وهو مشغول بمصر يتلقى أنباء الأحداث التي تحدث فيها في صحف الصباح والمساء ويسمعها من الراديو فى كل ساعة من ساعات الليل والنهار فيأخذه العجب أحيانا كثيرة ويأخذه الإعجاب أحيانا أخرى ، والصحف تنشر ما تنشر من ذلك متأثرة بألوان من الهوى وفنون من الحب والبغض وضروب من الرجاء والخوف
قليل منها يؤثر الصدق فيما ينشر ويؤثر القصد فيما يعلق به على الأنباء وكثير منها يفكر فى إثارة القراء وأطرافهم بغرائب الأنباء أكثر مما يفكر فى الصدق والقصد . وقد أرادت الظروف أن أعرف أحداث مصر فى هذه الأيام الخطيرة في تاريخها من الصحف الأوروبية قبل أن أعرفها من الصحف المصرية . فإذا أصبحت قرأ على صاحبي ما تبلغه يده من صحف إيطاليا وإذا انتصف النهار حمل إلى البريد طائفة من صحف فرنسا وإذا كان المساء حمل إلى البريد قصاصات كثيرة وأطرافا مختلفة من صحف روما وباريس .. وقد شغلت بهذا كله عن غيره مما كنت أريد أن افرغ له وما أظنني قرأت الصحف قط كما أقرأها في هذه الأيام ..
ومع أنى كغيرى من المصريين يعجبنى أن تملأ مصر الدنيا وتشغل الناس ومع أني كغيري من المصريين فخور معجب بأن مصر قد ضربت للعالم الحديث مثلاً رائعاً بثورتها هذه التي جمعت بين الهدوء الذى يملأه الوقار والجلال وبين العنف الحازم النقي الذي يحطم الظلم ويرسل ملكاً إلى منفاه دون أن يسفك قطرة من دم ودون أن يخرج عن طور الحلم والأناة والحذر الرشيد ، مع أنى كغيرى من المصريين فى هذا كله ، فإني أنفق في بعض الأوقات لحظات ثقالاً فيها غيظ شديد وضيق ببعض المراسلين الكاذبين الذين يركبون رؤوسهم ويتبعون أهواءهم ويرسلون خيالهم إلى غير غاية ويقولون لقرائهم كلاما أقل ما يوصف به أنه سخف لا يصدر عن نفوس بريئة ولا عن قلوب سليمة ولا عن نيات مخلصة للحق . فكثير من الصحف الباريسية مثلا لا تستطيع أن تخفى أشفاقها من الثورة المصرية لا لأنها تخاف على الفرنسيين ومصالحهم فى مصر فهي مطمئنة على هؤلاء الفرنسيين وعلى تلك المصالح لأن القائد العام ورئيس الوزراء كلاهما قد أمن الأجانب على أرواحهم ومصالحهم ولأن الأمور جرت في مصر على خير ما يحب المصريون والأجانب من الأمن والنظام والعافية ، ولكن لأنها تخشى أن تكون الثورة المصرية مثلا لثورات أخرى تحدث فى بلاد أخرى غير مصر .
والفرنسيون يقاسون هولاً أي هول فى الهند الصينية منذ وضعت الحرب العالمية الأخيرة أوزارها وهم يقاسون هما ثقيلاً فى تونس وعناء مبرحا في مراكش وهم يؤمنون فيما بينهم وبين أنفسهم بأن مصر تحتل مكان القدوة فى العالم العربي فهم ينظرون إلى ما يحدث فيها من حركات التحرير شزراً ، وكل شيء يدل على أنهم غير مخطئين في هذا الاشفاق
فلم تكد مصر فى أواخر العام الماضى تظهر مقاومة الاحتلال البريطاني حتى نهضت تونس تقاوم الحماية الفرنسية وأمور مراكش أظهر من أن تحتاج إلى تفصيل .
وكثير من الصحف الفرنسية لا يظهر عطفاً على الملك السابق بمقدار ما يظهر العطف على الإنجليز ذلك لأن أمر الملك لا يعنيهم من قريب أو بعيد ولكن أمر النفوذ البريطاني يعينهم كل العناية لأنه قرين النفوذ الفرنسي في شمال أفريقيا ، فإذا زال النفوذ البريطاني من مصر كان زواله إيذاناً بزوال النفوذ الفرنسي من أفريقيا الشمالية .
والفرنسيون كالإنجليز لا يطمئنون إلى النشاط الأمريكى فى هاتين المنطقتين من مناطق النفوذ كما يقول السياسيون في هذه الأيام . ذلك لأن الأمريكيين لا يريدون أن يحتلوا قناة السويس مكان الإنجليز ولا أن يحموا تونس ومراكش مكان الفرنسيين وإنما يريدون تأمين الشرق الأدنى والأوسط من النفوذ الروسى وأقصى ما يمكن أن يريدوا غير ذلك هو بسط نفوذهم الاقتصادى الذي ينفع ولا يضر .
ومن أطرف ما قرأت فى صحيفة فرنسية معتدلة ولكنها محافظة أن الأمريكيين يحسنون الظن بالكفاية العسكرية لأهل الشرق العربي لأنهم رأوا حسن بلاء الجنود الأفريقيين الذين حاربوا مع الجيش الفرنسي .
والصحيفة الفرنسية ترى أن الأمريكيين يخدعون أنفسهم في ذلك . فشجاعة الجنود الأفريقيين لم تأتهم من ذات أنفسهم فيما تقول الصحيفة وإنما أتتهم من الضباط الفرنسيين ، والشيء الذى لا شك فيه هو أن كتاب هذه الصحيفة والمشرفين عليها قوم مثقفون ثقافة ممتازة وهم بحكم هذه الثقافة يعرفون التاريخ الحديث ويعرفون أن مصر في النصف الأول من القرن الماضى قد كان لها جيش فعل الأفاعيل وأقام أوروبا وأقعدها وضمن لنفسه إعجاب الفرنسيين حتى فكرت فرنسا ذات يوم فى أنه قد يعينها على غزو أفريقيا الشمالية . وهم يعلمون فيما يعلمون أن جنود الجيش المصرى الحديث هم أحفاد أولئك المصريين الذين أنشأوا جيش محمد على وإبراهيم .
ومن أطرف ما قرأت كذلك فى صحيفة فرنسية أخرى أن أربعة أخماس الشعب المصرى نهب للعلل المهلكة .. فأربعة أخماس الشعب المصرى إذن مريض عند كاتب هذه الصحيفة .. وإذن فماذا تخاف أوروبا من شعب كثرته مريضة لا تقوى على شيء ولا تصلح لشيء ، والمصريون جميعا يعرفون أن حياتهم الاجتماعية في حاجة إلى إصلاح شامل عميق وهم إنما يثورون اليوم ليحققوا الإصلاح الذى حال الطغيان والاستعمار بينهم وبين تحقيقه ولكن الحاجة إلى الإصلاح الشامل شيء ومرض أربعة أخماس الشعب شيء آخر .
والغريب أن كاتب هذا المقال قد زار مصر وأقام بها ورأى أبناءها في المدن والقرى وعرف أنهم والحمد لله بعيدون جدا من هذا الحال التي صورهم فيها . فالذين يسعون في القاهرة والاسكندرية وفى مدن الأقاليم وقراها لا يرون شعباً مريضا متهالكاً ، وإنما يرون شعبا قويا نشيطاً يعمل ويجد ويكد ويكسب لبلده مركزاً ممتازاً في الاقتصاد العالمي ولو عمل الفرنسيون في أرضهم ومصانعهم كما يعمل المصريون في أرضهم ومصانعهم لما كانوا من الضعف الاقتصادي بحيث هم الآن ولكن الهوى يفسد على العقول حسن تقديرها للأمور وحكمها على الأشياء والواقع أن على عقول الفرنسيين غشاوة من الخوف على إمبراطوريتهم فى أفريقيا الشمالية تمنعهم من أن يروا الأشياء كما هي ويحكموا عليها حكما مستقيما . ولو قد برئ الفرنسيون من الهوى ونظروا إلى الأشياء نظرة صادقة مبرأة من الخوف والطمع لعرفوا أن مصر إنما تمثل في الشرق أثناء القرن العشرين ما مثلته هي في الغرب في أواخر القرن الثامن عشر مع فرق خطير جدا وهو أن مصر لم تسفك دماً ولم تقتل الملايين من أبنائها كما فعلت فرنسا في ثورتها الكبرى .
طالبت مصر باستقلالها وحريتها في أعقاب الحرب العالمية الأولى فصنع الشرق العربي كله صنيعها . وطالبت مصر بالحياة الدستورية فى أعقاب ثورتها القومية فظفرت بالدستور ، وصنعت بلاد الشرق العربى صنيعها ، فأصبحت مستقلة مستمتعة بالحياة الدستورية ، وطالبت مصر باستكمال استقلالها فى أعقاب الحرب العالمية الثانية فتأثرت بها بلاد المغرب العربى فى شمال أفريقيا وأخذت تطالب باستقلالها وحريتها وبالحياة الدستورية النيابية .
فالذي فعلته مصر وتفعله الآن فى العالم العربي هو الذي فعلته فرنسا أثناء القرن الماضى فى العالم الأوروبى .
ولو أنصف الفرنسيون أنفسهم لنظروا إلى مصر نظرة عطف وإعجاب ، لا نظرة شك وخوف وإشفاق والأطالوا النظر فى المرأة المصرية ليروا فيها أنفسهم ، فهم على كل حال قد ضربوا للعالم القديم أروع مثل للتضحية فى سبيل الحرية والإخاء والمساواة . ولكن الهوى يطبع على القلوب ويغشى الأبصار ويحجب نور الحق عن العقول وينسى أصحابه كل شيء حتى التاريخ القريب .
ونحن نلوم الفرنسيين وغيرهم من الأوروبيين على سوء ظنهم بمصر وعلى ما يشيعون عنها من مقالة السوء ولكن من الحق علينا أن نبدأ بلوم أنفسنا فنحن أول من يسيء الظن بمصر ويشيع عنها مقالة السوء ويكفى أن نذكر كتاباً رسمياً رفعه بعض رؤساء الوزارات السابقين إلى الملك السابق لنعلم أن المصريين هم الذين يلقون في روع الأجانب كل ما يشيعون عن مصر من السيئات . ويكفى أن ننظر في بعض الصحف المصرية ونعلم أن كل ما ينشر فى مصر أو يقال يسجل عليها في السفارات والمفوضيات ووكالات البرق وعند مراسلى الصحف الأجانب سواء منهم من أقام بمصر أو ألم بها . فنحن نشهد على أنفسنا أسوأ شهادة وأشدها نكراً فى الوثائق الرسمية أولاً وفي صحفنا ومجلاتنا بعد ذلك وإذا شهدنا على أنفسنا كان من الحق علينا ألا نسرف باللوم على غيرنا لأنهم لن يكونوا أشد إنصافا لنا من أنفسنا .
إني لأرجو أن تكون هذه الثورة المباركة التي ردت إلى مصر كرامتها وشرفها في وقار وأناة ونالت بذلك إعجاب العالم الخارجى قد ردت إلى المصريين ثقتهم بوطنهم وحسن رأيهم في أمتهم وردت إليهم شيئا من التفاؤل الذى يجلو أمام أعينهم منظر وطنهم جميلاً نقياً كريماً يستحق أن يحبه أبناؤه ويكرموه ليحبه غير أبنائه ويكبروه .
طه حسین
البلاغ ١٩٥٢/٨/٥ .Suez – Before and After
العدوان الثلاثي – قبل وبعد
September 1956
سبتمبر ١٩٥٦
حيرة
وهم لا يحبون السلم لأنه يضيع هيبتهم فى الشرق العربي ويطمع فيهم أمما كانت منذ أعوام قليلة تسمع لهم وتطيع وهم بعد ذلك لا يفهمون الشرق العربي كما ينبغي أن يفهم ولا يعرفون مصر الحديثة كما ينبغى أن تعرف . ما زالوا يفكرون في هذه الأيام كما كانوا يفكرون في القرن الماضى .. ويقدرون أن مصر سترهبهم اليوم كما كانت ترهبهم من قبل كأنهم لم يروا شيئا ولم يعتبروا بما كان من الخطوب والأحداث .
كان إبطاء مصر فى الرد على رئيس اللجنة التي ألفت لتفاوض في أمر القناة يقض مضاجع الساسة البريطانيين والفرنسيين. وكان أولئك وهؤلاء يكدون عقولهم ويحملون ذكاءهم أكثر مما يطيق ليعرفوا أولا هل يرد رئيس الجمهورية المصرية على كتاب اللجنة أو لا يرد وليعرفوا ثانيا بماذا يمكن أن يرد رئيس الجمهورية المصرية أيقبل لقاء اللجنة أم يرفضه وليعرفوا ثالثا ماذا يفعلون إن رفض رئيس الجمهورية المصرية هذا اللقاء ..
كانوا من كل ذلك في حيرة مظلمة . وكانت الصحف البريطانية والفرنسية تصور هذه الحيرة أصدق تصوير فتبدي وتعيد في فروض مختلفة لا تكاد تنقضى ، ويناقض بعضها بعضا فيما كان ينشر من التنبؤات المتباينة التى لم تكن تدل إلا على أن الكتاب البريطانيين والفرنسيين لم يكونوا يشقون بالحيرة والشك أقل مما كان يشقى بهما الساسة في بريطانيا العظمى وفرنسا جميعا . ولكن الرد المصرى يصل إلى لندن ذات صباح فتنجلي عن الساسة والصحفيين حيرة لتخلفها حيرة أخرى .
فقد كان رد مصر محيرا حقا كان موجزا أشد الايجاز واضحا أعظم الوضوح لا يحتمل تأويلا ولا تحليلا ، طلبت اللجنة إلى رئيس الجمهورية المصرية أن تلقاه فأجابها بأنه مستعد للقائها ولكن هذا الجواب الموجز الواضح أضل رشد الصحفيين والساسة وأخرجهم من شك إلى شك فالرد المصرى لم يشر من قريب ولا من بعيد إلى موضوع هذا اللقاء ولا إلى ما يمكن أن يجرى فيه من حديث .
ومن أجل ذلك ذهب الساسة والكتاب فى تأويل هذا الرد مذاهب مختلفة أشد الاختلاف رأى المتفائلون منهم أن مصر قد جنحت إلى السلم وأثرت أن تصل مع الغرب إلى كلمة سواء ورأى المتشائمون أو وراء الأكمة ما وراءها وأن هذا الايجاز يخفى شروطا ستشترطها مصر قبل المفاوضة ويخفى مشكلات ستثيرها مصر أثناء المفاوضة وقوم آخرون توسطوا بين أولئك وهؤلاء وجعلوا يضربون أخماسا لأسداس وأسداسا لأخماس ويقدرون أن رئيس الجمهورية المصرية يصطنع المماطلة ليكسب شيئا من الوقت يستطيع فيه أن يحول بعض الدول الأوربية عن فرنسا وبريطانيا العظمى وأن يضطر هاتين الدولتين الأخيرتين إلى العزلة وإلى احتمال ما ينشأ من تشددهما من تبعات . وما زال الساسة والكتاب يتخبطون في هذه الحيرة المظلمة ويلقون على أنفسهم وعلى الناس أسئلة كثيرة دون أن يجدوا عليها جوابا وسيظلون كذلك حتى يتم اللقاء الأول في القاهرة بعد ثلاثة أيام نعدها نحن أياما قصارا ويعدونها هم أعواما طوالا لكثرة ما تكلفهم من الجهد وثقل ما تحملهم من العناء . وليس هذا كله هو مظهر الحيرة البريطانية الفرنسية بل هناك مظهر آخر لهذه الحيرة .
ولكنه مظهر خطير بعيد الأثر فيما سيكون من الصلات المستقبلة بين الشرق العربي والغرب الأوربى . فالبريطانيون والفرنسيون يريدون المفاوضة ، وهم من أجل ذلك قد شاركوا في إنشاء هذه اللجنة التي ستجرى هذه المفاوضة ، ولكنهم في الوقت نفسه يفرضون لهذه المفاوضة أساسا يزعمون أنهم لن يتحولوا عنه مهما تكن الظروف ويريدون أن يلزموا مصر قبوله الزاما .. وهم من أجل ذلك يرسلون لجنة تحمل أغصان الزيتون وتدعو إلى السلم والعافية والتعاون ويقدمون بين يدى هذه اللجنة جنودا وبنودا وسفنا وطائرات وتختار فرنسا خاصة اليوم الذى يصل فيه رد مصر لتستأذن بريطانيا العظمي في إرسال جنودها إلى قبرص استعدادا للطوارئ وتأهبا لحماية الفرنسيين في مصر إن تعرضت أشخاصهم أو مصالحهم للخطر . أما بريطانيا العظمى فماضية في التعبئة وإرسال الجنود في أثر الجنود استعدادا لخطر أى خطر .
فالقوم إذن حائرون لا يدرون أيفاوضون أم يحاربون أو هم إن شئت لا يريدون المفاوضة وإنما يريدون أن يفرضوا سياستهم على مصر فرضاً . يريدون أن يملوا عليها هذه السياسة ويخيرونها بين أن تقبل ما يملى عليها فتريح وتستريح وإن أهينت كرامتها وذل أبناؤها وقبلوا الضيم وهم صاغرون وإما أن ترفض ما يملى عليها فتصب الحرب عليها صبا وتتعرض هي ويتعرض الأمن العالمى معها لشر يعرف أوله ولا يعرف آخره .
والقوم مع ذلك يعلنون ويلحون فى الاعلان أنهم لا يريدون إلا السلم وأن لجنتهم لا تحمل إلى مصر إنذارا أو شيئا يشبه الإنذار . هم لا ينذرون ولكنهم يحشدون الجنود في قبرص ومالطة ويعدون أنفسهم للحرب ويستطيع العقلاء أن يتخلصوا من كل هذا التخليط ما يشاؤون . ولكن الواقع من أمر البريطانيين والفرنسيين أنهم حائرون لا يدرون ماذا يصنعون ولا يعرفون كيف يقولون ، قد أسرفوا على أنفسهم فى الوعيد والتهديد يوم أعلن تأميم القناة وسجل عليهم هذا الاسراف . فهم يكرهون أن يتراجعوا فيفقدوا الثقة والإيمان بهم والاطمئنان إلى ما يبذلون من وعد ووعيد . بهم
وحذرهم الأمريكيون وخوفهم . الروسيون من إثارة الحرب ، فهم لا يستطيعون أن يقدموا عليها فينفض من حولهم الأنصار وإذا هم يتورطون فى شر عظيم لا يعرفون كيف يخرجون منه ولا كيف ينفذون من مشكلاته التي لا تحصى وهم من أجل ذلك يرسلون لجنتهم وفي إحدى يديها غصن الزيتون في اليد الأخرى نذير الحرب دون أن يعرفوا حين يخلون إلى أنفسهم أيريدون حربا أم سلما . هم لا يحبون الحرب لأنهم لا يقدرون عواقبها . وهم لا يحبون السلم لأنه يضيع هيبتهم في الشرق العربي ويطمع فيهم أمما كانت منذ أعوام قليلة تسمع لهم وتطيع . وهم بعد ذلك لا يفهمون الشرق العربي كما ينبغي أن يفهم ولا يعرفون مصر الحديثة كما ينبغى أن تعرف .
ما زالوا يفكرون في هذه الأيام كما كانوا يفكرون فى القرن الماضي وما زالوا يعتقدون أنهم قادرون على أن ينذروا فيملأوا قلوب الناس رعبا وفرقا . فهم يرسلون جنودهم تخويفا وإرهابا ويقدرون أن مصر سترهبهم اليوم كما كانت ترهبهم من قبل . كأنهم لم يروا شيئا ولم يسمعوا شيئا ولم يعتبروا بما كان من الخطوب والأحداث . لم تعتبر فرنسا بما أصابها في الهند الصينية وبما أصابها قبل ذلك فى الشرق الأدنى وبما يصيبها الآن في شمال أفريقيا ولم تعتبر بريطانيا بما أدركها من الخذلان في الهند وفى أقطار أخرى من الأرض وبما تتعرض له من الشر في قبرص هذه التي تحشد فيها الجند لتخيف مصر والشرق العربي مع أنها لا تستطيع أن تخيف قبرص نفسها بل لا تستطيع أن تؤمن جندها من القبرصيين أنفسهم ، ولكن القوم قد سجلوا على أنفسهم وعدا بأن يحفظوا على المسهمين القدماء فى شركة القناة القديمة ما كانت تغل عليهم القناة من ربح وهم لا يعرفون كيف يبرون بهذا الوعد . وهم واثقون بأن المحافظين فى فرنسا وبريطانيا العظمي لن يغفروا لهم تقصيرا فى خدمة رأس المال مهما تكن أسباب هذا التقصير وهم من أجل ذلك يملأون الدنيا ضجيجا وعجيجا وتهويشا مستيقنين فيما بينهم وبين أنفسهم أنهم لن يظفروا بشيء مما يحبون وأن مصر ستثبت لوعيدهم إن اكتفوا بالوعيد وستخوض حربهم أن فرضوا عليها الحرب .
وقد قلت حين قبض الأمريكيون والإنجليز أيديهم عن تمويل السد العالي أن مصر تتعرض لامتحان خطير فأما أن تثبت لكيد الغرب ومكره فتقنع العالم كله بأنها جديرة بما حققت لنفسها من الاستقلال وإما أن يدركها الضعف والوهن ويظهر في صفوفها الفشل والافتراق فتقنع العالم كله بأنها لم تنضج بعد ولم تصر أهلا للحياة العزيزة التي تعرف كيف تأبى الضيم . قلت ذلك قبل تأميم القناة فأما بعد تأميمها وبعد هذا التحدى الذي تجاوز كل حد مألوف وبعد أن طمع الإنجليز والفرنسيون فى أن يملأوا قلوب المصريين فرقا ورعبا وبعد أن جعل أولئك وهؤلاء يعبئون الجنود ويرسلونهم إلى شرق البحر الأبيض المتوسط وهيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن مغرقا في نوم عميق كأن السلم لم يتعرض للخطر في هذا الجزء من أجزاء العالم أما بعد هذا كله فقد أصبح الامتحان الذي يخضع له المصريون في هذه الأيام أشد قسوة وأعظم عنفا وأصبحت مصر مخيرة بين الاستقلال والعزة والكرامة مهما يكن ثمنها ومهما تكلفها من تضحية وبين العودة إلى احتلال بريطاني فرنسي أو إلى ما هو شر من الاحتلال البريطانى الفرنسى وهو الوصاية الدولية على إدارة القناة ، وأنا مطمئن كل الاطمئنان إلى أن مصر ستختار فتحسن الاختيار ..
طه حسین
الجمهورية ٥ سبتمبر ١٩٥٦ .November, 1956
نوفمبر ١٩٥٦
مجنون
لم يتحدث أحد عن خزى الفرنسيين في أعقاب الحرب العالمية الثانية كما تحدث عنه الكتاب الفرنسيون أنفسهم في هذه الكتب الكثيرة التى لا تكاد تحصى ، والتي ظهرت أثناء الحرب في أجزاء مختلفة من الأرض ، فر إليها بعض الكتاب الفرنسيين وفي فرنسا نفسها بعد أن وضعت الحرب أوزارها . ولا نعرف هيئة فرنسية برئت من التعاون مع العدو أثناء الاحتلال الألماني . وقد أظهرت المحاكمات التى لم تنقض بعد إن هذا الخزى كان متغلغلا فى طبقات مختلفة من الشعب الفرنسي . شارك فيه ضباط كثيرون من أصحاب المراتب المختلفة فى الجيش وكان أحدهم يحاكم منذ أسبوعين اثنين ، ووصمته المحكمة بإثم الخيانة ثم أعفته من العقوبة فى نفس الحكم لسبب ما . وشارك فيه علماء ممتازون كان من بينهم مدير الجامعة باريس أشفق من عواقب المحاكمة فقتل نفسه ، وشارك فيه أعضاء من المجمع اللغوى أخرجوا منه بعد التحرير وأعضاء آخرون من المجامع العلمية الأخرى ، وكثير من رجال السياسة والحكم ومن زعماء الصناعة والتجارة ورؤوس الأموال ، ومن الكتاب الصحفيين والكتاب والأدباء ومن الطبقات الشعبية الوسطى والطبقات الشعبية الدنيا وقد لقى كثير من هؤلاء جزاءهم فمنهم من حكم عليه بالموت ومنهم من أهدرت شخصيته فحرم حقوقه السياسية والمدنية جميعا ، ومنهم من تلقى عقوبات أيسر من هذا قليلا أو كثيراً وآخرون عاقبهم الشعب نفسه بغير محاكمة قتل بعضهم ومثل ببعضهم وحلقت رؤوس كثير من النساء جهرة وقد صور هذا كله في الكتب الفرنسية والأجنبية ايضاً . فما أكثر ما كتب الألمان من المذكرات التي سجلوا فيها ما رأوا من الأحداث أثناء إقامتهم فى فرنسا أعوام الاحتلال وسجلوا بين ذلك صوراً مخزية لألوان من التعاون وفنون من تملق المنهزمين للمتضررين والتقرب إليهم من طرق مختلفة أقل ما توصف به إنى لا أستطيع أن اذكرها في هذا الحديث .
وما أنس فلن أنسى ما قرأت فى بعض هذه الكتب من وصف حفلة عشاء أقيمت في دور بعض الأغنياء من أهل باريس دعى إليها كثير من أعلام الباريسيين في الصناعة والتجارة والعلم والمال وأقبلوا جميعا مبتهجين لأنهم كانوا سيلقون في هذا العشاء قائداً ألمانياً عظيماً . وقد تأخر هذا القائد عن موعد العشاء شيئاً فقالت ربة البيت وعلى ثغرها ابتسامة الرضا وعلى وجهها غشاوة من الفرح والمرح يشيع فيها شيء من القلق اليسير . قالت : لا ننتظر الآن الا قاهرنا الجميل . وأقبل القائد بعد قليل فحدث احتفال الناس له وإحاطتهم به وإقبالهم عليه وابتغاء الوسائل إلى أن يلقى إليهم كلمة أو يسمع من بعضهم حديثا .
كل ذلك قد كان بل أكثر من ذلك وأشد منه خزياً ونكراً . وليس من شك في أن من الفرنسيين من أبى الهزيمة وقاوم الخزى . ولكن آخر من ينبغى أن يتحدث عن الهزيمة والاستسلام واستقبال العدو وتقديم المعونة له وابتغاء الوسيلة إليه هم الفرنسيون الذين أنشأ هذا الخزى فى نفوسهم عقداً منكرة لا يستطيعون أن يخلصوا منها وإلى هذه العقد التي أنشأها الخزى في نفوس الفرنسيون ترجع الحماقات الكثيرة التي تورطت فيها جمهوريتهم الرابعة .
فحرب الهند الصينية ليست إلا أثراً من آثار هذه العقد حاول الفرنسيون بها أن يكسبوا نصراً يحررهم من خزى نفوسهم . فلم يكسبوا في تلك الحرب إلا خزياً جديداً أضيف إلى خزى قديم . وهذه الآثام البشعة التي اقترفوها وما زالوا يقترفونها في شمال أفريقيا ليست إلا أثراً من آثار هذا الخزى . حاول الفرنسيون أن يجدوا في أثامهم هذه ما يحرر نفوسهم من خزى الضمائر . ويشعروا أنفسهم أنهم ما زالوا كبارا . فلم يكسبوا من هذه الآثام إلا خزياً وعاراً يضافان إلى ما عندهم من رأس مال ضخم من الخزي والعار . فهذه مراكش قد تحررت وهذه تونس قد تحررت أيضاً بعد أن ذاق الفرنسيون فيها ألوان الضعة والهوان . وهذه الجزائر توشك أن تتحرر ولا بد لها من أن تتحرر ومن أن تضيف إلى رأس المال الفرنسى من الخزي والعار . وهذه الجريمة التي اقترفتها فرنسا مع زميلتها في الإثم بريطانيا العظمى حين أقدمتا على غزو مصر ليست إلا أثراً من آثار ذلك الخزى . حاول بها الفرنسيون أن يشعروا أنفسهم بأنهم ما زالوا قادرين على أن يفتحوا الأرض ويقهروا الأمم ويتحكموا في الشعوب . فلم يجنوا منه إلا الهزيمة والخوف الذي يروع نفوسهم ويجرى مع دمائهم ويضع أيديهم على قلوبهم مخافة أن يصير لعبهم إلى جد وأن ينظروا ذات يوم فإذا هم متورطون فى حرب أخرى مع أمة أقوى منهم قوة وأشد منهم باساً وأقدر من الألمان على أن تحتل باريس وتفعل بها الأفاعيل ويدعى قادتها إلى الحفلات التي تقام عند أصحاب رؤوس الأموال وهم لم يجنوا هذا كله فحسب وإنما جنوا من جريمتهم هذه انحراف العالم عنهم وازدراء الأمم المتحضرة لهم وحكم هيئة الأمم المتحدة عليهم .
فأى غرابة بعد هذا كله فى أن يقوم رئيس وزرائهم مقامه ذاك في الحفل الذي دعاه إليه اتحاد الصحافة الإقليمية الفرنسية . فهذا بهذا الهذيان الذي تحدثت عنه الجمهورية أمس ، وزعم فيه أن المصريين لم يطيقوا لقاء جنده وإنما فروا من هذا اللقاء . . .
فر الضباط أولاً وفر الجنود ثانياً وأذعن شعب بورسعيد أخيرا وانتهى الأمر عند ذلك بسلام .
وإذن فما بال القناة لم تخلص له ولشركائه فى الإثم وما بال مصر كلها لم تقدم إليه الطاعة ولم تلتمس منه العفو والرضا وما بال رئيس الجمهورية جمال عبد الناصر ما زال ثابتا يسخر منه ومن شركائه ويتهيأ للقائه إن هم جيشه أن يتجاوز مكانه . وأطال المقام في هذا المكان . وما بال الشعب المصرى ، ما زال ثابتاً يضحك منه ومن جيشه ويؤيد رئيس جمهوريته على رغم فرنسا وبريطانيا العظمى .
وسأل الصديق سامى داود عن اسم يسمى به هذا الأحمق ولست أدرى فيما يسأل الصديق وفيم يبحث وليس فى اللغة العربية ولا فى غيرها من اللغات كلمة تليق به وبما يفعل وما يقول إلا كلمة واحدة وهى إنه مجنون .
طه حسین
الجمهورية ١٢ نوفمبر ١٩٥٦ .