Tag: Fiscal Policy

  • إصلاح

    إصلاح
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ٩ أغسطس ١٩٥٢

    لا أحب أن أتعجل الإصلاح؛ لأن شرَّ الإصلاح ما جاء مرتجلًا، لم يأتِ نتيجة التفكير العميق والروية المتصلة والبحث المستفيض. ولكني أحب أن أعرض لأمور لم ينقطع تفكير المصريين فيها منذ كانت الثورة المصرية في أعقاب الحرب العالمية الأولى بوجه عام، ومنذ أمضيت المعاهدة المصرية الإنجليزية الملغاة بوجه خاص. وما أعرف أن شعبًا تكلم عن الفقر والجهل والمرض بمقدار ما تكلم عنها الشعب المصري — عامته ومثقفوه — منذ ثلاثين عامًا، ولكن الكلام لا يطعم جائعًا ولا يكسو عاريًا ولا يعلِّم جاهلًا ولا يبرئ مريضًا. وكان يُقال: إن أمور الإصلاح ميسَّرة لا يعترضها إلَّا أمران: ضيق الميزانية من جهة، ووقف الطغاة والأَثِرِين في سبيله من جهة أخرى. وكان ضيق الميزانية ناشئًا دائمًا عن خطأ مألوف في كثيرٍ من البلاد، وفي مصر خاصة. كان الذين يضعون الميزانية يعنيهم قبل كل شيء أن يتحقق التوازن بين الدخل والخرج أو بين الإيرادات والمصروفات في لغة وزارة المالية، وكان تحقق هذا التوازن شيئًا أقرب إلى الوهم منه إلى أي شيءٍ آخر. جماعة من الكاتبين والحاسبين يقدِّرون الدخل بأرقام، ويقدِّرون الخرج بأرقام، ويحرصون أشد الحرص على ألَّا تزيد أرقام ما يُنفق من المال في المرافق العامة على أرقام المال الذي يُجبى من المرافق العامة. وكانوا يفخرون ويبتهجون إذا زادت الإيرادات على المصروفات، يرون في ذلك براعةً في الاقتصاد وحسن تدبير للأموال العامة. وكنا نرى — وما أكثر ما كان قومٌ يضحكون مما كنَّا نرى — أن توازن الميزانية إنما يكون بتحقيق التعادل بين حاجة الشعب الحقيقية إلى الإصلاح ومقدار ما يُجبى من الموارد العامة. وكنَّا نطالب بأن يزداد الإيراد حتى يُعادل الحاجة إلى الإصلاح، وننكر أن يضيق على الإصلاح حتى لا يتجاوز ما لدى الدولة من مال. وكنَّا إذا قلنا ذلك أو شيئًا قريبًا منه ضحك رجال المالية في وجوهنا، وقالوا في كثيرٍ من الرثاء لنا والعطف علينا: هذا كلام من لا علم له بشئون المال.

    وكذلك كانت وزارة الصحة تحتاج إلى مقدار من المال؛ لتحقق شطرًا من برنامجها فيُقال لها: حسبك نصف ما تطلبين، ودبِّري أمرك بمقدار ما يُقسم لك من المال لا تتجاوزيه، وإن استطعت ألَّا تبلغيه فافعلي، والخير كل الخير في ألَّا تبلغيه! وكان هذا يُقال لكل وزارة من الوزارات التي تُعالج نحوًا من أنحاء الإصلاح الاجتماعي: وزارة الصحة التي تحارب المرض مقتر عليها، ووزارة الشئون الاجتماعية التي تحارب الفقر مضيق عليها، ووزارة التعليم التي تدافع الجهل من القلوب والعقول محجور عليها؛ لأن الميزانية أصبحت غاية لا وسيلة، ولأن الإصلاح أصبح يُقاس بالإيراد لا بحاجة الشعب إليه. ولم يكن من الميسور أن نطالب بزيادة الإيراد؛ ففي زيادة الإيراد اشتداد على أصحاب الثراء، وأصحاب الثراء أَثِرُون بطبعهم، لا يحبون أن ينفقوا ولا يبغضون شيئًا كما يبغضون الحكومة التي تضطرهم إلى الإنفاق. وأصحاب الثراء هؤلاء يأوون إلى ركنٍ شديدٍ، هو صاحب الثراء الأعظم الذي يملك أعظم حظٍّ ممكن من الثروة، والذي يجمع إلى ثرائه سلطان الدولة، والذي يولِّي الحكومات شئون الحكم ويصرفها عنها؛ يوليها إذا رضيَ عن أعضائها، ويصرفها إذا سخط على أعضائها. فكان من الطبيعي أن تحسب الحكومات لأصحاب الثراء، وركنهم الشديد الذي يأوون إليه ويلوذون به حسابًا أي حساب. حتى كانت بعض الحكومات تتحدث حديث المبتهج المفاخر بأنها لا تريد أن تزيد الضرائب، بل بأنها مصممة على ألَّا تزيد الضرائب. وكانت الظروف القاسية تضطر الحكومات أحيانًا إلى أن تستزيد من إيرادها، فتلجأ إلى الضرائب غير المباشرة، تفرضها على ما يحتاج إليه الناس جميعًا، فيزيد الفقير والبائس فقرًا إلى فقر وبؤسًا إلى بؤس وشقاءً إلى شقاء، ولا ترزأ الغني الموفور من ماله الكثير شيئًا ذا بال!

    وكذلك أصبح الإصلاح عندنا كلامًا، وأصبح الجِدُّ فيه خطرًا على من يحاوله أو يدعو إليه، فضلًا عن أن يلح فيه. ثم تجاوز الأمر هذا الحد، فأصبح الإلحاح في الدعاء إلى الإصلاح عندنا شيوعية أو شيئًا قريبًا من الشيوعية، يضيق به صدر السلطان، وربما فتحت لأصحابه أبواب السجون وضاقت عليهم الأرض بما رحبت.

    ومهما أنسَ فلن أنسى، ولن ينسى الوزراء الذين اشتركوا في وزارة الوفد الأخيرة ليلة ذهبنا نقسم اليمين الدستورية بين يدي الملك السابق. فلما فرغنا من يميننا تمنَّى رئيس الوزراء أن تجري الأمور على ما يصلح الوطن ويحقق آماله، ورد الملك السابق عليه فتمنَّى مثل ما تمنى الرئيس. ولكنه لم يلبث أن انحرف عن حديثه إلى جماعة الوزراء ورئيسهم، واتجه إلى وزير المعارف خاصةً يدعوه باسمه، وينبئه بأنه يعرف ما كان ينشره في الصحف، وينذره بأن اختياره للوزارة لم يكن إلَّا امتحانًا له، فهي فرصة أخيرة تُتاح له لعله يثوب إلى نفسه ويعدل عمَّا كان قد مضى فيه من تلك الكتابة المثيرة. ولم يجب وزير المعارف بشيء، وإنما خرج الوزراء وأنفقوا أيامًا وأسابيع يتندرون بزميلهم يدعونه باسمه كما فعل الملك السابق، ويذكرونه كتابته المثيرة والفرصة التي أُتيحت له ليرجع عنها. وواضح أن وزير المعارف ذاك لم ينتهز الفرصة التي أُتيحت له، ولم يرجع عن شيء عمَّا كان يدعو إليه، وإنما مضى في شئون التعليم على نحو ما كان يرسم قبل أن يكون وزيرًا، لا يقفه في طريقه إلَّا ما يقف الوزراء جميعًا من الميزانية وفهم رجال المالية لتحقيق التوازن بين الدخل والخرج.

    ومضى عام وعام، واستقرت مجانيَّة التعليم العام، وأقبل العام الثالث، وجعلت الوزارة تعد خطاب العرش، وطلب وزير المعارف أن تتغير سياسة التعليم الجامعي، فتقرر فيها المجانية على ألَّا تقبل الجامعات من أصحاب الشهادة الثانوية إلَّا القادرين حقًّا على أن ينتفعوا بما يلقى فيها من التعليم. ولكن القصر وقف في سبيل هذه المجانية الجامعية، فحال بينها وبين أن تذكر في خطاب العرش، وحال بينها وبين أن تصبح أمرًا واقعًا. والغريب أن وزير المعارف كان متفقًا على ذلك مع الجامعات الثلاث.

    ثم ولد ولي العهد، واجتمع مجلس الوزراء وأراد أن يظهر ابتهاج الحكومة والشعب بمولد أمير الصعيد، فاقترح بعض الوزراء أن يُعفى الطلاب الجامعيون من المصروفات التي لم يؤدوها، وسأل رئيس الوزراء وزير المعارف وهو يضحك: أراضٍ أنت عن هذا الإعفاء؟ قال الوزير: لا، إنما أرضى بتقرير المجانية الكاملة؛ وليكن ذلك ابتهاجًا بمولد الأمير. ولكن الوزراء تضاحكوا واكتفوا بما اتخذوا من قرار.

    ولم يكن ذلك شأن الإصلاح في التعليم وحده، وإنما كان شأن الإصلاح في كل مرفق من مرافق الحياة. لم يكن بدٌّ من أن يتحقق الإصلاح بقوانين أو مراسيم، ولم يكن سبيلٌ إلى إمضاء القوانين أو المراسيم إلَّا إذا رضيَ عنها القصر، ولم يكن رضا القصر عن بعض الإصلاح يسيرًا ولا سهل المنال، ويجب أن نقول الحق: فقد كان للقصر أعوان في هذا الخوف من الإصلاح الذي يعرض ثراءهم لنقص قليل أو كثير.

    وللقارئ أن يظن بي ما أحب من السذاجة — والعبط — كما يقول الناس، ولكن أذكر سلسلةً من المقالات لعلها بلغت عشرًا أو جاوزت هذا العدد، وكان موضوعها واحدًا، وكان يسيرًا سهلًا، وهو أن إصلاح التعليم الذي عمدت إليه وزارة الوفد الأخيرة إنما كان شيوعية سافرة. كان من الشيوعية أن يكون التعليم بالمجان، وكان من الشيوعية أن تفتح المدارس لعدد من أبناء الشعب لم يكونوا ليدخلوها من قبل، وكان من الواضح جدًّا أن كاتب تلك الفصول لم يكن يؤمن فيما بينه وبين نفسه بما كان يكتب؛ لأن له حظًّا من الثقافة يُتيح له التفريق بين الشيوعية ونشر التعليم. إنما كان يريد أن يخاصم الحكومة القائمة، ويُغري بها أصحاب الثراء، ويُغري بها من كان يرى لنفسه حق التولية والعزل، وحق إجازة القوانين والمراسيم وتعطيلها.

    وأحب أن يعرف القارئ أني لست شيوعيًّا، ولم أكن شيوعيًّا قط، ولن أكون شيوعيًّا آخر الدهر، لا لأني أخاف على نفسي عواقب الشيوعية في مصر، فما أكثر ما تعرضت لما يخاف، فلم يصرفني الخوف عما أردت؛ بل لأني أؤثر الحرية على كل شيء من جهة، ولأن الشيوعية لا تلائم حياتنا المصرية المتدينة بالإسلام أو المسيحية، ولا تلائم الطور الذي وصلنا إليه من الرقي من جهة ثانية، ولأني مؤمن بأن في طبيعتنا وفي ديننا ما يمكننا من تحقيق العدل الاجتماعي دون حاجة إلى شيوعية لينين وستالين. ومع ذلك، فإني أذكر ديمقراطية قديمة عاشت في القرن الخامس قبل المسيح لم تكن شيوعية، ولم تدَّخر وسعًا في تأييد الحرية وملكية الأفراد لما يكسبون في حدود القانون، ولكنها لم تكن تكره أن تشق على أغنيائها في بعض ما لا تقدر عليه مواردها، فكانت تكلف أغنياءها بناء سفن الحرب، وكانت تكلف أغنياءها تلهية الشعب بتمويل التمثيل. ونشأ عن شدتها تلك على الأغنياء أن أصبحت مدينتها أثينا سيدة البحر، وأن تركت هذه المدينة للإنسانية تراثًا رائعًا خالدًا من الأدب التمثيلي.

    وما أريد أن تشتد مصر على أغنيائها كما كانت تشتد أثينا على أصحاب الثراء فيها، ولكن لا أجد بأسًا في أن تعيد الديمقراطية المصرية الثائرة نظرها في توزيع الضرائب، وأن تأخذ من الأغنياء لترد على الفقراء كما يأمر الإسلام، وأن تكلف الأغنياء إقامة المدارس والمستشفيات حين تسمح لهم ثروتهم بإقامة المدارس والمستشفيات، تأخذ من أموالهم صدقات تطهرهم وتزكيهم بها كما يقول اللَّه في كتابه الكريم. وأحبُّ أن يكون هذا كله بالقانون عن رضًا من البرلمان، لا عن تسلط من الحاكمين.

    ولست أدري أين قلت في بعض كتبي منذ أكثر من خمس عشرة سنة أن من تغل عليه ثروته ثلاثين ألفًا من الجنيهات مثلًا سيظل غنيًّا حين ينفق نصف هذا الدخل فيما يطلب إليه من الضرائب؛ لتحقيق ما يحتاج إليه الوطن من الإصلاح.

    إن الثورة الصادقة التي تصدر من أعماق الشعب تلغي الأثرة، وتضع مكانها في قلوب الناس شيئًا آخر هو الإيثار والتضحية في سبيل المنفعة العامة. وما أشكُّ في أن ثورتنا صادقة، وما أشكُّ في أنها صادرة عن أعماق الشعب، وما أشكُّ في أن من حقِّنا أن نرى الأثرة تجري عن مصر مع الطغيان، وأن نرى الإيثار يحتل مكانها في قلوب الأغنياء والموسرين، فينفقون عن سعة في سبيل الإصلاح، ويذكرون أن ما يفعلون من خير سيجدونه عند اللَّه، وأن الشاعر القديم لم يكذب حين قال:

    من يفعل الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب العرف بين اللَّه والناس

  • ضريبة

    ضريبة
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ٣ نوفمبر ١٩٤٧

    هذا حديث سيرضى عنه فريق من الناس، وسيسخط عليه منهم فريق آخر، وسيمر به أكثرهم معرضين عنه، غير حافلين ولا ملتفتين إليه، لا لأن هذا الحديث في نفسه خليق أن يُعرض عنه المعرضون، ويَسخر منه الساخرون، بل لأن المصريين تعودوا أن يروا قادتهم وسادتهم والقائمين بالحكم فيهم يُعرضون عن الجدِّ إعراضًا، ولا يحفلون من الأمر إلَّا بما لا يكاد ينفع ولا يفيد.

    وأنا مع ذلك أملي هذا الحديث، لا يعنيني أن يرضى عنه هذا، أو يسخط عليه ذاك، أو يعرض عنه المعرضون، وإنما يعنيني أن تُقال كلمة الحق؛ لأنها يجب أن تُقال مهما تكن الظروف، وليس على قائلها بأس أو جناح إن ضاعت كلمة الحق هذه بعد أن تُقال؛ فقد رُوي أن الذي يعرف الحق ولا يقوله شيطان أخرس. ومع أني لا أطمع في أن أكون من الملائكة؛ فلست أحب أن أكون من الشياطين الخرس أو الناطقين، وإنما أريد أن أكون إنسانًا يعرف الحق فيعلنه ويدعو إليه، وأتمنى أن يكون المصريون من الذين يستمعون القول ويتبعون أحسنه، لا تصرفهم عن ذلك الأثرة، ولا تصدهم عنه قسوة القلوب.

    والحق الذي لا ينكره أحد من المصريين أن وطنهم يُمتحن في هذه الأيام امتحانًا قاسيًا عسيرًا، يوشك إن لم يحسنوا الثبات له والنفوذ منه أن يعرضهم لخطر لا يشبهه خطر، وبلاء لا يعدله بلاء؛ فوطنهم موبوء، يفتك الوباء بالمئات من أبنائه في كل يوم، ثم لا يقف الأمر عند الموت الذي يتخطف أبناء الوطن في كل لحظة من لحظات النهار والليل، ولا عند المرض الذي يضطرهم إلى البطالة والعجز، ثم إلى الإمعان في البؤس والشقاء، ولكنه يتجاوز ذلك إلى ما هو أبعد أثرًا من الموت والمرض … إلى إفساد حياة الشعب كلها من ناحية الصحة والاقتصاد جميعًا.

    فالذين يلم بهم المرض ولا يختطفهم الموت سيحتاجون إلى وقت طويل، وجهد ثقيل، وعناية متصلة؛ ليستأنفوا نشاطهم فيما كانوا يضطربون فيه من أمور الحياة، والذين يتخطفهم الموت عشرات ومئات في كل يوم لن يُردُّوا إلى حياتهم الدنيا هذه ليعملوا ويكدُّوا، ولأولئك وهؤلاء أسر كانوا يعولونها، ولا بدَّ لهذه الأُسَر من أن تعيش، وأولئك وهؤلاء لم يكونوا يعولون أسرهم فحسب، ولكنهم كانوا يعولون الوطن كله؛ لأنهم كانوا يشاركون على قدر ما كانوا يملكون من جهد في إنتاج الثروة الوطنية التي تُتيح للفقير أن يعيش، وللغني أن يترف، وللحكومة أن تنهض بما تنهض به من الحكم وتدبير الأمور.

    فهؤلاء الموتى الذين لن يعودوا إلى العمل، وهؤلاء المرضى الذين لن يعملوا إلَّا بعد الجهد والمعونة والعناية، كانوا يعولون الفقراء والأغنياء والحكومة جميعًا، ولا بدَّ للفقراء والأغنياء والحكومة جميعًا من أن يُعوِّضوا ما فقدوا من جهد الموتى، ومن أن يستردوا ما فاتهم من جهد المرضى؛ ليحفظوا على الوطن ثروته، فيحفظوا عليه بذلك مرافقه كلها.

    ولهؤلاء الموتى والمرضى أُسر لم ترث عنهم إلَّا الحزن والبؤس والحرمان، والوطن في حاجة إلى أن تجد هذه الأسر ما يعزيها عن الحزن، ويحميها من البؤس، ويغنيها من الحرمان، لا لأن في ذلك برًّا وإحسانًا ورفقًا بالضعفاء والبائسين، بل لأن ذلك حماية للثروة الوطنية؛ فهذه الأسر عناصر من هذه الثروة تمثل أيديًا عاملة يجب أن تمضي في عملها بقوة مضاعفة ونشاط عظيم.

    وإذن فحاجة الوطن إلى مقاومة الوباء ومعونة الذين أعجزهم الوباء عن العمل، أو اضطرهم إلى انتظار المعونة ليس عملًا من أعمال البر، ولا لونًا من ألوان الإحسان، وإنما هو واجب من الواجبات الأساسية التي لا تستقيم أمور الوطن إلَّا بها.

    فليس التقصير في أداء هذه الواجبات إعراضًا عن النافلة أو تهاونًا فيما يمكن التهاون فيه، وإنما هذا التقصير إثمٌ في ذات الوطن، وجريمة من الجرائم الكبرى التي لا تُشبَّه إلَّا بما يرتكب أثناء الحرب مما يتعود الناس أن يسمُّوه جرائم الخيانة العظمى.

    وما أحب أن يرتاع الناس لهذه اللهجة العنيفة التي أتحدث إليهم بها، وإنما أحب لهم أن يصطنعوا الشجاعة، وأن يواجهوا الحقائق كما هي، ويسمُّوا الأشياء بأسمائها.

    فليس الوباء الذي يتخطف أبناء الوطن مئات في كل يوم بأهون شأنًا من العدوِّ المُغير الذي يصب الحرب فيصرع ما يصرع من الموتى والجرحى في كل يوم، ويصيب بذلك الوطن في صميم حياته، وإذا كان التقصير في وقت الحرب خيانة للوطن من غير شك؛ فالتقصير في وقت الوباء خيانة للوطن من غير شكٍّ أيضًا.

    والحرب لا تُدفع بالإحسان، ولا تُردُّ بالصدقة، ولا تُقاوم بالتبرع، وإنما تُدفع بالتجنيد المادي والمعنوي لقوى الوطن كلها، وقد تقصر خزانة الدولة أيام السلم عن حاجة الوطن في أيام الحرب؛ فتصبح ثروة الوطن كلها مادة لتموين الدفاع الوطني. وقد رأى المصريون من ذلك الأعاجيب في أثناء الحرب الأخيرة حين عبأت الدول المحاربة الثروة الوطنية كلها لجهود الحرب. لم تحفل في سبيل ذلك بغنى الأغنياء ولا بفقر الفقراء، ولا بحاجة المحتاجين، ولا بترف المترفين. وإذن فقد يخيَّل إليَّ أن من الحق على الدولة المصرية أن تواجه الوباء كما تواجه الحرب، لا كما تواجه آفة من الآفات التي تطرأ وتزول دون أن تمسَّ صميم الحياة الوطنية في الصحة والاقتصاد جميعًا.

    وأيسر ما يجب على الدولة أن تصنع من ذلك هو أن تدخر لمقاومة الوباء وإزالة آثاره وإعانة ضحاياه كل ما يحتاج إليه ذلك من المال، لا من طريق السؤال والاستعطاف والتماس الصدقة وطلب الإحسان، بل من طريق الضرائب التي تفرض حتى تأخذ المقاومة حاجتها من مال الذين يملكون المال. ولست أعرف شيئًا أبغض ولا أشنع ولا أمس بالكرامة الإنسانية من هذا التنافس بين الناس في البخل والجود، وفي المنح والمنع، وفي البذل والتقتير. هذا الغني وعد ولم يفِ، وهذا الغني أعطى أكثر من ذاك، وهذا الغني وضع أصابعه في آذانه فلم يستمع لدعاء الداعين، وهذا الغني أعطى أقل مما تحتمل ثروته، وهذا الفقير قتر على نفسه وأهله في الرزق ليساهم في معونة المحرومين.

    ونتيجة هذا كله تنافس بغيض ينتهي إلى التحاسد والتحاقد، ونتيجة هذا كله أن كثرة الشعب المصري تقف موقف الذليل المحروم من قلة تقف موقف المتفضل المتطول، وكل هذا لا يلائم كرامة الأغنياء ولا كرامة الفقراء؛ لأنه لا يلائم كرامة الوطن المصري الذي خُلِق ليكون كريمًا.

    وليس لذلك من دواء يلائم العدل والحق والكرامة إلَّا أن تعتمد الدولة على الله، وتفرض ضريبة الوباء التي يؤديها المصريون جميعًا على قدر ما يملكون، وعلى قدر ما يكسبون. فأمَّا مقدار هذه الضريبة وتنظيمها المفصل فليس لي أن أتحدث فيه، وإنما أترك أمره للفنيين. والذي أحب أن ألقيه في روع المصريين هو أن مقاومة الوباء وإزالة آثاره واجب وطني كواجب الدفاع الوطني حين تلم الحرب، وأن هذه المقاومة لا ينبغي أن تعتمد على قسمة أبناء الوطن إلى فريقين: فريق يستجدي ويمد الأيدي، وفريق يعطي ويمنع بمقدار ما فطر عليه من بخل وجود.

    هذه ذلة لا تلائم كرامة الإنسان، ولا تلائم كرامة مصر، فليرغب المصريون بأنفسهم عن الذلة؛ فرب ذلة خيرٌ منها الموت.

  • حملة!

    حديث المساء: حملة!

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١٨ مارس ١٩٣٤

    ألن ترسل إلى حدود السودان؛ لأن الإنجليز يتولون حماية هذه الحدود لأنفسهم ولنا، ولن ترسل إلى أي ناحية من هذه النواحي التي يخاف منها على السلم أو يُخشى منها على الأمن. فمصر والحمد للَّه سالمة آمنة، والإنجليز يتولَّون حمايتها من كل غارة أجنبية، أعلنوا ذلك إلى الدول كلها في الوقت الذي أعلنَّا نحن فيه الاستقلال. بل لن تكون هذه الحملة التي أريد أن أحدثك عنها من هذه الحملات الخطرة المخيفة التي تسبقها وتلحقها المدافع وأدوات الموت؛ لأن مصر قد أخذت على نفسها عهدًا أن تكون بلد الحياة والسلام في ظل الدستور والنظام. إنما هذه الحملة شيء آخر من طراز خاص؛ هي حملة النور على الظلمة، وحملة الذكاء على الغباء، وحماسة الفطنة على الغفلة، وحملة العلم على الجهل. ولهذه الحملة قائد أظنك قد عرفته، فإن لم تكن قد عرفته، فأنت محتاج إلى أن توجَّه إليك وإلى الأقاليم الذي تعيش فيها، أو البلد الذي تضطرب بين أهله، حملةٌ كهذه التي نتخذها موضوعًا لهذا الحديث. لهذه الحملة قائد يجب أن تعرفه دون أن يُعرَّف إليك؛ لأنه ظاهر في سماء مصر وعلى أرضها، يتألق في سمائها كما يتألق النجم المضيء، ويشرق على أرضها كما تشرق الشمس الجميلة الناصعة، يعرفه الناس بخطبه الرنانة، وأحاديثه الطنانة، وأعماله التي لم تسبق بمثلها ولن تلحق بمثلها؛ لأن مصر لم ترزق ولن ترزق قائدًا من قواد الحملات يشبه هذا القائد العظيم. له بلاءٌ حسنٌ في الجامعة، وله بلاءٌ حسنٌ في التمثيل العربي وتعليمه، وله بلاءٌ حسنٌ في الأوبرا، وله بلاءٌ في هذه المشكلات المدلهمات التي تؤرق ليل الرجل الطيب بعد أن كانت تؤرق ليل الدكتاتور العظيم. وله كتاب قيم يعرفه الفقهاء جميعًا، لا يعرفون مثله ولن يعرفوا مثله؛ لأن اللَّه لم يقدِّر للبيع أن يدرسه أحد كما درس هذا الأستاذ العظيم. أظنك عرفت هذا القائد الآن، إن كنت من الذين لم يعرفوه، وما أحسب أن هؤلاء يوجدون، هو وزير التقاليد. فأمَّا حملته الرائعة البارعة، الناصعة الساطعة، التي ستدفع الظلمات دفعًا، وتردع الجهالات ردعًا، وتملأ الأرض علمًا بعد أن ملئت جهلًا، وضياءً بعد أن مُلئت ظلامًا، فهي هذه التي يجردها غدًا أو بعد غدٍ على أدنى الأرض من إقليم البحيرة ليزور المدارس ويشرف من قرب على حياة العلم والتعليم.

    وهذه الحملة نادرة باهرة حقًّا، إن صح ما تتحدث به الصحف، فقد تخير لها الوزير العظيم من الجند أقواه وأذكاه وأمهره وأقدره وأبرعه وأشجعه. وحسبك أنها تتألف من أركان الحرب كلهم في وزارة التقاليد. فالوزير العظيم سيسافر ومن حوله السكرتير العام لوزارة التقاليد، ومدير المكتب لوزير التقاليد، والسكرتير الخاص لوزير التقاليد، ومراقب التعليم الأولي، ومراقب التعليم الابتدائي، ومراقب التعليم الثانوي، ومراقب التعليم الصناعي، ومراقب تعليم البنات، ومراقب التربية البدنية للفتيان، ومراقبة التربية البدنية للفتيات. ولعل مراقب التعليم الزراعي أن يكون قد سبقه، ولعل قومًا آخرين غير هؤلاء أن يكونوا قد سبقوه، أو قد كلفوا أن يلحقوا به بعد وصوله بساعة أو ساعات. وهناك قوم آخرون من رجال التعليم مستقرون في البحيرة، فسينتظرون الجيش، وسينضمون إليه. ولعل قومًا آخرين من رجال التعليم قد استقروا في الإسكندرية وغيرها مما يلي هذا الإقليم السعير، أن يدفعهم الشوق فيتركوا مراكزهم، ويسرعوا إلى لقاء الوزير، والسير في ركابه، والانضمام إلى حملته الموفقة. وقد يلاحظ بعض الملاحظين الماكرين أن في هذه الحملة شيئًا من التجديد، وهو اشتراك مراقبة التربية البدنية للبنات في هذه الحملة، على رغم ما هو مقرر من أن اختلاط الجنسين — حتى في الرسميات — لا يلائم التقاليد، ولكن لا تسمع لهؤلاء الملاحظين الماكرين، فإنما هم قومٌ من الحساد، لا يرضون عن شيء، ولا يطمئنون إلى شيء، ولا يستريحون إلَّا إذا وجدوا ما يمكرون.

    وإذن فستستعد هذه الحملة — أو هي تستعد من أيام — للخروج من مركز القيادة العليا في القاهرة، وستفصل عن العاصمة مع الشمس إذا أشرقت غدًا أو بعد غدٍ، وستبلغ الميدان بعد ساعات. وهنالك لا تسل عن جيوش الجهل كيف تنهزم، وعن صروح الغفلة كيف تنهدم، وعن عقول الناس كيف تستضيء، وعن قلوب الناس كيف ترقى. ولا تسل عن ابتهاج الجمهور في ذلك الإقليم لمقدم هذه الحملة الموفقة، وطلعة ذلك القائد المظفر. لا تسل عن الصياح الذي سيبلغ عنان السماء، وسيمزق الحناجر تمزيقًا. ولا تسل عن التصفيق الذي سيصم الأسماع، وسيشق الأكف تشقيقًا. ثم لا تسل عن الخطَب الذي ستُلقى، وعن القصائد التي ستُنشد، وعن المقالات التي ستُدبج، ثم تُذاع في الصحف ليقرأها الناس، وليعلموا أن القائد المظفر قد كسب الموقعة، وظفر بالفوز والانتصار. كل هذا شيءٌ لا نشك فيه منذ الآن، ولن نشك فيه بعد أن يتم. وهناك أشياء أخرى لا تقبل الشك، وأهمها أن إقليم البحيرة سيمتاز من الأقاليم المصرية كلها، وسيملأ هذه الأقاليم حسدًا وغيرةً يخشى منهما على الأمن والسلم، ويُخشى منهما على راحة الوزير. فلن ترضى الأقاليم الأخرى أن ينفرد إقليم البحيرة بهذا المجد المؤثل، ولن تستريح إلَّا إذا ظفرت من الوزير وأركان حربه بغزوة كهذه الغزوة التي ينعم بها هذا الإقليم. والوزير أرقُّ قلبًا وأوسع رحمةً وأرأف بالمصريين من أن يؤثر بعضهم على بعض، أو يفضل إقليمًا على إقليم، أو يجود بغزوته على فريقٍ من الناس، ويبخل بها على فريق آخرين. وإذن فسيضطر الوزير إلى أن يطوف الأقاليم كلها، يومًا بجزوى ويومًا بالعقيق، يومًا في الغربية ويومًا في أسوان.

    ومن هذه الأشياء التي لا تقبل الشك، هو أن مقدم الوزير وأركان حربه على هذا الإقليم السعيد سيحدث فيه المعجزات، فتُمحى الأمية محوًا، وسيصبح الناس جميعًا؛ رجالًا ونساءً شبابًا وشيبًا متقنين للقراءة، ولكن بشرط أن لا يقرءوا صحف المعارضة ولا ينظروا فيها. وهذا هو وجه الإعجاز، سيصبح الناس جميعًا قادرين على أن يقرءوا في أي صحيفة، وفي أي كتاب، حتى إذا وقعت إليهم صحيفة من صحف المعارضة مُحيَ فن الكتابة والقراءة من نفوسهم محوًا، فإذا طويت عنهم هذه الصحيفة عاد إليهم هذا الفن كأحسن وأرقى ما يكون. ومن المحقق أن الوزير إذا زار الأقاليم الأخرى سيحدث فيها ما سيحدثه غدًا أو بعد غدٍ في إقليم البحيرة. ولعلك توافقني على أن هذه الزيارات سيكون لها خطرها في حياة المصريين، ستخرجهم جميعًا من الظلمات إلى النور، فمن حقهم أن يبتهجوا بها، وستريحهم جميعًا من قراءة المعارضة والمعارضين، فمن حق هؤلاء أن يحسبوا لها كل حساب، بل من حق هؤلاء أن يقدِّروا ويستيقنوا أن لا مطمع لهم في الحياة بعد اليوم، وأن مصر ستفلت كلها من أيديهم إفلاتًا. ولهذا نتائجه الخطيرة، ومن أهمها أن الوزارة القائمة لن تخشى معارضة ولا معارضين، فستثبت إذن وستثبت إلى ما شاء اللَّه برغم الخصوم والحاسدين، وليس في شيءٍ من ذلك غرابة أو شيء يشبه الغرابة؛ فمصر قديمة العهد بهذه المعجزات. ولعل المصريين يعلمون أن أوزيريس كان يغزو أقطار الأرض فلا يثير فيها حربًا ولا يريق فيها دمًا، وإنما ينشر فيها علمًا ويذيع فيها سلمًا، ويعلم الناس كيف ينعمون بالحياة. وإذا كانت مصر قد أخرجت أوزيريس في العصر القديم، فما يمنعها أن تخرج أوزيريس في العصر الحديث. كل شيء إذن على خير ما تكون الأشياء، ستستنير مصر وسترقى، وستسبق الأمم الراقية المستنيرة في أسابيع. ولكن المصريين قوم لا يرضون، ونفوسهم تحفل دائمًا بالصغار، وتعرض دائمًا عن عظائم الأمور وجلائل الأعمال. فقد رأيت جماعة منهم يقرءون هذا النبأ العظيم في الصحف، ثم تعلو وجوههم غبرة، وتقطب جباههم، وتنطلق ألسنتهم بكلام كثير سخيف، يسألون: وكم ستنفق الدولة على هذه الحملة؟ وما الذي يدعو إلى أن يتبع هذا الجيش الضخم وزير التقاليد في زيارته للمدارس في ذلك الإقليم؟ أرأيت كيف يكون قصر النظر؟ وضآلة الخطر؟ وضيق التفكير؟ قومٌ يقال لهم: إن الوزير سيمحو الأمية من إقليم بأسره في يوم واحد، فيسألون عما سيكلفهم ذلك من المال، ويستكثرون على هذا الرجل العظيم أن يصحبه عشرة من كبار الموظفين. أؤكد لك أن هؤلاء المصريين لم يخلقوا لعظائم الأمور، ولم يخلقوا للأمل، إنما خلقوا ليعنوا بالسفاسف، وليملئوا قلوبهم وقلوب الناس من حولهم يأسًا وقنوطًا. أين تكون النفقات التي سينفقها هؤلاء العشرة، والتي سيتكلفها الناس للقائهم وتضييفهم؟ وأين يكون الوقت الذي سيضيعه هؤلاء العشرة، والذي سيضيعه الناس في لقائهم والاحتفاء بهم؟ أين يكون هذا كله من هذا الحدث العظيم والأمر الجسيم؛ وهو زيارة وزير من الوزراء لإقليم من الأقاليم؟ أليس من حق الإنجليز أن يضحكوا من هذا الشعب الذي كتب اللَّه عليه أن لا يفقه شيئًا، ولا يفطن لشيءٍ، ولا يستطيع أن يتجاوز صغائر الأمور إلى عظائمها؟ أليس من حق الإنجليز أن يستكثروا على هذا الشعب وزير التقاليد، وزملاء وزير التقاليد الذين يجاهدون ما يجاهدون، ويضحُّون بما يضحُّون، ويحتملون من الألم والمشقة ما يحتملون، فلا يلقون من هذا البلد العاق الجاحد شكرًا ولا ثناءً؟ وإنما يسمعونه وهو يسألهم عن هذه الأشياء اليسيرة الحقيرة التي يسمونها المال، والتي يؤديها الفلاح في غير مشقة، أو في مشقة لا تكاد تذكر. ومن الذي يستطيع أن يحفل بفلاح يجوع؟ ومن ذا الذي يستطيع أن يحفل بفلاح يلتوي بالضريبة، أو يعجز عن أدائها، فتأخذ ظهره السياط؟ أليس من الغريب أن يستكثر المصريون على الوزير وأصحابه ما سينفق من المال على رحلتهم هذه الموفقة، وحملتهم هذه الظافرة؛ لأن الفلاح يحتمل جهدًا في تحصيله ويلقى عناءً في أدائه؟ فماذا يصنع المصريون؟ وماذا يقولون لو أن وزراءهم أخذوهم بما كانون يؤخذون به من قبل حين كانوا يقيمون الأهرام ويشيدون المعابد، ويحتملون أو يجرون تلك الأثقال؟ أليس من الحق عليهم أن يحمدوا اللَّه على ما هم فيه، وأن يشكروا للوزراء أنهم يأخذونهم باليسر لا بالعسر، ويفرضون عليهم أهون التكاليف؟ ولو شاءوا لعلموهم كيف تكون المشقة، ولو شاءوا لأروهم كيف يكون الضيق والضنك والعذاب! وقومٌ آخرون من هؤلاء المصريين يسألون عن ديوان الوزارة، ما عسى أن يكون خطبه يوم يتركه سادته وقادته، ويدعه رؤساؤه ومديروه، كأن ديوان الوزارة شيءٌ يستحق الذكر أو التفكير بالقياس إلى زيارة الوزير لإقليم من أقاليم مصر. أعترف أني ضقت بهؤلاء الناس حين كانوا يتحدثون بهذا السخف الذي يثير الغيظ، ويملأ القلوب حنقًا ووجدًا، وأعترف بأني وددت لو أن وزير التقاليد وسع حملته بعض التوسعة، وضخَّم عددها بعض التضخيم. فإذا كان هو محتاجًا إلى عشرة ليزور إقليمًا من الأقاليم، فكل واحد من هؤلاء العشرة يحتاج إلى اثنين على أقل تقدير يرافقانه في هذه الزيارة، كل واحد منهم محتاج إلى سكرتيره الخاص، وإلى خادمه الخاص، فيبلغ عدد القوم ثلاثين، وهو عدد يسير لا يبلغ عدد الذين يُحاكمون منذ أمس ويذوقون لذة السجن منذ يوم الخميس؛ لأنهم أرادوا أن يزوروا قبور الشهداء في مدينة الإسكندرية. وكان الوزير قادرًا على أن ينظر إلى هؤلاء التابعين بأركان الحرب، فهم أيضًا يحتاجون إلى الأعوان، وكان العدد يستطيع أن يُضاعف، وكانت الدولة مضطرة إلى أن تنفق أضعاف ما ستُنفق من المال، ولكن الوزير على عنايته بكبار الأمور وجلائلها لا يهمل صغارها ودقائقها، فهو يفكر في المال أيضًا، وهو يتفضل فيقتصد، وهو يتعطف فيقتر في الإنفاق، يكتفي بعشرة ولو شاء لاصطحب عشرين أو ثلاثين أو ستين. ومن ذا الذي كان يستطيع أن يمنعه من أن يصطحب رجال الديوان جميعًا ليزوروا معه هذا الإقليم؟ ولكنه لم يفعل؛ رفقًا بالفلاح، وعطفًا عليه، وإيثارًا للاقتصاد، وضنًّا بالمال، ومصانعة لوزير المالية. وعلى ذكر وزير المالية نلاحظ أنه هو أيضًا سيغزو ناحية من نواحي مصر، وسينبت فيها ألوانًا وأشكالًا من المعجزات. سيزور ساحل البحر الأحمر، ولم لا؟ فالمصريون لا يكادون يحفلون بهذا الجزء من أرض الوطن، فليعلمهم الوزير كيف تكون التسوية بين أجزاء الوطن وساحل البحر الأحمر، وهو غنيٌّ جدًّا فيما يُقال. تتحدث شهرزاد في بعض أقاصيص ألف ليلة وليلة بأن فيه منابع للبترول، ومقاطع للأحجار، ومناجم لفنون من المعدن، ومصادر لضروب أخرى من الثروة والغنى. والمصريون جميعًا يجهلون هذا، فمن حق الوزير، بل من الحق على الوزير أن يزور هذا الساحل؛ ليعرف المصريون من أمره ما يجهلون. وتزعم شهرزاد أن مصادر الثروة هذه قد كثر إهمالها، واشتد الإعراض عنها حتى نضبت أو كادت تنضب، فانتظر إذن زيارة الوزير، فسترى أن منابع البترول ستفيض وتفيض حتى تطغى على البحر الأحمر نفسه، وسترى أن مقاطع الأحجار ستغطي من الصخور ما لا قِبَل لأحد بحمله أو استغلاله أو استخدامه. أمَّا المعادن، فحدِّث عنها بعد زيارة الوزير ولا حرج عليك، ستصبح مصر أعظم البلاد حظًّا من الذهب والفضة والحديد، وما شئت من المعادن الموجودة وغير الموجودة! ولن تتكلف مصر في هذه الزيارة المباركة شيئًا، فسيقضي الوزير فيها عشرة أيام، وسيسافر الوزير في القطار حينًا، وفي السفينة حينًا آخر، وقد يصحب الوزيرَ عددٌ من الناس قليلٌ أو كثيرٌ، ولكن ما سيحتاج إليه من النفقات لن يكون شيئًا بالقياس إلى ما ستستفيده مصر من هذه الرحلة المباركة. وكذلك تجري أمور المصريين، وكيل الداخلية يبحث عن الأمن العام في الصعيد إذا كان الشتاء، ووزير التقاليد يغزو إقليم البحيرة مع هذا العدد الضخم من الموظفين، ووزير المالية يبحث عن المعجزات على ساحل البحر الأحمر عشرة أيام كاملة، يتخذ القطار حينًا ويتخذ السفينة حينًا آخر. ويقول الناس بعد ذلك: إن أمور مصر نائمة، وإن حكام مصر نائمون، وإن أموال مصر قد نضبت أو كادت تنضب. كلا، إن مصر لتباهي بلاد الأرض كلها بسادتها هؤلاء الذي يحكمون فيحسنون الحكم، ويدبِّرون فيتقنون التدبير، ويقتصدون فيتفوقون على الناس جميعًا في الاقتصاد. يجب أن تسعد مصر وأن تغتبط، وأن ترفع رأسها عزيزًا كريمًا، فوزير التقاليد يزور ساحل البحر الأحمر، ووكيل الداخلية قد فتَّش عن الأمن العام في الصعيد.

  • مليونان …

    حديث المساء: مليونان …

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١٠ أكتوبر ١٩٣٣

    أما أحدهما فتفضل به ديكتاتورنا العظيم على الرعية البائسة قبل أن يبرح مصر في الربيع الماضي ليستشفي ويستريح، ويستعد للاستقالة أو للإقالة، وأما الآخر فيريد أن يتفضل به وزير المالية الجديد على الرعية البائسة؛ ليكون فاتحة خير ووسيلة من وسائل الدعاية للوزارة الجديدة.

    ومما لا شك فيه أن الدكتاتور المستقيل لم يَنْسَ الدعاية واستبقاء الذكر الحسن في نفوس الرعية البائسة حين طابت نفسه الكبيرة للرعية الصغيرة عن هذا المليون، ومما لا شك فيه أيضًا أن وزير ماليتنا العظيم لا ينسى الدعاية وكسب الأعوان والأنصار حين تطيب نفسه الغنية لهذه الرعية المحرومة عن هذا المليون.

    ومن المحقق أن صدقي باشا لم يَسْتَفِدْ من المليون الذي نزل عنه دعاية واسعة ولا ضيقة، ومن المحقق أيضًا أن صبري بك لن يستفيد من هذا المليون الذي ينزل عنه دعاية واسعة ولا ضيقة. فقد لقي الشعب مليون صدقي باشا بالفتور وسيلقى مليون صبري بك بالفتور، والله يعلم كيف وُزِّع مليون صدقي باشا، والله يعلم كيف يُوزَّع مليون صبري بك.

    ولكن الأمر الذي يستحق التفكير والتدبر، ويدعو إلى الروية والتأمل هو أن هذين الرجلين العظيمين يجدان الملايين في سهولة ويسر، يتمناهما أو يتمنى بعضهما كثير من وزراء الدول الغنية الكبرى. فقد وجد صدقي باشا مليونًا في أعقاب الميزانية الماضية، واقتصد صبري بك فيما يُقال مليونًا من صلب الميزانية الحاضرة، وكلا الرجلين لم يخفض ولم يفكر في تخفيض مرتبات الموظفين، وكلا الرجلين لم يعدل ولم يفكر في العدول عن المشروعات الكبرى التي تدفع إليها الدولة دفعًا، سواء أكانت هذه المشروعات مفيدة أو غير مفيدة.

    والناس جميعًا يعلمون أن هذين الرجلين العظيمين مهما يكن حظهما من الكفاية وطول الباع، وسعة الاطلاع، والقدرة على الابتداع، فالله عز وجل لم يمنحهما القدرة على أن يخلقا شيئًا من لا شيء، ولا على أن يقولا للملايين كوني فتكون.

    وإذن؛ فقد كان عند هذين الرجلين العظيمين مقدار من المال لا بأس به لم تحتَجْ إليه الدولة في العام الماضي، فتفضل به صدقي باشا على الشعب، وأي شعب؟! ولا تحتاج إليه الدولة في هذا العام فيتفضل به صبري بك على الشعب، وسنرى أي شعب.

    وهذا المقدار يجب أن يكون قد أُخِذَ من الرعية؛ لأن الله لم يُعوِّد وزارتنا ولا غيرها من الوزارات أن يمطر عليها ذهبًا أو فضة أو ورقًا، وإذا كان هذا المقدار قد أُخِذَ من الرعية، والرعية بائسة يائسة، معدمة محرومة، يلتمس كثير منها قوت أبنائه وبناته فلا يجد، بعد الجهد والمشقة وبعد الكد وطول العناء، فقد يكون من الواضح فيما أظن أن الدولة تقسو وتسرف في القسوة، وتشط وتغلو في الشطط لتكلف الجائع المحروم، والمعدم البائس أن يقدم إليها من المال ما تحتاج إليه وما لا تحتاج إليه وما يحتاج هو إلى جزء يسير منه ليعيش.

    ومعنى ذلك أن الدولة لا تجبي الضرائب، أو قُلْ لا تجبي من الضرائب ما يكافئ حاجتها للقيام على مرافق الناس ومصالحهم، وإنما تستصفي أموالهم استصفاءً، وتمتص دماءهم امتصاصًا، وتعرق لحمهم عرقًا. حتى لا تدع لهم إلا الجلد اللاصق بالعظم، لا أكثر من ذلك. ولو استطاعت أن تدع لهم أقل من ذلك لفعلت. ومعنى ذلك أن هذه السياط التي كانت تُسلَّط على ظهور المعسرين لعجزهم عن أداء ما تطلب الدولة إليهم من المال، لم تكن سياط الحق الذي يضطر إلى العزم والحزم، ولا سياط العدل الذي يلجأ إلى الشدة والعنف، وإنما كانت سياط الظلم الصارخ، والجور الذي لم يكن يستحي أن يبدي وجهه القبيح المنكر للناس في ضوء النهار.

    ومعنى ذلك أن هؤلاء الفقراء والأغنياء، وهؤلاء المعسرين والموسرين الذين تُحجَز حاصلاتهم الزراعية في غير حق لاستيفاء ما تطلب الدولة من المال، إنما يتكلفون نتائج هذا الحجز ويحتملون أثقاله المادية والمعنوية في غير حاجة من الدولة ملجئة ولا ضرورة للدولة ماسة، بل لأن الدولة تريد أن تجمع المال، وأن تجمع المال ليس غير، وأن تجمع المال مهما يكلفها جمعه من قهر للناس وقسوة عليهم، ومن تجاوز للقانون وخروج على المألوف في تنفيذ القانون.

    ومعنى ذلك أيضًا أن الوزارة السابقة قد كانت تفهم عمل الحكومة فهمًا خاطئًا، وكانت تقدر، فيما يظهر، أن الحكومة إنما هي أداة من أدوات الدولة لجمع المال على أي نحو لجلب المال من أي طريق، لا أن الحكومة أداة من أدوات الدولة لخدمة الشعب والترفيه عليه، ولتحقيق مصالح الناس وتيسير أمورهم.

    وإذا كان هذا هو فهم الوزارة السابقة للحكم، وتقدير الوزارة السابقة للصلة بين الدولة وبين الشعب؛ فليس غريبًا بحال من الأحوال أن تنتهي هذه السياسة بالشعب إلى هذه الحال المنكرة التي هو فيها، وأن تنتهي بالوزارة السابقة إلى هذا المصير المنكر الذي انتهت إليه، وأن تفسد رأي الناس في الوزارة، بل رأي الناس في المبادئ التي تقوم عليها الوزارة، وأن تمحو من نفوس الناس ما ينبغي أن يقوم عليه الحكم لا أقول من الحب والمودة، بل أقول من الثقة وحسن الظن اللذين يجعلان الناس بمأمن من الظلم والجور، واللذين يملآن قلوب الناس اطمئنانًا إلى أن الحكومة تخدمهم ولا تظلمهم، وإلى أنها لا تجبي منهم المال إلا بمقدار الضرورة التي تدعو إليها مرافقهم ومصالحهم.

    ثم ليس غريبًا أن تسرف الوزارة السابقة فيما أسرفت فيه من إنفاق المال بغير حساب فيما لا ينفع ولا يفيد، أو فيما يمكن تأجيله والانتظار به أعوامًا طوالًا.

    نعم؛ وليس غريبًا أن تُعقَد المؤتمرات في مصر ويُرسَل المندوبون لحضور المؤتمرات في غير مصر، وأن تحيي الأوبرا فصلها الأنيق الملهى في ليالي الشتاء، وأن تُقام العمارات الشاهقة في غير حاجة إليها، وأن يُدعى الأجانب لإلقاء المحاضرات، أو لغير إلقاء المحاضرات، وأن تَعْبُر أموالنا البحر لتنصب في خزائن الصحف الأوروبية، ولتسبغ على مفوضياتنا ألوانًا زاهية من الترف.

    ليس شيء من هذا غريبًا ما دامت الدولة تجمع المال على النحو الذي كانت تجمعه عليه، وتسرف في إنفاق المال على هذا النحو الذي كانت تسرف في إنفاقه عليه، حتى إذا دار العام المالي وجد صدقي باشا بعد الإسراف والتبذير مليونًا ينزل عنه هدية لمن أراد أن يشملهم بعطفه قبل أن يسافر للاستشفاء، ثم لا يكاد ينتصف العام المالي، والحكومة مسرفةٌ ما شاء لها الإسراف في المال تنفقه عن يمين وشمال حتى يستطيع الوزير الجديد أن يجد مليونًا يريد أن يهديه إلى الناس دون أن يمس مرتبات الموظفين، ودون أن يمس المشروعات الكبرى. ولعله أن يكون قد اقتصد هذا المليون من نفقات الحبر، والورق، وأقلام الرصاص!

    والنتيجة الواضحة الجليلة لهذا كله محزنة حقًّا، تدمي القلوب وتمزق الأفئدة وتظهر حياة هذا الشعب المسكين في صورة من البؤس والشقاء لا يستريح إليها ضمير الرجل المتحضر، ولا تطمئن إليها نفس الإنسان المهذب. فإن الدولة التي تظفر بالملايين بعد هذا الإسراف الذي نحن فيه يجب أن تكون غنية حقًّا، وقد قلنا منذ أشهر، وما زلنا نقول اليوم، إن إسراف الدولة في الغنى حين يسرف الشعب في الفقر والبؤس لا يدل على حكم مستقيم يعتمد على العدل والإنصاف ورحمة الناس والرفق بهم، وإنما يدل على شيء آخر نكره أن نسميه باسمه القبيح. فإذا قُدِّرَتْ مصروفات الدولة بهذه الملايين التي تُقدَّر بها في كل عام، ثم أمكن أن يُؤخَذ منها مليون بهذه السهولة التي دُهِش لها المستشار المالي الإنجليزي فيما تقول الأهرام أمس؛ فليس من شك في أن الاقتصاد الصحيح والتدبير النزيه ينتهيان إلى تخفيض هذه المصروفات تخفيضًا عظيمًا جدًّا يريح دافع الضرائب من كثير من هذه الأعباء الثقال التي تنوء به وتضطره إلى شر حال.

    يجب إذن أن يفيق المصريون، وأن يفكروا في هذا البلاء الثقيل الذي ينغص عليهم حياتهم ويفسد عليهم أمورهم، وأن يسألوا أنفسهم كيف كان البرلمان يراقب الوزارة في شئون الميزانية، وكيف استطاع البرلمان أن يدع هذه الميزانية تمضي كما مضت، وكيف قيل له أن الوزارة قد احتملت من المشقة والجهد شيئًا عظيمًا لتصل إلى موازنة هذه الميزانية إلى تحقيق التكافؤ الدقيق بين الدخل والخرج. فلو قد كان هذا الكلام حقًّا لما كان من الممكن أن يظفر صدقي باشا بمليونه ذاك آخر العام، وأن يظفر صبري بك بمليونه هذا في منتصف العام.

    نعم؛ ويجب أن يفيق المصريون ويسألوا أنفسهم كيف استطاع وزير المالية الجديد أن يدبر هذا المليون، ما دام البلاغ الرسمي ينبئنا بتدبيره. فنحن بين اثنتين إما أن يكون صبري بك قد اقتصده من أشياء ليس منها بد، فهو إذن مخطئٌ خطأً شديدًا معرض مصالح الدولة للخطر، وإما أن يكون قد اقتصده من أشياء لا تدعو إليها الحاجة ولا تلجئ إليها الضرورة؛ وإذن فقد كان صدقي باشا مسرفًا في مال الأمة، سيئ التقدير لهذا التكافؤ بين الدخل والخرج.

    وكم نحب أن نسمع رأي صدقي باشا في هذا المليون الجديد الذي اقتصده صبري بك في أقل من أسبوع؛ فقد كان صدقي باشا في أول عهد هذه الوزارة بالحكم يوحي إلى صحيفته أن تحذر وزير المالية الجديد من الوعد بالاقتصاد؛ لأن الاقتصاد لا سبيل إليه. فنحب أن نعلم كيف اقتصد وزير المالية هذا المليون، وماذا يرى صدقي باشا في هذا الاقتصاد.

    ونحب قبل كل شيء وبعد كل شيء، أن يتنبه المصريون إلى أن ألوانًا من العبث الخطر تحيط بهم وبمرافقهم؛ فهؤلاء قوم يعصرونهم عصرًا، ويرهقونهم إرهاقًا، ويكلفونهم من المال فوق ما يطيقون، ثم يسرفون فيما يجمعون من المال ما وسعهم الإسراف، ثم إذا احتاجوا إلى الدعاية واستعطاف القلوب عليهم ردوا على هذا الشعب المحروم في شيء من الأنفة والكبرياء، وإظهار التفضل والعطف ببعض ما أخذوا منه بالقوة والعنف والبطش وتسليط العذاب.

    كلا؛ لم يُهْدِ صدقي باشا مليونه ذاك إلى أحد وإنما رد ما لم يكن ينبغي أن يؤخذ، ولن يهدي صبري بك مليونه هذا إلى أحد، وإنما يرد بعض ما لم يكن ينبغي أن يؤخذ.

    ولو استقامت أمور الناس في هذا البلد التعس لرُدَّ عليهم أكثر مما يُهْدَى إليهم الآن، ولَسُئِل الوزراء عن هذا العذاب الذي يُسلَّط على الناس في جمع أموال تقوم البراهين في كل يوم على أنها أكثر جدًّا مما تحتاج إليه الحكومة.

    ولكن كيف تستقيم أمور الناس، وهم ليسوا من تدبيرها في شيء؟!

  • غدًا

    حديث المساء: غدًا

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٧ أكتوبر ١٩٣٣

    غدًا يُكشف الضر كله عن المصريين، ويرفع الشر كله عن المصريين، ويبسط الخير ظله الظليل على وادي النيل، ويخضر كل يابس، وتعود النضرة إلى كل ذابل.

    غدًا لا بعد غدٍ، غدًا قبل أن ينتصف النهار ستشرق في مصر كلها، وأمام المصريين جميعًا، ابتسامة طالما التمستها مصر والمصريون، فلم يظفروا بها، وسينشر الأمل في جميع النفوس ضوءًا قويًّا يمحو كل ظلمة، وسيبعث الرجاء في جميع القلوب حياة قوية تمحو كل يأس، وتعفي على كل ضيق، وسيغدو الفلاحون على حقولهم ضاحكين مبتهجين، يتغنون لذة الحياة، وجمال الأمل، وحلاوة العيش الناعم في بلد لم يعرف أهله إلا النعيم قبل أن يُطوف بهم الدكتاتورية الساقطة، فيرسل عليهم شرًّا مقيمًا.

    غدًا لا بعد غدٍ، يجدد المصريون عهودهم مع الرخاء والسعة، ومع اليسر والثروة، ويفيق المصريون من هذا النوم الطويل الثقيل، فإذا هم يتنفسون في هدوء، ويملئون صدورهم من هذا الهواء الطلق النقي الذي لم تفسده الأزمة، ولم يكدره التفكير في أداء الضرائب والوفاء بالدين، ولا الخوف من احتجاز المحصول، وبيع الأرض، وسقوط السياط كأنها اللهب على الأجسام العارية تمزقها تمزيقًا، وتسيل منها دماءٌ لم يحلها الله لأحد إلا بحقها.

    غدًا لا بعد غد، تذوق مصر السعادة، بعد أن طالت عشرتها للشقاء؛ لأن غدًا هو اليوم الثامن من هذا الشهر، وهو اليوم الذي يسبق عيد الجلوس الملكي، وهو الذي أعلن وزير المالية الجديد راضي النفس، قرير العين، ناعم البال، باسم الثغر، واثقًا بالقدرة على الوفاء، ثقته بأنه موجود، وبأنه وزير، وبأنه يملك الأمر والنهي، ويقدر على البذل والمنع، أعلن أنه سيحط على المصريين شيئًا غير قليل من هذا العبء الثقيل الذي ينوء بهم، وهو عبء الضرائب.

    نعم، غدًا لا بعد غدٍ، سيقدم وزير المالية الجديد بمناسبة عيد الجلوس السعيد إلى المصريين هدية لم يقدمها إليهم وزير من قبله، ولن يقدمها إليهم وزير من بعده؛ لأن اللَّه قد خلقه، بل قدر خلقه منذ أبعد العصور وأقدم الأزمان، بل قبل أن توجد العصور وتعرف الأزمان؛ ليقدم إلى أمته في أشد أوقات الضنك والضيق، وفي أعصب أيام البؤس والعسر، هدية تزيل الهم، وتكشف الغم، وتفرج كرب المكروبين. وما زالت الأيام تتناقله ضنينة به، والقرون تتداوله حريصة عليه، والأقدار تهيئ الرجل العظيم لهذا اليوم العظيم، في هذا الشهر العظيم، من هذا العام العظيم، حتى تبسم الدهر فإذا صدقي باشا يَهوِي عن منصب الحكم، وعن وزارة المالية، وإذا عبد الفتاح باشا يحيى يصعد إلى منصب الحكم، وإذا الأقدار تسعى خاضعة طائعة، ومذعنة مؤمنة إلى حضرة صاحب العزة، كما ينبغي أن يقال، وإلى حضرة الفاضل حسن صبري بك، كما قال صدقي باشا، فتضع في يده الكريمة السخية أعنَّة الدخل والخرج، وأزِمَّة الإيرادات والمصروفات؛ لينظر إلى الفلاح فإذا هو سعيد كأسعد ما يكون الناس، وقد كان شقيًّا كأشقى ما يكون الناس.

    وأشهد أن أمر المصريين لغريب، فهم لم يقيموا الأفراح والليالي الملاح، وهم لم يرفهوا على أنفسهم، ولم يظهروا ابتهاجًا ولا سرورًا، ولم يعلنوا اغتباطًا ولا حبورًا بهذا الوعد العظيم من هذا الرجل العظيم لهذا اليوم العظيم، يوم يزول العسر فكأنه لم يوجد، ويقدم اليسر فكأنه لم يبرح الأرض، ولم يفارق أهلها منذ كان الزمان واختلف على أهله الليل والنهار.

    أمر هؤلاء المصريين غريب؛ يعدهم وزير المالية بتفريج الأزمة، وإزالة العسر، وتخفيف الضرائب، ويحدد للوفاء بوعده يومًا بعينه لا سبيل إلى أن يتقدم، ولا سبيل إلى أن يتأخر، ثم هم بعد ذلك لا يفرحون ولا يمرحون كأنهم لا يصدقون. أرأيت إلى هذه الديمقراطية كيف أفسدت طبائع الناس وأمزجتهم؟ وكيف دفعت إلى نفوسهم الشك في وعود الوزراء، والإشفاق من أن يعجز الوزراء عن الوفاء بالوعود؟ إن هذه الديمقراطية شر يجب أن يزال. وأي شر أكثر من هذا الذي يغير قيم الأشياء، ويبيح للرعية ما كان محظورًا عليها، ويملؤها شجاعة على أن تسمع وعود الوزراء فترفع الأكتاف، وتهز الرءوس، ولا تحفل بهذه الوعود كأنها صدرت من غير وزير، أو من رجل غير مسئول؟

    غريب أمر هؤلاء المصريين؛ إنهم ليجحدون الصنيعة، ويكفرون النعمة، ويقصرون في معرفة الفضل لأهله، وشكر الجميل لمن يسدي إليهم الجميل. لقد كان أيسر أصول الطاعة، وأبسط قواعد الإخلاص، وأوجب واجبات الإكبار للوزراء يقضي على هذا الشعب المصري حين سقط إليه هذا الوعد السعيد أن يتلقاه فرحًا مرحًا مسرورًا محبورًا، كما يتلقى الظمآن أول الغيث بعد أن طال عليه الجدب، وأهلكه أو كاد يهلكه الظمأ، وحرقه أو كاد يحرقه الصدى.

    نعم، وكان من الحق على هذا الشعب المصري أن يهرع إلى منقذه من كل مكان، ويسرع إليه من كل وجه ليرفع إليه الشكر خالصًا على هذا الوعد الذي أحيا النفوس، وأقر العيون، ورد إلى الحياة بهجتها وجمالها، ولكن هذا الشعب الجاحد لم يهرع ولم يسرع، ولم يظهر رضًى، ولم يعلن حبورًا، ولم يرفع شكرًا، وإنما انتظر في شك وريب كأنما كان يسمع كلامًا عاديًّا، من رجل عادي، لم تدخره الأقدار لينقذ مصر من الفقر، ويرد عنها عادية الجوع والحرمان.

    وإذا وقفت الشعوب من الوزراء هذا الموقف الذي يقوم على الجحود والشك، وعلى الإشفاق والريب، فمن حق الوزراء أن تفتر هممهم، وتضعف عزيمتهم، وأن يسيئوا الظن بهذه الشعوب، ويعرضوا عن الرفق بها، والعطف عليها؛ لأنها لا تستحق رفقًا ولا عطفًا. ويظهر أن هذا أو شيئًا من هذا قد كان، أو حاول أن يكون. فالناس يتحدثون بأن شمس غد ستشرق ثم ستغرب، وبأن ليل غد سيطول ثم يزول دون أن يمس الضرائب تخفيف، أو يحط من أعبائها شيء قليل أو كثير.

    وهم يزعمون أن مصدر هذا الإخلاف الذي يخافونه وينتظرونه — والذي لا أخافه أنا ولا أنتظره — أن الشعب المصري لم يُقدِّر وعد الوزير حق قدره، ولم يظهر من الابتهاج له والاغتباط به ما يشجع على الوفاء به، ويبعث على المضي فيه. وهم يقولون: إن وزير المالية مهما يكن عظيمًا فهو رجل من الناس، يعجبه أن يتكلم فيسمع الناس له، وأن يعد فيفرح الناس بوعوده، فإذا لم يحس من الناس ما هو أهل له من التشجيع والتأييد ضاق بالناس وأعرض عنهم إعراضًا.

    وهم يقولون: إن فتور الناس لهذه الوعود، وشكهم في إمكان الوفاء بها، واستقبالها بهذا الإعراض الثقيل، كل ذلك لم يَسُؤْ وزير المالية وحده، وإنما ساء رئيس الوزراء أيضًا، فالوزراء متضامنون يشتركون في الخير والشر، ويحتملون جميعًا تبعة ما يأتي كل واحد منهم، فلما رأى رئيس الوزراء أن زميله قد وعد، وغلا في الوعد، وبشَّر وأغرق في التبشير، فلم يلقَ من الناس إلا فتورًا وإعراضًا قدَّر — وهو رجل دقيق — أنَّ هذا الفتور يمسُّه، وأنَّ هذا الإعراض يُصيبه، وأنَّ شكَّ الناسِ في زميله شكٌّ فيه، فضاق بذلك، وكبُر ذلك عليه، وعاتب وزير المالية أو لامه فيما أظهر من رفق وعطف لقوم لا يستحقون الرفق والعطف.

    ولو قد كانوا يستحقون الرفق والعطف لأظهروا شيئًا من ذلك، فانسل بعضهم من أحزابهم ليلتفوا حول رئيس الوزراء ووزير المالية، ولكن أحدًا منهم لم ينسل إلى الآن، فهؤلاء الوفديون يجتمعون كأكثر ما اجتمعوا، ويصدرون على الوزارة أحكامًا قاسية مسرفة في القسوة.

    وهؤلاء الأحرار الدستوريون لا يزالون حيث كانوا لم يتقدموا إلى الوزارة خطوة، ولم يبسموا للوزارة عن ثغر، بل هؤلاء الشعبيون يقولون إذا خَلَوا إلى الوزراء: إنَّا معكم، فإذا عادوا إلى صدقي باشا قالوا: إنما نحن مستهزئون، فهم ما يزالون يضطربون بين الرئيس ونائب الرئيس، يسرون شيئًا ويعلنون شيئًا، وينتظرون حكم الأيام وتصاريف القضاء. وإذا كان هذا أمر الناس؛ لم يؤيد أحد منهم الوزارة وقد قامت منذ عشرة أيام، ففيم الرفق بهم، والعطف عليهم، والتفكير في تخفيف الضرائب؟! كلا، يجب أن يتركوا وما هم فيه؟ ويجب أن تُؤدَّى الضرائب هذا العام كما أُدِّيت في العام الماضي، وفيما مضى من الأعوام لا تنقص، وإن احتاجت الدولة إلى شيء من المال فلعلها أن تزاد. هذا شعب لا يستحق أن يحكم وتدبر الضرائب فيه إلا كما حكمه ودبر أمواله صدقي باشا.

    والناس يقولون أن الأمر لم يقف عند وزير المالية ورئيس الوزراء وزملائهما، وإنما تجاوزهم جميعًا إلى رجل من الأجانب يمثل دولة أجنبية في صندوق الدين، فأنت تعلم أن الفرنسيين قوم يحبون العدل، ويكرهون الجور، ويحبون شكر الجميل، ويكرهون كفر النعمة، فلما أظهر الشعب المصري ما أظهر من الفتور والإعراض والشك أمام هذه الوعود التي بذلها وزير المالية وأكد أنه سيفي بها، ضاق ممثل فرنسا في صندوق الدين بهذا الجحود، وتعصب للوزارة المصرية على الشعب المصري، وذهب إلى رئيس الوزراء وإلى وزير المالية يتحدث إليهما فيما شاع وذاع وملأ الأسماع من تخفيف الضرائب إذا أقبل صباح يوم الأحد الثامن من هذا الشهر.

    وقد ظن رئيس الوزراء ووزير المالية — فيما يقول الناس — أن ممثل فرنسا مشفق على الدين من تخفيف الضرائب، فأُكِّد له — فيما يقول الناس أيضًا — أن ليس على الدين بأس من هذا التخفيف الموعود، وظن رئيس الوزراء ووزير الخارجية أن ممثل فرنسا في صندوق الدين يريد من طرف خفي جدًّا أن يتدخل فيما لا يعنيه، ولا يعني فرنسا من أمورنا المالية التي يجب أن تكون مقصورة علينا بحكم الاستقلال، فأشار رئيس الوزراء ووزير الخارجية إلى ممثل فرنسا من طرف خفي جدًّا بأن الخير للأجانب أن يفكروا في مصالحهم، وفي مصالحهم وحدها.

    ويقول الناس — وما أكثر ما يقول الناس: إن ممثل فرنسا قد فهم هذه الإشارة الخفية، وعرف أن سعيه لم يُفهم على وجهه، فأشار من طرف خفي جدًّا إلى أنه لم يرد أن يدافع عن الدين، ولا أن يعرض لما لا يعنيه، وإنما أراد أن يظهر شعوره بهذا الجحود الذي لم يتحرج المصريون من إظهاره بما يقدم إليهم وزير المالية في جميل. ويقول الناس — وما أكثر ما يقولون: إن الأمر استقر بين الدولتين، ولم يحدث خلاف ولا شبه خلاف، وإنما كان الصفاء كل الصفاء.

    ثم يتخذ الناس هذه الأحاديث علة لما قد يكون من تأخر الوفاء بالوعد، ويتمثل العابثون منهم بهذا البيت القديم:

    إمَّا غدًا زعموا أوْ لا فبَعْد غدٍ

    وكان بين المتحدثين رجل مطرق يسمع، ولكنه لا يقول، فلما انتهى القوم من حديثهم إلى هذا الحد رفع رأسه في هدوء، وقال في صوت مِلْؤه السخرية بما كان يقال من حوله: ولكنكم تتركون الأمر الذي ليس فيه شك ولا ريب، وهو أن السكرتيرين الماليين سيسافرون من القاهرة ليلقوا الوزير في هذا اليوم الموعود، وسيسافرون على حساب الدولة طبعًا، وسيقيمون على حساب الدولة طبعًا يومًا أو يومين، وسيعودون على حساب الدولة طبعًا إلى القاهرة، وستُنفق في هذا كله أموال مهما تكن قليلة فإنها تساوي بعض ما ينبغي رفعه من الضرائب عن بعض الفلاحين. ألم يكن أيسر وأدنى إلى الاقتصاد، وأشد ملاءمة لرغبة الوزارة فيه أن يبقى السكرتيرون الماليون في القاهرة، وأن يأتي إليهم الوزير؟ قالوا جميعًا: نعم، ثم أغرقوا في ضحك شديدٍ.