Tag: Illusion

  • الخيال الطارق

    الخيال الطارق
    للدكتور طه حسين
    أقبل صاحبي وجه النهار مرتاعاً حائل اللون، شاحب الوجه، حائر الطرف، طائر اللب، كأنما ألمّ به طائف من الجن فروّعه ترويعاً، وأخرجه عن ذلك الطور الهادئ الرزين الذي كنت أعرفه منه إذا لقيته فتحدثت إليه، واستمعت لأحاديثه المطمئنة العذبة الخصبة.
    أقبل مرتاعاً لا يكاد يبين إذا تحدث أو همّ بالحديث، بل لا يكاد يستقر في مجلس، بل لا يكاد يمسك جسمه من رعدة كانت تلمّ به من حين إلى حين فتهزه هزاً عنيفاً، وتذكّر بقول ذلك الشاعر القديم:
    وإني لتعروني لذكراك هزة … كما انتفض العصفور بلله القطر
    وأشهد لقد أنفقت كثيراً من الجهد، واصطنعت فنوناً من الحيلة، لأرده إلى ما ألفت فيه من دعة وأمن وهدوء، ولقد افتقدت في تلك الساعة بعض هؤلاء الشيوخ الذين يتلون العزائم والرقى، بعد أن أخفقت أو كدت أخفق فيما كنت أحاول من رده إلى الوقار والصواب. ولكن ظفرت آخر الأمر بما كنت أحاول، واستطعت أن أتحدث إلى صاحبي، وأن أسأله عن مصدر هذا الاضطراب العنيف الذي أصابه وما عرفته عرضة لاضطراب يصيب العقل أو يصيب الجسم.
    قال وهو ذاهل أو كالذاهل:
    "إثم هذا على أبي العلاء أيها الصديق، فلولا أنني نظرت في كتاب من كتبه آخر الليل لأذود به هذا الأرق الذي ألحّ عليّ إلحاحاً لما أصابني ما ترى، بل لما أصابني ما لم ترَ من تلك الأهوال التي ألمّت بي، واصطلحت عليّ حتى نفرتني من داري وأزعجتني عن أهلي، ودفعتني إليك في هذه الساعة التي لم أتعود أن أسعى فيها إليك. وثق بأني قد خرجت من داري معتزماً ألا أعود إليها، وقد أمرت أهلي أن يلتمسوا لنا داراً أخرى، وأزمعت الرحلة عن القاهرة أياماً، حتى إذا تم لهم ما أريد من التحول عن هذه الدار الموبوءة، عدت إليهم في دارنا الجديدة، لعلي أن أجد فيها ما أنا في حاجة إليه من الدعة وراحة البال".
    قلت:
    "ما أراك إلا مريضاً تحمل مرضك على أبي العلاء وتكلفه من ذلك ما لم يقترف، وتكلف أهلك من آثار هذا المرض شططاً. ومع أني لم أعرف بعد هذه الأهوال التي ألمّت بك فأزعجتك عن دارك ودفعتك إلى ما تحاول من فراق القاهرة، فلست أرى بأساً بهذا الرحيل؛ فقد طال مقامك في مدينتنا، وقد احتملت من الجهد والعناء في عملك ما يضني الأصحاء والأقوياء، فكيف برجل عليل ضئيل مثلك؟ فارحل مصاحباً، ولكن حدثني عما ألمّ بك من الهول؟".
    قال:
    "مصدره رسالة الغفران يا سيدي، فليت أبا العلاء لم يكتب رسالة الغفران".
    قلت:
    "لا تقل هذا ولا تكن أثراً، فإن لغيرك في رسالة الغفران لذة ومتاعاً، وإذا كانت قد سلطت عليك الهول الذي لم أعرفه بعد، فإنها قد أتاحت لقوم آخرين في الشرق والغرب من الشهرة وبعد الصوت ما لم يسلط عليهم هولاً من الأهوال، ولم يغربهم خطباً من الخطوب. ولكن هات حديثك".
    قال:
    "ما أشك في أن أبا العلاء كان مجنوناً حين كتب هذه الرسالة".
    قلت:
    "ربّ جنون خير من العقل، ولكن هات حديثك".
    قال:
    "أتذكر هذا السخف الذي أغرق فيه إغراقاً حين ذكر هذين البيتين القديمين من شعر النمر بن تولب:
    ألمّ بصحبتي وهم هجوع … خيال طارق من أم حصن
    لها ما تشتهي عسلاً مصفى … إذا شاءت وحواريّ بسمن
    قلت:
    "هذا من خير ما في الرسالة، وأي بأس عليه من أن يفترض أن الشاعر قد وضع مكان (حصن) في البيت الأول اسماً آخر كجزء أو حفص أو عمرو، ثم يلائم بين هذا الاسم وبين القافية في البيت الثاني؟ فهذا نوع من العبث المباح الذي لا يسوء أحداً، وهو مع ذلك يدرب الذاكرة ويظهر شيئاً من المقدرة اللغوية التي يحرص العلماء والأدباء على إظهارها".
    قال:
    "أنت الذي يزعم أن هذا العبث لا يسوء أحداً، وما رأيك في أنه قد ساءني وجشمني ما رأيت وما لم ترَ من الأهوال والخطوب! فقد أراد سوء الحظ أن أنظر في هذا الكتاب، وأن أقف عند هذا العبث، فأفكر في هذه الخيالات التي كانت تطرق المحبين والشعراء منهم بنوع خاص، والتي كانت إذا طرقت هؤلاء الشعراء أنطقتهم بما تعرف وما لا تعرف من رائع الشعر وبارع الكلام. وأغرقت في هذا التفكير وجعلت أستعين بالذاكرة على استحضار شيء من الشعر القديم الذي قاله الشعراء في الخيال الطارق والطيف الملمّ، ثم جعلت أسخر من أبي العلاء ومن جفاء طبعه وخشونة مزاجه، وجعلت أرثي لأم حصن هذه التي عبث الشاعر بها هذا العبث فلم يترك اسمها حيث وضعه النمر بن تولب، وإنما حذفه وأخذ يضع مكانه أسماء أخرى بعدد حروف المعجم؛ ولو أنه كان رقيق القلب دقيق الحس ممتاز الشعور رفيقاً بالغانيات لما أزعج أم حصن عن مكانها، ولما أقلقها عن موضعها، ولكنه رجل غليظ لا علم له بالحب، ولا حظ له من الرقة، ولا معرفة له بحسن معاشرة النساء.
    وإني لفي ذلك وإذا أنا أحس كأن الأرض تدور تحت قدمي، وكأن كل شيء يضطرب من حولي، ولا أكاد ألتفت إلى ذلك وأفكر فيه حتى يهدأ من حولي كل شيء، وإذا شخص جميل قد قام مني غير بعيد، وهو ينظر إليّ نظرة عطف، وعلى وجهه غشاء من كآبة حلوة، وعلى ثغره ابتسامة كأنها ابتسامة الرضا، ولكني لا أعرف شيئاً أصدق منها تصويراً للحزن والأسى، وتمثيلاً للوعة والحسرة. ولست أدري كيف لم يرعني مقام هذا الشخص الجميل، فلم أظهر فزعاً ولا اضطراباً، وإنما أنست إليه وحققت النظر فيه فتبينت فتاة غضة الشباب رائعة الجمال، لولا أن شبابها يوشك أن يكون وهماً، ولولا أن جمالها يوشك أن يكون خيالاً؛ تبينت شخصاً حياً متحركاً نضيراً، ولكنه على ذلك لا يخلو من شيء يشبه الموت، ومن شيء يشبه السكون، ومن شيء يشبه الذبول. وهو على هذا كله يذكرني بشخص كنت آلفه ويألفني، وكنت أكبره ويكبرني، وقد فقدته منذ حين، فجزعت عليه جزعاً شديداً، وكثيراً ما سألت نفسي: أتراها قد ذكرتني قبل أن تلج باب الموت؟
    وإني لأنظر إلى هذا الشخص الماثل، وإن هذه الخواطر لتمر أمام نفسي وادعة كأنها السحاب الرقيق، وإذا أنا أسمع صوتاً رقيقاً خافتاً حلواً يسعى إليّ سعياً خفياً من ناحية هذا الشخص الماثل غير بعيد. وإذا هذا الصوت يحمل إليّ تحية عذبة هي التي كنت أسمعها من صديقتي حين كنت ألقاها وجه النهار، وما أكثر ما كنت ألقاها وجه النهار: (أصبح بخير يا سيدي)، فأجيب: (أصبحي بخير يا سيدتي). فقالت: إنك تعرفني أو تكاد تعرفني، إنك تذكرني وتسأل نفسك الآن كما كنت تسألها من قبل، إذ ذكرتك حين فارقت الحياة وودعت الأحياء؛ نعم يا سيدي قد ذكرتك وألححت في ذكرك، وكلفت من يقرأ تحيتي عليك، ولولا الحياء لكلفت من يدعوك لزيارتي قبل أن أموت ولكن لم أفعل، ولم يعرض عليّ ذلك أحد من الذين كانوا يحيطون بسرير الموت. على أني لست آسفة فإني لم أخسر شيئاً، لأني لم أفارق أحداً ممن كنت أحب لقاءهم في تلك الحياة، إنما أنا أراهم وأسعى بينهم وأتحدث إلى نفوسهم وأسمع منها، وكل ما فقدته إنما هي هذه الأصوات التي كنت أسمعها، وهذه الأيدي التي كنت أصافحها. وثق بأنها لا تعدل شيئاً حين أقيسها إلى ما أسمع الآن من أحاديث الضمائر ونجوى النفوس.
    وما كنت لأتراءى لك الآن لولا أنك أغرقت في ذكر الخيال واستحضار الخيالات، ولست أخفي عليك أني كنت أريد حين تراءيت لك أن أداعبك بعض الشيء، فلا تظن أن الدعابة مقصورة على الأحياء، فقد يأخذ الموتى من الدعابة بنصيب أيضاً. كنت أريد أن أتراءى لك على أني أم حصن صاحبة النمر بن تولب، وأن أشكر لك عطفك عليّ ورفقك بي ولومك لأبي العلاء، ولكني لم أستطع أن أخدعك لأني لم أتعود خداعك أثناء الحياة. ثم لأني إنما أقبلت إلى هذا المكان لألقي في روعك رسالة كنت أريد أن تبلغها عني، وكنت أريد أن ألقيها إليك كما تلقى الرسائل إلى الناس في الأحلام، ولكني رأيتك يقظان تنظر في هذا الكتاب فانتظرت لعل النوم أن يسعى إليك، ثم رأيتك تذكر الخيال وتستحضر الأطياف فتراءيت لك، وهل أنا إلا خيال أو طيف؟ لا تطل النظر إليّ ولا تقل شيئاً فإن نظر الأحياء يؤذيني، وإن أصوات الأحياء تثقل عليّ، ولكن اسمع مني ولتتحدث نفسك إليّ إذا لم يكن لك بد من حديث.
    وإني لأعلم أنك تريد أن تسألني كيف أتحدث إليك بصوت يشبه صوت الأحياء وأشفق مع ذلك من سماع صوتك؟ فأنا لا أتحدث إليك بصوت يستطيع غيرك أن يسمعه، إنما أنت الذي يمنح هذا الصوت قوته وتشخيصه، ولو أن في هذه الغرفة قوماً غيرك لما رأوا من شخصي ما ترى، ولما سمعوا من صوتي ما تسمع؛ ولكن أصغِ إليّ فإني أحس مقدم النهار، وإني أكره هذا الضوء الذي يغمر الكون حين تشرق الشمس، والذي كنت أحبه أشد الحب أثناء الحياة، والذي لم أحزن على شيء حزني على فراقه قبل أن أموت، والذي لم أتسلّ عن شيء كما تسليت عنه الآن.
    أصغِ إليّ فإني أريد أن ألقي إليك رسالتي، وأن أنصرف عنك قبل أن يهجم ضوء النهار فيبدد ظلمة الليل، وإني لحريصة على أن ألقاك، فإن كان لقائي يرضيك الآن كما كان يرضيك من قبل، فانتهز فرصة كهذه الفرصة، في ساعة كهذه الساعة، وانظر في هذا الكتاب وأطل التفكير فيه، فقد أستجيب لدعائك حينئذ".
    ثم سكت هذا الصوت قليلاً، وإنما قتلني معه الحب أيضاً؛ فقد تذكّر أن زوجي فارقني قبل أن أموت بأشهر لأن مرضي المتصل قد ثقل عليه، وقد تذكّر أني كنت أظهر تجلداً وعزاء، وقد تعلم أني كنت أخفي في ذلك غير ما أضمر، وأنك كنت تشفق عليّ مما كنت أخفيه، وكنت تود لو استطعت أن تسليني عن بعض ما أجد؛ فاعلم الآن أني حين ثقلت عليّ العلة، وتورمت أطرافي، ورأى الطبيب أن ينزع ذلك الخاتم الذي كان آخر ما بقي لي من زوجي، لم أشك في أنه سينزع معه الحياة من هذا الجسم المريض، ولم أكره ذلك، وأي بأس من مفارقة العلة واليأس! فأبلغ زوجي أني فارقت الحياة وأنا أحبه، وأن مقامي في هذه الأرض بعد الموت لن يطول، وأنه خليق أن يعلم أني أراه وأرافقه، وأنه خليق أن يرعى ذلك وأن يذكرني في شيء من الخير والرفق والوفاء، حتى إذا آن لهذا الخيال أن يصعد في طبقات الجو وأن يمضي إلى ذلك العالم الذي تعيش فيه خيالات الموتى، وأن تنقطع الصلة بينه وبيني من الأسباب.
    قالت ذلك ثم نظرت إليّ نظرة قوية حادة لم أستطع أن أثبت لها، وإنما أطرقت برأسي إلى الأرض خائفاً وجلاً، ثم رفعت رأسي بعد ذلك ونظرت فلم أرَ شيئاً، وتسمعت فلم ينتبه إليّ صوت، وإنما هي رسالة الغفران مبسوطة أمامي أرى فيها عبث أبي العلاء حول شعر النمر بن تولب. هنالك أخذني هلع ما أعرف أين أحسست مثله من قبل، وملكني روع كاد يدفعني إلى الصياح لولا بقية من عقل وفضل من حياء، ففارقت غرفتي وهبطت إلى الحديقة أهيم فيها أنتظر مطلع النهار، حتى إذا ارتفعت الشمس قليلاً أوصيت أهلي بما أوصيت وأسرعت إليك. أترى بعد ذلك أن سخف أبي العلاء لم يسؤ أحداً؟"
    قال ذلك ثم أخذته رعدة غريبة أشفقت أن ترده إلى مثل ما كان عليه من الوجل والاضطراب، فما زلت به حتى رددت إليه الأمن والهدوء.
    وقلت مداعباً:
    "ويحك! ألم تقرأ كتاب أناطول فرانس ذلك الذي سماه (جريمة سلفستر بونار)؟ إن فيه قصة إن لم تكن تشبه قصتك هذه من كل وجه، فإنها قريبة منها إلى حد ما، وما أرى إلا أنك قد ذكرت صاحبتك هذه في ضوء النهار أو في ظلمة الليل، حتى إذا أخذت تنظر في كتابك أخذك هذا النوم الخفيف الذي تتراءى فيه الأشباح والخيالات".
    قال مغضباً:
    "أقسم لك ما كنت نائماً ولا قريباً من النائم، وإنما كنت يقظان أشد ما يكون الناس يقظة وانتباهاً، ولكن ما نفع الحديث معك في هذا وأنت لا تؤمن بعالم الخيال؟"
    قلت:
    "فإني أشفق عليك من إيمانك هذا؛ فقد تستطيع أن تتحول عن دارك، وأن تفارق القاهرة، وأن تنزل من الأرض أي منزل شئت، فسيتراءى لك هذا الخيال كلما خطر له أن يتحدث إليك، أو أن يحملك رسالة إلى الأحياء. وماذا تريد الآن أن تصنع برسالته هذه؟ أتحملها إلى من أنت مكلف أن تحملها إليه أم تكتمها؟ فإن تكن الأولى فماذا تصنع إن لقيك باللوم لأنك تعرضت لما لا ينبغي لك أن تدخل فيه، وإن تكن الثانية فماذا تصنع إن ألمّ بك الخيال وسألك عن تبليغ الرسالة وتأدية الأمانة والوفاء بالعهد؟"
    هنالك نهض صاحبي مغاضباً وهو يقول:
    "ما أشد بغضي للذين يمزحون في غير أوقات المزاح!".
    ثم انصرف عني وأنا شديد الإشفاق عليه وعلى كثير من أمثاله الذين تطرقهم هذه الخيالات فتملأ قلوب بعضهم أمناً ورضاً، وتملأ قلوب بعضهم الآخر خوفاً وروعاً.
    الرسالة ١٤\٥\١٩٣٤

  • وهم

    وهْمٌ
    الوزارة آمنة على كل شيء، آمنة على الحياة الداخلية لأن النظام مستقر، ولأن الناس يحبونها، ولأن خصومها قد خسروا كل شيء، وأخفقوا في كل شيء، ولكن نبأ كاذبا يأتيها من المنوفية بأن قوما يعملون في صنع القنابل فتنزعج حتى يذهب عنها الرشد، ويغيب عنها الصواب. وإذا شرطة الأقاليم كلها وضباط الإقليم جميعا يجتمعون ويحشدون ويرسلون إلى حيث زعم منبئ الوزارة أن القنابل تصنع، وإذا حصار منظم للمدينة وتفتيش منظم لمنازلها، وتضييق شديد على أهلها ومضارة مسرفة للخارجين منها والداخلين فيها. ثم ينجلي الأمر عن أن رجلا أراد أن يعبث بالوزارة فكذب عليها وهزئ منها واضطرها إلى أن تتكلف ما تكلفت من نفقات، وتحدث ما أحدثت من اضطراب وتخلى الإقليم من حراسه وحفظة الأمن فيه، وتعرض عشرات من الناس للخطر المنكر في الأنفس والأموال. والوزارة آمنة على كل شيء، لأن خصومها قد خسروا كل شيء، وأخفقوا في كل شيء، ولأنها قد وثقت بحب الناس لها وثقتهم بها، واطمئنانهم إليها.
    ولكن نبأ كاذبا يأتيها بأن رئيس الوفد سيصلي الجمعة في حي من أحياء القاهرة، فإذا شرطة تحشد، وجنود ترصد، واستعداد عسكري في هذا الحي، وتضييق على الذاهبين للصلاة والمنصرفين إلى أعمالهم، وتأهب لمعركة حاسمة ككل هذه المعارك التي تتأهب لها الوزارة، ثم ينجلي الأمر فإذا هو خيال في خيال، وإذا الرئيس لم يزر هذا الحي، ولم يفكر في زيارته، وإنما أدى الصلاة في حي آخر من أحياء المدينة.
    ومع هذا كله فالوزارة آمنة على كل شيء، لأن النظام مستقر، والأمن موفور. هذا رئيس الوزراء يستريح في مزارعه، وهذا وزير التقاليد يزور المنصورة. وهذا وزير الزراعة يغزو الصعيد، فلو لم يكن كل شيء هادئا مطمئنا لما تفرق الوزراء على هذا النحو. وليس بأس بأن يتفرق الوزراء ما دام وزير الداخلية قابعا في القاهرة يستطيع أن يجمع الشرطة ويفرقها، ويستطيع أن يقذف بوحدات الجند متى شاء في القرى والمدن والأحياء.
    كل شيء هادئ وإن كانت أكذوبة رجل مجهول تكفي لإزعاج الحكومة! وكل شيء مطمئن وإن كان خيال مصطفى النحاس يكفي لإقلاق الدولة وحشد الجند وغزو الأحياء الآمنة الساكنة! وكذلك يريد الله أن تجتمع النقائض في هذا البلد فيهدأ فيه كل شيء، ويطمئن فيه كل شيء، وتذعر الحكومة فيه لكل شيء، وتفزع الحكومة فيه حتى من الخيال! وتعلن الوزارة وصحفها أن الوزارة لم تكن في يوم من الأيام أقوى مما هي الآن! وتعتقد الوزارة أن الناس يصدقونها، ويؤمنون لها بالقوة والبأس والاطمئنان والهدوء. والوزارة آمنة على كل شيء في حياتها الخارجية، أمورها وأمور الدولة تجري كلها على ما تحب وتهوى. فقد أذعنت فرنسا وإيطاليا وأقسمتا جهد أيمانهما على أنهما ستقبلان أن يؤدى إليهما الدين ورقا، لا ذهبا. وآية ذلك أن الوزراء يتفرقون، وأن رئيسهم يقضي آخر الأسبوع في الريف، وإن كان كل شيء يدل على أن فرنسا متمسكة برأيها، لم تعدل عنه قيد شعرة، ولم تغير منه حرفا، وعلى أن إيطاليا لن تحدث في الأمر شيئا إلا أن تعدل فرنسا عن موقفها.
    وعطاءات جبل الأولياء قد تم درسها في وزارة الأشغال، ورأى وزير الأشغال فيها رأيه حرا مستقلا، وسيعرض هذا الرأي على مجلس الوزراء ليقره حرا مستقلا، وإن قالت الصحف إن الأمر ليس كما يقال، وإن مصير هذه العطاءات سيقرر على غير ما تشتهي الوزارة، وإن الوزارة ستذعن لغير ما تحب، لأنها لا تريد أن تحدث أزمة بمخالفة الإنجليز. وإذن فستمضي إرادة الإنجليز في هذه العطاءات رغم مجلس الوزراء، ورغم ما يشتهي مجلس الوزراء،
    وسيذعن مجلس الوزراء لهذه الإرادة مسرعا متعجلا قبل أن يتم مجلس الشيوخ نظر ميزانية وزارة الأشغال وإقرار ما فيها من اعتماد لجبل الأولياء، وسيتورط المجلسان جميعا! ذلك ينزل على رأي الأجنبي، وهذا يقبل أن يوضع أمام الأمر الواقع.
    ولكن الوزارة آمنة على كل شيء في حياتها الداخلية والخارجية، لم تكن في يوم من الأيام أقوى منها الآن! ألم يتحدث رئيسها إلى زملائه في مجلسهم بأن صديقه المندوب السامي عائد إلى مصر من غير شك، ومقيم فيها من غير شك، وبأن اللجنة الإنجليزية المصرية قد فشلت كل الفشل، وأخفقت كل الإخفاق فيما حاولت من تغيير الموقف السياسي في مصر؟ بلى تحدث الرئيس إلى زملائه بهذا وإن زعم أنه لم يتحدث لأن الأهرام أكدت أخبارها وتحدت رئيس الوزراء فلم يحرج جوابا، ولم يصنع شيئا! إذن فالمندوب السامي عائد إلى مصر من غير شك، ومقيم فيها من غير شك وإن أعلن رسميا أن عودته تأخرت إلى أجل غير معروف، وأن عقيلته لاحقة به، واللجنة الإنجليزية المصرية قد أخفقت في سعيها لتغيير الموقف، وإن اتصلت أحاديث الناس في القاهرة وفي لندن بأن هذه اللجنة لم تتم سعيها بعد، وبأن استقالة الوزارة في أجل قريب جدا أمر لا منصرف عنه، وإن سئل وزير الخارجية عن أمور مصر في مجلس النواب الإنجليزي منذ أيام فلم يقل شيئا، لأن الوقت لم يحن بعد ليقول وزير الخارجية البريطانية ما ينبغي أن يقول.
    كل شيء هادئ حول الوزارة في داخل مصر وخارجها، وكل شيء مطمئن ولكنه هدوء موهوم، واطمئنان يتحدث به الخيال فأما الحق الذي يدل عليه كل شيء، فهو أن أسباب بقاء الوزارة قد رقت حتى أصبح أيسر الأشياء خليقا أن يقطعها. قوتها في داخل مصر وهمية، ولولا ذلك لما عبثت بها الأكاذيب، ولما لعب بها الخيال، وقوتها في خارج مصر وهمية ولولا ذلك لما تحدتها الأهرام غير حافلة بقوتها، ولا ملتفتة إلى سطوتها، ولا خائفة منها بأسا، لأن البأس الصحيح الذي يخاف إنما هو الذي يعتمد على الحق. والوزارة في موقفها لا تعتمد على الحق، والوزارة في موقفها لا تعتمد على الواقع وإنما تعتمد على الوهم وتتعلق بأهداب الخيال، ولسنا ندري ما يكون شأن الوزارة لو وصلت إليها البلاغات الكاذبة من أطراف مصر في كل يوم، أتتعب الشرطة في الأقاليم جميعا، وتدور بالضباط والجنود في كل مكان، وتخيل إلى الناس أن الأمن الموفور قد ذهب، وأن النظام المستقر قد اضطرب؟!
    ولسنا ندري ما يكون شأن الوزارة لو أن الأهرام صدمتها في كل يوم بالتحدي كما فعلت في الأيام الأخيرة الماضية، أتصدر البلاغات الرسمية؟ فإذا أصرت الأهرام على ما تقول هانت الوزارة على نفسها، واستكانت الوزارة للأهرام كما فعلت في الأسبوع الماضي حتى يؤمن الناس إن لم يكونوا قد آمنوا بالفعل بأن بلاغات الحكومة تحترم، ولكن تصديقها شيء واحترامها شيء آخر.
    وهذه الأهرام تتحدث اليوم بعد أن تحدثت أمس، وتلح اليوم بعد أن ألحت أمس، وتؤكد اليوم بعد أن أكدت أمس أن الوزارة تتعجل البت في عطاءات جبل الأولياء قبل أن يتم مجلس الشيوخ نظر ميزانية الأشغال.
    وهذه السياسة تقول اليوم إن أمر هذه العطاءات سيتم على غير ما تريد الحكومة المصرية، والناس يتحدثون ويلحون في الحديث بأن مسألة الدين تزداد تعقيدا من يوم إلى يوم، وأن الحرج يستحكم حول الوزارة من حين إلى حين وإن تفرق الوزراء في الأقاليم واستراح رئيسهم في الريف، أفترى الوزارة مصدرة بلاغات رسمية تكذب بها الأهرام والسياسة؟ فما عسى أن تصنع إذا احترمت الأهرام والسياسة بلاغات الحكومة وأصرتا بعد ذلك على ما تقولان؟
    ليس الغريب أن تزعم الوزارة لنفسها القوة، وأن تؤمن الوزارة لنفسها بطول البقاء، فكل إنسان عرضة للأمل، وكل إنسان عرضة لأن يخدعه الخيال، وإنما الغريب أن تترك أمور بلد كمصر على ما لها من خطر، وعلى أنها أمور شعب كامل خاضعة لوزارة كل قوتها تعتمد على الوهم وتستمد من الخيال!
    كوكب الشرق ٦ – ٥ – ١٩٣٣ .