تنظيم النهضة
طه حسين
مجلة مجلتي
١ يونيو ١٩٣٦
ولست أريد إلَّا النهضة العقلية، فهي التي أستطيع أن أتحدث عنها مع بعض العلم بشيءٍ من شئونها، وهي فيما أظن قوام غيرها من أنواع النهضات مهما تختلف. فالحضارة الإنسانية الآن أثرٌ من آثار العقل، ومظهر من مظاهر النشاط في الإحساس والشعور والتفكير. ومعنى ذلك أنها تقوم على الثقافة أكثر مما تقوم على شيءٍ آخر، فإذا استقامت الثقافة استقامت الحضارة، وإذا انحرفت الثقافة عن طريقها المعقول انحرفت معها الحضارة أيضًا، وإذا ضعفت الثقافة شاركتها الحضارة في هذا الضعف. وعلى هذا النحو تستطيع أن تقيس حضارة الشعب بثقافته، كما تستطيع أن تقيس ثقافة الشعب بحضارته.
والحضارة بناءٌ تقيمه الشعوب في أوطانها، وتقيمه الإنسانية في الأرض. فإذا كان العمَّال الذين ينهضون بإقامة هذا البناء مثقفين حذاقًا متقنين؛ كان بناؤهم متينًا جميلًا قريبًا إلى الخير والكمال، وإذا كانوا جهالًا غلاظًا مقصرين؛ كان بناؤهم مضطربًا واهنًا سيء الشكل، بعيدًا كل البعد عن أن يلائم جمالًا أو يُذكر بكمال.
هذه أوليات نقولها فلا نقول شيئًا؛ لأن الناس جميعًا يعرفونها، ونجادل فيها فنضيع الوقت في غير طائل؛ لأن الناس جميعًا يؤمنون بها. ولكننا مع ذلك محتاجون إلى أن نعيدها من حين إلى حين؛ لأن الناس ينسونها أحيانًا، ولأن مصر بلد يحب أهله الجدال في الأوليات والمناقشة فيما لا يحتمل مناقشةً ولا خصامًا. وأنت تستطيع أن تنتقل مع الزمن في التاريخ، أو أن تنتقل مع أي شيءٍ آخر في الجغرافيا؛ فسترى دائمًا أن بين الحضارة والثقافة هذه الصلة المطردة التي أشرت إليها كارهًا. فإذا فكرنا في تنظيم النهضة العقلية أو تحدثنا عن هذا التنظيم، فإنما نفكر في ترقية الحضارة المصرية، ونتحدث عن إصلاحها، وأنا أريد أن أُكبر المصريين عن أن يغرهم بأنفسهم الغرور، وتملك عليهم الكبرياء أمرهم، ويخيَّل إليهم أن حضارتهم راقية لا تحتاج إلى ترقية، صالحة لا تحتاج إلى إصلاح، فهم إن قضي الله عليهم بهذه المحنة في تقديرهم لأنفسهم لا يزيدون على أن يقضوا؛ لأنهم قد بلغوا من الحياة أقصى ما يستطيعون أن يبلغوا، ولم يبق لهم إلَّا أن ينتظروا الفناء، ولست أزعم أن المصريين جميعًا معصومون من هذا الغرور أبرياء من هذه الفتنة.
قد يكون في هذا الزعم شطط كثير، فمنَّا — والحمد لله على الخير والشر — قوم يؤمنون بأنهم قد بلغوا الغاية وانتهوا إلى أقصى الأمد، ويؤذيهم كل الإيذاء مثل هذا الحديث الذين نحن فيه، يظنُّون بصاحبه الظنون، ويتهمونه بالإثم في ذات الوطن، ويصمونه بالافتتان بما ليس مصريًّا، والإزدراء لما كان مصريًّا صميمًا.
وقد أنسى أشياء كثيرة قبل أن أنسى غضب جماعة من الناس؛ لأني تحدثت في الراديو — أو في المذياع كما يريد المجمع اللغوي منذ حين — بأن لغتنا العربية كانت مثقفة في العصور الأولى؛ لأن أصحابها نقلوا إليها علوم الأمم الأخرى وأدبها، وهي الآن غير مثقفة لأننا لا ننقل إليها ما عند الأمم الأخرى من علوم وآداب. غضبوا من ذلك، ومن أنني قلت إن الذين يكتفون الآن من العلم والأدب بما تشتمل عليه لغتنا العربية لا يبلغون من الثقافة ما ينبغي للرجل في هذا العصر الحديث، فلا بدَّ لهم من أن يلتمسوا حظَّهم من الثقافة في لغة أوروبية حية، أو من أن تنهض الدولة فتترجم لهم هذه الثقافة ترجمة منظمة مطردة إلى اللغة العربية. غضبوا من هذا، وقالوا رمى أمته بالجهل، وعاب نصف المستنيرين فيها بالقصور، وزعم أن كل متعلم لا يحسن لغة أجنبية ليس مثقفًا، وحسبك بهذا إثمًا وحسبك به إسرافًا في النكر والشناع. وقال قائلهم: أقسم لئن دُعيت إلى الاختلاف إلى ما يلقى في الجامعة من دروس، وخيِّرت بين هذا وبين التعرض للشر، لآثرت الثانية على الأولى، ولأبيت أن أذهب إلى معهد فيه رجل يجهل العلماء، ويغض من قيمة أهل الفضل، ويجعل الثقافة رهنًا برطانة الأجانب لا بلغة الضاد.
سأنسى أشياء كثيرةً قبل أن أنسى هذا الحديث الذي نُقِل إليَّ، وقبل أن أنسى حديثًا آخر ألقاه إليَّ صديق عزيز يلومني فيه لومًا رفيقًا؛ لأني زعمت أن الذين يلتمسون ثقافتهم في اللغة العربية، لا يجدون ما يكفيهم ولا ما يلائم حظَّهم الذي ينبغي لهم في القرن العشرين. ذلك أن طبقات ضخمة من المستنيرين في مصر لا تعرف لغة أجنبية، ولا تستطيع أن تلتمس فيها مزيدًا من علم أو أدب، فهي مضطرة إلى أن تكتفي بما تجده في لغتنا العربية، وما ينبغي لنا أن نصف هذه الطبقات الضخمة التي نحبها ونعطف عليها ونُكبر منها أفذاذًا يستحقون الإجلال والإكبار؛ بقلة الحظ من الثقافة الملائمة لهذا العصر. وإذن فينبغي أن نرضى بما قسم الله لنا، وألَّا نلتمس مزيدًا من خير ولا فضلًا من رقي. ولست أدري ماذا تكون الحال لو أننا سلكنا هذه الطريق نفسها في فروع حياتنا الأخرى، فقلنا إن نظامنا الاقتصادي على نقصه وعلى قعوده بكثيرٍ منَّا عن النهوض بجلائل الأعمال الاقتصادية لا يبتغي أن يُعاب ولا أن يُلتمس إصلاحه؛ لأن في ذلك عيبًا لكثير من المصريين الذين لا يحسنون من الشئون الاقتصادية إلَّا ما بعد العهد وطال عليه القدم، وأصبح غير ملائم لظروف العصر الحديث. وماذا تكون الحال لو قلنا مثل ذلك في حياتنا الاجتماعية، وماذا تكون الحال لو أشفقنا من الإصلاح وكرهنا الدعوة إليه؛ لأن كل دعوة إلى الإصلاح إنما هي إنكار لقديم يجب العدول عنه، وشكوى من نقص تجب البراءة منه. كلَّا إن الذين يضيقون بالدعوة إلى الإصلاح لا يضيقون بالإصلاح نفسه؛ لأنهم يطمحون إليه ويأخذون بأسبابه ويدفعون إليه دفعًا، ولكنهم في الوقت نفسه يحبون أنفسهم ويكبرونها، ويشق عليهم أن يلفتوا إلى ما ينقصهم، أو أن يُذكرهم مُذكِّر بما ينبغي لهم من كمال. وآية ذلك أن الأزهر الشريف مثلًا ينبذ نُظمه القديمة كلها نبذًا، ويستأنف حياة جديدة ليس بينها وبين قديمه القريب فضلًا عن قديمه البعيد صلة. ويُصدق كل ما أنبأناه به منذ أعوام طوال من أن في أوروبا علمًا يُمكن أن يُطلب، وفلسفةً يمكن أن تُدرس، وأدبًا يمكن أن يُحصَّل. وهو لا يكتفي بالتصديق بل يُجيبنا إلى ما دعوناه إليه منذ أعوام طوال، فيأخذ في السعي إلى تحصيل العلم الأوروبي والأدب الأوروبي والفلسفة الأوروبية. يُحصِّل شيئًا من ذلك في مصر، ويرسل جماعة يبتغون له ذلك في فرنسا وإنجلترا وألمانيا، فإذا أبيت عليه ذلك أغضبته وأحفظته لأنك تحاول أن تصده عن الحياة وتبعد به عن الرقي، وإذا قلت له إن علمه القديم لا يكفيه وإن ثقافته العربية الحاضرة لا تغني عنه شيئًا أغضبته وأحفظته لأنك تؤذيه في كبريائه. وإذن فهو يجمع بين هذين النقيضين، يطلب الثقافة الأوروبية ويغلو في طلبها من جهة، ويكره أن يُقال له إن في هذه الثقافة خيرًا أو نفعًا من جهة أخرى. ودار العلوم توشك أن تشبه الأزهر من هذه الناحية، فهي تُرغِّب في الإصلاح وتجهر بهذه الرغبة وتُلح فيها وتستزيد من الثقافة الأوروبية، وتطالب بدرس اللغات الأجنبية فيها، فإذا قيل إن ما هي عليه الآن من اكتفاء بالقديم وقلة حظٍّ من الجديد لا يلائمها ولا يلائم مكانتها ولا يلائم ما يُنتظر منها غضبت وأخذتها الحفيظة؛ لأن هذا القول يؤذي كبرياءها.
وكم أحب أن نفهم الكبرياء فهمًا أصح وأصوب وأقوم من هذا الفهم، فليس يؤذيني أن يُقال إني أجهل هذا النحو من العلم أو ذاك إذا كنت أجهله، وإنما يؤذيني أن يُقال إني أعلم هذا النحو من العلم أو ذاك وأنا لا أعلم منه شيئًا.
وأؤكد لهؤلاء السادة أني أتأذى حين أسمع محاضرة بالألمانية ولا أفهمها، وحين أجد كتابًا بالألمانية ولا أفهمه إلَّا من طريق المترجم، أتأذى بذلك وآلم له وأشكو منه وأحزن لأني لا أجد من الوقت أو من مواتاة الظروف ما يمكنني من إصلاح هذا النقص، ولا يؤذيني بحال من الأحوال أن يقول عني قائل إني أجهل الألمانية ولا أستطيع أن أصل إلى ما فيها من العلم إلَّا من طريق الترجمة والنقل.
وبعد فإنَّا لا نعيب هؤلاء السادة بما نقصهم، كما لا نعيب أنفسنا بما ينقصنا، وما أكثره، وإنما نريد أن تكون حال الجيل المقبل خيرًا من حال هذا الجيل، وأن يكون نقص الجيل المقبل أقل من نقص هذا الجيل، ونريد أن نفهم أمور النهضة على وجهها، وأن نصلح خطأً شائعًا قبيحًا يتورط فيه كثيرٌ من الذين يشرفون على أمور التعليم ويخوضون فيها. فكثيرٌ من الناس يريدون أن يشيع العلم باللغات الأجنبية في مصر، ويظنُّون أن هذا هو سبيل الثقافة، فنحب أن يعلم هؤلاء الناس أن شيوع اللغات الأجنبية في مصر لا بأس به، ولعل فيه خيرًا كثيرًا، ولكنه ليس سبيل الثقافة، أو ليس هو السبيل المستقيمة المنتجة إلى الثقافة، وإنما السبيل أن تُنقل الثقافة للمصريين في لغتهم، وأن يلتمسوها في هذه اللغة قبل أن يلتمسوها في أي لغة أخرى.
إنما اللغات الأجنبية أدوات للاستزادة من العلم لا لتحصيل الضروري منه. وما دمنا نعتمد على اللغة الأجنبية لنحصِّل من طريقها الضروري من العلم والثقافة، فنحن عالة على الأجنبي، ونحن مقصرون في ذات أنفسنا وفي ذات لغتنا وفي ذات وطننا نفسه. وقد كان الجاحظ رجلًا مثقفًا فيما أظن، ولعله كان من أوسع الناس في عصره وأعمقهم ثقافة، وما أظنه عرف اليونانية أو السريانية، ولكنه عرف ما كان في اليونانية والسريانية من علم؛ لأنه نُقل إلى اللغة العربية، ولأن رجال الحكم في ذلك الوقت كانوا يفهمون الثقافة خيرًا مما نفهمها نحن الآن، ويقدِّرون ما يجب عليهم لتثقيف اللغة والشعب خيرًا مما نقدِّره نحن الآن.
أفئن طالبنا بأن تنقل علوم أوروبا وآدابها إلى اللغة العربية لتكون اللغة في نفسها غنية مثقفة، وليستطيع أبناؤها أن يجدوا فيها العلم دون أن يلتمسوه ضد الأجنبي ومن طريق اللغة الأجنبية، أفئن طالبنا بذلك؛ كنَّا مُجهلين للأمة، مزدرين للعلماء، عائبين للمستنيرين، مقصرين في حق الوطن؟ اللهم إني لا أكره هذا التقصير ولا أتردد في احتمال تبعاته مهما تثقل، ولا أتردد في أن ألح على وزارة المعارف في شيئين لا بدَّ منهما لتنظيم الثقافة في مصر: الأول إنشاء مكتب للترجمة العلمية ينهض بنقل أمهات العلم والأدب والفلسفة إلى هذه اللغة التي كانت غنية قديمًا وما ينبغي أن تكون فقيرة الآن. والثاني أن ترصد في ميزانيتها مقدارًا حسنًا من المال تكافئ به الذين ينهضون بنقل الكتب القيمة في مختلف العلوم والفنون من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية.
وأؤكد لوزارة المعارف أن إرصاد عشرة آلاف من الجنيهات في كل عام لمكتب الترجمة وتشجيع المترجمين أنفع لمصر وأجدى عليها وأنهض بالواجب الوطني من مئات الألوف التي تُنفق في أنواع الترف المادي، الذي قد نستطيع أن نستغني عنه، وقد يكون من الخير ألَّا نفكر فيه قبل زمن طويل.
Tag: intellectual reform
-
تنظيم النهضة
-
يوم ٣٠ نوفمبر في الجامعة المصرية
يوم ٣٠ نوفمبر في الجامعة المصرية
طه حسين
مجلة السفور
١٠ ديسمبر ١٩١٥
في مثل هذا اليوم من السنة الماضية سمعت لأول مرة درس الآداب في جامعة «مونبلييه»، وكان الأستاذ يدرس قصة وضعها ألفريد دي فيني Alfred de Vigny على المثال الذي اخترعه الكاتب الإنكليزي ولتر سكوت Walter Scott من القصص يلمُّ فيه الكاتب بحادثة من حوادث التاريخ. لخَّص الأستاذ القصة وحلَّل موضوعها ونقد لفظها ومعناها، وما تمثل من صور أشخاصها وأبطالها، وبيَّن ما أثَّرت فيه وتأثَّرت به من كتب القدماء والمحدثين.
فلما خرجنا من الدرس سألت صاحبي ضيفًا: كيف ترى هذه المحاضرة؟ قال: لا بأس بها، ولكنها شديدة الاختصار.
إنك لمسرف شديد الطمع يا ضيف، فلو سمعت درس الأدب العربي في الجامعة المصرية ورأيت الأستاذ وقد مرَّ في محاضرة واحدة بثمانية من الشعراء في عصر المأمون لعرفت أن صاحبنا في مونبلييه قد بلغ الغاية القصوى من الإطالة والإسهاب.
رجعنا بعد ذلك إلى مصر، وفي هذا اليوم نفسه من هذه السنة سمعت درس الأدب العربي في الجامعة المصرية وأبى ضيف أن يحضره معي؛ لأنه كان عنه في شغل، ولو قد سمع الدرس الذي سمعته لذكر القصة التي أذكرها الآن، ولشهد بنفسه البرهان على أن الأستاذ فيني قد كان مطيلًا مكثرًا، بل كان مملًّا مسئمًا.
كان درس الأستاذ المهدي في تاريخ الأدب العربي في الأندلس أيام الحكم المستنصر والمنصور بن أبي عامر أشبه بمعرض الصور المتحركة تمر فيه ظلال الشعراء، ولما يتبين منها الطلاب أكثر من أسمائهم. وما عسى أن يكون درس ذهب نصفه في وصف مكتبة المستنصر ودهاء المنصور، وألمَّ النصف الباقي بما يتجاوز عشرة من الشعراء؟
مكتبة المستنصر! إن أمرها لغريب هذه المكتبة، كان فيها أربعمائة ألف مجلد، ولها فهرس يزيد على ثمانمائة ورقة وليس فيها كتاب إلا قرأه الحكم! وعلَّق عليه! ووضع له مقدمة! وهو لم يملك إلا بضعة عشر عامًا قد ملئت بالفتوح وألوان الجهاد!
كل ذلك قاله الرواة، وكل ذلك قبله الأستاذ، إلا أن أوراق الفهرس في رأيه أقل جدًّا مما كان يجب أن تكون! شيء لطيف.
مررنا بطائفة كبيرة من الشعراء يذكر الأستاذ اسم الشاعر وشيئًا من شعره، ولكنه لا يكاد يفرغ من إنشاد البيت حتى ننتقل من الجامعة إلى إحدى الحانات فنسمع دوي الشرب وقد أطربتهم نغمة المغني وتوقيع العواد، فقالوا بصوت واحد: الله أَعِدْ! فيعيد الأستاذ، والظاهر أنه يحب الاستعادة؛ فقد أنشد بيتًا لم يستعده الطلبة، فقال: لِمَ لا تستعيدون هذا البيت؟ إنه جميل: أَعِدْ يا أستاذ من فضلك، فيعيد! الله أكبر، جميل جدًّا صحيح! وكذلك مضى الدرس.
إنك لسيئ الحظ يا ضيف، فلو سمعت معي درس الأمس لرأيت شعر ابن هانئ ينسب إلى ابن خفاجة، ثم يعتذر الأستاذ حين ينكر ذلك عليه بعض الطلبة.
إنك لتعس فلو سمعت معي درس الأمس لأعجبك هذا البيت:
فكأن الزجاج جامد ماء وكأن المدام ذائب نار
لا بأس، وما عسى أن تكون هذه النار الذائبة؟ ألا يمكن أن تكون الرواية: ذوب نضار؟ لا يبعد.
ولكن ما لنا وللتحقيق؟ فقد رأينا ابن خفاجة يُعدُّ من معاصري المنصور المتوفى سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة، مع أن ابن خفاجة لم يولد إلا سنة خمسين وأربعمائة؛ أي بعد أن فرغ المنصور من الحياة وفرغت الحياة منه.
وبعد أن اختلفت شئون وحالت أحوال، وبعد أن تنكَّر الدهر لقرطبة وذهب منها ريح بني أمية، وعبثت مطامع المتغلبين ببلاد الأندلس جملة، فالمؤثرات التي أثَّرت في ابن خفاجة وكوَّنت شاعريته غير المؤثرات التي كونت الشعراء في عصر المنصور، وحسبك ما يكون من الفرق بين شاعر نشأ أيام الوحدة وآخر نشأ أيام الافتراق، وما لنا وللتحقيق؟ فإن الأستاذ قد كان يعجله حب الاختصار عن كل شيء، حتى إنه إذا ذكر الشاعر نسي أن يذكر سنة ميلاده ووفاته، ولعله لو عني بذلك أو فكر فيه لوضع ابن هانئ موضع ابن خفاجة؛ فقد عاش ابن هانئ في أيام المستنصر وارتحل من الأندلس ومدح المعز.
لم يكن في هذا الدرس شيء يدل على أنه درس في الجامعة، وإنما هو نوع من الحديث يستفزُّ سامعيه بما يعرض فيه من الغزل والوصف ومن آيات البديهة والارتجال.
لا ألوم الجامعة؛ فإنها لم تألُ جهدًا في حُسن الاختيار، ولا ألوم الأستاذ؛ فإنه قد بذل ما يملك وجادَ بما يستطيع أن يجود به. ولكني أرثي لصاحبي ضيف؛ لأنه حرم نفسه لذة الاستماع لهذا الدرس الجميل.
أرثي له لأنه حرم هذه اللذة، وحرم معها هذا الألم يشعر به من سمع العلم في جامعات فرنسا ثم في جامعة مصر، وقارن بين الأساتذة والطلاب هنا وهناك.
حرم هذا الألم، وكان من الحق عليه أن يشعر به ليعرف أن اختصار فرنسا إطالة، وأن إطالتنا اختصار، وأن هزل فرنسا جد، وأن جدنا لعب، وأن فرنسا حرية بالحب والإعجاب، وأن مصر خليقة بالرحمة والرثاء، زاد الله فرنسا رقيًّا ورفعة، ووفى لمصر حاجتها من الإصلاح.