Tag: Ministerial

  • يقظة | Vigilance

    يقظة
    أما أن الوزارة يقظة لا تعرف النوم ، ساهرة لا تعرف الرقاد ، حذرة لا تعرف الإهمال ، متنبهة لا يمكن أن تؤخذ على غرة ، فهذا أمر واضح كل الوضوح ، جلي كل الجلاء ، لا يقبل الشك ولا يحتمل النزاع . وإذا لم يكن بد من أن يقام الدليل على ذلك للمكابرين والممارين مع أن ذلك لا يحتاج إلى دليل فيكفي أن يفكر الناس في أن خصمًا من الخصوم السياسيين للوزارة لا يقول كلمة إلا أحصيت عليه ، ولا يأتي حركة إلا علمت بها الوزارة ، ولا ينتقل من مكان إلا سبقته من عيون الحكومة وأرصادها طلائع وأتباع ، ولا يزوره زائر إلا نمي أمره إلى السلطان ، ولا يتحدث إليه متحدث إلا عرف أمره في ديوان . فإذ كنت تريد بعد ذلك يقظة ، وإذ كنت تريد فوق ذلك تنبهًا وحذرًا فأنت عسير ، لا يعجبك العجب ولا الصوم في رجب . ومع ذلك ففوق كل يقظة يقظة أخرى ، وفوق كل حذر حذر آخر أشد منه وأدق ، وأبلغ في الحيطة وأقطع للشر ، وأحسم للداء . فالوزارة يقظة في المراقبة ولكنها يقظة أيضًا فيما هو فوق المراقبة ، فهي تبذل الممكن لتحول بين الناس وبين خصومها السياسيين ، تفرق هؤلاء الناس عن خصومها بالحار حينًا والبارد حينًا آخر ، وبالفاتر في كثير من الأحيان .
    فأما الحار فهذه العصي والسياط التي تعمل في الجلود . وأما البارد فهذا الماء الذي يتدفق من مضخات الحريق . وأما الفاتر فأشياء بين ذلك ، منها الزجر والانتهار ، ومنها التهديد والوعيد ، ومنها الترغيب والترهيب ، ومنها ما شئت وما لم تشأ مما يطمع ويخيف . ومنها ما أحببت وما لم تحب من القطارات المسلحة والسيارات المصفحة والخنادق المحفورة والأسوار التي ترفع إلى السماء .
    فليس من سبيل إذن إلى أن ينكر منكر أن وزارتنا يقظة كل اليقظة ، حذرة كل الحذر ، متنبهة كل التنبه . وليس من سبيل إلى الشك في أن رئيس وزرائنا كان موفقًا كل التوفيق حين أبرق إلى الديلي تلغراف منذ أيام بأن غيبته عن مصر وإقامته فيها سواء ، لأن السياسة المرسومة لمصر في هذه الأيام تجري وستجري على أحسن ما تجري عليه السياسة .
    فقد مرض رئيس الوزراء وكأنه لم يمرض ، وسافر رئيس الوزراء وكأنه لم يسافر ، ومضت حكومة رئيس الوزراء أثناء مرضه وأثناء سفره على ما كانت تمضي عليه أثناء صحته وإقامته من اليقظة والحذر ، ومن التضييق على الخصوم والمعارضين ، تسلك إليه كل سبيل وتنهج فيه كل يوم نهجًا جديدًا .
    وليس من سبيل إلى الشك في أن رئيس الوزراء يستطيع أن يتمثل الآن قول الشاعر القديم :
    إذا أيقظتك خطوب الزمان فنبه لها عمرا ثم نم
    فهو يستطيع أن يتمثل هذا البيت وأن ينام ملء جفونه ويتنفس ملء رئتيه ويستمتع بالراحة والهدوء طول الصيف فقد نبه عمرًا ، وعمرو هو وزير الداخلية الذي لا ينام ولا خوف عليه من أن ينام .
    ولكن اليقظة الإنسانية محدودة ككل ما يضاف إلى الإنسان ، فقد يستطيع وزير الداخلية أن يأرق الليل والنهار ، ويبذل من الجهد ما لا يبذله غيره في بلد من البلاد ، ثم لا يظفر بعد ذلك بما يحب وما نحب نحن من ضبط الأمن وإقرار النظام وحماية الأنفس والأموال . وليس ينبغي أن يؤخذ وزير الداخلية بهذه الحوادث الكثيرة العنيفة التي تحدث متصلة مطردة في أرض مصر والتي تزهق فيها الأنفس وتسفك فيها الدماء وتكثر فيها الجراحات ، وتنهب فيها الأموال . فوزير الداخلية مهما يكن رجل من الناس ، له قوة المتفوقين وفيه ضعف الناس على كل حال . والله وحده هو القادر على أن يعصم النفوس من أن تزهق والدماء من أن تسفك ، والأموال من أن تسرق ، والحرمات من أن يعتدى عليها لأن الله وحده هو الذي لا يمكن أن يفوته آثم ، ولا يفلت من سلطانه مفلت مهما يكن قويًا ماكرًا .
    وعلى هذا النحو تستطيع كل وزارة أن تعتذر حين تفلت الأمور من يدها ، وحين تتفرق الأمور عليها ، وحين لا توفق من ضبط الأمن وحماية النظام إلى ما تريد . أما في غير مصر فيقبل منها هذا العذر لأنه لا يقدم إلا مقرونًا بشيء آخر ، هو الاعتراف بالضعف والعجز والاستقالة من النهوض بما لا يمكن النهوض به ، والقيام بما لا يمكن القيام به . يقبل العذر ، وتقبل الاستقالة . ويكلف بحماية الأمن والنظام قوم آخرون لعلهم أن يكونوا أقدر على حماية الأمن والنظام ، فإن وفقوا فذاك وإلا قدموا العذر والاستقالة فيقبل العذر والاستقالة مرة أخرى .
    وأما في مصر فالوزارة لا تقدم عذرًا ، ولا استقالة . وإنما يلتمس لها الناس العذر فتقره أو لا تقره ، وترضاه أو لا ترضاه . وثق بأن وزارتنا القائمة لن تقبل هذا العذر الذي تلتمسه لها لأنها لا تسلم ولا يمكن أن تسلم بأن الأمن مضطرب ، وبأن النظام ضعيف وبأن حياة الناس وأموالهم ليست من الصيانة بحيث يجب أن تكون في بلد متحضر يعيش في القرن العشرين ، لن تسلم الوزارة بهذا ، ولن تقبل الاعتذار . فأما الاستقالة فشيء لا يمكن التفكير فيه .
    ومع ذلك فالوزارة نفسها تعترف بهذا العجز وتعترف به على نحو يخيل إلينا أنه لا يليق بالوزارة القوية العزيزة ذات الشأن الرفيع والسلطان المنيع . وأي اعتراف أوضح وأجلى وأشد خطرًا على سمعة الوزارة وسمعة مصر من هذا القرار الذي اتخذه وزير الداخلية منذ أسبوع فألغى به إجازات المأمورين ورؤساء الشرطة في مصر كلها طول فصل الصيف . ومتى اتخذت وزارة من الوزارات مثل هذا القرار في غير أيام الخطر الداهم الذي تتعرض فيه سلامة الدولة وأمنها للاضطراب .
    ولكن الأمر لم يقف عند هذا الحد ، فقد ظهر أن حرمان المأمورين ورؤساء الشرطة حقهم من الراحة أثناء الصيف لا يكفي لتكون يقظة وزير الداخلية مجدية منتجة . وهذه الصحف ذكرت أن المديرين رفعوا من أقاليمهم إلى وزير الداخلية مطالب يلحون فيها أن تزاد قوة الشرطة في الإقليم ، لأن ما بين أيديهم من القوة لا يكفي ولا يمكنهم من حماية الأمن بعد أن كثرت الجرائم في هذه الأيام كثرة خاصة .
    ويظهر أن وزير الداخلية قد عني بهذه المطالب ولكنه عني بها في رزانة وأناة وهدوء فلم يتسرع بإمداد المديرين بما يطلبون إليه من المدد ، وإنما أراد أن يدرس فيتقن الدرس ، ويبحث فيحسن البحث ، ويرسل الإمداد حين يثبت له أن إرسالها أمر لا مندوحة عنه ولا سبيل إلى الإبطاء فيه . وكذلك ألف وزير الداخلية لجنة برئاسة أحد الوكيلين ، برئاسة الوكيل المقيم الذي لم يسافر ليستريح ، وكلف هذه اللجنة أن تدرس اقتراح المديرين وتستعرض أمر الشرطة في كل إقليم وتقيس عدد الشرطة في كل إقليم إلى عدد السكان . وقد اجتمعت هذه اللجنة مرة في القاهرة ، فدرست واستعرضت ، ثم أرجأت الاجتماع إلى يوم يحدد فيما بعد ، وقد يكون هذا الاجتماع في الإسكندرية حيث يصطاف الوكيل ، وحيث يصطاف الوزير . وسينتهي الدرس من غير شك اليوم أو غدًا أو بعد غد إلى أن عدد الشرطة ملائم أو غير ملائم لعدد السكان ، ثم إلى قبول الاقتراح الذي يقدمه المديرون أو الإعراض عنه ، ولكن تنبئنا الصحف في أثناء هذا كله بأن اضطراب الأمن يزداد من يوم إلى يوم ، ويشتد من حين إلى حين ، وهذا نبأ نقرأه صباح اليوم يحدثنا بأن أسرتين اختصمتا في قرية من قرى الصعيد فدارت بينهما رحى القتال كما يقولون ، وأطلق الرصاص ، ولعب السلاح الأبيض ، ولعبت العصي والنبابيت وانجلت الموقعة بعد ساعة عن أربعة قتلى وعن خمسة وعشرين من الجرحى ، بينهم عشرة قد أصيبوا بجراحات خطرة بالغة . ومصدر هذه المعركة – فيما تقول الصحف – ضغائن قديمة بين الأسرتين ، والذين مكن هؤلاء الناس من أن يقتتلوا ويفني بعضهم بعضًا ، هو في أكبر الظن أن عدد الشرطة في ذلك الإقليم وفي ذلك المركز ، وفي تلك القرية لم يكن ملائمًا لعدد السكان . وكنا نحب أن نعرف معنى هذه الملاءمة كيف تكون وبم تتحقق؟ فهل يكفي لكل عشرة من السكان شرطي؟ أم هل يجب لكل مائة من السكان شرطي؟ أم هل يجب لكل ألف من السكان شرطي؟
    مسألة مشكلة تحتاج من غير شك إلى درس طويل ولكن هذا الدرس الطويل لن يسعف المديرين والمأمورين الذين ألغيت إجازاتهم والذين يعجزون عن إقرار الأمن وحفظ النظام .
    ألا يرى وزير الداخلية أن الخير إنما هو في أن يتلمس دواء أسرع وأنجع من المقارنة بين عدد السكان وعدد الشرطة؟ وهذا الدواء نعرفه نحن ، ويعرفه الناس جميعًا ، وتعرفه الوزارة حق المعرفة ، ولكنه لا تريد أن تأخذ شجاعته بكلتا يديها وأن تقدم عليه . هذا الدواء هو الاستقالة . فاستقالة الوزارة وحدها هي التي ترد الأمن إلى الاستقرار وترد النظام إلى الثبات ، لأن ما نحن فيه من فساد ليس مصدره أن بقاء الوزارة قد أفسد الشؤون العامة ، وزعزع ثقة الناس بكل شيء ، وشكك الناس في قيمة الحياة والأموال والحرمات . وإلا فلم يكن عدد الشرطة في عهد الوزارات السابقة أقل ملاءمة لعدد السكان منه الآن . ولم يكن أمر الأمن والنظام فاسدًا كما هو الآن ، ولم يظهر عجز الوزارة عن ضبط الأمن ووضع اليد على المجرمين في سرعة كما يظهر الآن .
    هذا هو الدواء الصحيح ، ولكن قلت لك إن الوزارة لن ترضاه فهناك دواء آخر لا يحسم الداء ولكنه يخفف شره بعض الشيء . وهو أن يسير وزير الداخلية في الناس سيرة زياد في أهل العراق فيشتد على المجرمين ما استطاع ويضمن في الوقت نفسه لمن تقع عليهم الجرائم ما يصابون به من الأنفس والأموال . ومعنى ذلك أن تدفع الحكومة إلى كل أسرة يقتل أحد أبنائها دية القتيل وإلى كل أسرة يجرح أحد من أبنائها دية ما أصابه من الجراحات ، وإلى كل أسرة يسرق منها شيء قيمة ما سرق منها قل أو كثر . فالحكومة – بحكم وجودها – ضامنة للناس الأمن على الأنفس والأموال . فإذ عجزت عن تحقيق هذا الأمن وأبت مع ذلك أن تستقيل فلا بد من أن تعوض على الناس ما يخسرون لعجزها وقصورها . ستقول : وأين تجد الحكومة ديات الذين يصرعون من القتلى والجرحى وقيمة ما يسرق من الأموال والعروض؟ والجواب على ذلك يسير لا ينكره إلا من ليس له قلب يشعر أو عقل يفكر ، فأنا أؤكد أن حياة مصري واحد من هؤلاء الذين يصرعون في كل يوم أحب إلى مصر وأعز عليها وأنفع لها من مؤتمر الطيران ومن مؤتمر البريد ومن مؤتمر السياحة ومن مؤتمر السكك الحديدية ومن مؤتمر الموسيقى الشرقية . حياة مصري واحد أنفع لمصر من هذه المؤتمرات كلها مجتمعة .
    فيجب على الوزارة أن تنصرف عن سياسة المؤتمرات وعن سياسة الدعاية في الخارج ، وعن سياسة الترف كلها وأن ترصد الأموال التي تنفقها في هذه السبيل للتعويض على الأسر التي يقع فيها القتل ، أو تقع عليها السرقة لعجز الوزارة عن حماية الأمن .
    ولعلك توافقني على أن مصر تؤثر ألف مرة ومرة أن تنفق الحكومة على هذه الأسر البائسة وتحميها من الجوع والحرمان على أن تدعو في الشتاء جماعة الممثلين والممثلات ، والراقصين والراقصات لتلهية الأجانب والمترفين في القاهرة . فليفكر وزير الداخلية اليقظ في هذا الاقتراح ، وله أن يعرضه إن شاء على هذه اللجنة التي تقارن بين عدد الشرطة وعدد السكان .
    كوكب الشرق في ٢٦ – ٧ – ١٩٣٣

  • رشوة | A Bribe

    رشوة
    لا تغضب الوزارة، ولا يغضب رئيس الوزراء، ولا تغضب النيابة، ولا يغضب البرلمان، فلسنا نحن الذين يذكرون الرشوة، ويفصلون أمرها تفصيلاً، ولسنا نحن الذين يسيئون إلى سمعة مصر، ويغضون من قدرها، ويصورونها للناس في هذه الصورة المنكرة التي تمثل حكومتها قائمة على الرشوة، تشتري ضمائر الناس، فيبيعها الناس ضمائرهم بالمال، ولسنا نحن الذين يقولون شيئاً من هذا أو يأتون شيئاً من هذا، بل نحن نكتب لنصف ما نجد من الألم اللاذع والحزن الممض، حين يقال عن مصر هذا الكلام، وحين تصور مصر للناس في مثل هذه الصورة.
    صحيفة إنجليزية من الصحف الكبرى، قد عُرفت بحبها للوزارة القائمة وإيثارها إياها، لا نقول بالمودة والعطف، بل نقول بالغلو في النصر والتأييد، لا تتحرج من أن تعلن أن رئيس الوزراء أحس ضعف وزارته قبل مرضه، ثم أحس تهالكها في هذا الضعف بعد أن أتاح الله له شيئاً من الشفاء، فأراد أن يسترد لوزارته شيئاً من القوة، فاصطنع في سبيل ذلك الرشوة، وتوسل إلى ذلك بشراء الضمائر، يشتريها من الموظفين بالعلاوات والترقيات! ويشتريها من الزراع بهذه الأموال التي زعم أنه ينفقها ليخفف ثقل الأزمة على الفلاحين!
    قالت الديلي تلغراف ذلك، وأضافت إليه أن رئيس الوزراء حين التجأ إلى هذه الرشوة قد أثقل الخزانة المثقلة، وأضاف إلى اضطرابها اضطراباً، وإلى ارتباكها ارتباكاً، ثم قالت إن هذا الأمر لا سبيل إلى المضي فيه. وكذلك يسجل اليوم على مصر في الصحف الإنجليزية الكبرى التي كانت تعلن حب الوزارة وموالاتها أن أمر الحكم فيها قائم على الرشوة وبيع الضمائر! ومن قبل ذلك نشرت التيمس في الصيف الماضي شيئاً يشبهه. فأي دعاية هذه التي تذاع عن مصر، وأي ترويج هذا الذي يروج لمصر؟!
    إن الوزارة القائمة تسرف في أموال الدولة إسرافاً منكراً، لتعلن عن نفسها ألواناً من الإعلان، فهي تمنح الصحف الأجنبية مقادير ضخمة من المال لتنشر لها فصولاً تكتب في مصر، وتهيأ في مكاتب الحكومة حتى إذا نُشرت هذه الفصول، اشترتها الحكومة، وجاءت بها أكداساً مكدسةً فأذاعتها في دواوينها، على الموظفين ليقرأوها، وما هم بقارئين منها قليلاً ولا كثيراً! وما كان من أصالة الرأي ولا من حسن الفهم أن يكتب الموظفون للموظفين، ولا أن تدخر الوزارة لنفسها داخل مكاتب الوزارة، وبينما تنفق أموال الدولة في هذا السخف، وبينما يكتب الوزراء والموظفون لأنفسهم، وبينما يعلن الوزراء والموظفون عن أنفسهم عند أنفسهم، تنشر الديلي تلغراف هذا الفصل الذي تقول فيه إن رئيس الوزراء يقيم وزارته على رشوة الموظفين والفلاحين، وشراء الضمائر من الموظفين والفلاحين.
    وهذا الكلام يذاع في إنجلترا، ويذاع في أوروبا، ويذاع في أمريكا، ويقرأه الناس الذين لم يقرأوا ما أنفقت فيه الوزارة من ألوف الجنيهات لتعلن عن نفسها، وعن كفايتها النادرة، ومهارتها الباهرة! ولو أن بعض الذين يقرأون الديلي تلغراف قد قرأوا هذا السخف الذي تنشره الملحقات بالأجور الباهظة، والمال الكثير لكان ما تنشره الديلي تلغراف خليقاً أن يمحو آثاره من نفوسهم، وأن يدلهم على أنه ليس إلا نوعاً من الدعاية الكاذبة، والإعلان المتكلف السخيف.
    ولا تقف الحكومة عند هذا الحد، ولكنها تدعو المحاضرين، والخطباء، وتعقد المؤتمرات في القاهرة وترسل الوفود إلى المؤتمرات التي تعقد في غير القاهرة، وتنفق في ذلك كله أموالاً ضخمةً، لو أنها احتفظت بها وبأمثالها مما ينفق في هذه السخافات دعايةً لمصر، وإعلاناً عن مصر، وتكلفاً بإظهار مصر بغير ما هي عليه. لو أن الحكومة احتفظت بهذا المال الكثير الذي تأثم بإرساله كل يوم مع الريح لما احتاجت إلى أن تقف العلاوات والترقيات، ثم تستثني، ثم يفسد عليها الأمر، ويضطرها الحرج إلى أن تفتح باب العلاوات والترقيات على مصراعيه!
    نعم ولو أنها احتفظت بهذا المال الذي تنفقه على هذه الدعاية الكاذبة غير المجدية لهان عليها أن تخفف من أثقال الفلاحين في غير رشوة أو ما يشبه الرشوة، لكن الحكومة تجري في أعمالها على سياسة أقل ما توصف به أنها بعيدة عن الرشد، بريئة من التوفيق.
    هذا كله ولم نعرض لما قالته الديلي تلغراف لنعلم أصدق هو أم كذب؟ أخطأ هو أم صواب؟ هذا كله ولم نعرض لما نشرته الديلي تلغراف لنبين آثاره المنكرة في حياتنا الخلقية والسياسية، سواء كان صحيحاً أو غير صحيح؟ فمن المحقق أن أحداً من الناس لم يفهم هذه السيرة المفاجئة التي سارتها الحكومة مع كبار الموظفين إلا على أنها نوعٌ من المكافأة والتشجيع، نوعٌ من المكافأة على بلائهم القيم في إذلال الشعب بحجة المحافظة على النظام، ونوعٌ من التشجيع على المضي في إذلال الشعب بحجة المحافظة على النظام! وإلا فمن ذا الذي يزعم أن أحداً من المديرين أو من كبار الموظفين في الداخلية كان في حاجة حقاً إلى أن يرقى أو يزاد؟
    لقد كان الناس ينتظرون أن يقصى بعضهم عن العمل، وأن يسأل بعضهم عما قدمت يداه، فإذا هم يكافئون على ما عملوا، وإذا هم يشجعون على أن يمضوا فيما يعملون، ولم تكن الحكومة موفقةً بحال من الأحوال في أمر هذه العلاوات ومنحها قبل رحلة صدقي باشا، إنما كان أمرها في ذلك أشبه بأمر المسافر الذي يوزع المكافآت قبل أن يبرح الفندق الذي كان يقيم فيه. فأساءت بذلك إلى نفسها، وأساءت بذلك إلى كرامة الموظفين، وأساءت بذلك إلى سمعة مصر، ومكنت الديلي تلغراف من أن تذيع في الذين يقرأونها، وهم كثيرٌ، أن أمر الحكم في مصر يقوم على الرشوة، وشراء الضمائر، وأن حال الخزانة لن تسمح بأن تمضي الحكومة في الرشوة وشراء الضمائر، وإن الخير في أن تزول هذه الوزارة وتأتي مكانها وزارة أخرى لا تشتري الضمائر، ولا تفسد الأخلاق، ولا تنفق أموال الدولة في غير منافع الدولة.
    وكلام الديلي تلغراف هذا لا يقرأ في إنجلترا وأوروبا وأمريكا فحسب، ولكنه يترجم في مصر، ويقرأه الذين يقرأون الصحف على اختلاف طبقاتهم وحظوظهم من الثقافة فيسوؤهم ذلك في كرامتهم القومية، ويملأ قلوبهم حزناً أن يكون هذا رأي الأجانب فيهم، وحكم الأجانب على الموظفين والفلاحين، ثم يشككهم هذا في نزاهة الوزارة، ثم يزيل هذا من نفوسهم الاطمئنان إلى إيثار الحكومة للعدل والقسط، ويضعف هذا في نفوسهم ما يجب أن يكون للحكومة من الهيبة والاحترام.
    وأنت تستطيع أن تقدر تأثير هذا كله في حياتنا الخلقية والسياسية، وتستطيع أن تفسر ما تزعمه الوزارة لنفسها من أنها تمحو الفوضى محواً، وتقر النظام إقراراً.
    كلا، إن سيرة الوزارة هذه تمهد أحسن تمهيد لأقبح صور الفوضى، ولهدم النظام هدماً منكراً، لأنها تملأ النفوس اضطراباً وشكاً، وتمحو منها الثقة بالمشرفين على الأمور العامة، والقائمين على تدبيرها.
    هناك حقيقة أخرى ليست أقل من هذه الحقيقة مرارة، ولا أضعف منها نكراً، وهي أن الإنجليز الذين كانوا يزعمون لأنفسهم الحيدة، ويعلنون أنهم قد تركوا أمور مصر للمصريين، قد أخذوا الآن يجهرون بما كانوا يسرون، ويظهرون ما كانوا يكتمون، ويعلنون أن حيدتهم لم تكن إلا خيالاً، وأن استقلال مصر بأمورها لم يكن إلا وهماً، ويقولون في صراحة مؤذية مخزية إن غياب المندوب السامي هو الذي يدعو إلى التردد في تغيير الوزارة القائمة. ولو أنهم قالوا ذلك كما نقوله لكان على ثقله ونكره محتمَلاً، ولكنهم يغلون في الصراحة ويغرقون في القوة، ويذكرون جلالة الملك، ويزعمون أن جلالته إن تردد في تغيير الوزارة، فمن مصادر هذا التردد أن المندوب السامي غائب عن مصر.
    وكم يحرص المصريون جميعاً مهما تختلف أحزابهم ومذاهبهم على أن يكون اسم الملك بمعزل عن هذه المناقشات والخصومات، لا في مصر وحدها، بل في خارج مصر بنوع خاص.
    ولكن سيرة الوزارة القائمة، وما انتهت إليه من إفساد لكل شيء، وتشويه لكل شيء، قد عرضت مصر بأن تؤذيها الصحف الأجنبية في كرامتها السياسية والخلقية فتذيع أن أمر الحكم فيها قائم على الرشوة وأن جلالة الملك لا يقطع في أمر الوزارة لغيبة المندوب السامي عن القاهرة.
    أتظن أيها القارئ أن بقاء الوزارة في مناصب الحكم يعدل هذا الثمن الباهظ الذي تدفعه مصر من راحتها وأمنها وسمعتها وكرامتها؟ كلا، إن بقاء الوزارة لأهون من أن يقال عن مصر ما يقال، وإن بقاء الوزارة لأهون من أن تلقى مصر ما تلقى، وإذا كان رئيس الوزراء لا يؤذيه ما يقال عنه في إنجلترا، وإذا كان الوزراء لا يؤذيهم ما يقال فيهم من أنهم غير أكفاء، ولا قادرين على البقاء في الحكم، ولا خليقين أن ينهضوا بأثقاله، إذا كان رئيس الوزراء وزملاؤه لا يسوؤهم هذا المأزق الذي اضطروا إليه، ولا يقنعهم بأن كرامتهم تضطرهم إلى الاستقالة، فإن مصر يؤذيها هذا الذي يقال، ويؤذيها هذا الذي يذاع، ويؤذيها هذا الذي يقع فيها، ويؤذيها أن تصبح حديثاً لقراء الصحف الأجنبية، يتندرون عليها ويتفكهون بها، ويسخرون منها، ويزدرون كرامتها.
    يؤذيها هذا كله، وهي واثقة بأن جلالة الملك أحب لها وأرفق بها، وأحرص على كرامتها من أن يدعها معرضة لهذا الازدراء، سواء غاب المندوب السامي أم حضر، سواء سافر رئيس الوزراء أم أقام.
    كوكب الشرق ٢١ – ٥ – ١٩٣٣