Tag: freedom of movement

  • رحلة

    حديث الوادي
    رحلة . . .
    أما القسم الأول منها فقد تم صباح اليوم، بعد أن شهد المصريون والأجانب فيه ما يدعو أولئك وهؤلاء إلى التفكير الطويل، رأوا شعبًا ووزارة يختصمان في بلد يقال إنه ديمقراطي دستوري، ولا ينبغي أن يكون فيه الخصام بين الشعب والوزارة، وإنما ينبغي أن تنزل فيه الوزارة عند إرادة الشعب فتنفذ أمره، وتحقق آماله، وترعى منافعه وحرماته، أو تستقيل. ولكن المصريين والأجانب، مع هذا، رأوا خصومة بين الشعب والوزارة في بورسعيد، وخصومة مختلفة الألوان، متباينة الأشكال، فيها الجد الذي يدمي القلوب ويفطر الأكباد، وفيها الهزل الذي يرسم الابتسامات المرة على الثغور.
    هذا الصراع بين الشعب والشرطة يسقط فيه الجرحى من الشعب والشرطة لشيء إلا لأن الإدارة تريد أن تتحكم في الناس، وتخضعهم لإدارتها، على حين لم توجد الإدارة لتتحكم ولا لتفرض إرادتها على الناس. ثم هذه الحيل الملتوية تلجأ إليها الوزارة من ناحية لتحول بين رئيس الوفد وبين ما يريد، ويلجأ إليها الشعب من ناحية أخرى ليظفر بما يريد برغم تحكم الوزارة وممانعتها إياه. يريد رئيس الوفد أن يزور الجرحى في المستشفى، فتأبى الوزارة عليه هذه الزيارة، فيصر رئيس الوفد على ما يريد فتضطر الوزارة إلى شيء من اللعب أقل ما يوصف به أنه غريب. تأمر بأن يُنقل الجرحى من المستشفى على عجل وتُخفي المكان الذي نقلوا إليه، حتى إذا ذهب الرئيس إلى المستشفى لم يجدهم فإذا سأل عنهم قيل إنهم نقلوا إلى مكان مجهول! والوزارة التي تضطر إلى هذا اللعب، وتلجأ إلى هذه الحيلة، تريد أن يؤمن الناس لها بالقوة وأن يستشعروا لها الهيبة، وأن يعترفوا لها بالبأس والسلطان. ولكن القوي لا يعبث حين يجب الجد، ولا يمكر حين تجب الصراحة، ولا يحتال حين تجب مواجهة الحقائق في حزم وعزم وإقدام. فالوزارة القوية المهيبة حقًا تخلي بين رئيس الوفد وبين زيارة المرضى في المستشفى، وماذا تخاف من هذه الزيارة وماذا تتوقع أن يكون حين يدخل رئيس الوفد إلى المستشفى ليزور من فيه من المرضى؟ والوزارة القوية المهيبة حقًا تمنع رئيس الوفد من زيارة المستشفى إذا استيقنت أن في هذه الزيارة شرًا. فأما هذا التردد والاضطراب بين الإذن والمنع، فأما هذا اللعب فيما لا يجب اللعب به، فأما هذا الاحتيال فيما لا يجب الاحتيال فيه، فأما خطف المرضى من المستشفى وإخفاؤهم في مكان مجهول، فكل
    هذا لا يدل على قوة، ولا على هيبة، ولا على جد في الأمر، وإنما يدل على الضعف، والوهن، والالتجاء إلى المكر للفرار من المشكلات.
    لعبت الوزارة مع الشعب، فلعب الشعب مع الوزارة، كما جدّت الوزارة مع الشعب، فجدّ الشعب مع الوزارة. ونظن أن الوزارة قد استيقنت الآن أنها واجدة عند الشعب ما يريد، إن جدًا فجد، وإن هزلًا فهزل. أراد الشعب أن يصحب الرئيس إلى مقابر الشهداء، فأبت عليه الوزارة ذلك، فاحتال واصطنع تشييع جنازة ومضى في تشييعها حتى انتهى إلى المقابر، وهناك تم له ما كان يريد من مشاركة الرئيس في تحية الشهداء. والمقطم هي التي تروي هذا النبأ، لا صحف الوفد. ومن كان في حاجة إلى أن يضحك من لعب الوزارة، ومن مجاراة الشعب لها في هذا اللعب فليضحك. أما نحن فنرى هذا محزنًا حقًا، لأنه يدل على أن الصلة بين الوزارة والشعب قد أصبحت عرضة للفكاهة والتندر، وحسبك بهذا شرًا ونكرًا.
    ومهما يكن من شيء فقد زار رئيس الوفد وأصحابه بورسعيد وعرف الشعب في هذه المدينة كيف يُكره الوزارة على أن تعترف بأنه موجود وبأنه يحب الوفد ولا يحبها، وبأنه يؤيد الوفد ولا يؤيدها، وبأنه يعرف كيف يصبر للملمات، وكيف يصل إلى ما يريد. وارتحل رئيس الوفد عن بورسعيد صباح اليوم، وقد قامت الحجة، وما زالت قائمة، ونهض الدليل وما يزال ناهضًا، وتبين الأغبياء قبل الأذكياء، أن سلطان الوفد على قلوب المصريين أقوى وأوسع وأعمق وأثبت من أن يطمع فيه الطامعون. وهذا رئيس الوفد يسلك طريقه إلى الإسماعيلية ثم إلى الشرقية، والحجة قائمة والأدلة ناهضة هنا وهناك، على أن الوزارة وجِلة، قد ألهاها الوجل عن جد الأمر، فزعة، قد صرفها الفزع عن الصواب. ما هذا؟ ما التحكم الغريب الذي يظهره السلطان في الزقازيق والذي تعجز الألسنة والأقلام عن وصفه؟ متى اشترت الوزارة أهل الشرقية واتخذتهم لها عبيدًا تُصَرِّف أمرهم ووجهتهم على هذا النحو الذي لا يلائم منطقًا ولا تفكيرًا مستقيمًا؟ أيريد أهل هذه المدينة أن يقيموا سرادقًا لاستقبال الرئيس فتأبى الوزارة عليهم ذلك معتزة بقانون الاجتماعات. يريد أهل هذه المدينة أن يسعوا لاستقبال الرئيس في المحطة، فتأبى الوزارة أن تبيح هذا السعي إلا لعشرة من ألوف. يريد أهل هذه المدينة أن يقيموا مأدبة خاصة للرئيس، فتأبى الوزارة إلا أن تتحكم في عدد الذين يحضرون المأدبة وفي أشخاصهم. لا ينبغي أن يزيد العدد عن كذا ولا ينبغي أن يحضر المأدبة إلا من تأذن
    الوزارة له بالحضور. يريد أهل المدينة أن يزور الرئيس وجوههم وأصحاب المكانة فيهم، فتأبى الوزارة إلا أن تعرف من يزور الرئيس لتأذن بالزيارة أو ترفضها. ثم تأبى الوزارة إلا أن يحدد لها أهل المدينة الطريق التي سيسلكها الرئيس حين يذهب في المدينة ويجيء وأن يعطوا على أنفسهم عهدًا ألا تتغير هذه الطريق مهما تكن الظروف.
    كلام يُعجِب ويُلهي لو أننا نقرؤه في أحاديث ألف ليلة وليلة، وهو يدعو إلى العبرة والعظة، لو أننا نقرؤه في بعض كتب التاريخ التي تصور عصور الظلم والاستبداد، ولكنه يُحزِن ويثير حين نعلم أنه يصور ما تأتيه الوزارة الآن في إقليم من أقاليم مصر في القرن العشرين، وفي ظل النظام والقانون والدستور. وما الذي كان يصنعه وزير الداخلية بأهل الشرقية لو أنه اشتراهم، واشترى أرضهم، وسار فيهم وفي أرضهم سيرة المالك فيما يملك؟ أليس غريبًا أن يقال إن مصر بلد متحضر، وأن هذا البلد قد أصبح جزءًا من أوروبا، وأنه يعيش في عصر الحرية والنور، وأن وزير الداخلية مع ذلك يتحكم في أهله على هذا النحو الذي ليس إلى وصفه ولا إلى فهمه من سبيل؟!
    على من تقع تبعة هذا التحكم؟ ومن الذي ينبغي أن يُسأل عن هذا العسف؟ أهم الوزراء المصريون وحدهم؟ فما نظن أنهم كانوا يقدرون على ذلك، أو على بعض ذلك، لو لم تكن لهم قوة يأوون إليها ويعتزون بها. أهم الموظفون الإنجليز، والمحتلون الإنجليز؟ فما نظنهم كانوا يقدرون على ذلك أو على بعض ذلك، لو لم يكن لهم أعوان من المصريين يُتمّون لهم ما يبدأون، وينفذون لهم ما يرسمون. إنما يُسأل عن هذا التحكم في شعب حر، وعن هذا الإذلال لشعب عزيز، هؤلاء المتعاونون المتضامنون من المصريين الذين لا يرعون لبلادهم إرادة، ولا يقدرون لشعبهم مشيئة، ومن الإنجليز الذين لا يكادون يتركون بلادهم إلى قصر حتى يتركوا فيها كل احترام للحق، وكل إكبار للعدل، وكل اعتراف يحق للشعوب في أن تعيش حرة في بلادها. فما أجدر المصريين أن يفكروا في هذا كله، وأن يروه، فقد ينفعهم هذا التدبر وقد يُعلّمهم هذا التفكير.
    طه حسين
    الوادي، ١ أغسطس ١٩٣٤.

  • تحكم

    حديث الوادي
    تحكم…
    ليس على الأمن ولا على النظام خطر قليل أو كثير، من أن يزور زعماء مصريين مدنًا مصرية مهما تكن، إذا عرفت الشرطة والمشرفون على أمرها كيف تلزم الحيدة التامة، فلا تعرض للناس بالشر، ولا تمسهم بالأذى، ولا تصادر حقهم الطبيعي المقدس، في أن يمشوا على أرضهم أحرارًا، ويتنفسوا في جوهم أحرارًا، ويلقى بعضهم بعضًا أحرارًا، وآية ذلك أن رئيس الوفد قد زار بنها منذ أسابيع، وزارها في فرصة دقيقة أشد الدقة، حرجة أشد الحرج، تمتلئ فيها النفوس بالظنون المختلفة وتنطلق فيها الألسنة بالأحاديث المتباينة، وتحتشد فيها الجماعات من المدن والقرى القريبة والبعيدة، واستخفت الشرطة في ذلك اليوم فلم يضطرب أمن، ولم يفسد نظام، ولم يكلم أحد من الناس كلمة، وعاد رئيس الوفد من زيارته لا بأس عليه، ولا بأس على أحد من الناس.
    فالشر إذن لا يأتي من زيارة الزعماء للأقاليم، ولا من تنقل الزعماء بين المدن والقرى، وإنما يأتي من تحكم الإدارة في الناس، وتسلطها عليهم، وأخذها إياهم بما لا ينبغي أن تأخذهم به، من ألوان الشدة والعنف، ومن فنون القسوة والطغيان.
    من الذي يبيح للإدارة أن تأمر المصريين بأن يسعوا على قطعة من أرض مصر دون قطعة أخرى، وبأن يسلكوا طريقًا من طرق مصر، دون طريق أخرى ولم يتبين أن هناك خطرًا محققًا أو مرجحًا من أن تترك الحرية للمصريين يسعون على الأرض المصرية كما يشاءون يسلكون من الطرق المصرية ما يشاءون؟ من الذي يبيح للإدارة أن تقسم مدينة مصرية إلى قسمين، وأن تفصل بين هذين القسمين فصلًا؟ وتحظر على الناس أن ينتقلوا من أحدهما إلى الآخر إلا بإذن خاص منها، تمنحه حينًا وتمنعه أحيانًا؟ لقد تحدثت الصحف، والصحف الموالية للوزارة خاصة، بأن الإدارة في بورسعيد منعت الانتقال من حي العرب إلى حي الفرنج إلا بإذن، وأعطت الموظفين الذين يقيمون في حي العرب ويعملون في حي الإفرنج جوازات خاصة ينتقلون بها من حي إلى حي، ويجوزون بها هذه النطاقات العسكرية التي أقامتها الشرطة بأمر الإدارة في بورسعيد.
    ففيمَ هذا كله؟ ولمَ هذا كله؟ ومن الذي زعم للإدارة وللوزارة أن أحد القسمين في بورسعيد قد أعلن الحرب على القسم الآخر وأنها مكلفة أن تحول دون وقوع هذه الحرب، وأن تحمي المصريين من المصريين، أو أن تحمي الأجانب من المصريين؟ من الذي أباح لرئيس من رؤساء الشرطة أن يضرب ذلك الرجل الذي كان يسوق سيارة رئيس الوفد لأنه خالف عن أمر الإدارة وسلك طريقًا غير الطريق التي رسمت له؟ ومتى كان من حق الشرطة أن تعاقب الناس وأن تعاقبهم بالضرب؟ وإذا أبيح للشرطة أن تعاقب الناس لأنهم خالفوا عن أمرها، وأن تستبيح أجسامهم للعصي والسياط، ففيمَ النيابة وفيمَ القضاء؟ ومع ذلك فصحف الوزارة نفسها هي التي تنبئنا بأن رئيسًا من رؤساء الشرطة قد ضرب هذا السائق أمس، ولم يضربه وهو يخالف الأمر ليرده إلى الطاعة، وإنما ضربه بعد أن تمت هذه المخالفة. ضربه عقوبة له، وليس من حقه أن يعاقبه، وإنما حقه أن يخاصمه إلى القضاء.
    والمصريون ليسوا قطعانًا، وليسوا أرقاءً، وهم لا يرضون أن يعاملوا على أنهم قطعان أو أرقاء، وهم لا يرضون أن تتحكم فيهم الإدارة على هذا النحو وأن تبيح لهم بعض الأرض، وتحظر عليهم بعضها، وأن تبيح لهم بعض الجو، وتحظر عليهم بعضه. وأن تعاقبهم بالضرب في غير محاكمة، ليس المصريون قطعانًا ولا أرقاء، ولكنهم ناس أحرار قد ضمن لهم الدستور حريتهم، فمن الطبيعي ومن المعقول ومن الحق لهم، أن يشمئزوا من الضيم، ويمتعضوا من الذل. ويأنفوا من أن يكونوا قطعانًا أو عبيدًا يؤخذون بالعصي والسياط فيزدادوا حبًا في زعمائهم الذين يمهدون لهم طرق الكرامة والعزة، ويزدادوا إعراضًا عمن يأخذونهم بالمهانة والمذلة.
    إن من المؤلم أن تحدث الحوادث التي تفسد لها الصلات بين الشرطة والناس، ولكن تبعة هذه الحوادث يجب أن تنهض بثقلها أولئك الذين يغرون الشرطة بالناس، ويسلطونها عليهم، ويتحكمون فيما ليس لهم أن يتحكموا فيه. متى يعلم الحكام أن الله لم يأذن لهم، وأن القانون لم يأذن لهم في أن يفهموا الحكم على هذا النحو الذي يفهمون، فالحكم في هذه الأيام خدمة للشعب لا تحكم فيه، ولا استطالة عليه. وهو خدمة للشعب كله لا تفريق فيه بين غني وفقير، ولا بين صغير وكبير، ولا بين ممتاز وسوقة، لأن القانون لا يعرف إلا شيئًا واحدًا وهو أن المصريين جميعًا سواء، وأن الفروق
    بينهم قد ألغيت منذ عهد بعيد أمام السياسة وأمام الإدارة وأمام القضاء. فالذين يفرقون بين الأغنياء والفقراء آثمون في حق القانون، والذين يفرقون بين الممتازين ومن يسمونهم الرعاع أو الغوغاء آثمون في حق القانون، فنفس المصري مهما يكن محترمة، وجسم المصري مهما يكن محترمًا، لأنه مصري وكفى. وإذن فما ينبغي للإدارة أن تصد مصريًا مهما يكن عن أي عمل مشروع، أو عن أي استمتاع مباح لحقه الطبيعي في حريته التي يقدسها الدستور. إن الذين يؤيدون الوزارة القائمة ويذودون عنها يسيئون إليها وإلى أنفسهم وإلى أمتهم، وإلى سمعة بلادهم، حين يذكرون الرعاع والغوغاء، وحين يذكرون الصبيان والبائسين في هذا الازدراء الآثم. فكل هؤلاء مصريون لهم نفس حقوق الوزراء، والوزراء لم يتولوا الحكم ليخدموا فريقًا من المصريين دون فريق. وإنما تولوه ليخدموا المصريين جميعًا، وفيهم هؤلاء الذين يسمونهم الرعاع والغوغاء. وآية ذلك أن هؤلاء الرعاع والغوغاء، يستمتعون بالحقوق السياسية التي يستمتع بها الوزراء أنفسهم والقانون يعصم دماءهم، ويرعى كرامتهم وحقوقهم، كما يعصم دماء الوزراء، وكما يرعى كرامتهم وحقوقهم، وأنه لمن الخزي حقًا أن يفرق المصريون بين الأغنياء والفقراء، وبين الأقوياء والضعفاء، فيما يجب لهم من حماية الحقوق وحفظ الكرامات ورعاية الحرمات في بلد يزعم أنه ديمقراطي، وفي عصر يقال إنه عصر الحرية واحترام حقوق الإنسان.
    إذا كان لخصوم الوزارة القائمة أن يفخروا بشيء فهو أنهم أصدقاء المصريين جميعًا، والذائدون عن حقوق المصريين جميعًا، يرعون فقراءهم قبل أغنيائهم، لأنهم أحق بالرعاية، ويحمون ضعفاءهم قبل أقويائهم لأنهم أجدر بالحماية، فالذين يعيبون رئيس الوفد لأنه زار حي العرب وفيه من يسمونهم بالرعاع والغوغاء، خليقون بأن يعيبوا أنفسهم بهذا الخزي الذي يتورطون فيه.
    أما بعد فقد نحب أن ننصح للوزارة القائمة للمرة الأولى أو الثانية بعد الألف أو الألفين أو الآلاف بأن تفهم الحكم على وجهه، وأن تخلي بين المصريين وأرض مصر، وأهل مصر، وألا تتحكم ولا تستطيل، وألا تظن أن الشرطة ملك لها فليس حقها على الشرطة بأعظم من حق الوفد. ونؤكد للوزارة القائمة أنها إن فهمت الحكم على وجهه، وأدت الواجب كما ينبغي أن يؤدي، فلا بأس على الأمن، ولا خوف على النظام، ولا اصطدام بين الناس والشرطة، ولكن الوزارة تخاف من زيارة الوفد للأقاليم. فهي تأبى إلا
    أن تمنعها فإذا لم تستطع منعها فهي تأبى إلا أن تفسدها بهذا التحكم الذي يثير الضغائن وينفر النفوس.
    طه حسين
    الوادي، ٣٠ يوليه ١٩٣٤.

  • اسبوع

    حديث الوادي
    أسبوع…
    ستقصر أيامه فيما يظهر، وستطول لياليه؛ لأن رئيس الوفد قد أخذ يزور فيه بعض الأقاليم، فسيظل وزير الداخلية معلقًا بالتليفون بياض النهار، مفكرًا فيما كان وما سيكون سواد الليل. ويزيد هذا الأسبوع مشقة وعسرًا أن رئيس الوفد لم يكن رحيمًا ولا رفيقًا، فهو قد اختار الرحلة إلى بورسعيد، وإلى إقليم الشرقية، ولما تمضِ على ظهور الحركة الإدارية أيام يستطيع وزير الداخلية فيها أن يستريح من هذا العناء الثقيل الطويل، الذي أفنى نفسه به أشهرًا متصلة. ولو أن رئيس الوفد كان رحيمًا رفيقًا، لانتظر برحلته هذه حتى يستريح الوزير من عناء هذه الحركة الثقيلة العنيفة، وحتى يسترد قواه كاملة، ونشاطه موفورًا، ليفرغ لهذه الرحلة وما ستفرض عليه من أثقال، وما تكلفه من عناء.
    ولكن رئيس الوفد سيعلم أن وزير الداخلية رجل لا تعيبه الشدة، ولا يضنيه الجهد، ولا يؤخذ على غرة، وإنما هو رجل قوي مهما يكن ضعيفًا، نشيط مهما يكن فاترًا، مستريح مهما يكن متعبًا، ينام بإحدى مقلتيه وينظر بإحداهما الأخرى في أعماق الجو، وآفاق السماء، وأقطار الأرض، ليرى من أين تأتيه الأحداث، ومن أين تسعى إليه الخطوب.
    والشرطة بحمد الله مستعدة، والإدارة بحمد الله متأهبة، فما هي إلا أن يصدر الأمر حتى يلتئم المتشعب ويجتمع المتفرق، وإذا الثغر الثاني من ثغور مصر قد أصبح مدينة من مدن الحرب، ينتشر فيها الجند، وتنبت فيها الشرطة، ويرتفع فيها العجيج والضجيج، وتسمع فيها قعقعة السلاح، ويضطرب في جوها صهيل الخيل، ويعلم المصريون من أمرها أنهم أحرار، ولكن بمقدار، وأنهم في بلادهم، ولكنهم لا يملكون أن يستقبلوا من يحبون كما يحبون، ويعلم الأجانب من أهلها أن ليس عليهم بأس من أن يهزأوا بالمصريين، ويسخروا منهم، ومن أن يستذلوهم ويستغلوهم، فهم قوم يحسبون أنفسهم أحرارًا، وما أقل حظهم من الحرية، ويرون أنفسهم أعزة، وما أقل حظهم من العزة، ويزعمون أنهم مستقلون، وما أبعد الأمر بينهم وبين الاستقلال. ولو كانوا أحرارًا أو أعزة، أو مستقلين، لما أخذت المدينة عليهم من أقطارها، ولما أحاط بهم الجند والشرطة كما يحيط السوار بالمعصم، ولما تغلغل الجند المسلح في أحشائها، كما يتغلغل المرض في أحشاء المريض، لا لشيء إلا لأن زعيم مصر يريد أن يزور مدينة من مدن مصر، ولكن وزير الداخلية يقظ، والجند يقظ معه، والشرطة متأهبة والقوة مواتية، ومن الحمق أن تكون قويًا ولا تظهر القوة، وأن تكون يقظًا ولا تظهر اليقظة، وأن تكون ذا بأس وتستر بأسك عن أن تراه العيون.
    ولكن هناك سؤالًا نود لو يجيب عليه وزير الداخلية ورئيس الوزراء: ماذا كان يصنع وزير الداخلية، بل ماذا كانت تصنع الوزارة كلها، لو أن داعيًا من بورسعيد دعا المندوب السامي لزيارة بورسعيد، وخطر له أن يقيم له السرادقات ويحشد له الناس، يستقبلونه هاتفين مصفقين؟ أكانت تحشد الشرطة؟ أكان يعبأ الجند؟ أكان يعتقل الناس مئات ويحشرون في السجون حشرًا؟ أكان يصدر الأمر إلى التجار أن يغلقوا متاجرهم؟ أكان يصدر الأمر إلى الناس أن يلزموا دورهم؟ أكانت مدينة من مدن القطر تؤخذ بالحكم العرفي، في غير قانون، وفي غير ما يدعو إلى أخذها بالحكم العرفي؟ كلا. لقد كان المندوب السامي البريطاني يزور قرية من قرى الأقاليم، فيضيفه الوزير، ويستقبله المدير، ويحشد الناس له حشدًا، وتمهد الأرض لطيارته تمهيدًا. يا لسخرية الأيام!…
    لقد كان المصريون يظنون أن أرض مصر ملك لهم، يستطيعون أن يذهبوا عليها ويجيئوا، وأن جو مصر ملك لهم، يستطيعون أن يتنفسوا فيه أحرارًا، فأظهرت الأيام أن أرض مصر ملك لوزير الداخلية، يبيح السعي عليها لمن يشاء، ويحظره على من يشاء، وأن جو مصر ملك لوزير الداخلية يبيح التنفس فيه لمن يشاء ويحظره على من يشاء. وأن المصريين جميعًا خاضعون لوزير الداخلية، يصرفهم كما يحب، ويدبر أمرهم كما يريد، يأذن لهم بالاستقبال فيستقبلون، ويحظر عليهم الاستقبال فيمتثلون. فمن هم منهم إلا يطيع اعتقلته الإدارة خوفًا عليه لا خوفًا منه، فالإدارة لا تخاف من شيء ولا تخاف من أحد، ولكنها تعتقل المصريين مخافة أن يخالفوا أمر الوزير فيستقبلوا وقد نهاهم عن الاستقبال، ويهتفوا وقد حرم عليهم الهتاف، ويصفقوا وقد حذرهم من التصفيق، ويتعرضوا من أجل ذلك للتحقيق ثم للمحاكمة! ووزير الداخلية رجل يحسن الاحتياط، فهو يتهيأ للخطر قبل وقوعه، لا في بورسعيد وحدها، بل في الشرقية أيضًا، فلا بد من أن يستعد هذا الإقليم استعدادًا عسكريًا حافلًا لهذه الموقعة التي ستكون يوم الخميس.
    لرئيس الوفد أن يزور الشرقية، ولكن ليس للوفديين أن يستقبلوه، يستطيع أن يزورهم في دورهم إن أراد، على أن تحيط به قوة الحكومة لتحميه من الناس الذين لا يحبونه، ولا يريدون زيارته! فأما أن يجتمع الوفديون للقاء زعيمهم فهذا شيء لا يرضاه الوزير، ولا يقره المدير، ونعود فنسأل: ماذا كان يصنع الوزير وماذا كان يصنع المدير لو أن داعيًا من أهل الشرقية دعا المندوب السامي لزيارته وأراد أن يقيم له سرادقًا وأن يحشد له المستقبلين؟ أكان ينفذ فيه قانون الاجتماعات؟ أكان يمنع من إقامة السرادق؟ أكان يحظر عليه حشد الناس؟ كلا! إنما كانت الأرض تمهد والسرادق يقام، والمحافظ يسعى على رأس المستقبلين.
    يجب أن يفطن المصريون، فإن مصر فيما يظهر ليست خالصة لهم، يجب أن يفيق المصريون، فإنهم فيما يظهر لم يخلقوا ليستمتعوا بأيسر مظاهر الحرية في بلد يزعم أنه حر، وأن أموره ينظمها الدستور، وإنما خلقوا ليقيم وزير الداخلية في الإسكندرية ويدير من هناك ما يبيح لهم وما يحظر عليهم، يستشير في ذلك رأيه هو، وإرادته هو، وقد يستشير في ذلك رأي الإنجليز، وإرادة الإنجليز.
    نعم يجب أن يفيق المصريون وأن يفطنوا، فوزير الداخلية حر في أن يرى ما يشاء، ولكن المصريين أيضًا أحرار في أن يستقبلوا ما يشاؤون كما يشاؤون، والقانون وحده هو الحكم بينهم وبين وزير الداخلية فيما يمكن أن يشجر بينهم من خلاف.
    إن من حق زعيم المصريين أن يزور المصريين متى شاء، وأين شاء، وحقه في ذلك أعظم ألف مرة ومرة من حق المندوب السامي البريطاني. وإن على الذين يبثون العقاب في سبيل رئيس الوفد، ويقيمون الحوائل بينه وبين الناس، على حين يمهدون الأرض للمندوب السامي، ويخلون بينه وبين الناس، ويفتحون له بيوت الوزراء، من الحق على هؤلاء أن يتدبروا، وأن يتفكروا، وأن ينظروا في العواقب، وأن يسألوا الضمائر، فإن الشعوب لا تؤخذ بهذا النحو من العنف في هذه الأيام…
    طه حسين
    الوادي، ٢٩ يوليه ١٩٣٤.