Tag: hypocrisy

  • الحرية … والسلام

    الحرية … والسلام
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ٢٣ مارس ١٩٥٥

    لا ينبغي للإنسان أن يخاف أخاه الإنسان؛ وإنما ينبغي أن يخاف الله وحده. هذا تصوير رائع للحرية الفردية والاجتماعية التي ينبغي أن يستمتع بها الإنسان.

    نقلته إلينا الصحف صباح اليوم كما نقلته إلينا الإذاعة أيضًا عن وزير الخارجية الأمريكية. ولست أشكُّ في أن هذا هو المثل الأعلى للحرية كما يتمنَّاها الناس جميعًا، يتبيَّنه المثقَّفون في وضوح وجلاء، ويُحسُّه أوساط الناس ويطمحون إليه في قوة لا يعرف الفتور إليها سبيلًا. وإن كان إحساسهم هذا لا يخلو من غموض، يتفاوت بتفاوت حظوظ الناس من العلم بحقائق الأشياء، ومن العلم الواضح بحقائق ما يريدون، وأي شيء أحب إلى الإنسان من أن يشعر شعورًا قويًّا جليًّا بأنه يستطيع أن يأتي من الأمر ما يشاء، ويدع منه ما يشاء، لا رقيب عليه فيما يأتي وما يدع إلا هذا الضمير الحي الذي يعلم أن الله يراقب سره وجهره، ويعلم من أمره أكثر مما يعلم من أمر نفسه. فهو يُقدم على ما يُقدم عليه ويُحجم عمَّا يُحجم عنه، مطمئنًّا آمنًا راضيًا لا يخشى أن يعوقه عما يريد إلا ما ينبغي أن يعوق الرجل الكريم مما يلائم الحق والعدل، وما ينبغي للناس من هذه الحياة الصافية النقية التي تقوم على الحب والوفاق والمساواة، وتَبْرَأُ من البغي والإثم والعدوان.

    إلى هذا المثل الأعلى يطمح الفرد كلما خلا إلى نفسه، وإليه تطمح الشعوب حين تريد أن تُقدم على أمر من أمورها، ترى فيه الخير لنفسها ولا ترى فيه الشر لشعب غيرها.

    وما أجمل الديمقراطية وما أجدرها بأن تُحب وبأن تُبذل النفوس والأموال والجهود لصيانتها ونشرها في الأرض، إن كانت تريد حقًّا أن تبلغ بالناس هذا المثل الأعلى. وليس غريبًا أن يكون وزير الخارجية الأمريكية مستعدًّا للتضحية بالسلم على حب الناس له وحرصهم عليه في سبيل هذه الديمقراطية التي تريد أن تؤمِّن الناس من الناس، وأن تكفل لهم هذه الحرية الرائعة التي لا يخاف في ظلها أخاه الإنسان؛ وإنما يخاف في ظلها الله وحده لا يشرك به أحدًا ولا يشرك به شيئًا. ولكن السؤال الذي يعرض لكل مثقَّف حر حين يقرأ أو يسمع هذا الكلام الرائع الذي تحدَّث به وزير الخارجية الأمريكية، هو: أين تحققت هذه الحرية للأفراد والشعوب؟ وفي أي قطر من أقطار الأرض يمكن أن يجدها الناس؟

    في الحق إن هذا العالم الذي نعيش فيه الآن، والذي يأخذه الخوف من جميع أقطاره، والذي يعيش الناس فيه قلقين وجلين، لا يجد الأمن إلى نفوسهم سبيلًا؛ قد عرف هذه الحرية أو ذاق طعمها في يوم من الأيام.

    إن الحق الذي ليس فيه شك، هو أن الإنسان لم يخَفِ الإنسانَ في يوم من الأيام كما يخاف بعض الناس من بعض في هذه الأيام. أحق أن الأمريكيين أنفسهم على اختلاف طبقاتهم وتباين أصولهم آمنون لا يخاف بعضهم بعضًا، ولا يخافون شعبًا غيرهم من الشعوب، وأنهم قد أمَّنوا أصدقاءهم كما أمَّنوا أنفسهم؛ فأصبح العالم الذي يسمونه العالم الحرَّ مطمئنًّا راضيًا يحيا بالأمل ويطمح إلى الخير، ويطمح في الرقي ويسعى إليه في رضًا وغبطة وابتهاج، وهو من أجل ذلك حريص على هذه الحياة الراضية لا ينقصها عليه قلق أو خوف.

    كم كنت أتمنى أن يكون هذا حقًّا أو أن يكون بعضه حقًّا، وأن يكون العالم الحر نفسه قد أَمِنت شعوبه وأصبحت لا تخاف إلا العالم الآخر الذي تتهيأ أمريكا لحربه كما يتهيأ هو لحربها. ولكني أقرأ مصبِحًا وممسيًا وأسمع مصبحًا وممسيًا، ما دام العالم الجديد قد أتاح لنا أن نعرف الأخبار دون أن نبذل في سبيل العلم بها أيسر الجهد — أقرأ وأسمع أن شعوب هذا العالم الحر ليست من الأمن والاطمئنان ولا من الدعة والسعة بحيث يحب لها وزير الخارجية الأمريكية أن تكون، وأقرأ وأسمع أن في العالم الحر أممًا تستعبد أممًا أخرى وتبسط عليها سلطان الخوف والذل والجوع والحرمان، وتفرض عليها ألا تخاف الله وحده؛ وإنما تخاف الإنسان قبل أن تخاف الله.

    ما حال الطوارئ هذه التي قرَّر مجلس الوزراء في فرنسا إعلانها في الجزائر، لا لشيء إلا لأن أهل الجزائر يريدون أن يكونوا أحرارًا في وطنهم كما أن الفرنسيين أحرار في وطنهم، يخافون الله وحده ولا يخافون الفرنسيين الذين ينبغي أن يكونوا لهم إخوانًا لا سادة؟ ولست أعلم أن أهل الجزائر قد خرجوا من إنسانيتهم منذ ألمَّ الفرنسيون بأرضهم، ولست أعلم كذلك أن الجزائر من هذا العالم الذي أصبح خطرًا يملأ الأرض خوفًا، وإنما أعرف أن الجزائر جزء من هذا العالم الحر له من الحق في الحرية والأمن مثل ما لغيره من البلاد الديمقراطية.

    فلماذا يُعاقَب أهل هذه البلاد على طموحهم إلى هذا المثل الأعلى بالخوف المقيم، والقلق المتصل، وبحال الطوارئ هذه التي تبيح للجيش الفرنسي وللشرطة الفرنسية أن يعتقلاهم ويَصُبَّا عليهم من ألوان النكال ما يشاءان دون أن يكون عليهما حسيب أو رقيب؟!

    أتكون هذه هي الحرية التي يريد وزير الخارجية الأمريكية أن يضحي في سبيلها بالسلام كما تحدث بذلك في ذلك الكلام الرائع الجميل الذي نقلته إلينا الصحف والإذاعة صباح اليوم؟!

    وليست فرنسا وحدها هي التي تخيف الإنسان من الإنسان، وتنشر القلق والروع في بلاد من حقها أن تأمن وتطمئن، ومن حق أهلها أن يكونوا أحرارًا لا يخافون إلا الله وحده لا يشركون به أحدًا ولا يشركون به شيئًا. ولكننا نقرأ أنباء البطش والعدوان في أقطار أخرى من العالم الحر؛ لأن الأقوياء في هذا العالم نفسه يؤمنون بالحرية لأنفسهم ولا يؤمنون بها لغيرهم من الناس. وما أحسب أن وزير الخارجية الأمريكية يجهل مواطن الخوف والقلق في هذا العالم الحر، وما أحسب أنه يجهل أن بين سمع العالم الحر وبصره مليونًا من الناس قد أُخرِجوا من وطنهم بغير الحق، واضطروا إلى حياة الخوف والجوع، وفُرض عليهم أن يعيشوا غرباء بائسين يستمدُّون حياتهم من الصدقة والإحسان.

    أفتكون هذه الحرية هي التي تستحق أن يضحي وزير الخارجية الأمريكية وحلفاؤه بالسلام في سبيلها؟

    أليس خيرًا من ذلك أن يكفل وزير الخارجية الأمريكية وحلفاؤه هذه الحرية الصحيحة الكاملة الآمنة للعالم الحر نفسه، حتى إذا استيقنوا أن ليس في العالم الحر شعب خائف ولا قلق ولا مُعرَّض للبؤس والضر، أحاطوا هذه الحرية وصانوها وحرصوا على أن يذودوا عنها وأن يضحوا في سبيلها بالسلام، إذا لم يكن بد من التضحية بالسلام؟!

    ليت شعري متى يُتاح للناس ألَّا يخدعوا أنفسهم ولا يخدعوا غيرهم بهذه الألفاظ الجوفاء التي تدوي في الفضاء وتملأ الآذان، فإذا التمست ما وراءها لم تجد شيئًا، وإنما ذكرت المثل العربي القديم: جوع وأحاديث …؟!

  • سراب

    سراب
    بقلم الدكتور طه حسين
    لم أؤمن قط بهيئة الأمم المتحدة التي أنشئت في أعقاب الحرب العالمية الثانية وأحيطت بألوان لا تحصى من إعلان الأقوياء وأوهام الضعفاء، وآمال الذين يحبون المثل العليا ويتمنون أن يتحقق العدل في الأرض ويشيع بين الناس فيأمن الخائف، ويطمئن القلق، وتستقر القلوب بين الجوانح.
    لم أؤمن قط بهذه الهيئة لأن هيئة أخرى شبيهة لها قامت في أعقاب الحرب العالمية الأولى فلم تكف معتديًا ولم تقمع باغيًا، ولم تقر أمنًا ولم تشع عدلًا ولم تزد على أن أنفقت مالًا كثيرًا وملأت الأرض كلامًا وأوهامًا، وأغرت الضعفاء بأن يطمئنوا إلى ضعفهم والأقوياء بأن يتزيدوا من قوتهم.
    ومن قبل إنشاء تلك الهيئة الأولى أعلن الرئيس ولسن مبادئه تلك الخطيرة لتكون أساسًا للسلم، فلم تمض شهور وأسابيع على إعلان تلك المبادئ التي ابتهجت لها الشعوب الضعيفة وابتسمت لها الدول القوية حتى كان الرئيس ولسن نفسه أشد الناس إسراعًا إلى الاعتراف بالحماية البريطانية على مصر.
    ومن قبل إنشاء هذه الهيئة الثانية أذيع ميثاق الأطلنطي فابتهجت له الشعوب الضعيفة وابتسمت له الدول القوية وكان رئيس الوزارة البريطانية القائمة أسرع الناس إلى إمضائه. كما كان أسرع الناس إلى نقضه ونكث ما أعطى على نفسه من عهد حين فعل فعلته تلك في بلاد اليونان التي كانت حليفته في الحرب، والتي اصطلت النار الألمانية، ثم لم تلبث أن اصطلت النار الإنجليزية أيضًا.
    لم أؤمن بشيء من هذا كله لأن حياة الناس قد علمتنا أن وعود الأقوياء صائرة إلى الإخلاف وأن أقوالهم إن وصفت بشيء فإنما توصف بالتمويه وبأنها ذات وجهين في أحدهما الرحمة وفي الآخر صنوف العذاب. وهم يبرعون في بذل الوعود كما يبرعون في إخلافها ويمتازون في إعطاء العهود كما يمتازون في نقضها، تغرهم القوة حتى يصبحوا أضعف من أشد الناس ضعفًا، وأهون من أعظم الناس هوانًا.
    كذلك تملق الإنجليز الشعوب الضعيفة إلى أقصى غايات التملق حين احتاجوا إليها أثناء الحرب، فلما أتيح لهم النصر تنمروا وتنكروا وأسرفوا في البغي والطغيان وسئل رئيس الوزارة البريطانية ونستون تشرشل في مجلس العموم أثناء بطشه باليونان عن تلك المثل العليا التي أعلنها في ميثاق الأطلنطي فقال: تلك أشياء نتمناها، وندعو إليها، ولكن الطريق إلى تحقيقها طويلة شديدة الطول.
    وما كرهت شيئًا كما كرهت إسراع مصر إلى الاشتراك في هيئة الأمم المتحدة هذه وتوقيع ميثاقها قبل أن تظفر بحقوقها كاملة من الإنجليز وما شككت في شيء قط كما شككت في مجلس الأمن هذا الذي لا يؤمن أحدًا ولا يرد إلى أحد حقًا ولا ينصف مظلومًا من ظالم ولا يصد معتديًا عن عدوان والذي سميته غير مرة مجلس الخوف. ذلك أن القوة لا ترهب إلا القوة وأن البأس لا يخاف إلا البأس وأن الحديد لا يفله إلا الحديد. ولم نر قط قويًا أعطى الحق لأنه آمن بالحق ولا أقر العدل لأنه آمن بأن العدل يجب أن يملأ الأرض. وإنما الأقوياء بين اثنتين دائمًا، فهم يبطشون إن أتيح لهم البطش ويمكرون إن لم يجدوا إلى البطش سبيلًا.
    وهذه هيئة الأمم قائمة تجتمع في كل عام مرة أو مرتين وتكلف الدول ما تكلفها من الجهد والمال. وهذا مجلس الأمن يجتمع في كل شهر ويكلف الدول ما يكلفها من المشقة ويحملها ما يحملها من العناء ولم نر خائفًا آمن ولا باغيًا كف عن بغيه، ولا مظلومًا أتيح له الإنصاف، ولا ظالمًا آثر العدل والقصد.
    وإنما تجري أمور الاستعمار في ظلهما كما تعودت أن تجري لم يتغير منها شيء. شعوب تستذل وتستغل في غير رفق ولا لين وفي غير مقاومة منها أو امتناع لا تقاوم ولا تمتنع لأنها لم تجد بعد سبيلًا إلى شيء من ذلك، ولا يخطر للمستذلين المستغلين أن يرفقوا بها أو يرحموها لأنهم لا يخافون بأسها ولا يخشون منها مكروهًا. وشعوب أخرى تكافح وتنافح وتدعو فلا تجاب، وتقول فلا يسمع لها سامع من هيئة الأمم ولا من مجلس الأمن فتضطر إلى أن تكظم غيظها وتضبط نفسها وتمضي في جهادها صابرة مصابرة حتى يحكم الله بينها وبين الظالمين، والله خير الحاكمين.
    وأروع من هذا كله وأبرع أن ترفع أمور الشعوب المظلومة إلى هيئة الأمم أو مجلس الأمن فيقال فيها الكلام الكثير، وتبذل في الدفاع عنها الجهود التي لا تحصى، وتوضع أيدي هيئة الأمم ومجلس الأمن على مظالم الاستعمار وجرائمه في مراكش وتونس وفلسطين وما شاء الله من أقطار الأرض التي يقع فيها الظلم المنكر في كل لحظة من لحظات الليل والنهار. ويهتم العالم لهذا الكلام الذي يقال، والجهود التي تبذل، وينتظر العالم هذا القرار الذي ستصدره الهيئة أو المجلس، والذي ينصف المظلوم ويردع الظالم ويفتح للناس أبواب الأمل في حياة راضية آمنة.
    ثم يتمخض الجبل فلا يلد حتى الفأر وإنما يلد هواء إن صح أن يولد الهواء. هذه الدماء التي تسفك وهذه النفوس التي تزهق وهذه الحقوق التي تهدر، وهذه الحرمات التي تنتهك، وهذه الشعوب التي تصبح وتمسي في شقاء وعناء وبؤس وضنك وحرمان. كل ذلك لا خطر له ولا ينبغي أن يكون له خطر. وإنما الشيء الوحيد الذي يجب أن يكون له الخطر كل الخطر وأن تحرص عليه هيئة الأمم المتحدة أشد الحرص، وتضحي في سبيله بالحق والعدل وبالنفوس والدماء، وبآمال الشعوب ومثلها العليا هو أن يظل اتفاق الدول المستعمرة قائمًا لا يصل إليه الوهن ولا يجد الخلاف إليه سبيلًا.
    فلتبطش فرنسا إذن بمن تريد أن تبطش بهم من الشعوب ولتطغى بريطانيا العظمى على من تريد أن تطغى عليهم من الناس، فليس المهم أن يصد هذا البطش أو يرد هذا الطغيان أو تمحى آثارهما، وإنما المهم أن تظل الدولتان على شيء من الاتفاق تطلق يد كل منهما فيما تريد، وفيمن تريد أن تسند إحداهما الأخرى وتسندهما جميعًا الولايات المتحدة الأمريكية ما دام هذا الاتفاق على الإثم والعدوان قد يمكن من مقاومة تلك الكتلة الأخرى من الدول التي لا توافقها في المذهب ولا في الرأي، ولا في تدبير شؤون المال.
    الأمر كله يدور على المنفعة وعلى منفعة الأقوياء دون الضعفاء، ومنفعة الأقوياء في أن يقاوموا عدوهم الأكبر، فأما أعداؤهم الصغار، فما ينبغي أن يقام لهم وزن أو يلقى إليهم بال.
    كذلك يفكر المستعمرون، وكذلك يسيرون تهمهم أنفسهم ومنافعهم قبل كل شيء، وبعد كل شيء ولا عليهم أن يضحي بمنافع غيرهم ونفوسهم ودمائهم ما دامت منافعهم هم مكفولة محققة.
    ولكن الغريب أن هذه المنافع ليست مكفولة وقد لا يستقيم تحقيقها كما يريدون. فمنافعهم نفسها قد يعارض بعضها بعضًا، وقد يصدم بعضها بعضًا، وقد يجب أن يضحي ببعضها في سبيل بعضها الآخر. فقد ينبغي أن تقر فرنسا نظام الجيش الأوروبي وإن كرهه الشعب الفرنسي وقد ينبغي أن تمضي فرنسا فيما مضت فيه من سفك دماء الفرنسيين على أرض الهند الصينية في غير طائل وإن ضج شعبها من هذه الحرب التي لا تعرف لها غاية.
    وقد ينبغي أن تضحي بريطانيا العظمى بشيء من تجارتها في الشرق الأقصى وفي شرق أوروبا ليكون حصار الشيوعية مجديًا. وليس بد من أن تدفع هاتان الدولتان ثمنًا لسكوت أمريكا عنهما ورضاها عما تقترفان من الإثم في أقطار أخرى من الأرض.
    وكذلك يتفق الأقوياء على الضعفاء لا يعترض سبيلهم إلى هذا الاتفاق شيء من المصاعب أو العقبات. فإذا أرادوا أن يتفقوا على منافعهم ثارت المصاعب وكثرت المشكلات واجتمعت المؤتمرات وتفرقت في غير طائل، وذهب الساسة مرة إلى أوروبا ومرة إلى برمودا ثم عادوا كما ذهبوا شأنهم شأن النعامة التي ذهبت تطلب قرنين فعادت بلا أذنين.
    إذن فليس أمام الأمم المغلوبة والشعوب المظلومة إلا خطة واحدة لا ثانية لها، صورها الشاعر العربي القديم أروع تصوير وأبرعه في بيته الخالد.
    ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه يُهْدَم ومن لا يظلم الناس يُظلَم
    والخير كل الخير أن نذود عن حوضنا بسلاحنا وألا نظلم أحدًا ولا نرضى أن يظلمنا أحد.
    طه حسين
    الجمهورية ١١ ديسمبر ١٩٥٣.

  • محنة الشباب

    محنة الشباب
    طه حسين
    مجلة المصور
    ٦ ديسمبر ١٩٤٧

    هي محنة خطيرة إلى أقصى غايات الخطورة، نستطيع أن نتحدث عنها فنكثر الحديث، وأن نفكر فيها فنطيل التفكير، دون أن نصوِّر آثارها المنكرة في الحياة كما ينبغي أن نصوِّرها، فإذا أردنا أن نَصِف لها الدواء وأن نَرُدَّ شرها عن مصر، فقد نحتاج إلى أشياء أخرى أبعد أثرًا من الكلام الكثير والتفكير الطويل، والحزن الذي يمزق القلوب ألمًا، ويفرق النفوس أسفًا وجزعًا! فهي لا تمس مصر في أموالها كما تمسها الأزمات الاقتصادية حين تجتاح الأموال، ولا تمس مصر في نفوس أبنائها كما تمسها أزمات الوباء حين تزهق النفوس وتضرب أطناب الموت في كل مكان، وإنما تمس مصر في قلوب أبنائها وعقولهم، وفي نفوسهم وضمائرهم، وفي شعورهم وعواطفهم؛ لأنها تجتاح أخلاقهم اجتياحًا، وتفسد طبائعهم إفسادًا.

    وأخلاق الأمم أعز عليها من الأموال التي تُجتَاح؛ لأن مال الله غادٍ ورائح، يصبح الإنسان غنيًّا ويمسي فقيرًا كما كان القدماء يقولون … فإذا أضاعت مصر بعض أموالها اليوم — وليس من المصلحة أن نضيعها — فقد تستطيع غدًا تكسب مكانها أموالًا أخرى، وأخلاق الشعوب أعز عليها من النفوس التي تُزهق والدماء التي تُراق، فما دامت في الأمم حياة فالأجيال تخلق الأجيال، والأحياء يعزون عن الأموات، والموت ملم بالشعوب كلها في كل يوم من أيام الأسبوع، وفي كل ساعة من ساعات اليوم يكثر الموتى حين يلم الوباء، أو حين تلم الحرب، ويقلُّون حين ينجلي الوباء، وحين تضع الحرب أوزارها، وتجد الأمم بعد ذلك من حياتها وقوتها وأملها ما يعزيها عما فقدت من المال، ومَنْ فقدت من الناس، ولكنها لا تستطيع أن تجد ما يعزيها عن الأخلاق إذا فسدت، ولا عن القلوب إذا أشعرت خيانة وغدرًا، وامتلأت كيدًا ومكرًا، وشاع فيها الرياء والنفاق … وهذا بالضبط هو الذي يُمتحَن به شبابنا البائسون في هذه الأيام الشداد السود!

    وربما كان في حياتنا المعاصرة ما هو شر من هذه المحنة وأعظم منها نكرًا، وهو أننا نرى المحنة ونصبر عليها، وأننا نرى المحنة ونطمئن إليها، وأننا نرى المحنة ونعنيها على أن تزداد انتشارًا، وتأكل قلوب الشباب وضمائرهم كما تأكل النار الحطب!

    كان يُقال لنا إن أجيال الكبار قدوة لأجيال الصغار، إن الأجيال الناشئة لا تتأثر بشيء كما تتأثر بالقدوة الصالحة والأسوة الحسنة، ولا تفسد لشيء كما تفسد للقدوة السيئة والأسوة القبيحة. وكان يقال لنا إن الأساتذة يعلمون تلاميذهم بما يعرضون عليهم من سيرتهم أكثر مما يعلمونهم بما يلقون عليهم من ضروب العلم. وكان يقال لنا إن الذين يعظون الناس ويؤدبونهم خليقون أن يعظوهم بالسيرة والقدوة، أكثر مما يعظونهم بالخطب المطولة والألفاظ المنمقة، والكلام الذي يصل إلى الآذان ولكنه لا يتجاوزها إلى القلوب.

    كان هذا كله يقال لنا، وما زال هذا كله يقال لنا، ولكن أرجو من كل قارئ أن يتحدث إلى نفسه إذا خلا إليها، وأن يتحدث إلى الشباب المتعلمين إذا خلا إليهم عن هذه المُثُل الصالحة التي تعرض أمام الأجيال الناشئة ليعجبوا بها وليحبوها، ثم ليرغبوا فيها وليطلبوها؛ فأنا واثق بأن الحديث سيملأ قلبه روعًا وجزعًا، وحزنًا وهلعًا!

    فالجيل الناشئ ينظر فلا يرى قدوة صالحة، ولا أسوة صالحة، ولا مثلًا تثير في القلوب حبًّا وإعجابًا، وتدفع النفوس إلى السمو والطموح، وإنما يرى نقائض هذه الأشياء كلها، ويراها بشعة كأشنع ما تكون البشاعة، منكرة كأقبح ما يكون النكر!

    واسمع إلى الشباب وهم يتحدثون حين يخلو بعضهم إلى بعض عما يأخذون به أساتذتهم ومعلميهم من ألوان النقد وضروب العيب، وفنون السخرية والاستهزاء، وقد كدت أُمْلي فنون الانتقاص والازدراء.

    فقد كنا نعبث بأساتذتنا حين كنا صغارًا، وقد كان التلاميذ يعبثون بنا حين كنا أساتذة، ولكن هذا العبث لم يكن يتجاوز بعض المظاهر التي تثير الابتسام وتغري بالضحك أحيانًا، فأما الآن فاستمع للطلاب وهم يذكرون أساتذتهم حين يختصمون ويتنافسون، وحين يسعى بعضهم بعض إلى الرؤساء، وحين يكيد بعضهم لبعض عند السلطان، وحين يلقى بعضهم بعضًا بوجوه هاشة باشة، وثغور باسمة، وألفاظ عذبة، وتحيات حارة، ثم لا يكادون يفترقون حتى يقول بعضهم في بعض شر ما يقول الناس في الناس، لا يستترون بذلك ولا يتحفظون فيه، ولا يتحرجون من أن يقولوا ذلك أمام الطلاب والتلاميذ أو من أن يقولوا ذلك للطلاب والتلاميذ!

    فهؤلاء الطلاب والتلاميذ بين اثنتين: إما أن يعجبهم ذلك من أساتذتهم ومعلميهم وإذا هم يسيرون سيرتهم ويذهبون مذهبهم في الحياة، وإما ألا يعجبهم ذلك من أساتذتهم ومعلميهم، وإذا هم يلتمسون مُثُلَهم العليا عند غيرهم من الناس، أو لا يلتمسونها عند أحد! وهم على كل حال لا يؤمنون بأساتذتهم ولا يحفلون بما يرون منهم إذا عملوا، وما يسمعون منهم إذا قالوا!

    وإذا فَقَدَ الطلاب والتلاميذ الثقةَ بالأساتذة والمعلمين فلا تنتظر منهم خيرًا لا في سِيرَتهم حين يسيرون، ولا في تعلمهم حين يتعلمون! لا تنتظر خيرًا من قلوبهم ولا من عقولهم، فإن ثقة الشباب بالشيوخ هي الأساس الأول والأخير لاستقامة حياة الأمم والشعوب!

    وقد قلت إننا نُمتَحن بشرٍّ من هذا الفساد العظيم، وهو أننا نراه ونغضي عنه، بل نراه ونمعن فيه؛ فالأساتذة والمعلمون يعرفون ذلك من أنفسهم، ومن طلابهم، ومن تلاميذهم، ثم لا يغيرونه ولا يحاولون له تغييرًا … والآباء يسمعون ذلك من أبنائهم فلا يزيدون على أن يحوقلوا ويُصبِّروا أنفسهم على المكروه … والسلطان يعرف ذلك فلا يحاول له تغييرًا، وإنما يُعِين عليه ويرغب فيه … والشر كله يأتي من السياسة التي تقيم أمور الحكم على الترغيب والترهيب، وجعل المناصب والدرجات والترقيات والعلاوات مِنَحًا تُهدى إلى الذين يحسنون نصر الحكومات والتقرب منها، والتوسل إليها بما لا يلائم طهارة القلوب ونقاء الضمائر وتنزه الأخلاق عن الدنيات. وما الذي تطلب إلى رجل من حقه أن يفرغ للعلم والمتعلمين، ولكنه لا يأمن على علمه وتلاميذه إلا إذا رضي عنه السلطان، بل هو لا يأمن على عيشه إلا إذا رضي عنه السلطان؟!

    وما الذي تطلب إلى رجل من حقه أن يفرغ لعلمه وتلاميذه، ولكن من حقه كذلك أن يُوسِّع على نفسه وعلى أهله وعياله في الرزق، وليس له إلى ذلك سبيل إلا أن يرضى عنه السلطان، والسلطان لا يرضى إلا إذا سلك هذه الطريق لا تلك، وأظهر هذا الرأي لا ذاك، ومال إلى ذلك الحزب، لا إلى ذلك الحزب، ومالأ هذا الفريق لا ذلك الفريق؟!

    وإذا شُغِل الأساتذة والمعلمون بإرضاء السلطان وابتغاء الوسيلة إليه والزلفى عنده، فهناك التنافس والتزاحم، وهناك السعاية والكيد، وهناك الرياء والنفاق، وهناك إذلال النفوس وخفض الرءوس … ومن وراء هذا كله، أو من أمام هذا كله، شباب يقولون ويسمعون، ويتحدثون ويفكرون، ثم ينكرون أساتذتهم ومعلميهم، وينكرون أنفسهم بعد ذلك، ثم ينتهون إلى الشك في كل شيء، والاستخفاف بكل شيء، والانقياد لكل شيء، والانتقاض على كل شيء!

    ما أجدر الذين يُعنَون بتسجيل الظواهر الاجتماعية في حياتنا البائسة المنحلة أن يتلطفوا للشباب ليسمعوا آراءهم في أساتذتهم ومعلميهم، وفي قادتهم ومؤدبيهم، بل وفي آبائهم أيضًا! … إذن يستبين لهؤلاء الذين يسجلون الظواهر الاجتماعية أن الشباب المصريين يخضعون في هذه الأيام السود لمحنة منكرة قاسية، يجب أن تُرفَع عنهم إن كنا نريد لهذا البلد المنكوب خيرًا …

  • في الاستقلال

    حديث الوادي
    في الاستقلال…
    نريد أن نتحدث عن هذا الاستقلال الذي يقف رئيس وزرائنا الرجل الطيب موقف الأبطال للذود عنه، وحمايته من تدخل الإنجليز، فهو استقلال طريف في حقيقة الأمر لا يستحق عناية ولا يجدر برجل عاقل يكرم نفسه عن السخف ويرفعها عن عبث الأطفال، أن يحفل به أو يفكر فيه. بل هو استقلال خير منه الخضوع، لأنه يقوم على الغرور أو على التغرير، ولا يقوم على الحق الواضح الجلي الذي لا يختلف فيه الناس، ولا يحتاجون إلى أن يختلفوا فيه، فالاستقلال الذي يحميه رئيس الوزراء أو يتكلف حمايته لا يبلغ حتى أن يكون شكلاً من الأشكال أو صورة من الصور أو مظهراً من المظاهر الكاذبة. وإنما هو كلام يرسل في الهواء إرسالاً ولا يستطيع أذكى الناس ولا أغباهم ولا أشدهم فطنة، ولا أعظمهم حظاً من السذاجة أن يفهم له معنى أو يستدل به على شيء. هو استقلال يبيح للوزراء أثناء الطمأنينة والهدوء أن يدخلوا الإنجليز في كل شيء، ويتقربوا إليهم من كل طريق. يبيح لهم أن يعملوا عصي الشرطة الإنجليزية وسياطها في رؤوس المصريين وأبدانهم، يبيح لهم أن يقصوا المصريين عن المناصب ليضعوا فيها الإنجليز، يبيح لهم أن يوزعوا كتباً في اللغة الإنجليزية على الطلاب والتلاميذ توزيعاً قهرياً أثناء الصيف، يبيح لهم ألا يصدروا في أمر من الأمور السياسية الخارجية إلا عن رأي الإنجليز ومشورتهم بل عن أمر الإنجليز وإرادتهم. يبيح لهم أن يقبلوا من الإنجليز مذكرات بأمر الري وفي غير الري من المسائل الداخلية الخالصة، يبيح لهم أن يتقربوا إلى المندوب السامي، بإقامة الولائم له، في داخل البلاد وفي البيئات القروية الخالصة، وأن يحشدوا له المصريين ليتلقوه بالهتاف والتصفيق إذا هبط من سيارته وليودعوه بالهتاف والتصفيق إذا صعد إليها، يبيح لهم أن يرفعوا كلمة الإنجليز، على كل كلمة إذا حسنت الصلة بينهم وبين الإنجليز وألا يحفلوا بما يقول المصريون أو بما يفعلون بل أن لا يسمحوا للمصريين بأن يقولوا أو يفعلوا، فإذا كان الحرج بينهم وبين الإنجليز لسبب من الأسباب دفعهم إليه ضعف الرأي، وسوء التدبير والعجز عن مواجهة الخطوب والعجز عن فهم الاستقلال كما ينبغي أن يفهم، في هذه الحال يصيحون بأن الاستقلال في خطر، ويدعون الشعب إلى حمايته والذود عنه والقيام دونه أن يعتدى عليه الإنجليز.

    يطلبون إلى الإنجليز – فيما تؤكد دوائر لندن – أن يشيروا عليهم في أمر الوصاية والأوصياء، وما ينبغي للإنجليز أن يستشاروا، ثم لا يشيروا. فإذا أشار عليهم الإنجليز أنكروا هذه المشورة التي طلبوها وشكوا من التدخل الذي دعوا إليه، وأحدثوا أزمة عنيفة لا يقدرون عواقبها، لأنهم لا يحسنون تقدير العواقب، لشيء من الأشياء. هذا هو الاستقلال الذي يحميه رئيس الوزراء أو يتكلف حمايته، هو استقلال شر منه الخضوع، لأنه يقوم كما قلنا على الغرور والتغرير وعلى السخف الذي لا يسيغه الأطفال، فإذا نظرت إلى هذا الاستقلال من ناحيته الداخلية الخالصة، من ناحية الصلة بين الوزارة والمصريين فهو استقلال كله شر، وكله تجاوز للقانون، وكله إفساد لمعنى الاستقلال الصحيح. هو استقلال يقوم على أخذ الناس بالعنف، والبطش في غير حق، وعلى التفريق بينهم في جباية الضرائب: تخفيف على الأنصار والأعوان، وتشديد بل إرهاق للخصوم والمقاومين. وهو تبذير في هذه الأموال التي تجمع بالعصي، وتجبى بالسوط وتؤخذ من الناس في غير أوقاتها، تبذير في هذه الأموال باليمين والشمال، تبذير في مصر وتبذير في أوروبا، تبذير فيما ينفع ويمكن تأجيله، وفيما لا نفع فيه، بل فيه الضرر المحقق، عبث بالمال، كما يعبث الأطفال بما أمامهم من الرمل حين يلعبون على ساحل البحر. فإذا أنكر الناس عليهم ذلك أو هموا بإنكاره فالسؤال والتحقيق والإرهاق والمضايقات التي لا تحصى والإعنات الذي لا يحد، والاجتراء حتى على مكانة القضاء. وما ينبغي له من التقديس والإقدام على غير ذلك مما لا نحاول إحصاءه لأننا لا نستطيع إحصاءهم، ومما تضيق به كل نفس، ويدمي له كل قلب، وينطلق به كل لسان.

    الاستقلال الذي يحميه رئيس الوزراء أو يتكلف حمايته يمكن أن يختصر في جملتين اثنتين: خضوع للإنجليز، ما حسنت الصلة بين الوزارة وبين الإنجليز وإذلال الشعب المصري. ما استطاعت الوزارة إذلال الشعب المصري. تستطيع أن تبحث وأن تستقصي فلن تستطيع أن تخرج باستقلال رئيس الوزراء عن هاتين الصورتين البشعتين، صورة الخضوع للقوي والإذلال للضعيف. فقد نحب أن نعلم هل هذا هو الاستقلال الذي طلبه المصريون وجاهدوا فيه، وسفكوا فيه دماءهم وأرهقوا فيه نفوسهم واحتملوا فيه ما لا يحصى من ألوان الضر والضيم والأذى. وقد نحب أن نعلم لمن أعلن هذا الاستقلال؟

    ولمصلحة من؟ ولإرضاء من أعلن هذا الاستقلال؟ هل أعلن هذا الاستقلال لمصلحة الإبراشي باشا وأمثاله من الذين تظهرهم الأحداث في هذا البلد الشقي، ولأنصاره والمذعنين له من الوزراء وأشباه الوزراء؟ فإن كان هذا الاستقلال قد أعلن لمصلحة هؤلاء الناس دون الشعب المصري فليحموه وحدهم، وليحتفظوا به وحدهم وليدعوا الشعب المصري يطلب استقلاله الصحيح الذي لم يظفر به بعد. أم هل أعلن الاستقلال للشعب المصري نفسه لإرضائه ولتحقيق مصالحه، وللوصول إلى تحقيق الاتفاق بينه وبين الإنجليز؟ فإن كانت هذه ونظن، بل نؤمن، أن هذه هي الصحيحة التي ليس فيها شك، فإن الشعب المصري يفتقد استقلاله فلا يجده وإنما يجد قوماً آخرين هم الإبراشي باشا وأمثاله قد استأثروا من دونه بهذا الاستقلال، وغصبوا لأنفسهم هذه الحقوق.

    وما نظن أن المصريين قد انتهوا من السخف إلى حيث يصدقون أن استقلال الإبراشي باشا وأمثاله هو استقلال مصر، وأن بقاء الإبراشي باشا وأمثاله في مناصبهم يتجاوزون القانون وينتهكون حرمات الدستور هو المظهر الصادق للاستقلال الصحيح.

    كلا. قد ينتهي فريق من الناس إلى هذا السخف، لأن الله أراد لهم ذلك، ولكن الشعب المصري ما زال رشيداً، يفهم الاستقلال على وجهه ويريده على حقيقته. ويعلم أن حماة الاستقلال والذادة عنه، ليسوا ولا يمكن أن يكونوا من طراز الإبراشي باشا ورئيس الوزراء.

    طه حسين
    الوادي، ٢٥ أكتوبر ١٩٣٤.

  • وطنية

    حديث الوادي
    وطنية. . .
    كثر حديث الصحف الوزارية الرسمية والصحف الموالية للوزارة عنها في هذه الأيام حتى أصبح شيئاً يشبه الإلحاح فيما لا معنى للإلحاح فيه. فالوطنية المصرية بحمد الله أقوى وأظهر وأصرح من أن يحتاج المصريون إلى أن ينبهوا إليها أو يدلوا عليها أو يحثوا على الاستزادة منها. وما كنا لنحفل بهذا الحديث الكثير الذي تخوض فيه بعض صحف الوزارة عن الوطنية المصرية وما يجب لها من القوة والكرامة ومن العزة والآباء، لولا أن مما يدعو إلى الضحك حقاً ويدعو إلى الحزن حقاً أن تتخذ الوطنية تجارة ويلجأ إليها بعض الناس، حين يشتد الحرج وتزدحم الخطوب، فإذا هدأت من حولهم العواصف، واستقامت لهم الريح نسوا حديث الوطنية وزعموا أن الذين يتحدثون عنها ويدعون إليها إنما يتحدثون عن الثورة ويدعون إلى الانتفاض.
    هؤلاء أنصار الوزارة القائمة يذكرون الشعب المصري الآن بكرامته ووطنيته، وينكرون على صحف المعارضة أنها تطالب الوزارة بالاستقالة ولا تجمع كلمتها لتأييد هذه الوزارة فيما بينها وبين الإنجليز من خصومة، فقد نحب أن نعلم أين كانت هذه الصحف الوزارية وأين كان سادتها الوزراء وأين كان الرجل الطيب وزير الخارجية حين طار نائب المندوب السامي إلى القاهرة، وحين اقتحم ثكنات الشرطة وأقسامها يفتش عليها ويتحرى من أمرها ما لا تبيح الوطنية ولا يبيح الاستقلال لوزارة أن تسمح لأجنبي مهما يكون، أن يبحث عنه أو أن يعلمه أو أن يتحراه.
    في تلك الأيام القريبة التي كان المندوب السامي يفتش فيها على الشرطة في الإسكندرية والتي كان نائبه يفتش فيها على الشرطة في الإسكندرية والقاهرة كانت وطنية هؤلاء الناس نائمة تسرف في الغطيط. لا تحس شيئاً ولا تنطق حرفاً ولا تأتي حركة وكان حب هؤلاء الناس للاستقلال وحرصهم على الكرامة القومية يتنزهان في مكان بعيد، يلعبان مع النسيم وموج البحر أو يصعدان إلى القمم، وينحدران في الأودية، وكان المعارضون وحدهم هم الذين يحسون وهم الذين يشعرون، وهم الذين يألمون وينكرون وهم الذين يوقظون وطنية الوزراء وأنصار الوزراء، وينبهون حب الوزراء وأنصار الوزراء للكرامة والاستقلال ونحب أن نعلم أين كانت وطنية الوزراء وأنصارهم وأين كان حب الوزراء وأنصارهم للاستقلال وحرص الوزراء وأنصارهم على الكرامة ودفاع الوزراء وأنصارهم عن الحقوق، حين عبث الجنود البريطانيون بأموال الناس وأجسامهم ودمائهم في مدينة القاهرة في الليل حيناً، وفي النهار حيناً آخر، في الصحراء مرة وفي المدينة مرة أخرى، في هذا الوقت سكت الوزراء وأنصار الوزراء سكوتاً لم يكن من ذهب، ولم يكن من فضة، ولم يكن من نحاس. وإنما كان من معدن ليست له قيمة ولا خطر. في ذلك الوقت تحدث المعارضون ثم ألحوا في الحديث، ثار المعارضون ثم ألحوا على الوزراء يسألونهم ماذا صنعوا، وماذا يريدون أن يصنعوا؟ وأين المذكرة التي صدرت من وزارة الخارجية إلى دار المندوب السامي، وأين الرد الذي جاء من دار المندوب السامي إلى وزارة الخارجية؟ وبعد التي واللتيا، وبعد كلام طويل من المعارضة، وصمت طويل من الوزراء والأنصار، ظهر بلاغ رسمي فيه اعتراف بما أنكر المعارضون من الحوادث، وتسجيل لها، وفيه نبأ بأن السلطة العسكرية البريطانية تحقق مع الجنود الآثمين.
    فما أخبار هذا التحقيق؟ وإلى أين انتهى؟ وهل رضي الذين أصابهم الاعتداء، وكيف كان إرضاؤهم؟ وهل رضيت الوطنية المصرية التي أهينت في أرضها واحتقرت في وطنها؟ وكيف أرضيت؟ وأين اعتذار الحكومة الإنجليزية إلى الحكومة المصرية؟ وأين سعي المستر بترسون بذلك إلى الرجل الطيب عبد الفتاح يحيى باشا؟
    تستطيع أن تسأل عن هذا كله هؤلاء السادة الوزاريين الذين أصبحوا في هذه الأيام دعاة إلى الوطنية وحماة للاستقلال، وحفظة للكرامة القومية.
    تستطيع أن تسألهم وتنتظر الجواب، ولا تيأس إن طال الانتظار فالقوم مشغولون عن هذه الأحداث الجسام بحدث آخر جسيم، وهو أن وزاراتهم قد تستقيل أو تقال.
    إن الذين يفوضون إلى دار المندوب السامي حل مسألة الدين بعد أن أعلن الاستقلال، وبعد أن أنشئت في مصر وزارة للخارجية، وبعد أن بث السفراء والقناصل في أقطار الأرض، لا ينبغي لهم أن يذكروا الوطنية ولا الاستقلال. إن الذين يفوضون الإنجليز في حل مشكلة المحاكم المختلطة ولا يجرؤون على أن يواجهوها بأنفسهم ولا أن يتحدثوا فيها إلى الدول الأجنبية قبل أن يأذن لهم الإنجليز، لا ينبغي أن يذكروا الوطنية ولا الاستقلال. إن الذين يفوضون الإنجليز في معالجة الامتيازات ومشكلاتها، لا يأخذون أنفسهم بهذا ولا يسعون إليه إلا أن يظلهم تأييد الإنجليز أو يسبق إليهم إذن الإنجليز، لا ينبغي لهم أن يذكروا الوطنية ولا الاستقلال. إن الذين يؤثرون الموظفين من الإنجليز على الموظفين من المصريين، إن الذين يقصون أستاذاً من أساتذة الهندسة إلى أسيوط ويضعون مكانه أستاذاً إنجليزياً، إن الذين يقدرون على فصل أستاذ من أساتذة الحقوق المصريين ويعجزون عن إبعاد معلم من معلمي اللغات في هذه الكلية، لأنه أجنبي ولأنه أجنبي ليس غير، لا ينبغي لهم أن يذكروا الوطنية ولا الاستقلال. إن الذين يشقون على مواطنيهم ويستبيحون إذلالهم وإخضاعهم لصنوف العذاب، وأخذهم بالعنف والجور في جباية الضرائب يتقاضونها منهم في أيامها وقبل أن يحين موعدها، لا ينبغي لهم أن يذكروا الوطنية ولا الاستقلال. إنما الذين يستطيعون أن يذكروا الوطنية والاستقلال وهم صادقون، وأن يملأوا بها أفواههم وهم جادون لا هازلون، هم هؤلاء الذين لا يقبلون من الأجانب ضيماً، ولا يرضون من الإنجليز تدخلاً في شؤون الشرطة ولا في شؤون الري، ولا يؤثرون الأجنبي على المصري، ولا يخافون الأجنبي دون المصري، ولا يستبيحون لأنفسهم تعذيب مواطنيهم وإظهارهم للإنجليز في مظهر الضعفاء الأذلاء، ولا يفوضون الإنجليز في حل المشكلات، والكرامة تفرض عليهم والحق يفرض عليهم والاستقلال يفرض عليهم أن يحلوا مشكلاتهم بأنفسهم.
    هؤلاء هم الذين يستطيعون أن يذكروا الوطنية، وأن يدعوا إليها وأن يذكروا الاستقلال ويذودوا عنه وأن يقولوا فيصدقهم الشعب، وأن يدعوا فيستجيب لهم الشعب، وأن يعملوا فيحسب الإنجليز حساباً لما يعملون. ويستطيع الوزاريون أن يلتمسوا هؤلاء الدعاة الصادقين إلى الوطنية والحماة الصادقين للاستقلال في غير دواوين الوزارة، وهم لا يختلفون الآن إلى المكاتب والدواوين.
    . طه حسين
    الوادي، ١٩٣٤/١٠/١٨ .

  • الضمير الهارب

    الضمير الهارب
    لم يكن صاحبي ساذجاً ولا غليظ القلب ظاهره كهذا الضابط الفرنسي الذي أظنك رأيته في دار من دور السينما، يأتمر مع أصحابه ليغير النظام في فرنسا ويرد إلى العرش ابن نابليون. فبينما هو ذات يوم يمشي على رصيف من أرصفة باريس لقي رفيقاً من رفاقه في جيش الإمبراطور. وكان العهد قد بعد بينهما فوقع اللقاء من نفس الرجلين موقعاً حسناً، وتحدثا عن الجيش وعن الإمبراطور، وتحدثا عن أمس وعن غد، ولم يكرها أن يذما يومهما ويسرفا في ذمه. ثم ذهب الصديقان إلى حيث كان الضابط يحدث صاحبه عن أصدقائهما وما يأتمرون به، ثم ما زال الحديث ينتقل بهما من موضوع إلى موضوع حتى عرف الضابط أن صديقه لم يقم على عهد الإمبراطور، وإنما آثر لين الحياة فعمل في جيش الملك. هنالك لم يستطع الضابط أن يلوم صاحبه ولا أن يعاتبه، ولا أن يناقشه في شيء، ولم يزد أن أطفأ المصباح حتى لا يرى وجه هذا الصديق الخائن، وفهم الرجل عن صديقه فانصرف عنه خزيان أسفاً.
    لم يكن صاحبي ساذجاً غليظ القلب ظاهره كهذا الضابط الفرنسي، وإنما كان رجلاً مترفاً لا في حياته المادية، بل في حياته المعنوية خاصة. كان مترف العقل جداً لا يكتفي بظواهر الأشياء ولا يقنع بحقائقها، وإنما يبغي شيئاً أرقى من الظواهر وأعمق من الحقائق كأنه اللب والخلاصة لكل شيء. وهو إذا وصل إلى هذه الخلاصة وذلك اللب ولم يقنع بهما، وإنما تخير منهما أنقاهما وأرقاهما وأشدهما ملاءمة للعقل الممتاز، والذوق الرفيع، والشعور الراقي، والنفس الأبية العالية. وكان صاحبي قويّ الحس جداً، ولكنه كان شديد الازدراء للحس، يضعه في موضعه الطبيعي فلا يكبره ولا يغلو في العناية به، ولا ينتظر منه إلا ما يُنتظر من الأداة التي لا يُراد منها إلا أن تؤدي العمل الذي هُيئت له. فهو لا يريد من حسه إلا أن ينقل إليه صورة الحياة الخارجية، فإذا نقلها إليه شغل بها فحقق ودقق، ومحص وصفى، وآثر نفسه بخلاصة ما ينتهي إليه التحقيق والتدقيق والتمحيص والتصفية، فغذّى به عقله وقلبه وشعوره؛ وفكر فيه فأطال التفكير، واستخرج منه أقصى ما يستطيع استخراجه من اللذة والألم، ومن العبرة والعظمة، ومن الغبطة والحزن.
    وكان صاحبي هذا بحكم هذا المزاج الخاص معقداً شديد التعقيد، متعباً لنفسه ولأصحابه وأصدقائه جميعاً، وكان كثيراً ما يسأل نفسه عما يريد فلا يجد لهذا السؤال جواباً. وكان أصدقاؤه يسألونه عما يريد فلا يجدون لهذا السؤال جواباً. فقبلوه على علاته، وقبلوه على ما في صحبته من مشقة وتعقيد. وكانت حياته وحياة أصحابه هينة لينة مستقيمة تمضي في طريق لا عوج فيها ولا التواء، كما كانت حياة الناس كلهم في بعض أوقات الأمن والدعة والهدوء، فكان راضياً عن أصحابه، وكان أصحابه راضين عنه. وكان ما يعرض له ولهم من مصاعب الحياة ومشكلاتها لا يزيد على أن يكشفها لهم فيحببه إليهم، ويكشفهم له فيحببهم إليه.
    ولكن هدوء الحياة ودعتها واطراد الأمن فيها واستقامة الطرق لسالكيها ليست أموراً محتومة مقضية للناس أو مقضية عليهم، قد أخذوا بها عهداً على الظروف والأيام. وإنما هي أمور ممكنة تتاح حيناً وتمتنع أحياناً؛ تتاح فيسعد الناس، وتمتنع فيشقى الناس. تتاح فيجهل بعض الناس بعضاً، ويحب بعض الناس بعضاً، ويطمئن الناس إلى بعض؛ لأن ظروف الحياة لا تكرههم على أن يدقق بعضهم في امتحان بعض، ويحقق بعضهم في ابتلاء بعض. ثم تمتنع فإذا الناس يتعارفون، ولا يلبثون أن يتعارفوا حتى يتناكروا ويتدابروا. ويقوم الشك منهم مقام اليقين، ويقوم الحذر منهم مقام الاطمئنان، وتقوم التفرقة منهم مقام الصراحة، ويقوم البغض منهم مقام الحب، وإذا هم يندمون على جهلهم القديم، وإذا هم يحزنون على اطمئنانهم الماضي، وإذا هم يتمنون لو ردّ الله عليهم تلك الأيام الحلوة التي كانوا يستمتعون فيها بلذة الجهل وحلاوة الغفلة ونعيم الثقة، وأعفاهم من هذه الأيام التي يشقون فيها بألم المعرفة ومرارة الفطنة وبؤس الشك.
    وكان صاحبي قد فتح لنفسه الأبواب كلها على مصاريعها كلها ليتلقى كل شيء من كل شيء ومن كل إنسان. ثم ليسعد بهذه التصفية والتنقية، وبهذا التمحيص والتحقيق، وبتخير الثمرات من كل ما كان يجتمع له من الجيد والرديء. فلما نكرت الأيام لم يغلق من أبواب نفسه باباً، وإنما نظر فإذا النفوس تغلق من دونه نفساً فنفساً، وإذا أبوابها تغلق من دونه باباً فباباً. وإذا ما كان يجتمع له من الملاحظات يقلّ شيئاً فشيئاً، ويندر حتى كاد لا يصبح شيئاً. وإذا ما بقي من هذه النفوس القليلة التي ثبتت للمحن، وامتنعت على الخطوب، وأبت أن تلين قناتها للأحداث، قد أخذ يغشاها من حين إلى حين لون رقيق جداً من الحياء، ثم من الغلو في الحياء، ثم من الإشفاق، ثم من الإسراف في الإشفاق. ثم يتكاثف اللون ويتكاثف، وتُضاف طبقات منه إلى طبقات حتى يصبح احتياطاً وحذراً، وحتى يستحيل إلى حجاب كثيف صفيق لا تنفذ من دونه نفس إلى نفس، ولا ينتهي من دونه قلب إلى قلب، ولا يتحدث من دونه ضمير إلى ضمير.
    وإذا صاحبي يلقى أصحابه فلا يلقى منهم إلا وجوهاً، ويصافح أصحابه فلا يصافح منهم إلا أيدياً، ويحدث أصحابه فلا يكون بينه وبينهم إلا حركات الألسنة في الأفواه، وخروج الألفاظ من الشفاه، وانتهاء الأصوات إلى الآذان، ثم وقوفها دون هذه الأبواب التي قد غُلقت تغليقاً، وهذه الأستار التي قد أُسدلت إسدالاً. على أنه أيضاً لم يكن أقل من أصحابه وأحبائه تغليقاً لأبواب نفسه، وإلقاء للحجب والأستار بينه وبينهم؛ فقد آذاه ما رأى منهم كما آذاهم ما رأوا منه. فكان هذا الحياء الذي كان منهم، ثم أخذ هذا الحياء يتعقد في نفسه كما كان يتعقد في نفوسهم حتى أصبح إشفاقاً ثم شكّاً ثم احتياطاً وحذراً.
    ولكن حياء صاحبي لم يكن كحياء أصدقائه؛ كانوا يستحيون منه وكان يستحيي لهم، كانوا يشفقون منه وكان يشفق عليهم، كانوا يحذرون منه وكان يحذر عليهم، ولكنه الحياء والإشفاق والحذر على كل حال. ولكنه تغليق الأبواب وإلقاء الأستار والحجب على كل حال. ولكنه انقطاع الأسباب وفساد الصلات على كل حال. ولكنه العزلة بين قوم لم يكونوا يستطيعون أن يعتزل بعضهم بعضاً، والفرقة بين قوم لم يكونوا يستطيعون أن ينعموا بالفراق، ولكنه الرياء بين قوم لم يكونوا يحتملون الرياء. ولكنه هذا الألم الممض الذي ينشأ عن الفراق والناس مجتمعون، وعن البعد والناس متقاربون، وعن القطيعة والناس متواصلون. ولكنه العذاب الذي يجده الناس حين يتحدثون بألسنتهم لا بقلوبهم، وحين يسمعون بآذانهم لا بنفوسهم، وحين تتصافح أيديهم وتتباعد بين ضمائرهم ونياتهم الآماد، إلا من ألف منهم هذه الحياة واطمأن إليها ووجد فيها مثل ما كان في تلك الحياة من اللذة والراحة والنعيم؛ لأنه فارق أصدقاء فوجد مكانهم أصدقاء آخرين، ونأى عن أحباء فاستقر في أحباء آخرين.
    هنالك نظر صاحبي إلى نفسه، فإذا هو قد أصبح أداة من الأدوات تسعى مع النهار وتعود مع الليل، تلقى الناس فتتحدث إليهم وتسمع منهم دون أن تعقل ما يصدر عنها أو تذوق ما يصدر إليها من حديث. أداة تذهب وتجيء تتلقى آثاراً من أدوات مثلها، وتحدث آثاراً في أدوات مثلها، ولكنها آثار ظاهرة آلية لا قوام لها ولا لذة فيها، ولا أثر للحياة القوية العاقلة المفكرة في مظاهرها، وإنما هي أداة ممثلة لا أكثر ولا أقل، تعمل مع أدوات ممثلة لا أكثر ولا أقل.
    وكانت لصاحبي بقية من قوة في النفس، وفضل من حياة في الضمير، وأثر من حزم في الإرادة، وقليل من ذلك الترف العقلي الذي كان يستمتع به أيام كان الناس ناساً وحين كانت الحياة حياة؛ فأكبر ما انتهت إليه أموره وأمور أصحابه من هذه الصفة التي يجحد فيها الرجل نفسه ولا يؤمن فيها إلا بغيره. أكبر ذلك وضاق به وأزمع أن يعتزل هذه البيئة التي لا يستطيع أن يكون فيها إلا أداة مسخرة. ولكنه اعتزلها ولم يعتزلها؛ قرّ في داره وعاش بين أهله، لم يسعَ إلى أحد ولم يفكر في لقاء أحد، وكان يظن أن هذه العزلة ستغنيه وتحميه وتردّ إليه نفسه بريئة من النفاق معصومة من الفساد. ولكنه لم يلبث أن استيقن أنه لم يصنع شيئاً؛ فهو يعتزل الناس ولكن الناس لا يعتزلونه، يعرض عنهم فيقبلون عليه، يقعد عنهم فيسعون إليه، يكفّ عنهم حياءه لهم وإشفاقه عليهم فيحملون إليه حياءهم منه وإشفاقهم منه، ويغلون في ذلك يحسبون أنهم يخدعونه عن أنفسهم، أو يحسبون أنهم يخدعون أنفسهم عن أنفسهم.
    فلما استيأس صاحبي من نفع هذه العزلة، واستيقن أنه لا أمل له في أن يظفر بنفسه صافية وقلبه طاهراً وضميره حياً إلا أن يترك البيئة كلها وهاجر من أرض إلى أرض، وارتحل عن وطن إلى وطن، أسرّ ذلك في نفسه وأظهر لنا معشر أصدقائه المخادعين له ولأنفسنا مثل ما كان يظهر من حسن اللقاء ولطف المؤانسة حين كنا نزوره ونجلس إليه.
    ثم سعيت إليه ذات يوم لأقضي معه ساعة من ساعات الفراغ – وما أكثر ساعات الفراغ في حياتنا نحن المصريين – فلم أجده، وسألت أين يمكن أن يكون فلم أُدلل عليه. وسألت متى يمكن أن يعود فلم أُنبأ بشيء. فعدت محزوناً لا لأنني لم ألقه، بل لأني لم أُلقِ عليه ثقل ما كنت أحتمل من الضجر والضيق والفراغ، ولأني لم أُلقِ في نفسه أني أوثره بالحب وأعتقد أنه يؤثرني به. لأني لم أُهدِ إليه شيئاً من هذا الرياء الذي يهديه بعضنا إلى بعض في كل يوم، ولم أتلقَ منه شيئاً من هذا الرياء الذي يتلقاه بعضنا من بعض في كل يوم؛ رجعت محزوناً لأن الأداة لم تؤدِّ بعض ما كان يجب أن تؤديه من التمثيل.
    وعدت إلى صاحبي ألتمسه فلم أجده، وأخذ أصحابنا يلتمسونه فلا يجدونه، وكلهم شعر بمثل ما شعرت به، وكلهم يتحدث إلى نفسه بمثل ما تحدثت به إلى نفسي من الحزن وخيبة الأمل، وقليل منهم يتحدث إلى الناس بمثل ما أتحدث به إليك الآن أيها القارئ العزيز.
    ثم انقضت الأسابيع والأشهر، وإذا أنا أتلقى صباح اليوم منه هذه الأسطر التي دفعتني إلى كتابة هذا الفصل. وأحسب أني لن أجيبه إلا بإرسال هذا العدد من الرسالة إليه، فقد عرفت عنوانه الآن. كتب إليّ يقول:
    "كتابي إليك أيها الصديق من بلد ناءٍ فررتُ إليه بنفسي وضميري من بلد تفسد فيه الضمائر والنفوس، وآثرت أن أحيا فيه فرداً مع نفسي على أن أحيا عندكم حياة الأدوات لا حياة الناس. ولقد كنت أظن أني فارقتكم إلى غير رجعة، ورحلت عنكم إلى غير عودة، وسئمت حياتكم سأماً لا حد له، وكرهتها كرهاً لا أعرف له قراراً، وعجزت عن احتمال أيسر أثقالها. وأعترف بأني سعدت بهذه الهجرة سعادة خصبة حقاً، واستكشفت فيها نفسي فنعمت بهذا الاستكشاف، وأنست فيها إلى ضميري واستمتعت بهذا الأنس. ولكني لم ألبث في هذا البلد شهراً أو شهرين حتى أحسست أن نفسي لا تكفيني، وحتى ضقت بإطالة النظر في المرآة، حتى ذكرت الأصدقاء فنفرت من ذكر الأصدقاء، وفزعت منهم إلى الكتب حيناً، وإلى مناظر هذه الطبيعة الرائعة حيناً آخر. وما زلت أيها الصديق مطمئناً إلى هذا المعقل الذي آويت إليه واعتصمت به. ولكن انظر! ها أنا ذا أكتب إليك، وما كتبت إليك إلا لأني فكرت فيك، وما فكرت فيك إلا لأن نفسي نازعتني إلى حديثك. وإذن فقد أبت حياتي تلك إلا أن تتبعني في هجرتي وتقتحم عليّ هذا المعقل الذي لجأت إليه، وكل ما أتمناه ألا تغلبني على نفسي، ولا تخرجني من معقلي، وأن تكتفي بزيارتي والإلمام بي من حين إلى حين. فاكتب إليّ وأطل، فقد يظهر أن الحياة التي ترتفع ارتفاعاً خالصاً عن كل ما نكره من النقائص شيء لا سبيل إليه. وأما أنا فقد جربت الضيق بالحياة في مصر والفرار منها، وأنا زعيم لكم أيها الأصدقاء بأن صاحبكم سيعود إليكم متى انقضى الصيف. ومن يدري، لعل الحياة أن تكون قد عادت إلى شيء من الأمن والدعة والهدوء، فتتفتح الأبواب، وتُرفع الحجب والأستار، لا نحتاج فيما بيننا إلى اصطناع الرياء، أو إلى اصطناع المجاملة، ثم لا يستحيي بعضنا من بعض، ولا يستحيي بعضنا لبعض."
    الرسالة ٠٧\٠٥\١٩٣٤

  • يستغيثون

    حديث الوادي
    يستغيثون …
    الآن وقت القلوب وكانت غلاظًا لا ينفذ منها شيء، والآن دقت الحواس وكانت صفاةً لا يؤثر فيها شيء. والآن استيقظ العدل وكان نائمًا مغرقًا في النوم، والآن أصبح الظلم بغيضًا وكان محببًا في النفوس، والآن أصبح الجور مرًا وقد كان حلوًا يُستلذ ولا يُقضى الكلف به والميل إليه والتهالك عليه.
    والآن أصبح دعاة الظلم يستغيثون من ضحايا الظلم، وأصبح الذين نشروا الجور في الأرض وأقاموا صرحه شاهقًا في السماء، يستغيثون من الذين صُب عليهم الجور صبًّا، وبُسط عليهم العذاب بسطًا. والآن أصبح أصدقاء الإجرام يستغيثون من الذين وقع عليهم الإجرام، والآن أصبحت ضمائر هؤلاء الناس متحرجة تعرف أن في الأرض خيرًا يجب أن يُبتغى، وشرًا يجب أن يُتقى، وأن السلطان يستطيع أن يُغيث إذا استُغيث به، وأن يستجيب إذا دُعيَ، وأن يَحمِيَ اللاجئين إليه. والآن أصبح الذين يسمون أنفسهم شعبيين يشعرون بأنهم قد يتعرضون للخوف، وبأن لهم على السلطان حقوقًا في الحماية فهم يتقاضونها منه، وهم يتقاضونها في جرأة. إن صورت شيئًا فإنما تصور ضعف عاطفة الحياة في نفوس هؤلاء الناس. الله يشهد ما نريد بهم شرًا، فهم أهون من أن نريد بهم الشر، والله يشهد ما ندبر لهم كيدًا، فهم أحقر من أن ندبر لهم الكيد. والله يشهد ما نغري بهم أحدًا، فهم أيسر من أن نفكر في الإغراء بهم أو التحريض عليهم، والله يشهد ما نكتب احتفالًا بشكاتهم حين شكوا واستغاثتهم حين استغاثوا، فهم أدنى من أن يُحفل بهم حين يشكون أو حين يستغيثون. والله يعلم ما نكره للسلطان أن يحميهم فقد أصبحوا ضعافًا يخافون الظلال، بعد أن كانوا قساةً لا يرعون شيئًا ولا يخافون شيئًا، الله يشهد ما نكتب لهم ولا نكتب عنهم، فهم أهون على الناس، وأهون على أنفسهم وأهون علينا من أن نكتب لهم أو نكتب عنهم. إنما نكتب ليرى الناس موضع العبرة فيما انتهت إليه الأمور في مصر، إنما نكتب ليرى الناس موضع العظة فيما تكشفت عنه الحوادث من النتائج والآثار. هؤلاء قوم لم يكونوا يعدلون عند أنفسهم ولا عند الناس ولا عند الله شيئًا، جمعهم الإبراشي باشا وصدقي باشا من كل مكان، واستخرجوهم من كل زاوية، واستلّوهم من كل جحر، ثم جمعوهم في مكان قد هيأه لهم وقالا لهم كونوا
    رجالًا فكانوا، ثم قالا لهم كونوا حزبًا فكانوا، ثم قالا لهم اتخذوا لأنفسكم هذه الصحيفة التي نخلقها لكم خلقًا، وننشئها لكم إنشاءً، وننفق لكم عليها من أموال لا تعرفون من أين تأتي ولكنا نحن نعرف من أين تأتي، لا تتكلفوا جهدًا فسنحتمل عنكم كل جهد، ولا تنفقوا مالًا فسننفق عنكم كل مال، بل سننفق عليكم أنتم من المال ما تقدرون وما لا تقدرون. لا تخافوا فسنؤمنكم من كل خوف، ولا تعملوا فسنريحكم من كل عملٍ، حسبكم أن تنطقوا إذا أنطقناكم، وحسبكم أن تسكتوا إذا أسكتناكم، حسبكم أن تتحركوا إذا جذبنا الخيط، وحسبكم أن تسكنوا إذا أرسلنا الخيط، إنما نريد منكم أن تكونوا صورًا متحركةً وتماثيلَ تخدع الناس عن نفسها بما تتكلف من عملٍ وقولٍ، على حين لا تعمل ولا تقول. أجيبوا إلى ذلك فإذا أجبتم لكم ما تشتهون، لكم أن تصبحوا سادة الأرض تخضع لكم الإدارة، ويذعن لكم المديرون تُعفون من كل تكليفٍ، وتفرضون على غيركم ما شئتم من تكليفٍ وإن أبت القوانين أن تمتازوا، وتستثنون وإن أبى الدستور أن تستثنوا، تصبحون في ظاهر الأمر كل شيء، وإن لم تكونوا في حقيقة الأمر شيئًا. كذلك قال الإبراشي باشا وصدقي باشا لهؤلاء الناس، وكذلك استمع هؤلاء الناس وآمنوا واستكانوا لهذين الرجلين، وكذلك بدأ التمثيل الذي اتصل أعوامًا. عبث كان خليقًا أن يضحك ولكنه انتهى إلى الألم اللاذع والحزن الممض، عبث كان خليقًا أن يُلهي ولكنه أحدث من الجرائم ما حرم اللهو على هذا الشعب، حتى تُردَّ له حقوقه الضائعة، وتُرعى له حرماته المنتهكة ويُرفع عنه هذا الذل الثقيل. لقد كان هؤلاء الناس وأدواتهم من رجال الإدارة وجنود الشرطة يبسطون على أبناء الشعب من ألوان الظلم والجور ما يخزي له كل إنسان يجري في عروقه دم، وكانت الشكوى محرمة على أبناء الشعب وكانت الاستغاثة محظورة على أبناء الشعب، وكانت النيابة ممنوعة من الاستماع لأبناء الشعب إذا شكوا والاستجابة لهم إذا استغاثوا، وكان القضاة معرضين لغضب السلطان ونقمته إن عاقبوا الظالم وأنصفوا المظلوم، ولقد حدثنا المحدثون الصادقون أن الرجل من أبناء الشعب الأبرياء كان يُؤخذ إلى دار الشرطة في بعض المدن فيُصب عليه العذاب صبًّا، وتعبث في جسمه السياط عبثًا، وتنفجر الدماء من عروقه فتخضب جسمه الممزق، وهو يصيح ويستغيث وأبناء الشعب يصيحون ويستغيثون والعذاب يُصب ويُصب، والسياط تعبث وتعبث، ورئيس الشرطة يرى ويسمع، ويجد فيما يرى ويسمع لذةً مجرمةً، ولقد رأى
    رجل من اليونانيين منظرًا كهذا في مدينة القيسي باشا فانفطر قلب الأجنبي حزنًا على هذا المصري الذي كان يعذبه المصريون، وثار ضميره الأجنبي غضبًا لهذا المصري الذي كان يهينه المصريون، وذهب إلى النيابة يستعديها ويستنجدها فلم تستطع النيابة أن تسمع له لأنها كانت مأمورةً ألا تفعل. ومضى الرجل المسكين يحتمل العذاب ومضى أبناء الشعب المساكين يستغيثون، وعاد الرجل الأجنبي يدق يدًا بيدٍ وقد عجز عن أن يصنع لهؤلاء البائسين شيئًا. وفي أثناء هذا كان الطغاة في القاهرة ينعمون بالحياة ويستعذبون الطغيان ويفيضون على صورهم المتحركة وتماثيلهم الناطقة بفضل ما رزقهم الله، وكانت هذه الصور المتحركة والتماثيل الناطقة تُثنى وتغلو في الثناء، وتُحمد وتُغرق في الحمد، وتعلن أن العدل قائمٌ وأن الإنصاف ميسرٌ، وأن النظام مستقرٌ، وأن ظل الأمن مبسوطٌ. وكان ضمير صدقي باشا وخليفته، وكانت ضمائر القيسي باشا وأعوانه مطمئنةً راضيةً، لا تنغص على أصحابها يومًا ولا تؤرقهم إذا كان الليل فالآن نعم الآن وقد رُفِعَ هذا الشر عن الشعب، الآن وقد هزت جماعاتٌ من الشعب بحجر هؤلاء الناس، تدعو بحياة العدل وأصحابه وبسقوط الظلم ودعاته، الآن يخاف هؤلاء الناس، وقد كانوا يجدون اللذة في أن يخيفوا الناس، الآن يستغيث هؤلاء الناس، وقد كانوا يجدون اللذة في أن لا يُغيثوا أحدًا، وقد كانوا يجدون من الإثم أن يُغاث المستغيث ويُنصف المظلوم، الآن يجد هؤلاء الناس من الجرأة ما يبيح لهم أن يطالبوا رئيس الوزراء بحمايتهم وأن يحملوه تبعة المظاهرات فما لهم لم يحتملوا إذن تبعة الجرائم التي اقترفوها والآثام التي استعذبوها وما بالُ الذين يخوضون المظاهرات البريئة لم يخافوا من سفك دماء الشعب واستصفاء أمواله وانتهاك حرماته، وتضييع حقوقه، وإهدار منافعه.
    ليحمِهم رئيس الوزراء وإن كانوا لا يتعرضون لخطرٍ. وليقم رئيس الوزراء حول دارهم حراسًا وإن كانت دارهم لا يُخاف عليها الاقتحام.
    ليقم رئيس الوزراء جنودًا وشرطةً حول دار هؤلاء الناس حمايةً لهم من الوهم وحراسةً لهم من الخيال، ولينظر المصريون إلى هذه الشرطة وإلى هذا الجند فلعلهم يذكرون دارًا أخرى كان يقوم الجند والشرطة من حولها لا حمايةَ لها بل حمايةً منها، ولا خوفًا عليها بل بغيًا عليها.

    نعم قد يذكر المصريون بيت الأمة الذي أقام صدقي وخلفاؤه من حوله جنودًا لم تُرسَل للحماية وإنما أرسلت للكيد، وقد رد الله الكيد إلى نحور صدقي وخلفائه فأصبحوا يستغيثون ويستجيرون ورئيس الوزراء خير من يستجيبهم إلى ما يطلبون من الغوث والجوار.
    [طه حسين]
    حديث الوادي، ٨ فبراير ١٩٣٤.

  • شركاء

    شركاء
    أسرعوا[1] إلى «الرئيس المستقيل» حين دعاهم، لم يترددوا في ذلك، ولم يخطر لهم أن يترددوا فيه، ثم وثبوا مع «الرئيس المستقيل» إلى الحكم واستقروا مع «الرئيس المستقيل» في مناصبه. أقدموا على كل ما أقدم عليه، وأحجموا عن كل ما أحجم عنه. أحبوا كل ما أحب ومن أحب، وكرهوا كل ما كره ومن كره. ومضوا معه حازمين عازمين، لا يتخلفون عنه إصبعًا، ولعل بعضهم كان يسبقه أشبارًا، ولعله هو كان يردهم إلى الهدوء، ويضطرهم إلى السعي مكان العدو، ويلقي في قلوبهم أن الأناة خير من التعجل، وأن الإبطاء قد يفيد أكثر مما يفيد الإسراع.
    همَّ بتغيير النظام فأسرعوا إلى تغيير النظام، اقترح قهر الشعب فلم يترددوا في قهر الشعب، آثر العنف فلم يخافوا من إيثار العنف. مضوا معه حازمين عازمين، مسرفين في الحزم والعزم، لا ينظرون إلى وراء، ولا يبعدون النظر إلى أمام، وإنما ينظرون إلى هذا الرجل الذي قام بينهم يعمل ويدعوهم إلى العمل، ويأمل وينفخ فيهم الأمل. وكان منهم من يضعف عزمه عن هذه الأعمال الجسام، والأحداث العظام التي كان يدفع إليها «رئيس الوزراء» المستقيل؛ فكانت نظرة من الرئيس أو ابتسامة تزيل هذا الضعف، وتضع مكانه قوة على الجري والعدو، وعلى تجشم الخطوب، واقتحام الأهوال. وكان الجند والشرطة يصطدمون بالناس فيسقط القتلى ويسقط الجرحى، وتصطبغ الأرض بالدماء، ويرتفع الأنين إلى السماء، فلم تكن هذه الدماء تروع قلبًا، ولا تؤذي نفسًا، ولم يكن ذلك الأنين يبعث إشفاقًا، أو يثير شعورًا، وإنما كان أمرهم ثباتًا مظلمًا، قاتمًا، هادئًا، مخيفًا، قاسيًا، عنيفًا، لا يعرف الرحمة ولا الإشفاق، ولا يحب اللين ولا الدعة، ولا يذكر أمس، ولا يفكر في غد، ولا يستحضر بكاء الباكين، ولا شكاة الشاكين، ولا يرفق لهؤلاء الأمهات اللاتي كن يُفجعن في أبنائهن، ولا لهؤلاء الأبناء والبنات الذين كانوا يُفجعن في آبائهم، ولا لهؤلاء الزوجات اللاتي كن يُضطررن إلى حياة الأرامل والأيامى.
    وكذلك مضت أشهر وأشهر، وكذلك مضى عام وعام، وكذلك أُكرهت «مصر» على غير ما كانت تحب، وكذلك أوذي المصريون في أكرم ما كانوا يحبون. ثم عملت الأيام عملها، وأحدث الزمان آثاره، فَرَثَّت صلات الود بين «الرئيس المستقيل» وزملائه، وأخذ بعضهم يتنكر لبعض، وأخذ بعضهم يمكر ببعض، وأخذ بعضهم يضع العقبات أمام بعض، حتى ساءت الحال، وفسد كل شيء بين الأصدقاء المتعاونين، أو قُل بين الشركاء المتشاكسين، واضطر الرئيس إلى أن يستقيل ليتخفف من بعض الأثقال، ويخلص من بعض الزملاء، ثم يؤلف وزارته من جديد، يضع فيها قومًا مكان قوم، ويختار لها أفرادًا أقدر على استئناف المضي في الطريق المرسومة أول الأمر، وهم إن دُعوا أو اشتركوا، ووثبوا إلى الحكم، سيسيرون مع الرئيس الجديد سيرتهم مع الرئيس القديم، سيشاركون في كل شيء، وسيتضامنون في كل شيء، حتى يخلصوا غدًا كما خلصوا اليوم، ليس عليهم بأس، وليس عليهم جناح، وليس ما يمنعهم من الاستعداد للوثوب مع رئيس آخر إن دُعوا إلى الوثوب.
    لو قيل هذا الكلام في غير «مصر» لأنكره الناس إنكارًا شديدًا، ولو وقعت هذه الأحداث في غير «مصر» لضاق بها الناس ضيقًا شديدًا؛ ولكن هذا الكلام يقال في «مصر» فلا ينكره أحد، وهذه الحوادث تقع في «مصر» فلا يضيق بها أحد أو لا يظهر الضيق بها أحد؛ لأن المصريين قد عرفوا منذ عهد بعيد أن فيهم جيلًا من «المستوزرين»، دأبهم أن ينتظروا الحكم إن بعدوا عنه، وأن يقبلوا الحكم إن دُعوا إليه، وأن يطيعوا رئيسهم ما وجبت طاعته، وأن يلبوا دعوة غيره متى نهض بالأعباء. هذا جيل موجود في «مصر» منذ زمن بعيد، يعرفه المصريون حق المعرفة، وينكره المصريون أشد الإنكار، ولكن ما حيلة المصريين فيه؟ لقد وُجد واتخذ لنفسه هذه الصناعة، ولو كان أمر «مصر» إليه لردت هذا الجيل إلى حيث ينبغي أن يكون بعيدًا عن السياسة أشد البعد، نائيًا عن الحياة العامة أشد النأي؛ لأن هذا الجيل لا يصلح للسياسة، ولا يصلح للحياة العامة، أحب الحكم للحكم، فاقتنع الأجنبي بأن أمر مصر يسير، ما دام بين أبنائها من ينهضون بأعباء السياسة في غير شرط ولا ما يشبه الشرط.
    يجب أن يذكر المصريون هذا كله، وألا ينسوه، وأن يفتحوا أعينهم ليروا من وراء هذه الغيوم الرقيقة ما يأتيه جيل «المستوزرين» من هذه الحركات الملتوية المخزية التي لن تنتهي إلا إلى ما يسوء. يجب أن يسمع المصريون لهذه الأسماء التي تُتلى عليهم في «الصحف» كل يوم على أنها أسماء الذين قد يُدعون إلى تأليف «الوزارة» أو إلى الاشتراك فيها؛ فسيرون أصحابها كلهم أو أكثرهم من أصدقاء «الرئيس المستقيل»، ومن أعوانه المقربين أو الذين كانوا مقربين، ومن الذين شاركوه في إقامة هذا النظام الجديد، ومن الذين شاركوه في تقييد الحريات، ومن الذين شاركوه في كل هذه السياسة التي انتهت إلى شر ما هي عليه الآن، وهم جميعًا أطهار أبرار، خليقون في رأي أنفسهم، وفي رأي أصحابهم وأنصارهم أن ينهضوا بأعباء الحكم مرة ومرات.
    نعم، يجب أن يسمع المصريون لهذه الأسماء وأن يفكروا ويطيلوا التفكير في لعب الحوادث وسخرية الظروف، وإلا فأي استهزاء بالشعب أشد من استهزاء هؤلاء السادة الذين يشاركون «صدقي باشا» في كل ما يأتي، ثم يتأهبون الآن ليرثوا «صدقي باشا» في الحكم، كأنهم لم يعاونوه ولم يظاهروه، ولم يتضامنوا معه في شيء؟ أي استهزاء بالشعب أشد من استهزاء هؤلاء السادة الذين يذكرون أن تركة «صدقي باشا» ثقيلة ويفصلون ثقلها تفصيلًا، وهم الذين أحدثوا معه هذه التركة الثقيلة، ثم هم في الوقت نفسه يستعدون للاستيلاء على هذه التركة ليزيدوها ثقلًا على ثقل.
    يجب أن يفكر المصريون ويطيلوا التفكير، وأن يذكروا ولا ينسوا أن التبعات التي يحتملها «صدقي باشا» أمام أمته ووطنه وربه ثقيلة أثقل مما يظن «صدقي باشا»، ولكنه لا يحتملها وحده، وإنما يحتملها معه هؤلاء الذين ظاهروه وأيدوه أمس، والذين يولونه ظهورهم اليوم، ويتأهبون لخلافته على الحكم. ليس الإخفاق الذي أصاب «صدقي باشا» مقصورًا عليه، وإنما هو حظ شائع بينه وبين زملائه الوزراء، بل بينهم وبين أصدقائهم وأوليائهم من هذين الفريقين اللذين كانا يسميان أنفسهما إلى وقت قريب «الحزبين الشقيقين». وما أشد سخرية الظروف التي تصور «صدقي باشا» كأنه وحده المسؤول وكأنه وحده الملوم، وتصور شركاء «صدقي باشا» كأنهم القادرون على إصلاح ما أفسد رئيسهم المستقيل.
    يجب أن يفكر المصريون في هذا كله، وأن يسجل المصريون هذا كله، وأن يثبت المصريون أن هذا العبث الذي يجري من وراء ستار لا يخدع أحدًا، وإنما يخدع العابثين أنفسهم، وأنه لا يزيد على أن يكون عبثًا، وأن مصيره لن يكون خيرًا من مصير تلك السياسة التي فرضها «الرئيس المستقيل» على أمته أكثر من ثلاثة أعوام. ثم يجب ألا ييأس المصريون من أن أمورهم مردودة إليهم من غير شك، ومن أنهم سيحولون بين خصومهم وبين هذا العبث الذي أسرفوا فيه إسرافًا شديد الخطر على الكرامة والمنافع والأخلاق.
    [1] كوكب الشرق في ٢٤-٩-١٩٣٣.

  • نجدة

    نجدة
    إذا[1] قويت الوزارات، آثرت الصراحة والحزم في القول والعمل. وإذا ضعفت الوزارات، لجأت إلى الحيلة والالتواء فيما تعمل أو تقول. ويظهر أن وزارتنا قوية، أشد القوة، عزيزة أشد العزة، ولكن قوتها تسمى ضعفًا في غير مصر، وصراحتها تسمى التواء، وحزمها يسمى حيلة ومداورة. وقد قلنا غير مرة إن للأمور العامة وضعين مختلفين، أحدهما هذا الوضع القديم المألوف الذي تسمى فيه الأشياء بأسمائها، وهو هذا الذي نشهده في بلاد الأرض كلها، والآخر هذا الوضع البديع الشاذ الذي تسمى فيه الأشياء بنقائضها، وهو الذي نشهده في بلدنا السعيد. فنحن أحرار ولكننا لا نستطيع أن نقول ولا أن ننتقل ولا أن يلقى بعضنا بعضًا، ولا أن يجتمع بعضنا إلى بعض في حفل عام أو خاص إلا إذا أذنت الوزارة ورضيت.
    والوزارة تأذن وترضى ولكن لأصدقائها وأنصارها، فأما خصومها فذلك شيء ليس لهم أن يستمتعوا به أو يفكروا فيه. ونحن آمنون ولكن جرائم القتل والشروع في القتل يذاع بعضها كل يوم، فإذا هو معرض مخيف أشبه بما تشتمل عليه بعض البلاغات الرسمية حين تصور خسائر الأعداء من القتلى والجرحى في بعض المواقع الحربية المنظمة. فقد كانت خسائر مصر في يوم كذا خمسة عشر أو ستة عشر أو أربعة عشر، منهم القتيل ومنهم الجريح المشرف على الموت، ومنهم الجريح الذي يرجى له الشفاء. ولا تذكر السرقات، ولا تذكر خطف الأطفال، ولا تذكر الاعتداء على الزرع، فكل ذلك شيء لم يبق له خطر. ونحن موسرون ولكن امرأة تكلف من يعرض ابنتها للبيع، ورجلًا يعجز عن أن يعول أهله وفيهم زوجته وأطفاله فيصب عليهم الزيت ويشعل فيهم النار. ونحن مدبرون ولكن الدول الأجنبية تأبى أن تجيبنا إلى فرض الضرائب على رعاياها، لأنها ترى من إسرافنا وتبذيرنا وإلقائنا للمال باليمين والشمال ما يقنعها بأننا أغنياء، فلا ينبغي أن نشق على سادتنا الأجانب بفرض الضرائب عليهم والتسوية بينهم وبين عبيدهم المصريين.
    ونحن أعزة في بلادنا، ولكن طائفة من الأجانب يعتدون على ديننا وأخلاقنا وأعراضنا سرًا وجهرًا، فإذا حاولنا أن نردهم عن ذلك أو نحول بينهم وبينه قامت من دونهم قوى خفية أخرى ظاهرة فردتنا نحن وصدتنا، وقالت: إياكم وفرض الرقابة على هؤلاء الناس حتى تنظم لكم هذه الرقابة تنظيمًا برأي الإنجليز وبعد استئذان المبشرين.
    وعلى هذا النحو تجري أمورنا كلها معكوسة مقلوبة، والناس عنها راضون، وإليها مطمئنون. ومنهم من يفاخر بها ويتخذ منها الأدلة الواضحة على هذا الشوط البعيد الذي قطعناه في سبيل الحرية والاستقلال، وعلى هذا المنزل الرفيع الذي نزلناه من التقدم والرقي حتى كدنا نبلغ الكمال. ونحن بالغوه من غير شك في أمد قريب جدًا متى فرغ «رئيس الوزراء» من الاصطياف والاستشفاء. فليس غريبًا إذن أن تكون وزارتنا قوية، وإن سمى الناس في غير مصر قوتها ضعفًا، وأن تكون وزارتنا صريحة حازمة وإن سمى الناس في غير مصر صراحتها التواء، وحزمها ضعفًا واستسلامًا.
    والغريب أن وزارتنا لم تكتف بأن تكون وحدها قوية صريحة حازمة على هذا النحو المصري الخاص الذي استحدثته مصر في ظل «رئيس الوزراء»، بل أخذت تكون لنفسها تلاميذ في هذه القوة البديعة، وفي هذه الصراحة الطريفة، وفي هذا الحزم الغريب، وأي تلاميذ؟ تلاميذ لم يحلم بتكوينهم «موسوليني»، ولم يفكر في تكوينهم «هتلر». وما ينبغي لهما أن يحلما بذلك أو يفكرا فيه، فإن الله لم يمنحهما القدرة على إحداث المعجزات. هما قادران على أن يعلما الناس، أما وزارتنا فقادرة على أن تعلم الزمان والظروف والأحداث. وإذا أصبح الزمان تلميذًا لوزارة من الوزارات، وإذا حرصت الظروف والأحداث على أن تقلد وزارة من الوزارات وتتلقى عنها الدروس، فليس من شك في أن هذه الوزارة هي آية الآيات، ومعجزة المعجزات، ومصدر العجب الذي لا ينقضي. ويجب أن نكون منصفين وأن نرد الحق إلى أهله، فإن هذه البراعة لم تقدر لـ«رئيس الوزراء» على كفايته النادرة ونبوغه الرائع، ولا لـ«وزير التقاليد» على ذكائه الفذ وفطنته التي ليس لها نظير، ولا لأحد من زملائهما السابقين واللاحقين، ولا لأحد من الوزراء والمستشارين من قديم الزمان وحديثه، إنما اختص الله بها واحدًا منهم، جعلها وقفًا عليه، لا يشاركه فيها شريك، وهو «وزير داخليتنا» العظيم.
    لم يكد يرقى إلى منصبه الفخم حتى استحدث في المحافظة على الأمن والنظام، وفي مصادرة الحرية أسلوبًا لم يعرفه أحد من قبل، وهو إلغاء المشكلات ومحو المعضلات حتى لا يتكلف التعب والمشقة في حلها، وعلى هذا النحو جعل «وزير داخليتنا» الخطف فنًا من فنون الحكم وأسلوبًا من أساليب السياسة، وسبيلًا إلى الراحة والاطمئنان.
    رأى «رئيس الوفد» في قنا وقد احتشد له الناس يحيونه ويكرمونه ويلتفون به، فهو يكره منهم ذلك، وهو يأبى أن يتعب نفسه ويتعب الدولة ويتعب الناس بتفريق هذه الجموع كما ألف الوزراء الذين سبقوه أن يفرقوها، فيعمد إلى الخطف فيلغي الإشكال ويريح الناس جميعًا، ويختلس «رئيس الوفد» اختلاسًا، ويرده إلى القاهرة في أقصر وقت ممكن، وفي أسرع قطار ممكن. والزمان يرى ويتعلم، والظروف تنظر وتستفيد، والحوادث تشهد وتحاول التقليد. وما علمنا على الزمان غباوة، ولا لاحظنا على الظروف بلادة، ولا أنكرنا على الحوادث تقصيرًا، فمالها كلها لا تنتفع بهذا الأستاذ الفذ، ولا تستفيد من هذه الدروس البارعة؟ ومالها لا تتعلم الخطف ولا تتخذه وسيلة لإزالة المشكلات وإلغاء المعضلات فتريح نفسها، وتريح أصدقاءها أيضًا؟ وأصدقاؤها هم الوزراء ودعائم الحكم في مصر، قد تم بينها وبينهم عهد للتعاون والتظاهر حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.
    وقد عرضت في هذه الأيام مشكلة عنيفة، ومعضلة دقيقة، اختلط فيها الدين بالسياسة، واصطدمت فيها المنفعة بالقانون، وظلت تتعقد حتى لم يبق إلى حلها من سبيل، وهي مسألة «نظلة غنيم». أحكام قضائية شرعية واجبة التنفيذ، وحكم من المجلس الإنجليزي يراد له التنفيذ، وتنصر بعد إسلام، ثم إسلام بعد تنصر، ثم تنصر بعد إسلام، واتصال بالمبشرين، واتصال بالمصريين، واضطراب من الشمال، واضطراب من اليمين، ونوائب تنجم من الأرض، وأخرى تهبط من السماء، وموقف لا خلاص منه ولا محيد عنه؛ إن رضي القانون غضب الأجانب، وإن رضي الأجانب غضب القانون. إن رضي القانون رضي المصريون وعبس الإنجليز، وإن رضي الأجانب غضب القانون وابتسم الإنجليز. فحدثني أين هي الوزارة التي تستطيع أن تواجه هذا الموقف المعقد بشيء إلا بالإلغاء؟ ولكن وزارتنا أحرص على القانون والنظام واحترام الأحكام من أن تتردد أو تضعف، فهي إذن مذعنة لحكم القضاء، منفذة لأمر النائب العام إلا أن يتيح الله لها فرجًا من حرج، وسعة من ضيق، وهنا ينفع الصديق. وأي صديق يشبه الزمان؟ وأي صديق يشبه الظروف والأحداث؟ وأي صديق أنفع وأجدى من صديقك الذي تعلم عليك فاستمع إليك وخرج من مدرستك؟
    هنالك أقبل الزمان يسعى ماكرًا، ومن حوله الظروف والأحداث قد اتخذت صورًا مختلفة، وأشكالًا متباينة، منها ما يطير في الهواء، ومنها ما يمشي على اثنتين، ومنها ما يمشي على أربع، ومنها ما يزحف على الأرض زحفًا. فلما وصل هذا الجيش الغريب من الأصدقاء والتلاميذ إلى «نظلة غنيم» خطفها، وعصف بها عصفًا، وحذفها من مصر حذفًا. وهمَّ «وزير الداخلية» أن ينفذ الأحكام ويرضي النائب العام، فنظر ثم نظر فلم يجد لـ«نظلة غنيم» في مصر حقيقة ولا صورة، ولا عينًا ولا أثرًا، ولا طعمًا ولا ريحًا. فأرسل أعوان الأمن وجنود النظام يطوفون في الأرض ويتحسسون في الأقاليم، ينظرون إلى فوق وينظرون إلى تحت، ويديرون أبصارهم ورؤوسهم فلا يجدون شيئًا، ولا يحسون شيئًا.
    فويل لـ«نظلة غنيم» وزوجها يوم تصل إليهما يد الوزارة، ويظلهما سلطان الوزارة، يومئذ يكون التفريق وأي تفريق، ويومئذ يكون الضم وأي ضم. ولكن لننتظر، فإن عفريتًا من الجن قد أخفى هذين الشخصين الآن، فإذا ظهرا — ولا بد أن يظهرا — فستنفذ الأحكام، ويرضى النائب العام، ويحترم القانون والنظام، ويطمئن حماة الإسلام. وإلى أن يأذن الله بتحقيق هذا كله يحسن الصبر والانتظار، وقد ضمن الله أجزل الثواب للذين يعرفون كيف يصبرون ويصابرون، ويتجنبون العجلة التي هي من جند الشيطان.
    [1] كوكب الشرق في ٢٩-٨-١٩٣٣.

  • استعداء

    استعداء
    في صحف الوزارة منذ اليوم وقبل اليوم سخط شديد على الذين يخاصمون علماء الإسلام ومصابيح الظلام، وأعلام الهدى ونجوم الدجى. وفي صحف الوزارة بغض شديد لهؤلاء الذين يخاصمون علماء الإسلام ومصابيح الظلام وأعلام الهدى ونجوم الدجى. وفي صحف الوزارة تصريح وتلميح بأن الذين يخاصمون العلماء إنما يخاصمون الإسلام، لأن العلماء هم مظهر الإسلام، ومظهر كرامته، وهم حماة الإسلام والذادة عنه. فمن شك فيهم فقد شك في الإسلام، ومن أثار حولهم الشك فقد أثاره حول الإسلام.
    وفي صحف الوزارة استعداء لأولي الأمر على هؤلاء الذين ينالون بالنقد الهين أو الشديد علماء الإسلام ومصابيح الظلام، وأعلام الهدى ونجوم الدجى لأن حماية العلماء هؤلاء حماية للإسلام.
    وفي صحف الوزارة مع هذا الصياح الطويل الملح صمت ليس أقل منه طولاً، ولا إلحاحاً عما تورط فيه علماء الإسلام ومصابيح الظلام وأعلام الهدى ونجوم الدجى من الصمت على تعطيل الأحكام الشرعية وبقاء امرأة مسلمة عند رجل من غير المسلمين، لا يحل له أن يمسكها ولا يحل لها أن تبقى عنده. ولا يحل لحكومة إسلامية أن تقر اتصالها به، وخضوعها له. ولا يحل لعلماء الإسلام ومصابيح الظلام وأعلام الهدى ونجوم الدجى أن يقروا الحكومة إن صبرت على هذا الإثم أو عجزت عن رفع هذا الشر، لأن نص القرآن صريح لا يحتمل تأويلاً ولا تبديلاً. ولأن نص القرآن واضح لا سبيل إلى الفرار منه. فيجب أن نعلم أي الناس أشد إثماً: أهم الذين يريدون أن يقوموا ما في علماء الإسلام من عوج ويسلكوا بهم الطريقة الواضحة المستقيمة للدعوة إلى سبيل الله والذود عن دين الله؟ أم هم الذين يظاهرون العلماء على ما لا يرضاه الله ورسوله والمسلمون؟ وأي الناس أحق أن يستعدى عليه أولو الأمر في بلد إسلامي يعلن أن الإسلام هو دينه الرسمي: أهم الذين يدعون إلى أن تنفيذ أحكام الله دون أن يعترضها معترض وإن كان المجلس الإنجيلي؟ أم هم الذين يسكتون على تعطيل هذه الأحكام وقيام المجلس الملي من دونها، ويطلبون إلى الحكومة الإسلامية أن تبطش بالمدافعين عن الإسلام؟
    صحف الوزارة منطق خاص تقدم به الأشياء إلى وراء، وترفع به الأشياء إلى تحت، ولكن منطق هذه الصحف لا يعنينا، ولغو هذه الصحف أيسر عندنا وأهون علينا من أن نقف عنده ونلتفت إليه. وإنما الذي يعنينا ويدعونا إلى التفكير هو منطق الوزارة وهيئة كبار العلماء. فقد قلنا لهما ومازلنا نقول إن المصريين لن يرضوا أن تمضي قصة نظلة غنيم كما يراد أن تمضي فريسة للصمت العميق والسكوت الطويل، بل سيذكرونها وسيذكرون بها حتى يعلموا ماذا فعلت الوزارة والهيئة في أمرها.
    فأما الوزارة فمسؤولة عن شيئين: الأول حماية الإسلام الذي أخذت نفسها بحمايته. والثاني تنفيذ القانون الذي أنشئت لتنفيذه. فنحن نريد أن نعلم إلى أي حد وصلت من حماية الإسلام وتنفيذ القانون في قصة نظلة غنيم. ونحب أن نعلم: أراضية هي بخضوع هذه الفتاة المسلمة لغير المسلمين برغم أحكام الإسلام أم ساخطة؟ فإن كانت راضية -ونحن نؤكد أنها غير راضية- فقد وعدت بحماية الإسلام، ثم لم تحمه، وأقيمت لتنفيذ القانون ثم لم تنفذه. وإن كانت ساخطة – ونحن نؤكد أنها ساخطة – فماذا فعلت لترفع أسباب هذا السخط؟ وما الذي يمنعها أو يعجزها عن رفع هذه الأسباب؟
    وأما هيئة كبار العلماء فنؤكد أن المسلمين لم يضربوها على يدها – كما يقول العامة – لتأخذ على نفسها هذا العهد الغليظ الذي أعلنت فيه إلى الناس أنها قامت للدعوة إلى سبيل الله، والذود عن دين الله، إنما أخذت على نفسها هذا العهد حرة مختارة، لا مدفوعة إليه، ولا مكرهة عليه. والله – عز وجل – يأمر المسلمين أن يوفوا بعهد الله إذا عاهدوا، ولا ينقضوا الأيمان بعد توكيدها. وإذن فمن حق المسلمين أن يطالبوا الهيئة الموقرة بالوفاء، وأن يضنوا بالهيئة المقصرة على أن تنقض العهد أو تحنث في اليمين.
    والإسلام الذي نهضت الهيئة لحمايته والذود عنه في حاجة إلى حماية سريعة من الهيئة، فماذا فعلت في أمر هذه المرأة المسلمة التي تنتظر من يخلصها من الأسر ويردها إلى ولاية المسلمين. نص من نصوص القرآن الكريم معطل في بلد إسلامي، وليس القانون هو الذي يدعو إلى تعطيله، وليس الدستور هو الذي يدعو إلى تعطيله .. وإنما القانون والدستور يلحان في تنفيذه واحترامه. فنحب أن نعلم أيهما آثر عند هيئة كبار العلماء، وعند حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر: أن يظل هذا النص الكريم معطلا أم أن تسعى الهيئة عند الوزارة سعياً حازماً في تنفيذه، وأن تؤكد الهيئة للوزارة أن تعطيل هذا النص الكريم إذا استمر سيضطرها إلى أن تستقيل.
    نحب أن نعلم أي الأمرين آثر عند الهيئة: أتعطيل نص من نصوص القرآن الكريم وحكم من أحكام الإسلام؟ أم بقاؤها في مناصبها عاجزة عما يجب أن تنهض به؟
    ونحن ننتظر جواباً، وسنلح حتى نظفر بهذا الجواب، ونؤكد للهيئة أن الاستعداء علينا سواء أصدر منها أم من صحف الوزارة لن يخيفنا ولن يثنينا عن هذا الإلحاح.
    كوكب الشرق ١٠\٨\١٩٣٣