مؤتمر
يُقال إن أمس كان يُسمّى يوم الجمعة، ويُقال إن هذا اليوم يوم مشهود عند المسلمين، تُقام فيه الصلاة العامة إذا كان الظهر. ويُقال إن لهذه الصلاة العامة في هذا اليوم خطرًا ليس لغيرها من صلوات الظهر في كل يوم. أُمر المسلمون أن يسعوا إليها وأن يدعوا البيع والتجارة وغيرهما من المصالح التي تمس مرافق الحياة على اختلافها. ويُقال إن التقاليد الإسلامية أرادت أن تعنى الدول الإسلامية عناية خاصة بهذه الصلاة، فيشهدها أولو الأمر، وكانوا هم الذين يقيمونها عادة في العصور الإسلامية الأولى.
كل هذا يُقال، وكل هذا يُدرّس في الأزهر الشريف، وكل هذا يعرفه المسلمون جميعًا إذا بلغوا سن الرشد ووجبت عليهم الصلاة. وكل هذا تؤمن به مصر الرسمية والشعبية معًا، لأن الدين يأمر به، ولأن الدستور ينص على أن الإسلام دين الدولة.
وقد تقرأ صحف اليوم التي صدرت في الصباح فترى أن رجلًا من الناس يُقال له مصطفى النحاس كان يشهد هذه الصلاة في مسجد من مساجد المسلمين الجامعة. فحُشدت له الجنود حول المسجد، وحُشدت له الجنود داخل المسجد، لأن هذا الرجل لا يكاد يذهب ولا يكاد يجيء حتى تضطرب له الوزارة، وتخاف من ذهابه وإيابه على النظام واستقرار السلام؛ فهي مضطرة أن تتبعه بالجند إذا قام، وهي مضطرة أن تحرسه بالجند إذا نام، وهي مكرهة على أن ترصد له الجند إذا صلى، وهي مكرهة على أن تراقبه إذا صام.
وهي لذلك قد حشدت الجنود حول المسجد أمس، وهي لذلك تمنع جماعة من المسلمين من أن يشهدوا صلاة المسلمين، ويؤدّوا فرضًا فرضه اللّٰه على المسلمين، لأنها تخاف هذا الرجل على المسلمين. وبينا كان هذا الرجل يصلي، وقد رُصد له الجند داخل المسجد وخارجه، في أيدي فريق منهم السياط، وفي أيدي فريق منهم العصي، وفي قلوبهم جميعًا — في أكبر الظن — تحرّق على أن يؤدّوا الصلاة، وتخلُص ضمائرهم لله ساعة من نهار؛ كان جماعة من وزراء الدولة، وجماعة من نواب الدولة، يشهدون في دار من دور الدولة مؤتمرًا عظيم الخطر، بعيد الأثر، لم يكن بد من انعقاده أمس، ومن انعقاده في هذه الساعة، ومن انعقاده في هذه الدار، لأن حياة المسلمين كانت رهينة به، ولأن صلاح أمر المسلمين كان موقوفًا عليه.
أظنك قد عرفت هذا المؤتمر، وأظنك قد فطنت للموضوعات الخطيرة التي كان يدرسها ويجادل فيها، ولا يحاول أن ينتهي بها إلى حلٍّ تصلح له حياة المسلمين بعد فساد، وتستقر له نفوس المسلمين بعد اضطراب…!
فإن لم تكن قد عرفت هذا المؤتمر، وفطنت لموضوع بحثه الخطير، فلعلك تتنبه له حين تعرف أن وزير التقاليد كان يشترك فيه، وحين تعرف أن وزير الأوقاف كان يشترك فيه أيضًا، وحين تعرف أن زعيم المعارضة الرسمية وأصحابه المعارضين الرسميين كانوا يشتركون فيه أيضًا. فهو إذن مؤتمر المؤيدين والمعارضين، انعقد صباح أمس ليمحو ما ثار بين الفريقين من شر، ويزيل ما شجر بين الفريقين من خلاف.
وأنت توافقني على أن الخصومة بين المؤيدين والمعارضين في مجلس النواب خطر على أمن الدولة، واستقرار النظام فيها، فيجب أن يفرغ لها الوزراء والنواب، وأن يفرغ لها بنوع خاص وزير التقاليد ووزير الأوقاف؛ فإلى أولهما تربية الشباب وتعويده أن يقدم مصالح الدولة على كل شيء، وإلى ثانيهما بمقتضى النظم الجديدة أن يشرف على الأزهر الشريف، ويسير به في هذه الطريقة القويمة التي تقدّم مصالح الدولة على كل شيء!
وأنت توافقني على أن تقديم مصالح الدولة على كل شيء يقتضي أن تُختار الساعة التي اختيرت أمس لإزالة الخلاف الذي شجر أول من أمس بين المؤيدين والمعارضين في مجلس النواب، والجمعة تُصلّى في كل أسبوع، فإن فاتت يومًا فقد لا تفوت في يوم آخر. ولكن الخلاف لا يشجر بين المؤيدين والمعارضين في مجلس النواب في كل أسبوع؛ فليس من بأس على وزراء الدولة ونواب الدولة أن يفرغوا لمحو الشر إذا ثار — وقلما يثور — ولإزالة الخلاف إذا شجر — وقلما يشجر. وكذلك كانت تُرعى مصالح الدنيا والدين أمس…!
وزراء التقاليد والأوقاف والزراعة يمحون الشر، ويزيلون الخلاف بين النواب. ووزير الداخلية يرصد الجنود داخل المسجد الجامع وخارجه ليراقب رجلًا يصلي مع الناس هو مصطفى النحاس. فأما رئيس الوزراء فمريض يستريح. وأما بقية الوزراء فعلمهم عند اللّٰه وعند أنفسهم. وقد أدى كلٌّ عمله؛ فأما الوزراء والنواب فمحوا الشر وأزالوا الخلاف، وردّوا الأمر صفوًا كما كان. وأما الجند فحاصروا وظاهروا. وأما النحاس فصلّى وعاد إلى داره موفورًا.
وفيم يطمع المصريون بعد هذا؟ وقد صلحت أمور دينهم، وصلحت أمور دنياهم، وجرى كل شيء على أحسن حال، كأنما كنا ملهمين حين كنا نكتب أمس أن ما شجر من خلاف بين المؤيدين والمعارضين لا خطر له ولا شر فيه، وأن الذين يكبّرون من أمره، ويعظّمون من شأنه، ويعقدون به الآمال الطوال، والأماني العراض، يغلون ويسرفون. فالكثرة في مجلس النواب أحرص من أن تغضب القلة، والقلة في مجلس النواب أبرع وأمهر من أن تمضي في الغضب إلى أمد بعيد.
كنا ملهمين حين كتبنا هذا أمس؛ فقد كان الخصام بين المختصمين أقصر من أن يتصل أيامًا، وأيسر من أن يحتاج إلى الجهد الطويل لعلاجه وإزالة أسبابه. فما هي إلا أن يكون التمهيد في جلسات سرية تعقد بين عضو وعضو، وبين نائب ووزير، ثم يكون المؤتمر العام يجتمع فيه المغضبون والمسترضون؛ فيعتب أولئك ويعتذر هؤلاء، ويتفق أولئك وهؤلاء جهرة على ما اتفقوا عليه خفية: وهو أن تُكتب صيغتان، يتلو إحداهما رئيس المجلس معتذرًا عن الكثرة، ويتلو الأخرى زعيم المعارضة معلنًا رضى القلة. وإذا تُليت الصيغتان فقد صفا كل شيء، وعاد الأمر بين المعارضين والمؤيدين إلى مثل ما كان عليه من نصر الوزارة وشدّ أزرها؛ أولئك ينصرونها بالتأييد، وهؤلاء ينصرونها بالمعارضة!
وتسألني بعد ذلك عن ميزانية الأشغال: كيف أُقرّت بما فيها من الملايين في أقل من ساعتين؟ وكيف أُقرّت دون أن يدرس المجلس تفصيلها؟ وكيف أُحيلت إلى مجلس الشيوخ ولم يصوّت عليها إلا خمسة وثلاثون من النواب؟
وتسألني بعد ذلك عن استجواب المستجوبين، وسؤال السائلين، وعن خزان جبل الأولياء: أتأذن ميزانية الدولة بإقامته أم لا تأذن؟ أتحمل خزانة الدولة نفقاته أم تعيا بتحملها؟ وتسألني بعد ذلك عن مذكرة وكيل المالية في شأن الخزان، ورأي المستشار المالي في أمر هذا الخزان: أيعرفها المجلس أم يجهلها؟ أيظهران أم يستتران؟
تسألني عن هذا كله فلا أجد مشقة ولا عسرًا في الإجابة، لأن أمر هذا كله يسير، أيسر جدًا مما تظن. ذهب هذا كله لأن الصلح قد تم بين المؤيدين والمعارضين في هذا المؤتمر الذي عقده الوزراء والنواب ضحى أمس في الدار الفرعونية. وهم إنما عقدوا مؤتمرهم هذا، في ساعتهم هذه، في يومهم هذا، في مكانهم هذا، ليذهب هذا كله ولينساه النواب، ولينساه الناس جميعًا.
فليس من الخير للوزارة ولا للبرلمان ولا للمصريين أن يعود الحديث في الخزان، والناس جميعًا يعلمون أن إقامة هذا الخزان أمر يتجاوز طاقة الدولة في هذه الأيام. وليس من الخير لأحد أن تُحرج الوزارة فتُظهر مذكرة وكيل المالية ورأي المستشار المالي؛ فمن الأسرار ما لا يجوز إظهاره في حال من الأحوال! وليس من الخير لأحد أن يُعاد النظر في تفصيل ميزانية الأشغال بعد أن لفّها رئيس مجلس النواب لفًّا وخطفها خطفًا؛ فقد يكون في النظر في هذا التفصيل ما يثير القال والقيل! وليس من الخير لأحد أن يعترف رئيس مجلس النواب على نفسه بمخالفة النظام، وإحالة الميزانية إلى الشيوخ قبل أن يقرّها النواب. ليس شيء من هذا كله خيرًا؛ وإنما الخير كل الخير أن يُسدل الستار على ما كان، وأن يعود المجلس إلى سيرته الهادئة المطمئنة، راضيًا عن نفسه وعن الوزارة، مرضيًا من نفسه ومن الوزارة!
وأما الذين كانوا يدورون حول هذا الخلاف، وينتظرون منه الأزمة الخطيرة التي قد تقلب كل شيء رأسًا على عقب، وقد تضطر الوزارة إلى الاستقالة، وتمهد للعهد الجديد والوزارة المقبلة، فقد يتجرعون شيئًا من خيبة الأمل…! ولكنهم قد تعودوا هذه المرارة؛ فما أكثر ما أملوا، وما أكثر ما خابت الآمال، وما أكثر ما تمنّوا، وما أكثر ما كذبت الأماني! ذلك أن الآمال التي تُعقد بغير الشعب لا خير فيها، والأماني التي تُناط بغير الأمة لا خطر لها.
وليس من شك في أن الوزارة القائمة ستستقيل، ولكن ليس من شك في أن الذي سيضطرها إلى الاستقالة ليس هو البرلمان ومن فيه من مؤيدين ومعارضين. ولعل الشيء الوحيد الذي يريح مصر مما تلقى، ويزيح عنها همّ الوزارة القائمة، إنما هو الصبر لها، والثبات لما تسلط على الناس من شر ظاهر، وكيد خفي. أما الأمة فصابرة ثابتة، لا يعرف اليأس ولا الضعف إليها سبيلًا. فهل للمتعجلين أن ينظروا إليها، ويجدوا فيها الأسوة الصالحة والقدوة الحسنة…؟
كوكب الشرق ١٥ – ٤ – ١٩٣٣
Tag: government
-
مؤتمر
-
استجواب
استجواب
أظنه الاستجواب الثاني في تاريخ مجلس النواب القائم. فأما الأول فكان حول الجامعة، وكان المجلس حريصًا كل الحرص على أن يتعجّل اليوم الذي يُعرض فيه، لأن حياة الدولة يومئذ كانت تتعرض لخطر شديد. وقد عُرض هذا الاستجواب وخرجت منه الحكومة ظافرة، وخرج منه المجلس منتصرًا، وخرجت منه الدولة آمنة على حياتها، مطمئنة على مستقبلها، وخرجت منه الأمة سعيدة راضية، واثقة بأنها لن تتعرض لظمأ ولا جوع.
ونظر الإنجليز إلى ظفر الحكومة، وانتصار المجلس، وأمن الدولة، وابتهاج الأمة، نظرةً فيها ابتسامة ساخرة راضية معًا؛ تسخر من عناية الحكومة والبرلمان بأيسر الأمور، وترضى لأن الجامعة برئت من بعض العناصر الخطرة على سياسة الاستعمار.
أما الاستجواب الثاني فهو هذا الذي تحدث فيه المجلس أمس في تحديد موعده، وهو استجواب أقل ما يوصف به أنه ضئيل الخطر، يدل على فراغ البال، والعناية بصغائر الأمور؛ فهو يدور حول جبل الأولياء. وأيّ شيء يكون جبل الأولياء؟ وأيّ قيمة أو خطر لهذا الخزان الذي إن أُنشئ لم ينفع ولم يضر، وإن لم يُنشأ لم تربح مصر شيئًا ولم تخسر شيئًا؟ لهذا كان المجلس ضيق الصدر بهذا الاستجواب، وبالذين قدموه، وكيف لا يضيق صدر المجلس بهؤلاء الذين يضيّعون وقتهم، ويريدون أن يضيّعوا وقته فيما لا يغني ولا يفيد؟
والظاهر أن أصحاب الاستجواب قد أحسّوا ضيق صدر المجلس، فضاقت صدورهم هم أيضًا بهذا الاستجواب. لهذا كان المجلس متبرّمًا أمس، حريصًا على ألّا يحدّد موعدًا يخطب فيه الخطباء، ويردّ فيه الوزراء. وكان صاحب الاستجواب فاترًا في الإلحاح، يدور حوله ولا يتورّط فيه.
وكان زعيم المعارضة — كما تسميه «الأهرام» — فاترًا أيضًا، يضرب الأمثال بفرنسا مرة، وبلجيكا مرة أخرى. ولم يكن الوزراء أقل فتورًا من الأعضاء؛ فأما وزير الأشغال أصالة والمالية نيابة فقد تخفّف من الحمل وبرئ من التبعة، وأعلن أن رئيس الوزراء يريد أن يردّ بنفسه على هذا الاستجواب.
ورئيس الوزراء — كما تعلم — مريض، وقد يأذن له الأطباء في إمضاء الأوراق، وفي الذهاب إلى أحد مكتبيه أو إليهما في المالية والرئاسة إن ألحّ في ذلك أو أصرّ عليه، ولكن الوقت الذي يسمح فيه مرضه بأن يسمع فيطيل الاستماع، ويتكلم فيطيل الكلام، بعيد فيما يظهر، قدّره وزير الحقانية بشهر، ووافقه المجلس على هذا التقدير.
والشهر أمد قصير جدًا في حياة مجالس النواب، ولا سيما حين تكون دورتاه قصيرة، وحين تكون مشرفة على نهايتها. والشهر على ذلك أمد قصير تقع فيه حوادث قد تجعل الاستجواب غير مفيد، لأنه تأخر عن إبانه، وقد تثير ما يضطر أصحابه إلى استرداده، وقد تثير ما يدعو الحكومة إلى أن تطلب تأجيله إلى أجل غير مسمى. وقد يتمّ في هذا النظر في العطاءات، والاتفاق مع الذين يقيمون الخزان، فيصبح الاستجواب درسًا من دروس التاريخ، ومناقشة حول مسألة تاريخية خالصة.
أكانت الحكومة مصيبة أم كانت مخطئة حين مضت في إقامة الخزان برغم المصريين، وبرغم الإنجليز معًا في ظاهر الأمر؟ والمناقشات التاريخية قيّمة جدًا، ولكن مكانها — كما تعلم — في غرفات المدارس وحجراتها، لا في قاعات مجلس النواب.
وإذن فقد أُجّل الاستجواب شهرًا، ومن الآن إلى أن ينقضي هذا الشهر ستشرق الشمس ثلاثين مرة، وستغرب الشمس ثلاثين مرة، وستتألق النجوم، وتكثر الهموم. ومن يدري؟ لعل همًّا حادثًا يصرف عن همّ قديم. ثم يقال بعد ذلك إن سادة مصر ينظرون إليها نظرًا فيه شيء من الجد، ويصرفون أمورها تصريفًا فيه شيء من العناية الصحيحة.
كلا، إنما ينظر المسيطرون على مصر إلى مصر نظرة كلها سخرية واستهزاء. ولو قد عني المسيطرون على مصر بشؤونها عناية صحيحة فيها شيء من الجد ولو قليلًا، لما أقام رئيس الوزراء في الحكم وهو مريض، يعجزه مرضه عن العمل، فتتعطل المصالح، وتضيع المرافق، ويمرض معه البرلمان، ويصبح نشاط مجلس النواب رهينًا بنشاطه، وحياة مجلس النواب موقوفة على حياته.
استطاع رئيس الوزراء أن يتابع نشاط البرلمان شهرًا ونصف شهر، ثم مرض منذ شهرين، فمضى البرلمان في طريقه — كما استطاع — مضطربًا متعثرًا، إلا حين يذهب أعضاؤه إلى الزمالك أو إلى منزله ليظهروا أسفهم لمرض الرئيس، واغتباطهم بشفاء الرئيس، وأملهم في نشاط الرئيس. فأما فيما عدا ذلك فمرض يشبه الشلل — كما قالت «الأهرام» منذ أيام.
وتثار في المجلس مسألة لها خطرها، لأنها تمسّ حياة مصر من جميع فروعها، فيجاب النواب بأن رئيس الوزراء مريض، وهو يريد أن يقول في هذه المسألة قوله، فانتظروا حتى يطلق اللّٰه لسانه، ويأذن له بالكلام.
ويقبل النواب مثل هذا راضين عنه، مبتهجين له، كأنهم إنما أقبلوا إلى البرلمان ليكونوا رهنًا بأمر الرئيس ورغبة الرئيس. وكأن مصالح مصر ومرافقها وحياتها أهون عليهم من صحة رئيس الوزراء.
فإذا انقضى الشهر، ولم تسمح صحة رئيس الوزراء له بأن يشهد جلسات المجلس ويشترك في أعماله، فماذا يصنع الوزراء؟ وماذا يصنع النواب؟ وماذا يصنع المستجوبون؟ سيطلب الوزراء التأجيل شهرًا آخر حتى ينشط الرئيس، وستلحّ الأغلبية في هذا التأجيل، وتبتهج له لعلها ترى الرئيس، وستتورط الأقلية فتبتهج كغيرها لهذا التأجيل، لعلها تبدأ معارضتها بالترحيب بالرئيس وتهنئته بما ساق اللّٰه إليه من شفاء.
وفي أثناء ذلك تمضي الحكومة في إقامة الخزان، لا تلوي على شيء. أجدّ هذا أم هزل؟ أعناية هذا أم إهمال؟
وأغرب من هذا كله أن جواب رئيس الوزراء معروف؛ فهو لن يزيد على هذا الجواب الذي أُرسل إلى زعيم المعارضة في المجلس — كما تسميه «الأهرام» — حين قدم سؤالًا في هذا الموضوع، فأُجيب بأن الأمر من حق السلطة التنفيذية، لا من حق البرلمان. لن يزيد رئيس الوزراء إن تكلّم عن هذا المعنى، وسيغضب المعارضون، وستكرههم الأغلبية على الصمت، وسيصوغ بعض الأعضاء اقتراحًا فيه الثقة بالوزارة والانتقال إلى جدول الأعمال، وستقبل الحكومة هذا الاقتراح، وتقبله الأغلبية، وتخرج الحكومة ظافرة، ويخرج المجلس ظافرًا، ويبتسم ممثل الحكومة الإنجليزية ابتسامة فيها سخرية ورضا. ولن يكون شيء غير هذا إن أذن اللّٰه لرئيس الوزراء بالنشاط.
وإذن فلم لا يُمثَّل هذا الفصل بعد عشرة أيام؟ ولم يؤجَّل هذا التمثيل شهرًا كاملًا؟ ولم يحرص رئيس الوزراء على أن يشترك في هذا التمثيل؟ أهو شيء عظيم جدًا لا يريد رئيس الوزراء أن يفوته الاشتراك فيه؟ أهو شيء خطر جدًا لا يأمن رئيس الوزراء أن يكله إلى وزير الأشغال أصالة والمالية نيابة؟
فإن تكن الأولى، فما موضع العظمة في هذا الفصل التمثيلي؟ وإن تكن الثانية، فما موضع الخطر؟
إن الناس جميعًا يعلمون حق العلم أن الحكومة قد أخذت نفسها بإقامة الخزان، وأنها ستمضي في إقامته دون تردد ولا إبطاء مهما تكن الظروف، ومهما يقل النواب، لا يصرفها عن ذلك إلا سقوط الوزارة.
ولعلك قرأت «الأهرام» أمس، ولعلك فهمت أن الأمور مرهونة بأوقاتها، وأن سقوط الوزارة قد يكون، ولكن في الوقت الموقوت. وهذا الوقت الموقوت قد يكون في يونيو، وقد يكون في يوليو، وقد يكون قبل ذلك وقد يكون بعد ذلك، ولكنه لن يحين إلا بعد أن يتم التدبير والتقدير لإقامة الخزان.
فليؤجَّل الاستجواب شهرًا، وليؤجَّل الاستجواب شهرين، ولينظر الاستجواب قبل الشهر أو قبل الشهرين؛ فلن تفيد مصر من تأجيله أو تعجيله شيئًا.
كوكب الشرق ٣٠/٣/١٩٣٣ -
زيارتان
زيارتان
من المحقق أن حظَّ الأزهر من الرعاية لم يجد حظَّ الجامعة المصرية في هذه الأيام، لا بالقياس إلى حضرة صاحب الجلالة الملك، فهو يرعى مرافق مصر كلها بما ينبغي لمقامه السامي من العدل والعطف والبر بشعبه الكريم عليه، المخلص له، بل بالقياس إلى الحكومة التي لا تتنزّه عن الأثرة، كما أنها لا تتنزّه عن الإيثار. وقد تعلم أنت كما أعلم أنا أن رئيس وزرائنا هو حامي الدين، والذائد عن الإسلام، والأثير عند الشيخ الأكبر مهما تختلف الظروف وتتبدل الخطوب، والذي لا يأتي عملًا إلا التمس له الشيخ الأكبر تأييدًا أو تخريجًا في كتاب من كتب الفقه، أو سفر من أسفار الأصول.
وحكومتنا – كما تعلم أنت وأعلم أنا – حكومة تقليد لا تجديد، قامت لتحقيق غرض واحد، هو أن تردّ مصر والعالم الإسلامي إن استطاعت إلى سماحة الإسلام وطهارته، وأن تمحق البدع محقًا، وتمحو الإلحاد محوًا. فلا غرابة في أن تؤثر الأزهر بالعناية والرعاية، وتنكب الجامعة ما استطاعت إلى التنكيل بها سبيلًا، فإن أعياها ذلك وضعت الجامعة موضع المغضوب عليه، المزهد فيه.
ولست أريد الآن أن أذكر ما ربح الأزهر، أو بعبارة أدق ما ربح الأزهريون من عطف الحكومة على الأزهر، وما خسرت الجامعة والجامعيون من غضب الحكومة على الجامعة، فقد يكون لهذا يوم قريب. وإنما أقف عند شيء واحد لا أعدوه، ذكرته حين قرأت ما نشرته الصحف من وصف الزيارة الملكية لكلية أصول الدين أمس.
في أواخر فبراير من السنة الماضية، تفضّل جلالة الملك فشرّف الجامعة بزيارته الكريمة. فزار كلية الحقوق والآداب والمكتبة، ثم تفضّل فذهب إلى سرادق الجامعة حيث سمع النثر والشعر، وحيث تفضّل فوزّع بيده الكريمة بعض شهادات الدرجات الجامعية العلمية والتشريفية على أصحابها.
ولاحظ الناس يومئذ أن الجامعة لم يُسمَع لها في هذا الحفل صوت.
وإنما سمعوا وزير المعارف يخطب بصوته العميق العريض فيطيل، وسمعوا مفتشًا من وزارة المعارف ينشد قصيدة لشوقي رحمه الله، وتفضّل صاحب الجلالة فزار كلية من كليات الأزهر أمس، فلم يُسمع في هذه الزيارة لغير الأزهر صوت. لم يُسمع صوت المعارف في عمقه وعرضه، ولم يقل مفتش من وزارة المعارف شعرًا ولا نثرًا. ومن الناس من يظن أن مصدر هذا الاختلاف أن الأزهر كان أحرص من الجامعة على أن يتكلم بين يدي حامي الأزهر ومنشئ الجامعة، ولكن هنا يجب الإنصاف، وهنا يجب أن يكتب التاريخ.
فقد أُرغمت الجامعة إرغامًا على ألا تتكلم، لأسباب يعرفها وزير المعارف ووكيله، والذين كانوا يرقون إليه بالكيد، وينزلون عليه بالوحي. واستقال مدير الجامعة أو همَّ أن يستقيل. وتعب عمداء الجامعة في هذا تعبًا شديدًا، وسعى وكيل الجامعة في هذا سعيًا معقدًا ملتويًا طويلًا. وانتهى مدير الجامعة إلى أن نزل لوزير المعارف عن الكلام بين يدي صاحب الجلالة. فتكلم وزير المعارف وبرع في الكلام، وقال فأطال القول، وانتهت الزيارة، وانصرف الناس، وبعضهم يتحدث إلى بعض بأنهم أقبلوا ليستمعوا لمدير الجامعة فإذا هم يستمعون لوزير المعارف. وتنبأ بعضهم لبعض بأن منع الجامعة من الكلام بين يدي منشئ الجامعة لا يدل على خير، وكان بعضهم يسبق الحوادث فيرى في منع الجامعة من الكلام نذيرًا بأنها ستمنع من العمل قليلًا أو كثيرًا. وكان بعضهم يرى في إنشاد مفتش من وزارة المعارف للشعر في حفل جامعي نذيرًا بأن يد وزارة المعارف ستنبسط في الجامعة والجامعيين حتى تخضع الجامعة لوزير المعارف ووكيله والذين يرقون إليه بالكيد، والذين ينزلون عليه بالوحي.
ولم تمض أيام أربعة حتى كان من أمر الجامعة ما كان، ولم يتم العام دورته حتى غُيّر قانون الجامعة فقصّت أجنحتها، وحيل بينها وبين العمل الجامعي الصحيح. وفي أثناء هذا العام أُقصي من الجامعة من كرههم الوزير ووكيله، وضُيّق على الذين لم يُكرهوا ولم يُخافوا، ولكنهم وُضعوا موضع الشك والريبة، ووُسّع فيها على الذين عرفوا كيف يدورون حول الأقطاب في القمة والحضيض، وجرت أمور الجامعة – كما علمت – متعثرة، مشي المقيد في الوحل كما يقول مسلم بن الوليد.
أما الأزهر الشريف فلا أظن أن أحدًا نازع شيخه الأكبر في الكلام بين يدي زائره الكريم، وتعليل ذلك يسير، فكلام الشيخ الأكبر بين يدي صاحب الجلالة المتديّن أهون على الله والناس من أن يُخاف أو يُحسب له حساب.
وشخص الشيخ الأكبر ألين عودًا، وأشد مرونة من أن ينكره رئيس الوزراء أو يحاول التخلص منه. وقد بذل الشيخ الأكبر من الجهد والقوة في تأييد رئيس الوزراء وأعماله وأقواله وآماله ما لم يبذله مدير الجامعة السابق. وطمع رئيس الوزراء من شيخ الأزهر فيما لم يطمع في مثله من مدير الجامعة السابق. فما الذي يمنع حامي الإسلام أن يُخلي بين شيخ الإسلام وبين الكلام؟
ولا تقل إن شيخ الأزهر رجل دين فيجب أن يتكلم، لأن الوزراء لا يحسنون من علم الدين ما يُحسن. فأنا أؤكد لك أن مدير الجامعة السابق رجل علم، فكان يجب أن يتكلم، لأن الوزراء، وفيهم وزير التقاليد، لا يحسنون من العلم بعض ما يُحسن. وأنت تعلم أن كثيرًا من الوزراء إذا تكلموا لم ينشئوا الكلام، وإنما أُنشئ لهم. وقد أُنشئت لوزير التقاليد خطبته يوم الجامعة، فتلاها بصوته العميق العريض. فكان من الممكن أن تُنشأ خطبة أزهرية لوزير مختص بشؤون الأزهر فيتلوها، ولكن شيخ الأزهر أُثير، ومدير الجامعة لم يكن مرغوبًا فيه، ولكن رجال الأزهر تورطوا في تأييد رئيس الوزراء، ورجال الجامعة أبوا أن يكونوا أداة سياسية لرئيس الوزراء. وكان رجال الأزهر يريدون، أو يرضون، أن يكونوا دعاة إلى الرجوع، وكان رجال الجامعة يريدون أن يكونوا رسل الرقي، ولكن رجال الأزهر يجدون في بسط سلطان الحكومة القائمة على الشعب خيرًا، وكأن رجال الجامعة لا يفكرون في حكومة ما، وإنما يريدون تحرير العقل. وتحرير العقل خطر، لأنه وسيلة الحرية والديمقراطية. وإذن فيجب أن يُخفت صوت الجامعة، ويجب أن يرتفع صوت الأزهر.
وكان في الجامعة قوم لا يحبون أن تخفت أصواتهم فأُبعدوا عنها، وليس في الأزهر إلا من يحب أن يرتفع صوته إن شاءت الحكومة، ويخفت صوته إن شاءت الحكومة، فيجب أن يُقربوا جميعًا.
ولا تقل إن رجال الأزهر رجال دين فيجب أن تُعرف لهم مكانتهم الدينية، فإن رجال الجامعة رجال علم، وقد أدوا واجبهم العلمي أحسن أداءً، ورفعوا مكانة مصر العلمية وكرامتها في أقطار الأرض، ولم يؤدِّ رجال الدين واجبهم الديني، ولا نهضوا منه بشيء.
أتذكر أننا استفتينا شيخ الأزهر في التمثيل والرقص والغناء، وما يُنفق عليها من أموال المسلمين في الأوبرا، وأكدنا لك أن الشيخ سينكر إعانة الأوبرا في مجلس الشيوخ. فقد مرت ميزانية وزارة المعارف أمام مجلس الشيوخ يوم الاثنين، أي قبل الزيارة الملكية للأزهر بليلة واحدة، فلم تُذكر إعانة الأوبرا، ولم يُسمع صوت الشيخ. ومن يدري؟ لعله تخلّف عن هذه الجلسة عمدًا لتبرأ ذمته من إعانة التمثيل والرقص والغناء، فغيّر المنكر بالصمت، واكتفى بأضعف الإيمان. ومن يدري؟ لعله تخلّف عن هذه الجلسة مضطرًا ليتمرن على إلقاء خطبته بين يدي صاحب الجلالة، فآثر حسن الإلقاء على حسن البلاء في سبيل الإسلام والمسلمين.
لا تقل إن رجال الأزهر رجال دين، فيجب أن تُراعى مكانتهم الدينية، فإن رجال الدين لا يسكتون على موت السنوسي، لأن وزارة مصر الإسلامية أبت أن تأذن له بالاستشفاء في مصر الإسلامية. إنما رجل الدين هو الحاخام الأكبر، الذي لم يتردد في أن يشارك الإسرائيليين في الاحتجاج على ما يُقال إن اليهود يلقون من الشر في ألمانيا.
لا، ليست المسألة مسألة دين ولا مسألة علم، وإنما هي مسألة سياسية ليس غير. رأت الوزارة في الجامعة معهدًا خطرًا على سياسة القهر والتسلط فغضبت عليها، ورأت في الأزهر – أو في شيوخه – مؤيدًا لهذه السياسة فرضيت عنه وآثرته بالخير. أما الأمة فإنها تعلم حق العلم أين الذين يؤيدونها وينصرونها، ويهيئون لها وسائل الحرية والعزة والكرامة، فتنظر إليهم في حب، وترمقهم في أمل.
فليهنأ الأزهر برضى الحكومة، ولتهنأ الجامعة برضى الأمة وغضب الوزارة.
كوكب الشرق ٢٩-٣-١٩٣٣ -
غيوم
غيوم
يظهر أن في جوّ السياسة المصرية الخارجية غيومًا، لعلها خفيفة رقيقة ليس وراءها شيء، ولعلها ثقيلة صفيقة وراءها أشياء. ولعل الأيام المقبلة تكشف عما تحجب هذه الغيوم من خير أو شر. ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أن من الواجب العناية بهذه الغيوم، وتتبعها في دقة وفطنة. ومن الواجب أيضًا أن يجدّ المصريون في أن يقفوا منها موقف الصراحة التي لا تحتمل شكًّا ولا تأويلًا. وما الذي يمنعهم من ذلك؟ وآمالهم ومثلهم العليا في حياتهم الداخلية، وفي علاقاتهم الخارجية، واضحة كل الوضوح، جليّة كل الجلاء. ووسائلهم إلى تحقيق هذه الآمال، والوصول إلى هذه المثل العليا، لا غموض فيها ولا إبهام.
فهم يريدون أن يكونوا أحرارًا في بلادهم بكل ما يدلّ عليه معنى هذه الكلمة، ويسلكون إلى تحقيق هذه الحرية سبلهم الواضحة التي يراها الناس حبًّا، والتي قوامها المطالبة بالحق في غير هوادة، وفي غير مراوغة ولا دوران.
فهم يريدون أن تكون صلاتهم الخارجية قائمة على الحرية، لا يُكرهون عليها إكراهًا، ولا يُدفعون إليها دفعًا، ولا يُستدرجون إليها استدراجًا، ولا يُقضى فيها وهم غائبون.
والظاهر أن الوزارة المصرية القائمة تقف الآن مواقف مريبة إلى حدّ ما في بعض المسائل ذات الخطر، فتثير مواقفها هذه شكوكًا وأوهامًا ليس من مصلحة أحد أن تثور. ونحن نذكر من هذه المواقف المريبة التي تقفها الوزارة الآن ثلاثة ليس غير.
فأما أولها فموقف الحكومة بإزاء المفاوضة مع الإنجليز؛ فقد كان رئيس الوزراء يستغل مسألة المفاوضة في الأعوام الماضية، ويتخذ سعيه إليها وآماله في الظفر بها وسيلة من وسائل البقاء في الحكم. وقد قال في ذلك فأكثر، وقال زميله القديم توفيق دوس باشا في ذلك فأطال. ثم انقضت هذه الآمال، وتبددت هذه الأماني، وظهر أن لا مفاوضة ولا شيء يشبه المفاوضة. ولكن الحديث عن المفاوضة عاد فتجدّد في أول هذا الشتاء، وأخذ الناس يقولون إن أحاديث تجري بين رئيس الوزراء والمندوب السامي، ويشيعون أنها تتقدم حينًا وتتأخر حينًا آخر.
ثم مرض رئيس الوزراء، وعجز عن المفاوضة والمحادثة أو ما يشبهها، ولكن الناس ظلوا يتحدثون عن المفاوضة، وغلا بعضهم فقال: إن ما عجز عنه صدقي باشا ينهض به قوم آخرون غير صدقي باشا.
ثم سافر المندوب السامي فجأة، ولعله لم ينخدع لها أحد، فكثرت الإشاعات، واستفاضت الأحاديث بأن في الأمر شيئًا، وبأن مشروع معاهدة قد تمّ. وسافر المندوب السامي ليعرضه على حكومته؛ فإن أقرّته أمضاه رئيس الوزراء، واستقال لأن مهمته انتهت. وإن رفضته استقال رئيس الوزراء لأنه عجز عن تحقيق الاستقلال، وقد أخذ على نفسه عهدًا ليحققن الاستقلال، أو لينزلن عن الحكم.
والناس يختلفون في مشروع المعاهدة هذا؛ فمنهم من يرقى به حتى يبلغ المشروع الذي وصل إليه الوفد الرسمي الأخير، ومنهم من ينزل به حتى يصل إلى مشروع ثروت-تشامبرلين، ومنهم من يضطرب بين هذين المشروعين هبوطًا وارتفاعًا. وأكبر الظن أن أكثر هذه الأحاديث غير صحيح، ولكن هناك شيئًا لا شك فيه، وهو أن هذه الأحاديث التي تتصل وتستفيض وتلحّ في الاستفاضة والاتصال قد أثارت ريبًا كثيرًا في نفوس الناس من المصريين والأجانب.
فأما المصريون فمن حقهم أن يرتابوا، لأن الأمر يتصل بحياتهم واستقلالهم، وهم لم يتعودوا إلحاحًا في التكتم والمداورة حول مسألة الاستقلال كهذا الإلحاح في التكتم والمداورة الآن. وهم لا يثقون بالوزارة القائمة، ولا يطمئنون إليها. ولعل أيسر ما يقال عن رأيهم في هذه الوزارة أنهم يرتابون أشدّ الارتياب بكل ما تأتي؛ لأنهم قد جرّبوا عليها الإسراف في الهوان، والإفراط في التقصير، والغلوّ في دفع الأثمان الباهظة لأيسر الأشياء وأقلّها خطرًا.
وهم يعلمون حقّ العلم أن البقاء في الحكم شيء له قيمته، ويجب أن يؤدّى ثمنه، فيخافون—ومن حقهم أن يخافوا—ألّا يكون إسراف الحكومة في تملّق الإنجليز، ومبالغتها في تحقيق أغراضهم ومآربهم في مصر والسودان، كافيًا للحياد النزيه، ووسيلة كافية للبقاء في الحكم. وأن تُعرض الوزارة، أو يُطلب إليها أصدقاؤها والمؤيدون لها من الإنجليز، مشروعَ معاهدةٍ معيّنًا على أن يكون ثمنًا للحكم وقتًا آخر، طويلًا أو قصيرًا.
وأما الأجانب فلم ينظروا في يوم من الأيام—وهم لا يستطيعون أن ينظروا—إلى المفاوضات بين المصريين والإنجليز نظرة المستخف الذي لا يحفل ولا يكترث؛ فلهم مصالحهم أيضًا في مصر، وهذه المصالح جزء من موضوع المفاوضات. ومن حقهم أن يعرفوا، أو أن يحاولوا أن يعرفوا، إلى أي حدّ تُراعى هذه المصالح، وعلى أي نحو تُراعى، وماذا يبقى لهم، وماذا يُؤخذ منهم. فإذا كانت المفاوضات سرًّا مكتومًا، وحديثًا من وراء ستار، فليس غريبًا أن تثور الريبة في نفوس الأجانب هؤلاء، وليس غريبًا أن تكثر بينهم الأحاديث، وتستفيض فيهم الإشاعات؛ فيفرح منهم فريق، ويجزع منهم فريق آخر، ويضطرب الجوّ السياسي على كل حال.
هذا كله ولم نذكر البرلمان الذي لا يعلم من أمر هذه الأحاديث أكثر مما علمه عامة الناس، ولكن البرلمان راضٍ عن موقفه هذا، فلندعه وما يرضى.
ونستطيع أن نؤكد أن هذا الغموض والإبهام، وهذا التستّر والتكتم، ليس من شأنه أن يوجد في مصر جوًّا صالحًا لحياة صالحة. وما رأيك في جوّ سياسي قوامه الإشاعات المضطربة المختلطة، التي تدعو إلى الريبة وسوء الظن، وتُلقي في روع المصريين والأجانب معًا أن شيئًا يجري خلف ستار، هو بالمؤامرة أشبه منه بالمفاوضة؟
أما الموقف الثاني من المواقف المريبة التي تقفها الحكومة فبإزاء الدين. فقد زعمت الحكومة أن رئيسها وُفِّق إلى إقناع الدول الأوروبية بوجهة النظر المصرية، كما يقولون، وعاد رئيس الوزراء من أوروبا فتمدّح بهذا الفوز في شيء من الدلال والتيه، وفي لون من التلميح والتعريض، وفي تجنّب للصراحة والوضوح، كما يفعل أصحاب الكفايات السياسية العليا. ثم ظهر أنه لم يوفّق إلى شيء. فأوفد صاحب السعادة عبد الحميد بدوي باشا إلى إيطاليا وفرنسا وإنجلترا ليجدد الحديث في هذا الموضوع، وقيل إنه وُفِّق إلى شيء كثير، ثم قيل إنه لم يوفّق إلى شيء.
ثم صدر حكم المحكمة المختلطة فغضب الناس جميعًا، وأعلن رئيس الوزراء أنه لن يدفع إلا ورقًا، ولكنه لم يتخذ إلى الآن وسيلة من الوسائل ليثبت للناس أنه يريد أن يفعل كما قال.
ومن هنا ابتدأت الريَب والشكوك في نفوس المصريين والأجانب معًا: أيريد رئيس الوزراء أن يلائم بين قوله وفعله فلا يدفع إلا ورقًا؟ أم هو يريد أن يطاول ويماطل لتهدأ ثائرة الشعب، ثم ينزل بعد ذلك عند ما يريد الدائنون؟
فإن تكن الثانية، فإن المصريين معذورون حين يسيئون الظن ويتوقعون الشر، وينكرون الحكومة التي تخدعهم، والأجانب الذين يستغلونهم. والأجانب معذورون حين يضطربون بين اليأس والأمل، وبين الخوف والرجاء، وحين يترددون بين الذهب النضار، وبين ما قد يضطر إليه المصريون من بغضهم والتبرّم بهم.
وإن تكن الأولى، فما أبطأ الحكومة في اتخاذ قرار حاسم مريح! وما سببها إلى اتخاذ هذا القرار؟ أتريد أن تتخذه وحدها في غير مفاوضة ولا مناقشة؟ أم تريد أن تفاوض وتناقش؟ ومن تفاوض؟ أتفاوض الإنجليز وحدهم ليكونوا وسيلتها وشفعاءها عند الأمم الأخرى؟ أم تفاوض الدول الأخرى في غير وساطة من الإنجليز؟
كل هذه مسائل يخوض فيها الناس من المصريين والأجانب، فتثير في نفوسهم شكوكًا وريَبًا، وتخلق جوًّا رديئًا قوامه سوء الظن، وفساد الرأي، وضعف التعاون الذي يجب أن يكون بين الذين يعيشون على ضفاف النيل من المصريين والأجانب جميعًا. كلٌّ يرتاب بصاحبه، وكلٌّ يخاف من صاحبه، وكلٌّ يصدق فيه قول الشاعر القديم:
فإمّا أن تكون أخي بحق فأعرف منك غثّي من سميني
وإلّا فاطرحني واتخذني عدوًّا أجتويك وتجتويني
الموقف الثالث من هذه المواقف المريبة موقف الحكومة في شأن الامتيازات؛ فالمصريون جميعًا يكرهون الامتيازات، ويريدون أن يتخلصوا منها كما تخلّص غيرهم من الأمم الشرقية. وكانت الحكومة المصرية تصل مسألة الامتيازات بمسألة المفاوضة مع الإنجليز. فلما صدر حكم المحكمة المختلطة في مسألة الدين ظهرت مطالبات منظّمة بإلغاء الامتيازات فورًا، لم يخفَ عنها أحد من المصريين ولا من الأجانب المقيمين في مصر، بل عرف أولئك وهؤلاء من أين هبّت الريح. وقد بلغت الريح البرلمان، لكنها لم تلبث أن هدأت، فهدأت حاسة النواب والشيوخ، واستقرّت فاستقرّت حاسة تلك الجماعات التي كانت ترسل العرائض في كل يوم إلى الصحف. ولعل المصريين والأجانب جميعًا قد فهموا—أو كادوا يفهمون—كيف هبّت الريح وكيف استقرّت، ولكن استقرار هذه الريح لم يستتبع استقرار النفوس في البيوتات المصرية والأجنبية؛ فالمصريون ينتهزون الفرصة ليلحّوا في إلغاء الامتيازات، والأجانب يقفون موقف الدفاع حينًا، وموقف الهجوم المنكر حينًا، وموقف الريبة والخوف على كل حال.
وليس من مصلحة أيّ إنسان أن يكون الخوف والريبة والبغض قوام الصلات بين المصريين والأجانب. ولا يقف الأمر عند هذا الحد؛ فهذه جريدة «الديلي» تشير إلى هذه المواقف الثلاثة التي تقفها الحكومة المصرية في الدين، والمعاهدة، والامتيازات، فيظهر في إشارتها الشك والارتياب أيضًا. فليس الشك مقصورًا إذن على المقيمين في مصر، وإنما يتجاوزهم إلى أوروبا وصحفها الكبرى.
ومع ذلك فليس هناك موقف أصرح ولا أوضح من موقف الأمة المصرية الطبيعي بإزاء هذه المسائل الثلاث؛ فهي فيما بينها وبين الإنجليز تريد استقلالًا شريفًا لا لبس فيه ولا غموض، وهي فيما بينها وبين الدائنين تريد أن تدفع بنقدها كما تفعل الأمم التي لا تزال معتزمة أداء ما عليها من دين، وهي فيما بينها وبين الدول صاحبات الامتيازات تريد أن تلغي هذا النظام العتيق، وأن تلغيه في غير مواربة ولا عداء.
فما الذي يمنع الحكومة أن تقف من هذه المسائل موقفًا صريحًا واضحًا كموقف الأمة، فتزيل الشكوك وتمحو الريَب؟ الذي يمنعها شيء يسير لا تحفل به، ولكنه قوام الحياة الصالحة في كل دولة تقدّر كرامتها: وهو أن الصلة قد انقطعت بينها وبين الأمة؛ فهي تسيء الظنّ بالشعب وتخاف منه على كل شيء، والشعب يسيء الظنّ بها ويخاف منها على كل شيء. والغريب مع ذلك أن يعتقد بعض الأجانب من الإنجليز وغير الإنجليز أنهم يستطيعون أن يتفقوا مع هذه الوزارة على شيء ضئيل أو عظيم.
كوكب الشرق ٢٨ – ٣ – ١٩٣٣ -
محاولة
محاولة
أما أن رئيس الوزراء قد أخفق في تنفيذ الخطة السياسية التي رسمها لنفسه ، أو التي رُسمت له يوم ألّف الوزارة منذ ثلاثة أعوام ، فذلك شيء لا شك فيه ، لا بالقياس إلى الذين يعارضونه ويخاصمونه ، بل بالقياس إلى الذين يؤيدونه وينصرونه ، وبالقياس إليه هو .
الذين يعارضون رئيس الوزراء لم يشكّوا لحظة في أن إخفاقه محتوم ، وفشله أمر لا بدّ منه ، لأنه أقام سياسته على إكبار كفايته الخاصة أكثر مما ينبغي ، وإصغار شأن الأمة إلى حدّ لا تقبله الكفاية الصحيحة حقًّا . ومن أقام سياسته على إكبار نفسه وإن كان فردًا ، وإصغار خصمه وإن كان أمة كاملة ، فهو مخفق من غير شك .
وقد أخذ المعارضون لرئيس الوزراء يلاحظون سياسته ، ويتابعون خطواته في تنفيذ هذه السياسة ، ويبتسمون لهذه الخطوات التي كان يراها هو انتصارًا ، ويراها معارضوه إمعانًا في طريق الإخفاق والخذلان . فلا هم اغترّوا بهذه الخطب الطوال التي كانت تُحشد ، ولا بالوفود التي كانت تُرسل ، ولا بتأليف ما سمّاه حزب الشعب ، ولا بإنشاء ما سمّاه جريدة الشعب ، ولا بما رآه فوزًا في الانتخاب ، ولا بأسفاره وإقاماته ، ولا برحلاته إلى أوروبا وعودته منها ، وزياراته للعواصم ومقابلته للوزراء ورؤساء الحكومات ، بل للبابا .
لم يغترّوا بشيء من هذا ، لأنهم قدّروا — ومن الحق على كل إنسان له حظّ من الفطنة أن يقدّر — أن الفوز الصحيح الباقي المنتج في هذه الأيام لا سبيل إليه إلا أن يعتمد رجال السياسة على الأمم والشعوب ، لأنها وحدها القوام الثابت لكل سياسة عملية .
ولم يكد يعود صدقي باشا من أوروبا حتى كان فوزه الموقوت قد انتهى إلى غايته ، ولم يبقَ بدّ من أن يتحوّل هذا الفوز شيئًا فشيئًا إلى الفشل والإخفاق . وقد داور صدقي باشا ما استطاع أن يداور ، وأخفى ضعفه ما وجد إلى إخفائه سبيلًا ، ولكنه لم يخدع أحدًا ولم يخفِ شيئًا .
وما هي إلا أن اعترف هو بهذا الإخفاق في كتاب الاستقالة الذي رفعه إلى حضرة صاحب الجلالة الملك ليتخلّص من زملائه الذين خالفوه في سياسة الحكم . فقد كانت هذه الاستقالة نفسها اعترافًا واضحًا بالفشل ، وأي فشل أشدّ ، وأي إخفاق أعظم من أن يعجز رئيس الوزراء عن أن يقنع زملاءه وأقطاب وزارته بسياسته ، ويضطرّ إلى أن يستقيل ليتخلّص منهم ، وإلى أن يعترف بهذا كله في كتاب الاستقالة ؟
وقد رقّع صدقي باشا وزارته كما استطاع ، ولكن لم يستفد من هذا الترقيع شيئًا . فنزع الرقعة التي ألصقها بوزارته في يناير ، ووضع مكانها رقعة أخرى منذ أيام ، وكان هذا الترقيع الأخير تسجيلًا آخر لهذا الإخفاق .
وأنصار رئيس الوزراء يدورون مع رئيس الوزراء ، فهم يردّدون ما يقول ، ويكتبون ما ينطق به ، فيعلنون الفوز إن أعلنه ، ويلطّفون اعترافه بالإخفاق حين يعترف به . وربما كان تسجيل هذا الإخفاق هو الشيء الوحيد الذي اتفق عليه رئيس الوزراء وأنصاره وخصومه جميعًا في وقت واحد ، ولكنهم لا يكادون يتفقون على هذا الإخفاق حتى يختلفوا في المسلك المحرِج منه والتخلّص من أثقاله وآثاره .
فأمّا رئيس الوزراء وأنصاره فيخيّل إليهم أن الترقيع وسيلة من وسائل التخلّص من هذا الفشل ، فهم يرقّعون ويرقّعون ، وهم يكسبون الوقت وينتظرون ما تدور به الأيام .
وأمّا معارضوه وخصومه فيرون أن كل شيء قد دلّ دلالة قاطعة على أن وزارة صدقي باشا لم تكن صالحة للبقاء ، ولم تصبح الآن قادرة على محاولة البقاء ، وأن من العبث أن تتحدّى طبيعة الأشياء وتقاومها . وأنت تعلم حق العلم أنك مهما تؤيّدك القوى الظاهرة والخفية ، فلن تستطيع أن تثبت لطبيعة الأشياء ولا أن تتغلّب عليها .
وإذن فلا مخرج من هذا المأزق الذي اضطرّ إليه صدقي باشا ، وورّط فيه سياسة بلده ، إلا أن يستقيل ، ويدع هذه السياسة لمن هم أقدر منه على تصريفها والنهوض بأعبائها . وحسبه أنه قد أخّر رقيّ وطنه ثلاثة أعوام ، وحسبه أنه قد أضاع على بلاده كثيرًا من الفرص كانت تستطيع أن تنتهزها لتتقدّم خطوات واسعة في سبيل الإصلاح ، وحسبه أنه قد امتحن بلاده ، وأسرف في امتحانها ، وقد فتن أمته وغلا في فتنها ، فأظهر مواضع للضعف ما كان ينبغي أن تظهر مشوّهة قبيحة على هذه الحال .
ولكن رئيس الوزراء يحبّ الحياة لوزارته ، كما يحبّ كل إنسان لنفسه الحياة ، فهو يماطل ويداور ، ولا يريد أن يتعجّل فيقصي نفسه عن الحكم ، وإنما يريد أن تقهره الظروف القاسية فيدع الحكم كارهًا لا طائعًا . وهو يعلّل نفسه بالأماني ، ويذهب المذاهب المختلفة في إطالة مدّته في الحكم ، ولعله لا يعدم من الإنجليز الذين غلوا في تأييده وإعانته من يشاركه في الرأي ، ويقاوم معه طبيعة الأشياء ، ويدفعه إلى التعلّق بالحكم حتى يضطرّ إلى تركه اضطرارًا .
وكذلك وضع رئيس الوزراء نفسه في هذا الموضع المؤلم الذي يثير الإشفاق والرحمة حتى في نفوس خصومه ومعارضيه ؛ فهو ضعيف قد فقد كل حيلة في التماس القوة على النهوض بأعباء الحكم ، وهو مريض في حاجة شديدة إلى الراحة ، وهو رغم ضعفه السياسي ، ورغم مرضه ، متعلّق بالمنصب ، حريص على البقاء فيه .
والناس يقولون (ومن الكتاب السياسيين من يوافقهم على ما يقولون ولا يتحرّج في إظهار شيء من الرضى والأمل بما يقولون) إن في الحركة الإدارية التي أحدثت أمس تمهيدًا لتغيير السياسة الصدقية التي قام على فسادها ألف برهان وبرهان . فقد يظهر أن نقل المديرين من إقليم إلى إقليم إنما هو توسعة على هؤلاء المديرين في أن ينهجوا في السياسة نهجًا رفيقًا ، غير النهج العنيف الذي دفعهم إليه عنف صدقي باشا ، وإيثاره لإظهار القوة والبأس . فقد يكون من العسير على مدير أسيوط السابق أن يلين بعد شدة ، ويخف بعد عنف ، دون أن يعرض كرامته وهيبته لدى الناس . وقد يكون الابتسام على ثغور الناس لا يصور دائمًا الاحترام ، وقد يصور ما هو نقيض الاحترام ، لذلك نقل إلى الغربية ليكون رفيقًا شفيقًا بعد أن كان عنيفًا مسرفًا في العنف . وأرسل إلى أسيوط مدير البحيرة السابق ليظهر فيها من اللين والمصانعة ما لم يكن يستطيع أن يظهره مديرها السابق . وقل مثل هذا في سائر المديرين الذين شملهم التغيير والتبديل .
وقد يكون هذا حقًّا ، وقد يكون صدقي باشا قد رأى أو رُؤِيَ له أن من الخير أن تتغيّر السياسة في الأقاليم ، وأن يؤخذ الناس بالحسنى ، وتنجلي عنهم غمرة العذاب الذي أخذهم من كل مكان ، لتهدأ ثورة النفوس ، وليخفّ ما أشعرته القلوب من بغض للحكام . ولكن الشيء الذي ينبغي الوقوف عنده إن كان هذا الكلام صحيحًا هو أن الحكومة كانت أشد رعاية لنفسها ولمديريها منها لأهل الأقاليم . فهي تضنّ بمدير أسيوط على أن يكون رفيقًا بعد عنف ، ويلين بعد شدة ، وهي تؤثره بحبها وتحرص على كرامته وهيبته من الناس ، ولكنها لم تؤثر هؤلاء الناس بعطفها ورحمتها ، ولم تحرص على كرامة هؤلاء الناس أن يمتهنها مدير أسيوط بما كان يصب عليهم من عذاب فيه الإيلام والإذلال معًا . هي تخاف على المدير من ابتسامة الناس ، ولا تخاف على الناس من عبوس المدير .
كرامة موظفيها أعز عليها ، وآثرها عندها من كرامة الأمة التي إنما أقامت الحكومة لتخدمها وترعى مصالحها ؛ لا لتسخّرها لأنواع الذل ، ولا لتؤثر عليها أفرادًا من الموظفين . ومعنى هذا أيضًا إن صح ما يقوله الناس ، وينتظر الخير منه بعض الكتاب السياسيين ، أن الحكومة تعبث بعقول الناس ، وتلاعب الأمة كما يلاعب الرجل الطفل الصغير .
كان أهل أسيوط يضيقون بمديرهم فينقل هذا المدير ، ويرسل إليهم مدير آخر ، ويخيّل إلى الحكومة أنها قد أرضت أهل أسيوط ، ولكن أهل أسيوط جزء من الأمة المصرية ، لأن أسيوط جزء من أرض مصر . وإساءة مدير أسيوط إلى أهل إقليمه كانت إساءة إلى الأمة المصرية كلها . فانقلوه من أسيوط ، وضعوه حيث شئتم من الأرض ، فلن يغيّر ذلك من الأمر الواقع شيئًا ، والأمر الواقع أن هذا المدير وأصحابه لم يسيئوا إلى أهل أقاليمهم وحدهم ، وإنما أساءوا إلى الأمة كلها ، لأنهم أساءوا إلى القانون الذي كُلِّفوا تنفيذه ، وإلى النظام الذي كُلِّفوا حياطته ، وإلى العدل الذي كُلِّفوا القيام على حمايته . وقد ذهب العصر الذي كانت الحكومات تفرّق فيه بين الأقاليم ، وترى أن الإساءة إلى أحدها لا تمس غيره .
ذهب هذا العصر ، وأصبح كل فرد من أبناء مصر يصوّر الأمة المصرية كلها في حقه على الحكومة من الحماية والرعاية . ولم تبقَ الأقاليم إلا وحدات إدارية ليس غير . وأكثر من هذا أن نقل المديرين أو عزلهم أو محاكمتهم ، كل ذلك لا يغيّر من الأمر شيئًا ما دام الذي بسط أيدي المديرين على الناس مستأثرًا بالحكم ، قادرًا على أن يبسط أيديهم مرة أخرى . فليس الذي يهدئ ثورة النفوس ويلطّف حدة القلوب هو أن ينقل مدير أو يعزل ، وإنما هو أن تستقيل الوزارة أو تُقال .
إن الذين يظنون أن هذه الحركة الإدارية قد تكون تمهيدًا لسياسة جديدة تسلكها الوزارة القائمة يخطئون خطأ قبيحًا جدًّا ، ويقيمون أوضح الأدلة على أنهم لم يفهموا الشعب المصري بعد . فالشعب لا يُخدع من الآن بالصور والأشكال ، والشعب لا يرضى بأن يُنقل مدير مكان مدير ، وإنما يريد الشعب أن تجتثّ هذه السياسة من أصلها ، وأن تتخلّى الوزارة القائمة ليأتي مكانها قوم آخرون ، لا يبسطون أيدي المديرين على الناس إلا بالخير . وأغرب من هذا أن من الكتاب السياسيين من عظم حظهم من خصب الخيال وبعده ، فهم يقدّرون أن هذه الحركة الإدارية تمهيد لتغيير السياسة الإنجليزية المصرية كلها ، ولإقامة وزارة مكان وزارة . وإذن فما أقوى رئيس الوزراء على نفسه ، وما أحراه بالإعجاب والإكبار ، وما أقسى هؤلاء الذين يوحون إليه ويملون عليه ، ويدفعونه إلى أن يمهد لخصومه الذين سيخلفونه ويعفون آثاره في سياسة الدولة .
هذا كثير على رئيس الوزارة ، فما علمنا أنه قد بلغ من الإيثار هذا الحد إلا أن يكون لهذا التغيير المنتظر قوام آخر ، هو الذي أشارت إليه النيو إيست أخيرًا ، وهو توسيع الائتلاف وإضافة رؤوس أخرى إلى رأس الوزارة القائمة . وإذن فما أجدر هذا التغيير بأن يلقى نفس الإخفاق الذي لقيته وزارة صدقي باشا .
قد تخطر في عقول الساسة حلول مختلفة للموقف السياسي في مصر الآن ، ولكن الشيء الوحيد الذي لا بدّ منه لأي حل يراد أن ينظر فيه نظر جد وتفكير هو أن يتنحّى رئيس الوزراء عن سياسة الدولة الآن ، وما أشد حاجته إلى أن يعتزل السياسة في هذه الأيام ويستريح .
كوكب الشرق ٢٤ – ٣ – ١٩٣٣