Tag: intellectual biography

  • لقاء بعد يأس

    لقاء بعد يأس

    طه حسين

    جريدة البلاغ

    ٢٠ مايو ١٩٤٥

    عرفته من بعيد كما عرفه المثقفون جميعًا في أقطار الأرض كلها؛ لأن شخصيته الثقافية والسياسية فرضته على هؤلاء المثقفين فرضًا منذ الحرب العالمية الماضية.

    ولعلي قد سمعت اسمه لأول مرة قبل تلك الحرب، وقبل أن أتصل بالثقافة الأوروبية اتصالًا مباشرًا، حين كان الطلاب المصريون الذين كانوا يدرسون في مدينة ليون يتحدثون بشئون مصر السياسية، فيجدون من عمدة المدينة رعاية لهم، وعناية بهم، وعطفًا عليهم. ثم سمعت اسمه حين كنت طالبًا في باريس أثناء الحرب، وحين كان وزيرًا من وزراء الحرب، وحين كان الفرنسيون يذكرون اسمه في شيء كثير من الحب الباسم والدعابة الرائقة. فقد اقترن اسمه دائمًا في نفوس الفرنسيين بالحب والدعابة والابتسام؛ لأنه هو نفسه مبتسم دائمًا، مداعب دائمًا، محب دائمًا.

    ثم سمعت اسمه بعد ذلك يُذكر في أجيال من الذين تخرجوا في مدرسة المعلمين العليا مقرونًا كذلك بالدعابة والابتسام والحب، وسمعت تندر هؤلاء الأجيال من خريجي مدرسة المعلمين العليا بدعابة هذا الوزير الممتاز حين كان طالبًا في هذه المدرسة، وعبثه بأترابه وأساتذته، ومقرونًا كذلك بكثير جدًّا من الثناء على حديثه العذب، وأدبه الغض، وبحثه العلمي الممتاز. ثم قرأت كتابه عن الحسناء الفرنسية المعروفة مدام ريكامييه، فأُعجبت بالكتاب أشد الإعجاب، وأكبرت الكاتب أعظم الإكبار، وتتبعت ما ظهر من كتبه، وترقبت ما كان ينتظر أن يظهر، وأصبحت منذ ذلك الوقت صديقًا له من بعيد. ثم كثر ذكر إدوار هريو في الصحف الفرنسية والعالمية؛ لأنه أصبح منذ سنة ١٩٢٤ مؤثرًا عظيم الخطر في السياسة الفرنسية والعالمية، ولم أره مع ذلك إلا في صيف ١٩٣٧.

    وقد لقيته في باريس حين اجتمع أصدقاء المدارس الفرنسية في الشرق برياسته، فلم أكد أسمع منه، وأتحدث إليه حتى استيقنت بأن الصورة التي ارتسمت له في نفسي كانت مقاربة شديدة الصدق.

    ثم كثر التقاؤنا بعد ذلك في تلك المؤتمرات التي كانت تُعقد في باريس حول المعرض العالمي، كمؤتمر التعليم الجامعي، ومؤتمر التعاون الفكري، واللجنة الدائمة للفنون والآداب. ولم أكن أقدر أن الصلة بينه وبيني ستزيد على هذا المقدار، ولكني لم أكد أعود إلى مصر في آخر الصيف من ذلك العام، وأستقر فيها أشهرًا حتى علمت أنه سيزور مصر؛ ليضع الحجر الأساسي للمدرسة الفرنسية التي أُنشئت في هليوبوليس. والناس يذكرون وصوله إلى هذه البلاد في أبريل سنة ١٩٣٨، واحتفاء الحكومة والجامعة به، وتكريم المثقفين المصريين له، وإهداء الجامعة إليه درجة الدكتوراه الفخرية. وقد كنت ألقاه في هذه الحفلات كلها كما كان يلقاه غيري من المصريين، إلا أن إهداء درجة الدكتوراه إليه أنشأ بينه وبيني صلة خاصة. فقد كنت عميدًا لكلية الآداب التي أهدت إليه هذه الدرجة الفخرية. وكان منذ ذلك الوقت يزعم أني أصبحت عميده، وأنه أصبح يدين لي بشيء من الخضوع على حد قوله. ولست أنسى أنه لقيني بعد ذلك في المفوضية الفرنسية بهذه الجملة الظريفة: «سيدي العميد: لن ترى بين زملائك من سيكون أحرص مني على طاعتك.»

    وقد زرت معه حفائر الجامعة في تونة الجبل، ونزلنا ضيفًا على صديقنا الأستاذ سامي جبرة، وأقمنا في هذه الحفائر يومًا كاملًا، رأيت فيه من قرب إدوار هريو زائر للآثار مستقصيًا للبحث قارئًا للنقوش اليونانية، مجتهدًا في قراءة النقوش الهيروغليفية مستعينًا على هذه وتلك الأساتذة جوجيه، ودريوتون، وسامي جبره، مستفسرًا مستوضحًا ملحًّا في الاستفسار والاستيضاح، مناقشًا فيما يلقى إليه، مقيدًا ما يسمع. كل ذلك في جو شديد القيظ، فقد كنَّا في شهر مايو، وفي أيام كالتي شهدناها في الأسبوع الماضي، وفي الصحراء. وقد بدأ إدوار هريو زيارته للآثار مع الصبح ولم يسترح إلا حين دُعي إلى الغداء، ولعله ضاق بالدعوة إلى الغداء؛ لأنها قطعت عليه ما كان يحب أن يمضي فيه من البحث والاستقصاء. ولكننا نحن نعمنا بهذه الساعات القليلة التي قضيناها معه حول المائدة، وفي ظل حجرة من الحجرات نسمع منه، ونتحدث إليه في فنون مختلفة من الحديث، في الأدب والتاريخ، ولكنه كان يحرص على أن يفر من الأدب والتاريخ؛ ليسأل أصحاب الآثار عن آثارهم، وأصحاب الزراعة عن زراعتهم، فقد كان معنا من يعنى بالزراعة ويستطيع القول فيها. ولم تنتهِ الساعة الرابعة حتى أذن إدوار هريو في أصحابه باستئناف البحث، وزيارة الآثار، ومضى في ذلك ومضينا معه، حتى أقبل الليل، هنالك جلسنا نستريح حول تلك الساقية الرومانية التي اكتشفها الأستاذ سامي جبرة، والتي أُديرت في تلك الساعة، وجعلت تسمعنا صوتها الشجي، وتسمعنا خرير الماء في الصحراء المحرقة المرهقة، وجعل إدوار هريو في أثناء ذلك يسمعنا حديثه العذب، حديثه الذي لم يكن يتصل بالسياسة، ولا بلون معين من ألوان الثقافة، وإنما كان يرتفع عن هذا كله، ويمس هذا كله مسًّا رفيقًا. وأذكر من حديثه ذاك قوله لنا إنه وقد بلغ السادسة والستين من عمره، لا يحزن على شيء كما يحزن على ثلاث خصال: فهو لم يأخذ من الموسيقى الحظ الذي كان يتمناه، وهم لم يتعلم من اللغات الأجنبية المقدار الذي كان يحب أن يتعلمه، وهم لم يستطع أن يتخذ لنفسه دارًا في الريف الفرنسي. أمَّا أنَّه لم يستطع أن يتخذ لنفسه دارًا في الريف، فشيء ليس فيه شك. وأمَّا أنَّه لم يتعلم اللغات الأجنبية كما كان يحب، فيكفي أن نعرف أنه يحسن من هذه اللغات الأجنبية: الإنجليزية، والألمانية، والإيطالية، والإسبانية، وكان في ذلك الوقت يدرس الروسية. ثم دفعته زيارته لمصر إلى دراسة الهيروغليفية. ولست أذكر اليونانية واللاتينية؛ لأنه علم من أعلام الدراسات القديمة. وأمَّا أنَّه لم يحسن الموسيقى، فيكفي أن نعرف أن كتابه عن بتهوفن، هو خير ما أخرج للناس في فرنسا عن هذا الموسيقي العظيم. ولكنك تعرف الرجل المثقف الممتاز بهذه الخصلة التي تميزه من غيره حقًّا، وهي أنه شَره إلى المعرفة مهما يُحصِّل منها، ساخط على إنتاجه مهما يبلغ من الجودة والإتقان.

    وقد مضى إدوار هريو في زيارته لآثار مصر إلى غايتها، فحمَّل نفسه، وحمَّل أصحابه جهودًا ثقالًا. ولكنه عاد إلى فرنسا، فلم يمكث فيها أشهرًا، حتى أخرج كتابه عن هذه الزيارة، وإذا هو من خير ما يُقرأ، ومن أعظم الكتب التي أُخرجت في هذه الأيام عن الشرق الأدنى حظًّا من اللذة والإمتاع.

    وأخص ما يمتاز به إدوار هريو فيما يقول هو حبه لأداء الدَّيْن، فلم يكد يحول الحول على زيارته لمصر، وتلقيه فيما تلقَّى فيها من الحفاوة، حتى كانت الحكومة الفرنسية تهدي إلى وزير المعارف إذ ذاك، وإلى وزير المواصلات، وسام اللجيون دونور. أحد الوزيرين تلقاه في الجامعة، وقدم إليه باسمها دبلوم الدكتوراه، والآخر يسر له أسفاره في أنحاء المملكة. وحتى كانت جامعة ليون تدعو عميد كلية الآداب لشهود افتتاح العام الجامعي فيها في نوفمبر سنة ١٩٣٨، وتهدي إليه درجة الدكتوراه الفخرية. وحتى كنت أقضي مع عمدة ليون في مدينته يومًا كالذي قضاه معي في القاهرة، وفي تونة الجبل.

    على أن حب إدوار لأداء الدَّين عنصر أساسي من عناصر شخصيته السياسية، فالفرنسيون جميعًا يعرفون هذه الخصلة من خصاله، يحبها كثير منهم، وينكرها كثير منهم أيضًا؛ لأنه لا يرضى لنفسه أن يلتوي بدينه الخاص، ولا يرضى لوطنه أن يلتوي بدينه العام. وقد اختلف الفرنسيون في أداء ديون الحرب الماضية إلى أمريكا، أو في طريقة أداء هذه الديون. فكان فريق منهم يريد أن تُلغى هذه الديون كلها أو بعضها، وكان كليمنصو على رأس هؤلاء الناس. وكان فريق آخر يريد أن تؤدى هذه الديون، يرى أن الالتواء بالدَّين لا يلائم مكانة فرنسا، ولا منفعتها في المستقبل. وكان هريو على رأس هؤلاء الناس، وقد سقطت وزارته من أجل حرصه على الوفاء بالدين.

    فإذا أردت أن تعرف عنصرًا آخر من العناصر الأساسية لشخصية هريو السياسية، فهو حبه للسلم، واستعداده للتضحية في سبيل هذه السلم بكثير جدًّا من ألوان الغرور الوطني. فهو الذي خاصم بوانكاريه حول احتلال وادي الرور، ولم يسترح حتى أجلى الجيوش الفرنسية عن هذا الجزء من أجزاء ألمانيا؛ إيثارًا للعافية، وحرصًا على استصلاح المغلوبين، واجتناب الكيد الذي كان يُكاد حول فرنسا مع بعض حلفائها. وهو الذي سعى وألح في السعي؛ للتقريب بين فرنسا وروسيا السوفيتية؛ فزار روسيا غير مرة، ودافع عن استئناف العلاقات معها، واستئناف السياسة التقليدية بينها وبين وطنه دفاعًا عرَّضه لكثير من العنت، ولألوان الكيد الذي كاده له رأس المال، وأنصاره من المحافظين.

    وقد كان إدوار هريو لسان أنصار السلم من الفرنسيين في عصبة الأمم، ورئيس لجنة التعاون الفكري في هذه العصبة، وخطبه السياسية والثقافية في جنيف ما زالت باقية في آذان الذين سمعوها، وفي أذهان الذي قرءوها إلى الآن.

    وهناك عنصر آخر يكمل الشخصية السياسية لأدوار هريو، وهو يتصل بالسياسة الفرنسية؛ فإدوار هريو ديمقراطي بأوسع معاني هذه الكلمة وأدقها، لا يكاد يفصله من الاشتراكيين إلا استبقاؤه للملكية، واحتياطه في تسليط الدولة على كل شيء. وهو الذي قرر المجانية في التعليم الثانوي الفرنسي، وترك في التعليم الفرنسي كله آثارًا لا تُمحى؛ فهو من أشد المؤيدين للمدرسة الواحدة، ومن أشد المقتنعين بمدنية التعليم، ومن أقوى المجاهدين في جعل التعليم على اختلاف فروعه ودرجاته حقًّا مباحًا للمواطنين جميعًا لا يردهم عنه فقر وضعف، ولا طبقة اجتماعية مهما تكن.

    هذه هي الشخصية السياسية لإدوار هريو أجملتها إجمالًا شديدًا جدًّا. فأما شخصيته الأدبية فرائعة حقًّا، فلست أعرف أني لقيت رجلًا ظفر بمثل ما ظفر به إدوار هريو من هذه الثقافة الواسعة إلى غير أمد، العميقة إلى غير مدى، المترفة إلى غير حد. وما قولك في رجل يستطيع أن يتحدث في أي لون من ألوان العلم، وفي أي ضرب من ضروب الأدب الفرنسي والأجنبي، وفي أي فن من الفنون الجميلة، وفي أي فرع من فروع السياسة والإدارة، حديث المتقن العالم بما يقول، الفاهم لما يسمع، لا حديث من يتكلف أو يصطنع أو يستعير، وإنما هو أصيل في كل ما يأخذ فيه من أطراف الحديث، وكتبه نفسها تصوِّر أروع تصوير هذه الثقافة الواسعة العميقة المترفة ذات الألوان المختلفة، والثمرات المتباينة. فهو يكتب في الأدب الفرنسي، وفي التاريخ الفرنسي، وفي الفن الفرنسي، وهو يكتب في تاريخ الثقافة الإسكندرية القديمة، وهو يزور البلقان، فيكتب عن البلقان، وعن اليونان خاصة، ويزور الشرق فيكتب عن الشرق، عن تاريخه القديم والحديث، وعن الصلة بينه وبين أوروبا، ويزور مصر فيكتب عن مصر قديمها وحديثها، وهو يكتب في الموسيقى، وهو على تقدم سنه، وكثرة عمله في رياسة مجلس النوَّاب، وإدارة مدينة ليون، وفي ما ينشئ من الكتب، وما يدرس من مصادر التاريخ للثورة الفرنسية في مدينة ليون، يتعلم الروسية، ويتعلم الهيروغليفية، ويحاول أن يتعلم العربية. وهو على هذا كله أشد الناس هدوءًا، وأعظمهم اطمئنانًا، وأوفرهم حظًّا من اعتدال المزاج، لا تلقاه إلا راضيًا، ولا تراه إلا باسمًا، ولا تتحدث إليه إلا سمعت منه الفكاهة النادرة والنكتة الظريفة، والحديث الذي يغذو العقل والروح. وبينما كان إدوار هريو ماضيًا في حياته هذه الهادئة العنيفة الخصبة، أقبلت الحرب العالمية الثانية، فلقيها كما لقي الحرب الأولى حازمًا عازمًا باسمًا مؤمنًا بأن الكلمة الأخيرة ستكون للحق والعدل، وبأن وطنه سيخرج من الحرب الثانية ظافرًا كما خرج ظافرًا من الحرب الأولى.

    ولكن الكوارث تلم، والنوائب تنوب، وإذا الجيوش الفرنسية تقهر، وإذا الماريشال بيتان يطلب الهدنة، ويقبل شروط المنتصر، وإذا نظام الحكم في فرنسا يتغير، وتقوم فيها حكومة الطغيان بأعين العدو، وإذا الزعماء الفرنسيون الأحرار يتفرقون، فمنهم من يُتاح له الفرار، ومنهم من يأخذه العدو. ولكن إدوار هريو مقيم على عهده لفرنسا الكبرى ذات النظام الديمقراطي الصحيح، يدير الشئون في مكتب مجلس النوَّاب كما كان يفعل قبل أن تلم الملمة، والنذر تسعى إليه سرًّا وجهرًا فلا يحفل بها، ولا يلتفت إليها، والرئيس روزفلت يدعوه إلى أمريكا ليقيم فيها حتى تنجلي الغمرة فيعتذر شاكرًا.

    ثم تنتهي المحنة إلى أقصاها فيؤخذ ويُعتقل، ويُمتحن في جسمه وفي عقله، فهو لا يستمتع بما تحتاج إليه سِنُّه من العناية، ولا يستمتع بما يحتاج إليه عقله من الغذاء، وإنما هو أسير في يد الفرنسيين المتعاونين مع ألمانيا، وفي يد الألمانيين.

    ثم يُنقل إلى ألمانيا، ويقيم فيها بين بوتسدام وبرلين في مستشفى من المستشفيات، حتى يأتي الجيش الأحمر فينقذه من الأسر، ويرده إلى الحرية.

    وقد أخذه الجيش الأحمر فُجاءة، ورده إلى الحرية عجلًا، وبعد به عن المستشفى أمدًا غير قصير. ولكنه حريص دائمًا على أداء الدَّين، وهو لم يودِّع مدير المستشفى الألماني، ولم يشكر له أنه كان حسن الرعاية له، فهو يستأذن القائد الروسي، ويلح في الاستئذان حتى يرده القائد إلى المستشفى، فيشكر مضيفه الألماني، ويودِّعه وداعًا جميلًا، وفي نفسه مع ذلك من بغض الألمان نار ليس إلى إطفائها من سبيل.

    وقد لقيت إدوار هريو ظهر الخميس الماضي، واجتمعت معه بعد هذه المحنة، كما اجتمعت معه قبلها حول مائدة الغداء، وتحدثت إليه وسمعت منه بعد الغداء، فإذا هو كعهدي به لم يتغير، وقد سألته وأنا أودعه: أتصدر لنا كتابًا في وقت قريب؟ قال وهو يضحك، ويضع يده على كتفي: في وقت قريب جدًّا أيها الصديق العزيز.

  • بول فاليري

    بول فاليري

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١٥ ديسمبر ١٩٣٣

    النص الحرفي للمحاضرة التي ألقاها مساء أمس الأستاذ الدكتور طه حسين بجمعية الشبان المسيحيين.

    أيها السادة

    كُنت أُريد أنْ أبتدئ هذه الكلمةَ بشكر خالص أُقَدِّمُه لجماعة الشبان المَسيحيين؛ لأنها تفضلت فطلبَتْ إليَّ أنْ أتحدَّثَ إليكم في هذه المُحاضرة عن بول فاليري Paul Valery ، وكنتُ أريد أنْ أَتَنَاوَل في هذا الشكر موضوعًا خاصًّا، وهو أنَّها حينَ قبلت أنْ أتحدث في هذا الموضوع قد أتاحت لي فرصة من الفرص السعيدة، فرصة أنْ أَخْلُو إلى كاتب من أكبر الكُتَّاب الفرنسيين، وشاعر من أكبر الشعراء، وفيلسوف من أرقى الفلاسفة أسبوعًا أو أكثر من أسبوع.

    ولست أدري أأستطيع في أثناء هذه المُحاضرة أنْ أُقَرِّب إليكم بعض الشيء مذهب هذا الكاتب الشاعر الفيلسوف الذي سأحدثكم عنه، ولكني أعلمُ عِلمًا يقينًا أني قد استفدت في هذا الأُسبوعِ فائِدَةً جَلِيلَة قيِّمة، وأنا مدينٌ لجمعية الشبان من هذه الناحية.

    ولكنِّي لم أَكَدْ أدخل هذا المكان حتى رأيتُ شَيئًا آخر يجعل واجب الشكر ثقيلًا، ويجعل الحظ الذي أقدمه منه مُضاعفًا، وهو هذا الاستقبال الذي تفضلتم به عليَّ، والذي لا أدري كيف أصفه لنفسي، والذي لا أدري كيف أشكره لكم، هذا الاستقبال الذي جعلني أشعر أنَّ بين المصريين من يتفضل فيحب هذا الشخص الضعيف، ويستقبله هذا الاستقبال الذي أرى أنِّي لا أستحقُّ بعضه، فضلًا عن أنْ أستحقه كله.

    وأريد الآن أنْ لا أنفق كثيرًا من الوقت في هذه الموضوعات التي يُنفق فيها المحاضرون أوقاتهم من الشكر والتَّحِيَّة. أُريد أنْ أهجم على الموضوع الذي سأتحدث عنه هجومًا، وأؤكد لكم أني في حاجة إلى شجاعة عَظيمة جدًّا لأُهاجم هذا الموضوع الخطير، ويكفي أنْ تعلموا أني سأحدثكم عن رجل أقل ما يُوصَف به أنه غير مفهوم، سأحدثكم عن رجل يكتب في لغة الوضوح والجلاء، وهي اللغة الفرنسية، ويكتب لشعب من أرقى الشعوب ومن أقدرهم على فهم النثر والشعر والفلسفة، ويكتب في عصر ارتقى فيه العقل، والعقل الاجتماعي بنوع خاص، حتى استطاع أن يحل كثيرًا من المشكلات والألغاز، وهو من أجل هذا كله غير مفهوم من كثير من الفرنسيين.

    بول فاليري علم الأدب الفرنسي في هذا العصر، وُلِدَ سنة إحدى وسبعين وثمانمائة وألف، ولم يكد يبلغ العَاشرة مِنْ عمره حتى سافر إلى إنجلترا، فأقام فيها وقتًا قصيرًا، ثم رجع إلى فرنسا، فأمضى فيها فيما يمضي فيه الشبان الفرنسيون من الدرس، حتى أتمَّ دراسته الثانوية، ولما بلغ الثامنة عشرة من عمره اتصل بالأُدباء البَارزين في ذلك الوقت اتصال قراءة، ثم لم يزل يتقدم في دراسته تقدمًا هادئًا، غير مُسرع حتى كانت سنة ١٨٩٤م فسافرَ إلى إنجلترا، وأقام فيها وقتًا طويلًا، وفي هذه المرة اتصل بجماعة كثيرة من شعراء الإنجليز وكُتَّابهم، ورجال الأدب والصَّحَافة والفن فيهم، ويَظهر أنه تأثر كثيرًا بهذه الإقامة الطويلة في بلاد الإنجليز، ثم عاد إلى فرنسا، وكان في ذلك الوقت يُحب الشعرَ، ويُحاول أنْ يَقُوله، فقال طائفة من القَصَائِدِ ونَشَرها في بعض المَجلات الأدبية التي كانت كثيرة مُنتشرة في ذلك الوقت.

    ولم تمضِ أعوامٌ حَتَّى كان بول فاليري منَ الأشْخَاصِ المَعْرُوفين البارزين في فرنسا، تستبق المجلات الفرنسية إليه وتطلب منه أن يمنحها بعض ما يُنتِجه من الشعر، وبعض ما ينتجه من النثر، ولكنه لم يكد يبلغ الثلاثين من عمره ولم يكد يظفر بهذا المجد الذي ظفر به في سرعة غريبة حتى انقطعت أخبَارُه فجأة، وأَخَذَ النَّاسُ يسألون عنه فلا يَجِدُونه، ويتلمسونه فلا يهتدون إليه، وظلَّ كَذلك أَعْوَامًا طوالًا، ثم ظَهَر فَجْأة قُبيل الحرب، فإذا هذا الشخص الجديد مُخالف تمامًا لذلك الشخص الذي كانوا يعرفونه من قبل.

    ومن ذلك الوقت، أصبح بول فاليري شغلًا شاغلًا للكُتَّاب والأدباء والنُقَّاد والمُفكرين في فرنسا، ولا يكاد الناس يقرءون ما يكتب، أو ما ينظم من النثر والشعر؛ حتى يشتد الاختلاف بينهم، وإذا هم يختصمون أشنع الخصومة، وإذا هُم يُنكر بعضهم بعضًا، ويرمي بعضهم بعضًا بالجهل والغباء والغموض والتكلف وما إلى ذلك من هذه الأشياء التي يتراشق بها الأدباء حين يختصمون، ثم في هذه الأعوام الأخيرة عَظُم أمر بول فاليري حتى فرض نفسه على الناس فرضًا، وإذا أكثر الناس إنكارًا له وإذا أشد الناس بُغضًا له، مُضَّطر إلى أنْ يُعجَب به سواءٌ أحبه أم لم يُحِبَّه، وإذا بول فاليري يتوَّج هذا التتويج الذي يعرفه الفرنسيون، فيُنتخَب عضوًا في المجمع العِلمي الفرنسي، فإذا هو أعلى الفرنسيين شأنًا وأجلُّهم في الأدب خطرًا، سواء في ذلك الشعر أو النثر أو غير ذلك من الفنون المُختلفة التي يَعْرِض لها الأدباء.

    كنت أقرأ صباح اليوم فصلًا كتبه كاتب من أكبر الكُتَّاب الفرنسيين، مات منذ شهرين، وهو القس بريمون عن بول فاليري مقدمة لكتاب وُضِع عن هذا الشاعر؛ فرأيتُ هذا الكاتب العظيم مَفتونًا ببول فاليري فتنة غريبة حقًّا فتنة تخرجه عن طوره وتضطره أنْ يقول: «إني أقرأ هذا الكتاب فلا أفهمه، ولكن امتناعه عليَّ، لا يخيفني، ولا يخذلني، ولا يَصْرِفني عن قراءته، بل يغريني بهذه القراءة؛ ذلك أني لا أكاد أبتدئ قراءته حتى أُحِسَّ أنَّ هذا الرجل يقولُ شيئًا خطيرًا، لا بُدَّ من فهمه والوصول إليه، فأتكلف في ذلك ما أتكلف، وأبحث وأُنَقِّب وأقرأ، ثم أقرأ، ثم أعيد ما قرأت، ولكني لا أفهم شيئًا، وكلما اشتد عليَّ الغموض، ازددتُ شغفًا به؛ ذلك لأني أجدُ في ألفاظه مُوسيقى لا يُمْكِنُ بحَالٍ منَ الأحوالِ أنْ ينصرف الإنسان عنها أو يزهد فيها.»

    والوَاقعُ أنَّ شخصية هذا الرجل غريبة حقًّا، غريبة في جميع أطوارِهَا الفنية والعقلية، ويكفي أنْ تعرفوا بعض الآراء التي يراها هذا الرجل لتتبينوا أنه كاتب لا كالكُتَّاب، وشاعر لا كالشعراء، هذا الرجل من أقدر الناس على الكتابة بالنثر، ومن أقدر الناس نظمًا للشعر، وهو في الوقت نفسه أشد النَّاس بُغضًا للكتابة، وأشد الناس انصرافًا عن النَّظم، وهو يقولُ إنَّه لم يكتب قطُّ إلا مُكرهًا على الكتابة، ولولا أنَّه مُضطرٌ إلى أن يُعالج موضوعًا من هذه الموضوعات شعرًا أو نثرًا لما عالج شيئًا ولما كتب شيئًا؛ ذلك أن في هذا الرجل شخصين مُختلفين. أحد هذين الشخصين نفس بول فاليري، والآخر عقل بول فاليري.

    فشخصه الأول «نفسه»: هذا الشخص الذي يتألف من القلب والعاطفة، والشعور والميول والأهواء، هذا الشخص الذي يتألف منْ هذه الخِصَال التي تجعل الإنسان حَسَّاسًا مُتأثرًا بالأشياء، مُتأثرًا بما يَرى ويَقرأ ويَسْمَعُ.

    ثم إلى جانِبِ هذا الشخص شخصه الآخر «عقله»: هذا الشخص الذي يُريد أنْ يفهم ولا يريد أن يصدر إلا عن فهم وروية وبَصِيرَة، وتحليل، وتعليل، ووصول إلى كُنهِ الأشياء وحَقَائِقِها. وبينما نفس بُول فاليري مرآة صافية تنعكس فيها صور الأشياء والأهواء المُتباينة كما هي، فإذا هي تحب وتُسرف في الحب، وتُبغض وتُسرف في البُغض، وهي مُتأثرة بكل العوامل الحساسة. إذا عقل بول فاليري يضطره إلى الأناة، ويُكرهه على السكون، ويدفعه إلى أن يدرس وإلى أن يُحلل، وإلى أن يُعلل، وأن يضع كل خصاله وكل عواطفه وكل ما يحس موضع التحليل والتعليل والتشريح؛ فهو دائمًا يدرس نفسه ويُحلل نفسه، وهو دائمًا يُقارن بين ما يُحِسُّ وبين ما يجد وما يشعر وبين ما يُريد؛ لذلك قال كثير من الكُتَّاب الذين تنَاولُوا هذا الرَّجُل أن حياته ليست إلا مأساة عنيفة، ليست إلا خصومة مُحزنة مُمَزِّقة للقلوب بين عقله وبين نفسه.

    وقد أراد شاعر فرنسي مشهور — هو بول كلودل — أنْ يُفسِّر هذا النوع من الخصومة بين نفس الرجل العظيم وعقله، وضرب لذلك مثلًا، ثُمَّ جاء القسُّ بريمُون فطبَّقه على شاعره بول فاليري.

    هذا المثل ظريف في نفسه؛ وهو أنَّ هناك شخصين أحدُهما رجل والآخر امرأة، فأمَّا الرجل فيسميه ANIMUS ومعناها باللاتينية العقل، أما المرأة فيسميها ANIMA ؛ أي: النفس. فيقول بول كلودل إنَّ الحياةَ بين هذين الزوجين ليست يسيرة وليست سهلة، ولكنهما زوجان مُختصمان دائمًا، ومع ذلك فالزَّوجة هي صاحِبَةُ الثراء، وهي الغنية، وهي التي تُمَكِّن زوجها من الحياة بأوسع معاني هذه الكلمة، فهي التي حملت إليه المهر، وهي التي تهيئ له بيته، وتُعِينُه على كل ما يحتاج إليه ليعيش عيشة مُتْرَفة، وكانَ المَعْقُول أنْ يكون زوجها شاكرًا عارفًا بهذا الجميل، مُقَدِّرًا لهذه النِّعمة. وقد كان كذلك في أول الأمر، كان الزوج راضيًا مُغتبطًا سعيدًا، بمُصاحبة زوجه، وكانت المرأة سعيدة هي أيضًا، وقضيا على ذلك دهرًا لم يطُل؛ لأنَّ الرجل لم يلبث أن تمرَّد وتكبَّر وطغى على امرأته، ولم يلبث أن اعتقد أنه أكبر من أن تمن عليه امرأته؛ فتكبر عليها وأخضعها لسلطانه الذي يملؤه الطغيان والكبرياء، وأخذ يعرض عنها ويزدريها ويحتقرها، ثم ذاتَ يوم عاد هذا الزوج إلى مَنْزِله، وقبل أن يدخل سَمِعَ صوتًا جميلًا تسمع له؛ فإذا هو صوت عذبٌ رَقِيقٌ مُؤَثِّر، فلم يكد يتسمَّع له ويُطيل الاستماع حتى فُتِنَ به افتتانًا.

    ثم دخل على امرأته وطلب إليها أن تعيد ما سمعه، وأن تُغنِّي هذه المقطوعة مرة أخرى، ولكنَّ زوجه لقيته بشيء من الازدراء؛ فأخذ يحتال ويُسرف في الحيلة، ويسلك الطرق المُختلفة ليحمل امرأته على أن تُغنِّي، ولكنَّه لم يظفر منها بشيءٍ، بل كانتْ لا تراه حتى تنقطع عن الغِنَاء وتعود كما كانت امرأة عاديَّةً لا تمتاز بشيء، وصاحبنا كلف مشغوف بهذا الصوت يريد أن يسمعه.

    احتال وتنكَّر، وأخذ يخرج، ثم يعود فيستخفي، وتظن امرأته أنها وحيدة وأنه ليس هنا، فتُغَنِّي وهو يستمتع بالغناء، وما زال يسمع هذا الغناء ولكنَّ الرجل متكبر ممتلئ بنفسه شديد الغرور، ولا يُريد أن يكون مَدينًا لامرأته بشيء، حتى ولا بهذا الصوت الجميل الذي يسمعه؛ فإذا هو يُعاهدُ نفسه على أن يجد ويجتهد ويصطنع ألوانًا من الغِنَاء تُغْنِيه عن هذا النوع من الغناء الذي يسمعه من امرأته، فإذا هو يُوفَّق إلى ما يُريد، وإذا هو يستخرج من نفسه غناء أرقى، وأشد امتيازًا وأعظم تأثيرًا من هذا الغناء الذي كان يسمعه من امرأته.

    هذا المثل الذي ضربه كلودل يمثل لنا الخصومة أو الاختلاف الذي يوجد بين نفوس الشعراء وبين عقولهم، هو بالضبط المثل الذي يُعيننا على أن نتَصَوَّر هذا الرَّجل بول فاليري الذي هو نفس وعقل كما قلت لكم.

    بول فاليري عظيم الحِسِّ، دقيق الحسِّ جدًّا، خصب الشعور جدًّا، ولكنه إلى جانب هذا قوي العقل جدًّا بين عقله ونفسه خصومة عنيفة تنتهي بأنْ يتَغَلَّب العقل على النفس؛ العقل المُفكر المُحلل المُعلل على هذه النفس الشاعرة الطيعة التي تحس، ثم لا تلبث أن تتأثر بما تحس.

    كان بول فاليري في شبابه مُتأثرًا بعَواطِفه تأثرًا شديدًا، كانَ مُتأثرًا بما يجدُ وبما يُحس وبما يَشْعُر، وكان يُوشك أنْ يكون كغيره من الشُّعراء العَاديين رجلًا قد أسلم نَفْسَه لقلبه وعاطفته وحِسِّه وشُعوره، ولكنَّه لم يَلْبَثْ أنْ تَمَرَّد على نفسه وعواطفه، وأن أخضع نفسه لسُلطان العقل، يدرس ويحلل ويعلل وينقب عن أجزائها ويتبين ما فيها من عيوب ومَزَايا، وإذا هذا التشريح وهذا التحليل وهذا التَّعليل قد أقنعه بأنَّ العَقْلَ هو كل شيء، وأنَّ النفس لا ينبغي أن تكون شيئًا، وإذا هو يَتَّهِمُ كلَّ شيء يصدر عن الإنسان، ويتهم كل ما ينتجه الإنسانُ شعرًا أو نثرًا أو تَصْويرًا، أو أي ناحية من نواحي الفن، ولا يحفل به إلا إذا أخضعَهُ للعقل واستيقن أنَّه مُلائم لما يُريد العقل أن يكون الإنسان عليه.

    سُئِلَ بول فاليري في بعض الحديث ماذا كان يحبُّ أن يكون أثناء حياته؛ فقال إنه كان يتمنى أن يكون ضابطًا في البحرية؛ لأنَّه وُلِدَ في مدينة ست، وهي مدينة من مدن البحر في فرنسا؛ فنشأ ينظر إلى البحر، ويرى السفن الحَرْبية حين ترسُو إلى هذا الثغر؛ فكان إعجابه شديدًا جدًّا بالبحرية وبالبحرية الحربية بنوع خاص، وكان لا يتمنى شيئًا إلا أن يكون من ضباط البحر، ولكنه لم يستطع أن يُحقق هذه الرَّغبة؛ لأنه في صباه وشبابه لم يُتَح له بحال من الأحوال أن يفهم — ولو أقل فهم وأيسره — المسائلَ الرِّياضية، كانَ في الحساب تلميذًا رديئًا جدًّا، يُحاول أن يفهم بسائط الحِساب والهندسة والجبر؛ فلا يفهم شيئًا.

    وواضح جدًّا أنَّ الذي لا يستطيع أن يفهم بسائط الرياضة، لا أمل له أن يكون مُهندسًا بحريًّا ولا بريًّا. ولكنَّ الشيء الغريب أن غباوة بول فاليري في الرياضة حالت بينه وبين تحقيق هذا الأمل الذي كان يطمح إليه، فلم يستطع — لسوء حظه، أو لحسن حظه، أو لحسن حظ الناس جميعًا — أن يكون ضابطًا بحريًّا.

    ثم لم يكد يتقدَّم في السن حتى أصبح من أشهر العُلماء في الرِّياضيات؛ ذلك أنَّه وجَّه نفسه إلى الحساب وعلوم الرياضة بعد أن تجاوَزَ السن التي كان يستطيع أنْ يَكُون فيها ضَابِطًا من ضُبَّاط البحر، وجَّهَ نَفْسَه إلى الرياضة لا لأنه يُحب الرياضة، بل لأنه وجَّه نَفْسَه لكي يدرس نفسه، أراد أن يتبيَّن كيف يُفكر الناس ويُلاحظون ما حولهم من الأشياء، وكيف يستطيعون بهذا التفكير أن يصلوا إلى إيجاد العلم والآثار التي يخرجونها.

    ومعنى هذا أنه أهمل كل ما وصل إليه الناس من علم وفن، وبدأ يدرس من جديد الطبيعة والرياضة كأنه الإنسان الأول، وجد نفسه أمامَ لُغْزٍ من الألغاز هو هذا الكون، فأراد أن يدرس هذا الكون بنفسه من غير معونة عامل آخر من الناس، فابتدأ يدرس نفسه ويدرس ما حوله، وهَدَتْهُ هذه الدراسةُ إلى ما هدت إليه الناس من قبل، فوجد الرِّياضة أساسًا، وإذا هو من أقدر الناس في العلوم الرِّياضية.

    هذا الاستكشاف، استكشاف بُول فاليري للرِّياضة واختِرَاعُه لها من جديد كما اخترعه الرِّياضيون اليونان من قبل، اختراعه لقوانين المِيكانيكا والرِّياضة، كل هذا كان له أثرٌ عظيم جدًّا في فهم هذا الرَّجل للأدب والفن؛ لأنَّه صاغ عقل هذا الرَّجل للأدب والفن؛ لأنه صاغ عقل هذا الرجل صيغة رياضية بحتة، فهو يتَحَدَّث إلى أصدقائه فيقول: «أنا واثقٌ أنَّ الرُّقي العقلي سينتهي إلى أنْ تَكون صيغ الجبر وصيغ الرياضة هي المثل الأعلى للناس حين يتكلمون وحين يتحدثون وحين يصدرون الآثار الفنية.»

    استكشاف بول فاليري لحقائق العلم وقوانينه ليس شيئًا ذا خطر في حقيقة الأمر؛ لأنَّه استكشف الهندسة والجبر، فلم يأتِ بشيء جديد إذا كان الناس قد استكشفوها من قبل منذ إقليدس.

    وليس من شك أن الرياضة ليست مدينة بشيء ما لبول فاليري، ولكنه على هذا كله قد جاء بنظرية جديدة في فهم الآثار الأدبية؛ فبول فاليري يعتقد أنَّ الأثر الأدبي الذي يستحقُّ أنْ يُسمَّى بهذا الاسم ليس في الحقيقة إلا أثرًا رياضيًّا، ليس إلا بناء ليس إلا أثرًا من آثار الهندسة، فمن أراد أن يكتُب فصلًا أو ينظم قصيدة فلا بُدَّ له من أنْ يخضع لقوانين الرياضة كما يخضع المهندس حين يُقيم بناء من الأبنية.

    وهذا في ظاهر الأمر شيء بسيط لا يكاد الناس يشعرون بأثره في حياة الأدباء، ولكنكم ستشعرون بهذا عندما ترون أنَّ بول فاليري يحتقر أشد الاحتقار نوعًا من الأدب هو الذي نُسميه الأدب الملهم، الأدب الذي يصدر عن الإنسان دون أن يتكلفه، ودون أن يَجِدَّ فيه ويصنعه صنعًا، الأدب الذي يصدر عن الإنسان، كما يصدر الضوء عن الشمس أو العبير عن الزهر، هذا الأدب الذي لا يَدَ للإنْسانِ فيه إلا أنَّه ينطقُ به، هذا الأدب لا يحترمه ولا يُحِبُّه، وهو يذكر أنَّ الأُدَبَاء الذين يَستوحون الطبيعة قومٌ يمُدُّون يدهم للصَّدقات التي تأتي إليهم من السماء.

    أخص ما يمتاز به بول فاليري هو أنه لا يريد أن يكون قابلًا في الفن وإنما يريد أن يكون فاعلًا، لا يريد أن يكون مُتأثرًا وإنما يريد أن يكون مُؤثرًا، لا يريد أن يهبط عليه الوحي إنما يريد أن يخلق الفن خلقًا.

    يريد أن يضع الشعر ويوحيه إلى الطبيعة، حاول إذن أن يوحي إلى الطبيعة، وحاول أن يحقق مثله الأعلى، وحاول أن ينشئ أدبه إنشاء، وأنْ يَخْلُقه على هذه الصورة العليا التي تمثلها، فوجد أنَّ هذا ليس بالشيء اليسير، ثم وَصَل إلى بعض النتائج، كتب ونظم، وإذا هو ينظر؛ فإذا ما نظم من الشعر لا يُعَبِّر بحال من الأحوال عما كان يُريد أن يقول، وإذا ما كتبه من النثر لا يُصور ما يريد أن يقول، فاعتقد أنَّ الإنشاء نثرًا وشعرًا أشياء لا ينبغي أن يعتمد عليها الإنسان الذي يُريد أن يُعَبِّر تعبيرًا صحيحًا عمَّا في نفسه، أعتقد أنَّ الإنسان خير له أن يفكر ويدرس ويحلل ويعلل ويتخيل ويتمثل ما يريد أن يتمثل من المعاني، وأن يكتفي بهذه اللذة الفنية الخالصة، ولا ينحط بهذه الصور إلى هذه المنزلة العادية المُبتذلة التي يتبادلها الناس حين يكتبون وينظمون؛ ولذلك انقطع عن الشعر وعن النثر وانصرف إلى الدرس والتفكير.

    في ذات يوم من سنة ١٩١٣م — فيما أظنُّ — طلب إليه جماعة من أصدقائه، وعلى رأسهم الكاتب الفرنسي «إدنري جيد» أنْ ينشر بعض شعره القديم في مجلة فرنسية كانت تنشأ في ذلك الوقت فأبى، ولكنهم ألحوا عليه فألح في الإباء، وأسرفوا في الإلحاح حتى قهروه فجمعوا له طائفة من شعره الذي نظمه حين كان شابًّا، وحين كان يُحاول أنْ ينظم الشعر وكتبوها على الآلة الكاتبة وعرضوها عليه، أخذَ هذا الشعر القديم وجعل ينظر فيه مع شيء من الاحتقار والازدراء، ثم خَطَر له أن يتناوله بشيء من الإصلاح؛ فأخذ يُغيِّر كلمة ويضع مَكانها كلمة أخرى، وأخذ يحذف هذا البيت، وإذا هو يجد لذة في هذا النوع من العمل، وإذا هو يحس أنه على احتقاره لهذا الشعر والنثر يجد لذة في هذا الشيء الحقير الذي يكرهه. ولكنه مع ذلك مُصِرٌّ على أنْ لا يكون شاعرًا ولا كاتبًا؛ فهو إذن في حرب عنيفة بينه وبين نفسه، ويجدُ لذة في مُعالجة الشعر فيُقرر أنْ يُنشئ قصيدة بسيطة قصيرة، يختِمُ بها ما قاله منَ الشعر ويَجعلها أشبه شيء بتوديع لحياة الشاعر، وكان يقدر أنَّ هذه القصيدة الأخيرة لن تزيد على أربعين بيتًا، ثم يُطلِّق بعدها الشعر طلاقًا بائنًا لا رجعة فيه. فأخذ يفكر في هذه القصيدة، وأنتم تذكرون أنه لم يكن يستلهم الشعر من الطبيعة، بل كان يصنعه صنعًا، ثم أخذ يفكر؛ فإذا هو ينفق في قصيدته هذه أربعة أعوام، وإذا هذه القصيدة التي قَدَّر أن لا تزيد على الأربعين بيتًا، تبلغ نحو عشرة وخمسمائة أبيات، وأظنكم توافقونني على أنَّ أربعة أعوام في إنشاء هذه القصيدة شيء كثير، كنا نعرف في أدبنا العربي القديم أصحاب الحَوليات الذين كانوا ينفقون الحَوْل في تجويد القصيدة كزُهير والحُطيئة، أما صاحبنا بول فاليري فإنه لا يكتفي بالحول الذي نعرفه إنَّما الحول عنده أربعة أعوام.

    والظريف أنه أنشأ قصيدته هذه وسماها LA JEUNE PARQUE ؛ وهي قصيدة يصوِّر فيها الأطوار التي تختلف على ضمير الإنسان في ليلة من الليالي، أو حديث الضَّمير إلى نفسه في وقت من الأوقات.

    والظريفُ أنَّ هذه القصيدة خرجت للناس وقرءوها فلم يفهموا منها شيئًا، وأغربُ من هذا أن بول فاليري نفسه إذا سُئِلَ عن معنى هذه القصيدة لم يستطع أن يعرفه أو يفسره، ولا أنْ يُعلنه إلى الناس. وأغرب من هذا أن هذه القصيدة التي كان بول فاليري يريد أن يُودِّع بها الشِّعْرَ دَفَعَتْهُ إلى الشِّعْرِ دفعًا عنيفًا، فاندفع إلى قول الشعر، وإذا هو شاعرٌ رغم أنفه، ينظم الشعر كارهًا.

    والظريف اعتذار بول فاليري نفسه عن هذا الغموض الذي أُخِذَ عليه، فهو يقول لبعض مُحَدِّثيه إن أسباب الغموض ترجع إلى أمور، منها أن يكون المعنى الذي تريد أن تُعبِّر عنه من هذه المعاني التي ليس لها اسم معروف، فأنت مُضْطر أن تُصوِّر هذا المعنى مُلتمسًا في ذلك ألفاظًا لم تُوضَع له، هب أنَّ كلمة كُرْسِي مَثلًا ليستْ مَوجُودة في اللغة، وأنت تُريد أن تُؤدِّي إليه معنى كرسي بألفاظ لم تُوضَع له وأنت تجتهد في أن تُقَرِّب بين هذه الألفاظ وبين هذا المعنى؛ فإنَّ اجتهادك مَهْمَا يَكُنْ لن يقوم مقام اللفظ المخصص.

    وأنا إنما نظمت هذه القصيدة في موضوع من موضوعات النفس، واللغة فقيرة جدًّا فيما يتعلق بعلم النفس؛ فعواطف النفس وميولها وأهواؤها ليس لها من الألفاظ ما يُؤديها تأدية حَسَنة، أَضِفْ إلى ذلك أني عِنْدَما أردتُ أَنْ أسْتَعْمِلَ هذه الألفاظ القليلة المَوجُودة في اللغة، وجدتها ألفاظًا جافَّة جافية لا تُلائم الشعر، فاضطررت أنْ أترك منها مقدارًا غير قليل، اضطرني إلى ذلك فقر اللغة؛ فليس ذنبي أن تكون قصيدتي غامِضَة إنما هو ذنب اللغة التي لا توجد فيها الألفاظ.

    سبب آخر للغموض عندما تقول إنَّ هذا النص غامض، هذا الغموض شيء مُشترك بين النص وبين من يقرؤه؛ فالنص غامض لأنه صعب عسير، والنص غامض لأنَّ من يقرؤه ليس من الذكاء والثقافة بحيث يستطيع فهمه، وطبعًا لن يقول الناس إن الغموض يأتي منهم، ولكنهم سيقولون دائمًا إنهم أذكياء وإنَّ الغموض يأتي من النص، وإنما الكُتَّاب والشعراء هم القاصرون ولا يستطيعون أن يؤدوا إليهم ما يريدون.

    من أهم الخصائص التي يمتاز بها بول فاليري إذن الصنعة، أي العمل؛ أي: مُحاولة الإنشاء. فهو — كما قلتُ لكم — يصنع شِعْرَه صنعة، ويصنعه بقواعد الرياضة وقواعد الهندسة، وبيت الشعر عنده ليس كلامًا يُقال، بل عمل رياضي يُعمَل، والقصيدة عنده ليست إلا وحدة رياضية يجبُ أنْ يكونَ هناك تناسق بين أجزائها وائتلاف وانسجام بين المعاني والألفاظ، ثم بين المعاني وبين نفسها، وبين الألفاظ وبين نفسها، ثم بين الحروف التي تتألف منها الكلمة؛ فشِعْر بول فاليري من أدق الشعر الذي نقرؤه، ومن أقدر الشعر على تصوير ما يريد أنْ يُصوره.

    ومن الملاحظات التي لُوحِظَتْ على بول فاليري أنه إذا كتب نثرًا فهو شديد الميل إلى المعاني، وإذا أتى بالصور فليست من التي تُرى بالعين إنما هي صور نفسية أو محسوسة يُدركها السمع أو الذوق أو اللمس، فإذا نظم الشعر فصُوَره كلها أو أكثرها صُوَر تُرى بالعين.

    نبحث عن المعاني التي قصد إليها بول فاليري فلا نكاد نجدها، ونسأله هو عما أراد فيقول: «لم أُرِدْ شَيئًا!» سُئل: ولكنك قلت قصيدة؟ قال: «لم أَقُلْ شيئًا، إنما عملت شيئًا؛ وهي هذه القصيدة التي قالت ما تسمعون وعليكم أن تبحثوا.»

    ومع أن من العسير جدًّا أن أُصور لكم الفن الخاص لبول فاليري، فإني أريد أن أترجم لكم بيتين أو ثلاثة من شعر بول فاليري لا لتشعروا بما فيه من الجمال؛ فأنا واثق أنه إذا تُرْجِمَ إلى أي لغة أخرى فإنه يفقد جماله؛ فليس في شعره جمالٌ يُمكن أنْ يَنْتَقِل في الألفاظ إلى لغة أخرى، ولكني أعرض عليكم هذه الأبيات لِتَروا أسلوبه في التفكير والشعر.

    هذه الأبيات ينطق بها على لِسَان الحيَّة التي تصوِّر فيها إبليس وهو يغري حواء بالأكل من الشجرة، كما تقول التوراة؛ فالحيَّة «إبليس» تتحدَّثُ عن نفسها فتقول: «كنت حاضرًا كما يحضر العطر، كما تحضر نكهة فكرة من الأفكار، التي لا سبيل إلى أن يتضح ما فيها من العميق.»

    يُريد أن يقول إنَّ إبليس كان حاضرًا عند حواء حضورًا لا يكاد يُشعَر به ولا يكاد يُحَس به، كان حاضرًا حضورًا خفيًّا جدًّا جعل الشيطان يُصوِّر نفسه بعرف الزهرة؛ فمن الذي يستطيع أن يرى، أو يسمع عرف الزهرة؟!

    ثم ظهر له أن هذا التشبيه لا يكفي، وأنَّ عرف الزهرة يُمكن أن يُشَمَّ، فيبالغ في الخفاء ويخترع تشبيهًا آخر أدق وأخفى؛ فجعل الشيطان يشبه نفسه بنكهة الفكرة. تصوروا فكرة تكون لها نكهة أو عرف! إنما الشيء الذي لا شك فيه والذي لا يستطيع إنسان أن ينكره حتى أشد الناس خصومة وبغضًا لبول فاليري هو أن الذين يسمعون شعره، سواء فهموا الفرنسية أو لم يفهموها ممن يحسن قراءة الشعر لا يكادون يسمعون هذا الشعر حتى يجدوا لذة حقيقية موسيقية، يسألون عنها فلا يعرفون لها مصدرًا؛ فهي لا تأتيهم من الفهم لأنهم لا يفهمون، ولا من السمع فهم لا يعرفون اللغة، ولكنها شيء يُشبه السِّحر.

    ولا أدري — ولعل بول فاليري لا يدري — كيف استطاع أنْ يُبث في شعره هذه المُوسيقى، والظريفُ أنَّه بثَّ الموسيقى في نثره أيضًا.

    وتستطيعون أن تصدقوني فقد قرأتُ اليوم فقط كتابًا صغيرًا لبول فاليري مَرَّتين، وكنت قد قرأته من قبل مرتين، وأؤكد لكم أني سأقرؤه مرات، وفهمتُ أقله ولم أفهم أكثره، ولكني أجد فيه لذة لا تُشبهها لذة.

    هذا الكتاب موضوعه الرَّقص «لا تُراعوا لا تُراعوا؛ فليس في الأمر ما يُخيف.» بول فاليري يُصوِّر سقراط «وأنتم ترون من اسم سقراط أننا بعيدون عن الملاهي.» تصور سقراط واثنين من تلاميذه في آخر عشائهم يتحاورون، وإذا بفرقة من فرق الرقص من النساء قد أقبلت ترقص؛ فالمُحاورة بين سقراط وأصحابه تدور على ما في هذا الرقص من فن، وما فيه من معانٍ تُتخَذ أساسًا لعلم الجمال، فأنتم ترون أنَّ الكتاب ليس من كتب الخلاعة التي يُخاف منها على الأخلاق إنما هو من كتب الفلسفة العليا، ولستُ أريد أن ألخص لكم هذا الكتاب إنما الذي أريد أن أقول: إنَّ الذي يُعْجِب في قراءة بول فاليري هو — قبل كل شيء — هذه الموسيقى اللفظية التي تؤثِّر في آذاننا ونفوسنا، وإذا نحن نتعلق بها ونُفتَن بها، ونلتمس فيها ما نلتمس من جمال، وإذا نحن نستطيع أن نستغني عن المعاني التي قصد إليها بول فاليري.

    من أخص الآراء التي يحسن أنْ يُفكر فيها الذين ينظمون الشعر الآراء التي يراها بول فاليري في معنى الشعر، بول فاليري في بعض المرَّات القليلة التي استطاع أنْ يكون فيها واضحًا عرَّفَ الشعر تعريفًا يسيرًا؛ فهو عنده: القُدرة على أنْ نصور في الألفاظ هذه الأشياء التي يُحِسُّها الإنسانُ أو التي يُرِيدُ أنْ يُصَوِّرها الإنسان بالدموع إذا بكى، وبالصياح إذا صاح، وبالضحك إذا ضحك، وبما يأتي من الحركات حين يتأثر بمؤثر ما.

    وبول فاليري يرى أنَّ اللغة بطبيعتها عاجزة عن أنْ تُصَوِّر هذا الشيء تَصويرًا دقيقًا، وهو يَرَى أنَّ تصويرها بالألفاظ ضرورة لا بد منها، وهو يرى أنَّ أرقى الشعر الصحيح هو ما يُسَمِّيه الشعر الخالص، فإذا سُئِل عن الشعر الخالص قال لنا إن هذا الشعر الخالص لا سبيل إلى أن يتحقق في أكثر من بيت واحد؛ لأنَّه هذه الصورة الدقيقة الصادقة الصحيحة لعاطفة من العواطف دون أن يدخل فيها أي شيء من الأشياء التي يستطيع النثر أن يُؤديها.

    وما دامت كل الأشياء التي يستطيع النثر أن يؤديها تفسد الشعر إذا دخلت فيه؛ فالنثر يستطيع أن يُعبِّر عن كل المعاني والعواطف؛ فلا يُمكن إذن أن يوجد الشعر وجودًا حقيقيًّا.

    والشعر الخالص الذي هو المثل الأعلى لبول فاليري ليس شيئًا موجودًا إنما هو مثل أعلى يستطيع الشاعر أن يحققه في بيت أو جزء من بيت، وفي كثير من الأحيان لا يتحقق بحال من الأحوال.

    كم كنت أريد أن أطيل الحديث عن بول فاليري؛ فإني إلى الآن لم أحدثكم إلا عن أبسط نواحي هذا الرجل، لم أحدثكم عن مذهبه في النثر، ولم أحدثكم عن آرائه الخاصة في الفلسفة، لم أحدثكم عن آرائه المُختلفة، ومع ذلك فقد مَضى الوقت، وأراني قد أسرفتُ في الحديث، وحسبي أن أكون قد وُفِّقْتُ إلى أنْ أظفر منكم بهذا الشيء العجيب الذي لم أكن أتوقعه؛ وهو الإصغاء الجميل لحديث هذا الشاعر الغريب.