Tag: government

  • إضراب

    إضراب
    لم يكد الناس يفرغون بعد من التفكير في أمر الموظفين الذين يشكون وينكرون، ويطالبون الحكومة بأن تنظر في شكاتهم، لا بنظرة عطف ورفق، بل بنظرة عدل وإنصاف، لأنهم لا يريدون إلا العدل والإنصاف، يريدون أن تفتح أبواب الترقيات والعلاوات لهم كما فتحت لكبار الموظفين، أو تغلق هذه الأبواب دون كبار الموظفين في حزم وصدق ونية حسنة كما أغلقت من دونهم.
    فإن من الجور المنكر أن يفرق بين الناس إلى هذا الحد، وأن يؤثر بالترقية والعلاوات من يستطيع أن يستغنى عنها، ويحرم الترقية والعلاوة من هو في حاجة إليهما ليعيش.
    لم يكد الناس يفرغون من أمر هذه الشكاة التي يتقدم بها صغار الموظفين ويلحون فيها حتى ظهرت لهم شكاة أخرى ليست أقل منها تأثيرا في النفوس، ولا إيذاء للقلوب، ولا إثارة لعاطفة العدل والإنصاف، وهي هذه الشكاة التي يتقدم بها عمال ثورنيكروفت منذ زمن طويل. فقد مضت أيام وأسابيع منذ تقدم هؤلاء العمال إلى الشركة بشكاتهم يطلبون إليها أن تغير بعض الشيء من سيرتها معهم لتخفف عنهم أثقال الحياة، وليستطيعوا أن يقبلوا على عملهم محبين له، مخلصين في النهوض به، فأعرضت عنهم الشركة، ومضت في الإعراض، ولجأ العمال إلى الحكومة لعلها أن تتوسط بينهم وبين الشركة، ولعلها أن تأخذ هذه الشركة بما يجب أن يؤخذ به من تنفيذ الشروط التي يشتمل عليها عقد الإلزام، فأعرضت عنهم الحكومة ومضت في الإعراض، وصبر هؤلاء العمال وصابروا، واحتملوا ما احتملوا من ألم ومكروه، حتى تجاوز بهم الصبر حده، فانقطعوا عن العمل، وأعلنوا الإضراب منذ أمس، ثم لم يمض يوم كامل على إعلان الإضراب هذا، حتى نشرت الصحف للشركة إعلانا تطلب فيه إلى العمال أن يعودوا إلى عملهم، وتنذرهم بالفصل إذا تلكأوا في هذه العودة، وتضرب لهم أجلا يومين يفكرون فيهما، ويخيرون بين النزول على حكم الشركة والخضوع للبطالة، وما يتبعها من عاديات الألم والجوع والحرمان.
    والله يعلم ما نحب الإضراب ولا نميل إليه، والله يعلم ما نرغب فيه العمال، ولا ننصح لهم بالإصرار عليه، ولكن هؤلاء العمال ناس مثلنا، من الحق عليهم أن يحتملوا الألم ويصبروا للخطوب، ويجاهدوا في سبيل الحياة، ولكن من حقهم أيضا أن ينظر إليهم على أنهم ناس يشعرون ويحسون ويطمعون في الخير، ويطمحون إلى شيء من حسن الحال. فإذا كان الألم قد كتب على الناس جميعا، فإن الرغبة في تخفيف الألم قد أبيحت للناس جميعا، وإذا كانت الحياة لا تستقيم بغير مشقة ولا عناء، فإنها أيضا لا تستقيم بغير اجتهاد في تخفيف المشقة وتيسير العناء، وإذا كان من الواجب على العمال ألا يضيعوا منفعة الجمهور بالإضراب عن العمل، فإن من الواجب على الشركة ألا تضيع مصلحة الجمهور بتحميل العمال فوق ما يطيقون، وإذا كان من حق الجمهور أن ينتظر من الشركة تمكين هؤلاء العمال من أن يؤدوا مهمتهم ونفوسهم راضية، وقلوبهم مطمئنة، وأبواب الأمل أمامهم مفتوحة، وصحتهم موفورة، وحياتهم غير معرضة للخطر. وإذا كانت الحكومة إنما أنشئت لتقيم العدل بين الناس، وتنتصف للمظلوم من الظالم، وتحمي الضعيف من القوي، وتحقق المنافع العامة، لهذا كله فقد كان من الحق عليها، وما زال من الحق عليها أن تتوسط فيما شجر بين العمال والشركة من خلاف لتقر الأمر في نصابه. ولسنا نشك في أنها لو فعلت ذلك واصطنعت فيه الحزم، لما اضطر العمال إلى الإضراب، ولما لقى الجمهور ما يلقى من المشقة والعسر في الانتقال منذ يومين.
    وهناك أمر يجعل واجب الحكومة في مثل هذا الموقف أجل خطرا، وأحق بالعناية، وهو أن الخصومات التي تقع بين العمال والشركات في مصر ليست كالخصومات التي تقع بين العمال وأصحاب رءوس الأموال في البلاد الأوربية، بل هي أشد منها تعقيدا، فهذه الخصومات في أوربا تقع بين قوم تختلف طبقاتهم، ولكنهم متحدون في الجنس والوطن والمنفعة، فأي الفريقين ظلم صاحبه أو أسرف عليه فظلمه قبيح، ولكن خير العمل وشره، ونفع العمل وخسارته راجعة كلها إلى أمة واحدة.
    أما في مصر فالأمر مختلف. فالشركات التي تستغل العمال أجنبية، والعمال الذين يخضعون لهذا الاستغلال مصريون، فخير العمل وربحه يرجعان إلى الأجنبي أكثر مما يرجعان إلى المصري، ومن هنا كان العامل المصري في حاجة مضاعفة إلى حماية الحكومة له، ورفقها به، وعطفها عليه، ومن هنا كان من الحق على الحكومة أن تنظر إلى مثل هذه الخصومات من وجهة المنفعة الاقتصادية، ومن وجهة الكرامة القومية أيضا.
    هؤلاء العمال يطلبون أن تنقص ساعات العمل، وهذه الشركة تعترف بأنهم يعملون تسع ساعات ونصف ساعة، فقد يكون من الحق على الحكومة أن تسأل: كم ساعة يعمل العمال في إنجلترا، أو في غيرها من بلاد أوربا. وقد يكون من الحق على الحكومة أن تلاحظ أن ليس هناك فرق بين العامل الأوربي والعامل المصري، كلاهما يجب عليه أن يعمل ليعيش، وكلاهما يحق له أن يطمع في تحسين حاله، وترقية شؤونه الاقتصادية والصحية، ولعل الجو الذي يعمل فيه العامل المصري أن يكون أدعى إلى العناية بهذا العامل، والرحمة له وتخفيف الأثقال عليه. وهؤلاء العمال يطلبون أن ترفع أجورهم بعض الشيء، وقد يكون من الحق على الحكومة أن تسأل عن أجور العمال في أوربا، وأن تجد، لا أقول في التسوية بين العامل المصري والعامل الأجنبي فذلك حق ولكنه قد يكون عسيرا، وإنما أقول في التقريب بين العامل المصري والعامل الأجنبي إلى حد ما. وإذا كان العامل الأوربي قد شعر بوجوده، وأسرف أحيانا في هذا الشعور، وطالب بحقوقه ولج أحيانا في هذه المطالبة، فقد يكون من الحق على الشركات، وعلى الحكومة أن تعرف للعامل المصري أنه ما زال إلى اليوم متواضعا، لم يتورط في غلو، ولا في إسراف. وإذا كان شعور العامل الأوربي بوجوده، وإسرافه في هذا الشعور، ومطالبته بحقوقه ولجاجته في هذه المطالبة قد أنشأت مذاهب في الاقتصاد والسياسة نكره أن تنتشر في مصر، ونحب أن يتأخر انتشارها إلى أبعد أجل ممكن، فقد يكون من الحق على الشركات وعلى الحكومة أن ترفق بالعمال، وتختصهم بشيء من البر بهم، والرثاء لحالهم، وتحول بينهم وبين السخط الذي هو أوضح طريق وأقربها إلى إفساد النظام، والترويج لهذه المذاهب الخطيرة.
    وليست المسألة في حقيقة الأمر خصومة جزئية بين العمال وشركة من الشركات، وإنما هي اختلاف جوهري أساسي في طبيعة العلاقات بين الشركات والعمال. فقد مضى الوقت الذي كانت الشركات تنظر فيه إلى العمال كما تنظر إلى أدوات العمل، وترى أن لها أن تسخر العمال وتستغلهم كما تسخر أدوات العمل وتستغلها. انقضى هذا الوقت وأصبح من الحقائق الواقعة أن العامل شيء، والأداة شيء آخر. وأن العمال شركاء في حقيقة الأمر لأصحاب رءوس الأموال في استغلال أدوات العمل. وإذا كان هذا الفهم للعلاقة بين العمال والشركات لم يظهر في مصر على وجهه إلى الآن، فقد أصبح من الحق على الشركات وعلى الحكومة أن تعترف به، وتؤمن له، ونتخذه أساسا لما يكون بينها وبين العمال من صلات.
    وإن من الغريب حقا أن تؤمن الحكومة أو تظهر الإيمان بأن الديمقراطية هي أساس العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وبأن من حق الشعب أن يراقب تصرفات الحكومة في الأعمال العامة، بل أن يقيم الوزارات ويسقطها، ثم لا تؤمن أو لا تظهر الإيمان بأن الإنصاف في الاعتراف بحق العامل قبل أصحاب رءوس الأموال.
    كل هذه أمور نحب أن تفكر فيها الشركات، وأن تقدرها الحكومة وأن تسبق الشركات الحكومة إلى قبولها والعمل بها قبل أن يفوت الوقت، وقبل أن تنتشر الآراء والأفكار الخطرة بين هذه الطبقات التي لا نخاف عليها شيئا كما نخاف عليها السخط والامتعاض.
    وإنا لنرجو ونلح في الرجاء أن تنظر الحكومة إلى هذا كله نظرة جد، وأن تتوسط بين العمال والشركة، بين جميع العمال وجميع الشركات، وساطة تعصم هؤلاء العمال من السخط والشكوى والاضطرار إلى الإضراب.
    كوكب الشرق ٢٠ – ٥ – ١٩٣٣

  • مأزق

    مأزق
    الناس جميعا مقتنعون بأن الموقف السياسي الذي انتهت إليه مصر سيئ إلى أقصى غايات السوء، رديء إلى أبعد آماد الرداءة، لا يختلف أحد في ذلك، ولا يجادل فيه أحد وإنما يختلفون في المخرج الذي يجب أن يلتمس للتخلص من هذا المأزق، والرجوع إلى حياة يسيرة تهدأ فيها النفوس، ويطمئن الناس فيها على مناصبهم وآمالهم.
    ولسنا نزعم هذا زعماً، ولا نلقيه على علاته، فتستطيع أن تثق بأن أشد الناس اقتناعا بحرج هذا الموقف الذي نحن فيه، ووجوب التخلص منه إنما هم الوزراء ورئيسهم الذي سافر أمس ليستشفي ويستريح. هم أشد الناس اقتناعا بحرج هذا الموقف، وهم أحرص الناس على الخروج منه والتخفف من أثقاله، بشرط ألا يكون الخروج منه خروجاً من الحكم، وألا يكون التخفف من أثقاله تخففاً من أعباء الوزارة. لذلك اجتمعوا مساء الخميس، ولذلك اجتمعوا مساء الأحد، ولذلك اجتمعوا في القطار كما يجتمع المتحاربون حين يريدون الهدنة أو يفاوضون في الصلح، ولذلك اتخذوا في اجتماعاتهم هذه قرارات عرف بعضها، وسيعرف بعضها الآخر غدا أو بعد غد، والذي عرف منها يكفي لإثبات أنهم محرجون، وأنهم يلتمسون مخرجاً من هذا الحرج، ومتنفساً من هذا الضيق.
    قرروا أن يفتح باب الاستثناء لكبار الموظفين وأشباههم من المحسوبين والمقربين، وأن ينفق عليهم مال الدولة عن سعة، وفي غير تحفظ أو اقتصاد، لماذا؟ ليشجعوا من يرونه منهم محسناً على إحسانه، وليصرفوا من يرونه منهم مسيئاً عن إساءته! ليضمنوا نصر هؤلاء الموظفين وتأييدهم، وصمت هؤلاء الموظفين وهدوءهم على كل حال! ثم رأوا أن هذا الاستثناء لا يغني، وأن الوزارة لا تنتفع بكسب القلة من الموظفين، أو بإسكات هذه القلة، وإنما يرجى لها النفع إن أرضت كثرة الموظفين، فحولت الاستثناء إلى قاعدة، وفتحت أبواب الترقيات والعلاوات واسعة كل السعة، يدخل منها من يشاء الوزراء أن يدخلوه.
    وأنت تستطيع أن تبحث عن الأسباب التي دعت إلى أن تتغير سياسة الوزارة إلى هذا الحد مع كبار الموظفين وصغارهم، فلن تجد إلا سبباً واحداً مقنعاً؛ هو أن الوزارة واثقة بالضعف والاضطراب، وأنها تريد أن تقوي هذا الضعف، وتثبت هذا الاضطراب، وأنها قد اهتدت إلى السبل التي تظنها موصلة إلى ما تريد، وهي كسب الموظفين وإرضاؤهم بأن ترد عليهم ما كانت قد أخرت عنهم من الترقيات والعلاوات.
    وقرار آخر ليس أقل من هذا القرار دلالة على اقتناع الوزارة بالضعف، واجتهادها في التماس القوة التي تمكنها من البقاء، وهو هذا المليون الذي تفضلت به الوزارة لمعونة الفلاحين، فقد تأخر شعور الوزارة بحاجة الفلاحين إلى هذه المعونة، ولم تسمع الوزارة صياح الفلاحين، ولم تسمع الوزارة أنين الفلاحين، ولم تر الوزارة بؤس الفلاحين، ولم تشهد الوزارة ظهور الجوع والمرض بين الفلاحين إلا في هذه اللحظة الأخيرة التي سبقت رحلة رئيس الوزراء.
    بلى، لقد سمعت الحكومة، ورأت وشهدت، واقتنعت منذ زمن طويل بأن الفلاحين أشقياء، وبأنهم في حاجة إلى المعونة، وإلى معونة يقصر عنها هذا المليون، ولكنها أعرضت عما سمعت، ورأت وشهدت وأحست ما وسعها الإعراض، وما آمنت لنفسها بالقوة وما أملت لنفسها البقاء، حتى إذا أظلم الجو واضطربت الأرض، واشتد عصف الريح، ووهنت أسباب الأمل تنبهت إلى الحرج، وفكرت في اتقائه، وجدّت في الخروج منه، فآثرت الموظفين بالعلاوات، ونزلت للفلاحين عن جهد المقل، وهو هذا المليون.
    فليس من شك إذن في أن الوزارة شاعرة أوضح الشعور بأن الموقف السياسي الذي نحن فيه رديء سيئ إلى أقصى غايات الرداءة والسوء، فأما الذين يؤيدون الوزارة ويتوسلون بها إلى قضاء اللبانات، وتحقيق المآرب فقد شكوا فيها منذ زمن بعيد، ومدوا لها أسباب التأبيد مبالغين في الاحتياط حيناً، ومبالغين في المجاملة حيناً آخر، حتى إذا ظهرت فضائح البدارى تحول الشك إلى يقين، ثم لما مرض رئيس الوزراء، استيأسوا من الوزارة وودوا لو يجدون سبيلاً إلى التخلص منها!
    وقد برئ رئيس الوزراء بعض الشيء من مرضه، وما زالت «التايمز» تقول إن وزارته الآن لا رأس لها! وإن الأمل في نهوضه بأعباء الحكم حتى بعد عودته من أوروبا شيء لا سبيل إليه!.
    فالإنجليز إذن مستيئسون من الوزارة القائمة، رأت صحفهم الكبرى، وما زالت ترى أنها وزارة بلا رأس، أي أنها وزارة عاجزة عن التفكير والتقدير والإرادة والعمل، لأن هذه الملكات كلها إنما تستقر في الرؤوس، لا في الأكتاف! وقد كانت مستقرة في رأس الوزارة وهو صدقي باشا فلما مرض مرضت معه، وأصبحت الوزارة لها أكتاف وأذرع، ولها صدور وظهور، ولكن ليس لها رأس! فليس من سبيل إلى الأمل فيها والاعتماد عليها. وإذن فكيف التخلص منها، أو بعبارة أدق: كيف المخرج من هذا الموقف السياسي بعد أن عجزت الوزارة عن إخراجنا منه؟
    أما مصر فرأيها في ذلك معروف، ولكنك تعلم حق العلم أن الأمر في هذه الحال ليس لمصر، ولو قد كان أمر مصر إليها، أو إليها وحدها على أقل تقدير، لما انتهينا إلى هذا الموقف، ولما كان شيء مما يكره ويضيق به الساسة الآن.
    وأما الوزارة فقد عرفت مذهبها في الخروج من هذا الموقف، وهو هذا الذي سماه مكاتب «التايمز» في الصيف الماضي رشوة يقصد به إلى كسب الأنصار والمؤيدين من الموظفين والفلاحين.
    أما الإنجليز فالحل الذي يرضيهم ليس إليه من سبيل فيما يظهر، فهم يريدون وزارة لا تسيطر عليها وطنية الوفد الهوجاء، وكأنهم قد درسوا فأطالوا الدرس، وبحثوا فأتقنوا البحث، ثم كانت النتيجة هذا الدرس الطويل والبحث المتقن أن وطنية الوفد الهوجاء هذه واقفة بالمرصاد لكل وزارة تنهض لأمور الحكم على غير إرادة الأمة، وأن وقوف وطنية الوفد الهوجاء قد أضاع جهود الوزارة القائمة، وانتهى بالتجربة إلى إخفاق ليس مثله إخفاق وهو من غير شك سيضيع جهود الوزارات الأخرى التي تشبه الوزارة القائمة، وسينتهي بالتجارب الأخرى التي تشبه التجربة القائمة إلى إخفاق ليس مثله إخفاق.
    وإذن فليس للمشكلة إلا حلان، أحدهما يكرهه الإنجليز فيما يظهر، ولا يستطيعون أن يذوقوه الآن على أقل تقدير، وهو أن يتركوا أمر مصر لمصر، ويدعوا وطنية الوفد الهوجاء هذه تدبر أمور مصر على ذلك النحو المعروف الذي تحبه مصر فيما يظهر، ولا تريد أن تنصرف عنه، ولا أن تزهد فيه مهما تنفق الجهود لصرفها عنه وتزهيدها فيه.
    والثاني لا يستطيعه الإنجليز ولا يقدرون عليه، وهو أن تمحق وطنية الوفد الهوجاء هذه محقاً، وتسحق سحقاً، وتعفي آثارها تعفية تامة، وقد أقيمت الوزارات المختلفة لتحقيق هذا الغرض، وقضاء هذه اللبانة، فكانت كثور الأعشى هذا الذي ينطح الصخرة فيوهي قرنه، ولا يبلغ من الصخرة شيئاً. فلم يبق إلا عمل واحد حاسم يريح الإنجليز وأصدقاءهم من وطنية الوفد الهوجاء هذه، وهو إجلاء المصريين عن مصر، وإخراجهم من أرضها، وتشريدهم في أقطار الأرض في أمكنة بعيدة جداً، لا تصل إليها الأنباء، ولا تأتي منها الأنباء.
    هنالك وهنالك فحسب تستقيم الأمور، وتستطيع الوزارة القائمة، بل تستطيع وزارات أضعف من الوزارة القائمة أن تحكم مصر في غير مشقة ولا جهد ولا عناء! وأي جهد تلقاه الوزارة في أن تحكم أرضاً قد خلت من أهلها، وبلاداً قد أقصي عنها سكانها؟
    هذا هو الحل الصحيح لمشكلة وطنية الوفد الهوجاء، ولكن متى يجد الإنجليز من أنفسهم الشجاعة والقدرة على أن يزعجوا الأمة المصرية عن أرضها، ويزيلوها عن بلادها. وإن فعلوا فإلى أين يرسلون أفواجها الطريدة الشريدة؟
    إن هذه الأمة موبوءة بوطنية الوفد الهوجاء، فهي حيثما ذهبت نظمت معها وطنية الوفد الهوجاء، فحصرها في دارها خير من تشتيتها في أقطار الأرض، وإذن فأين المخرج من هذا المأزق؟ وكيف السبيل إلى التخلص منه؟
    ليس هناك إلا هذا المخرج الذي يجد الإنجليز فيه مرارة وغضاضة وهو أن يقتنع الإنجليز أن مصر يجب أن تعيش لنفسها، لا للأجنبي، وبأن مصر يجب أن تعيش بأهلها لا بالأجنبي، وبأن مصر يجب أن تحكم كما تريد هي لا كما يريد الأجنبي، وبأن مصر لن ترضى ولن تذعن حتى يخلي بينها وبين وطنية الوفد الهوجاء تلقي إليها أعنة الحكم ما أحبتها ووثقت بها ورضيت عنها فإذا كرهتها أو رغبت عنها، أو زهدت فيها تخلصت هي منها حرة لا مكرهة، وحولت هي عنها أعنة الحكم إلى قوم آخرين.
    هذا شيء لا يحبه الإنجليز الآن، ولكنهم سيحبونه غداً من غير شك، لأن الإنجليز مهما تعظم قوتهم وتشتد سطوتهم وتحتد شوكتهم أضعف من أن يغيروا طبائع الأشياء.
    وإلى أن يعترف الإنجليز لأنفسهم بهذا الضعف، وإلى أن يؤمن الإنجليز لمصر بحقها في أن تجعل أمورها لمن تشاء حتى لأصحاب الوطنية الهوجاء، يجب أن نظل نحن أقوياء صابرين، ولكن في أمل وعزة وابتسام.
    كوكب الشرق ١٧ – ٥ – ١٩٣٣

  • حياء

    حياء
    ولم لا تستحي الوزارة وأعضاؤها ناس من الناس، يشعرون ويحسون، ويرضون ويسخطون، ويجدون الألم حين يشتد على أقل تقدير، ويخافون سوء القالة حين يتجاوز الحد المعقول.
    وقد وقفت الوزارة من الاقتصاد مواقف أقل ما توصف به أنها مضحكة، لا يستطيع إنسان أن ينظر إليها نظرة الجد، أو أن يفكر فيها كما يفكر في المواقف التي تحتمل البحث والنقد، وتصلح موضوعا للتفكير والتقدير.
    لم تكد تتقدم بها السن حتى ملأت الأرض صياحا بأن خزانة الدولة في خطر، وأن الاقتصاد بل التقتير أمر لا بد منه ولا منصرف عنه، وأن الموظفين خليقون أن يستجيبوا لدعاء الواجب، ويسمعوا لنداء الوطن، ويزهدوا في حقهم من العلاوة والترقية حتى لا تخلو الخزانة، ولا تعجز الدولة، ولا تتعرض مصر للإفلاس. وضاق الموظفون بهذا الكلام، ولكنهم صدقوه، واطمأنوا إليه، واستجابوا لدعاء الواجب، وزهدوا في العلاوة والترقية، وما هي إلا أن تشتد حاجة الدولة إلى الاقتصاد، وتتعرض أموالها للنفاد، فإذا تضحية أخرى تطلب من الموظفين، وإذا التجاء آخر إلى الشعور الوطني والواجب القومي، والضن بمصر على العجز والإفلاس، وإذا مرتباتهم تنقص فيضيقون بالنقص، ولكنهم يقبلونه مستجيبين للواجب، ثم يظهر أن ما نقص من مرتباتهم قليل، فتطلب إليهم تضحيات أخرى، ويصور لهم الواجب الوطني في صوره تملأ القلوب رقة للوطن، ورفقا به، وعطفا عليه، فينزلون من مرتباتهم عن جزء آخر، وقد أخذوا أنفسهم بالاستعداد لتضحيات أخرى تطلب إليهم، وتكاليف أخرى تفرض عليهم، ولكنهم ينظرون فيرون ويا شر ما يرون! يرون أن الترقيات والعلاوات تحظر عليهم عامة، ثم لا يلبث باب الاستثناء أن يفتح قليلا قليلا، وأن تنفذ منه الترقيات والعلاوات إلى طائفة من الأصفياء والأولياء، ومن المحسوبين والمقربين فيألمون ويسكتون، منهم من يستحي فيلزم الصمت، ومنهم من يشفق فيأخذ نفسه بالإغضاء والإعراض. ويزداد باب الاستثناء انفتاحا، وتزداد العلاوات والترقيات منه نفوذا، ويزداد ألم الموظفين شدة، وغيظهم حدة، فمنهم من يجمجم، ومنهم من يغمغم، ومنهم من لا يتحرج عن الكلام الواضح والإنكار الصريح، ثم ينظر الموظفون فيرون ويا شر ما يرون! يرون أن الوزارة قد نقصت مرتباتهم جميعا، ولكنها عادت فدارت حول بعض هذه المرتبات المنقوصة حتى ردتها كما كانت، أو زادت فيها بعض الشيء.
    فعلت ذلك مع جماعة من الأجانب احتجت مفوضياتهم على نقص مرتباتهم بضريبة التمغة، فزعمت أن ليس من قبول الأجانب لهذه الضريبة بد، ولكنها زادت في مرتباتهم بمقدار ما نقصت منها أو أكثر منه شيئا، فأعطي هؤلاء الأجانب باليمين، وأخذ هؤلاء الأجانب بالشمال. وفعلت ذلك مع بعض الأصفياء والأولياء، ومع بعض المحسوبين والمقربين فاستكشفت لهم أعمالا نادرة، وكفايات باهرة، وجزتهم على تلك الأعمال بالمال، وعلى هذه الكفايات بالترقيات وما زالت بهم حتى عوضتهم من النقص زيادة، ومن الخسارة ربحا. وحتى تمنى غيرهم لو نقصت مرتباتهم أضعافا، ثم استكشفت لهم أعمال تجزى بالمال، وكفايات تقدر بالترقيات. هنالك جمجم بعض الموظفين، وغمغم بعضهم الآخر، وغلى بعضهم فآثر التصريح على التلميح، وامتلأت مكاتب المصالح والوزارات، وأجواء الأندية والقهوات بيأس اليائسين، وطمع الطامعين، وسخط الساخطين، واحتيال المحتالين، وأصبح جو الحكومة جو مكر وكيد، ولوم وعتب، ويأس وسخط، هذا يشكو، وهذا يرجو، وهذا يتندر، وهذا يفوض أمره إلى الله. كل يفكر في مرتبه: أينقص أم يزيد أم يبقى حيث هو؟ وكل يفكر في درجته، وكل يفكر في زملائه الذين خرجوا معه من المدرسة أو خرجوا بعده منها، ثم سبقوه سبقا لا أمل له في أن يبلغ أمده.
    كل يفكر في هذا، وكل يتحدث بهذا، وكل يلهج بهذا في المكتب والنادي والقهوة حتى إذا عاد إلى بيته أظهر لأهله وجها مظلما، وجبينا مقطبا، وخلقا سيئا. ولم يتحدث إلى امرأته في شئون البنات والأبناء، ولا في جد الحياة وهزلها، ولا في لذات البيت وآلامه، وإنما تحدث إليها في أن فلانا قد ارتقى، وفلانا قد زاد، وهو ما زال حيث هو، لاحظ له من رقي ولا من زيادة، وفي أنه قد كتب مذكرة يشكو فيها ويتظلم، أو يضرع فيها ويستعطف، أو يدافع فيها عن حقه ويذود عن حظه، فطويت مذكرته طيا، وأهملت مذكرته إهمالا، وأخذ رؤساؤه ينظرون إليه شذرا، ويلقونه بابتسامة صفراء فيها الرحمة والازدراء.
    وأهله يسمعون لهذا الحديث فيأسون ويشقون، ثم يرثون ويعزون، ثم يجدون في التسرية والتسلية فلا يبلغون مما يريدون شيئا. وإذا هم ينغمسون في حزن عميق، وسخط كثيف وإذا هم مثله ينكرون ويستمطرون سخط الله على الظالمين، وصغار البيت يمرحون في لعبهم ولهوهم، ثم يبدو لهم فيقبلون بوجوه باسمة حلوة على أبويهم فلا يرون إلا وجوها عابسة مرة، فينصرفون وقد انطفأت في نفوسهم الناشئة جذوة الفرح والمرح، وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون: ما لأبينا قد غيَّر وجهه الحزن، وما لأمنا قد بللت خدها بالدموع؟
    ليس في هذا الحديث مبالغة، وليس في هذا الحديث إسراف، وأقسم أن صغار الموظفين ليعرفونه كله، وأقسم أنهم ليقرونه كله، وأقسم أن أهلهم ليثبتونه كله، لا ينكرون منه حرفا، ولا يغيرون منه شيئا، وأقسم أن بناتهم وأبناءهم ليشفقون في كثير من الأحيان من أن يلقوهم أو يسعوا إليهم، مخافة أن يجدوا في وجوههم من الحزن والهم ما يكرهون.
    ومع ذلك فهؤلاء الموظفون أحسن المصريين حالا، وأوسع المصريين آمالا، وأشد المصريين ثقة بغد، وأمنا من الظمأ والجوع.
    وكذلك مضت الوزارة تبسط يدها لفريق من الموظفين، وتقبضها عن فريق آخر حتى بلغ سوء الظن أقصاه بين الزملاء، وبين المرءوسين والرؤساء، منافسة تدعو إلى سوء الظن، وظلم يدعو إلى سوء الظن، وجور يدعو إلى سوء الظن، وأعباء الدولة في أثناء هذا كله مضيعة مشردة، ينفذ بعضها على كسل ومضض، ويهمل بعضها في سخط واستهزاء.
    حتى إذا كان يوم الخميس الماضي واجتمع مجلس الوزراء في المساء؛ عرضت عليه طائفة من الترقيات والعلاوات كلها استثناء، وفيها إسراف وغلو في الإسراف، جمجم بعض الوزراء فيما تقول الصحف، وغمغم بعضهم الآخر، وكانوا معذورين فكلهم في حاجة إلى الاستثناء، وكلهم قد وعد فأسرف في الوعد، وكلهم يسمع شكاة الشاكين، واستعطاف المستعطفين، فما بال أقوام يظفرون وقوم يخسرون؟! وكذلك انتهى الأمر بمجلس الوزراء إلى أن آثر الصراحة على الالتواء، ففتح باب الترقية والعلاوة على مصراعيه، وأذن للوزارات والمصالح في أن ترفع إليه أسماء الأكفاء الذين يستحقون ترقية أو علاوة لينظر في أمرهم ويجزيهم على صبرهم خيرا، ولكن هذه الترقيات والعلاوات التي أجيزت يوم الخميس الماضي كثيرة فاحشة، فيها محاباة ومداراة، وإيثار لقوم على قوم، وهي إن ظهرت أثارت من سخط الموظفين كل كمين، وهي إن ظهرت فتحت على الوزارة أبوابا يجب أن تظل مغلقة حتى يكون إنصاف المظلوم وإرضاء الغاضب، وهي إن ظهرت جعلت الوزارة مضرب الأمثال عند المعارضة في التصرفات المضحكة المضطربة التي لا تصدر عن قصد في التفكير والتقدير، ولا عن إيثار للمنفعة العامة على إرضاء الأولياء والأصفياء، ومجاراة المنافع والأهواء، والوزراء ناس من الناس يحسون الخجل، ويجدون الحياء، فيجب أن تكتم قرارات يوم الخميس وتحفظ سرا مصونا تلقى من دونه الأستار، ولا تنفذ إليه الأبصار حتى تسكن العاصفة، وتهدأ الثائرة، وتظهر ترقيات وعلاوات أخرى فتضيع هذه الاستثناءات وتمر دون أن يشعر بها الناس!
    وكذلك وجدت الوزارة لنفسها مخرجا من هذه الورطة، ولكنها تستطيع أن تستوثق بأن هذا المخرج لن يخرجها من شيء، فأسرارها هذه معروفة مهما تكتم، وغيبها هذا مكشوف مهما يستر ولن يخرجها من هذه الورطة إلا أمران، أحلاهما مر: فإما أن تلغي الاستثناءات التي أقرتها، وإما أن تغرق الموظفين في فيض من العلاوات والترقيات، ويومئذ يضحك الناس لأسطورة الاقتصاد، كما ضحكوا من قبل لطائفة كثيرة من أساطير الوزارة..!!
    أما إن سيرة الوزارة خليقة أن تثير في نفوس الوزراء عاطفة الحياء؟.
    كوكب الشرق في ١٥ – ٥ – ١٩٣٣

  • تجربة

    تجربة
    ليس في نجاحها شك ولا ريب، فيجب أن تستغل إلى أقصاها، وهي هذه التجربة التي عمد إليها رئيس الوزراء ليتبين ويتبين الذين يؤيدونه: أيمكن أن تجري الأمور في مصر على وجه من الوجوه دون أن تكون فيها وزارة قائمة؟ عمد رئيس الوزراء إلى هذه التجربة فنجحت نجاحًا باهرًا، لا مراء فيه! سافر في الصيف الماضي وسافر بعده بقليل جماعة من زملائه الوزراء، فلم يضطرب أمن، ولم يفسد نظام، ولم تزدد الأزمة الوزارية تعقداً، ثم عاد وعاد معه زملاؤه الوزراء، فلم يزدد الأمن استقراراً، ولم يزدد النظام ثباتاً، ولم تتقدم الأزمة الاقتصادية خطوة قصيرة أو غير قصيرة في سبيل الانفراج. ثم أرسل رئيس الوزراء جماعة من زملائه إلى بيوتهم ودعا رئيس الوزراء جماعة من أصفيائه ومن أصدقائه إلى مكاتب الوزراء فلم يتغير من أمر مصر شيء.
    ثم مرض رئيس الوزراء، وأعجزه المرض عن النهوض بأعباء الحكم والاستقلال بأثقاله، بل عن التفكير فيه، فلم يضطرب أمن، ولم يفسد نظام، ولم تشتد أزمة، ولم يتغير من أمر مصر شيء. ثم رد رئيس الوزراء جماعة من زملائه إلى بيوتهم ودعا مكانهم جماعة من أوليائه وأصفيائه، فلم يتغير من أمر مصر شيء، ثم ظل المرض ثقيل الوطأة على رئيس الوزراء يمنعه من تصريف الأمور كما ينبغي، وألمَّ المرض بوزير الخارجية فلم يتغير من أمر مصر شيء. ثم يسافر رئيس الوزراء بعد غد إلى أوروبا ليستشفي، ويسافر ثلاثة من الوزراء إلى أوروبا ليلهوا ويتروضوا، ويسافر وكيل المالية وكبير المستشارين الملكيين ليشتركا في المؤتمر الاقتصادي، ولن يتغير من أمر مصر شيء.
    وإذن فقد نجحت التجربة نجاحاً باهراً، لا سبيل إلى المراء فيه، وإذن فيجب أن تكون لنا عقول تعي، وقلوب تشعر، وشجاعة تمكننا من إعلان ما نرى، والدعوة إلى ما نعتقد، والجهر بأن هذه التجربة لا ينبغي أن تذهب عبثاً، بل لا بد أن نعتبر بها ونستفيد منها. ونقترح في جرأة وحزم أن تستغني مصر عن الوزارات، وأن تقتصد ما تنفقه على هذه المناصب والذين يشغلونها من نفقات أساسية وإضافية، ومن نفقات ظاهرة وأخرى خفية، فإن الرجل العاقل، والشعب العاقل لا ينبغي أن ينفقا أموالهما إلا إذا لم يكن من إنفاقها بد، أو إذا كان في إنفاقها شيء من اللذة والنفع له خطره الذي يدعو إلى أن ينفق المال عليه.
    وقد أقام رئيس الوزراء ووزارته الدليل على أن أمور مصر تستطيع أن تجري دون أن ينهض بها الوزراء! فليست الوزارة إذن أمراً لا بد منه في مصر، فلا ينبغي أن تنفق في سبيله الأموال! وما نظن أن مصر تجد لذة قوية، أو منفعة ظاهرة في أن تكون لها وزارة كما لغيرها من البلاد وزارات! وإذن فليست الوزارة ترفاً خليقاً أن نطمع فيه، أو نتهالك عليه، أو تنفق في سبيله الأموال، وما نظن أن مصر شديدة الحرص على أن تمنح وزراءها ما تمنحهم من المرتبات لينعموا هم ويشقى أبناؤها. وما نظن أن مصر شديدة الحب لوزرائها هؤلاء، تؤثرهم بالعطف والبر، وتصفيهم بالمودة والخير، وتنفق عليهم هذه الأموال الضخمة التي تستطيع أن تنفقها على آلاف من الجياع وأشباه الجياع الذين يتفرقون في أقطار الأرض، وتلم بهم الكوارث وتعبث بهم الخطوب، ويزورهم المرض المهلك، ولعله لا ينصرف عنهم حتى يصطحبهم معه ليقدمهم هدية أو قربانًا إلى الموت!
    وأنت تستطيع أن تمضي بهذا التفكير إلى أبعد من هذا المدى، فمصر لا تستطيع أن تستغني عن الوزراء وحدهم، ولكنها تستطيع أن تستغني عن عدد ضخم من الرؤساء وكبار الموظفين، هؤلاء الذين يغيبون فلا يفسد شيء، ويحضرون فلا يصلح شيء. هؤلاء الذين يلم بهم المرض فتستقيم الأمور، ثم تعود إليهم العافية فتستقيم الأمور. هؤلاء الذين يختلفون إلى دواوينهم إذا ارتفع الضحى، وينصرفون عنها إذا أقبل الظهر، ويجلسون في مكاتبهم باسمين، يتحدثون إلى الأصدقاء من قريب ومن بعيد، ويظهرون سلطانهم على طائفة من الموظفين، وعلى طائفة أخرى من الخدم، ويدبرون بالتليفون مرة وبالمناقشة مرة أخرى. وهم إذا أقبل المساء، أو تقدم الليل! تستطيع مصر أن تستغني عن الوزارة أو أن تستغني عن عدد ضخم من هؤلاء الرؤساء وكبار الموظفين.
    بل أنت تستطيع أن تمضي في التفكير إلى أبعد من هذا المدى، فقد عاشت مصر من غير وزارة إلى آخر القرن الماضي، وعاشت من غير هذا العدد الضخم من كبار الموظفين إلى أواخر القرن الماضي أيضاً، وعاشت من غير برلمان إلى أن تقدم هذا القرن الذي نحن فيه والمصريون إذا سألتهم عن رأيهم في حياتهم الحاضرة، وفي حياتهم بعد تأليف الوزارات، وبعد إنشاء المناصب الكبرى، وبعد إنشاء البرلمان، أجابوك بأن الفرق بين هاتين الحياتين ليس عظيماً، ولعله إلى الشر أقرب منه إلى الخير، فقد كانوا في حياتهم الأولى أشقياء وهم يعلمون أنهم أشقياء، مستعبدين وهم يعلمون أنهم مستعبدون. أما الآن فهم أشقياء ويقال لهم إنهم سعداء، وهم مستذلون ويقال لهم إنهم أحرار.
    فمحنتهم الآن مضاعفة، لأنها تمس حياتهم، وتمس تقديرهم لهذه الحياة، وشقوتهم الآن مضاعفة لأنهم كانوا في العصور الماضية يشقون وليس لهم في السعادة أمل، أما الآن فهم يشقون ويأملون، ولا يجدون إلى تحقيق آمالهم سبيلاً.
    وفيمَ إنشاء الوزارات والمناصب والبرلمانات إذا لم تكن هذه الوزارات والمناصب والبرلمانات وسائل إلى إسعاد الشعب وإصلاح أمره، وإشعاره بأنه كان شقياً فسعد، وكان ذليلاً فعز، وكان عبدًا فأصبح حراً، ومن ذا الذي زعم أن الوزارات تنشأ ليستمتع بها الوزراء فيقيموا مترفين، ويسافروا مترفين؟! ومن الذي زعم أن المناصب الكبرى تنشأ ليتخذها أصحابها وسيلة إلى الترف والنعيم؟! ومن ذا الذي زعم أن البرلمانات تنشأ ليسود النواب والشيوخ، ويخطب النواب والشيوخ، ويقبض النواب والشيوخ مكافآتهم آخر الشهر، ويظل الشعب من الذلة والشقاء وسوء الحال حيث كان؟!
    كلا ليست مناصب الحكم غايات، وإنما هي وسائل، فإذا استحالت إلى غايات وجب أن تزول، وإذا استحال أكثرها أو أقلها إلى أشياء لا تنفع ولا تفيد وجب أن تزول، وليست المسألة في حقيقة الأمر أن يقال إن في مصر مناصب أو ليس فيها مناصب وإنما المسألة أن يقال إن هذه المناصب نافعة للشعب فتبقى، أو غير نافعة للشعب فتزول.
    في هذا الاقتراح شيء من الجرأة، ولكني أتحدى كل مصري منصف له ضمير حسَّاس، وقلب زكي، وأسأله أيَتحدث بهذا كله إذا خلا إلى نفسه أم لا؟ أيشكو من هذا كله إذا خلا إلى أصفيائه أم لا؟ وأنا واثق بأنه لن يستطيع أن يجيب: لا، بل هو مضطر إلى أن يجيب نعم، وإذن فنحن نُكرَه على هذا اللون…؟ من ألوان الحضارة الأوروبية إكراهاً. ولسنا أعداء لهذه الحضارة الأوروبية، بل نحن نحب منها الشيء الكثير، ونحرص منها على الشيء الكثير، ولكن بشرط أن نختاره نحن، لا أن يختار لنا، وأن نسيره نحن، لا أن نسير فيه، وأن نلائم بينه وبين حاجتنا ومنافعنا، لا أن تضيع في سبيله حاجتنا ومنافعنا.
    وإذن فليخط رئيس الوزراء خطوة أخرى جريئة صريحة، يردنا بها إلى حيث كنا قبل أن تنشأ الوزارات والمناصب والبرلمانات. إنه إن يفعل يحفظ علينا كثيراً من أموالنا الضائعة، وهو إن يفعل يرحنا من كثير من هذه الآمال المتعبة، وهو إن يفعل يزل عن مصر شراً كثيراً، شر التنافس حول المناصب، والتهالك على الوظائف، والتضحية بالمنفعة العامة في سبيل المرتب والمكافأة، وفي سبيل الجاه والسلطان، وهو إن يفعل يجنبنا كثيراً من مواطن الفساد الخلقي والسياسي الذي كدنا ننتهي منه إلى ما لم ينته إليه غيرنا من الشعوب!
    ولكن رئيس الوزراء لن يفعل من هذا شيئاً، لأنه لن يلغي منصبه بيده، ولن يمحو سلطانه بيده، ولن يرد نفسه رجلاً من الناس بعد أن أصبح عظيماً يقيم فترزقه الدولة، ويرحل فترزقه الدولة، ويمرض فترزقه الدولة! لن يفعل رئيس الوزراء شيئاً مما تطلب إليه، فلا بد إذن من أن تحتمل كما احتملنا، ومن أن تصبر كما صبرنا، ومن أن تؤمن بأن لنا وزارة وإن لم نكن في حاجة إليها حتى يأذن الله بأمر من عنده.
    ومن يدري لعل هذا الأمر أن يرد كل شيء إلى نصابه، وأن يعطي مصر وزارات تثبت أن لها نفعاً وغناءً، ووزراء يؤمنون بأنهم لم يتولوا المناصب لينعموا بها، بل ليحتملوا فيها الجهد والعناء في سبيل هؤلاء الذين رفعوهم إلى هذه المناصب، وألقوا عليهم أمانتها الثقيلة.
    من يدري؟ لعل هواء أوروبا لا يمس رئيس الوزراء حتى يشعره بأن من العسير عليه أن يجمع بين الراحة التي يحتاج إليها، والتعب الذي لا يقدر عليه، فيريح نفسه حقاً، وإن في راحته الصحيحة لراحة لمصر..!
    كوكب الشرق ١٤ — ٥ — ١٩٣٣

  • صمت

    صمت
    صمت مريب هذا الذي كلفت به الوزارة واطمأنت إليه منذ حين، وقد كنا نعرفها تحب الكلام وتهيم به، وتغلو فيه حين تدعو إليه الحاجة، وحين لا تدعو إليه، وحين تبيحه المنفعة وحين تحظره، وحين يكون لها منه مخرج وحين لا يكون.
    لقد نشرت عنها الأهرام ما كانت تعتقد أنه الحق الذي لا تشك فيه ولا ترتاب، فأسرعت الوزارة إلى تكذيب الأهرام، وأسرعت الأهرام بعد ذلك إلى تحدي الوزارة والوزراء، فسكتت وسكتوا، وآثرت العافية وآثروها. فهذه الوزارة التي كانت تقول حين كان القول ينفع وحين كان القول يضر، قد ردت نفسها في هذه الأيام إلى صمت عميق كثيف، لا يخرجها منه سؤال ولا إلحاح في السؤال.
    زعم الناس أنها قضت في عطاءات جبل الأولياء قبل أن يجتمع مجلس الشيوخ، وقبل أن يجتمع مجلس الوزراء، وأشفقت الكوكب أن يكون ما زعمه الناس حقا فطلبت إلى الوزارة أن تنفيه وتنكره، أو أن تعرفه وتبين سبيل الحق فيه، ولكن الوزارة آثرت الصمت وأصرت عليه! وزعم الناس أن أمر هذه العطاءات لم يكن مثبتا في جدول الأعمال التي كانت معروضة على مجلس الوزراء، ثم أضيفت إليه في وقت متأخر! وأشفقت الكوكب أن يكون ما زعمه الناس حقا، وأشفقت الكوكب بنوع خاص أن تحدث هذه الإشاعات من الآثار في نفوس الناس ما يثير فيها الريب والشكوك التي لا ينبغي أن تثار، فطلبت إلى الوزارة أن تنفي ذلك وتنكره أو أن تعرفه وتبين عذرها فيه، ولكن الوزارة آثرت الصمت وأصرت عليه، ثم أصبح الناس يوم الخميس وإذا الصحف كلها قد أجمعت على أن مجلس الشيوخ لم يقر ميزانية الأشغال، وبعض هذه الصحف يوالي الوزارة،
    وبعضها يخاصمها، وبعضها يعرب عنها. ولم تكن جلسة مجلس الشيوخ سرا يشهده المقربون دون غيرهم، وإنما كانت علنية يشهدها من يحب الوزارة ومن لا يحبها. فكان الناس معذورين حين صدقوا هذه الصحف التي لم يؤخذ عليها الكذب، ولم تعرف إلا بتحري الصدق، وتصوير الحق للقراء في مثل هذه الأشياء، ثم ظهرت مضبطة مجلس الشيوخ فإذا هي تثبت نقيض ما نشرته الصحف وتنبئنا بأن المجلس قد أقر بعض الميزانية، وفيه اعتماد جبل الأولياء، وأرجأ بعضها الآخر إلى الأسبوع المقبل.
    وزعمت بعض الصحف أن في الأمر تحقيقا، ولم تدفع الأهرام وغير الأهرام ومنها صحيفة الوزارة عن نفسها تهمة الكذب أو الخطأ، ففهم الناس من هذا أنها مصرة على ما روت! وسألت الكوكب عن جلية الأمر، وتمنت على الوزارة أن تظهر الناس على الحق، ولكن مكتب مجلس الشيوخ ظل صامتا، وظلت الوزارة صامتة أيضا!
    ونقلت الأهرام صباح اليوم بعض ما قالته الكوكب في ذلك فلم تنكر ولم تعرف، ولم تنف ولم تثبت وآثرت هي أيضا صمتا عميقا كصمت الوزارة.
    وكانت البلاغ هي التي نبهت إلى هذا التناقض بين رواية الصحف، ورواية المضبطة، ولكنها ظهرت أمس صامتة كما صمتت الأهرام، وكما صمتت الشعب، وكما صمتت الوزارة ولعلها تنتظر الجواب ونتيجة التحقيق.
    ولكن هذا الصمت الذي لزمته الوزارة وأغرقت فيه بعد ما عرف عنها من كثرة الكلام مريب، لأنه يشكك الناس فيما يجب ألا يشكوا فيه، ولأنه يثير في نفوسهم خواطر ينبغي ألا تثار، ونحن نعلم أن الصمت قد يكون أبلغ من الكلام، ونعلم أيضا أن الصمت قد يكون من ذهب إذا كان الكلام من فضة، ونعلم أيضا أن الصمت يخرج أحيانا من المآزق، ويصرف أحيانا عن التورط في الشر، ولكنا نعلم أن بلاغة الصمت مختلفة، وأن اختلافها هو الذي يثير الريب، ويدفع إلى الشك. فقد تكون بلاغة الصمت إنكارا، وقد تكون بلاغة الصمت إقرارا، وقد تكون بلاغة الصمت ترددا، وقد تكون بلاغة الصمت ثقة،
    وقد تكون هذه البلاغة خوفا، وقد تكون أمنا، وقد تكون شكا، وقد تكون يقينا. والناس يفهمون هذه البلاغة بالقرائن، ويقدرونها بالظروف، ويحكمون لها أو يحكمون عليها حسب ما ينتهي بهم التقدير. ولهذا كان أقل الصمت بلاغة، أو قل أقل الصمت حظا من التوفيق هذا الذي تلجأ إليه الوزارة، لأن صلة الحكومة بالشعب في حاجة إلى الصراحة الصريحة، وإلى المواقف الواضحة الجلية التي لا تثير شكا، ولا تبعث ريبا، فنحن نحب أن نعرف من أي نوع بلاغة هذا الصمت الذي أحبته الحكومة واطمأنت إليه في هذه الأيام. أهو صمت المنكر لما جاء في الصحف، الواثق بكذبه أو خطئه؟ وإذن فما لها لا تعلن هذا الإنكار، وما لها لا ترد الصحف إلى الصدق بعد الكذب؟ أو إلى الصواب بعد الخطأ؟ وهي مكلفة أن تحرص على ألا يذاع في الناس غير الحق، ولعلها تستغل هذا التكليف وتتجاوز به الحدود المعقولة في كثير من الظروف ومع كثير من الصحف التي تخاصمها ولا تشاركها في الرأي.
    أهي بلاغة المعترف بأن الصحف لم تخطئ ولم تكذب؟ وإذن فما صمتها عن الشر، وما سكوتها على المنكر، وما إحجامها عن تبيين وجه الحق، وعن تحديد التبعة واستكشاف المسؤولين؟ وهي مكلفة أن تصون النظام كله ونظامها الخاص قبل كل شيء من كل عبث، وتحميه من كل فساد، وتعصمه من أن يسوء به الظن، أو يقبح فيه الرأي، أو يرتاب فيه الناس.
    يجب على الوزارة أن تقول شيئا، وأن تقول شيئا في أمر هذه المضبطة بنوع خاص فإن من حق الناس أن يستوثقوا ويطمئنوا إلى أن المصادر الرسمية بمأمن من كل ما يجب أن تتنزه عنه من أنواع التردد والتشكيك.
    هل أقر مجلس الشيوخ ما تقول المضبطة إنه أقره من ميزانية الأشغال، فكان عمل مجلس الوزراء مساء الخميس دستوريا لا غبار عليه؟ أم هل قل عدد الأعضاء في مجلس الشيوخ فأرجئت الميزانية إلى الأسبوع المقبل، فكان ما عمله مجلس الوزراء مساء الخميس تخطيا لمجلس الشيوخ وتصرفا في الميزانية قبل أن يقرها البرلمان؟ لو لم يكن في الأمر إلا أن كلام الوزارة يقرر حقا، ويمحو شكا، ويلقي في قلوب الناس الأمن والطمأنينة على المصادر الرسمية لكان من الحق على الوزارة أن تتكلم، ولا تلح في هذا الصمت، فكيف والأمر يعدو هذا إلى شيء آخر، هو تصرف من تصرفات مجلس الوزراء، أدستوري هو أم مخالف للدستور؟
    ولقد قال الناس وأكثروا في ميزانية الأشغال بعد أن أخرجت من مجلس النواب على ذلك النحو الغريب الذي لم ينسه أحد بعد، وكان من حق الناس أن يقولوا، وكان من حقهم أن يرتابوا، فقد ثبت في مضبطة مجلس النواب أن بعض الأعضاء لاحظ عند أخذ الأصوات أن العدد لم يكن قانونيا، فلم يحفل الرئيس بهذه الملاحظة. وقالت الصحف إن المصوتين لم يتجاوزوا خمسة وثلاثين. وكتبت الصحف في ذلك، وأنكرت أن تكون ميزانية الأشغال قد صدرت عن المجلس صدورًا دستوريًا صحيحًا، فلم يقل المجلس شيئا، ولم تقل الوزارة شيئا. ولم تغير الصحف رأيها، ولم تعدل الصحف عن شيء من هذا الرأي، وها نحن أولاء نشهد في مجلس الشيوخ قصة كقصة مجلس النواب، موضوعها ميزانية الأشغال نفسها، والناس يعتقدون أن التعجل في مشروع جبل الأولياء هو مصدر ما كان من مخالفة الدستور في مجلس النواب، وهم يعتقدون أن هذا التعجل نفسه مصدر هذا التناقض بين ما نشرته الصحف كلها، وما أثبتته مضبطة مجلس الشيوخ.
    فكيف تسكت الحكومة على هذا كله؟ وكيف تقبل أن تثور الشكوك وتكثر حول ما ينبغي لأعمال المجلسين ومصادرهما الرسمية من الأمانة والنزاهة والصدق والصواب.
    إن الناس يفكرون في أشياء كثيرة، ويتحدثون فيها إذا لقي بعضهم بعضا، أو خلا بعضهم إلى بعض، ومن هذه الأشياء ما يمس الوقت الحاضر، ومنها ما يمس وقتا مضى، ولكنه ما يزال قريبا، امتلأت فيه نفوسهم بالشكوك، وانطلقت فيه ألسنتهم بالريب، وهموا أن يشكوا منه، بل شكوا منه بالفعل، والناس يذكرون الماضي القريب ويصلون به الوقت الذي نعيش فيه، ويقولون فيكثرون القول، ويستنتجون فيذهبون في الاستنتاج مذاهب كثيرة. والصحف عاجزة عن أن تصور أحاديث الناس ومذاهبهم هذه، لأن القوانين الجديدة لا تخلي بينها وبين ذلك، ولكنهم يتحدثون على كل حال بأن القوانين لم تصل بعد إلى أن تحظر عليهم الحديث، وهذا الحديث شر لا خير فيه لأنه يعرض سمعة الحكومة لما لا ينبغي أن تتعرض له.
    فلتعمل الوزارة في أمر هذه المضبطة شيئا، أو لتقل الوزارة في أمر هذه المضبطة شيئا، أو لتصدر الوزارة ما من شأنه أن تمحو من النفوس كل شك، ويزيل منها كل ريب.

    كوكب الشرق ١٣ – ٥ – ١٩٣٣

  • شقاء

    شقاء
    جماعة من النواب يقال إنهم يبلغون ثلث المجلس يريدون أن يستجوبوا الحكومة حول الضرائب لأنهم يجدونها كما يجدها الناس ثقيلة لا يقوى أصحاب الأرض على أدائها، وهم يتحدثون بأن رئيس الوزراء نفسه زعم في تصريح له أنها تبلغ نصف الدخل الذي يظفر به الملاك بعد المشقة والجهد، وبعد الكد والعناء.
    ويقول قوم آخرون إنها تزيد على النصف وقد تبلغ الثلثين. ويقول أولئك وهؤلاء إن الحكومة قد وعدت يوما ما بتخفيض هذه الضرائب، ثم يقول أولئك وهؤلاء إن الحكومة قد نقضت وعدها فلم تمس الضرائب بتخفيض، وهي تأبى إلا أن تجبى لها هذه الضرائب كاملة غير منقوصة، وموفورة غير مقتر فيها، فإذا أداها الفلاح كما هي فذاك، وإلا فإن الله لم يخلق السياط عبثا، وإنما خلقها لتعمل في ظهور الذين يلتوون على الحكومة بما لها عليهم من دين، والله ـ عز وجل ـ لم يخلق السجون عبثا، وإنما خلقها لتؤوي فيمن تؤويهم من الناس أولئك الذين يماطلون عجزا أو مراوغة في أداء ما يجب أداؤه للحكومة من دين، والله ـ عز وجل ـ لم يخلق الشرطة عبثا، وإنما خلقها لتربط بالحبال وتمرغ في الأوحال أولئك الذين يعجزون أو يتكلفون العجز عن أداء ما يجب للحكومة عندهم من دين.
    وما دامت الوزارة في حاجة إلى المال، وما دام الشعب ملزما سواء قدر أم عجز بأن يؤدي للحكومة حاجتها من المال فيجب أن تطلب الحكومة ويجب أن يدفع الشعب ومن اللجاج والإحراج أن تطالب الحكومة بالرفق، والله لم يخلق الحكومات للرفق، ومن اللجاج والإحراج أن تريد الترفيه عن الفلاح وتخفيف الأعباء عنه، والله لم يخلق الفلاح ليرفه عليه ويخفف عنه، وإنما خلقه ليشقى ويشقى دائما، وليشكو ويشكو دائما، وليتصل أنينه مع الدهر فيكون صورة صادقة لتاريخه المحزن الطويل.
    وحاجة الحكومة إلى المال لا تنقضي، لأن لها موظفين يجب أن يؤجروا، وأن يؤجروا أضعاف ما يؤجر غيرهم من الموظفين في البلاد الأخرى، وأن تزاد أجورهم بالاستثناء وإن أقسمت الحكومة جهد أيمانها لتلغيَ الاستثناء، وما دام هناك موظفون، وما دام لهؤلاء الموظفين أجور، وما دامت هذه الأجور قابلة للمد إلى غير حد، فللحكومة أن تطلب، وعلى الفلاح أن يدفع لأن الله إنما خلق الناس ليمتص بعضهم دماء بعض، وليسعد بعضهم بشقاء بعض، وليست الحكومة محتاجة إلى المال لتؤجر الموظفين فحسب، ولكن محتاجة إلى المال أيضا لتؤدي الدين، ولتؤديه ذهبا إن لم توفق إلى تأديته ورقا. والحكومة لا تستطيع التلكؤ في أداء الدين، لأن ذلك يغضب الأجانب، ويسيء ظنهم بنا ورأيهم فينا. وشقاء الفلاح وعناؤه، وجوع الفلاح وظمأه، وتعرض الفلاح للأوبئة المهلكة، والأمراض الفاتكة بسبب الجوع والظمأ والحرمان، وكل ذلك أهون وأيسر من غضب الأجنبي، ومن سوء ظن الأجنبي بنا ورأيه فينا.
    ولم لا! هذا شعور طبيعي يجده كل إنسان، إن من الناس من يحتمل الجوع والحرمان، ويؤثرهما على أن يظهر عليه شيء من اضطراب الزي أو رقة الحال، وإذن فهو يشتري سمعته بعذاب الجوع ولذع الظمأ، وما يجوز على الأفراد يجب أن يجوز على الأمم، وإذن فلنكن فقراء، ولنكن معدمين، وليعبث بنا الجوع والمرض، ولكن يجب أن يعتقد الأجنبي، وأن يعتقد دائما أننا أغنياء وأننا موسرون، وأننا قادرون على الدفع ذهبا إذا لم نوفق إلى إرضائه بالدفع ورقا.
    يجب أن نشتري سمعتنا بكل شيء حتى بتعريض جماعات الناس للتيفوس وما يشبهه من الأوبئة والأمراض، وما دام الأجنبي يظن بنا القدرة فله أن يطالب وعلينا أن ندفع، فإن نكلنا أو أظهرنا ميلا إلى النكول فهي الخيانة وتعريض سمعة البلاد للخطر وما دامت لنا سمعة يجب أن تحفظ، فلتحفظ من جميع وجوهها، ولتحط بجميع أشكالها ومظاهرها.
    وإذن فليسافر رئيس الوزراء مستشفيا إلى أوروبا، ولتحط به في سفره واستشفائه كل مظاهر العظمة والجلال التي تليق ببلاد الفراعنة! وإلا ظن الأجنبي بنا الفقر! واتهمنا بسوء الحال! والموت والفناء خير من أن يرانا الأجنبي كما نحن فقراء مأزومين، لا نجد ما ننفق على تغذية أبنائنا وتعليمهم.
    هذه أشياء يجب أن تبقى سرا مكتوما بيننا وبين أنفسنا. هذه نار يجب أن نصلاها ونحترق فيها دون أن يحس الأجنبي ذلك أو يشعر به! وإلا ضاعت سمعتنا، وتعرضت كرامتنا للخطر!
    ومن مظاهر السمعة التي لا بد منها لبلد مستقل كريم أن تسافر كشافتنا إلى بودابست فتعبر البحر، وتقطع البر، وتنفق الألوف ليقول الناس من الأجانب: ما أعظم حظ مصر من الحضارة والغنى! إن لها كشافة كغيرها من البلاد، وإنها ترسلها إلى أوروبا ليراها الناس ولا ينبغي أن يعلم الأجنبي أن آباء هؤلاء الغلمان الذين ترسلهم الحكومة إلى بودابست قد يتضورون جوعا، وقد يعجزون عن أن يغذوا أبناءهم الآخرين.
    ومن مظاهر هذه السمعة التي لا بد من أن تظل مرعية محفوظة أن يكون لنا ملعب يكون فيه الرقص، ويكون فيه الغناء، ويكون فيه التمثيل، وينعم الأجانب بالاختلاف إليه والاستمتاع بما يكون فيه من اللذات، ولا ينبغي أن يعلم الراقصون والراقصات، والمغنون والمغنيات، والممثلون والممثلات، والمختلفون إليه من الأجانب أن وزارة المعارف تنفق عليهم ما تنفق من المال، وتطرد أبناءنا من المدارس لأن آباءهم لا يجدون ما ينفقون!
    هذه أسرار يجب أن تظل مكتومة بيننا وبين أنفسنا، نألم لها، ونشكو منها، ونئن من شدة الألم وحرارة الشكوى، ولكننا فلاحون! وهل خلق الفلاح إلا ليألم ويشكو ويئن؟! وما حياة الفلاح إذا لم تكن أنينا متصلا مع الدهر يصور تاريخه المحزن الطويل؟!
    ما أجدر هؤلاء النواب المستجوبين الذين بلغوا الخمسين أو أكثر من الخمسين أن يعدلوا عن استجوابهم فهم يحاولون شيئا لا سبيل إليه، ولا أمل فيه!
    أين هي الشجاعة التي تمكن الوزارة من أن تعرض للضرائب، فتعرض أجور الموظفين للنقص، وتظهر حقيقة أمرنا لهؤلاء الذين ينظرون إلينا كما ينظر الراعي الحريص إلى قطعانه وقد امتلأت ضروعها باللبن الدسم اللذيذ.
    لا أمل في أن تمس الضرائب ولا في أن تخفض، بل لا أمل في أن ينظر الاستجواب، فسيؤخر إلى أجل غير مسمى إن لم يسترده أصحابه، فإن أبى أصحابه التأجيل إلى غير أجل فسيقال لهم اصطنعوا الذوق والظرف، وفكروا في أن رئيس الوزراء مسافر، وفكروا في أنه مريض، وهو على رئاسته للوزراء وزير المالية، هو وحده الذي يستطيع أن يقول في هذا الموضوع نعم أو لا. وإذن فشيئا من الرفق، وشيئا من المجاملة، وشيئا من رعاية التقاليد! انتظروا حتى يعود رئيس الوزراء!
    وسيسمع المستجوبون هذا الكلام فيأخذهم حب الذوق، ويأخذهم الإشفاق على المسافر المريض حتى يؤثروا مجاملة رئيس الوزراء على التعجل في إنقاذ الفلاح! لقد صبر الفلاح أعواما، فليصبر أشهرا. وستبقى الضرائب كما هي، وسيشقى بها الفلاح كما يصلى نارها الآن! وسيئن الفلاح وستعبث به ناران: نار القيظ تحرق جلده، ونار الجوع والحزن تحرق كبده! والفلاح صبور خلق لاحتمال الشدائد والثبات للمكروه!
    أما أنا فليس يعنيني أن تخفض الضرائب أو لا تخفض، وإنما الذي يغنيني هو أن يشعر الفلاح بما يحيط به من شقاء.
    كوكب الشرق ١٢ = ٥ = ١٩٣٣

  • كهرباء

    كهرباء
    لم تنتشر في الجو الوزاري كما انتشرت في هذه الأيام، فأصدقاء الوزارة وأولياؤها يظلمون أنفسهم ويعبثون بعقولهم إن زعموا أن جو الوزارة هادئ، لا اضطراب فيه، صافٍ لا يشوبه كدر. وهم يظلمون أنفسهم ويعبثون بعقولهم إذا لم يعترفوا بأن الوزارة قد ضاقت بها السبل، وأخذت من كل مكان، وفسد الجو الذي تعيش فيه، وهي محصورة من كل ناحية، قد اضطرت إلى أن تقف موقف الدفاع، وموقف الدفاع الذي يستميت صاحبه ويستيئس حتى لا يتحرج من الميل إلى الاستعانة بالعزائم والطلاسم والرقى، زيارة الأضرحة، والتعريج على قبور الأولياء.
    ولقد كانت الوزارة في وقت من الأوقات تظهر شيئاً من القوة والبأس، ومن المنعة والبطش. وتزعم للناس، ويزعم معها الأصدقاء والأولياء أن خصومها من المعارضين يتجنون عليها ويثورون بها، ويقولون فيها غير الحق، ويغرون بها الناس، فكانت تهاجمهم مهاجمة متصلة، وكانت تغري نفسها بهم، وتسلط صحفها عليهم، وتتجاوز في هذا كله حدود الدستور والقانون فتعتدي على الحرية، وتمنع خصومها من القول ومن الانتقال، وتعتدي على القانون فتحظر على الخصوم حتى النقد المعقول المباح، وتبيح للأصدقاء والأولياء، لا ما يأباه القانون وحده، بل ما تأباه الأخلاق أيضاً!!
    وكانت حجة الوزارة في ذلك حماية النظام، ومنع المعارضين ألا يثوروا به أو يعتدوا عليه! أما الآن فقد أحيط بالوزارة واشترك في التنكر لها أولياؤها وأصدقاؤها أنفسهم.
    فهذا مجلس النواب لا يخرج من استجواب حتى يدخل في استجواب آخر، وهذا مجلس الشيوخ ينفض دون أن يقر ميزانية الأشغال، ويؤجل هذه الميزانية أسبوعاً كاملاً، مع أن حاجة الوزارة كانت شديدة، ومع أن ضرورة الوزارة كانت ماسة إلى أن تقر الميزانية أمس ليقضي مجلس الوزراء في عطاءات جبل الأولياء إن لم يكن قد قضي فيها بالفعل.
    لقد لاحظت الأهرام وألحت في الملاحظة، ولاحظت الصحف معها وألحت في الملاحظة أيضاً أن الوزارة تتعجل أمر جبل الأولياء، وتريد أن تقضي في عطاءاته قبل أن يقر مجلس الشيوخ اعتماد هذا المشروع في ميزانية الأشغال! وأخذ الناس يتساءلون عن مصدر هذه العجلة، وفي الوقت سعة. وأخذوا يتساءلون عن مصدر هذا التجاوز لمجلس الشيوخ، والدستور القائم نفسه لا يبيح للحكومة أن تتجاوزه أو تتخطاه. ووضعت الوزارة أصابعها في آذانها فلم تسمع لأحد، ولم تجب أحداً. وسافر رئيس الوزراء فاستراح خمسة أيام كثرت أثناءها أحاديث الناس حتى قال القائلون، وأرجف المرجفون، وزعم الزاعمون أن أمر جبل الأولياء قد قضي فيه، وأن الشركة التي أقرت الوزارة عطاءها قد تلقت من وزير الأشغال إذناً بالعمل، ولما يجتمع مجلس الشيوخ ليقر الاعتماد، ولما يجتمع مجلس الوزراء للنظر في العطاءات.
    وسألت الكوكب مرة ومرة عن أحاديث المتحدثين وأراجيف المرجفين، وطلبت الكوكب مرة ومرة إلى الحكومة أن تكذب هذه الأنباء، ولكن الوزارة وضعت أصابعها في آذانها فلم تسمع شيئاً وشدت لسانها بنسعة فلم تقل شيئاً.
    واتصلت الأحاديث وانتشرت بالأراجيف، وما أقبح الأحاديث والأراجيف حين تتصل بالعطاءات وما يشبه العطاءات مما يمس المال. وفي أثناء هذا كله ظهر أحد المقاولين شاكياً، مُلحاً في الشكوى، يعرض أمره على وزير الأشغال حيناً، وعلى رئيس الوزراء حيناً آخر، ثم ينتهي به الضيق إلى أن يطلب إلى صدقي باشا في كتاب نشرته الصحف، لم يخل من عنف صريح، ومن تلميح بالنذير أن يعرض شكواه على مجلس الوزراء.
    ثم يضطرب الأمر في مجلس الشيوخ نفسه، فإذا لجنته المالية تنكر على وزير الأشغال أموراً خطيرة في ميزانيتها. وإذا أحاديث تشاع وتذاع عن استقالة من هذه اللجنة، واسترداد لهذه الاستقالة حتى يفسد الجو حول وزارة الأشغال فساداً قبيحاً حقاً. ثم يجتمع مجلس الشيوخ مساء أمس فإذا اجتماعه لا يصفِّي الجو ولا ينقِّيه، وإذا أحاديثه ومناقشاته لا ترد إلى الوزارة طمأنينة ولا هدوءاً، وإذا هو يتفرق ولما يقرّ هذه الميزانية التي كثرت حولها الأحاديث، وانتشرت حولها الأراجيف، وإذا مجلس الوزراء الذي يجتمع اليوم بين اثنتين: إما أن يقضي في هذه العطاءات فيتخطى مجلس الشيوخ وحقه الدستوري في إقرار الاعتمادات المالية قبل أن تبدأ الحكومة في إنفاقها، وإما أن يرجِئ هذه العطاءات حتى يجتمع مجلس الشيوخ بعد أسبوع. وإذن فسيسافر رئيس الوزراء ولما يقضِ المجلس في هذا الأمر الخطير. وإذن فقد يأبى مجلس الشيوخ أن يقر الميزانية في جلسته المقبلة، ويعجز الوزراء كما عجزوا أمس عن ضبطه وتسييره وتتفرق الأمور.
    هذا ولم نُشر إلى ما قد يحدث من غضب وسخط لإرجاء هذه العطاءات التي كانت الوزارة تدفع إلى إقرارها دفعاً، فإذا لاحظت مع هذا كله أن ميزانية وزارة الأشغال قد اختلست اختلاساً من مجلس النواب وخرجت إلى مجلس الشيوخ ولما يصوت عليها عدد قانوني! عرفت أن الوزارة تعيش في جو جديد، أقل ما يوصف به أنه خانق، وأن الكهرباء قد انتشرت فيه إلى حد لم يُعرف من قبل في تاريخ هذه الوزارة القائمة! وأنت إذا لاحظت الصلة بين الوزارة والبرلمان، وذكرت ما أعلنه زعيم المعارضة الرسمية في مجلس النواب من أن المجلس مسؤول أمام الوزارة بدل أن تكون الوزارة مسؤولة أمام المجلس، وذكرت أيضاً أن من النواب من تمدح بأن رئيس الوزراء واثق به، وراض عنه. وذكرت أيضاً ما نشهده دائماً من سبق النواب والشيوخ إلى ما تريد الحكومة وإلحاحهم عليها في تحقيق هذا الذي تريد؛ لم تملك نفسك من أن تلاحظ في المجلسين الآن انتقاضاً ظاهراً على الوزارة، وأن هذا الانتقاض لا يخلو من خطر وإن لم يجيء عفواً، ولم يحدث دون أن تكون هناك بواعث واضحة أو غامضة تدفعه إلى أن يظهر ويأخذ هذين الشكلين المختلفين: شكل الاستجواب في مجلس النواب، وشكل الاعتراض على ميزانية الأشغال في مجلس الشيوخ.
    من حديث الأطفال إذن أن يقال إن كل شيء هادئ في جو الوزارة، وأن النواب اليوم طيعون كما كانوا بالأمس، وأن الشيوخ اليوم مذعنون كما كانوا بالأمس، من حديث الأطفال أن يقال هذا الكلام، ولا بد من أن يعترف الوزراء وأولياؤهم بأنهم يحيون الآن حياة ضيقة في جو خانق، ويقضون وقتاً من أعسر الأوقات التي قضوها منذ نهضوا بأعباء الحكم.
    وكانت أعراض هذا الشعور ظاهرة ظهوراً واضحاً جلياً أمس على الوزراء في مجلس الشيوخ، فلم يكونوا موفقين فيما قالوا، ولا ما فعلوا وإنما كان منهم المضطرب، ومنهم المتهافت، ومنهم الضعيف. وما ظنك بوزير الأشغال وهو يقرأ على المجلس فصولاً كتبتها الصحف ويحاول الرد عليها حتى ينبهه بعض الأعضاء إلى أن هذا ليس من شأن المجلس ولا من شأن الوزراء.
    وما ظنك بوزير التقاليد وهو يدافع عن الاستثناء فيسكته عضو من أعضاء المجلس قائلاً: إن كفاية الموظفين هي الأصل، فمن فقد الكفاية فقد عمله.
    لم يكن الوزراء موفقين فيما قالوا ولا فيما فعلوا، ولم يكونوا قابضين على أعنة المجلس أمس، لأن قدرتهم على المقاومة وقوتهم على الهجوم، واستعدادهم للقاء الطوارئ، كل هذا قد ضعف في نفوسهم، وهو إنما ضعف في نفوسهم، لأن الجو من حولهم قد فسد، ولأن الأرض من تحت أقدامهم قد أخذ يصيبها الاضطراب.
    والظاهر أن العدوى قد سرت من مجلس النواب إلى مجلس الشيوخ فصودر الأعضاء، ومنع بعضهم من الكلام، وأمر بعضهم بتخفيض الصوت، ولم يتردد بعضهم في أن يصيح مغضباً: إنكم تعاملوننا حقاً كما يعامل زملاؤنا في مجلس النواب! كأن النواب قد أصبحوا مضرب المثل في قبول ما تلقاهم به الرياسة من الأمر والنهي وإلقاء الدروس، ثم تريد رياسة مجلس الشيوخ أن تقف المناقشة وقد سنحت الفرصة لتقرير الميزانية، وإخراج الوزارة من مأزقها، ولكن قوماً يأبون إلا أن يتكلموا فإذا منعوا من الكلام تفرقوا وتفرق معهم أصحابهم، ونظرت الرياسة فإذا العدد غير قانوني، وإذا إمضاء الميزانية أمس مستحيل.
    والغريب أن رياسة مجلس الشيوخ لم تمضِ في هذه المسألة سيرة الرياسة في مجلس النواب فلم تمضِ الميزانية على قلة الأعضاء، ولكن أجلتها أسبوعاً كاملاً، نزولاً عند إرادة الدستور والنظام، ولأمر يجري به قضاؤه الذي لا مرد له.
    ثم تزعم الصحف الوزارية أن أمور الوزارة تجري على خير ما تحب، وأن الوزارة لم تكن في يوم من الأيام أقوى ولا أثبت ولا أضمن للبقاء مما هي اليوم!.
    أما نحن فلا نتعجل الحوادث، ولا نسرف في التفسير لحركات النواب المستجوبين، ولا لحركات الشيوخ المتمردين، ولكننا نسمح لأنفسنا بالشك في أن رئيس الوزراء سيبرح الأرض قبل أن يستقيل، أو في أن رئيس الوزراء سيطيل الإقامة في أوربا قبل أن يستقيل، ذلك لأن كل شيء حول رئيس الوزراء قد فسد حتى اتصال أنصاره به وإذعانهم له. وإذا فسد الجو السياسي إلى هذا الحد لم يبقَ صالحاً للحياة.
    كوكب الشرق ١١ – ٥ – ١٩٣٣

  • غرابيل

    غرابيل
    هم وزراؤنا إن صحت أنباء «الأهرام» والظاهر أنها صحيحة لأن الأهرام قد عادت اليوم إلى توكيدها. وتحدّت رئيس الوزراء مرة أخرى، وأعلنت إليه في صراحة جازمة وتأكيد قاطع أنها تلقت هذه الأنباء عن أكثر من وزير، وإذن فرئيس الوزراء يتحدث إلى زملائه بطائفة من الأحاديث يجب أن تكون سرًا مكتومًا، لأنها من المسائل التي لا يجب أن تذاع، ومن الدقائق التي لا ينبغي أن تشاع، فلا يكاد الوزراء يتفرقون عن رئيسهم حتى يملئوا الأرض بما ألقى إليهم من سر، وما ائتمنوا عليه من حديث.
    هم إذن غرابيل، لا ينبغي أن تلقى إليهم الأسرار، ولا ينبغي أن يؤتمنوا على الأحاديث، وإنما يجب أن يستأثر رئيس الوزراء من دونهم بأسرار الدولة وشئونها ذات الخطر، فهم قد أذاعوا إن صحت أنباء الأهرام أسرارًا أقل ما توصف به أنها مزرية بكرامة الدولة، غاضة من قدرها، تظهرها مضطربة جزعة لما يذاع من الأنباء عن نقل المندوب السامي من مصر، أو رجوعه إليها وإقامته فيها، وتظهرها فزعة هلعة لما يقال من أن اللجنة الإنجليزية المصرية راضية عن النظام القائم، أو ساخطة عليه، مؤيدة للوزارة أو متنكرة لها.
    وليس من كرامة الوزارة بحال من الأحوال في نفوس المصريين، سواء كانوا من أصدقائها أو من خصومها أن تظهر على الوزارة أعراض هذا الضعف المخجل، وهي التي تتحدث بالاستقلال، وتزعم أنها شديدة التعلق بأسبابه، غالية في الحرص على مظاهره وأشكاله، بل على حقائقه التي لا تقبل الشك ولا تحتمل الفزع.
    لم يصدق أحد من المصريين أن الوزارة مستقلة إلى هذا الحد الذي كانت تزعمه لنفسها، ولم يصدق أحد من المصريين أن الوزارة أرغمت الإنجليز كما كانت تقول علنًا أن يعترفوا بحقيقة هذا الاستقلال ويرعوا حرمته، ويقفوا من الوزارة والأمة موقف الحياد. لم يصدق أحد شيئًا من هذا، ولكنه كان كلامًا يقال، وأحاديث تجد صحف الوزارة من نفسها الشجاعة على ترديدها كلما احتاجت إلى ترديدها.
    أما الآن وقد أفشى الوزراء أسرار مجلس الوزراء، أما الآن وقد أذاع الوزراء أحاديث رئيس الوزراء، أما الآن وقد عرف الناس جميعًا من الوزراء أنفسهم إن صحت أنباء الأهرام أن الوزارة قد جزعت لتلك البرقية التي أرسلت إلى البلاغ فنشرت في الأهرام. أما الآن وقد عرف الناس جميعًا أن رئيس الوزراء تحدث إلى وزيرنا المفوض في لندرة بالتليفون، أما الآن وقد عرف الناس جميعًا من الوزراء أنفسهم دقائق هذا الحديث فنظن أن صحف الوزارة ستكف عن التحدث بهذا الاستقلال إن كانت لها بقية من حياء.
    أليس مما يلائم كرامة الوزارة في نفوس المصريين من الأصدقاء والخصوم أن يعرفوا منها هذا الضعف وأن يلمسوا منها هذا الوجل كلما جاء نبأ من لندرة، وأن يبحث الوزراء ويستقصوا ثم يلتقوا بعد البحث والاستقصاء فيهدئ بعضهم بعضًا، ويهنئ بعضهم بعضًا لأن المندوب السامي مقيم غير منقول، ولأن اللجنة الإنجليزية المصرية قد أخفقت ولم يقدر لها النجاح!!
    ليس مما يلائم كرامة الوزارة في نفوس المصريين أن يعلن رئيسها في الصحف أن بقاء الوزارات وسقوطها رهينان برضى الملك وثقة البرلمان، ثم لا يمضي يوم وبعض يوم حتى يتحدث إلى زملائه إن صحت أنباء الأهرام بأن ليس على الوزارة خوف لأن المندوب السامي مقيم، ولأن اللجنة الإنجليزية المصرية لم توفق إلى ما كانت تريد من تغيير النظام!!
    ليس شيء من هذا ملائمًا لكرامة الوزارة في نفوس المصريين، وليس شيء من هذا ملائمًا لكرامة الوزارة، ولا كرامة مصر في نفوس الأجانب، فإن كل مصري يستحي أن يعرف الأجانب الذين لا يقفون على دخائل الأمور أن هذه الوزارة التي تذيق المصريين ألوان العذاب تخاف من الإنجليز إلى هذا الحد، وتفزع من نقل المندوب السامي إلى هذا الحد، وتجزع من سعي اللجنة الإنجليزية المصرية إلى هذا الحد فهي تلقى المصريين بالشدة والعنف، وتلقى الإنجليز بالضراعة والخوف، وتذكر بقول الشاعر القديم للحجاج:
    أسد عليّ وفي الحروب نعامة
    فتخاء تنفر من نفير الصافر
    هلا برزت إلى غزالة في الوغى
    بل كان قلبك في جناحي طائر
    نعم، لم يرع هؤلاء الوزراء الذين أفشوا سر مجلسهم، وأذاعوا حديث رئيسهم كرامة الوزارة وكرامة الدولة معًا، وليس لذلك كله مصدر إلا أن هؤلاء الناس قد كلفوا من الأمر ما لا يطيقون، وحملوا من مناصب الدولة ما لم يهيأوا له، ولا ينبغي أن يؤتمنوا عليه. فإن الوزير الذي يلم به من الأمور السياسية ما يكره، فلا يملك نفسه أن يذيعه، ويتحدث به إلى الناس، ويلم به من الأمور السياسية ما يحب فلا يملك نفسه أن يتحدث ويذيعه بين الناس. هذا الوزير خليق أن لا يظل في منصبه يومًا أو بعض يوم، لأنه قد أقام البرهان على أنه لا يصلح للوزارة، ولا ينبغي أن ينهض بأعباء الحياة العامة.
    هؤلاء الوزراء الذين أذاعوا أسرار مجلسهم، وأحاديث رئيسهم إن صدقت الأهرام في أمر مزر بكرامة الدولة خليقون غدًا أن يذيعوا أسرار مجلسهم وأحاديث رئيسهم في أمر يمس أمن الدولة وسلامتها، وإذا استطاع مندوب الأهرام أن يعبث بالذين تحدثوا إليه من الوزراء فيستخلص منهم هذه الأسرار، فقد يستطيع هو أو غيره من الصحافيين المهرة أن يعبثوا بهم مرة أخرى ويستخلصوا منهم أسرارًا وأحاديث أشد من هذا السر خطرًا، وأبعد من هذا الحديث أثرًا.
    إن الحكومة لا تكاد تأخذ أحدًا من موظفيها بأنه قد أفشى أسرار الإدارة أو أذاع حديثًا من أحاديثها الخاصة حتى تعاقبه أشد العقاب، وتنكل به أشد التنكيل، فما أعد رئيس الوزراء لزملائه هؤلاء إن كان ما نشرته الأهرام عنهم صحيحًا؟ وهي تؤكد صحته وتتحدى الوزارة، ويظهر مندوبها بشخصه، ويمضي هذا التحدي باسمه، ويعلن بذلك أنه محتمل لتبعة ما نقل إلى صحيفته من الأحاديث.
    ماذا أعد رئيس الوزراء لهؤلاء الزملاء؟ أيحيلهم على مجلس التأديب أم يقيلهم من العمل؟! أم يكتفي باللوم والتأنيب؟! مهما يفعل رئيس الوزراء من ذلك فإن من المحقق أن هؤلاء الزملاء الذين يعتمد عليهم ويثق بهم ليسوا خليقين باعتماده عليهم، ولا مستحقين لثقته بهم، لأنهم قد أصبحوا غرابيل، وما ينبغي أن توكل أسرار الدولة إلى الغرابيل!
    إن الأهرام تتحدى الوزارة، وتسرف في التحدي، ونحن لا نتحدى، ولا نسرف في تحدي أحد، ولكنا نريد أن يضع رئيس الوزراء حدًا لهذا الخطر الذي تتعرض له كرامة الحكومة، وأن يبين للناس بطريق قاطعة لا تحتمل الشك أن الوزراء لم يتورطوا في هذا الإثم. وإذن فيجب أن تحمل الأهرام تبعة هذه الجرأة على الحق، وعلى مقام الوزارة، أو أنهم قد تورطوا في هذا الإثم فيجب أن يقالوا وأن يقصوا عن الحكم الذي أصبحوا غير صالحين له، ولا قادرين عليه.
    وبعد، فماذا أراد رئيس الوزراء بهذا البلاغ الذي أصدره أمس يكذب به الأهرام، والذي احترمته الأهرام ولكنها كذبته تكذيبًا قاطعًا؟!
    ماذا أراد رئيس الوزراء بهذا البلاغ؟ أخاف من المصريين فأراد أن يؤكد لهم أن وزارته أحرص على كرامتها، وأوثق بقوتها من أن تسرف في خوف الإنجليز والتهالك عليهم إلى هذا الحد؟ أم خاف من الإنجليز أن يغضبوا فأراد أن يقسم لهم أن هذه الأحاديث لم تكن، وأن مجلس الوزراء لم يخض في أمر المندوب السامي، ولم يتحدث في أمر اللجنة المصرية الإنجليزية بقليل أو كثير؟ ليصدقنا رئيس الوزراء فإن الموقف السياسي الذي اضطرت إليه وزارته في هذه الأيام أهون على المصريين من شيء آخر شديد الخطر، وهو أن يعلموا أيهما الصادق! أهي الحكومة في بلاغها أم الأهرام في تحديها المتصل؟
    إن سكوت الوزارة على هذا التحدي الجريء؛ خليق أن يمحو ما بقي من مهابتها في نفوس أنصارها، بعد أن محت الحوادث مهابتها في نفوس خصومها. فلينظر رئيس الوزراء كيف يجد لنفسه مخرجًا من هذا المأزق الذي لا بد من الخروج منه، وما نرى أنه يخرج من هذا المأزق إلا بالاستقالة أو تعديل الوزارة.
    كوكب الشرق ١ – ٥ – ١٩٣٣

  • استجواب٢

    استجواب

    ذاق مجلس النواب لذة الاستجواب، ووجد عذوبة الكر والفر، وحلاوة الجدال والنضال، فلم يفرغ من الاستجواب حول جبل الأولياء حتى اندفع إلى الاستجواب حول تخفيض الضرائب. وإذا صدق الظن، فلن تنتهي هذه الدورة حتى يشبع النواب استجوابًا، ويشبع الوزراء ثقة.

    ولِمَ لا؟ في الاستجواب نشاط، وقد طال الفتور، وفي الاستجواب عمل، وقد طال الكسل، وفي الاستجواب كلام، وقد طال الصمت. فلم لا يرغب النواب في الاستجواب لينشطوا، ويعملوا، ويتكلموا، ويعلم الناس أن نوابهم ناهضون بالنيابة عنهم على خير ما ينهض النواب بواجباتهم البرلمانية، وليعلم الناس في مصر وإنجلترا أن زعيم المعارضة الرسمية في البرلمان لم يكن موفقًا حين زعم أن المجلس هو المسؤول أمام الوزارة، بدل أن تكون الوزارة هي المسؤولة أمام المجلس.

    ومن يدري؟ إن الأحلام مطلقة الحرية، لا تعرف حدًا تقف عنده، ولا أمدًا تنتهي إليه. فلعل حلمًا من هذه الأحلام الهائمة التي تزور الناس عند مطلع الفجر، وقبل أن تكتسي الأرض بأضواء الشمس المشرقة، قد يقف عند المستجوبين وهم نيام كأيقاظ، أو أيقاظ كنيام، فيخيل إليهم أن استجوابًا جديدًا قد يمكنهم من إحراج الوزارة، واضطرارها إلى الاستقالة، فتحدث معجزة المعجزات، وأعجوبة الأعاجيب، ويقترع المجلس برفض الثقة، ويرفع رئيس الوزارة استقالة وزارته، ويقول الناس إن هذا المجلس، الذي كان يتهمه بعض أعضائه بأنه ظل للوزارة، قد رفض الثقة بالوزارة واضطرها إلى السقوط.
    ويجد الإنجليز حلًا للمشكلة التي يتورطون فيها الآن، مشكلة السخط على الموقف السياسي الحاضر، والحرص على التزام الحياد الدقيق، فتسقط الوزارة، ويخلص منها الذين يضيقون بها من أصدقائها أمس، ولم يظهر منهم تدخل في شئون مصر، ولا خروج على الحياد.

    ويجد رئيس الوزراء مخرجًا من هذا المأزق الذي اضطرت إليه الظروف، فيستقيل، لا لأن الإنجليز أرادوه على الاستقالة، أو لمحوا له بالاستقالة من بعيد، بل لأن مجلس النواب قد ضن عليه بالثقة. وقد قال رئيس الوزراء ألف مرة إن بقاء الوزارة رهين برضا جلالة الملك وثقة البرلمان، فإذا فقد ثقة البرلمان استقال. والإنجليز محايدون، وإن كرهت المعارضة التي لا تؤمن بهذا الحياد.

    ومن يدري؟ لعل هذا الحلم قد خيل لأصحاب الاستجواب أن استجوابهم، إن أدى إلى سقوط الوزارة، قد يقضي على هذا التضامن بين المجلس والوزارة، وقد يقطع هذه الأسباب الثقيلة التي تصل بينهما، وتضطرهما إلى أن يحتملا معًا ما يتعرضان له من خير أو شر. وإذا زال هذا التضامن، وانقطعت هذه الأسباب، فقد تذهب الوزارة، وتتصل أسباب الحياة للبرلمان.

    ثم انجلى الحلم، واستيقظ النائم، فما أسرع ما ظهرت مسألة الضرائب، وما أسرع ما صدر الاستجواب للمستجوبين!

    والصحف تقول إن مساعي تبذل لحمل المستجوبين على أن يستردوا استجوابهم، وصحيفة الوزارة تجتهد اليوم في إقناع هؤلاء المستجوبين بالعدول عن تحقيق هذا الحلم؛ لأن الحكومة مضطرة إلى ألا تمس الضرائب الآن، وإن كانت قد وعدت من قبل بأنها ستعدلها وتنالها بالتخفيض. ذلك أن النواب المستجوبين حديثو عهد بالسياسة الوزارية فيما يظهر، أو هم يتكلفون حداثة العهد.

    فقد وعدت الوزارة بتخفيض الضرائب حين كان هذا الوعد نافعًا في كسب الأنصار، وخداع الناس بالأماني والآمال. فأما الآن فليس إلى هذا التخفيض من سبيل؛ لأن هذا التخفيض يغضب الأجانب، ويسيء ظنهم بحسن قصد الحكومة، ويمس حالتنا المالية، وحسبك من شر سماعه.

    وأين تجد الوزارة الشجاعة على إغضاب الأجانب؟ وماذا تصنع الوزارة في مسألة الدين إذا لم تقض لنا المحاكم المختلطة بالأداء ورقًا، ولم تنجح المفاوضات التي لم توفق الوزارة إلى بدئها بعد؟ ومن أين تدبر الأموال لجبل الأولياء؟ ومن أين تدبر الأموال لما تستتبعه تعلية خزان أسوان من الأعمال التي ذكرها وكيل المالية في تقريره الذي نشرنا بعضه أمس؟ ومن أين تنفق الحكومة على المؤتمرات حين تعقد في مصر، وعلى الذين يمثلونها في المؤتمرات حين تعقد في غير مصر؟ ومن أين تدبر الأموال لكل هذه الأعمال؟ ثم من أين تقتصد الوزارة ثلاثة ملايين ونصف مليون من الجنيهات لتتمتع بهذا الاقتصاد، ثم لتعتذر عن شراء سيارة لرئيس الوزراء قيمتها ألف أو أكثر من ألف، وهو الذي اقتصد الملايين؟

    كل هذه أشياء يجب أن يتدبرها المستجوبون، في رأي صحيفة الوزارة، قبل أن يقدموا استجوابهم أو يصروا عليه.

    وإذن فالمستجوبون يريدون تحقيق الحلم، والوزراء يخافون من هذا الحلم، والأيام وحدها هي التي ستثبت ما قلناه وما نقول دائمًا: من أن الأمر تمثيل في تمثيل، ومن أن النواب لم يشبعوا استجوابًا، والوزراء لم يشبعوا ثقة، ومن أن الحياة ثقيلة مضنية، والهموم كثيرة معنية، ولا بد من شيء من التسلية. وأي تسلية للنواب خير من الاستجواب؟ وأي تسلية للوزارة خير من الثقة؟!

    أما أنت، أيها الشعب البائس المحزون، فاحذر أن يخدعك وعد، واحذر أن يفتح لك الاستجواب بابًا من أبواب الأمل، وكن كما كنت بائسًا محزونًا، ومثقلًا مكدودًا، واحتمل كما تحتمل اليوم أداء هذه الضرائب من قوتك الذي لا تجده، ومن دمك الذي كاد يجف في عروقك، ومن طعام أبنائك وتعليمهم، وأعد نفسك، إن أعياك الأداء، لوقع السياط، ولزوم السجون، وتذوق ألوان العذاب.

    فلا بد لك من هذا حتى يأذن الله لك بفرج قريب، ولكن لا تنتظر الفرج من هذا الاستجواب، فسيتم الصلح بين الوزارة والمستجوبين على كل حال.

    إما غدًا، زعموا * أو لا فبعد غد.

    كوكب الشرق ١٠-٥-١٩٣٣

  • حقائق

    حقائق
    ليست خيالاً ولا وهماً، وليست ظناً ولا ترجيحاً، وإنما هي حقائق لا تقبل الشك، ولا تحتمل النزاع، هذه التي رفعها صاحب السعادة أحمد عبد الوهاب باشا وكيل المالية إلى رئيس الوزراء حين طلب إليه أن يدرس حالتنا المالية ليتبين أيمكن أم لا يمكن البدء في تنفيذ هذا المشروع الذي اضطربت له البلاد وما زالت تضطرب، لا أقول منذ عام، بل منذ زمن طويل، وهو مشروع جبل الأولياء.
    حقائق واقعة لا تقبل الشك، ولا تحتمل الجدال، هذه هي التي يستطيع القراء أن يقرؤوها ويتدبروها في غير هذا المكان من الكوكب. وما كان لي أن أتحدث عن هذه الحقائق أو أن أنالها بالتفسير والتأويل، فقد أوتي عبد الوهاب باشا من الكفاية والبراعة ما يمكنه من أن يتحدث عن أشد الأشياء غموضاً، فإذا هي واضحة جلية، لا تحتاج إلى إطالة النظر ولا إنعام التفكير، إنما أريد أن أقف عند ملاحظات سياسية تثيرها قراءة هذا التقرير الذي كتبه عبد الوهاب باشا.
    وأولى هذه الملاحظات أن الناس كانوا يعجبون من تلكؤ الوزارة في الرد على استجواب المستجوبين حين قدموه إلى مجلس النواب، وكانوا يتساءلون: مم تخاف الوزارة؟ وفيم تتثاقل؟ وما لها تطلب الإرجاء إلى غير أجل؟ وما لها يحرجها المستجوبون فلا تستطيع أن تخلص من الحرج إلا بطلب الإرجاء إلى أن يستطيع رئيس الوزراء نفسه أن يرد على هذا الاستجواب؟!
    كان الناس يعجبون، ويلقي بعضهم على بعض هذه المسائل، ويقول بعضهم لبعض إن الوزارة لم تعجز عن أن تحمل النواب على إقرار المشروع في الدورة البرلمانية الماضية، فماذا يخيفها من هذا الاستجواب؟ وماذا عسى أن يكون لرأي وكيل المالية من الخطر المخيف؟ وكان الناس أيضاً يتحدثون في هذه الطريقة الغريبة المخالفة للدستور التي اختلست بها ميزانية الأشغال اختلاساً من مجلس النواب فلم يصوت على هذه الميزانية إلا خمسة وثلاثون عضواً من خمسين، ومائة عضو يمثلون مجلس النواب.
    وكان الناس يتحدثون أيضاً عن إباء الحكومة وإلحاحها في أن تؤجل ميزانية الأشغال حتى يكون الرد على هذا الاستجواب. كان الناس يعجبون لهذا كله ويتحدثون في هذا كله، ويقول بعضهم لبعض يجب أن يكون في الأمر شيء ذو خطر، لأن وزارة صدقي باشا لم تتعود الخوف إلا من الأشياء المخيفة حقاً، فقد ظهر الآن مصدر هذا كله، وظهر الآن أن الإقدام على هذا المشروع في هذه الآونة ليس إسرافاً ولا خطأً، وإنما هو اضطرار لمصر إلى كارثة مالية واقتصادية لا سبيل إلى أن تعرف حدودها أو تضبط نتائجها الخطرة المنكرة.
    هذا وكيل المالية يقرر أن تعلية خزان أسوان تستتبع أعمالاً ضخمةً في الري وتكلف الدولة ملايين يرتاع الإنسان لذكرها. وهذا وكيل المالية يقرر أن عند وزارة الأشغال مشروعات أخرى غير التي ذكرها، أقرها مجلس الوزراء في سنة ١٩٢٩، وأن هذا كله يكلف الدولة ملايين تضيق بها مواردها العادية في أوقات الرخاء، فكيف بها في أوقات الشدة والضيق؟ ثم هذا وكيل المالية يقطع في غير تردد ولا اضطراب بأن البدء في مشروع جبل الأولياء غير ممكن الآن من الناحية الاقتصادية والمالية حتى تفرغ البلاد من تعلية خزان أسوان، وما تستتبعه من الأعمال الضخمة والنفقات التي تروع الأغنياء فضلاً عن المأزومين. ثم هذا وكيل المالية يخاف وينبئنا بأن رئيس الوزراء نفسه يخاف معه من عجز وزارة الأشغال عن أن تجد الرجال الفنيين الذين ينهضون بمشروعاتها في مصر فضلاً عن مشروعاتها في السودان، فكيف لا تضطرب الوزارة إذا طلب إليها أن تعرض على مجلس النواب رأي وكيل المالية؟ وأكبر الظن أن هذه الحقائق لو عرضت على مجلس النواب، وخلي بينه وبين حرية الرأي، ولم تؤثر فيه الاعتبارات السياسية الخالصة لأبى أن يأذن للوزارة بالبدء في هذا المشروع الآن.
    وملاحظة أخرى يثيرها هذا التقرير الذي كتبه وكيل ماليتنا النابغة، وهي أن الوزارة قد أساءت إلى نفسها حين لم تتدبر هذا التقرير كما ينبغي، وحملت نفسها عبئاً قد تنهض بثقله، الآن، لأن الحكم يلهيها عن التبعات، ولكنها لن تستطيع أن تنهض بهذا الثقل يوم تنزل عن مناصب الحكم، ويوم يخلو كل واحد من أعضائها إلى نفسه، ويوم يرى كل واحد من أعضائها ما ستتورط فيه البلاد من الشر حين يبدأ في هذا المشروع.
    أساءت الوزارة إلى نفسها ولم تحسن إلى البرلمان فقد كان يجب عليها أن تظهره على هذه الحقائق ليقر هذا المشروع أو يرفضه على بصيرة وعلم بدخائل الأمور.
    وملاحظة ثالثة يثيرها هذا التقرير، وهي مداورة رئيس الوزراء في رده على المستجوبين وحرصه على أن يؤكد أن عبد الوهاب باشا لم يناقش المشروع من ناحيته الفنية. ومن الذي زعم أن رجال المال والاقتصاد مضطرون إلى أن يناقشوا مثل هذا المشروع من الوجهة الفنية الخالصة، إنما واجب هؤلاء الناس أن يناقشوا مثل هذا المشروع من الوجهة الفنية حين ترتبط بما سيطلب إليهم من تدبير المال، وقد قال عبد الوهاب باشا في ذلك رأيه صريحاً جلياً، لا عوج فيه ولا اضطراب.
    وعبد الوهاب باشا أبقى في وزارة المالية من رئيس الوزراء، لأنه رجل فن، لا رجل سياسة، وتبعات عبد الوهاب باشا في هذا وأمثاله أثقل من تبعات رئيس الوزراء، لأن رئيس الوزراء سيستقيل غداً أو بعد غد، ويبقى عبد الوهاب باشا ليواجه المصاعب المنكرة التي ينشئها له الوزراء معتزين بمسؤوليتهم أمام البرلمان.
    فمن الحق إذن على رئيس الوزراء أن يضع الآراء الفنية لوكيله فوق الاعتبارات السياسية مهما تكن، وأن يظهر البرلمان على هذه الآراء الفنية ليعلم البرلمان ما يأتي وما يدع من الأمر.
    ومهما يكن من شيء فقد كان عبد الوهاب باشا ناصحاً للأمة والحكومة معاً، ناهضاً بواجبه على خير ما ينهض به الرجل الكفء الذي يضع عمله الفني بمعزل أمين حصين من الأهواء السياسية واعتباراتها.
    وكانت الوزارة شجاعةً حقاً، جريئةً حقاً، وأي شجاعة أشجع، وأي جرأة أجرأ من أن تمضي في إقرار هذا المشروع وتنفيذه رغم هذه الحقائق التي يملؤها الروع.
    أما الأمة فتظن أن الوزارة توافقنا، وأن عبد الوهاب باشا يوافقنا أيضاً حين نقول إن أمرها إلى الله.
    كوكب الشرق في ٩ – ٥ – ١٩٣٣