Tag: Media manipulation

  • خصام | A Quarrel

    حديث المساء: خصام
    طه حسين
    كوكب الشرق
    ٣١ مارس ١٩٣٤
    خصام ثقيل سقيم حقًّا هذا الذي تمتلئ به بعض الصحف المتصلة بالوزارة، والذي يكثر الأخذ والرد فيه بين فريقين من رجال هذا العهد السعيد، قد عرف الشعب المصري كيف يقدِّرهما، وكيف يطمئن إلى ما يصدر عنهما من قول أو عمل.
    فأما أحد هذين الفريقين، فقوم ملثَّمون لا يُظهِرون وجوههم، ولا يُعلِنون أسماءهم، ولا يجرءون على احتمال التبعات، ولكنهم مع ذلك يوحون، ويوحون ويسرفون في إرسال الوحي، ويسمون أنفسهم بالمصادر العليمة حينًا، والدوائر المطلعة حينًا، وهم من غير شك من رجال الدولة، سواء أكانوا من الوزراء أم من كبار الموظَّفين.
    وأما الفريق الآخَر فصدقي باشا، وهذان الموظفان اللذان أُحِيْلا على المعاش في آخِر جلسة لمجلس الوزراء قبل العيد. أولئك يذيعون التهم ويثيرون الريب، ويملئون الجو شكًّا واضطرابًا وسوء ظن، وهؤلاء يذودون عن أنفسهم، ويردون عنها ما يثار حولها من المخزيات، ثم يشيرون ويلمحون، وينذرون فيزيدون الجو فسادًا إلى فساد، واضطرابًا إلى اضطراب، والمصريون يقرءون وَحْي أولئك وردَّ هؤلاء، ويسألون أين يكون الحق؛ لأنهم يثقون أن الحق كله لا يمكن أن يكون فيما يُوحي به أولئك، أو فيما يردُّ به هؤلاء؛ ولأنهم يثقون أيضًا بأن النزاهة ونقاء اليد واللسان والضمير والإخلاص في خدمة الدولة، كل أولئك مضطرب متردد حائر بين ما يوحي به الموحون، وما يرد به المدافعون، هم يسألون أين يكون الحق من هذا الكلام الطويل الكثير المختلط المهلهل الذي يهبط به الوحي من المصادر العليمة، أو تحمله أسلاك التليفون عن صدقي باشا من الإسكندرية حينًا، ومن داره في القاهرة حينًا آخَر، أو تحمله أسلاك التليفون عن وكيل المالية، ذاك الذي يتحدَّث بأنه لم يزد على أن صدع بالأمر، وأنفذ ما أراد منه صدقي باشا أن ينفذه، أو تحملها بيانات موجزة حينًا ومطولة حينًا آخَر، يرسلها هذان الموظفان السابقان إلى صحف الصباح وإلى صحف المساء.
    والناس يقرءون كل هذا الكلام؛ فلا يفهمون ظاهره ولا يدركون باطنه، ولا يكشفون أسراره، ولا يحققون ما يرمي إليه، وإنما يستيقنون أن هناك حقائق مؤلمة يتفطَّر لها قلب المصري، وتستحي لها نفس المصري، ويحمرُّ لها وجه المصري خجلًا، وهي أن الحكم في هذا العهد السعيد لم يظفر بما كان يجب أن يظفر به من النزاهة والأمانة والصفاء والنقاء، وإنما كان مشوهًا يسعى فيه الفساد حتى يجعل شرَّه أكثر من خيره، وحتى يبعد به كل البُعْد عن أن يكون ملائمًا للأخلاق والاستقامة، ولما يطلب هذا الشعب البائس من تحقيق الآمال، والاحتفاظ بالكرامة، وإقناع الأجانب بأنه شعب حر كريم خليق أن يستمتع بالعزة والاستقلال.
    هذه هي الحقائق المرة المؤلمة المخزية التي يستخلصها المصريون من هذا الكلام الكثير الطويل، الذي يوحي به بعض الموظفين، والذي يرد به خصوم هؤلاء الموظفين، وأنت توافقني على أن الله لم يخلق الحكومات لتكون مصدر تنغيص لحياة الشعب، وأنت توافقني على أن الله لم يخلق الحكومات لتُشعِر الشعب — بما تعمل وما تقول — أن أموره سيئة إلى أقصى حدود السوء، مضطربة فاسدة إلى أقصى حدود الاضطراب والفساد. إن هؤلاء السادة الذين يختصمون، سواء منهم مَن ظهر ومَن استتر، يذكروننا بموقف ميترنيك مع ابن نابوليون حين قدَّم له المرآة ليبين له أنه بعيد كل البُعْد عن أن يشبه أباه العظيم، وأنه قريب كل القرب من أن يُشبِه أمه وأسرة أمه؛ وإذن فلا ينبغي له أن يطمع في مُلْك، ولا أن يطمع في فكاك من الأسر، ولا أن يطمع في أي عمل عظيم. هؤلاء السادة الذين يختصمون، سواء منهم مَن ظهر ومَن استتر، قد اتخذوا من أعمالهم وأقوالهم مرآة سيئة رديئة فاسدة الجوهر مختلطة؛ فهم يعرضونها كل يوم على الشعب، ويريدون أن يُظهِروا للشعب أنه بعيد كل البعد عن أن يشبه الشعوب الحرة المستقلة؛ فلا ينبغي له أن يطمع في حرية ولا في استقلال، بل هم يظهرون هذه المرآة المنكرة في كل يوم للأجانب ليروا فيها صورة رديئة مشوَّهة، لا تصلح لحرية ولا لاستقلال، ثم ليحكم الأجانب بعد ذلك على هذا الشعب البائس بهؤلاء السادة الذين يظهرون ويستترون؛ لأنه لا يصلح لحرية ولا لاستقلال.
    إن هذه القصة التي يمثِّلها ميترنيك مع ابن نابليون في رواية أدمون روستان، مؤلمة تمزِّق القلوب وتملؤها لوعةً وحسرةً، وإن هذه القصة التي يُمثِّلها سادتنا هؤلاء مع الشعب المصري ومع الأجانب في هذه الأيام، مؤلمة تمزق القلوب وتملؤها لوعةً وحسرةً، ولكن ميترنيك كان يخدم وطنه النمسا، فأما هؤلاء السادة فقد نحبُّ أن نعلم أي وطن يخدمون، هم يخدمون أشخاصهم، هم يُدافِعون عن أنفسهم، هم يُسِيئون إلى أمتهم ليستمتعوا بالمنصب، أو ليستمتعوا بحُسْن السمعة، وما أيسر أشخاصهم! وما أهونها بالقياس إلى هذه الضحايا التي تفرضها على الشعب فرضًا!
    ما الذي تريده هذه المصادر العليمة من كل هذه السيئات التي تذيعها، أتريد أن تظهر أنها قد أقبلت لتطهِّر جو الحكم مما كان فيه من الفساد؟! ولترده نقيًّا صافيًا كما كان قبل أن تفسد الأمور، وقبل أن يثب صدقي باشا إلى الحكم، فإن تطهير الجو لا يكون بإذاعة الإشاعات وإثارة الشكوك، وإنما يكون بإظهار الحق كله واضحًا جليًّا مهما يكن بَشِعًا منكرًا، وإنما يكون بإحالة المفسدين على المحاكم التي تعرف كيف تفرض عليهم العقاب، فأما هذا الوحي المتردد الخزيان، هذا الوحي الذي يفسد ظنَّ الناس بكل شيء وبكل إنسان، فإنه أشبه بالكيد الذي لا يصلح شيئًا، وإنما يفسد كل شيء.
    ماذا تريد هذه المصادر العليمة بهذا الحوار الذي تملأ به الصحف في كل يوم؟ أتريد أن تثبت أن حكم صدقي باشا كان فسادًا في فساد؟ فالناس يعلمون ذلك حق العلم، والناس لا يشكُّون في ذلك ولا يمارون، والناس يلحون في أن يُسأل صدقي باشا عن كل ما عمل، والناس يتمنون على هذه الوزارة القائمة وعلى البرلمان أن يقدِّمَا صدقي باشا للمحاكمة أو للسؤال أمام السلطة التي تملك محاكمته أو سؤاله.
    إن الحكومات لم تُنشَأ لتكون هيئة اتهام تتخذ الصحف وحدها أداةً للطعن والتجريح، وإنما أُنشِئت لتقر العدل في نصابه، ولتقف المسيئين أمام السلطات التي تملك أخذهم بما جَنَوا من سيئات، ما هذا المكتب الغريب الخفي المستتر الذي أُنشِئ أو الذي نبت ليذيع في الصحف من حين إلى حين آثامًا وسيئات تفسد الظن، ثم لا يلقى أصحابها عليها عقابًا، وهؤلاء السادة الآخَرون الذين يدافعون عن أنفسهم بكلام طويل ملتوٍ لا وضوح فيه ولا جلاء، ولكنه مملوء بالتلميح والنذير؟ ما لهم لا يقولون ولا يفصحون، ما لهم يلتزمون هذا الموقف الذي لا يخلو من ريبة، إن كانوا أقوياء حقًّا فَلْيُظهِروا قوتهم، وإنما تظهر قوتهم بإظهار الحق كما هو، وإن كانوا ضعفاء فَلْيسكتوا وَلْيستقروا وَلْينسَوا هذه القصة لعلهم يظفرون بأن ينساهم الناس.
    أما بعدُ، فإن الذين تعنيهم أمور الحكم والسياسة في هذا البلد خليقون أن يقرءوا، أو خليقون أن يفكِّروا، وخليقون أن يقدروا أن إذاعة الفساد في الجو بين حين وحين على هذا النحو لا يمكن أن تنتهي إلا إلى إفساد رأي الناس في الحياة العامة، وإلى تشكيك الناس في العدل والنظام، وأثار هذا خطرة منكرة تستحق أن يُفكَّر فيها وأن يُعْنَى باتقائها، وإنما يكون اتقاؤها بتطهير الجو حقًّا، والجو لا يطهر بالإشاعات، وإنما يطهر بالحق الذي لا شك فيه، والجو لا يطهر بالريب وإنما يطهر بالصراحة والوضوح، وقد أظهر الذين يُشرِفون على الحكم في هذا العهد أنهم لا يحتملون الصراحة والوضوح، ولا يجرءون على مواجهة الحق كما ينبغي أن يُواجَه؛ فما أجدرهم أن يستريحوا! وما أجدرهم أن يَدَعوا هذه الأعباء الثقال لقوم آخَرين هم أقدر على حملها، وهم أجرأ على النهوض بها، وهم يستطيعون أن يعملوا، ويستطيعون أن يقولوا، وأن يحتملوا تبعات ما يقولون وما يعملون، وهم يكرمون أنفسهم ويكرمون أمتهم عن مثل هذا الخصام السخيف الذي نشهده الآن بين قوم يظهرون ويستترون.

  • طهي … | Cookery…

    حديث المساء: طهي …

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٢٤ نوفمبر ١٩٣٣

    أما في اللغة العربية الفصحى فمعناها الطبخ، ولستَ في حاجة إلى أن تستشهد بشعر الشعراء، وخطب
    الخطباء من العرب العرباء؛ فإن صدقي باشا وهو حجة في كل شيء، قد استعمل هذه الكلمة صباح اليوم
    في كلمة نشرتها له الأهرام، ولم تنشرها له الشعب، وقد استعملها في هذا المعنى، لا يحتمل ذلك
    شكًّا ولا ريبًا؛ لأنه استعملها إلى جانب طبخ، فقال: «لكن يفسرها أن الرسالة قد طبخها في مصر
    طُهاة طالما مارسوا هذا الفن.» وهذا الفن هو طبخ الرسائل أو طهيها في مصر لترسل إلى إنجلترا
    فتنشر هناك، ثم يحملها البرق إلى مصر فتذاع في الأهرام، وظاهرٌ جدًّا أن صدقي باشا لم يستعمل
    الطهي كما أنه لم يستعمل الطبخ في معناهما الحقيقي، وإنما استعملهما في المجاز.

    فليس صدقي باشا لغويًّا بارعًا فحسب، ولكنه مع ذلك كاتب بليغ، يعرف كيف يصطنع الاستعارة
    والمجاز، فالرسائل لا تطبخ ولا تطهى، ولكنها تُهيَّأ وتُعد، وفي هذا التعبير تشبيهٌ طويلٌ عريضٌ
    لست أدري أيُحسن تخريجه وزير التقاليد ومن حوله من رجال الأدب في وزارة المعارف، أم يعجزهم ذلك
    فيلتمسوه في المجمع اللغوي إذا انعقد إن شاء اللَّه.

    وعلى كل حال فالطهي هو الطبخ والطبخ هو الطهي، ولولا أن لصدقي باشا إلى جانب براعته في اللغة
    ومهارته في علم البيان نصيبًا من الذوق الأدبي الممتاز لاستعمل الطباخين مكان الطهاة، ولقال إن
    هذه الرسالة قد طبخها في مصر طبَّاخون، طالما مارسوا هذا الفن، ولكنه آثر الذوق، وخِفَّةَ
    الروح، ورشاقة اللفظ؛ فاستعمل المادتين معًا، ووفق في هذا الاستعمال أحسن توفيق، وأصبح من الحق
    علينا أن نلتمس هؤلاء الطباخين أو هؤلاء الطهاة الذين يعنون بأمور السياسة فيطبخونها طبخًا،
    ويطهونها طهيًا، ويضيفون إليها، وينقصون منها، ويهيئونها هذه التهيئة التي تحتدُّ وتشتدُّ
    أحيانًا فتغيظ، والتي تهون وتلين أحيانًا فلا تبعث عناية ولا تثيرهما.

    من الحق أن نلتمس طباخي الدولة هؤلاء؛ أولئك الذين يعرفهم صدقي باشا، والذين طبخوا تلك
    الرسالة منذ أيام وأرسلوها إلى الديلي تلغراف، والذين لم يُحسِنوا التكتم والاستخفاء في تهيئة
    هذه الطبخة حتى دلُّوا على أنفسهم، وعلم صدقي باشا بطبيعة ما يهيئون؛ لأنه فيما يظهر قد شمَّ
    ريحَ الطبيخ.

    ولكن للطهي في اللغة العامية معنًى آخر؛ فهو يُستعمل أحيانًا بمعنى الذوق الذي يمكنك من حسن
    الملاءمة بين الأشياء؛ فالناس يقولون فلان قليل الطهي إذا كان حظه من الذوق ضئيلًا، وإذا كان
    يقول فيندفع في القول ويعمل فيندفع في العمل، لا يحسب لشيءٍ ولا لأحدٍ حسابًا. والظاهر أن الذين
    طبخوا هذه الرسالة لم يكونوا مَهَرَة في الطبخ؛ لأنهم لم يحسنوا إغلاق النوافذ والأبواب، فدلوا
    على أنفسهم، ولأنهم لم يحسنوا الملاءمة بين الأشياء، ولم يوازنوا بين ما أضافوا إلى طبختهم من
    التوابل فخرجوا عن إجادة الطهي، وإتقان الصنعة، فهم لا يخدعون أحدًا بهذا الكلام الفارغ الذي
    أوحوا به إلى المُكاتِب السياسي لجريدة الديلي تلغراف، وما نظن أن أحدًا من الناس قرأ هذه
    الرسالة فآمن لها بشيء من القيمة قليل أو كثير، وما نظن أن أحدًا من الناس قرأ هذه الرسالة فشك
    في أنها طبخت في مصر، وكان الطباخون الذين طبخوها أو الطهاة الذين طهوها قليلي الطهي، ليس لهم
    حظ عظيم من الحذق والمهارة في الفن.

    فالناس جميعًا يعلمون من أمر الحياد البريطاني في مصر ما يعلمون، والناس جميعًا يعلمون أن هذا
    الحياد قد ضاق بنفسه، وتأذَّى بالحياة في مصر؛ فانصرف عنها أو كاد، وهمَّ بالتروض والتنزُّه في
    بلاد أخرى كبلاد الترك، وفي مدينة أخرى كمدينة أنقرة، وترك الجو المصري لتدخل واضح صريح لا
    يتستر ولا يستخفي، والناس جميعًا يعلمون أن أبسط مبادئ الطهي الحسن كان يقتضي أن تكون صحف حزب
    الاتحاد آخر الصحف التي ينبغي أن تتحدَّث عن رسالة الديلي تلغراف هذه حتى تجوز الحيلة، وحتى
    يظهر رأي الناس في هذا اللون الذي قدم إليهم من ألوان الطعام، ولكن الصحيفة الفرنسية لحزب
    الاتحاد لم تستطع أن تدافع الجوع؛ فأسرعت إلى هذا اللون، وغرقت فيه إلى أذنيها، ونشرت الرسالة،
    وتناولتها بالتفسير والتحليل، وبالتأويل والتعليل، وانتهت إلى إقامة الدليل على أن دار المندوب
    السامي محايدة حقًّا لن تدخل بين الأحزاب بالكثير ولا القليل، فضلًا عن أن تدخل بين أعضاء الحزب
    الواحد إذا انقسموا وتفرَّقوا وأصبح بعضهم لبعض عدوًّا.

    ولم يكن صدقي باشا على براعته ومهارته بأعظم حظًّا من حسن الطهي من صحيفة حزب الاتحاد؛ فقد
    أسرع هو أيضًا إلى هذه الرسالة، فذكر الذين طبخوها وهيئوها، ونسي أن هؤلاء الطباخين والطهاة
    الذين طالما مارسوا هذا الفن قد طبخوا له كثيرًا وطهوا له كثيرًا، وأن طبخهم كان يُعجِبه، وأن
    طهيهم كان يُرضِيه، وأنه كثيرًا ما دفعهم إلى الطبخ وحثَّهم على الطهي، وأن الذنب ليس ذنب
    الطباخين والطهاة إذا خرج صدقي باشا من الحكم وخلفه قوم آخرون يحبون طبخ الطباخين، ويكثرون من
    طهي الطهاة.

    وذكر صدقي باشا تبليغ الحكومة البريطانية سنة ١٩٣٠ ورده عليه، وأنكر صدقي باشا أن يكون كاتب
    هذا الرد التاريخي البديع في حاجة إلى أن يستعين بالإنجليز، ولكن صدقي باشا نسي أن الناس يقولون
    ويُلِحُّون في القول، أن ذلك الرد التاريخي البديع نفسه قد كان طبخة متقَنة، وأن من أصحاب صدقي
    باشا وخصومه من يستطيعون أن يقولوا له لا تذكر هذا الرد؛ فقد طبخناه معًا.

    فأنت ترى أن الذين يطبخون لخصوم صدقي باشا بعد أن طبخوا لصدقي باشا نفسه، وأن صدقي باشا حين
    كان يسيغ طبخ الطباخين أمس، وحين ينكره اليوم ويعافه كل هؤلاء قليلو الطهي فيما يظهر لا يحسنون
    الملاءمة بين الأشياء، ولا يُجِيدون الكيد المستور، والحرب التي تظهر آثارها ونتائجها ولا تظهر
    معداتها ومقدماتها، وحقيقة الأمر فيهم جميعًا أنهم كانوا صديقًا أمس، فأصبحوا عدوًّا اليوم،
    وأنهم قد اختصموا ما استطاعوا الخصومة في مصر، فرمى بعضهم بعضًا بالشر، واتهم بعضهم بعضًا
    بالإثم، وطبخ بعضهم لبعض، وطبخ بعضهم على بعض، حتى إذا ملئوا الجو المصري بريح هذا الطبخ المنكر
    البغيض، أبوا إلا أن يملئوا به الجو الأوروبي؛ فنشرت مقالة الطان في جريدة الطان، ونشرت رسالة
    الديلي تلغراف في جريدة الديلي تلغراف، وصدقي باشا يعلم حق العلم كيف تطبخ المقالات لجريدة
    الطان، وكيف تطبخ الرسائل لجريدة الديلي تلغراف.

    والشيء المهم الذي لا ينبغي أن يصرف عنه المصريون هو أن القوم لم يزيدوا على أنهم يمضون فيما
    بدءوا من كيد بعضهم لبعض، وسعي بعضهم ببعض، والاجتهاد في أن يضعف بعضهم بعضًا، وفي أن يُفسِد
    بعضهم على بعض أمور الحكم، والظريف أن الذي يقرأ كلمة صدقي باشا في الأهرام لا يشك في أن الرجل
    حريص أشدَّ الحرص على أن يقنع أصفياءه وأولياءه بأن الرسالة قد طبخت في مصر، فلا ينبغي أن
    يحفلوا بها ولا أن يلتفتوا إليها، بعد أن دلت التجربة على أن جريدة الديلي تلغراف في مثل هذه
    الأشياء لا تصور الرأي الإنجليزي، وإنما تصور رأي جماعة من المصريين كانوا يطبخون لها قبل أن
    يستقيل صدقي باشا، وهم يطبخون لها بعد أن استقال، ومعنى هذا أن مقالة الديلي تلغراف هذه لو طبخت
    في إنجلترا نفسها لكان لها خطر آخر، ولخاف منها صدقي باشا أشد الخوف على أصحابه وأصفيائه،
    ولأشفق منها صدقي باشا أشدَّ الإشفاق على أنصاره وأوليائه.

    ومعنى هذا أن صدقي باشا يعلم حقَّ العلم القيمة الخلقية والسياسية لما تنشره جريدة الديلي
    تلغراف حين تعرض للشئون المصرية، ولكن الشيء الذي يلذُّ أن نعلمه هو رأي المندوب السامي في هذه
    الطبخة أترضيه أم تسوءه؟ وفي الذين طبخوها أأحسنوا إليه أم أساءوا إليه؟ أَشَكَا حقًّا من
    استعانة صدقي باشا بزيارته على الوزارة أم شكا عنه الطباخون فأغرقوا في الفضول. والشيء الذي
    يلذُّ لنا أن نعلمه هو رأي المندوب السامي في هذا الكلام الكثير الذي يقال عن جريدة إنجليزية
    معروفة لها مكانها بين الصحف الإنجليزية الكبرى؛ فإن صدقي باشا يقول إن هذه الصحيفة الإنجليزية
    الكبرى متأثِّرة بجماعة من الطباخين المصريين تُقدِّم لقرائها من ألوان الطعام ما يُهَيَّأُ لها
    في مصر لا تزيد على أن تقدمه في غير بحث ولا تحقيق ولا تحرٍّ للصواب.

    ويظهر أن قلة الطهي لا تريد أن تقف عند مقالة الطان ورسالة الديلي تلغراف؛ فهي تتناول شيئًا
    آخر كنا نحبُّ أن يظل بعيدًا عن الطهي والطهاة وعن الطبخ والطبَّاخين، فرياسة مجلس النواب تطبخ
    في مطبخين مختلفين؛ فالشعبيون يطبخونها لصدقي باشا، والاتحاديون يطبخونها للدكتور رفعت باشا،
    وكلا الفريقين حريص على أن تقبل الوزارة طبخته، وكلا الفريقين مستعدٌّ لمقاطعة الوزارة إن قبلت
    طبخة الخصم، ووزير التقاليد بما عرف من طهيه الرائع البارع لا يتردد في أن يظهر ميله — نستغفر
    الله — بل في أن يظهر رأيه لأصحاب المطبخين، فهو يؤثر، ويعلن أن الوزارة تؤثر معه طبخة حزب
    الاتحاد، فإذا ظهر رأيه هذا ضاق به الطباخ الأعظم في حزب الشعب، فطلب إلى الوسطاء أن يقطعوا
    المفاوضات، وانتهى الأمر إلى أن مراجل الحزبين ستغلي بما فيها حتى يجتمع البرلمان إن اجتمع
    البرلمان، وهناك يقدم للوزارة لونان أحدهما صدقي باشا ومعه حزب الشعب، ورياسة الوزراء السابقة،
    وتأسيس النظام القائم، وزيارته لدار المندوب السامي ورسالة الديلي تلغراف في هذه الزيارة،
    ومقالة الطان في مسألة الدين ومضاربات القطن، وما يتصل بهذا كله من التوابل والمشتهيات، والآخر
    الدكتور توفيق رفعت باشا ومعه تضحيته بالوزارة في سبيل الرياسة، ومعه دكتوراه الشرف من كلية
    الحقوق، ومعه حزب الاتحاد، وما أدراك ما حزب الاتحاد ذو العمد والأوتاد، والوزارة حرة في أن
    تختار بين هذين اللونين، أو قل الوزارة مكرهة على أن تختار أحد هذين اللونين، والغريب أن
    المستقلين والمعارضين في مجلس النواب لم يهيئوا من أنفسهم للوزارة طبخة تريحها من العناء،
    وتُعفِيها من الاختيار، فليس حتمًا أن تكون رياسة مجلس النواب لأحد الحزبين المؤتلفين
    المختلفين، وما الذي يمنع أن يكون رئيس الحزب الوطني رئيسًا لمجلس النواب؛ فتستريح الوزارة
    وتنقطع الخصومة، ويصفو الجو، وتؤجل الأزمة بين المؤتلفين المختلفين إلى حين.

    نظن أن هذه الطبخة لا بد منها، ونظن أن المعارضين لن يقصروا في تهيئتها، ولكن أتستطيع الوزارة
    أن تمدَّ إليها يدًا أو تفتح لها فمًا أو تهيئ لها معدة؟ هذه أسئلة يجيب عنها الغد القريب أو
    البعيد. ومهما يكن من شيء فأنت توافقني على أن من المؤلم أن يدخل الطبخ في السياسة الرسمية هذا
    الدخول وإن نقص الطباخين حسن الطهي إلى حد بعيد.