Tag: government hypocrisy

  • مفترق الطرق

    مفترق الطرق
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ٣٠ سبتمبر ١٩٤٥

    يمكن أن يُقال: إن الدول المنتصرة، والدول المحررة تقف الآن في مفترق الطرق: فإما أن تمضي إلى عالم جديد حقًّا، وإما أن تمضي إلى عالمها القديم الذي طال عليه القدم، وإما أن تمضي إلى عالم مذبذب مزيف لا هو بالقديم جدًّا، ولا هو بالجديد جدًّا، ولكنه مثير للقلق والخوف على كل حال.

    على أن هذا الأمر ليس من اليسر والسهولة بحيث يظن الذين يراقبون التطور العالمي بعد الحرب، فهذا التطور معقد شديد التعقيد، يتصل بعضه بالشعوب، ويتصل بعضه بالحكومات، ويتصل بعضه الآخر بهذه العلاقات التي تصل بين الدول، ويقوم عليها التعاون بين الأمم. ولنجتهد في تجلية هذا الموضوع بعض الشيء، فقد يحسن أن يكون القارئ المصري، بل يحسن أن يكون رجل الشارع — كما يُقال — على بصيرة من أمر الحياة الإنسانية العامة بعد أن انقضت عصور العزلة والانفراد، وبعد أن أصبح عكوف الشعوب على أنفسها سبيلها المحققة الواضحة إلى الخمول والخمود جميعًا. أمَّا شعوب أوروبا الغربية فليس من شك أن تقدمها في الحضارة، وظفرها بحظ عظيم من الثقافة، وقدرتها على التفكير في السياسة المعقدة والحكم عليها؛ كل ذلك لم يمنعها من الانخداع بالوعود التي بذلها ساسة الحلفاء في أثناء الحرب، كما انخدعت بهذه الوعود شعوب أخرى في الشرق القريب والبعيد. وكانت الشعوب الأوروبية قبل الحرب الأخيرة تزهد في الديمقراطية المعتدلة، وتجنح إلى ديمقراطية تميل إلى الشِّمال، إلى الاشتراكية وإلى الشيوعية. ولكن الديمقراطية المعتدلة المسرفة في المحافظة أو المقتصدة في هذه المحافظة كان لها أنصار أقوياء، وكان إليها الأمر كله، وكان الصراع شديدًا من أجل ذلك بين اليمين والشِّمال. وكانت كثرة الشعوب تبغض أقصى اليمين، كما كانت تخاف أقصى الشمال؛ تبغض غلاة المحافظين، وتخاف الشيوعيين، وتطمئن إلى ديمقراطية لا تمس رأس المال، أو لا تمسه إلا مسًّا رفيقًا.

    فلما شبَّت الحرب ووُعدت الشعوب بالحرية الكاملة، وتملقت الحكومات شعور الطبقات على اختلافها؛ لتظفر بالتضامن القومي في وجه العدو، وصدقت الشعوب ما قيل لها، وضحت بالأنفس والأموال والمرافق في سبيل هذه المُثل العُليا. ثم اقتضت ظروف الحرب أن تسيطر الحكومات على الاقتصاد الوطني، وأن تدبر الثروة القومية تدبيرًا، إن لم يكن شيوعيًّا، فقد كان اشتراكيًّا ممعنًا في الاشتراكية؛ فقد أشرفت الدولة على كل شيء، وتدخلت في كل شيء، وأخضعت رأس المال لتجربة قاسية، وحققت المساواة بين المواطنين في الظفر بضرورات الحياة، والاستغناء عن كمالياتها، والعدول عن الترف عدولًا يوشك أن يكون تامًّا. وذاقت الشعوب هذه الحياة الاشتراكية ضيقة بها أول الأمر مطمئنة إليها بعد ذلك، مؤثرة لها آخر الأمر على ما كان مألوفًا من تلك الحياة التي كانت تقوم على التفاوت بين الطبقات. ثم اشتركت روسيا السوفياتية في الحرب، فأقدم المحجمون، ووثق الشاكون، واندفع المترددون، واستيقنت الشعوب أن انتصار الحلفاء سيكون انتصارًا للحرية والإخاء والمساواة. ولم تكد الحرب تضع أوزارها في أوروبا؛ حتى اندفعت الشعوب إلى بلوغ المنى، وتحقيق الآمال، واندفعت في عنف لا يعرف اللين. وكانت بريطانيا العظمى أسرعها إلى هذا الاندفاع؛ فقد أبى الشعب البريطاني أن يحتفظ بالائتلاف بين الأحزاب التي أدارت شئون الحرب، ثم أبى الشعب البريطاني أن يمنح ثقته للمحافظين، وأكره زعيمه العظيم مستر تشرشل على أن يترك الحكم لمنافسه الاشتراكي مستر إتلي. وكان كل شيء يخيل إلى الناس أن مستر تشرشل سيكون رئيس الحكومة حين تستسلم اليابان، ولكن الشعب البريطاني تعجَّل الفوز بحقوقه الديمقراطية فنحَّى المحافظين عن السلطان إلى حين.

    ولم تكن فرنسا مبطئة في تعجُّل الفوز بهذه الحقوق، فقد أُجريت الانتخابات البلدية منذ أشهر، ففاز فيها الشِّماليون فوزًا مبينًا، وأُجريت الانتخابات الإقليمية منذ أيام، ففاز فيها الشِّماليون فوزًا مبينًا أيضًا، وستجرى الانتخابات للجمعية التأسيسية بعد أسابيع قليلة، وليس من شك في أن الشِّماليين سيظفرون فيها بالفوز.

    والمشكلة البلجيكية معروفة للقرَّاء، فهي في جوهرها خصومة بين المحافظين الاشتراكيين، ولكنها لا تقتصر على شئون الحكم، وإنما تمس شخص الملك أيضًا، وربما مست الأسرة المالكة كلها.

    والأمر في إيطاليا إلى الشِّماليين، ومصير الملك مقطوع به، ومصير الأسرة المالكة نفسها مشكوك فيه. والناس لم ينسوا بعد مأساة اليونان، ولا مشكلة يوجسلافيا، ولا انتظار الملكين لاستفتاء الشعب في البلدين جميعًا. فإذا تركنا هذا الجزء من أوروبا إلى الجزء الآخر الذي يسيطر عليه الروسيون في بولندا، وفي المجر وفي البلقان، فسنرى أن الشعوب تميل إلى الناحية الروسية ميلًا لا شك فيه، وأن رءوس الأموال تميل إلى غرب أوروبا ميلًا لا شك فيه أيضًا. ومن المحقق أن الشعوب إذا استفتيت استفتاءً صحيحًا، فستصوت للنظام الشيوعي الروسي. وكذلك لا تتردد الشعوب الأوروبية في اختيار الطريق التي تريد أن تسلكها، فهي تريد عالمًا جديدًا حقًّا لا يقوم على الرجعية المستبدة، ولا على الدكتاتورية الطاغية، ولا على الديمقراطية المعتدلة. وأشد هذه الشعوب اعتدالًا واقتصادًا — وهو الشعب البريطاني — قد أعلن أنه يريد الاشتراكية، ويفضلها لا على ديمقراطية المحافظين، بل على ديمقراطية الأحرار أيضًا.

    الشعوب تعرف ما تريد، وتريد أن تبلغ ما تريد. ولكن الشعوب شيء، والحكومات شيء آخر في أشد البلاد إمعانًا في الاشتراكية والديمقراطية، وهنا موضع الخطر المخيف.

    فطبائع الشعوب في أنفسها سليمة مستقيمة، لا تحب العوج والالتواء، وطبائع الحكومات في أنفسها معوجة ملتوية لا تخاف شيئًا كما تخاف السلامة والاستقامة. فالحكومة البريطانية مثلًا اشتراكية من غير شك، ولكنها اشتراكية بالقياس إلى الشعب البريطاني، فأما بالقياس إلى الشعوب الأخرى، فمحافظة كحكومة المستر تشرشل. والحكومة الروسية شيوعية من غير شك، ولكنها شيوعية بالقياس إلى الشعب الروسي، فأما بالقياس إلى الشعوب الأخرى، فمحافظة كالحكومة القيصرية. وستكون حكومة الجمهورية الفرنسية الرابعة اشتراكية من غير شك بالقياس إلى الشعب الفرنسي، فأما بالقياس إلى الشعوب الأخرى فستكون محافظة كحكومة ريمون بونكاريه.

    وهذا التناقض بين اتجاه الحكومات، واتجاه الشعوب يحدث في نفوس الأمم الأوروبية بلبلة خطيرة، فهي تريد شيئًا، وترى من حكومتها شيئًا آخر، وتتلقى من هذه الحكومات دروسًا خطيرة في النفاق السياسي يفسد الأخلاق والأذواق جميعًا. تريد الإخاء الإنساني، وترى حكوماتها لا تتجاوز الإخاء الوطني، تريد المساواة بين الأفراد والشعوب، وترى حكوماتها تبغض المساواة بين الشعوب؛ فتضطرب بين ما تريد وبين ما ترى، وتتردد بين ما تحب طبائعها السليمة المستقيمة، وما تقتضيه منافعها العاجلة.

    وكذلك تقف الشعوب حائرة بين العدل والمساواة والحرية التي وعد بها ميثاق الأطلنطي، وبين الاستعمار الذي يرضي المنافع، ويحقق المطامع. ولا يقف أثر التناقض بين اتجاه الحكومات، واتجاه الشعوب عند هذا الحد، بل يتجاوز بالطبع إلى هذا الاختلاط الذي نراه في لندرة الآن. فما دام تحقيق المنافع والمطامع أساسًا من أسس الحكومات — حتى ولو كانت اشتراكية أو شيوعية — فلا بد من الاختلاف بين هذه الحكومات، ولا بد من التنافس حول هذه المنافع والمطامع. وكذلك يقف الشعب البريطاني، والشعب الروسي واجمين أمام هذا الاختلاف العنيف حول مناطق النفوذ، وكل ما في الأمر أن الشعب البريطاني يستطيع أن يعلن آراءه في صراحة فيوافق الحكومة حينًا، ويخالفها حينًا آخر، على حين أن الشعب الروسي موافق لحكومته دائمًا. والشيء المهم هو أن الشعوب الأوروبية تعرف طريقها التي اختارتها، وهي طريق العالم الجديد حقًّا وصدقًا، وأن الحكومات الأوروبية تنظر إلى الشعوب باسمة، وتتردد بين العالم القديم حقًّا وصدقًا، وبين عالمٍ آخرَ مزيفٍ، لا هو بالقديم ولا بالجديد.

    أمَّا بالقياس إلى الشرق فالأمر فيه أشد تعقيدًا؛ لأن شعوب الشرق لم تتطور بعد تطورًا كافيًا يُمكِّنها من التفكير في الاشتراكية أو في الشيوعية، وإنما هي تشعر بشيء واحد هو الحاجة إلى الحرية، وتفكر في شيء واحد هو الظفر بهذه الحرية. وهي قد انخدعت كما انخدعت شعوب أوروبا بوعود الحلفاء، وانتظرت تحقيق هذه الوعود فلما انتهت الحرب لم تظفر بشيء، ولم يُقل لها انتظري، وإنما أعرض المنتصرون عن آمالها إعراضًا واضحًا، واتخذوها موضوعًا للتنافس والنزاع. وليست حكومات الشرق بأقل سذاجة من شعوبه، فهي أيضًا قد انخدعت بالوعود، وانتظرت تحقيق الأماني، ثم نظرت فإذا الغرب عنها في شغل بتقسيم الغنائم، وإرضاء المنافع، وتحقيق المطامع، فوقفت حائرة لا تدري ماذا تصنع، وإن عرفت كيف تقول.

    هذا بالضبط هو موقف العالم بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، شعوب أوروبية وأمريكية تريد الحرية الكاملة، والعدل الكامل، وحكومات أوروبية وأمريكية تريد العدل والحرية لشعوبها، وتؤثر منافعها على حرية الشعوب الأخرى، وشعوب وحكومات مستضعفة في أقطار الأرض، تريد الحرية والاستقلال، ولكنها لا تعرف كيف تحققهما أو تصل إليهما، وهذا الاختلاط هو الذي يثير ما يملأ جو العالم من قلق في هذه الأيام. فالشعوب الأوروبية والأمريكية غير راضية، وحكوماتها غير مطمئنة ولا مستقرة ولا متفقة، وشعوب الأقطار الأخرى غير راضية، وحكوماتها حائرة قد اختلط عليها الأمر، والعالم كله يضطرب في جو قوامه السخط والخوف، وكان الناس يظنون أن انتصار الحلفاء سيقضي على السخط والخوف.

    وإذن، فإلى أي طريق يدفع العالم؟ إلى هذه الطريق الملتوية التي تسلكها الحكومات وتتخبط فيها … أم إلى هذه الطريق المستقيمة التي تريد الشعوب أن تسلكها؟! لهذا السؤال جوابان: أحدهما يصدر عن الساسة الذين يرقبون الحوادث القريبة، ويطلبون المنافع العاجلة؛ وهو أن العالم سيسلك طرقًا مزيفة فيها كثير جدًّا من التقاليد القديمة، وقليل جدًّا من المبتكرات الحديثة، فيها استبقاء للاستعمار، وفيها تغيير لأسماء الاستعمار وبعض وسائله، فيها استبقاء لسياسة التوازن العتيقة، وفيها تغيير لأسماء السياسة وبعض مظاهرها … فيها ظلم كثير، وفيها شيء قليل من محاولة العدل. وأما الجواب الثاني فيصدر عن الذين لا يحكمون، ولا يتخذون السياسة العملية صناعة، وإنما يرقبون ويلاحظون تطور التاريخ، وهذا الجواب بسيط جدًّا؛ وهو أن الإنسانية قد سعت دائمًا إلى العدل، وظفرت منه بشيء كثير، وأن سعيها إلى العدل سيتصل، وجهادها في سبيله سيستمر، وأن ظفرها به شيء محقق، ولكنه لن يتم حتى تخوض إليه الإنسانية غمارات هائلة، قوامها التضحية بالأنفس والأموال والمرافق. فإذا لم يكن بدٌّ من أن ينصح للشعوب الطامعة في العدل المتعطشة إلى الحرية بشيء، فإنما النصح الخالص لها هو ألا تهن ولا تضعف، ولا تنتظر أن تُقدَّم إليها حقوقها كما تُقدَّم إليها الهدايا؛ فإن الحقوق لا تُعطى، وإنما تؤخذ، وهي لا تؤخذ إلا بالجِدِّ والكدِّ واحتمال العناء.

  • في الاستقلال

    حديث الوادي
    في الاستقلال…
    نريد أن نتحدث عن هذا الاستقلال الذي يقف رئيس وزرائنا الرجل الطيب موقف الأبطال للذود عنه، وحمايته من تدخل الإنجليز، فهو استقلال طريف في حقيقة الأمر لا يستحق عناية ولا يجدر برجل عاقل يكرم نفسه عن السخف ويرفعها عن عبث الأطفال، أن يحفل به أو يفكر فيه. بل هو استقلال خير منه الخضوع، لأنه يقوم على الغرور أو على التغرير، ولا يقوم على الحق الواضح الجلي الذي لا يختلف فيه الناس، ولا يحتاجون إلى أن يختلفوا فيه، فالاستقلال الذي يحميه رئيس الوزراء أو يتكلف حمايته لا يبلغ حتى أن يكون شكلاً من الأشكال أو صورة من الصور أو مظهراً من المظاهر الكاذبة. وإنما هو كلام يرسل في الهواء إرسالاً ولا يستطيع أذكى الناس ولا أغباهم ولا أشدهم فطنة، ولا أعظمهم حظاً من السذاجة أن يفهم له معنى أو يستدل به على شيء. هو استقلال يبيح للوزراء أثناء الطمأنينة والهدوء أن يدخلوا الإنجليز في كل شيء، ويتقربوا إليهم من كل طريق. يبيح لهم أن يعملوا عصي الشرطة الإنجليزية وسياطها في رؤوس المصريين وأبدانهم، يبيح لهم أن يقصوا المصريين عن المناصب ليضعوا فيها الإنجليز، يبيح لهم أن يوزعوا كتباً في اللغة الإنجليزية على الطلاب والتلاميذ توزيعاً قهرياً أثناء الصيف، يبيح لهم ألا يصدروا في أمر من الأمور السياسية الخارجية إلا عن رأي الإنجليز ومشورتهم بل عن أمر الإنجليز وإرادتهم. يبيح لهم أن يقبلوا من الإنجليز مذكرات بأمر الري وفي غير الري من المسائل الداخلية الخالصة، يبيح لهم أن يتقربوا إلى المندوب السامي، بإقامة الولائم له، في داخل البلاد وفي البيئات القروية الخالصة، وأن يحشدوا له المصريين ليتلقوه بالهتاف والتصفيق إذا هبط من سيارته وليودعوه بالهتاف والتصفيق إذا صعد إليها، يبيح لهم أن يرفعوا كلمة الإنجليز، على كل كلمة إذا حسنت الصلة بينهم وبين الإنجليز وألا يحفلوا بما يقول المصريون أو بما يفعلون بل أن لا يسمحوا للمصريين بأن يقولوا أو يفعلوا، فإذا كان الحرج بينهم وبين الإنجليز لسبب من الأسباب دفعهم إليه ضعف الرأي، وسوء التدبير والعجز عن مواجهة الخطوب والعجز عن فهم الاستقلال كما ينبغي أن يفهم، في هذه الحال يصيحون بأن الاستقلال في خطر، ويدعون الشعب إلى حمايته والذود عنه والقيام دونه أن يعتدى عليه الإنجليز.

    يطلبون إلى الإنجليز – فيما تؤكد دوائر لندن – أن يشيروا عليهم في أمر الوصاية والأوصياء، وما ينبغي للإنجليز أن يستشاروا، ثم لا يشيروا. فإذا أشار عليهم الإنجليز أنكروا هذه المشورة التي طلبوها وشكوا من التدخل الذي دعوا إليه، وأحدثوا أزمة عنيفة لا يقدرون عواقبها، لأنهم لا يحسنون تقدير العواقب، لشيء من الأشياء. هذا هو الاستقلال الذي يحميه رئيس الوزراء أو يتكلف حمايته، هو استقلال شر منه الخضوع، لأنه يقوم كما قلنا على الغرور والتغرير وعلى السخف الذي لا يسيغه الأطفال، فإذا نظرت إلى هذا الاستقلال من ناحيته الداخلية الخالصة، من ناحية الصلة بين الوزارة والمصريين فهو استقلال كله شر، وكله تجاوز للقانون، وكله إفساد لمعنى الاستقلال الصحيح. هو استقلال يقوم على أخذ الناس بالعنف، والبطش في غير حق، وعلى التفريق بينهم في جباية الضرائب: تخفيف على الأنصار والأعوان، وتشديد بل إرهاق للخصوم والمقاومين. وهو تبذير في هذه الأموال التي تجمع بالعصي، وتجبى بالسوط وتؤخذ من الناس في غير أوقاتها، تبذير في هذه الأموال باليمين والشمال، تبذير في مصر وتبذير في أوروبا، تبذير فيما ينفع ويمكن تأجيله، وفيما لا نفع فيه، بل فيه الضرر المحقق، عبث بالمال، كما يعبث الأطفال بما أمامهم من الرمل حين يلعبون على ساحل البحر. فإذا أنكر الناس عليهم ذلك أو هموا بإنكاره فالسؤال والتحقيق والإرهاق والمضايقات التي لا تحصى والإعنات الذي لا يحد، والاجتراء حتى على مكانة القضاء. وما ينبغي له من التقديس والإقدام على غير ذلك مما لا نحاول إحصاءه لأننا لا نستطيع إحصاءهم، ومما تضيق به كل نفس، ويدمي له كل قلب، وينطلق به كل لسان.

    الاستقلال الذي يحميه رئيس الوزراء أو يتكلف حمايته يمكن أن يختصر في جملتين اثنتين: خضوع للإنجليز، ما حسنت الصلة بين الوزارة وبين الإنجليز وإذلال الشعب المصري. ما استطاعت الوزارة إذلال الشعب المصري. تستطيع أن تبحث وأن تستقصي فلن تستطيع أن تخرج باستقلال رئيس الوزراء عن هاتين الصورتين البشعتين، صورة الخضوع للقوي والإذلال للضعيف. فقد نحب أن نعلم هل هذا هو الاستقلال الذي طلبه المصريون وجاهدوا فيه، وسفكوا فيه دماءهم وأرهقوا فيه نفوسهم واحتملوا فيه ما لا يحصى من ألوان الضر والضيم والأذى. وقد نحب أن نعلم لمن أعلن هذا الاستقلال؟

    ولمصلحة من؟ ولإرضاء من أعلن هذا الاستقلال؟ هل أعلن هذا الاستقلال لمصلحة الإبراشي باشا وأمثاله من الذين تظهرهم الأحداث في هذا البلد الشقي، ولأنصاره والمذعنين له من الوزراء وأشباه الوزراء؟ فإن كان هذا الاستقلال قد أعلن لمصلحة هؤلاء الناس دون الشعب المصري فليحموه وحدهم، وليحتفظوا به وحدهم وليدعوا الشعب المصري يطلب استقلاله الصحيح الذي لم يظفر به بعد. أم هل أعلن الاستقلال للشعب المصري نفسه لإرضائه ولتحقيق مصالحه، وللوصول إلى تحقيق الاتفاق بينه وبين الإنجليز؟ فإن كانت هذه ونظن، بل نؤمن، أن هذه هي الصحيحة التي ليس فيها شك، فإن الشعب المصري يفتقد استقلاله فلا يجده وإنما يجد قوماً آخرين هم الإبراشي باشا وأمثاله قد استأثروا من دونه بهذا الاستقلال، وغصبوا لأنفسهم هذه الحقوق.

    وما نظن أن المصريين قد انتهوا من السخف إلى حيث يصدقون أن استقلال الإبراشي باشا وأمثاله هو استقلال مصر، وأن بقاء الإبراشي باشا وأمثاله في مناصبهم يتجاوزون القانون وينتهكون حرمات الدستور هو المظهر الصادق للاستقلال الصحيح.

    كلا. قد ينتهي فريق من الناس إلى هذا السخف، لأن الله أراد لهم ذلك، ولكن الشعب المصري ما زال رشيداً، يفهم الاستقلال على وجهه ويريده على حقيقته. ويعلم أن حماة الاستقلال والذادة عنه، ليسوا ولا يمكن أن يكونوا من طراز الإبراشي باشا ورئيس الوزراء.

    طه حسين
    الوادي، ٢٥ أكتوبر ١٩٣٤.

  • أزمة٤

    حديث الوادي
    أزمة . . .
    لا ينكرها الآن أحد، وإنما يجمع الناس بدقة على أنها قائمة، وعلى أنها حادة، وعلى أنها قد أخذت من الحدة طورًا عنيفًا حاسمًا منذ أمس حين زار نائب المندوب السامي رئيس الوزراء مع الظهر. الناس كلهم يجمعون على هذا إلا رئيس الوزراء فيما يظهر، فهو وحده خارج على هذا الإجماع، يقول للناس إن الأمر طبيعي مألوف، وإن نائب المندوب السامي تحدث إليه في مسألة الدين العام. فلندع رئيس الوزراء يمنح الحياة ابتسامة شفتيه ويعبس لها فيما بينه وبين نفسه حتى تأتي الساعة التي لا يستطيع فيها رئيس الوزراء إلا أن يوفق بين قلبه وبين شفتيه، وأن يؤمن مع الناس جميعًا بأن الأمر ليس طبيعيًا، ولا مألوفًا، وبأن الموقف السياسي قد انتهى من الحرج إلى أقصاه.
    ولنلاحظ أن الصحف الوزارية الرسمية قد أخذها وجوم مؤلم وذهول عميق منذ اليوم، فأما الليبرتيه فقد آثرت الصمت ولجأت إليه، فلم تقل في السياسة اليوم شيئًا بعد أن كانت تقول فتطيل، وأما الشعب، فقد آثرت الصمت أيضًا، فلم تقل في السياسة شيئًا، وإن شتمت المعارضة بعض الشتم. وواضح جدًا أن ألسنة الوزارة لم تفقد نفسها وإنما عقدتها الحوادث، ولم تسكت مختارة وإنما أكرهتها الظروف على السكوت. ولكن ما عسى أن تكون حقائق هذه الأزمة التي لم يبق في وجودها وحدتها شك. الناس كلهم يصفون أن الإنجليز يطلبون إلى الوزارة أشياء، ولكنهم لا يعلمون علمًا قاطعًا واضحًا، بحقيقة هذه الأشياء، والذين يعلمون بحقيقتها لا يستطيعون أن يذكروها أو أن يذكروها في صراحة وجلاء، فهم يؤثرون الصمت كالوزراء وأشباه الوزراء، أو هم يذهبون مذهب التلميح والتعريض، فيثيرون من الريب والشكوك، أكثر مما يثيره الصمت، وأكثر مما يثيره الكلام الصريح.
    وواضح جدًا أن هذا الموقف الغريب لا يتفق بوجه من الوجوه مع ما يقال من أن هذا البلد حر مستقل يخضع للنظام الدستوري الديمقراطي، فليس من الحرية، ولا من الاستقلال، ولا من الديمقراطية، ولا من الدستور أن يستأثر أشخاص لا يكادون يتجاوزون العشرة بأمور شعب يتجاوز الأربعة عشرة من الملايين، وأن يترك هذا الشعب حائرًا يسأل فلا يجاب، ويبحث فلا ينتهي إلى شيء. وأغرب من هذا كله وأدعى إلى العجب، أن يطلب الوزراء وأنصارهم إلى هذا الشعب، أن يمنحهم المعونة والنصر ويختصهم بالحب والتأييد دون أن ينبئوه علام يريد أن يعينهم، وعلى من يريدون أن ينصرهم، وفيم يريدون أن ينصرهم؟ كأنهم يؤمنون بأن الشعب مطمئن كل الاطمئنان إلى أنهم معصومون من كل خطأ، مبرأون من كل عيب، موفقون إلى كل صواب، فطاعتهم واجبة وتأييدهم فرض، والتردد في منحهم ما يريدون من الطاعة والتأييد إثم في حق مصر، وتقصير في ذات الوطن!! . فإن كانوا يؤمنون بكل ذلك أو بعضه، فقد آن لهم أن يفيقوا وأن يتنبهوا وأن يستيقنوا أن الشعب لا يرى فيهم هذا الرأي كله، ولا بعضه، ولعله يرى فيهم عكس هذا الرأي، ولعله من أجل ذلك يأبى أشد الإباء، أن يمنحهم معونة ويختصهم بتأييد، دون أن يعلم علام يريدون منه المعونة وفيم يريدون منه التأييد؟
    إنهم يذكرون التدخل الأجنبي ويدعون المصريين إلى مقاومته، ولكنهم يعلمون أن التدخل الأجنبي قائم متغلغل في الشؤون المصرية كلها منذ نهضت وزارتهم بأعباء الحكم، يقدم عليه الإنجليز فلا يجدون من الوزارة مقاومة، وقد لا يقدمون عليه فتدعوهم الوزارة إليه دعاء، وتحرضهم عليه تحريضًا. هم يدخلون في أعمال الوزارات، فلا ينكر الوزراء عليهم ذلك، وهم قد يبطئون في العناية ببعض الأمر فتستعين بهم الوزارة على ذلك كما استعانت بهم في مسألة الدين، وفي مسألة المحاكم المختلطة.
    وإذن فما بال التدخل الأجنبي يحب ويرضى عنه، ويسكت عليه وقد يرغب فيه، حينما يمس مصالح الناس، وحياتهم، وأموال الدولة وكرامتها، فإذا مس هذا التدخل زكي الإبراشي باشا أو فلانًا غيره من الوزراء، والموظفين الذين يؤثرهم الوزراء، أصبح بغيضًا، ممقوتًا، يجب أن ينكره الشعب، ويؤيد الوزارة لأنها تنكره وتأباه.
    إن التدخل الأجنبي بغيض كله ممقوت كله، ينكره الشعب مهما يكن ويجب أن ينكره الوزراء مهما يكن، ولن يبخل الشعب بتأييده على وزارة ترى في ذلك رأيه وتذهب في ذلك مذهبه، فأما الوزارة التي تؤمن ببعض التدخل وتكفر ببعضه الآخر فلا ينبغي أن يكون لها من الشعب عون ولا تأييد.
    الشعب المصري أكرم من أن يرضى تدخل الإنجليز حتى لإنقاذه من الذين يظلمونه، ويذيقونه ألوان العذاب، ولكن الشعب المصري أكرم على نفسه من أن يرضى من الوزراء وأشباه الوزراء أن يتخذوه هزؤًا ولعبًا، وأن يسوموه الخسف، ويسلطوا عليه العذاب، ويعملوا في أجسامه السياط وفي رؤوسه العصي، ويصوبوا إلى صدره الرصاص، حتى إذا تعرض أحدهم لفقدان منصبه، قيل لهذا الشعب أسرع إلى حماية الاستقلال، فإن الاستقلال في خطر، وإلى الذود عن الحق فإن الحق يوشك أن يضيع!
    كلا. إذا كان الاستقلال في خطر فالوزارة هي التي عرضته للخطر، لأنها قبلت تدخل الإنجليز منذ ارتقى إلى مناصبها. وإذا كان الحق يوشك أن يضيع فالوزارة هي التي عرضته للضياع لأنها أطمعت فيه الإنجليز، وما كان الشعب المصري ليحب قومًا كانوا وما زالوا، يعاملونه معاملة القطعان، يستأثرون من دونه بكل شيء، ولا يمنحونه إلا الذلة والهوان.
    إذا كان الاستقلال في خطر حقًا، فيجب أن يتنحى هؤلاء السادة عن ميدان الجهاد لأنهم لا يصلحون لميدان الجهاد. وإذا كان الحق معرضًا للضياع فيجب أن يترك هؤلاء السادة موقف الدفاع عن الحق، لأنهم لا يقدرون على الدفاع عن الحق.
    إنك لا تجني من الشوك العنب، وما ينبغي للشعب المصري أن ينتظر الخير من قوم لم يلق منهم إلا شرًا. وما ينبغي للشعب المصري أن يمنح نصره قومًا لم يمنحوه إلا الخذلان، فليقم هؤلاء السادة في مكانهم حتى تجتاحهم العاصفة إن شاؤوا، وليؤثروا أنفسهم بالعافية إن أشفقوا من الروع، فإن في مصر والحمد لله قومًا آخرين يستطيعون أن يحملوا راية الجهاد مظفرة وأن يدافعوا عن الحق موفورين منصورين.
    طه حسين
    الوادي، ٢١ أكتوبر ١٩٣٤.

  • اعترافات

    حديث الوادي
    اعترافات. . .
    من زعم لك أن الرجل الطيب، هادئ النفس مطمئن القلب، فارغ البال، ينام ملء جفونه إذا كان الليل ويضحك ملء شدقيه إذا كان النهار فلا تصدقه ولا تسمع لما يقول. فرئيس الوزراء بعيد كل البعد عن هدوء النفس، ناءٍ كل النأي عن اطمئنان القلب، محروم كل الحرمان ما يحب من فراغ البال، وليست المشكلات العادية هي التي تنغص نهاره وتؤرق ليله، فالرجل قد عاش مع هذه المشكلات منذ أسندت إليه أمور الحكم، وهو قد عاش معها كما يعيش الصديق مع الصديق، عيشة كلها صفو ومودة، لا ينغصها ملل ولا سأم ولا يفسدها ضجر ولا ضيق – ولعل رئيس الوزراء لم ينتهِ إلى حل المشكلات لأنه يألف أن يعيش مع المشكلات ويرى في عشرتها المتصلة لذة ومتاعًا لا لأنه يعجز عن حل هذه المشكلات – فالرجل طيب ولكنه ذكي، والرجل طيب ولكنه قوي، ولو أنه أراد أن يحل هذه المشكلات لما أعجزه ذلك، ولكنه استبقاها حتى لا تصبح حياته كلها سهلة يسيرة ممهدة. هو إذن مشغول البال بغير هذه المشكلات العادية؛ لأن هذه المشكلات العادية لا تشغل باله، إنما هي المشكلات الطارئة التي تحدث الناس بها في أول الصيف، ثم أخذوا يلحون في الحديث بها شيئًا فشيئًا كلما تقدم الصيف، ثم امتلأ بها الجو المصري امتلاءً، منذ أقبل نائب المندوب السامي. وقد انتشرت الإشاعات واختلفت واصطدمت فيما بينها اصطدامًا عنيفًا حتى شغلت الناس عن كل شيء أثناء هذه الأسابيع الماضية، وكان رئيس الوزراء شجاعًا جلدًا وحازمًا جريئًا، فثبت لهذه الإشاعات وقاومها بالصمت العميق، ثم خرج عن المقاومة إلى المهاجمة، فتحدث وأكثر من الحديث، وتبعته الصحف الوزارية فهاجمت كما هاجم وتحدثت كما تحدث، ولجت في النفي والتكذيب كما لج الرجل الطيب نفسه في النفي والتكذيب، ولكن الإشاعات فيما يظهر لا تريد أن تخاف، ولا أن تعرف الخوف، ولا تحب أن تفر ولا أن تفكر في الفرار، وإنما تثبت لرئيس الوزراء كما يثبت لها رئيس الوزراء، وقد آثرت الإشاعات أن تسكت أيامًا لتتيح لرئيس الوزراء وأنصاره أن يفرغوا جعبتهم وأن يقولوا كل ما عندهم. ثم بدا لها فعادت إلى الحركة والنشاط، وإلى الانتشار والإلحاح فيه، وهذه المقطم التي كانت تنفي وتسرف في النفي، والتي كانت تكذب وتغلو في التكذيب، والتي كانت تتخذ الشعر ولغته وسيلة إلى النفي والتكذيب، قد عادت أمس تسجل بعض ما كانت تنفي من الإشاعات فتتحدث بأن للإنجليز رغبات قد تحدثت بها بعض نواحيهم لتبلغ جهة مصرية ما، وتتحدث بما يقال من رئاسة الديوان الملكي قد تسند إلى رئيس بعد أن ظلت خالية وقتًا طويلاً، ولم يكد الناس يقرأون المقطم ويفقهونه ويتبينون ما أراد المقطم أن يشير إليه حتى أسفر صبح اليوم، وإذا صحيفة من صحف الوزارة تصدر بالفرنسية قد كتبت فصلاً غريبًا، لم تتعود أن تكتب مثله، ولم يكن ينتظر منها أن تكتب مثله، فهي تثني على الصحافة المصرية كلها، وهي تثني على الصحافة المعارضة خاصة، وهي تثني على رؤساء التحرير في صحف المعارضة بعد أن كانت يوم الأحد الماضي، تنصح لهم بأن يحطموا أقلامهم ويشتغلوا بتجارة «المودة» وبعد أن كانت تصفهم بالجبن والخوف.
    نعم هي تثني على صحف المعارضة ومحرريها لأن هذه الصحف نسيت ما كان يملأ قلب أصحابها وأحزابها من الحقد والموجدة وأعرضت عن الخصومات الداخلية كلها، فاتفقت مع غيرها من الصحف الموالية على شيء واحد تأمر به الوطنية الصادقة وهو حماية الاستقلال، ومقاومة التدخل الأجنبي في الشؤون المصرية الخاصة. ومن المحقق أن صحف المعارضة قد استجابت اليوم كما استجابت من قبل، وكما ستستجيب دائمًا لدعوة الوطنية الصادقة، وقاومت وستقاوم دائمًا كل تدخل أجنبي في الشؤون المصرية الخاصة لأنها لم تنشأ إلا لهذا ولأنها لا تفهم الحياة إلا على هذا، ولكن قومًا آخرين تعرفهم هذه الصحيفة يحسنون جدًا وضع أصابعهم في آذانهم حين تدعوهم الوطنية الصادقة إلى حماية الاستقلال، وإنكار التدخل الأجنبي في الشؤون المصرية، والاحتجاج على التفتيش الذي قام به نائب المندوب السامي على الشرطة والمطالبة بترضية مصر والمصريين عن اعتداء الجند البريطانيين على أبناء الشعب اعتداءً كان من نتائجه الموت.
    هؤلاء الناس يتجرون بالوطنية يلوذون بها حين يرون في ظلها أملًا في البقاء، ويعرضون عنها حين يرون في ظلها تعرضًا للخطر. مهما يكن من شيء فصحيفة الوزارة هذه تسجل كما سجلت المقطم أمس أن الموقف السياسي دقيق وأن الاستقلال المصري معرض للخطر وأن الوطن في حاجة إلى اتحاد أبنائه، وإذن ففي الجو شيء، وفي الجو شيء خطير، وقد كانت نفس هذه الصحيفة منذ يوم أو يومين تنكر أن يكون في الجو شيء كما كانت صحيفة المقطم تنكر أن يكون في الجو شيء. وإذن فهل طرأ طارئ جديد؟ وهل حدث حادث لم يكن يعرفه الناس وما يزالون يجهلونه؟ وصحيفة رئيس الوزراء نفسها تسجل أن في الجو شيئًا صباح اليوم فهي تشتم المعارضة كما تعودت ولكنها تتحدث عن الساعة الرهيبة وتذكر أن الوزارة لا تستطيع أن تفرغ للمعارضة لأن عليها واجبًا جليل الخطر هو إنقاذ الوطن، إنقاذ الوطن من ماذا؟ لقد كان كل شيء هادئًا في رأي الوزارة وصحفها إلى أمس فهل حدث شيء منذ أمس؟ وماذا عسى أن يكون هذا الشيء؟ كلا لم يكن كل شيء هادئًا، وإنما كان كل شيء مضطربًا أشد الاضطراب، ولكن الوزراء وأنصار الوزراء كانوا يتكلفون المقاومة ثم أدركهم العجز عن هذه المقاومة فأخذت صحفهم تعترف ببعض الحق لن تنقضي أيام حتى تعترف هذه الصحف ويعترف الوزراء معها بالحق كله وحتى يعلم الناس علم اليقين أن هذه الإشاعات التي حدثتهم عن الأزمة لم تكذبهم وإنما صدقتهم كل الصدق، وحدثتهم بالحق الذي لا شك فيه. ولو أن الوزراء يقدرون ما يحملون أمام وطنهم من تبعات لما ترددوا في أن يظهروا مصر على ما يمكن أن تظهر عليه من أمور هذه الأزمة، ولما تركوا هذا الشعب كله في هذه الحيرة وفي هذا الاضطراب ولكنهم منحوا أنفسهم من العصمة ما لا يملكون فاستأثروا بأمور الشعب من دون الشعب وظنوا أنهم قادرون على أن ينهضوا بالأثقال وحدهم، ثم لم يلبثوا أن أحسوا العجز وتبينوا أنهم أضعف من أن ينهضوا بهذه التبعات وهاهم أولاء الآن يلتمسون عون الشعب وتأييده وما كان الشعب ليبخل بالعون والتأييد ولكن على قوم يحبهم ويحبونه، يثق بهم ويثقون به، يطمئن إليهم ويطمئنون إليه. والوزراء يعلمون حق العلم مكانهم الصحيح من حب الشعب وثقته واطمئنانه ونظنهم يعلمون حق العلم أيضًا أن الواجب الوطني يكلفهم في هذه الأيام العصيبة أن يستقيلوا وأن يدعوا مكانهم لقوم آخرين يجدون من نصر الشعب لهم وتأييده إياهم قوة تمكنهم من أن يحققوا للوطن ما يجب له من حقوق. فالشعب أكرم من أن يهن في المطالبة بما يجب له من حق، فالذين ينتظرون تأييد الشعب، يجب عليهم أن يرضوا الشعب، والذين يعتمدون على حب الشعب، يجب عليهم أن يعلموا أن الشعوب لا تحب بالإكراه وإنما تحب بالرضى. والشعب المصري لا يحب إلا الذين يعترفون له بحقه الكامل في الحرية والكرامة والعزة والاستقلال، فعلى الذين يريدون هذا الشعب على أن يؤيدهم وينصرهم، أن ينزلوا قبل كل شيء لهذا الشعب عن حريته وأن يحفظوا له كرامته وعزته، وأن يعترفوا بأن أمور الشعب يجب أن يديرها وكلاء الشعب الذين يربطهم به الرضى والحب، لا القهر والعنف.
    طه حسين
    الوادي، ١٩ أكتوبر ١٩٣٤.

  • وطنية

    حديث الوادي
    وطنية. . .
    كثر حديث الصحف الوزارية الرسمية والصحف الموالية للوزارة عنها في هذه الأيام حتى أصبح شيئاً يشبه الإلحاح فيما لا معنى للإلحاح فيه. فالوطنية المصرية بحمد الله أقوى وأظهر وأصرح من أن يحتاج المصريون إلى أن ينبهوا إليها أو يدلوا عليها أو يحثوا على الاستزادة منها. وما كنا لنحفل بهذا الحديث الكثير الذي تخوض فيه بعض صحف الوزارة عن الوطنية المصرية وما يجب لها من القوة والكرامة ومن العزة والآباء، لولا أن مما يدعو إلى الضحك حقاً ويدعو إلى الحزن حقاً أن تتخذ الوطنية تجارة ويلجأ إليها بعض الناس، حين يشتد الحرج وتزدحم الخطوب، فإذا هدأت من حولهم العواصف، واستقامت لهم الريح نسوا حديث الوطنية وزعموا أن الذين يتحدثون عنها ويدعون إليها إنما يتحدثون عن الثورة ويدعون إلى الانتفاض.
    هؤلاء أنصار الوزارة القائمة يذكرون الشعب المصري الآن بكرامته ووطنيته، وينكرون على صحف المعارضة أنها تطالب الوزارة بالاستقالة ولا تجمع كلمتها لتأييد هذه الوزارة فيما بينها وبين الإنجليز من خصومة، فقد نحب أن نعلم أين كانت هذه الصحف الوزارية وأين كان سادتها الوزراء وأين كان الرجل الطيب وزير الخارجية حين طار نائب المندوب السامي إلى القاهرة، وحين اقتحم ثكنات الشرطة وأقسامها يفتش عليها ويتحرى من أمرها ما لا تبيح الوطنية ولا يبيح الاستقلال لوزارة أن تسمح لأجنبي مهما يكون، أن يبحث عنه أو أن يعلمه أو أن يتحراه.
    في تلك الأيام القريبة التي كان المندوب السامي يفتش فيها على الشرطة في الإسكندرية والتي كان نائبه يفتش فيها على الشرطة في الإسكندرية والقاهرة كانت وطنية هؤلاء الناس نائمة تسرف في الغطيط. لا تحس شيئاً ولا تنطق حرفاً ولا تأتي حركة وكان حب هؤلاء الناس للاستقلال وحرصهم على الكرامة القومية يتنزهان في مكان بعيد، يلعبان مع النسيم وموج البحر أو يصعدان إلى القمم، وينحدران في الأودية، وكان المعارضون وحدهم هم الذين يحسون وهم الذين يشعرون، وهم الذين يألمون وينكرون وهم الذين يوقظون وطنية الوزراء وأنصار الوزراء، وينبهون حب الوزراء وأنصار الوزراء للكرامة والاستقلال ونحب أن نعلم أين كانت وطنية الوزراء وأنصارهم وأين كان حب الوزراء وأنصارهم للاستقلال وحرص الوزراء وأنصارهم على الكرامة ودفاع الوزراء وأنصارهم عن الحقوق، حين عبث الجنود البريطانيون بأموال الناس وأجسامهم ودمائهم في مدينة القاهرة في الليل حيناً، وفي النهار حيناً آخر، في الصحراء مرة وفي المدينة مرة أخرى، في هذا الوقت سكت الوزراء وأنصار الوزراء سكوتاً لم يكن من ذهب، ولم يكن من فضة، ولم يكن من نحاس. وإنما كان من معدن ليست له قيمة ولا خطر. في ذلك الوقت تحدث المعارضون ثم ألحوا في الحديث، ثار المعارضون ثم ألحوا على الوزراء يسألونهم ماذا صنعوا، وماذا يريدون أن يصنعوا؟ وأين المذكرة التي صدرت من وزارة الخارجية إلى دار المندوب السامي، وأين الرد الذي جاء من دار المندوب السامي إلى وزارة الخارجية؟ وبعد التي واللتيا، وبعد كلام طويل من المعارضة، وصمت طويل من الوزراء والأنصار، ظهر بلاغ رسمي فيه اعتراف بما أنكر المعارضون من الحوادث، وتسجيل لها، وفيه نبأ بأن السلطة العسكرية البريطانية تحقق مع الجنود الآثمين.
    فما أخبار هذا التحقيق؟ وإلى أين انتهى؟ وهل رضي الذين أصابهم الاعتداء، وكيف كان إرضاؤهم؟ وهل رضيت الوطنية المصرية التي أهينت في أرضها واحتقرت في وطنها؟ وكيف أرضيت؟ وأين اعتذار الحكومة الإنجليزية إلى الحكومة المصرية؟ وأين سعي المستر بترسون بذلك إلى الرجل الطيب عبد الفتاح يحيى باشا؟
    تستطيع أن تسأل عن هذا كله هؤلاء السادة الوزاريين الذين أصبحوا في هذه الأيام دعاة إلى الوطنية وحماة للاستقلال، وحفظة للكرامة القومية.
    تستطيع أن تسألهم وتنتظر الجواب، ولا تيأس إن طال الانتظار فالقوم مشغولون عن هذه الأحداث الجسام بحدث آخر جسيم، وهو أن وزاراتهم قد تستقيل أو تقال.
    إن الذين يفوضون إلى دار المندوب السامي حل مسألة الدين بعد أن أعلن الاستقلال، وبعد أن أنشئت في مصر وزارة للخارجية، وبعد أن بث السفراء والقناصل في أقطار الأرض، لا ينبغي لهم أن يذكروا الوطنية ولا الاستقلال. إن الذين يفوضون الإنجليز في حل مشكلة المحاكم المختلطة ولا يجرؤون على أن يواجهوها بأنفسهم ولا أن يتحدثوا فيها إلى الدول الأجنبية قبل أن يأذن لهم الإنجليز، لا ينبغي أن يذكروا الوطنية ولا الاستقلال. إن الذين يفوضون الإنجليز في معالجة الامتيازات ومشكلاتها، لا يأخذون أنفسهم بهذا ولا يسعون إليه إلا أن يظلهم تأييد الإنجليز أو يسبق إليهم إذن الإنجليز، لا ينبغي لهم أن يذكروا الوطنية ولا الاستقلال. إن الذين يؤثرون الموظفين من الإنجليز على الموظفين من المصريين، إن الذين يقصون أستاذاً من أساتذة الهندسة إلى أسيوط ويضعون مكانه أستاذاً إنجليزياً، إن الذين يقدرون على فصل أستاذ من أساتذة الحقوق المصريين ويعجزون عن إبعاد معلم من معلمي اللغات في هذه الكلية، لأنه أجنبي ولأنه أجنبي ليس غير، لا ينبغي لهم أن يذكروا الوطنية ولا الاستقلال. إن الذين يشقون على مواطنيهم ويستبيحون إذلالهم وإخضاعهم لصنوف العذاب، وأخذهم بالعنف والجور في جباية الضرائب يتقاضونها منهم في أيامها وقبل أن يحين موعدها، لا ينبغي لهم أن يذكروا الوطنية ولا الاستقلال. إنما الذين يستطيعون أن يذكروا الوطنية والاستقلال وهم صادقون، وأن يملأوا بها أفواههم وهم جادون لا هازلون، هم هؤلاء الذين لا يقبلون من الأجانب ضيماً، ولا يرضون من الإنجليز تدخلاً في شؤون الشرطة ولا في شؤون الري، ولا يؤثرون الأجنبي على المصري، ولا يخافون الأجنبي دون المصري، ولا يستبيحون لأنفسهم تعذيب مواطنيهم وإظهارهم للإنجليز في مظهر الضعفاء الأذلاء، ولا يفوضون الإنجليز في حل المشكلات، والكرامة تفرض عليهم والحق يفرض عليهم والاستقلال يفرض عليهم أن يحلوا مشكلاتهم بأنفسهم.
    هؤلاء هم الذين يستطيعون أن يذكروا الوطنية، وأن يدعوا إليها وأن يذكروا الاستقلال ويذودوا عنه وأن يقولوا فيصدقهم الشعب، وأن يدعوا فيستجيب لهم الشعب، وأن يعملوا فيحسب الإنجليز حساباً لما يعملون. ويستطيع الوزاريون أن يلتمسوا هؤلاء الدعاة الصادقين إلى الوطنية والحماة الصادقين للاستقلال في غير دواوين الوزارة، وهم لا يختلفون الآن إلى المكاتب والدواوين.
    . طه حسين
    الوادي، ١٩٣٤/١٠/١٨ .

  • هتاف

    حديث الوادي
    هتاف . . .
    وكنا نريد أن نتخذ الصبريات عنواناً لهذا الفصل فهو متصل بصبري بك وزير المالية، وبصبريته التي دعا إليها المندوب السامي يوم الأربعاء . ولكن الأمر لا يحتمل الفكاهة، ولا يبيح المزاح . وهل الصبريات إلا عنوان الفكاهة والمزاح ؟ الأمر أشد خطراً، وأبعد أثراً من كل ما أخذ به وزير المالية، منذ تولى الحكم إلى الآن، لأنه لا يمس منفعة من المنافع التي قد يختلف فيها الرأي، ويتعرض الناس في تقديرها وتدبيرها للخطأ وللصواب . وإنما يمس الضمير المصري كله، ويمس الكرامة المصرية كلها، ويمس الشعور الذي يجب أن ينبث في كل قلب مصري بأن هذا البلد كريم على نفسه، فيجب أن يكون كريماً على الناس، وبأن هذا البلد مخاصم للإنجليز حتى يتم الاتفاق بينهم وبينه، على ما يفسد أموره من خلاف .
    نعم، الأمر أجل خطراً وأبعد أثراً، من قصة الدين العام، ومن قصة الدين العقاري، ومن قصة الاستبدالات ومن قصص النقل والعزل، والإيثار والمحاباة، لأن هذه القصص كلها تمس المنافع العامة التي يختلف فيها الرأي كما ألممنا بها، والتي مهما تعظم الخسارة فيها، فهي خسارة موقوتة محددة يمكن أن تحتمل، ولو على مضض، ويمكن أن تعالج ولو في مشقة وجهد وعناء . ولأنه أمر الاستقلال المصري كله، وأمر العزة المصرية كلها، وأمر هذا الجهاد الوطني الذي احتمل المصريون أثقاله، وشقوا بآلامه، وضحوا فيه بالأنفس والأموال منذ أكثر من نصف قرن .
    شهوة من الشهوات ثارت في نفس وزير من الوزراء، أو ثارت في نفس ممثل أجنبي لدولة أجنبية، فأراد الوزير أن يدعو المندوب السامي إلى أن يزور قريته، أو أراد المندوب السامي أن يدعوه الوزير لزيارة هذه القرية . فما ينبغي أن تكون هذه الشهوة الفردية وسيلة إلى تحميل مصر ما لا ينبغي أن تحتمل، وتكليف الشعب ما لا ينبغي أن يتكلف، وإغراء الشعب بما لا ينبغي أن يغرى به، ودفع الشعب إلى ما لا ينبغي أن يدفع إليه .
    ما هذه الجموع التي حشدت للمندوب السامي تستقبله منذ هبطت طيارته إلى الأرض متى وصل إلى دار الوزير هاتفة مصفقة، مظهرة الإعجاب والإكبار وتردده منذ خرج من دار الوزير إلى أن وصل إلى طيارته، هاتفة مصفقة مظهرة الإعجاب والإكبار . فيم هذا كله ؟ ولم هذا كله ؟ ولمن هذا كله ؟
    أيكفي أن يشتهي الوزير أن يزوره المندوب السامي، أو أن يشتهي المندوب السامي زيارة الوزير، ليحشد المصريون ويهتفوا ويصفقوا، ويظهروا لممثل الدولة البريطانية التي تظلمهم أنهم راضون عن ظلمها، والتي تعتدي على استقلالهم أنهم مغتبطون بعدوانها، والتي تحملهم على شر ما تحمل عليه الأمم من الحياة أنهم راضون عن سيرتها فيهم ؟ أيكفي أن يشتهي الوزير أن يشرفه المندوب السامي بزيارته ليحشد المصريون فيظهروا ما لا يشرفهم، ولا يشرف الوزير، ولا يشرف مصرياً مهما تكن منزلته، ومهما يكن مقامه بين المصريين ؟ إحدى اثنتين، إما أن تكون أنباء هذا الهتاف والتصفيق، وأخبار هذه التحيات وهذا الإعجاب صادقة وإذن فهي خزي للذين اقترفوها، وإذن فهي إثم على الذين أغروا بها، ودفعوا إليها، ورغبوا فيها، وإذن فهي استهانة بكرامة الشعب وتفريط في حق الشعب، وتعويد للشعب أن يكون ذليلاً مهيناً . وإما أن تكون هذه الأنباء كاذبة لا أصل لها، مختلقة لا تصور الحق وإذن فالسكوت عليها إثم، والصمت عن إذاعتها جناية على كرامة مصر، ولمتهان لعزة المصريين . ومن حق الذين لم يأثموا بتكريم المندوب السامي ولا بالصمت عن هذا التكريم أن يعرفوا كيف وقع هذا الإثم، وأن يتبينوا وجه الحق فيه . من حق المصريين جميعاً على وزير المالية، وعلى مدير الغربية أن يعرفوا هل اجتمع المصريون كما نشرت المقطم أول أمس فحيوا المندوب السامي وودعوه بالهتاف والتصفيق، وبإظهار الإعجاب والإكبار . أم هل اخترعت هذه الأنباء اختراعاً، واختلقت اختلاقاً ؟ فإن تكن الأولى فمن الحق على وزير المالية أن يألم فيما بينه وبين نفسه، وأن يندم على هذه الفرصة التي هيأها لأنها ليست من الفرص التي تشرف مهيئيها وتملأ نفوسهم وقلوبهم عجباً وتيهاً . وإن تكن الثانية فمن الحق على الوزارة أن تكذب هذه الأنباء، وأن تسأل الذين أذاعوها من أين استقوها وكيف أباحوا لأنفسهم إذاعتها، دون أن يستوثقوا بأنباء الحق الذي لا شك فيه .
    لقد ضج المصريون من زيارات اللورد لويد للأقاليم وثارت لذلك ثائرة البرلمان، فماذا نرى الآن، نرى الوزراء يهيئون لزيارات المندوب السامي للأقاليم ويخلقون الفرص التي تصل بينه وبين المصريين، والتي تشعره بأن المصريين يكبرونه، ويعجبون به، وينتظرون منه الخير . هذا كثير على بلد يطالب بالاستقلال، ويعتقد وزراؤه أنهم مستقلون .
    ما أجدر المصريين أن يفكروا، وأن يسألوا ضمائرهم، فقد يظهر أن هذه الضمائر في حاجة إلى أن يلح عليها في السؤال . إذا أراد رئيس الوفد أو عضو من أعضاء الوفد أن يزور مدينة أو قرية، أو يطوف في إقليم من الأقاليم حيل بينه وبين ذلك بالشرطة والجند، والقوة المسلحة، وفتح الجسور، وحفر الخنادق وإقامة العوائق . وإذا أراد المندوب السامي أن يزور قرية من القرى في إقليم من الأقاليم مهدت لطيارته الأرض تمهيداً، بأموال الدولة وعلى حساب الخزانة العامة، وبأيدي أبناء الشعب، ثم جمع له المصريون يستقبلونه ويودعونه بالهتاف والتصفيق .
    كأن رئيس الوفد وأعضاء الوفد هم خصوم مصر والغاصبون للاستقلال فلا ينبغي أن يراهم الشعب، ولا أن تتصل أسبابهم بأسبابه، وكأنما المندوب السامي هو منقذ مصر من كل شر، وحاميها من كل عدوان، والذي حفظ عليها استقلالها، ورد إليها كرامتها، وقال لأبنائها كونوا أعزاء فأصبحوا أعزاء !
    يا لسخرية القضاء ويا لعبث الأيام ! والوزراء المصريون هم الذين يهيئون لذلك، ويخلقون له الفرص ! إن المجاملة لأهون من هذا كله، إن السلطان لأهون من هذا كله، إن حياة الأفراد ومنافعهم لأهون من هذا كله . كيف لا يفكر الوزراء في هذا ولا يسألون عنه ضمائرهم ؟
    يا لسخرية القضاء، ويا لعبث الأيام ! إن الناس يتحدثون بأن وزراء آخرين قد يهيئون لمثل ما هيأ له وزير المالية فيزورهم المندوب السامي في أقاليمهم، ويومئذ تمهد الأرض لطيارته تمهيداً بأموال الدولة، وعلى حساب الخزانة العامة، وبأيدي أبناء الشعب الذي سفك دمه في المطالبة بالاستقلال، حتى إذا هبط المندوب السامي ممثل الدولة الغاصبة للاستقلال، استقبله مصريون بالهتاف والتصفيق، وودعه مصريون بالهتاف والتصفيق .
    وتحدث الناس بعد بأن الوزير سعيد يبسم له المستقبل، ويضحك له الأمل، أليس قد زاره المندوب السامي البريطاني ؟ يا لسخرية القضاء، ويا لعبث الأيام ! أهانت كرامة مصر وحقوقها إلى هذا الحد على المصريين ؟ . . .
    طه حسين
    الوادي، ٢١ يوليه ١٩٣٤ .