رشوة | A Bribe

رشوة
لا تغضب الوزارة، ولا يغضب رئيس الوزراء، ولا تغضب النيابة، ولا يغضب البرلمان، فلسنا نحن الذين يذكرون الرشوة، ويفصلون أمرها تفصيلاً، ولسنا نحن الذين يسيئون إلى سمعة مصر، ويغضون من قدرها، ويصورونها للناس في هذه الصورة المنكرة التي تمثل حكومتها قائمة على الرشوة، تشتري ضمائر الناس، فيبيعها الناس ضمائرهم بالمال، ولسنا نحن الذين يقولون شيئاً من هذا أو يأتون شيئاً من هذا، بل نحن نكتب لنصف ما نجد من الألم اللاذع والحزن الممض، حين يقال عن مصر هذا الكلام، وحين تصور مصر للناس في مثل هذه الصورة.
صحيفة إنجليزية من الصحف الكبرى، قد عُرفت بحبها للوزارة القائمة وإيثارها إياها، لا نقول بالمودة والعطف، بل نقول بالغلو في النصر والتأييد، لا تتحرج من أن تعلن أن رئيس الوزراء أحس ضعف وزارته قبل مرضه، ثم أحس تهالكها في هذا الضعف بعد أن أتاح الله له شيئاً من الشفاء، فأراد أن يسترد لوزارته شيئاً من القوة، فاصطنع في سبيل ذلك الرشوة، وتوسل إلى ذلك بشراء الضمائر، يشتريها من الموظفين بالعلاوات والترقيات! ويشتريها من الزراع بهذه الأموال التي زعم أنه ينفقها ليخفف ثقل الأزمة على الفلاحين!
قالت الديلي تلغراف ذلك، وأضافت إليه أن رئيس الوزراء حين التجأ إلى هذه الرشوة قد أثقل الخزانة المثقلة، وأضاف إلى اضطرابها اضطراباً، وإلى ارتباكها ارتباكاً، ثم قالت إن هذا الأمر لا سبيل إلى المضي فيه. وكذلك يسجل اليوم على مصر في الصحف الإنجليزية الكبرى التي كانت تعلن حب الوزارة وموالاتها أن أمر الحكم فيها قائم على الرشوة وبيع الضمائر! ومن قبل ذلك نشرت التيمس في الصيف الماضي شيئاً يشبهه. فأي دعاية هذه التي تذاع عن مصر، وأي ترويج هذا الذي يروج لمصر؟!
إن الوزارة القائمة تسرف في أموال الدولة إسرافاً منكراً، لتعلن عن نفسها ألواناً من الإعلان، فهي تمنح الصحف الأجنبية مقادير ضخمة من المال لتنشر لها فصولاً تكتب في مصر، وتهيأ في مكاتب الحكومة حتى إذا نُشرت هذه الفصول، اشترتها الحكومة، وجاءت بها أكداساً مكدسةً فأذاعتها في دواوينها، على الموظفين ليقرأوها، وما هم بقارئين منها قليلاً ولا كثيراً! وما كان من أصالة الرأي ولا من حسن الفهم أن يكتب الموظفون للموظفين، ولا أن تدخر الوزارة لنفسها داخل مكاتب الوزارة، وبينما تنفق أموال الدولة في هذا السخف، وبينما يكتب الوزراء والموظفون لأنفسهم، وبينما يعلن الوزراء والموظفون عن أنفسهم عند أنفسهم، تنشر الديلي تلغراف هذا الفصل الذي تقول فيه إن رئيس الوزراء يقيم وزارته على رشوة الموظفين والفلاحين، وشراء الضمائر من الموظفين والفلاحين.
وهذا الكلام يذاع في إنجلترا، ويذاع في أوروبا، ويذاع في أمريكا، ويقرأه الناس الذين لم يقرأوا ما أنفقت فيه الوزارة من ألوف الجنيهات لتعلن عن نفسها، وعن كفايتها النادرة، ومهارتها الباهرة! ولو أن بعض الذين يقرأون الديلي تلغراف قد قرأوا هذا السخف الذي تنشره الملحقات بالأجور الباهظة، والمال الكثير لكان ما تنشره الديلي تلغراف خليقاً أن يمحو آثاره من نفوسهم، وأن يدلهم على أنه ليس إلا نوعاً من الدعاية الكاذبة، والإعلان المتكلف السخيف.
ولا تقف الحكومة عند هذا الحد، ولكنها تدعو المحاضرين، والخطباء، وتعقد المؤتمرات في القاهرة وترسل الوفود إلى المؤتمرات التي تعقد في غير القاهرة، وتنفق في ذلك كله أموالاً ضخمةً، لو أنها احتفظت بها وبأمثالها مما ينفق في هذه السخافات دعايةً لمصر، وإعلاناً عن مصر، وتكلفاً بإظهار مصر بغير ما هي عليه. لو أن الحكومة احتفظت بهذا المال الكثير الذي تأثم بإرساله كل يوم مع الريح لما احتاجت إلى أن تقف العلاوات والترقيات، ثم تستثني، ثم يفسد عليها الأمر، ويضطرها الحرج إلى أن تفتح باب العلاوات والترقيات على مصراعيه!
نعم ولو أنها احتفظت بهذا المال الذي تنفقه على هذه الدعاية الكاذبة غير المجدية لهان عليها أن تخفف من أثقال الفلاحين في غير رشوة أو ما يشبه الرشوة، لكن الحكومة تجري في أعمالها على سياسة أقل ما توصف به أنها بعيدة عن الرشد، بريئة من التوفيق.
هذا كله ولم نعرض لما قالته الديلي تلغراف لنعلم أصدق هو أم كذب؟ أخطأ هو أم صواب؟ هذا كله ولم نعرض لما نشرته الديلي تلغراف لنبين آثاره المنكرة في حياتنا الخلقية والسياسية، سواء كان صحيحاً أو غير صحيح؟ فمن المحقق أن أحداً من الناس لم يفهم هذه السيرة المفاجئة التي سارتها الحكومة مع كبار الموظفين إلا على أنها نوعٌ من المكافأة والتشجيع، نوعٌ من المكافأة على بلائهم القيم في إذلال الشعب بحجة المحافظة على النظام، ونوعٌ من التشجيع على المضي في إذلال الشعب بحجة المحافظة على النظام! وإلا فمن ذا الذي يزعم أن أحداً من المديرين أو من كبار الموظفين في الداخلية كان في حاجة حقاً إلى أن يرقى أو يزاد؟
لقد كان الناس ينتظرون أن يقصى بعضهم عن العمل، وأن يسأل بعضهم عما قدمت يداه، فإذا هم يكافئون على ما عملوا، وإذا هم يشجعون على أن يمضوا فيما يعملون، ولم تكن الحكومة موفقةً بحال من الأحوال في أمر هذه العلاوات ومنحها قبل رحلة صدقي باشا، إنما كان أمرها في ذلك أشبه بأمر المسافر الذي يوزع المكافآت قبل أن يبرح الفندق الذي كان يقيم فيه. فأساءت بذلك إلى نفسها، وأساءت بذلك إلى كرامة الموظفين، وأساءت بذلك إلى سمعة مصر، ومكنت الديلي تلغراف من أن تذيع في الذين يقرأونها، وهم كثيرٌ، أن أمر الحكم في مصر يقوم على الرشوة، وشراء الضمائر، وأن حال الخزانة لن تسمح بأن تمضي الحكومة في الرشوة وشراء الضمائر، وإن الخير في أن تزول هذه الوزارة وتأتي مكانها وزارة أخرى لا تشتري الضمائر، ولا تفسد الأخلاق، ولا تنفق أموال الدولة في غير منافع الدولة.
وكلام الديلي تلغراف هذا لا يقرأ في إنجلترا وأوروبا وأمريكا فحسب، ولكنه يترجم في مصر، ويقرأه الذين يقرأون الصحف على اختلاف طبقاتهم وحظوظهم من الثقافة فيسوؤهم ذلك في كرامتهم القومية، ويملأ قلوبهم حزناً أن يكون هذا رأي الأجانب فيهم، وحكم الأجانب على الموظفين والفلاحين، ثم يشككهم هذا في نزاهة الوزارة، ثم يزيل هذا من نفوسهم الاطمئنان إلى إيثار الحكومة للعدل والقسط، ويضعف هذا في نفوسهم ما يجب أن يكون للحكومة من الهيبة والاحترام.
وأنت تستطيع أن تقدر تأثير هذا كله في حياتنا الخلقية والسياسية، وتستطيع أن تفسر ما تزعمه الوزارة لنفسها من أنها تمحو الفوضى محواً، وتقر النظام إقراراً.
كلا، إن سيرة الوزارة هذه تمهد أحسن تمهيد لأقبح صور الفوضى، ولهدم النظام هدماً منكراً، لأنها تملأ النفوس اضطراباً وشكاً، وتمحو منها الثقة بالمشرفين على الأمور العامة، والقائمين على تدبيرها.
هناك حقيقة أخرى ليست أقل من هذه الحقيقة مرارة، ولا أضعف منها نكراً، وهي أن الإنجليز الذين كانوا يزعمون لأنفسهم الحيدة، ويعلنون أنهم قد تركوا أمور مصر للمصريين، قد أخذوا الآن يجهرون بما كانوا يسرون، ويظهرون ما كانوا يكتمون، ويعلنون أن حيدتهم لم تكن إلا خيالاً، وأن استقلال مصر بأمورها لم يكن إلا وهماً، ويقولون في صراحة مؤذية مخزية إن غياب المندوب السامي هو الذي يدعو إلى التردد في تغيير الوزارة القائمة. ولو أنهم قالوا ذلك كما نقوله لكان على ثقله ونكره محتمَلاً، ولكنهم يغلون في الصراحة ويغرقون في القوة، ويذكرون جلالة الملك، ويزعمون أن جلالته إن تردد في تغيير الوزارة، فمن مصادر هذا التردد أن المندوب السامي غائب عن مصر.
وكم يحرص المصريون جميعاً مهما تختلف أحزابهم ومذاهبهم على أن يكون اسم الملك بمعزل عن هذه المناقشات والخصومات، لا في مصر وحدها، بل في خارج مصر بنوع خاص.
ولكن سيرة الوزارة القائمة، وما انتهت إليه من إفساد لكل شيء، وتشويه لكل شيء، قد عرضت مصر بأن تؤذيها الصحف الأجنبية في كرامتها السياسية والخلقية فتذيع أن أمر الحكم فيها قائم على الرشوة وأن جلالة الملك لا يقطع في أمر الوزارة لغيبة المندوب السامي عن القاهرة.
أتظن أيها القارئ أن بقاء الوزارة في مناصب الحكم يعدل هذا الثمن الباهظ الذي تدفعه مصر من راحتها وأمنها وسمعتها وكرامتها؟ كلا، إن بقاء الوزارة لأهون من أن يقال عن مصر ما يقال، وإن بقاء الوزارة لأهون من أن تلقى مصر ما تلقى، وإذا كان رئيس الوزراء لا يؤذيه ما يقال عنه في إنجلترا، وإذا كان الوزراء لا يؤذيهم ما يقال فيهم من أنهم غير أكفاء، ولا قادرين على البقاء في الحكم، ولا خليقين أن ينهضوا بأثقاله، إذا كان رئيس الوزراء وزملاؤه لا يسوؤهم هذا المأزق الذي اضطروا إليه، ولا يقنعهم بأن كرامتهم تضطرهم إلى الاستقالة، فإن مصر يؤذيها هذا الذي يقال، ويؤذيها هذا الذي يذاع، ويؤذيها هذا الذي يقع فيها، ويؤذيها أن تصبح حديثاً لقراء الصحف الأجنبية، يتندرون عليها ويتفكهون بها، ويسخرون منها، ويزدرون كرامتها.
يؤذيها هذا كله، وهي واثقة بأن جلالة الملك أحب لها وأرفق بها، وأحرص على كرامتها من أن يدعها معرضة لهذا الازدراء، سواء غاب المندوب السامي أم حضر، سواء سافر رئيس الوزراء أم أقام.
كوكب الشرق ٢١ – ٥ – ١٩٣٣

Share:

Comments

Leave a Reply