Tag: government propaganda

  • غداء

    غداء
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ١ نوفمبر ١٩٤٥
    وأخيرًا فتح الله على حضرة صاحب الدولة محمود فهمي النقراشي باشا رئيس الوزراء، فقال كلامًا تمتلئ له القلوب غِبطةً وابتهاجًا، وتمتلئ له النفوس نورًا وإشراقًا، وتهتز له مصر طربًا حتى يوشك طربها أن يكون زلزالًا ترجو أن يعصم الله مصر من أخطاره وآثاره.
    نعم، فتح الله على رئيس الوزراء، فقال كلامًا رائعًا بارعًا، روَّى عقول الصحفيين بعد ظمأٍ طويل ونقع غلة المصريين بعد أن كان الصدى يهلكهم وينتهي بهم إلى البوار. فقد اجتمع مجلس الوزراء أمس لأمر خطير، خطير جدًّا، ثم دعي الصحفيون إلى حضرة الرئيس بعد انفضاض مجلس الوزراء، فأقبلوا وقلوبهم تنزو في صدورهم وألسنتهم ترقص في أفواههم وريقهم يجف في حلوقهم. ثم تحدث إليهم الرئيس فكان كلامه يقع في نفوسهم الظامئة وقلوبهم الصادية موقع الغيث من الأرض المُجدِبة من بعد عهدها بالماء.
    وكيف لا ينعم الصحفيون، وكيف لا يبتهج المصريون، وقد تفضَّل الجنرال جيت فدعا رئيس الوزراء إلى الغداء مع الفيلد مارشال النبروك رئيس هيئة أركان حرب قوات الإمبراطورية البريطانية. أرأيت إلى هذه الألقاب الطويلة التي دُعِي رئيس الوزراء إلى الغداء معها؟ أليس في هذه الدعوة الكريمة تشريف لرئيس الوزراء وتكريم للشعب المصري الذي ينطق باسمه رئيس الوزراء. أليس هذا الغداء خليقًا أن تُتلى أنباؤه على مجلس الوزراء، وأن تُذاع أنباؤه على المصريين جميعًا. ثم إن الأمر لم يقِف عند الغداء، فقد تحدث الرجلان العظيمان بعد الغداء — أثناء انتظار القهوة وأثناء شُربها وبعد شُربها — حديثًا طويلًا وديًّا في مسائل تهم البلدين، والبلدان هما مصر التي يرأس وزراءها النقراشي باشا، والإمبراطورية البريطانية التي يرأس هيئة أركان حربها الفيلد مارشال النبروك.
    ثم يقف الأمر فجأة عند هذا الحد، وشيء خير من لا شيء، وما ينبغي لمصر أن تطمع في أكثر من هذا، فحَسبُها أن تعلم أن الرجلين العظيمين تناوَلا الغداء على مائدة واحدة، وتحدثا بعد ذلك في مسائل تهم البلدين حديثًا وديًّا طويلًا. ولكن فيمَ كان هذا الحديث؟ كان في الشئون السياسية؟ فإن الفيلد مارشال النبروك ليس صاحب سياسة، ليس من شأنه التحدث في السياسة، وما نعلم أن الإنجليز يُفوِّضون رجال الحرب في أحاديث السياسة! أم كان في الشئون العسكرية؟ فليس صاحب الدولة النقراشي باشا صاحب حرب ولا قتال، وليس له علم بالشئون العسكرية قليل أو كثير، وإذن ففيمَ كان الحديث؟! أو بعبارة أدق ما عسى أن تكون الغاية من هذا الحديث؟ أهي التمهيد للمفاوضات؟ أم هي إشاعة الطمأنينة في نفس الرئيس؟ أم هي تكدير الأعصاب؟
    وفيمَ تريد أن يتحدث عظيم من عظماء الإنجليز إلى رئيس الوزارة المصرية حين يلقاه ويجتمع معه على مائدة الغداء؟ أليس طبيعيًّا أن يدور الحديث بينهما عن مسائلَ تهم البلدين، سواء أكان الوقت وقت مطالبة بالحقوق المصرية أم وقت إهمال لهذه الحقوق ونسيان لها وانصراف عنها. وهل من الممكن أن يزور رجل كالفيلد ماريشال النبروك مصر ثم لا يلقى رئيس الوزراء، ولا يجتمع معه إلى الغداء أو العشاء مهما يكُن الوقت الذي تحدُث فيه هذه الزيارة، ومهما تكُن الظروف التي تحيط بها.
    لقد زار الفيلد ماريشال أتينا قبل أن يزور القاهرة، وما من شك في أنه اجتمع بالوصي على العرش هناك إلى غداء أو عشاء، وأدار معه حديثًا وديًّا طويلًا عن مسائل تهم البلدين، ولكن الوصي على العرش لم يحتَجْ إلى أن يذيع عن هذا الاجتماع وهذا الحديث بلاغًا أو شيئًا يشبه البلاغ؛ لأن الوصي على العرش في بلاد اليونان — وهو قائم برياسة الوزراء الآن — يرى من الطبيعي أن يكون هذا الاجتماع، وأن يدور فيه هذا الحديث الودي الطويل حول مسائل تهم البلدين. ولأن الوصي على العرش مشغول بأمور الشعب اليوناني عن إصدار البلاغات في أمر طبيعي مألوف. وهذا هو كل الفرق بين رئيس وزرائنا ورئيس الحكومة اليونانية، أحدهما — وهو الرئيس اليوناني — مُثقَل بأشياء كثيرة يجب أن يعملها، وبأشياء كثيرة يجب أن يقولها وبأحاديث كثيرة يجب أن يديرها، والآخر هو رئيس الحكومة المصرية فارغ اليد والبال، ليس له هم ينغص يومه أو يؤرِّق ليله، وليس لديه شيء يقوله للمصريين، والمصريون مع ذلك يريدونه على أن يقول لهم شيئًا. وقد جدَّ الرئيس وكدَّ وبحث واستقصى وفكَّر وقدَّر فلم يجِد شيئًا يقوله للمصريين؛ لأنه لم يجِد شيئًا يعمله للمصريين، ثم صنع الله له ورفق به وهيَّأ له ظرفًا مواتيًا؛ فاجتمع بالفيلد مارشال النبروك واستطاع أن يذيع في المصريين نبأ هذا الاجتماع.
    والغريب أن رئيس الوزراء اكتفى بدعوة زملائه الوزراء، ولم يَدْعُ الهيئة السياسية ليقرأ عليها هذا النبأ العظيم، وليفاوضها في دخائله وأسراره وفي مقدماته ونتائجه، أفتراه يُؤثِر مجلس الوزراء بأسرار السياسة من دون الهيئة السياسية العليا؟ أم ترى الأمر أقلَّ خطرًا أو أهون شأنًا من أن يجتمع له أعضاء هذه الهيئة السياسية العليا؟ وما عسى أن يكون رأي صاحب الدولة صدقي باشا في هذا الحدث العظيم؟ أتراه يرضى عنه ويصبر عليه؟ أم تراه يضيق به فيستقيل من هيئة تُطوى دونها الأسرار وتُخفى عليها حقائق السياسة العليا؟ يستقيل وتُذاع أنباء استقالته في الصحف، ثم يدعوه رئيس الوزراء إلى غداءٍ أو عشاءٍ أو كأسٍ من القهوة يدور حوله حديثٌ وديٌّ طويلٌ كذلك الذي دار بين الرئيس والفيلد مارشال، ثم يعدل صدقي باشا عن الاستقالة؛ لأن أقنع النقراشي باشا بأنه كان مخطئًا، أو لأن النقراشي باشا أقنعه بأنه كان مصيبًا، ثم تجري الأمور كما جرت بعد استقالة الأسبوع الماضي.
    والحق أن المصريين في حاجة إلى هذه الفكاهات يَتَسَلَّوْنَ بها عن هذه الحياة الراكدة الجامدة الخامدة، التي لا تُغني شيئًا ولا تدل على شيء، والتي فُرِضَتْ على المصريين في هذه الأيام الشداد.
    يجب أن يستقيل صدقي باشا، وأن يترضاه النقراشي باشا حتى يعدل عن الاستقالة، وأن يجد الصحفيون من أصحاب الفكاهة ما يرفهون به على القراء. يا ويح هذا الشعب من ساسته العظام وقادته الكبار، إنهم ليكلفونه من أمره شططًا، إنهم ليعبثون والشعب في حاجة إلى أن يجِدُّوا، ولكن بهذا سبق القضاء وجرت الأقدار.
    فيجب أن يشغل الشعب بهذا الأحاديث الفارغة عن حقوقه المُقَدَّسَة، ويجب أن يُلهى الشعب عن آماله وأمانيه بما يكون من استقالة صدقي باشا ظهر الخميس وعدوله عن هذه الاستقالة بعد أن يقدمها بساعات قصار أو طوال.
    وبعد، فلو أن عند النقراشي باشا شيئًا يقوله أكثر من اجتماعه بالفيلد مارشال لقاله، ولو أن عند النقراشي باشا شيئًا يعمله أكثر من الغداء من الفيلد مارشال لعمله. ولكن الرجل قد بذل جهد المُقِل، وأعطى خير ما عنده أو كل ما عنده، وأجملُ بائعة للتبغ لا تستطيع أن تعطي إلَّا ما عندها كما يقول الفرنسيون. والله لا يكلف الناس فوق ما يستطيعون. وقد بذل رئيس وزرائنا طاقته كلها، فتغدى مع الفيلد مارشال وأدار معه حديثًا ودِّيًّا طويلًا في مسائل تهم البلدين، ثم أفضى بنبأ ذلك إلى مجلس الوزراء، ومن حيث إن الوزارة تُعاب بالصمت، وتؤخذ بالتقصير في نشر الدعوة لما تنهض به من أعمال جِسام. فقد أُشير على رئيس الوزراء في أكبر الظن بأن يدعو الصحفيين إلى حضرته، ويذيع فيهم هذا النبأ الخطير، وقد فعل، واللهُ لا يكلِّف نفسًا إلا وسعها، فيجب على الشعب المصري أن يرضى، بل يجب عليه أن يبتهج، بل يجب عليه أن يملأ الجو هتافًا وتصفيقًا وصفيرًا أيضًا. فقد تغدَّى رئيس الوزراء مع الفيلد مارشال النبروك، وأدار معه حديثًا وديًّا طويلًا في مسائلَ تهم البلدين.
    ولا ينبغي أن يفوت الشعب المصري أن لهذا الغداء خطره العظيم؛ لأن غداءً آخر حدث في لندرة، وما من شك في أن سفيرنا قد تحدَّث هو أيضًا مع ضيفه المستر بيفن وزير الخارجية البريطانية حديثًا وديًّا طويلًا في مسائلَ تهمُّ البلدين، غداء في القاهرة وغداء في لندرة وغداء يطابق أصول السياسة كل المطابقة، يطابق أصول السياسة الظريفة كل الظرف، فرئيس وزرائنا ضيفٌ في القاهرة، وسفيرنا مضيف في لندرة، وليس بين الغدائين من فرق إلَّا أن غداء القاهرة دعا إليه قائد بريطاني، ولم يدع إليه السفير البريطاني أو من ينوب عن السفير.
    وتفسير هذا الفرق يسيرٌ جدًّا، فوزير الخارجية البريطانية صاحب سياسة وليس صاحب حرب؛ فهو إذن يتغدَّى مع السفير المصري ويدير معه الحديث الودِّي الطويل. أمَّا رئيس وزرائنا فصاحب مهارة حربية وبراعة في الكرِّ والفرِّ والإقدام والإحجام، فهو إذن يتغدَّى مع الفيلد مارشال ويدير معه الحديث الودِّي الطويل.
    أليس لهذا العبث من آخِر، ألم يأنِ لساستنا أن يثوبوا إلى ضمائرهم وأن ينظروا إلى الساسة من حولهم، وأن يقدروا أنهم يوشكون أن يضيِّعوا على مصر فرصًا لا سبيل إلى استدراكها إذا لم تنتهز الآن؟ ألم يأنِ لرئيس الوزراء أن يخلو إلى نفسه ذات صباح أو ذات مساء، وأن يسألها عن هذا الفوز العظيم المخيف الذي يظفر به في هذه الأيام؟ إنه يفوز على نفسه فيشغل بمظاهر الحكم عن حقائق الحياة المصرية، وقد كان العهد به غاليًا في الوطنية جامحًا في المطالبة بالحقوق. أيمكن أن يكون الحكم ملطِّفًا لحدة المزاج إلى هذا الحد! إنه يفوز على أمته فوزًا عظيمًا مخيفًا حين يشغلها بالتافه من الأمر عن الجهاد في سبيل الحق، وحين يلهيها بهذه الأحاديث التي لا تُغني شيئًا عن تحقيق آمالها في هذا الوقت الملائم لتحقيق الآمال.
    ليت النقراشي باشا يخلو ساعة إلى نفسه ويوازن بين موقفه الآن وموقفه في أعقاب الحرب العالمية الأولى. إذن يفزع أي فزع ويهلع أي هلع، ويعلم أن الحكم قد يغيِّر بعض النفوس، وقد ينحرف ببعض الناس عن الجادة، ويدفعهم إلى كثيرٍ من الالتواء.
    ولكن صاحب الدولة في شغل عن حساب نفسه والخلوة إليها، والموازنة بين قديمه وحديثه. فقد يحب أن يبقى في الحكم ليحفظ العهد الحاضر من الانهيار، وفي انهيار العهد الحاضر خطر أي خطر. فيه هذا الخطر العظيم الذي قد لا يحبه الإنجليز، ولا يحبه أنصار الوزارة من المصريين. إن انهيار العهد الحاضر يردُّ إلى الشعب حريته ونشاطه، واندفاعه إلى المطالبة بالحق وإصراره على هذه المطالبة حتى يبلغ ما يريد، وهذا شيءٌ قد لا يحبه الإنجليز الآن، وقد لا يحبه فريقٌ من المصريين أيضًا مع الأسف الشديد.
    فليبق العهد الحاضر إذن، ولتُؤجَّل المطالبة بالحقوق، وليتغدَّ رئيس الوزراء مع الفيلد ماريشال النبروك، ولينعم الشعب المصري بهذا الشرف العظيم الذي هو أعظم وأضخم من نيل الحقوق. أليس رئيس وزرائه قد تغدَّى مع الفيلد مارشال، وأدار معه حديثًا وديًّا طويلًا.

  • إغراء٢

    إغراء …

    يظهر أن شعبنا المصري يحب الوزارة حبا جما، ويؤمن بها إيمانا لا حد له، ويمنحها ثقة لم يمنحها وزارة من قبل، ويوليها اطمئنانا لم يوله أحدا من قبل. فإذا قالت له الوزارة افعل لم يتردد في الطاعة والإذعان، وإذا قالت له الوزارة لا تفعل لم يتردد في الامتناع والانتهاء، بل هو يمضي في حب الوزارة والإعجاب بها، والإيمان لها، إلى أبعد من هذا الحد. إلى حد لم تكن الوزارة تنتظره ولا ترجوه، إلى حد لم تره عين ولم تسمعه أذن ولم يخطر على قلب بشر، فهو يتحسس نية الوزارة ويتبين مع الجهد والمشقة ما ستريده في المستقبل القريب أو البعيد، تنفيذ إرادتها، وما ستأباه في المستقبل القريب أو البعيد ليسبق إلى الامتناع والانتهاء، فيريحها بذلك من مشقة الأمر والنهي، ويحط عنها ثقل العمل وأعباء التبعة، ويتيح لها أن تستريح. لا تأتي من الأمر إلا أن تفكر فيما تحب، فإذا الشعب يحبه معها بل يسبقها إلى الحب، وفيما تكره فإذا الشعب يكرهه معها، بل يسبقها إلى الكره. وهذا فيما نعتقد أعظم ما يمكن أن تبلغه الوزارات من ثقة الشعوب وتأييدها ومن رضى الشعوب وإيمانها وما نعلم أن وزارة ظفرت بمثل هذا الحب من الشعب منذ وجدت الوزارات ومنذ عرفها التاريخ. وما نظن أن وزارة ستظفر بمثل هذا الحب، في بلد من البلاد، حتى يرث الله الأرض ومن عليها، ومصدر هذا الحب الرائع، الذي لا نظير له فيما كان، ولا فيما هو كائن ولا فيما سيكون، هو في أكبر الظن أن وزراءنا جميعا رجال طيبون، لا تضمر قلوبهم للشعب إلا حبا ونصحا، ومودة وإخلاصا. ولا يقصدون حين يقدمون على شيء أو يحجمون عن شيء إلا إلى تحقيق إرادة الشعب كاملة، ورفع رأس الشعب عاليا، وحفظ كرامة الشعب موفورة. عرف الشعب منهم ذلك مرة، ومرة، ومرة آمن لهم، واطمأن إليهم، وألقى إليهم القيادة وقال لهم سيروا بي حيث شئتم، فأنا لكم تابع، وافعلوا بي ما شئتم فأنا لكم مذعن، ومروني بما شئتم فأنا لكم سامع مطيع.

    ولعلك من الذين يجحدون البديهيات، ويشكّون في الأوليات ولا يؤمنون بما آمن به الناس جميعا، ولا يصدقون بأن الشمس طالعة، وإن كان ضوؤها يبهر الأبصار، وإن كان حرها يصهر الأجسام وإنما تلتمس الدليل، فيما لا يحتاج إلى الدليل، وتسأل عن الحجة فيما لا يفتقر إلى حجة. لعلك من هؤلاء الوفديين الذين لا يزالون يظنون أن الشعب لا يحب الوزارة، ولا يطمئن إليها، ولا يستجيب لها إذا دعت، ولا يسمع لها إذا قالت فإذا كنت من هؤلاء فقد تستطيع أن تسمع لهذا النبأ العجيب، وأن تتعظ به، وأن تقنع نفسك بأن أيام الوفديين قد انقضت، وبأن نجمهم قد أفل وبأن ليس لهم في البقاء السياسي أي مطمع.

    زعم رئيس الوفد وأصحابه أعضاء الوفد، أن من حقهم أن يدعوا إلى مؤتمر وطني، يعقدونه في الشهر المقبل، وأعلنوا رأيهم هذا، فلم يحفل بهم أحد، ولم يلتفت إليهم أحد، ولم يتقدم أحد للاشتراك في هذا المؤتمر الذي يريدون أن يدعوا إليه، إلا نفر قليل جدا لا يبلغون أصابع اليدين، فهم عشرة آلاف، أو هم كانوا عشرة آلاف منذ أسبوع، ولو كان الوفد مسموع الكلمة الآن كما كان مسموع الكلمة من قبل، لأسرع الناس إلى مؤتمره إسراعا، ولما انتهى المستجيبون لدعوته، إلى هذا العدد اليسير، الضئيل، الذي لا يغني شيئا، ولا يدل على شيء، والذي لا يحصى بالعشرات، ولا يحصى بالمئات، وإنما يحصى بالألوف. ومصدر هذا الإعراض عن الوفد، والتنكر له، أن الشعب قد علم بأن الوزارة لا تحب الوفد، فمحا حب الوفد من قلبه محوا، وأن الشعب قد سمع بأن الوزارة لا تحب المؤتمر الذي يدعو إليه الوفد. فزهد في هذا المؤتمر زهدا، ولم يرسل إليه إلا عشرة آلاف.

    ولعل هذا الدليل لا يقنعك، فإليك دليلا آخر، أبلغ منه في الدلالة وأقدر منه على الإقناع. فقد نشرت صحف وزارية أن الوزارة تفكر في أن تمنع اجتماع المؤتمر بغضا له، وإشفاقا منه، على الأمن طبعا، فلم يكد الشعب يتبين رأي الوزارة هذا، ويسمع بأن الوزارة قد تريد منع اجتماع المؤتمر، حتى سبق إلى تحقيق إرادتها، والاستجابة لدعائها فزاد إعراضه عن المؤتمر، واشتد قعوده عنه، وتلقى سكرتير الوفد في يوم واحد ألفي طلب للانضمام إلى المؤتمر والاشتراك فيه. نعم تلقى ألفي طلب في يوم واحد، بعد أن أشيع وأذيع أن الوزارة لن تسمح بانعقاد المؤتمر. فأي دليل على إخفاق الوفد، أوضح من هذا الدليل، وأي حجة على فوز الوزارة أنصع من هذه الحجة؟ لو كان الوفد منتصرا في هذه الأيام كما كان منتصرا من قبل، لتلقى سكرتيره في يوم واحد طلبين اثنين أو عشرين طلبا، أو مئتي طلب، ولكن الوفد منهزم ممعن في الانهزام، فلا تكاد الإشاعات تنبئ الناس بكره الوزارة لمؤتمر الوفد حتى يبطئ الناس عن هذا المؤتمر فلا يتقدم إليه في اليوم الواحد اثنان، ولا عشرون ولا مئتان وإنما يتقدم إليه ألفان . . .

    وستمضي الإشاعة في الترويج لبغض الوزارة للمؤتمر وسيمضي الناس في السبق إلى تحقيق إرادة الوزارة وفي القعود عن المؤتمر، وسيتلقى الأستاذ الكبير مكرم عبيد سكرتير الوفد في كل يوم طلبات لا تعد بالأحاد ولا بالعشرات ولا بالمئات، وإنما تعد بالألوف، وسيحار الوفد في أمر هؤلاء المشتركين، أين يجمعهم وكيف يجد المكان الذي يحتويهم، وسيؤمن رئيس الوفد آخر الأمر بما لا بد له من الإيمان به وهو أن الشعب قد زهد فيه، وتفرق من حوله ورغب في رئيس الوزراء، والتف حوله، وأصبحت زعامة رئيس الوفد، حديثا من الأحاديث ونبأ من الأنباء، وأصبحت زعامة رئيس الوزراء الرجل الطيب حقيقة واقعة لا تقبل شكا ولا مراء يؤمن بها الإنجليز، قبل أن يؤمن بها المصريون.

    أتريد دليلا آخر على انهزام الوفد، وانقضاء زعامة النحاس؟ لقد اعترف النحاس نفسه بهذا الدليل، وسجل الهزيمة على نفسه تسجيلا، فأنبأنا بأنه كان في كازينو سان ستفانو ذات يوم، وكان رئيس الوزراء أيضا في الكازينو، وكان الناس يحتفلون بعيد من أعياد الخير، فنظر النحاس ونظر الناس فإذا الشعب حول النحاس، لأنه يبغضه أشد البغض، ويرفض زعامته كل الرفض . . . وإذا الشرطة، والشرطة وحدها، حول رئيس الوزراء، لأن رئيس الوزراء هو الزعيم الأوحد، وهو الرئيس الجليل !!

    فلما كان الغد كان النحاس في الكازينو، وكان الشعب يحتفل بهذا العيد نفسه، وهمّ الشعب أن يلتف حول النحاس ليظهر له البغض، وليعلن إليه أنه قد رفض زعامته رفضا، ولكن وزارة الرجل الطيب، كانت طيبة مثله، فرحمت النحاس من هذا الخذلان، وأشفقت عليه من بغض الشعب، وفرقت الناس من حوله تفريقا.

    ما أشد حاجة جماعة من المصريين إلى مقدار يسير من الحياء وإلى شعور يسير بما يحسن أن يقال وما لا يحسن أن يقال.

    ألست ترى معي أن الوزارة إذا أمرت بشيء كان أمرها صدّاً للناس عنه، وإذا نهت عن شيء كان نهيها إغراء للناس به؟ ألست ترى معي أن ما أذيع من مكر الوزارة للمؤتمر قد أغرى الناس بهذا المؤتمر إغراء، ودفع الناس إلى الاشتراك فيه دفعا؟ فكيف إذا أعلنت الوزارة حربها الشعواء على هذا المؤتمر؟

    إن أحسن حرب تستطيع الوزارة أن تعلنها على خصومها وعلى الوفد خاصة بين خصومها هي ألا تحاربهم ولا تكيد لهم، ولا تظهر لهم بغضا، فإن الناس قد عاهدوا أنفسهم وقلوبهم وضمائرهم أن يمضوا إلى اليمين إذا مضى الرجل الطيب ووزارته إلى الشمال وأن يمضوا إلى الشمال، إذا مضى الرجل الطيب ووزارته إلى اليمين . . .

    طه حسين
    الوادي، ٢٦ / ٩ / ١٩٣٤م.

  • خطبة٢

    حديث الوادي
    خطبة . . .
    سيلقيها وزير التقاليد إن شاء الله حين يمضي من هذا الشهر ثلثاه ، وحين يستقبل الناس مساء اليوم الحادي والعشرين منه . هنالك في اجتماع كبير خطير ، يضم الأعلام وغير الأعلام من أعضاء الحزبين الشقيقين ، ومن أوليائهما وأصدقائهما ، ويزدان بهذه المصابيح المنيرة ، والكواكب المشرقة من وزراء الدولة ، على اختلاف أحزابهم وميولهم ، هنالك في هذا الاجتماع الكبير الخطير ، ستقبل هذه الخطبة على أهل الإسكندرية رائعة كالليل ، متدفقة كالسيل ، نستغفر الله أن من الخطأ البياني والضعف الأدبي أن يشبه تدفق الخطب ، بتدفق السيل في هذه الأيام التي ينحدر فيها النيل هائلاً مخوفاً كأن في كل موجة من موجاته ، عفريتاً من الجن ، فهو لا يدع شيئاً مر به إلا اقتحمه اقتحاماً ، أو التهمه التهاماً ، أو التقمه التقاماً حتى أزعج الظاعن والمقيم ، وروع القريب والبعيد ، وأقام وزارات الأشغال والحرب والأمن وغيرها من الوزارات على قدم واحدة لا على قدمين .

    إذن نستقبل خطبة وزير التقاليد ، على أهل الإسكندرية رائعة كالليل ، متدفقة كالنيل ، وهنا مشكلة أخرى . فإن السجع لا يستقيم بين الليل والنيل ، كما كان يستقيم بين الليل والسيل لأن نون النيل مكسورة ، فهل يأذن لنا المجمع اللغوي ، في فتحها ليستقيم الكلام فما ينبغي أن نتحدث عن خطبة يلقيها وزير التقاليد ، بكلام لا يستقيم مهما يكن من شيء فستكون هذه الخطبة رائعة ، بارعة ، وعنيفة مخيفة ، ورقيقة رشيقة ، ومفحمة ملزمة ، وسيؤمن الإسكندريون ثم يؤمن معهم المصريون ، ثم يؤمن معهم الشرقيون ، بأن عصر الفصاحة والبلاغة والبيان المعجز لم ينته بعد ، وأن الأمة العربية ما زالت بخير ، وأن من حقها أن تطمئن على أنها ما زالت لغة الضاد ، التي لا ينبغي الشك في أنها أفصح اللغات ، فوزير التقاليد أفصح من خطب ومن سيخطب ، وأبلغ من كتب ومن سيكتب ، وأبرع من دافع ومن سيدافع ، وأقدر من حاور ومن سيحاور على إفحام الخصوم .

    والناس مختلفون في الموضوعات التي سيتناولها وزير التقاليد في خطبته السياسية الخطيرة حين يلقيها في اجتماعه السياسي الخطير . فمنهم من يزعم أنه سيثبت بالبرهان القاطع ، والدليل الساطع أن النظام مستقر ، وأن أمور الأمن تجري على ما يرام ، ومنهم من يظن أنه سيتنبأ بما ستجري به الحوادث : إذا جاء الشهر المقبل ، فسيكون شيء من تغيير ولكنه يسير ، يقف عند إخراج وزير وإدخال وزير . وقد يتجاوز ذلك إلى إقامة رئيس مكان رئيس . ومنهم من يقول إنه سيتحدث عن الصلة بين مصر وإنجلترا وسيزف إلى سامعيه أنباء مفاوضات لا ريب فيها ، ومعاهدات لا مفر منها ، وسينتهي من ذلك إلى إعلان أن الوزارة لم تكن في يوم من الأيام أقوى مما هي الآن . .

    أما أنا فلا أصدق شيئاً من هذا ولا أميل إليه ، وإنما الظن أن وزير التقاليد قد أحس أن غيبة البرلمان قد طالت ، وأن سكوت الوزارة قد اتصل ، وأن الحكومة قد أقدمت على أمور ، وأحجمت عن أمور ، وأن الشعب ، في حاجة إلى خطبة سياسية رائعة جامعة تبين له عما خفي من سياسة الوزارة ، وتفسر له من سيرتها الغامض والملتوي ، وإذن فستكون خطبة وزير التقاليد السياسية أشبه الأشياء بخطبة برلمانية ، يراد بها طمأنة البرلمان ، على ما كان ، وإذا اطمأن البرلمان ، فقد اطمأن الشعب ، لأن البرلمان صورة الشعب كما يقول فقهاء الدستور .

    وعلى هذا فسيكون وزير التقاليد ، ترجمان الوزراء جميعاً ينطق بلسانهم ، ويعرب عما ظهر وبطن ، من أغراضهم ، وآمالهم ، وهو سيبدأ من غير شك بوزارة المعارف عملاً بالحكمة القديمة : ابدأ بنفسك ثم بمن تعول ، وهو سيبين للناس كيف نقل الأستاذ مصطفى نظيف من مدرسة الهندسة العليا إلى مدرسة أسيوط الثانوية بعد أن شغل المنصب الذي كان الأستاذ يرشح له بأستاذ بريطاني عملاً بالحكمة القديمة القائلة : من تواضع لله رفعه ، لأنه يحس في المصريين شيئاً من الطموح والكبرياء فهو يريد أن يعلمهم كيف يتواضعون؟ . .

    وسيبين للناس كيف فصل الأستاذ السنهوري من كلية الحقوق بقرار من مجلس الوزراء ، في غير تحقيق ولا سؤال ، لأسباب منها ما هو مكذوب من غير شك ، وإن لم يعرف بالضبط ذلك الكاذب الذي اختلقه وضلل به الوزراء . ومنها ما هو في حاجة إلى البحث والاستقصاء ، لأنه لا يعدو أن يكون شبهة يدل كل شيء على أنها باطلة ، عملاً بما أوصى به الحكماء من أن الغلو في الحذر خير من الركون إلى الثقة . ومن أنه يباح للوزراء في أوقات الاضطراب أن يأخذوا بالظنة ويعاقبوا على الشبهة ، ويسيروا سيرة زياد حين أخذ له أعرابي يسير في الليل بمدينة البصرة ، فلما سئل عن ذلك أنبأ بأنه قادم من سفر بعيد ، ولم يعلم بما تقدم الأمير فيه إلى الناس ، ألا يخرجوا إذا جنهم الليل ، فقال زياد للأعرابي : إنك لصادق ولكن في قتلك صلاح الرعية ، ثم أمر به فأذيق الموت .

    وسيبين للناس كيف اتخذ قانون التعليم الحر وسيلة إلى إنشاء مراقبة جديدة ينفق فيها المال على بعض الرجال ويفسد بها النظام ، وتختلط فيها أمور التعليم ، وسيبين للناس كيف بسط سلطانه على المصريين الذين يتعلمون في أوروبا ، فهو يراقبهم جميعاً ، ويأمر الوزارات ألا تعين منهم أحداً إلا إذا أذن بتعيينه ، وسيبين للناس كيف مثل مصر في مؤتمر التعليم برجل لا يحسن لغة أجنبية ، ولا يلم من أمور التعليم بشيء ذي بال ، إذا قيس إلى الأخصائيين في الوزارة وفي معهد التربية ، وكيف كلف هذا الرجل الذي لا يحسن لغة أجنبية أن يلم بالعواصم الكبرى ليبحث في مكتباتها عن الكتب العربية المخطوطة مع أن البحث عن هذه الكتب ميسور في غير سفر ولا ارتحال .

    وسيبين للناس أشياء كثيرة أخرى حتى إذا أشبعهم من وزارة المعارف انتقل إلى وزارة الداخلية ، فنوه ببراعة وزيرها الخطير ، في حماية الأمن ، وإقرار النظام ، ومحاربة الوفد ، ومطاردة الوفديين ومراقبة رئيس الوفد ، ومحاصرته ، وحشد الجند له إن سافر أو أقام ، ولن يهمل تبسيط الإجراءات ولا حماية الآداب على السواحل ولا جباية الضرائب في غير احترام للقانون . فإذا أشبع الناس من وزارة الداخلية انتقل إلى وزارة المالية فأثنى على وزيرها النابغة بما هو أهله ، وذكر استقباله للمندوب السامي في الصبرية ، وذكر جهوده في حل مشكلة الدين العقاري التي لم تحل بعد ، وفي تفريج أزمة الدين العام التي ترك تفريجها للإنجليز فإذا أشبع الناس من وزارة المالية انتقل إلى وزارة الحقانية ، فذكر أزمة المحامين وكيف اختلست من البرلمان اختلاساً ، وذكر تشريع الصحافيين ، وكيف يراد أن يسبق به البرلمان مسبقاً ، وذكر أزمة المحاكم المختلطة وكيف أهديت إلى الإنجليز إهداءً .

    ثم ينتقل إلى وزارة الأشغال ، فيذكر براعتها في حماية مصر من الغرق ومهاراتها في الإجابة على مذكرات المندوب السامي ، حين يكتب إليها المذكرات ، ولياقتها في الإعراض عن المصريين حين يسألونها عن بعض ما يعنيهم من الأمر .

    وقد ينتقل إلى وزارة الأوقاف إن سمح له الوقت ، ولم تصب التخمة أعضاء الحزبين الشقيقين . فيذكر عزمها على تغيير قصة المولد النبوي ويثني على وزيرها ويسجل له هذه التضحية البالغة التي أقدم عليها في أغسطس الماضي ، حين ذكر سعداً وحده ، في غرفة من غرف داره ، لم يشارك في هذه الذكرى أحداً لأول مرة منذ مات سعد رحمه الله .

    ثم ينتقل من هذه الوزارة إلى وزارة أخرى ، ثم إلى وزارة أخرى ، حتى يصور حياة الوزارات كلها أروع تصوير ، وأبلغه ، وأشده اختلاباً للعقول ، وللقلوب ، ثم ينظر فإذا رأى السامعين قد تعلقوا بشفتيه وأفنوا أنفسهم في شخصه وأصبحوا ملكاً له ، يصرفهم كما يريد ، صاح فيهم صيحة ، تزلزل لها الأرض ، وتضطرب السماء وتنخلع لها القلوب :

    هذه سيرتنا أثناء غيبة البرلمان ، فهي صورة لسيرتنا أثناء حضور البرلمان وهي مقدمة لسيرتنا حين يحضر البرلمان في العام المقبل ، فهل أنتم لها منكرون؟ هنالك يجيب المجتمعون بصوت واحد .
    كلا . فيقول الوزير في صيحته العنيفة المخيفة ، فهل أنتم راضون ، فيجيب المجتمعون بصوت واحد نعم . فيصيح الوزير وقد امتلأ حماسة وقوة وبأساً ويقيناً وثقة ، فليسمع الإنجليز الذين يريدون التغيير ، ولكن الإنجليز قوم ينامون أحياناً فيغرقون في النوم ، ولا تزعجهم مثل هذه الصيحة ، ولا يوقظهم مثل هذا الاجتماع
    طه حسين
    الوادي ، ٩/١٠/ ١٩٣٤ .

  • تضليل

    حديث الوادي
    تضليل…

    يريد قوم أن يفرضوه على مصر فرضًا، وأن يجعلوه من الأعمال التي يثاب من أقدم عليها بالراحة والأمن والهدوء، ويعاقب من أحجم عنها بالأذى في نفسه وماله وأهله، على حين تريد الحضارة، ويريد الرقي، وتريد الأخلاق، ويريد الدين، أن يكون التضليل إثمًا من الآثام، يعاقب المقدمون عليه والداعون إليه والمتورطون فيه.

    ذلك أن حاكمًا من الحكام إن مات، فلا ينبغي فيما يقال إن الوزارة تريد أن تشرع من قانون للصحافيين والمؤرخين، أن تكتب فيه كلمة الحق صريحة، ولا أن يصدر عليه حكم التاريخ واضحًا، ولا أن يصور للأجيال الحاضرة، والأجيال المقبلة، تصويرًا صادقًا، ويبين للناس ما قدم من خير ليحمدوه ويتأثروه، وما قدم من شر ليكرهوه ويتجنبوه.

    وإنما ينبغي أن تعامل الموتى كما يعامل الأحياء، وأن يتأثر الكتاب والمؤرخون حين يكتبون عنهم بما يتأثرون به حين يكتبون عن الأحياء من ألوان المجاملة والمصانعة، ورعاية المنافع، واتقاء الخوف، واجتناب التعرض للعقوبات.

    فالقانون الذي يراد إصداره، إن أتيح له الصدور، سيدخل إذن بين الكتاب والمؤرخين، وبين ضمائرهم، وسيكره إذن هذه الضمائر على ما لا تحب، وسيلزم إذن كل كاتب، وكل مؤرخ يعرض للموتى، بأن يتحرى ما يمكن وما لا يمكن، ويتبين ما يساغ وما لا يساغ، ويبحث عما يرضى وما لا يرضى، ولا يقول من ذلك كله إلا ما لا يعرضه لتحقيق النيابة، ثم لموقف القضاء، ثم للغرامة أو السجن أو لهما جميعًا.

    وإذن فسيفرض على الكتاب والمؤرخين، حين يعرضون لسير الموتى، ألا يقولوا الحق كاملًا، وأن يذيعوا في الناس غير الصواب، وأن يكونوا أدوات للتضليل، – وأي تضليل؟ – لتضليل أجيال كاملة، وللتضليل فيما لم يعرف الناس قط أن التضليل فرض فيه على أحد.

    والغريب أن هذه الأوليات التي يكفي أن يفكر فيها رجل متحضر، ليضيق بها، وينفر منها، ويعافها كما يعاف أشد الأشياء إيذاء للنفس، تجد بين المثقفين المصريين من يطمئن إليها، ويقدم عليها، ويريد أن تصبح قانونًا يؤخذ به الناس كهذا.

    والغريب أن في مصر قومًا يتخذون التاريخ صناعة، يجد بعضهم فيه لذة، ويجد بعضهم فيه منفعة، وأولئك وهؤلاء، يحرصون أو يظهرون الحرص على أن يكونوا مؤرخين حقًا، أي مذعنين لما تقتضيه صناعة التاريخ، من إيثار الحق على كل شيء، ومن إيثار مناهج البحث الحر على كل شيء، ومن إباء الخضوع لأي قيد من شأنه أن يفسد التاريخ، أو الحرية البحث التاريخي، مهما تكن الظروف.

    الغريب أن في مصر نقرأ من هؤلاء، وأنهم يقرأون ويسمعون ما يذاع من الأنباء عن هذا الكيد الذي يدبر للتاريخ، فلا يؤذيهم ذلك، أو لا يظهر للناس أن ذلك يؤذيهم، وإنما هم خاضعون، مذعنون، لا يقولون حرفًا، ولا يظهرون إنكارًا، ولا يذودون عن كرامة العلم، ولا يدفعون عن هذه الأمانة المقدسة، التي لا قيمة لعالم إذا لم يدفع عنها بكل ما أوتي من قوة وجهد، وقدرة على الدفاع.
    والغريب أن الوزارة حين تفكر في هذا القانون لا تستقصي آثاره ونتائجه، ولا تهيئ العدة لتنفيذه، كما ينبغي أن ينفذ، ولا تتخذ الوسائل إلى فرض الرقابة على الجامعة، وعلى المدارس الثانوية والابتدائية. فالتاريخ يدرس في هذه الجامعة وفي هذه المدارس، ودرسه في الجامعة حر إلى الآن، فلابد من تقييد هذه الحرية، ولابد من تعيين مراقبين يرون دروس الأساتذة قبل أن تلقى، ويسمعونها أثناء الإلقاء، حماية لمن فارق هذه الدار، أو يفارقها من الحكام. ودرس التاريخ في المدارس الثانوية والابتدائية يكون طبقًا لكتب رسمية قد وضعت له، حين كان التاريخ حرًا، فلابد من أن تؤلف اللجان لتنقي هذه الكتب تنقية من جراثيم الحرية والحق، ولابد من أن يعاد تأليف هذه الكتب، ليرد التاريخ إلى ما يراد له من إرضاء الأهواء والشهوات، لا من تصوير الحق والصواب. ولابد مع ذلك من تعيين المراقبين، لأن أساتذة التاريخ في المدارس لا يقيدون أنفسهم بالكتب الرسمية دائمًا، وإنما يتبسطون، ويستطردون، ولعلهم أن يمسوا ميتًا بغير ما تحب الوزارة أن يمسوه به، فيجب أن يردهم المراقبون عن ذلك ردًّا، حماية للموتى، وتنفيذًا لهذا القانون الغريب!

    والغريب أن للتاريخ مؤتمرًا عالميًّا يجتمع كل ثلاثة أعوام، وأن لهذا المؤتمر لجنة دائمة تتبع الدراسات التاريخية، وما ينالها من رقي، وما يعرض لها من ضعف، وأن لمصر شعبة تمثلها في هذه اللجنة، وأن أعضاء هذه الشعبة يختارون من رجال التاريخ في وزارة المعارف وفي الجامعة، وأن وزارتنا لم تفكر في هذا المؤتمر ولا في هذه اللجنة، ولا في هذه الشعبة التي تمثل مصر فيها. وقد ينبغى أن تفكر الوزارة في هذا كله، وأن تكلف شعبتنا المصرية بأن تعرض على اللجنة الدائمة، ثم على المؤتمر، هذا المذهب الجديد في فهم التاريخ وكتابته، وفي حماية الموتى من أحكامه وآراء كتابه، ومن الحق والصدق بوجه عام.

    فمن يدري؟ لعل هذا المذهب أن يوافق رضى المؤرخين في الأرض كلها، فيصبح تزييف التاريخ أصلًا جديدًا من أصول العلم، وقاعدة حديثة من قواعد البحث، ويسجل للوزارة المصرية الفضل في هذا التجديد!

    والغريب أن عصبة الأمم قد أنشأت شيئًا يقال له معهد التعاون العقلي، وأن الدول كلها قد اشتركت في هذا المعهد، ومنها مصر، وأن مصر تدفع لهذا المعهد مقدارًا من المال في كل عام، وأن أهم ما يعنى به هذا المعهد حماية البحث العلمي عامة، والتاريخي خاصة، من كل عدوان. فمن الحق على وزارتنا أن تكلف وزيرنا المفوض في باريس أن يعرض هذا المذهب الجديد في فهم التاريخ، وفي رعاية حرمات العلم، على معهد التعاون العقلي، لعله أن يقر هذا المذهب، ثم يعرضه على عصبة الأمم المتحدة فتقره أيضًا، ثم تقترح مشروع معاهدة دولية قوامها فرض التضليل التاريخي على المؤرخين في أقطار الأرض كلها…

    وزارتنا مهملة لهذا النحو من الدعاية، مقصرة في ذات نفسها، فيجب على أقل تقدير أن يقوم الصحافيون بما لم تقم به الوزارة، ولم يقم به المؤرخون.

    وقد قرر الصحافيون أن يبلغوا إنكارهم لعمل الوزارة إلى النقابات الصحفية وإلى أندية القلم في أقطار الأرض، فيجب عليهم أن يبلغوا هذا الإنكار إلى اللجنة الدائمة الدولية للدراسات التاريخية، وإلى المؤتمر العام للتاريخ، وإلى معهد التعاون العقلي، ثم إلى عصبة الأمم، ليعلم الناس في أقطار الأرض كلها أن على الأرض وزارة تريد أن تقيد حرية البحث التاريخي، وأن تخضع العلم الحر لما تقتضيه المنافع السياسية من الأهواء والشهوات.

    ثم ليعلم الناس أن مصر بحمد الله، ليست نائمة، ولا راكدة، ولا مقصرة، وإنما هي يقظة نشيطة، جادة، تستحدث من الأمر ما لم يسبقها إليه أحد من الإنس ولا من الجن، فتعاقب المؤرخين حين يعلنون ما يعتقدون أنه الصواب…

    طه حسين
    الوادي، ١٩٣٤/٩/١

  • هزيمة (٢)

    حديث المساء: هزيمة (٢)

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٢٩ مارس ١٩٣٤

    لم تكن حرب أمس في المنصورة، ولكن كان بلاغ، بلاغ رسمي من الطراز الأول، بديع في لفظه، بديع في معناه، رشيق خفيف الروح في تحقيق الغرض الذي يرمي إليه، وليس غريبًا أن يكون هذا البلاغ الذي صدر متصفًا بهذه الصفات كلها، فمصدره لا يمكن أن يخطئ ولا يمكن أن يقول غير الحق، ولا يمكن أن يتعرض الشك لشيء مما يقول؛ وهو مدير الدقهلية.

    وأنت تعرف أن مدير الدقهلية رجل مبارك بأدق معاني هذه الكلمة، ولو لم يكن مباركًا بأدق معاني هذه الكلمة لما أبلى هذا البلاء الذي سَيُسَجَّلُ له كما تسجل الأعمال الخالدة للأخيار الخالدين، فهو منذ الصيف الماضي يشن على الطربوش حربًا عنيفة لا هوادة فيها ولا لين، ويمنح العمامة نصرًا وتأييدًا لا تردد فيهما ولا اضطراب.

    وقد كتب الله لهذه الحرب المباركة التي يشنها هذا الرجل المبارك فوزًا عظيمًا لم يُتَحْ لقائد من القواد في يوم من أيام الجهاد، فسقطت الطرابيش عن الرءوس، وقامت منها العمائم مقام التيجان، وانحسرت الجاكتات عن الأبدان، وقامت مقامها الجبة والقفطان، واستحال إقليم الدقهلية كله إلى مسجد معمور، يُذْكَرُ الله فيه إذا أشرق الصباح، ويذكر الله فيه إذا أظلم الليل؛ حتى أشفق الأزهر من هذا الإقليم أن ينافسه ويتفوق عليه في تخريج الصالحين البارعين في الوعظ والإرشاد.

    وسرت هذه الحفيظة للعمة مسرى النار في الهشيم، فبلغت وزارة التقاليد فضرَّمتها تضريمًا، وأثارت فيها لهبًا وجحيمًا، وأنضجت فيها قرارًا عظيمًا يجعل العمة ضربة لازب على كل رأس يريد أن يشتغل بالتعليم الإلزامي معلمًا أو متعلمًا، أفتظن أن رجلًا يمضي هذا المضاء، ويبلي هذا البلاء، ويكتب لنفسه هذه الحسنات، ويفتح لنفسه وللناس أبواب الجنات على مصاريعها يستطيع أن يخطئ الحق أو يتجنب الصواب إذا فعل أو قال؟!

    كلا، كلا، مدير الدقهلية مصيب دائمًا، ومدير الدقهلية صادق دائمًا، ومدير الدقهلية موفق دائمًا، مدير الدقهلية غرة ناصعة في جبين هذا العهد السعيد، لا يمكن أن يقاس به مدير، ولا بد من شيء من الجهد واحتمال المشقة وإكراه الحقائق الواقعة على ما لا تحب لنُشبِّه المدير العظيم بوزيره العظيم، أو لنشبه الوزير العظيم بالمدير النابغة؛ فليس من يقارب مدير الدقهلية إلا وزير الداخلية، كلاهما فذ حقًّا، وكلاهما مصيب دائمًا، وكلاهما موفق أعظم التوفيق، وكلاهما ضرورة من ضرورات الأمن، وحاجة من حاجات النظام.

    وإذن فكل مصري مُلْزَمٌ أن يصدق مدير الدقهلية، كما أن كل مصري ملزم أن يصدق وزير الداخلية، وقد زعموا أن مدير الأمن العام قد خرج عن حقه في الراحة أمس، وذهب إلى وزارة الداخلية ليتصل بهذا الإقليم الذي كان هادئًا كل الهدوء، مطمئنًا كل الاطمئنان، وزعموا أن مدير الأمن العام اتصل بهذا الإقليم وعرف أخباره كلها، ولم يَخْفَ عليه منها شيء، وعاد إلى بيته هادئًا مطمئنًا؛ لأن الإقليم كان هادئًا مطمئنًا، وانصرف إلى راحته مستقر البال؛ لأن مدير الدقهلية أنبأه بالحق الذي لا شك فيه، وقَصَّ عليه القصة التي لا غبار عليها.

    وليس من شك في أن القصة التي تلقاها مدير الأمن العام من مدير الدقهلية مشبهة من جميع وجوهها للقصة التي أملاها مدير الدقهلية على صحيفة من صحف المساء، وهي قصة أقل ما توصف به أنها ملأت قلوب المصريين أمنًا واطمئنانًا، على أن النظام الحاضر قد استقر، واطمأنت إليه قلوب الناس، وعلى أن رئيس الوفد قد أصبح رجلًا وحيدًا لا نصير له ولا عون في هذه البلاد، وعلى أنه مضطر أن يرحل عن مصر ليلتمس لنفسه ولمذهبه الأنصار والأشياع على سفح جبل قاف، أو على قمته، أو من ورائه في جزيرة من تلك الجزر التي لا يظهر فيها الأبطال من أمثال مدير الدقهلية النابغة العظيم.

    وما رأيك في رجل يزعم أن الأمة كلها معه؟ ثم يذهب إلى مدينة كمدينة المنصورة، فيقف في محطتها ربع ساعة، لا يلتفت إليه أحد، ولا يشعر بمقدمه أحد، ثم يريد أن يسعى في المدينة لعل الناس يشعرون به أو يلتفتون إليه، فيرغمه أمر المدير الهمام والبطل المقدام على أن يركب السيارة؛ فيركبها كارهًا مزدردًا حزنه وهمه ازدرادًا.

    والغريب أن رئيس الوفد — مع هذا كله، وبرغم هذا كله — لا يتحرج من أن يخطب فينبئ نفسه، ويظن أنه ينبئ الناس بأن الشعب انتصر على الإدارة، مع أن الشعب لم يحفل به، والإدارة لم تلتفت إليه.

    لم تكن حرب في المنصورة، ولكن كان بلاغ أصدره مدير الدقهلية إلى صحيفة من صحف المساء، وأنبأ فيه بأن كل شيء كان على ما يرام، وبأن هذه الحرب التي لم تكن، ولم تخطر لأحد ببال، قد انجلت مع ذلك عن انتصار الإدارة وانهزام خصومها، تاركين أسلابًا أخذها المنتصرون. وهذه الأسلاب هي أوراق وأداة من أدوات التصوير، انتزعها المنتزعون انتزاعًا من المنهزمين في حرب لم تكن، ولم تخطر لأحد على بال، كذلك قال مدير الدقهلية، ومدير الدقهلية صادق دائمًا في كل ما يقول، وهو في أكبر الظن قد قال هذا لمدير الأمن العام، كما قاله لتلك الصحيفة من صحف المساء.

    ورحم الله الذين كانوا يستحون، والذين كانوا يعرفون لأنفسهم أقدارها، ولكن مدير الأمن العام بين اثنتين: فإما أن يكون قد سمع من المدير مثل ما قرأنا في صحيفة المساء؛ وإذن فويل للأمن العام من إدارة الأمن العام! وويل للنظام من وزارة النظام إذا كان المشرفون على الأمور العامة في وزارة الداخلية يتلقون من ممثليهم في الأقاليم مثل هذا العلم المزيف! وإما أن يكون مدير الأمن العام قد تلقى من مدير الدقهلية أنباء صحيحة لا كذب فيها ولا مين، ولا عبث فيها بالحقائق، ولا لعب فيها بالعقول.

    وإذن فلمدير الدقهلية لسانان: لسان يتحدث به إلى رؤسائه فيقول الحق، ولسان يتحدث به إلى الصحف فيقول غير الحق؛ وهو إذن ينصح للحكومة ويخدع الجمهور، وهو إذن يجعل من نفسه شخصين: أحدهما يتحرج من رواية ما لا يقع؛ لأنه يخاف العقاب، والآخر لا يتحرج من رواية ما لا يقع؛ لأنه لا يحسب للأمة ولا للصحف حسابًا.

    وإذن فوزارة الداخلية أو وزارة الرجل الطيب النزيه مضطرة إلى إقالة مدير الدقهلية إن كانت ترعى الله حقًّا، وترعى النزاهة حقًّا، وتحرص على أن يخلص الموظفون في القول والعمل حقًّا. إن كان مدير الدقهلية قد أنبأ رؤساءه أمس بمثل ما أنبأ به البلاغ فهو خليق أن يُقَالَ؛ لأنه أنبأ رؤساءه بغير الحق، وإن كان قد أنبأهم بغير ما أنبأ به البلاغ فهو خليق أن يُقَالَ؛ لأنه أعلن إلى الناس غير الحق، وتورط في خصلة لا ينبغي للرجل الكريم أن يتورط فيها، وما ينبغي للوزارة أن تجعل أمور الناس إلا إلى كرام الرجال.

    ذلك أنا نقطع بأن ما أملاه مدير الدقهلية على البلاغ أمس لم يكن حقًّا، ولا شبيهًا بالحق، ولا قريبًا من الحق، ومدير الدقهلية يقطع بذلك كما نقطع به، ومدير الدقهلية كان يعلم وهو يتحدث إلى البلاغ أنه يتجنب الحق، ويتجنبه عن عمد، وعن إرادة وتصميم، وهو مع ذلك من أنصار العمامة وخصوم الطربوش، وهو مع ذلك من حماة التقاليد والملحين في المحافظة على الدين وآدابه، وفي تجنب ما لا ينبغي لرجال الفضيلة والورع والصلاح أن يتورطوا فيه، فنحب أن نعلم أي الموقفين يريد الرجل الطيب الذي لا يشك أحد في أنه طيب أن يقف من هذا الموظف الكبير! يريد أن يقره على ما أتى أمس؟

    وإذن فليس من أخلاق الرجال الطيبين أن يقروا كبار الموظفين على أن يقولوا جهرة غير الحق، ويسنوا للناس هذه السنن السيئة، أم يريد أن يُعَاقِبَ مدير الدقهلية على ما أتى أمس؟ وإذن فقد يستطيع أهل هذا الإقليم أن يستعدوا لوداع مدير ولقاء مدير، ولكن الذين لا نشك فيه هو أن الرجل الطيب لن يمس مدير الدقهلية بسوء، ولم يمسه بسوء. إن له مخرجًا من هذه الورطة، فهو يستطيع أن ينكر بقلبه ما أتاه مدير الدقهلية، دون أن ينكره بيده أو بلسانه، وهو يستطيع بهذا الإنكار الصامت أن يُرْضِيَ ضميره، فأما إرضاء الناس، فآخر ما يفكر فيه الآن، ومن الذي يحفل بإرضاء الناس في هذه الأيام؟!

    أما بعد، فقد سجل مدير الدقهلية على الوفد هزيمة في المنصورة أمس، نتمنى أن يتيح للوفد أمثالها في كل يوم، وسجل للحكومة انتصارًا نتمنى أن يتيح الله أمثاله للحكومة في كل يوم؛ فإن مثل هذه الهزائم تسر الصديق، وتغيظ الخصم، وإن مثل هذا الانتصار يملأ قلوب المنتصرين حزنًا وكمدًا، ويضطرهم إلى مخالفة الأخلاق، وإلى الجهر بغير الحق حين يتحدثون إلى صحف المساء.

  • وداع١

    حديث المساء: وداع (١)

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١ أبريل ١٩٣٣

    زعموا أن زيادًا لما ضبط العراق لمعاوية، وأقَرَّ فيه النظام الجديد بالقهر والعنف، كتب إلى الخليفة يسأله أن يضمَّ إليه ولاية الحجاز، وهمَّ الخليفة أن يفعل، وجزع أهل الحجاز حين انتهى إليهم هذا النبأ، فلجئوا إلى عبد الله بن عمر بن الخطاب، رضي الله عنهما، يسألونه أن يدعو على زياد، فلم يَدْعُ عبد الله على أحد، ولكنه استقبل القبلة فيما يقال، وسأل الله العافية والسلامة والمغفرة للمسلمين، وكفى الله أهل الحجاز زيادًا، وأراح الله أهل العراق من زياد؛ لأنه نقَلَ زيادًا إلى دار أخرى، لا ولاية فيها إلا لله، ولا سلطان فيها إلا لله، وليس فيها خوف من والٍ، ولا إشفاق من أمير …

    وكان أهل الحجاز معذورين حين أشفقوا من ولاية زياد؛ لأنه كان قد جشم أهل العراق أهوالًا، وجرعهم من العذاب ألوانًا، وكان أهل العراق معذورين حين تنفَّسوا الصعداء لانتقال زياد عنهم؛ لأنه كان قد أذاقهم ألوانًا من الذل، وأخضعهم لضروب من الخسف لم يعرفوها من قبلُ، وإن كان انتقال زياد عنهم لم يُرضِهم حقًّا؛ فقد ولي أمورهم بعدُ مَن لم يكن خيرًا من زياد، بل مَن كان شرًّا من زياد.

    وأنا بعيد كل البعد عن أن أفكِّر في أن بين ولاتنا في الأقاليم هؤلاء الذين نسميهم المديرين، وبين زياد شبهًا ما! فقد كانت في زياد خصال من الخير ليست فيهم مع الأسف، وكانت في زياد خصال من الشر لم يبلغوها مع السرور!

    ولكن الشيء بالشيء يُذكَر، وتوزيع المديرين على الأقاليم في هذه الأيام القاتمة يذكِّر بقصة زياد مع أهل الحجاز وأهل العراق، يذكِّر بها لأن رضى أهل الأقاليم عن المديرين الراحلين عنهم وأمل أهل الأقاليم في المديرين المقبلين عليهم لا يخلو من شوائب لا تصوِّر الرضى، ولعلها تصوِّر السخط، ولا تصوِّر الأمل، ولعلها تصوِّر الخوف واليأس. فمهما يَقُلِ القائلون فلن يستطيعوا أن ينكروا أن أهل أسيوط ساخطون على مديرهم القديم سخطًا سجَّله القضاء غير مرة، وتحدَّثَ به الناس في مصر وغير مصر فأكثروا الحديث، وما أظن أن أهل الغربية يستقبلون مديرهم الجديد في أمل مشرق ورجاء مبتسم، وهو يُقبِل عليهم ومن ورائه البداري والمطيعة وبني حسين …! وأكبر الظن بل الحق الذي لاشك فيه، هو أن هذه الأحداث المنكرة التي استُحْدِثَتْ في أسيوط، قد سبقت مديرها إلى أهل الغربية، فملأت قلوبهم، لا أقول رعبًا وفزعًا، فالمصريون بحمد الله لا يعرفون الآن رعبًا ولا فزعًا؟! ولكن ملأت قلوبهم حزنًا وأسًى؛ لأنهم يتوقَّعون أن يسير فيهم مديرهم الجديد سيرته في أهل أسيوط.

    ومهما يَقُلِ القائلون فلن يستطيعوا أن يزعموا أن أهل الدقهلية يحفظون لمديرهم الراحل عنهم ذكريات ملؤها الحب الخالص والثناء الجميل، وأن أهل المنوفية يستقبلونه بهذا الأمل الواسع الطلق، وهذا الرجاء الباسم العريض، وما يستقبل به خيار المديرين، من حسن الاستعداد للتعاون الصادق، ولم تجفَّ بعدُ هذه الدماء التي سُفِكت في أرض الدقهلية، ولم تستقرَّ بعدُ هذه النفوس التي أُزهِقت في جو الدقهلية، ولم يَنْسَ الناس بعدُ أن سوء الإدارة كان السبب القريب أو البعيد الذي سُفِكت له هذه الدماء، وأُزهِقت له هذه النفوس، والذي لم تستطع قوانين الناس أن تعاقِب عليه لأمرٍ من الأمور، فإن قوانين الله لا تهمله، ولا تمحو إثمه، ولا تدعه يمضي بغير حساب!

    وقُلْ شيئًا كهذا، أو قريبًا من هذا، في سائر الأقاليم التي رحل عنها مدير، وانتقل إليها مدير، فكلها يودع في سخط ويستقبل في حزن ويذكِّر بقصة زياد!

    ومع ذلك فهل قرأت المقطم أمس، وهل رأيت أن جميع الأقاليم التي انتقل عنها المديرون قد وجدت من أهلها مَن رضي عن المديرين، وأسف لفراقهم، وحرص على أن يودِّعهم وداعًا فيه الحب والود، وفيه الإعجاب والإكبار! وهل لاحظت أن أخبار هذا الوداع قد وصلت إلى المقطم كلها في لحظة واحدة، ونشرها المقطم كلها في يوم واحد، وفي مكان واحد، كأنما كانت من المقطم على ميعاد! وكأنها التقَتْ في هذا الميعاد فحيَّا بعضها بعضًا، وصافَحَ بعضها بعضًا، وانتقلت جميعًا إلى المقطم، لتنزل في هذه المنزلة التي أُعِدَّتْ لها من قبلُ إعدادًا، ومُهِّدَتْ لها من قبلُ تمهيدًا!

    ألم تنكر شيئًا من هذا التوافق الغريب بين مكاتب البريد في قنا وجرجا وأسيوط والزقازيق ودمنهور، وبين سعاة البريد في القاهرة على اختلاف المسافات بُعْدًا وقُرْبًا من القاهرة؟ ألم تحس أن هذا أيضًا أمرٌ قد دُبِّرَ بليل وأُرِيدَ به شيء غير هذا الظاهر الذي تراه أنت وأراه أنا؟ أما أنا فلستُ أدري لِمَ لا أكتفي بظواهر الأشياء؟ ولِمَ أبحث دائمًا عن دخائلها وأسرارها؟ والحق أني لم أُطِل البحثَ، ولم أتكلَّف فيه شيئًا من العناء، فقد أنكرت الصحف حفلات الوداع هذه، وتقدَّمَ بعض النوَّاب بأسئلة فيها إلى وزير الداخلية، وكان حوار في الصحف حول هذه الأسئلة. وإذا وحيٌ يصدر فيسمع، وأمرٌ يبلغ فيطاع، وإذا توافُقٌ غريب بين المديرين على اختلاف أمزجتهم وطبائعهم، كلهم زاهد في الحفلات كاره لها، وكلهم راغب عنها معتذر منها، وكلهم حريص على أن تنشر الصحف زهده واعتذاره. ألستَ تنكر من توافُقِ المديرين على هذا الزهد الطارئ مثل ما أنكرتَ من توافُقِ الرسائل على الظهور في المقطم في يوم واحد، وفي مكان واحد، كأنما جاءت على ميعاد؟!

    عَفَا الله عن وزارتنا القائمة، ماذا صنعت بإرادة الأفراد والجماعات وطبيعة الأشياء، أَكُلُّ شيء في مصر يجب أن يكون مرتَّبًا مصنوعًا؟ أَكُلُّ شيء في مصر يجب أن يخضع لهذا العبث الغريب الذي يؤلِّف بين المختلفات ويوفِّق بين المفترقات؟

    ثم ماذا أراد العابثون بهذا النوع من العبث؟ تستطيع أن تصدِّقني لم يريدوا به المصلحة، لم يريدوا به التخفيف على هؤلاء المأزومين الذين يكفلون دفع الأموال وهم لا يملكون منها شيئًا، لم يريدوا به إلا اللعب بعقول الناس، وإلا هذه الحرب السخيفة التي لا تقدِّم ولا تؤخِّر. هؤلاء أهل البحيرة قد جمعت منهم الأموال فأدَّوها كارهين، ثم أوحي إلى المدير ألَّا يشهد حفلًا ولا يقبل تكريمًا، فهل ترى أن الأموال قد رُدَّتْ على أصحابها؟ كلا، لم تردَّ، أو قيل لأصحابها لا تقبلوها إن رُدَّتْ عليكم، فسيشترون بها إذًا سندات يُنفَق ريعها في بعض الجوائز المدرسية تخليدًا لاسم المدير. وأي تخليد؟ لم يصدر إلا عن الحب الخالص الذي يدفع إلى الجود لا بالأموال في وقت الشدة بل بالأنفس أيضًا.

    وهؤلاء أهل قنا، نعم أهل قنا! أهل قنا بعد أن كان فيها ما كان، بعد أن خطف منها الرئيس وصاحبه، بعد أن ظهر حب أهلها للمدير والإدارة والوزير والوزارة، بعد أن قام ألف دليل ودليل على أن أهلها يؤيدون النظام الجديد، ويذرون عنه بالأنفس والأموال، بعد هذا كله جمعت الأموال من أهل قنا لتكريم المدير، ثم أوحي إليه أن لا يشهد حفلًا ولا يقبل تكريمًا، وإذا هو يعتذر ويلح في الاعتذار، وأهل قنا يأبَون ويصرون على الإباء، ثم ينتهي الأمر إلى أن يستأجر أهل قنا … نعم، يستأجرون قطارًا خاصًّا يشيعون فيه — وقد كدتُ أملي: يزفون فيه — المدير إلى إقليمه الجديد. ماذا؟ أجدٌّ هذا أم هزلٌ؟ بعقول مَن يعبث العابثون؟ إن حكومتنا لقاسية، قاسية مسرفة في القسوة، ما لها تقف موقف العزول بين المحبين فتفرِّق بين المديرين وعشَّاقهم من أهل الأقاليم؟ ما لها لا تَدَع هؤلاء المديرين حيث كانوا هم راضون عن أقاليمهم وأقاليمهم راضية عنهم! فلِمَ تنغص العيش عليها وعليهم؟ الغريب أن أهل الأقاليم سيعشقون المديرين الذين سيُنقَلون إليهم، وسيهيمون بهم هيامًا لا حدَّ له. سيجد أهل قنا في مديرهم الجديد رجلًا يعشقونه كما عشقوا مديرهم القديم، وسيجد مدير قنا القديم من أهل المنيا قومًا يحبهم ويكلف بهم كما أحبَّ القنائيين وكلف بهم من قبلُ، فما تفسير هذه الظواهر التي تعجز عن فهمها العقول؟ تفسيرها يسير، فأهل الأقاليم لا يحسون عشقًا ولا غرامًا، والمديرون لا يجدون حبًّا ولا هيامًا، وإنما كل ذلك شيء مصنوع موضوع يجب أن يقبله أولئك وهؤلاء لتقوم الأدلة الواضحة على أن الأمور تجري في مصر على خير حال.

    ولكن مع الأسف الشديد ليس من المصريين ولا من الإنجليز مَن يصدِّق شيئًا من هذا، أو ينخدع لحيلة من هذه الحيل، وإذًا ففيما هذا العبث وفيما الإلحاح في هذا العبث؟ جواب هذا يسير أيضًا، فإن مَن لم يستطع الجد مضطرٌّ إلى الهزل، وإلا فوجوده مستحيل.

    صدِّقني إن أمر المديرين الراحلين وأقاليمهم لا يعدو قصة زياد، كل إقليم يودِّع مديره مستريحًا لهذا الوداع، ويستقبل مديره الجديد خائفًا من هذا الاستقبال.