Tag: Literary Theory

  • الابتكار والتقليد في الآداب

    الابتكار والتقليد في الآداب
    طه حسين
    جريدة الجديد
    ١ ديسمبر ١٩٣٠
    كان العرب مُجمعين على تقديم امرئ القيس والنابغة والأعشى وزهير في الجاهلية، وكانوا مُجمعين على تقديم الفرزدق وجرير والأخطل في الإسلام، ثُم أجمعوا على تقديم بشار وأبي نواس، ثم على تقديم البحتري وأبي تمام، ثُم على تقديم المُتنبي وأبي العلاء. وليس من شكٍّ في أنَّ كلَّ واحدٍ من هؤلاء شاعر مُجيد عظيم الحظ من الإجادة أمتع معاصريه، وكثير منهم لا يزال يُمتِّع كثرة النَّاس، وقليل منهم لا يكاد يعجِب الآن إلا الخاصة، ولكنَّ الشيء الذي لا شكَّ فيه أيضًا أنَّ هؤلاء الشعراء جميعًا غير أبي العلاء لا يكاد نبوغهم يتجاوز أشخاصهم، ولا يكاد ظِلهم يعدوهم؛ فهم مُجيدون، وهم ممتعون، ولكنَّهم لم يوفَّقوا إلى أن يُلهِموا غيرهم أو يثيروا في نفسه الشعر، وكلُّ ما وُفِّقوا إليه هو أن يعجِبوا من سمعهم أو قرأهم، وأن يفتنوا هذا أو ذاك ببيت فيحتذيه، أو أسلوب فيحكيه.

    فأمَّا أن يخطر لأحدهم الخاطر الخصيب الذي يستغله ويستثمره القارئ أو السامع، فذلك شيء لا نكاد نظفر به عندهم، بل لسنا نظفر منه بقليل ولا كثير.

    وإنَّك لتبحث عن أثر امرئ القيس — أو غير امرئ القيس — فيمن عاصره أو جاء بعده من الشعراء، فإذا أنت مُضطر إلى أن تسجِّل أنَّ امرأ القيس أول من وقف على الأطلال فبكى واستبكى، وهو أول من قيد الأوابد، وشبَّه الخيل بالعُقبان، وأنَّ الشُّعراء قد تابعوه فوقفوا على الأطلال وبكَوْا واستبكَوْا، وقيدوا الأوابد، وشبهوا الخيل بالعقبان؛ وأنَّ النابغة قد اعتذر فأجاد الاعتذار، وحذا حذوه المعتذرون من بعده، وبرع الأعشى في وصف الخمر، وتفوق زهير في المدح، وعلى هذا النحو في الشعراء الآخرين.

    ثم نحن الآن نسخر ممن يتبع امرأ القيس في هذه المعاني، ويسلك سبيله إلى هذه الأغراض. بل قد سخر أبو نواس منذ أحد عشر قرنًا بالذين كانوا يُظهرون تقليد امرئ القيس واتباع طريقته من الشعراء المحافظين؛ وما أرى أننا نرضى الآن عن أبي نواس — مهما يكن مجددًا — بالقياس إلى من تقدمه من الشعراء.

    وإذا أردنا أن نُكوِّن لأنفسنا رأيًا فيه وفي أصحابه، فهو أنَّهم كانوا شعراء مُجيدين في العصور التي عاشوا فيها، ونحن نحب شعرهم لأنَّه يُلائم نفوسنا ويُلائم العصر الذي نعيش نحن فيه الآن.

    وليس للخصومة بين الجديد والقديم في هذه الأيام مصدر إلا أن جماعة يأبَوْن أن يتخذوا هذا الأدب العربي مثلًا أعلى في أغراضه ومعانيه، وفي ألفاظه وأساليبه، وأنَّ جماعة آخرين يأبَوَن أن تنقطع الأسباب بينهم وبينه؛ فيحكونه ويقلدونه مُسرفين في هذا التقليد أو معتدلين، ولكنَّ هناك آدابًا أخرى وشعرًا آخر تُخالف آدابنا وشعرنا أشدَّ المخالفة من هذه الناحية. كانت ممتِعة مُعجِبة في عصورها أشدَّ الإمتاع وأعظم الإعجاب، ثم انقضت تلك العصور وتبعتها عصور أخرى مختلفة متباينة، ولكنَّ هذه الآداب ظلت مصدر الإعجاب والروعة، وأورثت تلك العصور التي جاءت بعدها معانيَ وأغراضًا وفنونًا قالت فيها فأجادت القول، وبلغت أعظم حظٍّ من الإجادة. وما زالت تلك الآداب القديمة حيةً وإنْ ماتت لغتها، مثمرةً وإن بَعُدَ العهد بها، يمضي فلا يزيدها مضيُّه إلا شبابًا وجدة، وتتباين الظروف وتختلف فلا يزيدها تباين الظروف واختلافها إلا نضرة وجمالًا، بل هي تبعث الحياة في النفوس وتبعث النشاط في العقول وتبعث القوة في الشعور، وتخلق أدباء ما كانوا ليوجَدوا لو لم يصل إليهم تراثها الخالد، ماتت لغة تلك الآداب وانقضت عصورها، ولكنَّ النَّاس ما زالوا يحيون عليها ويعيشون بها، ويجدون فيها مصدرًا للعمل والحركة والحياة والإنتاج.

    أكتب هذا وقد فرغت من قراءة قصة تمثيلية حديثة مُثِّلت في باريس أثناء السنة الماضية، وعنوانها «إنڤتريون الثامن والثلاثون».

    ومعنى هذا العنوان أنَّ موضوع هذه القصة قد شغل الشعراء والكُتَّاب الممثلين حتى وضعوا فيه ثمانيًا وثلاثين قصة منذ العصر اليوناني إلى الآن، وكل هذه القصص التي تناولت موضوعًا واحدًا لا يختلف ولا يتغير قد أعجبت من شهدها أو سمعها، ولم يكره أن يرى الثالثة أو الرابعة أو الخامسة، بعد أن رأى أو قرأ ما سبقها. وأستطيع أن أؤكد لك أنَّ الذين شهدوا هذه القصة الثامنة والثلاثين أُعجبوا بها إعجابًا لا حدَّ له، ومنهم من قرأ ما سبقها من القصص فلم يُسئمه ذلك، ولم يجعل للملل إلى نفسه سبيلًا، ومن يدري لعل كاتبًا آخر يضع القصة التاسعة والثلاثين أو يتم الأربعين، فيجد من النَّاس شغفًا ومن الجمهور والنظارة إقبالًا. وأقول هذا أيضًا وقد فرغت من قراءة قصة أخرى مُثِّلَتْ في باريس هذا العام عنوانها «أستاذ الإنجليزية» هي الأولى في موضوعها وفي أسلوبها، ولكنَّ صاحبها لم يبتكر شيئًا، ولم يزد على أن دلنا على أنَّه قد قرأ شكسبير وأساغه وأحسن الانتفاع به؛ فهو يصور حبًّا مزدوجًا معقدًا يقع في هذه الأيام، ولكنَّه يستعير صوره كلها من تمثيل شكسبير دون أن يأتيَ بشيء من عنده إلا الحركة التمثيلية الحديثة، فأما خواطر الأشخاص والبواعث التي تدفعهم إلى العمل، والمعاني التي تثير في نفوسهم العواطف المختلفة وتدفعهم إلى الأمل حينًا وإلى اليأس حينًا آخر، وتُعقِّد حياتهم وتُسهِّلها؛ فكلها مأخوذة من قصص شكسبير.

    أَفَتَرَى إلى الفرق بين أولئك الشعراء الذين قدَّمت لك أسماءهم وبين الشاعر الذي ابتكر موضوع القصة الأولى وشكسبير الذي ألهم صاحب القصة الثانية؛ أولئك يُعجِبون ليس غير، وهؤلاء يعجِبون ويلهِمون أبدًا. ولست أريد أن أحمد ولا أن أذم، كما أنِّي لا أريد أن أرضى ولا أن أسخط، وإنَّما أريد أن أتخذ هذه المسألة سبيلًا إلى البحث عن أمر يختلف فيه الأدباء ولا يوفَّقون فيه إلى رأي يتفقون عليه، وهو الحد بين المبتكر والمستثمر من الأدباء. فليس من شكٍّ في أنَّ صاحب الموضوع الذي وُضعت فيه هذه القصص التي نيفت على الثلاثين مبتكِر لم يُسبَق إلى موضوعه؛ فله الفضل الأول في ابتكاره، وله الشخصية القوية التي استطاعت أن تُلهم سبعة وثلاثين شاعرًا وكاتبًا، وليس من شكٍّ في أنَّ شكسبير مُبتكِر له الفضل الأول في هذه القصص التمثيلية وما اشتملت عليه من صور قوية خالدة، مكَّنت صاحبنا الحديث من أن يصنع قصته الأخيرة هذه. وليس من شكٍّ في أن الكُتَّاب والشعراء الذين وضعوا قصصهم في الموضوع الأول، والكاتب الذي وضع قصته الأخيرة هذه عيالٌ على ذلك الشاعر اليوناني وعلى شكسبير، أفَتَرَاهم جميعًا مُقلدين أم تراهم جميعًا لا شخصية لهم، ولا حظ لهم من قوة أو براعة؟ فإنْ كان هذا كذاك فكيف ظفروا بإعجاب من قرأهم أو شهد قصصهم في ملاعب التمثيل؟ ومن أين لهم هذا الحظ من الإجادة التي ضمنت لهم هذا الإعجاب؟ وإن لم يكن هذا كذاك فما الحد بين المبتكِر والمقلِّد؟ وما نصيب هؤلاء الكُتَّاب والشعراء من الشخصية الفنية التي تضمن لهم الإجادة دون أن ترقى بهم إلى مرتبة المبتكِر الأول؟

    أما نُقادنا القدماء فلم يطيلوا البحث عن موضوع كهذا؛ لأنَّ أدبنا القديم لم يُهيئ لهم الفرصة ليطيلوا مثل هذا البحث؛ فقد صادفوا شاعرًا أخذ عن شاعر آخر معنًى من المعاني، أو لفظًا من الألفاظ، أو حاكاه في أسلوب من الأساليب، ورأوا الشعراء يترامون بالسرقة ويتقاذفون بالتقليد؛ فاجتهدوا في التفريق بين السرقة والأخذ، وبين من يأخذ المعنى فيزيد فيه حتى يُصبح له صاحبًا، ومن يأخذه فلا يزيد فيه، ومن يأخذه فيفسده بالنقص والتغيير.

    ولَمَّا كان ذلك لا يُصادف في الأدب العربي إلا في البيت أو الأبيات من حين إلى حين، فليس غريبًا أن يكون حظُّه من عناية النُّقَّاد محدودًا، ونصيبه من البحث والتفصيل ضئيلًا يسيرًا.

    وليس الأمر كذلك في الآداب الأجنبية؛ فقد كانت الصلات بين المتقدمين والمتأخرين والمعاصرين أوثق وأشد تعقيدًا من الصلات بين أدبائنا على اختلاف عصورهم.

    وقد كثُر الأدباء وقلَّت الموضوعات فتواردوا عليها عامدين ملحين في هذا العمد لا يحتاطون ولا يتسترون. وكان الشعراء الممثلون من اليونان يعمدون إلى موضوعات الشعر القصصي فينظمون فيها قصصهم التمثيلية، وكذلك كان يفعل الشعراء المغنون من اليونان؛ لا يكره أحدهم أن يعمد إلى موضوع من موضوعات الألياذة فينظم فيه القصيدة الفخمة الرائعة، وجاء شعراء اليونان الممثلون والمغنون فعمدوا إلى التراث اليوناني فاتخذوه موضوعًا لغنائهم وتمثيلهم، وجاء الشعراء المحدثون والكُتَّاب المحدثون فعمدوا إلى هذا التراث اليوناني الروماني فاستثمروه وأجادوا استثماره، وما يزالون في ذلك إلى الآن، وسيظلون فيه إلى غدٍ وبعد غدٍ، وكل أولئك له حظه من الإجادة، بل من التفوق، بل من النبوغ؛ فأنت ترى أنَّهم لم يبتكروا موضوعاتهم، وأنَّ ذلك لم يَحُلْ بينهم وبين التفوق والنبوغ.

    ومن ذا الذي يستطيع أن ينكر النبوغ على راسين وكورني وموليير وفيكتور هوجو وجيته، وهم جميعًا يستثمرون الأدب اليوناني ويطرقون من موضوعاته ما طرقه اليونان من قبلهم فأجادوا فيه واستقصَوْا حظهم من الإجادة.

    حل هذه المسألة يسير؛ فليس من الحق أنَّ المبتكِر لا يكون مبتكِرًا حتى يخترع موضوعه اختراعًا ويخلقه بعد أن لم يكن، ولكنَّ المبتكِر من يخترع الموضوع، والمبتكِر أيضًا من يأخذ ما سبقه إليه غيره فيجدده ويفيض عليه من شخصيته القوية ما يبعث فيه الحياة والنشاط والشباب، وأنت إذا أردت أن تلتمس أسباب الجودة في هذه الآيات البيانية الحديثة التي تتناول موضوعاتٍ طرقها القدماء فأجادوا فيها، لم تستطع أن ترد هذه الأسباب إلى الموضوعات وحدها، ولا إلى شخصيات الكُتَّاب والشعراء وحدهم، وإنَّما هي أسباب مشتركة بينها وبينهم؛ فالموضوعات في أنفسها خصبة حية قابلة للبقاء والتجدد واستئناف النشاط، والشعراء والكُتَّاب أقوياء مهرة لهم من البراعة ما يمكِّنهم من استثارة هذه الحياة الكامنة وهذا النشاط الخفي.

    ولقد كان الأثينيون يسمعون الألياذة فيأخذهم ما فيها من جمال وروعة، ثم يشهدون القصة التمثيلية تُمثِّل الموضوع نفسه فيأخذهم ما فيها من رشاقة وظرف، ثُم يشهدون قصة أخرى تمثل الموضوع نفسه مرة ثانية، فيخلبهم ما فيها من دقة وتحليل، ثُم يشهدون قصة أخرى تمثل الموضوع للمرة الثالثة، فيستهويهم ما فيها من تفكير واستكشاف لأسرار النفس الإنسانية ودقائقها.

    فالموضوع الواحد يستطيع إذنْ أن يثير في النفس الإعجاب من نواحٍ مختلفة، وأن يبعث فيها العواطف المتباينة فيدفعها إلى الرِّضَى واللذة، وإلى السخط والألم، وإلى الهدوء والاطمئنان. وإذا كان البيان كما يقول القدماء من نقادنا إنَّما هو القدرة على تصوير المعنى الواحد في صور مختلفة، فليس غريبًا أن يُوفَّق الكُتَّاب والشعراء إلى إعجاب الجماهير ورضاهم إذا صوَّروا لهم الموضوع الواحد صورًا مختلفة، لكلٍّ منها حظه من القوة وظهور شخصية الكاتب أو الشاعر. على أنَّ هناك نوعًا من الاستثمار لا خير فيه ولا غناء، بل هو الشر كل الشر وهو الفتور كل الفتور؛ وذلك استثمار الذين لم تمددهم الطبيعة بحظ من القوة البيانية لما سبقوا إليه؛ فهؤلاء هم المقلدون الذين يفسدون ما يعمدون إليه لأنَّهم لا يستطيعون أن يبعثوا فيه حياة ولا نشاطًا، وإنما يستنفدون ما فيه من حياة أو نشاط.

  • رمز وتصريح

    رمز وتصريح
    طه حسين
    المجلة الجديدة
    يناير ١٩٣٠

    مسألة أعرض لها اليوم لأتم تلك الملاحظات التي أشرت إليها في الفصل الماضي حين تحدثت عن الذوق؛ فللصلة بين الأدباء وقرائهم وجوه مختلفة كلها تصلح مقياسًا للذوق الذي يُمكِّن الأدباء من أن يُنتجوا، والقُرَّاء من أن يَحكُموا، ويصور إنتاج أولئك وحكم هؤلاء في صور تختلف باختلاف الأفراد والبيئات، والظروف العامة والخاصة.

    وقد رأينا الناس يختلفون في عصور كثيرة في أي الأدبين أرقى، وأحب إلى النفس، وأبلغ في تمثيل عواطفها وأهوائها وميولها، الأدب الذي يعتمد على التصريح الجلي، والبيان الواضح، الذي لا تتكلف النفس مشقة في فهمه والوقوف على أغراضه ومراميه، أم الرمز والإيماء الذي لا يفهمه إلا الراسخون في العلم، ولا يدرك أغراضه ولا ينتهي إلى غايته إلا الذين لهم من رقي النفس وسموها، ومن دقة الحس ونفاذ البصيرة ما يمكنهم من استكشاف الأسرار، واختراق الحجب، وحل الألغاز؟

    ويشتد الخلاف بين الناس ويعظم خطره، ويبعد أثره في حياة الأدباء والقُرَّاء، حين يتناول طائفة من الموضوعات تقضي الأخلاق وظروف الحياة الاجتماعية المعتدلة ألا تمس إلا برفق، وألا يعرض لها الكُتَّاب والشعراء إلا في شيء من التلطف والحيلة؛ كالغزل، ووصف الصلات الجنسية، ووصف أشياء نكره أن نراها، فلا نحب أن يتحدث عنها الأدباء إلا رمزًا، ولا أن يصفوها إلا إيماء. والناس يذكرون مناظرة كانت منذ حين بين الأستاذين توفيق دياب وسلامة موسى، فيما كانا يُسمِّيانه يومئذ الأدب المستور والأدب المكشوف، وكان لكل من الأديبين مذهبه في الفهم، وطريقته في البحث والاستدلال. وانقسم الناس معهما يومئذٍ؛ فمنهم من آثر الأدب المستور، ومنهم من آثر الأدب المكشوف.

    وكنت أرى يومئذ ما أراه الآن من أن الأديبين إنما كانا يختصمان في غير موضع للخصام، ويسيران في سبيل غير منتجة؛ فأما أحدهما فكان ينظر إلى الأخلاق والعرف وحاجة النشء إلى المُثل العليا، وأما الآخر فكان ينظر إلى الحق والصدق، وحاجة الناس إلى الصراحة، وسوء أثر النفاق في التربية وغيرها من مظاهر الحياة الاجتماعية، وكلاهما كان يصدر في تفكيره وحكمه عن فكرة أراها قابلة للبحث، ولعلي لا أغلو إن رأيتها موضعًا للشك، وهي: أن الأديب متعمد حين ينتج آثاره الأدبية أن يمضي إلى الشمال، ولو أراد لمضى إلى الجنوب، مُخيَّر فيما يكتب، مُخيَّر فيما يقول، يصوغ صوره الأديبة صوغًا كما يصوغ الصانع آثاره الصناعية عن روية وتفكير وحرية تامة.

    وربما كان الأديب أشد حرية من الصانع الذي يجب أن يخضع لقوانين الصنعة ولا يجدد فيها إلا بمقدار، على حين نرى الأديب حرًّا مطلق الحرية لا تقيده إلا إرادته وهواه. عن هذه الفكرة كان يصدر المتناظران فيما يظهر، وإذن فكان أحدهما يطلب إلى الأديب أن يراعي الأخلاق والحياء والعرف والمُثل العليا، وكان الآخر يطلب إلى الأديب أن يراعي الحق والصدق والصراحة ويتجنب النفاق.

    ولكن الأمر الذي أهمله الأديبان — ويهمله الناس عادة إذا تحدثوا عن الأدب أو تمادوا فيه — هو أن حرية الأديب في الإنتاج الأدبي، وفي تصوير آثاره في صورة فنية ما، ليست من السعة والإطلاق بحيث يظنون، وإنما ضيقة ضيقًا شديدًا، مقيدة بطائفة من القيود، منها القوي الذي لا سبيل إلى التحلل منه، ومنها الضعيف الذي قد يستطيع الأديب تحطيمه من حين إلى حين.

    فالأديب مقيد بطبعه ومزاجه، فكما أنه لا يستطيع أن يغير لونه، ولا أن يغير خلقه المادي، فهو كذلك لا يستطيع أن يغير مزاجه العام، وإذن من العسير عليه — إن لم يكن من المستحيل — أن يضطر هذا المزاج إلى أن ينتج من الآثار الفنية ما لا يلائم طبعه وفطرته، وهو مقيد بالبيئة التي يعيش فيها، والجمهور الذي يتحدث إليه، والإقليم الذي يخضع لجوه وهوائه ومؤثراته الكثيرة المختلفة، ثم هو بعد هذا أو ذاك مقيد باللغة التي هي مادة فنِّه، ومقيد بقوانين الفن نفسها.

    وهو يستطيع طبعًا أن يحطم بعض هذه القيود من حين إلى حين، فتطغى قدرته الفنية على اللغة أحيانًا، وعلى القوانين الفنية أحيانًا أخرى؛ فيكون مجددًا من بعض الوجوه، وقد يستطيع أن يثور بما قامت عليه البيئة من نظم وأصول فيجدد، ولكن هذا الطغيان وهذه الثورة محدودان، مهما يكن حظ الأديب من القوة والبأس والنبوغ، وإذا لم يكن الأديب حرًّا في إنتاجه الأدبي، ولم يكن الذي يستحق هذا الاسم متأثرًا فيما يكتب برضا الناس وإعجابهم، كما يتأثر بشخصيته وطبعه ومزاجه، فمن الإسراف أن يطلب إليه قُرَّاؤه أن يسلك سبيلًا بعينها، ويعدل عن سبيل أخرى؛ ذلك لأنه لم يسلك السبيل التي اختارها — أو بعبارة أدق التي سلكها — إلا لأنه لم يستطع أن يسلك سبيلًا غيرها.

    فالأديب الواحد لا يستطيع أن يبرع في إنتاج الأدب المستور والأدب المكشوف معًا، وإنما هو في هذا الأدب أو ذاك؛ لأن طبيعته وما يحيط به من الظروف العامة والخاصة يضطرانه إلى هذا الأدب أو ذاك. والواقع أننا نرى في الآداب المختلفة عصورًا يتسلط فيها الأدب المستور على الأدباء، فإذا هم يجيدونه ويبرعون فيه، وأخرى يتسلط فيها الأدب المكشوف عليهم، فإذا هم يتقنونه ويتفوقون فيه.

    وإذا بحثنا عن هذه العصور والتمسنا الأسباب التي تضطر الأدباء إلى هذا النوع من الأدب أو إلى ذاك؛ فسنلاحظ أن هذه الأسباب ترجع في أكثر الأوقات إلى البيئة، وإلى الجماعة المحيطة بالأديب أكثر مما ترجع إلى الأديب نفسه، ونلاحظ أن الأدب المستور — ما دام لا بد من التعبير بهذه الألفاظ — إنما يتسلط على الأدباء والقُرَّاء حين تحيا الجماعات حياة هادئة معتدلة، معتمدة على نظام اجتماعي ثابت، ونظام سياسي مستقر، فإذا اضطرب النظام الاجتماعي، أو تعرض النظام السياسي للقلق والفساد؛ أخذ سلطان الأدب المكشوف يظهر وينبسط شيئًا فشيئًا حتى يكون له الغلب، ولكنه غلب مؤقت لا يستمر إلا ريثما يعود النظام الاجتماعي والسياسي إلى الثبات والاستقرار.

    وأنت ترى ذلك واضحًا جليًّا في حياتنا الأدبية العربية، فقد كان الأدب المستور متسلطًا على العرب في جميع أنحاء الحياة الأدبية إلا الهجاء، حتى كان العصر العباسي، فاضطرب النظام الاجتماعي والسياسي، ورغب غير العرب في التمتع بما كان للعرب من حقوق اجتماعية وسياسية، وتغير النظام السياسي نفسه، فسقطت دولة وقامت مكانها دولة أخرى، وانهار نظام من نظم الحكم، وقام مكانه نظام آخر، ونتج عن هذا كله أن طغى في النفوس ميلها إلى الحرية مع حرصها على النظام والاعتدال.

    وفي هذا العصر نفسه ظهر الأدب المكشوف في العراء ظهورًا فاحشًا؛ لأنه كان يترجم عن حياة مكشوفة، فلما كان القرن الثالث، واستقر النظام الاجتماعي الجديد، وثبت النظام السياسي الجديد، احتشم الناس في حياتهم، واحتشم الأدب نفسه، وقلد الناس أبا نواس وأصحابه في الشكل والأسلوب أكثر مما قلدوه في المعنى والموضوع.

    وكانت حياتنا نحن هادئة مطمئنة متأثرة بنظم اجتماعية وسياسية ثابتة مستقرة، فكان أدبنا مستورًا معتدلًا، ثم اضطربت نظمنا السياسية والاجتماعية، وطمعنا في ضروب من الحرية مختلفة: حرية الرأي، وحرية العمل، وحرية السياسة، وتبع ذلك أن طمعنا في حرية القول، فتحلل أدبنا من قيودها بعض الشيء، وظهر ميلنا إلى الأدب المكشوف.

    فالأديب إذن متأثر بالذوق العام حين ينتج أدبًا مستورًا أو أدبًا مكشوفًا، ومهما تدرس من آداب الأمم الأخرى فسترى نفس هذه الظواهر: تضطربُ النُّظم فيظهر الأدب المكشوف، وتستقرُّ فيتسلَّط الأدب المستور.

    على أن هناك ظاهرة أخرى أحب أن أشير إليها في هذا الفصل إشارة موجزة جدًّا، وأرجو أن أُوفَّق في يوم من الأيام إلى درسها مع شيء من التوسع، وهي أن هناك أدبًا رمزيًّا يظهر في بعض العصور، فيسيطر على الحياة الأدبية كلها، وهو يتخذ الرمز والإيماء طريقة أساسية للتعبير، ويعدل عن المألوف من الأدب الواضح الجلي مهما يكن موضوع هذا الأدب.

    وهذه الظاهرة تتجاوز الأدب إلى غيره من الفنون الجميلة كلها؛ فيصبح فن المصور والمثال والموسيقي والمغني رموزًا وإشارات تسلك بها سبلًا غير السبل المألوفة، يريد بها أصحابها أشياء لم يكونوا يريدونها في العصور المعتدلة الطبيعية، وتختلف حظوظ الناس من فهمها وتذوقها بمقدار ما تختلف حظوظهم من ذكاء القلب، ونفاذ البصيرة، ومن الميل إلى الترف المادي والمعنوي.

    وأكثر ما تكون هذه العصور حين تضطرب النظم الاجتماعية والسياسية، فتثور بالدين والأخلاق وغيرها مما تقوم عليه حياة الجماعات، ويكثر الاضطراب ويشتد ويطول زمنه، ثم لا يؤتي ثمره الذي كان منتظرًا، فيستيئس الناس من الثورة ونتائجها، ولكنهم في الوقت نفسه يكرهون أو يستحيون أن ينكروا أنفسهم، ويعودوا إلى النظم القديمة التي هدموها؛ فهم لا يريدون العودة إلى القديم، وهم يكرهون الاضطراب ولا ينتظرون منه خيرًا، وهم يلتمسون حياة جديدة — غير القديم وغير الاضطراب — دون أن يظفروا بهذه الحياة الجديدة التي يلتمسونها.

    هنا يضطر الفن والأدب إلى الرمز والإشارة والإيماء، والألغاز أحيانًا؛ ذلك أن نزعة دينية جديدة غير واضحة ولا جلية تتسلط على الناس، وتأخذ شكلًا إن لم يكن صوفيًّا فهو قريب جدًّا من الصوفية. في هذا الشكل تظهر لأصحاب الفنون الجميلة مطامع يحسونها، وتملأ نفوسهم، ولكنهم لا يفهمونها في وضوح وجلاء، فلا يستطيعون أن يعبروا عنها في وضوح وجلاء، ولا يفهمها الناس عنهم على وجهها؛ لأن أصحابها أنفسهم لا يفهمونها، أو لا يكادون يفهمونها.

    وقد لوحظت هذه الظاهرة قوية جدًّا في فرنسا آخر القرن الماضي حين سئم الفرنسيون الثورة والاضطراب والخصومة، وكرهوا أو لم يستطيعوا أن يعودوا إلى قديمهم الذي كانوا يألفونه قبل الثورة، فظهرت لهم مثل عليا أحسوها وسَمَوا إليها، ولكنهم لم يتبينونها واضحة جلية، فأخذوا يعبرون عنها بالشعر والفن تعبيرات رمزية غامضة نقرؤها الآن فنفهم منها القليل النادر، ويفوتنا منها الشيء الكثير.

    هذه الظاهرة لوحظت قوية في فرنسا، ولعلها تلاحظ في جميع الآداب — مهما تختلف الأمم والبيئات — إذا مرت الجماعات بطور يشبه الطور الفرنسي الذي أشرت إليه آنفًا. وهل الأدب الصوفي إلا لون من ألوان هذه الظاهرة؟ وهل التصوف في حقيقة الأمر إلا إنكار للقديم، وهدم له، وطلب للجديد دون تَبيُّنه والقدرة على الظفر به؟

    هذه الظاهرة أحق عندي بالعناية والبحث من مسألة الأدب المستور والأدب المكشوف، ويمكن أن تدرس من وجوه عدة أحبُّها إليَّ هذه الناحية التي تمثل الصلة بين هؤلاء الأدباء والفنانين من جهة، وهؤلاء الناس الذين يستمتعون بآثارهم الفنية من جهة أخرى، أي الذوق الذي يصل بين المنتج والمستغل في الفن، كما يقول أصحاب الاقتصاد. ولعلي أُوفَّق إلى أن أعود إلى هذا الموضوع.