إصلاح
طه حسين
جريدة البلاغ
٩ أغسطس ١٩٥٢
لا أحب أن أتعجل الإصلاح؛ لأن شرَّ الإصلاح ما جاء مرتجلًا، لم يأتِ نتيجة التفكير العميق والروية المتصلة والبحث المستفيض. ولكني أحب أن أعرض لأمور لم ينقطع تفكير المصريين فيها منذ كانت الثورة المصرية في أعقاب الحرب العالمية الأولى بوجه عام، ومنذ أمضيت المعاهدة المصرية الإنجليزية الملغاة بوجه خاص. وما أعرف أن شعبًا تكلم عن الفقر والجهل والمرض بمقدار ما تكلم عنها الشعب المصري — عامته ومثقفوه — منذ ثلاثين عامًا، ولكن الكلام لا يطعم جائعًا ولا يكسو عاريًا ولا يعلِّم جاهلًا ولا يبرئ مريضًا. وكان يُقال: إن أمور الإصلاح ميسَّرة لا يعترضها إلَّا أمران: ضيق الميزانية من جهة، ووقف الطغاة والأَثِرِين في سبيله من جهة أخرى. وكان ضيق الميزانية ناشئًا دائمًا عن خطأ مألوف في كثيرٍ من البلاد، وفي مصر خاصة. كان الذين يضعون الميزانية يعنيهم قبل كل شيء أن يتحقق التوازن بين الدخل والخرج أو بين الإيرادات والمصروفات في لغة وزارة المالية، وكان تحقق هذا التوازن شيئًا أقرب إلى الوهم منه إلى أي شيءٍ آخر. جماعة من الكاتبين والحاسبين يقدِّرون الدخل بأرقام، ويقدِّرون الخرج بأرقام، ويحرصون أشد الحرص على ألَّا تزيد أرقام ما يُنفق من المال في المرافق العامة على أرقام المال الذي يُجبى من المرافق العامة. وكانوا يفخرون ويبتهجون إذا زادت الإيرادات على المصروفات، يرون في ذلك براعةً في الاقتصاد وحسن تدبير للأموال العامة. وكنا نرى — وما أكثر ما كان قومٌ يضحكون مما كنَّا نرى — أن توازن الميزانية إنما يكون بتحقيق التعادل بين حاجة الشعب الحقيقية إلى الإصلاح ومقدار ما يُجبى من الموارد العامة. وكنَّا نطالب بأن يزداد الإيراد حتى يُعادل الحاجة إلى الإصلاح، وننكر أن يضيق على الإصلاح حتى لا يتجاوز ما لدى الدولة من مال. وكنَّا إذا قلنا ذلك أو شيئًا قريبًا منه ضحك رجال المالية في وجوهنا، وقالوا في كثيرٍ من الرثاء لنا والعطف علينا: هذا كلام من لا علم له بشئون المال.
وكذلك كانت وزارة الصحة تحتاج إلى مقدار من المال؛ لتحقق شطرًا من برنامجها فيُقال لها: حسبك نصف ما تطلبين، ودبِّري أمرك بمقدار ما يُقسم لك من المال لا تتجاوزيه، وإن استطعت ألَّا تبلغيه فافعلي، والخير كل الخير في ألَّا تبلغيه! وكان هذا يُقال لكل وزارة من الوزارات التي تُعالج نحوًا من أنحاء الإصلاح الاجتماعي: وزارة الصحة التي تحارب المرض مقتر عليها، ووزارة الشئون الاجتماعية التي تحارب الفقر مضيق عليها، ووزارة التعليم التي تدافع الجهل من القلوب والعقول محجور عليها؛ لأن الميزانية أصبحت غاية لا وسيلة، ولأن الإصلاح أصبح يُقاس بالإيراد لا بحاجة الشعب إليه. ولم يكن من الميسور أن نطالب بزيادة الإيراد؛ ففي زيادة الإيراد اشتداد على أصحاب الثراء، وأصحاب الثراء أَثِرُون بطبعهم، لا يحبون أن ينفقوا ولا يبغضون شيئًا كما يبغضون الحكومة التي تضطرهم إلى الإنفاق. وأصحاب الثراء هؤلاء يأوون إلى ركنٍ شديدٍ، هو صاحب الثراء الأعظم الذي يملك أعظم حظٍّ ممكن من الثروة، والذي يجمع إلى ثرائه سلطان الدولة، والذي يولِّي الحكومات شئون الحكم ويصرفها عنها؛ يوليها إذا رضيَ عن أعضائها، ويصرفها إذا سخط على أعضائها. فكان من الطبيعي أن تحسب الحكومات لأصحاب الثراء، وركنهم الشديد الذي يأوون إليه ويلوذون به حسابًا أي حساب. حتى كانت بعض الحكومات تتحدث حديث المبتهج المفاخر بأنها لا تريد أن تزيد الضرائب، بل بأنها مصممة على ألَّا تزيد الضرائب. وكانت الظروف القاسية تضطر الحكومات أحيانًا إلى أن تستزيد من إيرادها، فتلجأ إلى الضرائب غير المباشرة، تفرضها على ما يحتاج إليه الناس جميعًا، فيزيد الفقير والبائس فقرًا إلى فقر وبؤسًا إلى بؤس وشقاءً إلى شقاء، ولا ترزأ الغني الموفور من ماله الكثير شيئًا ذا بال!
وكذلك أصبح الإصلاح عندنا كلامًا، وأصبح الجِدُّ فيه خطرًا على من يحاوله أو يدعو إليه، فضلًا عن أن يلح فيه. ثم تجاوز الأمر هذا الحد، فأصبح الإلحاح في الدعاء إلى الإصلاح عندنا شيوعية أو شيئًا قريبًا من الشيوعية، يضيق به صدر السلطان، وربما فتحت لأصحابه أبواب السجون وضاقت عليهم الأرض بما رحبت.
ومهما أنسَ فلن أنسى، ولن ينسى الوزراء الذين اشتركوا في وزارة الوفد الأخيرة ليلة ذهبنا نقسم اليمين الدستورية بين يدي الملك السابق. فلما فرغنا من يميننا تمنَّى رئيس الوزراء أن تجري الأمور على ما يصلح الوطن ويحقق آماله، ورد الملك السابق عليه فتمنَّى مثل ما تمنى الرئيس. ولكنه لم يلبث أن انحرف عن حديثه إلى جماعة الوزراء ورئيسهم، واتجه إلى وزير المعارف خاصةً يدعوه باسمه، وينبئه بأنه يعرف ما كان ينشره في الصحف، وينذره بأن اختياره للوزارة لم يكن إلَّا امتحانًا له، فهي فرصة أخيرة تُتاح له لعله يثوب إلى نفسه ويعدل عمَّا كان قد مضى فيه من تلك الكتابة المثيرة. ولم يجب وزير المعارف بشيء، وإنما خرج الوزراء وأنفقوا أيامًا وأسابيع يتندرون بزميلهم يدعونه باسمه كما فعل الملك السابق، ويذكرونه كتابته المثيرة والفرصة التي أُتيحت له ليرجع عنها. وواضح أن وزير المعارف ذاك لم ينتهز الفرصة التي أُتيحت له، ولم يرجع عن شيء عمَّا كان يدعو إليه، وإنما مضى في شئون التعليم على نحو ما كان يرسم قبل أن يكون وزيرًا، لا يقفه في طريقه إلَّا ما يقف الوزراء جميعًا من الميزانية وفهم رجال المالية لتحقيق التوازن بين الدخل والخرج.
ومضى عام وعام، واستقرت مجانيَّة التعليم العام، وأقبل العام الثالث، وجعلت الوزارة تعد خطاب العرش، وطلب وزير المعارف أن تتغير سياسة التعليم الجامعي، فتقرر فيها المجانية على ألَّا تقبل الجامعات من أصحاب الشهادة الثانوية إلَّا القادرين حقًّا على أن ينتفعوا بما يلقى فيها من التعليم. ولكن القصر وقف في سبيل هذه المجانية الجامعية، فحال بينها وبين أن تذكر في خطاب العرش، وحال بينها وبين أن تصبح أمرًا واقعًا. والغريب أن وزير المعارف كان متفقًا على ذلك مع الجامعات الثلاث.
ثم ولد ولي العهد، واجتمع مجلس الوزراء وأراد أن يظهر ابتهاج الحكومة والشعب بمولد أمير الصعيد، فاقترح بعض الوزراء أن يُعفى الطلاب الجامعيون من المصروفات التي لم يؤدوها، وسأل رئيس الوزراء وزير المعارف وهو يضحك: أراضٍ أنت عن هذا الإعفاء؟ قال الوزير: لا، إنما أرضى بتقرير المجانية الكاملة؛ وليكن ذلك ابتهاجًا بمولد الأمير. ولكن الوزراء تضاحكوا واكتفوا بما اتخذوا من قرار.
ولم يكن ذلك شأن الإصلاح في التعليم وحده، وإنما كان شأن الإصلاح في كل مرفق من مرافق الحياة. لم يكن بدٌّ من أن يتحقق الإصلاح بقوانين أو مراسيم، ولم يكن سبيلٌ إلى إمضاء القوانين أو المراسيم إلَّا إذا رضيَ عنها القصر، ولم يكن رضا القصر عن بعض الإصلاح يسيرًا ولا سهل المنال، ويجب أن نقول الحق: فقد كان للقصر أعوان في هذا الخوف من الإصلاح الذي يعرض ثراءهم لنقص قليل أو كثير.
وللقارئ أن يظن بي ما أحب من السذاجة — والعبط — كما يقول الناس، ولكن أذكر سلسلةً من المقالات لعلها بلغت عشرًا أو جاوزت هذا العدد، وكان موضوعها واحدًا، وكان يسيرًا سهلًا، وهو أن إصلاح التعليم الذي عمدت إليه وزارة الوفد الأخيرة إنما كان شيوعية سافرة. كان من الشيوعية أن يكون التعليم بالمجان، وكان من الشيوعية أن تفتح المدارس لعدد من أبناء الشعب لم يكونوا ليدخلوها من قبل، وكان من الواضح جدًّا أن كاتب تلك الفصول لم يكن يؤمن فيما بينه وبين نفسه بما كان يكتب؛ لأن له حظًّا من الثقافة يُتيح له التفريق بين الشيوعية ونشر التعليم. إنما كان يريد أن يخاصم الحكومة القائمة، ويُغري بها أصحاب الثراء، ويُغري بها من كان يرى لنفسه حق التولية والعزل، وحق إجازة القوانين والمراسيم وتعطيلها.
وأحب أن يعرف القارئ أني لست شيوعيًّا، ولم أكن شيوعيًّا قط، ولن أكون شيوعيًّا آخر الدهر، لا لأني أخاف على نفسي عواقب الشيوعية في مصر، فما أكثر ما تعرضت لما يخاف، فلم يصرفني الخوف عما أردت؛ بل لأني أؤثر الحرية على كل شيء من جهة، ولأن الشيوعية لا تلائم حياتنا المصرية المتدينة بالإسلام أو المسيحية، ولا تلائم الطور الذي وصلنا إليه من الرقي من جهة ثانية، ولأني مؤمن بأن في طبيعتنا وفي ديننا ما يمكننا من تحقيق العدل الاجتماعي دون حاجة إلى شيوعية لينين وستالين. ومع ذلك، فإني أذكر ديمقراطية قديمة عاشت في القرن الخامس قبل المسيح لم تكن شيوعية، ولم تدَّخر وسعًا في تأييد الحرية وملكية الأفراد لما يكسبون في حدود القانون، ولكنها لم تكن تكره أن تشق على أغنيائها في بعض ما لا تقدر عليه مواردها، فكانت تكلف أغنياءها بناء سفن الحرب، وكانت تكلف أغنياءها تلهية الشعب بتمويل التمثيل. ونشأ عن شدتها تلك على الأغنياء أن أصبحت مدينتها أثينا سيدة البحر، وأن تركت هذه المدينة للإنسانية تراثًا رائعًا خالدًا من الأدب التمثيلي.
وما أريد أن تشتد مصر على أغنيائها كما كانت تشتد أثينا على أصحاب الثراء فيها، ولكن لا أجد بأسًا في أن تعيد الديمقراطية المصرية الثائرة نظرها في توزيع الضرائب، وأن تأخذ من الأغنياء لترد على الفقراء كما يأمر الإسلام، وأن تكلف الأغنياء إقامة المدارس والمستشفيات حين تسمح لهم ثروتهم بإقامة المدارس والمستشفيات، تأخذ من أموالهم صدقات تطهرهم وتزكيهم بها كما يقول اللَّه في كتابه الكريم. وأحبُّ أن يكون هذا كله بالقانون عن رضًا من البرلمان، لا عن تسلط من الحاكمين.
ولست أدري أين قلت في بعض كتبي منذ أكثر من خمس عشرة سنة أن من تغل عليه ثروته ثلاثين ألفًا من الجنيهات مثلًا سيظل غنيًّا حين ينفق نصف هذا الدخل فيما يطلب إليه من الضرائب؛ لتحقيق ما يحتاج إليه الوطن من الإصلاح.
إن الثورة الصادقة التي تصدر من أعماق الشعب تلغي الأثرة، وتضع مكانها في قلوب الناس شيئًا آخر هو الإيثار والتضحية في سبيل المنفعة العامة. وما أشكُّ في أن ثورتنا صادقة، وما أشكُّ في أنها صادرة عن أعماق الشعب، وما أشكُّ في أن من حقِّنا أن نرى الأثرة تجري عن مصر مع الطغيان، وأن نرى الإيثار يحتل مكانها في قلوب الأغنياء والموسرين، فينفقون عن سعة في سبيل الإصلاح، ويذكرون أن ما يفعلون من خير سيجدونه عند اللَّه، وأن الشاعر القديم لم يكذب حين قال:
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب العرف بين اللَّه والناس
Tag: Fiscal Policy
-
غدًا
حديث المساء: غدًا
طه حسين
كوكب الشرق
٧ أكتوبر ١٩٣٣
غدًا يُكشف الضر كله عن المصريين، ويرفع الشر كله عن المصريين، ويبسط الخير ظله الظليل على وادي النيل، ويخضر كل يابس، وتعود النضرة إلى كل ذابل.
غدًا لا بعد غدٍ، غدًا قبل أن ينتصف النهار ستشرق في مصر كلها، وأمام المصريين جميعًا، ابتسامة طالما التمستها مصر والمصريون، فلم يظفروا بها، وسينشر الأمل في جميع النفوس ضوءًا قويًّا يمحو كل ظلمة، وسيبعث الرجاء في جميع القلوب حياة قوية تمحو كل يأس، وتعفي على كل ضيق، وسيغدو الفلاحون على حقولهم ضاحكين مبتهجين، يتغنون لذة الحياة، وجمال الأمل، وحلاوة العيش الناعم في بلد لم يعرف أهله إلا النعيم قبل أن يُطوف بهم الدكتاتورية الساقطة، فيرسل عليهم شرًّا مقيمًا.
غدًا لا بعد غدٍ، يجدد المصريون عهودهم مع الرخاء والسعة، ومع اليسر والثروة، ويفيق المصريون من هذا النوم الطويل الثقيل، فإذا هم يتنفسون في هدوء، ويملئون صدورهم من هذا الهواء الطلق النقي الذي لم تفسده الأزمة، ولم يكدره التفكير في أداء الضرائب والوفاء بالدين، ولا الخوف من احتجاز المحصول، وبيع الأرض، وسقوط السياط كأنها اللهب على الأجسام العارية تمزقها تمزيقًا، وتسيل منها دماءٌ لم يحلها الله لأحد إلا بحقها.
غدًا لا بعد غد، تذوق مصر السعادة، بعد أن طالت عشرتها للشقاء؛ لأن غدًا هو اليوم الثامن من هذا الشهر، وهو اليوم الذي يسبق عيد الجلوس الملكي، وهو الذي أعلن وزير المالية الجديد راضي النفس، قرير العين، ناعم البال، باسم الثغر، واثقًا بالقدرة على الوفاء، ثقته بأنه موجود، وبأنه وزير، وبأنه يملك الأمر والنهي، ويقدر على البذل والمنع، أعلن أنه سيحط على المصريين شيئًا غير قليل من هذا العبء الثقيل الذي ينوء بهم، وهو عبء الضرائب.
نعم، غدًا لا بعد غدٍ، سيقدم وزير المالية الجديد بمناسبة عيد الجلوس السعيد إلى المصريين هدية لم يقدمها إليهم وزير من قبله، ولن يقدمها إليهم وزير من بعده؛ لأن اللَّه قد خلقه، بل قدر خلقه منذ أبعد العصور وأقدم الأزمان، بل قبل أن توجد العصور وتعرف الأزمان؛ ليقدم إلى أمته في أشد أوقات الضنك والضيق، وفي أعصب أيام البؤس والعسر، هدية تزيل الهم، وتكشف الغم، وتفرج كرب المكروبين. وما زالت الأيام تتناقله ضنينة به، والقرون تتداوله حريصة عليه، والأقدار تهيئ الرجل العظيم لهذا اليوم العظيم، في هذا الشهر العظيم، من هذا العام العظيم، حتى تبسم الدهر فإذا صدقي باشا يَهوِي عن منصب الحكم، وعن وزارة المالية، وإذا عبد الفتاح باشا يحيى يصعد إلى منصب الحكم، وإذا الأقدار تسعى خاضعة طائعة، ومذعنة مؤمنة إلى حضرة صاحب العزة، كما ينبغي أن يقال، وإلى حضرة الفاضل حسن صبري بك، كما قال صدقي باشا، فتضع في يده الكريمة السخية أعنَّة الدخل والخرج، وأزِمَّة الإيرادات والمصروفات؛ لينظر إلى الفلاح فإذا هو سعيد كأسعد ما يكون الناس، وقد كان شقيًّا كأشقى ما يكون الناس.
وأشهد أن أمر المصريين لغريب، فهم لم يقيموا الأفراح والليالي الملاح، وهم لم يرفهوا على أنفسهم، ولم يظهروا ابتهاجًا ولا سرورًا، ولم يعلنوا اغتباطًا ولا حبورًا بهذا الوعد العظيم من هذا الرجل العظيم لهذا اليوم العظيم، يوم يزول العسر فكأنه لم يوجد، ويقدم اليسر فكأنه لم يبرح الأرض، ولم يفارق أهلها منذ كان الزمان واختلف على أهله الليل والنهار.
أمر هؤلاء المصريين غريب؛ يعدهم وزير المالية بتفريج الأزمة، وإزالة العسر، وتخفيف الضرائب، ويحدد للوفاء بوعده يومًا بعينه لا سبيل إلى أن يتقدم، ولا سبيل إلى أن يتأخر، ثم هم بعد ذلك لا يفرحون ولا يمرحون كأنهم لا يصدقون. أرأيت إلى هذه الديمقراطية كيف أفسدت طبائع الناس وأمزجتهم؟ وكيف دفعت إلى نفوسهم الشك في وعود الوزراء، والإشفاق من أن يعجز الوزراء عن الوفاء بالوعود؟ إن هذه الديمقراطية شر يجب أن يزال. وأي شر أكثر من هذا الذي يغير قيم الأشياء، ويبيح للرعية ما كان محظورًا عليها، ويملؤها شجاعة على أن تسمع وعود الوزراء فترفع الأكتاف، وتهز الرءوس، ولا تحفل بهذه الوعود كأنها صدرت من غير وزير، أو من رجل غير مسئول؟
غريب أمر هؤلاء المصريين؛ إنهم ليجحدون الصنيعة، ويكفرون النعمة، ويقصرون في معرفة الفضل لأهله، وشكر الجميل لمن يسدي إليهم الجميل. لقد كان أيسر أصول الطاعة، وأبسط قواعد الإخلاص، وأوجب واجبات الإكبار للوزراء يقضي على هذا الشعب المصري حين سقط إليه هذا الوعد السعيد أن يتلقاه فرحًا مرحًا مسرورًا محبورًا، كما يتلقى الظمآن أول الغيث بعد أن طال عليه الجدب، وأهلكه أو كاد يهلكه الظمأ، وحرقه أو كاد يحرقه الصدى.
نعم، وكان من الحق على هذا الشعب المصري أن يهرع إلى منقذه من كل مكان، ويسرع إليه من كل وجه ليرفع إليه الشكر خالصًا على هذا الوعد الذي أحيا النفوس، وأقر العيون، ورد إلى الحياة بهجتها وجمالها، ولكن هذا الشعب الجاحد لم يهرع ولم يسرع، ولم يظهر رضًى، ولم يعلن حبورًا، ولم يرفع شكرًا، وإنما انتظر في شك وريب كأنما كان يسمع كلامًا عاديًّا، من رجل عادي، لم تدخره الأقدار لينقذ مصر من الفقر، ويرد عنها عادية الجوع والحرمان.
وإذا وقفت الشعوب من الوزراء هذا الموقف الذي يقوم على الجحود والشك، وعلى الإشفاق والريب، فمن حق الوزراء أن تفتر هممهم، وتضعف عزيمتهم، وأن يسيئوا الظن بهذه الشعوب، ويعرضوا عن الرفق بها، والعطف عليها؛ لأنها لا تستحق رفقًا ولا عطفًا. ويظهر أن هذا أو شيئًا من هذا قد كان، أو حاول أن يكون. فالناس يتحدثون بأن شمس غد ستشرق ثم ستغرب، وبأن ليل غد سيطول ثم يزول دون أن يمس الضرائب تخفيف، أو يحط من أعبائها شيء قليل أو كثير.
وهم يزعمون أن مصدر هذا الإخلاف الذي يخافونه وينتظرونه — والذي لا أخافه أنا ولا أنتظره — أن الشعب المصري لم يُقدِّر وعد الوزير حق قدره، ولم يظهر من الابتهاج له والاغتباط به ما يشجع على الوفاء به، ويبعث على المضي فيه. وهم يقولون: إن وزير المالية مهما يكن عظيمًا فهو رجل من الناس، يعجبه أن يتكلم فيسمع الناس له، وأن يعد فيفرح الناس بوعوده، فإذا لم يحس من الناس ما هو أهل له من التشجيع والتأييد ضاق بالناس وأعرض عنهم إعراضًا.
وهم يقولون: إن فتور الناس لهذه الوعود، وشكهم في إمكان الوفاء بها، واستقبالها بهذا الإعراض الثقيل، كل ذلك لم يَسُؤْ وزير المالية وحده، وإنما ساء رئيس الوزراء أيضًا، فالوزراء متضامنون يشتركون في الخير والشر، ويحتملون جميعًا تبعة ما يأتي كل واحد منهم، فلما رأى رئيس الوزراء أن زميله قد وعد، وغلا في الوعد، وبشَّر وأغرق في التبشير، فلم يلقَ من الناس إلا فتورًا وإعراضًا قدَّر — وهو رجل دقيق — أنَّ هذا الفتور يمسُّه، وأنَّ هذا الإعراض يُصيبه، وأنَّ شكَّ الناسِ في زميله شكٌّ فيه، فضاق بذلك، وكبُر ذلك عليه، وعاتب وزير المالية أو لامه فيما أظهر من رفق وعطف لقوم لا يستحقون الرفق والعطف.
ولو قد كانوا يستحقون الرفق والعطف لأظهروا شيئًا من ذلك، فانسل بعضهم من أحزابهم ليلتفوا حول رئيس الوزراء ووزير المالية، ولكن أحدًا منهم لم ينسل إلى الآن، فهؤلاء الوفديون يجتمعون كأكثر ما اجتمعوا، ويصدرون على الوزارة أحكامًا قاسية مسرفة في القسوة.
وهؤلاء الأحرار الدستوريون لا يزالون حيث كانوا لم يتقدموا إلى الوزارة خطوة، ولم يبسموا للوزارة عن ثغر، بل هؤلاء الشعبيون يقولون إذا خَلَوا إلى الوزراء: إنَّا معكم، فإذا عادوا إلى صدقي باشا قالوا: إنما نحن مستهزئون، فهم ما يزالون يضطربون بين الرئيس ونائب الرئيس، يسرون شيئًا ويعلنون شيئًا، وينتظرون حكم الأيام وتصاريف القضاء. وإذا كان هذا أمر الناس؛ لم يؤيد أحد منهم الوزارة وقد قامت منذ عشرة أيام، ففيم الرفق بهم، والعطف عليهم، والتفكير في تخفيف الضرائب؟! كلا، يجب أن يتركوا وما هم فيه؟ ويجب أن تُؤدَّى الضرائب هذا العام كما أُدِّيت في العام الماضي، وفيما مضى من الأعوام لا تنقص، وإن احتاجت الدولة إلى شيء من المال فلعلها أن تزاد. هذا شعب لا يستحق أن يحكم وتدبر الضرائب فيه إلا كما حكمه ودبر أمواله صدقي باشا.
والناس يقولون أن الأمر لم يقف عند وزير المالية ورئيس الوزراء وزملائهما، وإنما تجاوزهم جميعًا إلى رجل من الأجانب يمثل دولة أجنبية في صندوق الدين، فأنت تعلم أن الفرنسيين قوم يحبون العدل، ويكرهون الجور، ويحبون شكر الجميل، ويكرهون كفر النعمة، فلما أظهر الشعب المصري ما أظهر من الفتور والإعراض والشك أمام هذه الوعود التي بذلها وزير المالية وأكد أنه سيفي بها، ضاق ممثل فرنسا في صندوق الدين بهذا الجحود، وتعصب للوزارة المصرية على الشعب المصري، وذهب إلى رئيس الوزراء وإلى وزير المالية يتحدث إليهما فيما شاع وذاع وملأ الأسماع من تخفيف الضرائب إذا أقبل صباح يوم الأحد الثامن من هذا الشهر.
وقد ظن رئيس الوزراء ووزير المالية — فيما يقول الناس — أن ممثل فرنسا مشفق على الدين من تخفيف الضرائب، فأُكِّد له — فيما يقول الناس أيضًا — أن ليس على الدين بأس من هذا التخفيف الموعود، وظن رئيس الوزراء ووزير الخارجية أن ممثل فرنسا في صندوق الدين يريد من طرف خفي جدًّا أن يتدخل فيما لا يعنيه، ولا يعني فرنسا من أمورنا المالية التي يجب أن تكون مقصورة علينا بحكم الاستقلال، فأشار رئيس الوزراء ووزير الخارجية إلى ممثل فرنسا من طرف خفي جدًّا بأن الخير للأجانب أن يفكروا في مصالحهم، وفي مصالحهم وحدها.
ويقول الناس — وما أكثر ما يقول الناس: إن ممثل فرنسا قد فهم هذه الإشارة الخفية، وعرف أن سعيه لم يُفهم على وجهه، فأشار من طرف خفي جدًّا إلى أنه لم يرد أن يدافع عن الدين، ولا أن يعرض لما لا يعنيه، وإنما أراد أن يظهر شعوره بهذا الجحود الذي لم يتحرج المصريون من إظهاره بما يقدم إليهم وزير المالية في جميل. ويقول الناس — وما أكثر ما يقولون: إن الأمر استقر بين الدولتين، ولم يحدث خلاف ولا شبه خلاف، وإنما كان الصفاء كل الصفاء.
ثم يتخذ الناس هذه الأحاديث علة لما قد يكون من تأخر الوفاء بالوعد، ويتمثل العابثون منهم بهذا البيت القديم:
إمَّا غدًا زعموا أوْ لا فبَعْد غدٍ
وكان بين المتحدثين رجل مطرق يسمع، ولكنه لا يقول، فلما انتهى القوم من حديثهم إلى هذا الحد رفع رأسه في هدوء، وقال في صوت مِلْؤه السخرية بما كان يقال من حوله: ولكنكم تتركون الأمر الذي ليس فيه شك ولا ريب، وهو أن السكرتيرين الماليين سيسافرون من القاهرة ليلقوا الوزير في هذا اليوم الموعود، وسيسافرون على حساب الدولة طبعًا، وسيقيمون على حساب الدولة طبعًا يومًا أو يومين، وسيعودون على حساب الدولة طبعًا إلى القاهرة، وستُنفق في هذا كله أموال مهما تكن قليلة فإنها تساوي بعض ما ينبغي رفعه من الضرائب عن بعض الفلاحين. ألم يكن أيسر وأدنى إلى الاقتصاد، وأشد ملاءمة لرغبة الوزارة فيه أن يبقى السكرتيرون الماليون في القاهرة، وأن يأتي إليهم الوزير؟ قالوا جميعًا: نعم، ثم أغرقوا في ضحك شديدٍ.