حديث الوادي
في الاستقلال…
نريد أن نتحدث عن هذا الاستقلال الذي يقف رئيس وزرائنا الرجل الطيب موقف الأبطال للذود عنه، وحمايته من تدخل الإنجليز، فهو استقلال طريف في حقيقة الأمر لا يستحق عناية ولا يجدر برجل عاقل يكرم نفسه عن السخف ويرفعها عن عبث الأطفال، أن يحفل به أو يفكر فيه. بل هو استقلال خير منه الخضوع، لأنه يقوم على الغرور أو على التغرير، ولا يقوم على الحق الواضح الجلي الذي لا يختلف فيه الناس، ولا يحتاجون إلى أن يختلفوا فيه، فالاستقلال الذي يحميه رئيس الوزراء أو يتكلف حمايته لا يبلغ حتى أن يكون شكلاً من الأشكال أو صورة من الصور أو مظهراً من المظاهر الكاذبة. وإنما هو كلام يرسل في الهواء إرسالاً ولا يستطيع أذكى الناس ولا أغباهم ولا أشدهم فطنة، ولا أعظمهم حظاً من السذاجة أن يفهم له معنى أو يستدل به على شيء. هو استقلال يبيح للوزراء أثناء الطمأنينة والهدوء أن يدخلوا الإنجليز في كل شيء، ويتقربوا إليهم من كل طريق. يبيح لهم أن يعملوا عصي الشرطة الإنجليزية وسياطها في رؤوس المصريين وأبدانهم، يبيح لهم أن يقصوا المصريين عن المناصب ليضعوا فيها الإنجليز، يبيح لهم أن يوزعوا كتباً في اللغة الإنجليزية على الطلاب والتلاميذ توزيعاً قهرياً أثناء الصيف، يبيح لهم ألا يصدروا في أمر من الأمور السياسية الخارجية إلا عن رأي الإنجليز ومشورتهم بل عن أمر الإنجليز وإرادتهم. يبيح لهم أن يقبلوا من الإنجليز مذكرات بأمر الري وفي غير الري من المسائل الداخلية الخالصة، يبيح لهم أن يتقربوا إلى المندوب السامي، بإقامة الولائم له، في داخل البلاد وفي البيئات القروية الخالصة، وأن يحشدوا له المصريين ليتلقوه بالهتاف والتصفيق إذا هبط من سيارته وليودعوه بالهتاف والتصفيق إذا صعد إليها، يبيح لهم أن يرفعوا كلمة الإنجليز، على كل كلمة إذا حسنت الصلة بينهم وبين الإنجليز وألا يحفلوا بما يقول المصريون أو بما يفعلون بل أن لا يسمحوا للمصريين بأن يقولوا أو يفعلوا، فإذا كان الحرج بينهم وبين الإنجليز لسبب من الأسباب دفعهم إليه ضعف الرأي، وسوء التدبير والعجز عن مواجهة الخطوب والعجز عن فهم الاستقلال كما ينبغي أن يفهم، في هذه الحال يصيحون بأن الاستقلال في خطر، ويدعون الشعب إلى حمايته والذود عنه والقيام دونه أن يعتدى عليه الإنجليز.
يطلبون إلى الإنجليز – فيما تؤكد دوائر لندن – أن يشيروا عليهم في أمر الوصاية والأوصياء، وما ينبغي للإنجليز أن يستشاروا، ثم لا يشيروا. فإذا أشار عليهم الإنجليز أنكروا هذه المشورة التي طلبوها وشكوا من التدخل الذي دعوا إليه، وأحدثوا أزمة عنيفة لا يقدرون عواقبها، لأنهم لا يحسنون تقدير العواقب، لشيء من الأشياء. هذا هو الاستقلال الذي يحميه رئيس الوزراء أو يتكلف حمايته، هو استقلال شر منه الخضوع، لأنه يقوم كما قلنا على الغرور والتغرير وعلى السخف الذي لا يسيغه الأطفال، فإذا نظرت إلى هذا الاستقلال من ناحيته الداخلية الخالصة، من ناحية الصلة بين الوزارة والمصريين فهو استقلال كله شر، وكله تجاوز للقانون، وكله إفساد لمعنى الاستقلال الصحيح. هو استقلال يقوم على أخذ الناس بالعنف، والبطش في غير حق، وعلى التفريق بينهم في جباية الضرائب: تخفيف على الأنصار والأعوان، وتشديد بل إرهاق للخصوم والمقاومين. وهو تبذير في هذه الأموال التي تجمع بالعصي، وتجبى بالسوط وتؤخذ من الناس في غير أوقاتها، تبذير في هذه الأموال باليمين والشمال، تبذير في مصر وتبذير في أوروبا، تبذير فيما ينفع ويمكن تأجيله، وفيما لا نفع فيه، بل فيه الضرر المحقق، عبث بالمال، كما يعبث الأطفال بما أمامهم من الرمل حين يلعبون على ساحل البحر. فإذا أنكر الناس عليهم ذلك أو هموا بإنكاره فالسؤال والتحقيق والإرهاق والمضايقات التي لا تحصى والإعنات الذي لا يحد، والاجتراء حتى على مكانة القضاء. وما ينبغي له من التقديس والإقدام على غير ذلك مما لا نحاول إحصاءه لأننا لا نستطيع إحصاءهم، ومما تضيق به كل نفس، ويدمي له كل قلب، وينطلق به كل لسان.
الاستقلال الذي يحميه رئيس الوزراء أو يتكلف حمايته يمكن أن يختصر في جملتين اثنتين: خضوع للإنجليز، ما حسنت الصلة بين الوزارة وبين الإنجليز وإذلال الشعب المصري. ما استطاعت الوزارة إذلال الشعب المصري. تستطيع أن تبحث وأن تستقصي فلن تستطيع أن تخرج باستقلال رئيس الوزراء عن هاتين الصورتين البشعتين، صورة الخضوع للقوي والإذلال للضعيف. فقد نحب أن نعلم هل هذا هو الاستقلال الذي طلبه المصريون وجاهدوا فيه، وسفكوا فيه دماءهم وأرهقوا فيه نفوسهم واحتملوا فيه ما لا يحصى من ألوان الضر والضيم والأذى. وقد نحب أن نعلم لمن أعلن هذا الاستقلال؟
ولمصلحة من؟ ولإرضاء من أعلن هذا الاستقلال؟ هل أعلن هذا الاستقلال لمصلحة الإبراشي باشا وأمثاله من الذين تظهرهم الأحداث في هذا البلد الشقي، ولأنصاره والمذعنين له من الوزراء وأشباه الوزراء؟ فإن كان هذا الاستقلال قد أعلن لمصلحة هؤلاء الناس دون الشعب المصري فليحموه وحدهم، وليحتفظوا به وحدهم وليدعوا الشعب المصري يطلب استقلاله الصحيح الذي لم يظفر به بعد. أم هل أعلن الاستقلال للشعب المصري نفسه لإرضائه ولتحقيق مصالحه، وللوصول إلى تحقيق الاتفاق بينه وبين الإنجليز؟ فإن كانت هذه ونظن، بل نؤمن، أن هذه هي الصحيحة التي ليس فيها شك، فإن الشعب المصري يفتقد استقلاله فلا يجده وإنما يجد قوماً آخرين هم الإبراشي باشا وأمثاله قد استأثروا من دونه بهذا الاستقلال، وغصبوا لأنفسهم هذه الحقوق.
وما نظن أن المصريين قد انتهوا من السخف إلى حيث يصدقون أن استقلال الإبراشي باشا وأمثاله هو استقلال مصر، وأن بقاء الإبراشي باشا وأمثاله في مناصبهم يتجاوزون القانون وينتهكون حرمات الدستور هو المظهر الصادق للاستقلال الصحيح.
كلا. قد ينتهي فريق من الناس إلى هذا السخف، لأن الله أراد لهم ذلك، ولكن الشعب المصري ما زال رشيداً، يفهم الاستقلال على وجهه ويريده على حقيقته. ويعلم أن حماة الاستقلال والذادة عنه، ليسوا ولا يمكن أن يكونوا من طراز الإبراشي باشا ورئيس الوزراء.
طه حسين
الوادي، ٢٥ أكتوبر ١٩٣٤.
في الاستقلال
Share:
Leave a Reply