صوم
من المحقق أن القضاء لم يرد حين قضى بالسجن على توفيق دياب أن يقضى عليه بالمرض ولا بالتعرض للمرض. ومن المحقق أنه لم يرد أن يقضى عليه بالعذاب ولا بالتعرض للعذاب. ومن المحقق أنه أراد إرساله إلى السجن ليستقر فيه أشهرا ثم يخرج منه فيستأنف الحياة مع الأحياء، لا ليبقى فيه ريثما تسوء معاملته فتشرف به على المرض، ثم تسلمه إلى اليأس، ثم تضطره إلى الصوم، ثم تنتهي به إلى حيث يعلم الله، وإلى حيث يعلم الناس من أمر المريض المضنى إذا ألح في الصوم وامتنع عن الطعام والشراب.
من المحقق أن القضاء لم يرد من هذا شيئا، وما ينبغي أن يريد شيئا من هذا، ومن المحقق أن مصلحة السجون لم تنشأ لتعرض الأصحاء للمرض، ولا لتدفع بالمرضى إلى السقم المهلك والآلام التي تفتك بالحياة، ومع ذلك فقد أسلم إلى مصلحة السجون رجل مريض، ليس مرضه غامضا ولا مجهولا، وليس مرضه من هذه الأمراض التي يكون فيها الشك، ويختلف في تصويرها وتقديرها الأطباء. وإنما هو مرض معروف قد سجل الأطباء آراءهم فيه، ورفعت هذه الآراء إلى مصلحة السجون، ولم يسجلها أطباء مغمورون، وإنما سجلها جماعة معروفون، منهم أستاذ في المعهد الرسمي للطب في مصر، فيجب أن تسمع كلمته وأن تقدر. ومع هذا كله يقال إن مصلحة السجون لم تحفل بمرض المريض، ولا بآراء الأطباء حتى اضطرت إلى ذلك اضطرارا حين رأت من حال السجين نفسه ما يلزمها أن تختصه ببعض العناية.
ويقال إن مصلحة السجون لم ترد أن تمضي في هذه العناية بسجينها المريض، لأنها رأت حاله تحسن بعض الشيء، ورأته يأخذ بحظ من الشفاء، فردته إلى حال المسجونين العاديين، وهي تعلم من قرار الأطباء أنه عائد من غير شك إلى مرضه الحاد المضنى بعد أيام قليلة.
فهل تريد مصلحة السجون أن نفهم أنها تجد لذة في أن يألم المسجونون وتجد من تكميل العقاب أن تدور بهم بين الصحة والمرض، وبين الراحة والألم، تتركهم حتى يصيبهم المرض المحتوم، أو يشتد عليهم المرض الذي لا يفارقهم، وهنالك تعنى بهم شيئا، وتتفضل عليهم بقليل من العلاج حتى إذا حسنت حالهم قليلا، ردتهم إلى ما يسيئها ويفسدها، وتنقلت بهم على هذا النحو، تعالجهم ليمرضوا، وتمرضهم ليصحوا، تخرجهم من النار لتعيدهم إليها، وتدخلهم فيها لتخرجهم منها.
ما لهذا أنشئت مصلحة السجون، ولا لهذا أنشئت السجون، وما بهذا يمكن أن ترضى حكومة تقدر لنفسها شيئا من الكرامة وتطمع لنفسها في شيء من الاحترام، أم هل تريد مصلحة السجون أن نفهم أنها تعامل ضيوفها معاملة آلية صرفة، لا فهم فيها ولا فقه، ولا تدبر فيها لشيء، وإنما هو تطبيق ميكانيكي للنظام، فلان حسن الحال بعض الشيء، فيجب أن يصلى نار المعاملة العادية حتى إذا ساءت حاله كانت العناية به، فهي لا تعنى بالسجين إلا حين ترى نفسها مضطرة إلى هذه العناية! ما هكذا ينبغي أن تشرف الإدارات على مصالح الناس، وما هكذا ينبغي أن يفهم النظام وتنفذ أصوله وقواعده.
رجل قال الطب إنه لا يستطيع أن يبرأ من الألم، أو لا يستطيع أن يخف عنه الألم إلا إذا عاش عيشة خاصة رسمها له الأطباء وبينوا حدودها بيانا مفصلا واضحا. فمن الحق على مصلحة السجون أن تذعن لرأي الأطباء وأن تنفذ ما قرروا في غير تردد ولا تلكؤ، إلا أن تكون مصلحة السجون حريصة على أن يلقى الناس عندها ألوان العذاب ويتعرضوا عندها لخطر الموت!
هذا كله ولم نذكر أن توفيق دياب لم يقتل ولم يقطع طريقا ولم يسرق ولم ينقب على قوم آمنين، ولم يقترف إثما من هذه الآثام المنكرة التي يعاقب عليها القانون وحده، وإنما تعاقب عليها الأخلاق، ويعاقب عليها العرف، وتبقى آثارها السيئة ملازمة لصاحبها ما عاش، وملازمة لاسمه بعد أن يموت. لم يقترف توفيق دياب شيئا من هذه الآثام، وإنما أتى شيئا يختلف تقديره باختلاف الظروف، وباختلاف البيئات، وينكره القانون الآن في مصر، ولعله لا ينكره غدا، ولعله ليكن ينكره على هذا النحو من قبل. ولعله لا ينكره بحال من الأحوال في كثير من البلاد الأخرى، ولعله أن يكون مصدر شرف لصاحبه في بعض البيئات وفي بعض الظروف وفي بعض العهود. فليس من الحق ولا من العدل ولا من الرعاية لحرية الرأي أن يعامل هذا الرجل معاملة هؤلاء المجرمين الذين يفسدون في الأرض، والذين يلزمهم إثم الجريمة أحياء وأمواتا.
لم نذكر هذا لأننا قد ذكرناه وألححنا فيه، وذكره غيرنا وألح فيه، فلم يسمع له أحد ولم يحفل به أحد، حتى استيئسنا من أن الحكومة ستقبله أو تؤمن له، فلم نطمع إلا في أن يعامل الرجل معاملة سجين مريض قد يخف عنه الألم إذا ظفر من العناية بما ينبغي له، ولكن مرضه لا يزول. وآية ذلك أنه كان حرا طليقا قادرا على أن يحيط نفسه بألوان العناية والعلاج كلها، معتمدا في هذه العناية على خير الأطباء، فظل ست سنين لا يفارقه المرض، ولكنه يخف عنه حينا، ويثقل عليه أحيانا. أفتأبى مصلحة السجون على المريض أن تعامله معاملة المرضى؟
يقولون إن حال توفيق دياب قد حسنت بعض الشيء فيجب أن يُسوَّى بينه وبين غيره من السجناء تنفيذا للنظام، ولكن التسوية بينه وبين غيره من السجناء شيء لا سبيل إليه، لأنه لم يُشفَ من مرضه، فهو مريض، والسجناء أصحاء، وإنما تستطيع مصلحة السجون أن تسوي بينه وبين غيره يوم تسوي الطبيعة بينه وبينهم، فترد عليه صحته كاملة، ويسجل أطباؤه أن هذا المرض قد فارقه وانجلى عنه، وأنه قد شُفيَ الشفاء التام. فأما قبل هذا فإن مصلحة السجون تأثم حين تضطر المريض السقيم إلى ما يشق احتماله على الأصحاء.
زعموا أن بعض النواب تقدم إلى مجلسه باقتراح يصلح نظام السجون، ويفرق بين جرائم الرأي والنشر، وبين غيرها من جرائم العدوان على الحقوق والأنفس والأموال، وزعموا أن قد كان في النواب عطف على هذا الاقتراح وميل إلى قبوله والعمل به، ولكن هذا الاقتراح الذي قدم في نشاط إلى المجلس لم يكد يستقر فيه حتى أصابه جمود وخمود، وشيء يشبه الموت، فلم يذكره أحد، ولم يفكر فيه أحد، وأكبر الظن أننا لم نخطئ حين قدرنا منذ قدم هذا الاقتراح أن المجلس لن يحفل به إلا ريثما يهمله، وما هي إلا أن يقيم بعض النواب أنفسهم أوضح الأدلة على أنهم لم يكونوا جادين حين تلقوا هذا الاقتراح!
نعم وقف بعض النواب منذ أيام يستعدي على الصحف، ويلومها لأنها تطالب بأن يعامل المسجونون في الرأي كما يعامل أمثالهم في البلاد المتحضرة، ويرى أن هذا من الصحف تشجيع للإثم، وتحريض على التورط فيه. وقد فهمنا عن النائب ما أراد وعلمنا أن القوم لا يريدون بخصومهم خيرا ولا إنصافا، ولا يتحرجون في أن يصموا أنفسهم في ذلك بتجنب الحضارة والإغراق فيما تتنزه عنه البلاد الراقية حقا.
ليس لنا إذن أمل في النواب، والنواب مشغولون عن السجون ومن في السجون بما هم فيه من شؤون، والنواب مطمئنون فقد أذن الله لأوليائهم وأنصارهم من الكتاب ألا يقدموا للقضاء، ولا أن يدخلوا السجون، ولا أن يتعرضوا لمكروه ما دام الأمر إليهم، وما دام الحكم إلى وزارتهم القائمة والنواب حراص على أن يذوق خصومهم من ألوان الشدة والضيق، وصنوف العذاب والنكال، لعل ذلك أن يصدهم عن المعارضة ويصرفهم عن النقد، فكل شيء يدعو النواب إلى أن يهملوا هذا الاقتراح وينسوه حتى تنقضي هذه الدورة!
وزعموا أن الصحف كرهت أن يعامل الصحفيون كما يعامل توفيق دياب، فأنكرت واحتجت، واجتمعت وكررت الاجتماع، ولجت في الإنكار والاحتجاج، وانتهى بها كل هذا إلى فوز عظيم، ونجاح رائع، فأنشأت لنفسها ناديا تجتمع فيه مع الضحى، وتجتمع فيه مع الأصيل، وتجتمع فيه تحت جنح الليل، وهي في أثناء هذا الاجتماع المتكرر لا تلعب ولا تلهو، ولا تهمل ولا تقصر، ولا تتحدث إلا عن سجينها المريض، وعما يلقى وتلقى معه من مرارة إهانة وعما يحتمل وتحتمل معه من ألم ومضض، ولكنها لا تتحدث إلا إلى نفسها، ولا تسمع إلا نفسها، ولا تسعى إلا في ناديها. ومهما يكن من شيء فلم ترفع عنها إهانة، ولم ترد إليها كرامة، ولم ترع لها حرمة، ولم يزل عنها ضيم. وهي مع ذلك راضية مطمئنة، لأنها تجتمع وتسعى، وتتحدث. وهل تملك إلا الاجتماع، والسعي والحديث؟!
وكذلك تعرض مصلحة السجون عن الواجب، وكذلك يعرض النواب عن الواجب، وكذلك تعرض الصحافة عن الواجب. أما توفيق دياب فيثقل عليه المرض حتى يضنيه، فإذا ردت إليه العناية اليسيرة بعض صحته، أعيد إلى شر ما كان فيه، فينظر فإذا هو بين إهانة لازمة لا ترفع عنه، إهانة السجن في الرأي يلقى جزاء المجرمين العاديين، وبين مرض لازم لا تخف آلامه إلا ريثما تعود ثقيلة منهكة، وبين يأس يتراءى له من بعيد، ثم يدنو منه شيئا فشيئا، ويقرب منه قليلا قليلا حتى يتصل به ويملأ عليه عزلته ووحشته ووحدته إذا أشرق النهار، وهل يشرق النهار إلا في شحوب؟ وإذا أظلم الليل، وهل ظلمة الليل عليه إلا اتصال لظلمة النهار؟ يتلفت فلا يرى إلا مرضا ويأسا، ويفكر فلا يجد إلا مرضا ويأسا، وإذن فماله لا يخلص من المرض، وما له لا يخلص من اليأس، وما له لا يضع حدا لهذه الآلام التي يأبى الناس أو يعجزون أن يضعوا لها حدا.
ما له لا يقصر الأمد بينه وبين الراحة الكبرى والهدوء الشامل الذي لا يعرف مرضا ولا صحة، والذي لا يعرف يأسا ولا أملا، والذي لا يحتاج صاحبه إلى رحمة الناس ولا إلى عدل الناس، ولا إلى مروءة الناس، وإنما يحتاج إلى رحمة الله وحده، وإلى عدل الله وحده، وإلى رأفة الله وحده.
ما له لا يقطع أسباب الحياة هذه التي يجد الناس فيها ظلما وجورا، والتي يجد الناس فيها قسوة وغلظة، والتي يجد الناس فيها نزولا حتى عن الكرامة، وتفريطا حتى في الحرمات؟ ما له لا يدع الطعام والشراب، ولا يقبل على الصوم المتصل لعله أن يخلص من كل هذا المكروه.
وكذلك تحدث الناس أن توفيق دياب قد بدأ صومه هذا الخطر منذ أمس، وتساءل الناس عن هذا النبأ، فأكد لهم، وسأل الناس الحكومة عن هذا النبأ فآثرت صمتا هائلا مخيفا! وتسامع النواب بهذا النبأ فلم يقولوا عنه شيئا! وتسامعت الصحف بهذا النبأ فأذاعته وأشاعته، وتداعت للاجتماع بعد أن يكون توفيق دياب قد صام ثلاثة أيام، ووقع هذا النبأ في بيت توفيق فجزعت قلوب، وذهلت نفوس، وانهمرت دموع. وأقبل اليأس على هذا البيت الذي كان يملأه الأمل منذ أسابيع فأقام فيه ضيفا ثقيلا!
نعم وحل اليأس قلوبا ما كان ينبغي أن يصل إليها، وغشى اليأس بالحزن وجوها ما كان ينبغي أن يظهر فيها إلا البشر والابتسام للحياة.
اللهم اشهد أن هذا السجين البائس وأبناءه الصغار وأصدقاءه لا ينكرون القضاء، ولا يمارون فيه، ولا يترددون في الإذعان له عن رضى وطمأنينة، ولكنهم يريدون العدل الذي لا شك فيه ولا مراء، العدل الذي يأبى أن يعامل المريض معاملة الصحيح، وأن يعامل السجين في الرأي معاملة السجين في قطع الطريق.
كوكب الشرق ٢٦ – ٥ – ١٩٣٣
Tag: مصر
-
صوم
-
الروح الجامعي

الروح الجامعي
إن تقدير الهلال لشخصية الدكتور طه حسين بك هو الذي حدا به لاقتراح هذا الموضوع عليه. وما ذلك إلا ليقين الهلال بأن الدكتور هو خير من يعالج هذا الموضوع الخطير الوثيق الصلة بحياتنا الفكرية ومستقبلها الثقافي والهلال في هذا لم يكن متجنيا على الدكتور. بل طامعا في الوقوف على رأي من يشرف على إحياء الروح الجامعي في مصر. لم أختر هذا الموضوع مادة لهذا الحديث، وإنما اقترحته «الهلال» متحكمة به وفرضت به عليّ، وما أكثر ما تتحكم «الهلال» في أصدقائها من الكتاب، وما أكثر ما تتجنى به عليهم وما أشد إذعان هؤلاء الأصدقاء لهذا التحكم والتجني، كأنهم طلاب يقترح عليهم أساتذتهم بين حين وحين هذا الموضوع أو ذاك، ليكتبوا فيه ما يفتح الله به عليهم من الجيد والرديء، من المحال والمستقيم. وما أظن أننا نستطيع بعد أن قدمنا الإذعان لـ«الهلال» أن نثور بها ونتمرد عليها، خلافا لما تصدر إلينا بين حين وحين من أمر يطاق أو لا يطاق، ويستحب أو لا يستحب . فلنكتب إذن في هذا الروح الجامعي الذي هبط الوحي على «الهلال» بأن تبتلينا به وتمتحننا فيه. وليكتب الله لنا التوفيق فيما ندير في نفسنا من رأي، وما نملي على كاتبنا من لفظ، وما نسوق إلى قارئنا من حديث.
فلنكتب إذن في هذا الروح الجامعي الذي هبط الوحي على «الهلال» بأن تبتلينا به وتمتحننا فيه. وليكتب الله لنا التوفيق فيما ندير في نفسنا من رأي، وما نملي على كاتبنا من لفظ، وما نسوق إلى قارئنا من حديث وأول ما أقول في ذلك أني لا أكاد أتبين معنى واضحا دقيقا محدود الأطراف والنواحي لهذا الذي تسميه «الهلال» روحا جامعيا وتريد أن نشيعه في نفوس الطلاب. فهذا اللفظ في لغتنا جديد ما أعرف أن عهدنا قد بعد به، وما أرى أنه قد بلغ العشرين من عمره. وأكبر الظن أنه لم يكد يتجاوز الخامسة عشرة، وأكبر الظن أنه لم يشع في مصر إلا بعد أن أنشئت الجامعة المصرية الحكومية وأخذ صاحب المعالي الأستاذ أحمد لطفي السيد باشا مدير الجامعة يتحدث عن جامعته مبينا ما يفهمه من هذا اللفظ وما يجب أن يفهمه الطلاب والأساتذة، والنواب والشيوخ أيضا من لفظ الجامعة، وأخذ بعض الأساتذة المصريين الذين اختلفوا إلى الجامعات الأوروبية يتحدثون عن الجامعة ومثلها العليا، وعما يفهمون وما يحبون أن يفهم عنهم إذا تحدثوا عن الجامعة ومثلها العليا.
وقد يكون من المفيد أن نبحث لو أتيح لنا الوقت وهيئت لنا الفرصة عن أول نص عربي حديث استعمل فيه لفظ الروح الجامعي هذا. ولكن الوقت لا يتاح لنا والفرصة لا تتاح. ولعل «الهلال» لا ترضى منا مثل هذا البحث اللغوي التاريخي الثقيل. فالشيء الذي لا شك فيه هو أن اللفظ العربي الفصيح في نفسه أجنبي المعنى، قد جلب معناه من أوروبا ومن أمريكا وأسبغ عليه لفظ عربي صريح لا غبار على عربيته ولا شبهة في صراحته. فهو في ذلك كالسيارة والدراجة والحاكي والمذياع، ألفاظ تستقيم من الناحية اللغوية استقامة حسنة، ولكنها تدل على أشياء طريفة لم تعرف من قبل. ولو سمع الجاحظ وأشباهه لفظ الروح الجامعي هذا لما فهم منه شيئا ولما انتهى منه إلى شيء، إلا أن نبين له ما نريد وما نقصد إليه حين نستعمل هذا اللفظ العربي القديم في هذا المعنى الأجنبي الحديث.
ومع ذلك فلا بد من أن نلاحظ شيئين في ملاحظتهما إنصاف وتحقيق الأول: أن معنى الروح الجامعي إذا كان مستحدثا طريفا في لغتنا فلعله ألا يكون مستحدثا من جميع الوجوه ولعله أن يكون قد وجد عندنا قبل أن تنشأ الجامعة الحكومية أو الحرة، ولعله أن يكون قد وجد قبل هذا العصر الحديث في القرون الوسطى في مصر وفي غير مصر من أقطار الأرض الإسلامية التي نظم فيها التعليم على نحو ما والتي اطّردت فيه سنن وعادات الجماعة المشتغلين بالعلم والمنقطعين له والعاكفين عليه لعله أن يكون قد وجد بل قد وجد بالفعل، ولكننا لم نحاول أن نشخصه أو نسميه كما يفعل الأوروبيون والأمريكيون وكما نفعل نحن في هذا العصر الحديث. فليس من شك عندي في أن المعلمين والمتعلمين من أهل الأزهر الشريف منذ العصور البعيدة قد اتخذوا لأنفسهم عادات وسننا شملتهم جميعا ورأوا على مضي الزمان واختلاف الظروف أن الخضوع لها والرعاية لحرمتها أصل من أصول الآداب الأزهري الذي لا تليق المخالفة فيه أو الخروج عليه.
وقل مثل هذا في الذين اشتغلوا بالتعليم المنظم من غير الأزهريين في معاهد العلم الإسلامي وفي غير القاهرة من مراكز الثقافة الإسلامية.
وليس التاريخ الصحيح للأزهر وأشباهه من معاهد العلم إلا تحقيق هذا الروح الأزهري الذي يشمل المنقطعين له والعاكفين عليه مهما تختلف ظروفهم ومهما تتغير ألوان حياتهم. وهذا الروح الجامعي قد وجد كذلك في أوروبا أثناء القرون الوسطى في البيئات التي نشأت فيها الجامعات القديمة، فكان للجامعة الباريسية روحها الجامعي في القرن الرابع عشر، كما كانت لجامعة أوكسفورد وكمبردج روحها الجامعي الخاص الذي تطور مع الزمن. ولكننا نستطيع أن نتقصى تاريخه ونشخصه على اختلاف العصور والظروف ومعنى هذا كله أن الروح الجامعي ليس حديثا ولا هو من الأشياء التي ابتكرها هذا العصر الذي نعيش فيه. ليس حديثا في أوروبا وليس حديثا في الشرق. وإنما التكلم عنه والإشادة به والعناية بإشاعته في نفوس الشباب هو الجديد.
ومعنى هذا أيضا أن الروح الجامعي شيء حي قائم يتطور ويتغير، ويساير في تطوره وتغيره ما يختلف عن الحضارة الإنسانية من ألوان التطور والتغير. وما أرتاب في أن الأكاديمية التي كان يشرف عليها أفلاطون، واللوقيون التي كان يشرف عليه أرسطاطليس، ومدرسة الإسكندرية قد كان لكل منها روحه الجامعي الخاص الذي يشترك فيه الأساتذة والطلاب جميعا والذي تتوارثه أجيالهم حريصة عليه محتفظة به مجتهدة في حمايته من أن يدخل عليه ما ليس له أو أن يصيبه الضعف من التقصير في حمايته والذود عنه. فهذا أول الأمرين اللذين أردت أن ألاحظهما قبل كل شيء.
والأمر الثاني: أن الذين يذكرون الروح الجامعي الآن من المصريين لا يكادون يتفقون اتفاقا دقيقا على ما يريدون منه وما يدلون به عليه. فالروح الجامعي يختلف باختلاف الجامعات وهو من أجل ذلك يختلف عند الجامعيين المصريين باختلاف الهيئات الجامعية التي نشأوا فيها وتأثروا بما لها من العادات والتقاليد.
ومن المحقق أن الروح الجامعي الفرنسي ليس هو بالضبط الروح الجامعي الإنجليزي، بل من المحقق أن الروح الجامعي الإنجليزي نفسه يختلف في إنجلترا اختلافا شديدا. فهناك الجامعات الإنجليزية القديمة ذات التراث العظيم الذي تحرص عليه أشد الحرص وتذود عنه أعظم الذود. وهناك الجامعات الحديثة التي أنشئت في القرن الماضي مناهضة للجامعات القديمة أو مكملة ما كان ينقصها. وما من ريب في أن الروح الجامعي في أوكسفورد ليس هو بالضبط الروح الجامعي في كمبردج. ثم ما من ريب في أن الروح الجامعي في لندن بعيد كل البعد عن أن يطابق الروح الجامعي في هاتين الجامعتين العظيمتين. ومثل هذا يقال في فرنسا بالقياس إلى السوربون وإلى الجامعات الفرنسية في الأقاليم وإلى بعض المعاهد العلمية الحديثة في باريس نفسها، ومثل هذا يقال في ألمانيا وفي إيطاليا. فإذا تجاوزت أوروبا إلى أمريكا فالاختلاف أعظم وأوسع مدى. والأوروبي يبتسم عادة إذا ذكر له كثير من الجامعات الأمريكية، والأمريكي يضحك كثيرا جدا من تقاليد الجامعات الأوروبية.
فالروح الجامعي إذن شيء مختلف أشد الاختلاف متباين أشد التباين، يختلف باختلاف الظروف والبيئات ويختلف باختلاف الطبائع والأمزجة في الأمم التي تنشأ فيها الجامعات. فالرياضة البدنية مثلا عنصر مقوم للروح في إنجلترا، ولكنه ليس كل شيء، فإذا ذهبت إلى فرنسا فالروح الجامعي يستغنى استغناء تاما عن الرياضة البدنية في تكوينه، ويستطيع الشاب الفرنسي أن يكون جامعيا بأدق معاني الكلمة وأشملها دون أن يشارك في الألعاب الرياضية أو يكون له حظ من العلم بها قليل أو كثير.
فإذا ذهبت إلى أمريكا فالألعاب الرياضية هي العنصر الأول الذي يقوم الروح الجامعي وتكون الحياة الجامعية. وعلى هذا فالمصريون الجامعيون إذا ذكروا الروح الجامعي لا يكادون يتفقون على ما ينبغي أن يفهم من هذا اللفظ يفهم منه السوربوني معنى، ويفهم منه خريج أوكسفورد معنى ويفهم منه خريج لندن وليفربول معنى، ويفهم منه خريج جامعة برلين أو لايبزج معنى ويفهم منه خريج الجامعات الأمريكية معنى يكاد يخالف كل هذه المعاني أشد الاختلاف. وقد تغيرت نظم الحياة الإنسانية في هذا العصر الحديث الذي نعيش فيه، وكان من أشد مظاهر هذا التغيير تقريب مسافات الخلاف ومحاولة إلغاء الفروق بين الجامعات الإنسانية في كثير من أنحاء الحياة. فنظمت علاقات بين الجامعات تمكنها من التبادل والتعاون، ونظمت علاقات بين الطلاب تمكنهم من أن يلتقوا ويتعارفوا ويتعاونوا ويفهم بعضهم بعضا ويؤثر بعضهم في بعض، هذا إلى أنواع من المواصلات القهرية التي لا يستطيع الإنسان أن يخلص منها بل هو مضطر إلى أن يخضع لها سواء أراد أو لم يرد كالكتب والصحف والمجلات والراديو والسينما وما يشبه ذلك. كل هذه الأسباب تقرب بين الناس على اختلافهم من جهة وتتيح لأصحاب الصناعات المتقاربة والمهن المتشابهة أن يزدادوا تقاربا وتشابها من جهة أخرى. وقد شهدت أثناء الصيف الماضي في باريس محاولة من هذه المحاولات كان لها في نفسي أبلغ الأثر وأغربه. فقد عقد في باريس مؤتمر للتعليم العالي مثلت فيه جامعات الشرق والغرب وسمعنا فيه ممثلي الجامعات الأوروبية والأمريكية والآسيوية والإفريقية يتحدثون عن الجامعة وعما يفهمونه من الروح الجامعي. وكانت أحاديث ممتعة حقا، لأنها كانت مختلفة أشد الاختلاف متناقضة أشد التناقض، ولأنها كانت مع ذلك يسيرة سائغة فهمناها جميعا واستطعنا أن نجادل فيها ونستخلص منها نتائج وقرارات.
وهذا هو الذي أريد أن أنتهي إليه بعد هذه الإطالة وبعد هذا التفصيل فأجيب في إيجاز عن السؤال الذي ألقته علي الهلال: ما الروح الجامعي ؟ وكيف نشيعه في نفوس الطلاب؟ الروح الجامعي الذي يسمو على كل الفروق ويرتفع فوق كل لون من ألوان الخلاف، هو الذي ميز الإنسان وسيميزه من الكائنات الحية كلها، هو حب الحق والبحث عنه هو الرغبة في المعرفة والحرص عليها، هو الإقبال على العلم من حيث هو لا من حيث ما قد ينتج من الخير أو يحقق من النفع. هذا الروح هو الذي مكن ممثلي الجامعات المختلفة فيما بينها أشد الاختلاف من أن يفهم بعضهم بعضا ومن أن ينتهوا إلى نتائج وقرارات. هذا الروح من طبعه أن يرفع الإنسان عن الصغائر ويبرئه من الدنيات، لأنه يرفعه من المنافع العاجلة التي تثير الخصومات الرديئة بين الناس وتفسد صلات الود والحب الروح الجامعي هو الذي يجعل الناس إخوانا في العلم، ويقيم أخوتهم على المودة والحب، وعلى الحرية والمساواة في الحقوق والواجبات، هذا هو الروح الجامعي. فأما السبيل إلى إشاعته في نفوس الطلاب فيسيرة جدا لأنها لا تكلف صاحبها عناء ولا مشقة أن يكون الأستاذ مثلا صالحا لطلابه لا يفرض عليهم نفسه ولا رأيه ولا يأخذهم بشدة الحاكم ولا يسير فيهم سيرة المتحكم وإنما يصطنع منهم روح المودة التي تنشأ من حب للعلم والتعاون على تحصيله في غير مماراة ولا تهالك على الخصومة ولا اعتزاز بالنفس ولا اعتداد بالرأي.
الروح الجامعي هو التعاون على طلب الحق، ولن تشيعه بين الطلاب إلا إذا ضربت لهم من نفسك أحسن الأمثال وأصدقها في حب الحق والسعي إليه. ثم يختلف الروح الجامعي بعد ذلك باختلاف البيئات والظروف، ولكن جوهره الذي لا يختلف ولا يتباين مهما تختلف البيئات والظروف هو حب الحق والإذعان لسلطان هذا الحب.
الهلال ديسمبر ١٩٦٧
بقلم الدكتور طه حسين -
لغو الصيف
لغو الصيف
«من هنا يا آنسة؟ من هنا؟» ثم أشار إلى مائدة منعزلة كأنما هيئت لقوم يريدون الخلوة واعتزال الناس. فلما انتهيا إليها أعجبهما مكانها الجميل على شاطئ النيل في ظل هذه الشجرة الضخمة الباسقة، قد مدت أغصانها في قوة إلى أمام، حتى إذا تجاوزت بها الشاطئ حنتها نحو الماء، وغمستها فيه كأنما تريد أن ترتشف منه، ونظر الصديقان من حولهما فلم يريا أحدًا، ومد الصديقان بصرهما أمامهما وأطالا النظر إلى النيل وهو يجري من تحت أقدامهما في قوة الشاب وهدوء الحكيم، ثم جلسا، وقال الرجل لصاحبته: هنا يحسن الحديث. قالت: ويحسن الصمت أيضًا. وقد ظهرت على وجه صاحبها علائم تدل على أنه لم يفهم عنها ما أرادت إليه، وأحست هي منه السؤال الذي لم ينطق به، فقالت وكأنها تجيب: إن تحدثنا تساقينا موسيقى الحوار، وإن سكتنا تساقينا نجوى الضمائر ووحي القلوب. ولنا في كلتا الحالين لذة، ولنا في كلتا الحالين متاع، فخذ بأيهما شئت. قال: فأيهما تريدين؟ قالت: لا أريد شيئًا إلا أن نترك أنفسنا على سجيتها. فإن انطلقت ألسنتنا سمعتها آذاننا، وإن آثرت نفوسنا الحديث الصامت وعته قلوبنا. قال وهو يضحك: أيسر من هذا كله وأدنى إلى التناول أن نتساقى ما يبرد الغليل، ويرد عنا حر هذا القيظ. ثم دق يدًا بيد في شيء من الرفق. فأقبل الخادم وتلقى عنه أمره وانصرف.
وكان هو طويلًا نحيفًا، ظاهر النشاط، خفيف الحركة، مكتمل القوة، لا يظهر عليه ما يدل على سنه إلا خيوط بيض متفرقة قد انتثرت في شعر رأسه انتثارًا. وكان عذب الصوت، حازم اللهجة، معتدل الحديث، ولعله كان إلى الإبطاء فيه واصطناع الأناة أدنى منه إلى الإسراع والتعجل، وكان صوته يمتد من حين إلى حين، لا غضبًا ولا تحمسًا، ولكنه كان مقتنعًا بما يقول، فكانت حدة صوته ولينه يمثلان حظه من الإيمان والاقتناع بما يقول. وكانت هي ربعة، ممتلئة الجسم، مستقيمة القد، معتدلة القامة، وكان وجهها مشرقًا شديد الإشراق، منسقًا بديع التنسيق، تمر به من حين إلى حين سحابة رقيقة جدًا من حزن لا يكاد يتبينها إلا من اعتاد أن يلقاها ويطيل صحبتها والتحدث إليها. وكانت هذه السحابة الطارئة لا تمر بها وهي تتحدث، إلا قطعت عليها الحديث فجأة، ثم تلبث أن تزول فيتصل الحديث، ولا تمر بها وهي تسمع إلا لهت عن محدثها لحظة ثم تزول، وإذا هي ترفع إلى محدثها طرفًا فيه شيء كثير جدًا من الحياء والإشفاق، وتستعيد ما قال في صوت عذب، ولفظ حلو، يحسن مسه للآذان ووقعه في القلوب. وكان صوتها هادئًا عريضًا يمثل نفسًا هادئة غنية ممتلئة بالعواطف الخصبة والشعور الحي والعلم الغزير. وكأن الفرصة أرادت أن ترضي حاجتها إلى الصمت، وحاجة صديقها إلى الكلام، فقد أقاما صامتين لحظة غير قصيرة ينظران إلى سعي النهر أمامهما، كأنهما ينتظران شيئًا، وكأنهما يلهوان بالنهر وسعيه الهادئ القوي عما يضطرب في نفوسهما من الخواطر والآراء، ومن العواطف والأهواء، حتى إذا أقبل الخادم فهيأ المائدة وصف أكوابه وأطباقه، وانصرف راضيًا عن نفسه مبتسمًا لضيفيه، نظرت هي إلى صاحبها كأنها تسأله أن يبدأ الحديث، فقال، وقد فهم عنها ما كانت تريد: لسنا في حاجة إلى أن نبتدئ الحديث، وما علينا إلا أن نأخذه حيث تركناه حين انتهينا إلى هذا المكان الهادئ الجميل.
قالت: فإن هدوء هذا المكان وجماله قد أنسياني حدة ما كنا فيه من حوار، واضطراب ما كنا نتبادل من رأي، فلننظر القضية من أولها، فلعل هذا الهواء الطلق وهذا المنظر الحلو، وهذا السكون الساكن، أن تكون قد ردتك إلى شيء من الصواب وصددتك عما كنت فيه من جموح. فما أرى إلا أنك تظلم الأدب والأدباء جميعًا، وتقسو على الشبان والشيب. وكم أحب لك أن تكون سمح النفس، رضي الطبع، مستعدًا لشيء من التجاوز، تعذر طيش الشباب، وترفق بحدة الشيوخ. قال: فأحب أن أعلم أين الشباب وأين الشيب، ومتى يكون الأديب شابًا، ومتى يكون الأديب شيخًا. فهذا حديث طريف لم أسمع به في مصر قبل هذه الأيام، ولقد رأيت الأدباء منذ عرفت الأدب ينشئون النثر ويقرضون الشعر على اختلاف أسنانهم وتفاوت حظوظهم من القوة والضعف، فلا يختصمون في شباب ولا شيخوخة، وإنما يختصمون في الرأي ويختصمون في الفن، يعين بعضهم بعضًا، ويدافع بعضهم بعضًا، لا يعتز الشيخ على الشاب بتجاربه وكثرة ما أنتج من الآثار، ولا يعتز الشاب على الشيخ بحداثته وقوته، ونظرة شبابه، واتساع الأيام أمامه، وانبساط الآمال له. قالت: لم تر ذلك من قبل، ولكنك قد رأيته الآن. فأي غناء في أن تنكر شيئًا حدث الآن لأنه لم يحدث من قبل، وأي فرق بينك وبين عامة الناس الذين يضيقون بالجديد، لا لشيء إلا لأنهم لم يألفوه ولم يطيلوا عشرته؟ إن في الشباب نزوعًا إلى الفوز، وطموحًا إلى الظفر، وتعجلًا لاتساع الشهرة وبُعد الموت، وكل هذا طبيعي، وكل هذا مألوف لأنه يلائم فطرة الشباب وأخلاقهم. ولا تنكره عليهم، ولا تصرفهم عنه، فإني أخشى أن يفت ذلك في أعضادهم، وأن يضعف من نشاطهم، وأن يرد جذوتهم هذه الجميلة إلى الخمود.
قال: لقد كنا شبابًا كما كانوا. وكان لنا من رفاقنا في الأدب أساتذة قد سبقونا إلى الحياة وتقدمت بهم علينا السن، وأخذوا من التجارب العلمية والفنية بحظوظ لم نأخذ بمثلها. فما حسدناهم وما أنكرناهم، ولا جاهدناهم ولا قصدنا إلى المكر بهم والكيد لهم، وإنما كنا نقفو آثارهم ونسمع لنصائحهم ونستعذب أحاديثهم، ولعلنا كنا نحس ما بينهم وبيننا من خلاف، فلم يكن ذلك يغرينا بهم، ولا يصرفنا عنهم. وإنك لتذكرين كم كنا نستعذب أحاديث حفني ناصف، وكم كنا نحرص على أن نروي عنه كل ما كان يحدثنا به من هزل القول وجده. وإنك لتذكرين أنا كنا ننصرف عنه بعد الجلسة الطويلة معجبين به محبين له، ثم لا نلبث أن نستعيد ما سمعنا منه فننكر بعضه ونعرف بعضه الآخر، ولا يمنعنا ذلك من أن نتعجل عودته إلى القاهرة آخر الأسبوع لنلقاه ونسمع منه ونتحدث إليه. وما خطر لك ولا خطر لي ولا خطر لواحد من أصحابنا أن ينكر حفني ناصف لأنه كان شيخًا ولأننا كنا من الشبان، أو يلوم حفني ناصف، لأنه سبقنا إلى الحياة والإنتاج، فسبقنا إلى الشهرة وبعد الصوت، إنما كنا نستعينه على أن نكون خيرًا منه، وكان يعيننا على ذلك راضيًا به مبتسمًا له راغبًا فيه. قالت: فإني أحب لكم معشر الشيوخ أن تكونوا كحفني ناصف وأمثاله من أساتذتكم، لا تضيقون بأبنائكم إن ثاروا أو تمردوا أو لعبت برؤوسهم نزوات الشباب.
هنا قال صاحبها في شيء من الغضب الضاحك: ومن زعم لك أني شيخ؟ هذا شيء لا أقره ولا أرضاه. قالت وهي مغرقة في الضحك: وما يعنيني أن تقره أو لا تقره، وإن ترضاه أو لا ترضاه، فأنت شيخ سواء أردت أم لم ترد. ألست قد أنفقت أكثر من ربع قرن تنشئ الرسائل وتنشر الفصول وتذيع الكتب؟ أليس قد اختلف إليك أجيال من الشباب فقرؤوا ما كتبت، وسمعوا لما قلت، وتأثروا بهذا وذاك؟ فمنهم من ذهب مذهبك، ومنهم من ذهب مذهب فلان أو فلان من أصحابك. فكن شيخًا أو لا تكن، فأنت أب على كل حال، ماذا أقول؟ بل أنت جد. فلم يختلف إليك جيل واحد، وإنما اختلفت لديك أجيال، ولم تتخرج عليك طبقة من الكتاب، وإنما تخرجت عليك طبقات. ولست أدري ماذا يغيظك من الشيخوخة، وماذا يسوؤك منها؟ ولم تكره أن يراك الناس كما أنت؟ بل لم تكره أن ترى نفسك كما أنت؟ ولم تريد أن تطمع في غير مطمع، وتطلب ما لا سبيل إليه؟ فليس التصابي من الأشياء التي تحب أو يرغب فيها الرجل المحتشم، وقد عرفتك رجلًا محتشمًا، فأجعل نفسك حيث أراد الله أن تكون.
قال في لهجة ماكرة وصوت عابث: فأنت شيخة إذن، فقد كتبت الكتب وأذعت الرسائل ودبجت الفصول، منذ عشرين سنة. قالت: بل منذ خمس عشرة سنة. قال: بل منذ عشرين. قالت: لم أكن أكتب حين شبت الحرب. قال: بل كنت تكتبين، وإني لزعيم أن أذكرك بعض ما كتبت قبل أن تشب الحرب. قالت: فإني لم أكن قد بلغت الخامسة عشرة. قال: لن أقول إنك شيخة في السن، ولو قلت ذلك لكذبني ما أرى وما أسمع. فعلا وجهها احمرار شديد، ومست يده في رفق كأنما تريد أن تضربه. وهي تقول: متى تدع هذا العبث؟ ومضى هو في الحديث.
فقال: أنت على نضرة شبابك شيخة في الأدب. قد كتبت منذ زمن طويل، وعلّمت أجيالًا مختلفة من الشباب، وتخرّجت عليك طبقات مختلفة من الكتّاب. قالت: تعال نتفق. لسنا شيخين ولا شابّين، وإنما نحن شيء بين ذلك، وأنت أدنى إلى الشيخوخة وأنا أدنى إلى الشباب. قال: ولا هذا، فلا بد من أن نتفق على معنى الشيخوخة في الأدب، فليس يكفي أن نكون قد اصطنعنا الأدب منذ زمن طويل، وأثرنا في أجيال مختلفة من الكتّاب لنكون شيوخًا، وليس من الحق أن كل أب شيخ، ولا أن كل جد شيخ. فقد نكون آباء، وقد نكون أجدادًا، ولكننا على ذلك لسنا شيوخًا. إنما الشيخوخة ضعف. وما أرى إلا أن الشيخ هو الذي أخذه الضعف، وبلغ منه العجز والفتور، فاضطر إلى العقم، وحيل بينه وبين الإنتاج. أفترين أنا قد انتهينا إلى هذه الحال؟ إنك تكتبين في كل يوم، وإني أكتب في كل يوم. والناس يقرؤون لك ويقرؤون لي، والناس يعجبون بك ويرضون عن بعض ما أكتب. قالت: بعض هذا التواضع. ولكنه مضى في الحديث فقال: وما زالت آمالك وآمالي في الأدب أبعد من أن تحد، وأوسع من أن تحصر، وما زلنا نتم الفصل أو الكتاب وإذا نحن نفكر في فصل جديد أو كتاب طريف، نريد أن نكتبه أو نذيعه. وما دمنا نجد هذه القوة، ونملك هذا النشاط، ونعرض آثارنا على الناس، ومنهم هؤلاء الشباب، فلسنا شيوخًا ولا قريبين من أن نكون شيوخًا. قالت: ليهلك هذا الشباب الذي تحبه وتحرص عليه، وتخشى أن يغتصبه منك الشبان. ولقد كدت أرضى منك بهذا الحديث وأحمد لك إحياء الأمل في نفسي، لولا أجد من الضعف ما لا تجده، وأحس من الهزيمة ما لا تحس. فأنت تكتب وتفكر في الكتابة، وأنت تنشئ وتتهيأ للإنشاء، أما أنا فلا أكتب ولا أفكر في الكتابة، وإن كتبت فلا أكتب للناس وإنما أكتب لنفسي، ولا أتحدث إلى الناس وإنما أتحدث إلى نفسي. ولعلي لا أذكر الناس في هذا الحديث وإنما أذكر نفسي. إنما أنا شيخة قبل أن أبلغ سن الشيوخ. أمحزونة أنا لذلك أم راضية أنا به؟ لا أدري، ولعلي أحزن له حينًا وأرضى عنه حينًا آخر. ولكني على كل حال لا أجد في نفسي هذا النشاط الذي يمكنني من رفض الشيخوخة. قال في صوت هادئ حار: كلا يا سيدتي، هذه أزمة من أزمات الشباب ليس بينها وبين الشيخوخة سبب، وأنا زعيم بأن هذا الصيف لن ينقضي حتى يتحدث الناس عنك فيطيلوا الحديث، ويعجب الناس بك فيكثروا الإعجاب. وسأكون أنا أحد هؤلاء المتحدثين وأحد هؤلاء المعجبين، ولكن حديثي عنك وإعجابي بك لن يقعا من نفسك إلا كما يقع منها حديث غيري من الناس وإعجابهم.
قالت: فأنت إذن تريد الثناء. قال: كلا، وإنما أريد شيئًا آخر خيرًا من الثناء، أريد أن أسبق الناس إلى قراءة شيء مما تكتبين. قالت: دعني ودع ما أكتب وما لا أكتب، وحدثني عن ظاهرة أخرى في الأدب المصري ظهرت عنيفة في هذه الأيام. قال: وما هي؟ قالت: ألست ترى غضب الأدباء من الشيوخ والشبان؟ قال: دعي لفظ الشيوخ. فليس في أدبائنا شيوخ. فضحكت وقالت: ألست ترى أن الأدباء جميعًا يضيقون بالنقد ولا يحتملونه، ولا يطيقون الصبر عليه؟ وكيف تفسر هذه الحدة؟ وأين تجد العلة لهذا الضيق؟ لقد كنت أريد أن أجد في هذه الحدة والضيق دليلًا على شيوخة الأدباء، ولكني أراهما شائعين حتى عند الذين لا أشك ولا تشك أنت في أنهم من الشبان. فهم أبغض للنقد والناقدين من كل إنسان.
ومهما أعجب فلن ينقضي عجبي من كاتب أو شاعر ينشر نثره أو شعره على الناس في كتاب مطبوع أو في صحيفة سيارة، فيخرجه بذلك عن ملكه الخاص، ويجعله بذلك ملكًا للناس جميعًا، ثم يأبى على الناس بعد ذلك أن يتصرفوا في ملكهم كما يريدون. قال: إن الكتاب والشعراء يسرفون على قرائهم ويكلفونهم شططًا، فهم يغضبون إن لم يقرأهم الناس، وهم يغضبون إن قرأهم الناس ونالوهم بشيء من النقد ولو خفيفًا. ولقد أتردد أحيانًا في أن أقرأ الكتاب أو الديوان يرسله إلي صاحبه، لأني واثق بأني قد أرى فيه غير ما يحب الكاتب أو الشاعر. فإن سكت عنه أثمت في حق الأدب وفي حق نفسي، ولم يرض مني صاحب الكتاب أو الديوان بهذا السكوت، وإن قلت ما أرى فتحت بابًا من أبواب الجدال ليس إغلاقه بالأمر اليسير، ولعله لا يغلق إلا على كثير من الموجدة. قالت: هذا اعوجاج في أخلاق الأدباء كنا ننكره على شيوخنا المتقدمين، وكنا نقدر أن أدباء الجيل الحديث سيقومونه في أنفسهم والناس، فأخلفوا الظن، وكذبوا الرأي، وأصبحوا خليقين أن يقومهم المقومون، سواء أرضوا بذلك أم كرهوه. فهم أن يتكلم، ولكنها مضت في الحديث قائلة: على أنهم لا يضيقون بالنقد فحسب، ولكنهم يتهالكون على الثناء، فما أشد ثورتهم على الناقدين! وما أحسن لقاءهم للمقرظين! قال ومع ذلك: فإني أتهم كل مقرظ، وأسيء الظن بكل تقريظ، وأعتقد اعتقاد الموقن أن النقد مهما يشتد ومهما يسرف صاحبه فهو أنفع وأجدى؛ لأن الكاتب إلى أن يعرف عيوبه ويتبين مواضع الضعف في آرائه وألفاظه وأساليبه، أحوج منه إلى أن يقال له أحسنت حين يحسن، وأصبت حين يصيب.
ومر فتى لم يبلغ السادسة عشرة، صبيح الوجه، رث الزي، حافي القدمين، يحمل سلة فيها باقات من زهر، فوقف على الصديقين وقدم إليهما أزهاره. قال الصديق لصاحبته: اختاري. قالت: أليس من الاختيار بد؟ قال الفتى: لا بد من ذلك يا سيدتي، فإني في حاجة إلى العشاء. هنالك اضطرب بصرها بين باقتين، في إحداهما ورد، وفي الأخرى قرنفل. قال الرجل للغلام: ضع هاتين الباقتين. ثم التفت إلى صاحبته وهو يقول: أما أنا فأحب لثم الورد وشم القرنفل.
من هنا، يا أستاذ، من هنا! وأذن لي في أن أسعى بين يديك، فلا بد لك من دليل. ثم سعت أمامه رشيقة أنيقة في طريق طويلة جميلة، يحفّها من جانبيها الشجر والزهر، وفيها قليل من ضيق، وشيء من التواء. وقد استمتعت الأشجار القائمة على جانبيها بشيء من الحرية عظيم لا يستمتع به الناس في هذه الأيام، فمدّت أغصانها كما شاءت في غير نظام، حتى اختلط بعضها ببعض والتفّ بعضها ببعض. وجعلت الآنسة تسعى أمامه رشيقة رفيقة، وتجدّ في التفريق بين هذه الأغصان الملتفّة المتعانقة لتشقّ طريقها وطريق صاحبها، وكأنها كانت تجد في ذلك شيئًا من العسر اللذيذ، فكانت تحاول أن تعتذر بهذه الجمل السهلة اليسيرة الفارغة التي تقال في مثل هذه الحال: ليست الطريق سهلة هنا، يجب أن تحتاط، وما رأيك في هذه الأغصان التي تريد أن تداعبنا وإن لم نطلب إليها المداعبة؟ حقًا لقد أسرفنا في إهمال هذه الأشجار فأسرفت في الانتفاع بحريتها. وكان صاحبها يجيب على هذه الجمل بضحك فارغ لا يدلّ على شيء إلا على أنه لم يكن يجد ما يقول، لأنه لم يكن يسمع لهذه الجمل التي تلقى إلا بإحدى أذنيه. وقد كانت نفسه كلها مفتونة بهذه الطبيعة الحرة المطلقة، وبما بينها وبين حياة الناس في هذه الأيام من تناقض واختلاف. ولعله كان يعجب بهذا القوام المعتدل الذي كان يسعى أمامه في رفق، ويجاهد هذه الأغصان في لباقة وظرف، ولكنه كان يخفي حتى على نفسه هذا الإعجاب الذي لو أحسّتْه صاحبته لضاقت به ضيقًا شديدًا. حتى إذا طال سعيهما في هذه الطريق الخفية الملتوية انتهيا إلى رقعة واسعة رحبة من الأرض، وقد فرشت ببساط ناعم كثيف من العشب، وانتثرت فيها قطع بديعة من الزهر، قد نسّقت أحسن تنسيق وأجمله، وقامت في وسطها مائدة قد نثرت عليها أوراق الورد في كثرة تلفت النظر. فلما انتهيا إلى هذا المكان الهادئ الباسم الجميل، أرسلت من صدرها زفرة ضاحكة وهي تقول: لقد انتهى الجهد وآن للمتعب أن يستريح، اجلس يا سيدي، فهنا يحسن الحديث فيما أظن.
قال: بل هنا يحسن الاستماع. قالت: الاستماع لمن! الاستماع لماذا؟ قال: الاستماع لك والاستماع لهذا الصمت الناطق من حولنا. قالت: دع عنك الاستماع لي، فما أحسب إلا أنك قد سئمته، أو ستسأمه، وما أحسب إلا أنك قد زهدت فيه أو ستزهد فيه حين يستأنف بيننا الحوار، فيستأنف بيننا الحوار من غير شك، ولكن حدّثني عن الاستماع للصمت كيف يكون؟ وحدّثني عن الصمت كيف ينطق أو كيف يصدر عنه الكلام؟ وكأنهما في أثناء هذا الحديث قد أخذا مكانهما إلى المائدة وجهًا لوجه. وكان صاحبها حائر النظر بعض الشيء يردّده بين السماء والأرض، ويردّده بين قطع الزهر المنتثرة من حوله وبين آنية الزهر القائمة على المائدة، وبين أوراق الورد المنثورة بين يديه. قالت: ألست قد زعمت لي منذ أيام أنك تحب لثم الورد وشمّ القرنفل؟ فهذا هو الورد تستطيع أن تمتع نفسك به كيف أحببت. انظر إليه مختلفًا ألوانه، مستويًا على سوقه؛ بعضه قد هام بالحياة والضوء، فانبسط لهما انبساطًا وأخذ يلتهمهما التهامًا، وبعضه قد أحبّهما، ولكنه يسمو إليهما في استحياء، فيتفتح لهما قليلًا قليلًا، وبعضه يحسّهما وينعم بهما، ولكنه لا يكاد يشعر بهذا الحس وهذا النعيم، فهو أكمام لم تتفتح بعد. وانظر إليه أسيرًا في هذه الآنية، لم يبق فيه من الحياة إلا ذماء يسير يمسكه عليه هذا الماء الذي تحتويه الآنية. وانظر إليه صريعًا قد فقد الحياة وتفرقت أوراقه، وانتثرت بين يديك غضة، ولكنها تسرع إلى الذبول أو يسرع إليها الذبول. وهذه زهرات من قرنفل قد هيّئت لك، وفرّقت في آنية الورد، تبعث إليك عرفها هادئًا قويًا. فماذا تريد فوق هذا؟
قال: لا أريد إلا أن تمضي في هذا الحديث الذي أخذت فيه منذ الآن، فإني لا أعرف ترجمة عن هذا الصمت الذي كنت أريد أن أسمع له أبلغ من هذه الألفاظ التي ينثرها حديثك العذب. قالت: وما زلت مشغوفًا بالعبث، لا تفرغ منه إلا لتعود إليه. لقد أنبأتني عن حبك للورد والقرنفل، فها أنت ذا بين الورد والقرنفل، فحدّثني أنت بحديثهما، فأنت أعلم به وأقدر عليه مني. قال: ما أعرف يا آنسة أن لهما حديثًا يحكى، فإن كان لهما حديث فما أعرف أن أحدًا يستطيع أن يحكيه غيرهما، فاستمعي لهما إن شئت، وغيرك فاسمعيني حديثهما إن شئت، فإنما أنت زهرة بين الزهر. قالت: كأنك تريد أن تحفظني. فاعلم أنك لن تبلغ ما تريد، ولن تثير حفيظتي، ولن تصرفني عما أزمعت من أن أسمع منك حديث الورد والقرنفل. فلا تلتوِ به، فلن ينفعك الالتواء. وأقبلت خادم تسعى وهي تحمل صينية عليها إبريق وأكواب. فوضعت إبريقها، وصفّت أكوابها، وانصرفت متثاقلة. وكانت عجوزًا شمطاء قد انحنت قامتها، وأسرف الذبول في وجهها، فلم تكد تبقى فيه قطرة من حياة. وكان منظرها في هذا الفناء مناقضًا أشد المناقضة لما يحيط بها من هذه الحياة القوية.
فهمّ أن يتكلم، ولكن صاحبته قالت وقد فهمت عنه ما كان يريد: ومع ذلك فهي أنشط منك للحياة، وأحرص منك على نعيمها ولذّاتها، لا يفوتها موسم، ولا يفلت منها عيد، ولا تقصّر عن فرصة إن سنحت لها لتشترك فيما يراه الناس سعادة ونعيمًا أو لهوًا وصفوًا. وهي بعد هذا كله صماء مغرقة في الصمم، تستطيع أن تتحدث إليها وتصيح بها فلن تسمع لك ولن تفهم عنك. وهي بعد هذا وذاك قد نيّفت على الستين. ولكن هات حديث الورد والقرنفل. ثم عمدت إلى الإبريق فملأت منه قدحين وهي تقول: لقد أنسيت، فهذا يوم الورد، تستطيع أن تراه وأن تشمه، وأن تلمسه، وأن تلثمه، وأن تشربه أيضًا. فليس في هذا القدح بين يديك إلا ماء الورد. والآن تحدّث، فقد يحسن الحديث. قال: أيّ حديث يحسن في مصر؟ وما أعرف بلدًا أفضح لسر الحديث، وأكلف بنشره وإذاعته من هذا البلد. أتذكرين؟
قالت: وكيف لا أذكر؟ إنك تشير إلى مجلسنا ذاك على شاطئ النيل، وإلى حديثنا هناك عن شيوخ الأدب وشبابه. فقد نشر هذا الحديث في الرسالة. قال: ومع ذلك فلم يكن في مجلسنا ولا قريبًا منه أحد. قالت: ولست أنت قد ألقيته إلى من أذاعه، هذا شيء لا شك فيه. قال: ولا أنت، هذا شيء لم يخطر لي. قالت: وإذن؟ قال: وإذن فهو طائر من هذه الطير التي تؤوي إلى الأغصان إذا كان الأصيل ودنا الليل، فتسمع حديث الناس وتعيه، وتلقيه في روع الكتّاب والشعراء. أو هو جنيّ من هذه الجن التي تألف شاطئ النيل، فتقيم في ظل الأشجار التي تقوم عليه، أو تسكن تحت هذا الماء الذي يجري فيه، وتسمع أحاديث الناس والأشياء وتعيها، فتنقلها إلى الكتّاب والشعراء، وتنطق بها ألسنتهم، وتجري بها أقلامهم. ولهذا لست مسرفًا في حب الحديث، وفي حب الحديث عن هؤلاء الذين لا يحبون أن يتحدث الناس عنهم إلا بما يريدون، لا بما يريد الناس. قالت: من الظواهر التي لا تحتاج ملاحظتها إلى دقة ولا إلى ذكاء أن مصر مفشية للسر، قليلة الحرص على الكتمان. انظر إلى بيئاتها المختلفة، فلن ترى لها سرًا. أحاديث ساستها وقادتها وأدبائها وأصحاب الأعمال فيها ذائعة شائعة، يعرفها الناس جميعًا ويتناقلها الناس جميعًا. ومصدر هذا في أكبر الظن أن طبيعة مصر نفسها صافية واضحة، مسرفة في الصفاء والوضوح. سماؤها صحو دائمًا، لا يتكاثف فيها الغمام، ولا يتراكم فيها السحاب، وأرضها مبسوطة هينة، لا ترتفع فيها الجبال الشاهقة، ولا تنتثر فيها الكهوف والأغوار، ولا تنبت فيها الغابات الكثيفة الملتفّة. فأمرها كله ظاهر، وحديثها كله شائع، وشمسها المشرقة دائمًا لا تؤتمن على سر مصون. على أننا لم نقل في حديثنا ذاك شيئًا يسوء الأدباء أو يغضب أحدًا، فليس من إذاعته بأس، وإن كنت لا أحب ذلك، ولا أرتاح إليه. ولا أخفي عليك أني إنما آثرت أن يكون اجتماعنا الليلة عندي لأني واثقة أن لنا من العزلة ما نحب، وبأن أحدًا لن يستطيع أن يندسّ لنا، أو يتسمّع علينا.
قالت: إلا هذه الطير التي تؤوي إلى الأغصان إذا أقبل الأصيل ودنا الليل، وإلا هذه الجن التي تستظل بالأشجار وتتضاءل أحيانًا حتى تتخذ لنفسها منازل في ثنايا العشب وبين أوراق الأزهار. في هذه الطير، وفي هذه الجن، وفيما يحيط بنا من الزهر والشجر من يسمع لنا وينمّ بما نتساقى من ماء الورد، وما يجري بيننا من لغو الحديث. قالت: وأيّ بأس بأن يذاع ما يجري بيننا من لغو الحديث؟ إنما يكره الناس جدّ الحديث ويخافونه، فأما لغو الحديث فالناس مزدرون له، أو راغبون فيه. قال: وهل تظنين أنا نستطيع أن نأخذ بالجد حين نعرض للحديث عن الأدب والأدباء في مصر؟ وأين تجدين الجد في حياة الأدب والأدباء؟ أتجدينه في هذا الحوار الذي يطول ويطول حتى يثقل ويملّ حول ألفاظ وقعت في كتاب، أو حول رأي رآه ناقد في كتاب، أو حول حديث كان بين كاتبين، أو مناظرة يسيرة كانت بين أديبين؟ أليس هذا كله دليلًا على فراغ البال واحتياج الأدباء إلى ما يشغلون به أنفسهم عن هذه الأحاديث الطوال الثقال التي تضيّع الوقت، وتفني الجهد دون أن تنفع أو تفيد؟ قالت: هذا حق، ولكن الأدباء أصحاب كلام، وما داموا يتكلمون فهم يؤدون حق الناس عليهم. فالناس لا ينتظرون منهم إلا أن يكتبوا لهم ما يقرؤون. قال: لا، كل ما يقرؤون، بل ما ينتفعون به إذا قرؤوه. قالت: هنا نختلف، فقد ينبغي أن نتفق أولًا على معنى الانتفاع بما يقرأ. أنت تريد إذا قرأت كتابًا أو فصلًا أن تفيد شيئًا جديدًا، أو أن تضيف علمًا إلى علم، وأن تنمي حظك من الثقافة، أو أن يثير ما تقرأه في نفسك عاطفة أو لونًا من ألوان الشعور، وأنت لا ترضى من القراءة دون هذا. فأنت عسير، ليست السبيل إلى إرضائك سهلة ولا يسيرة. وأنت لذلك تلتمس قراءتك عند قليل جدًا من أدباء الشرق، وعند عدد غير كثير من أدباء الغرب. ولكنك تخطئ كل الخطأ حين تزعم أن القراء جميعًا يطلبون إلى الكتّاب مثل ما تطلب إليهم. ولو قد فعلوا لكان الأدباء شر الناس حالًا وأدناهم إلى العجز والإفلاس. أنت وأمثالك تشقّون على الأدباء فيما تطلبون، ولكني أنا وأمثالي لا نطلب إليهم كل هذا، أو لا نطلبه إليهم في كل وقت. فنحن نحب أن ننتفع إذا قرأنا، ولكنا نكتفي من القراءة بما دون ذلك. نريد منها أن تلهينا إذا ركبنا الترام أو القطار، وأن تعيننا على إنفاق الوقت إذا لم يمكّننا نشاطنا من العمل، وأن تدعو إلينا النوم إذا أبطأ علينا. ولا تغضب إن زعمت لك أننا قد نضيق بالقراءة الخصبة الغنية، ونؤثر عليها هذه القراءة السهلة الفارغة التي لا تنفع ولا تضر، ولكنها تعين على إنفاق الحياة. وأنت تستطيع أن تنكر على أدبائنا ما شئت، ولكنك لن تستطيع فيما أعتقد أن تنكر عليهم أنهم يكتبون لنا من الكتب، وينشرون لنا من الفصول، ويثيرون بيننا من ألوان الخصومة والحوار ما يمكننا من أن نركب الترام والقطار، ومن أن نقرأ إذا أجهدنا العمل، ومن أن نتعجل النوم إذا طال انتظارنا له. وأنت تظن أن هذا قليل، وأؤكد لك أن هذا كثير. فليس الأمر ذو الخطر في الحياة هو أن نتعلم ونثقف أنفسنا، وإنما الأمر ذو الخطر حقًا هو أن نحتمل الحياة، وأدباؤنا يعينوننا على احتمال الحياة حقًا بما يكتبون ويذيعون.
قال: قد يكون هذا حقًا، ولكنه مؤلم. ثم سكت وأطال السكوت. وسكتت هي فأطالت السكوت. ثم مد يده إلى قدحه فاستنفد ما كان فيه من ماء الورد. وأراد أن يعود إلى صمته، ولكنها سألته باسمة:
فيم هذا الصمت الطويل؟ أمستمع أنت لحديث الزهر؟ أم مشفق أنت من الطير والجن أن تنمّ عليك بما تقول؟ هنالك ابتسم ابتسامة شديدة المرارة وقال في صوت حزين: كلا، لست أستمع للزهر، ولا أخاف الطير والجن، وإنما أستمع لنفسي وأخافها. فهل تعلمين أنك قد بغّضت إليّ الكتابة والإنتاج الأدبي منذ اليوم؟ قالت وهي مغرقة في الضحك: أنا! ولماذا؟ قال: من يدري؟ لعلي لا أكتب ولا أنشر إلا لأعين القراء على أن يركبوا الترام والقطار، وينفقوا الوقت إذا أضناهم العمل، ويتعجلوا النوم إذا أبطأ عليهم النوم. قالت: لم أقل هذا. وهبني قلته، أليس كذلك يكفيك أن تكون عونًا لقرائك على احتمال الحياة؟ قال: لا. قالت: إنك لواسع الطمع عظيم الكبرياء. ثم مدت يدها إلى إناء من آنية الزهر، فأخذت منها قرنفلة وضعتها في صدره، ووردة أدنتها من فمه. وقالت: لتلتمس عزاءك عند هذه الوردة وهذه القرنفلة، فما أرى إلا أنهما قادرتان على هذا العزاء. ولكنك مخطئ أن ظننت أنك قد أنسيتني بهذا الحديث قصة الورد والقرنفل، فما زلت أذكرها وأنتظرها. فتحدث.
قال: إنها يا آنسة قصة طويلة، وليس هذا وقت البدء فيها. فإذا عدت من رحلتك السعيدة إلى أوروبا فسأحدثك بها، وأنا زعيم بأنك ستجدين في الاستماع لها لذة ورضى.
سمعت طرقًا خفيفًا، فرفعت رأسها وصوتها آذنة بالدخول، ومدّت عينها إلى الباب، فلما فتح لم يرعها إلا صديقها الأديب يسعى إليها مشرق الوجه، باسم الثغر، مبسوط اليد، مرتبكًا مع ذلك شديد الحياء. قالت، وقد غشي وجهها احمرار رقيق زاده جمالًا وحبًّا إلى النفوس، مصدره الدهش لهذا المقدم غير المنتظر، أو مصدره زيّه المهمل وثوبها الذي لبسته لنفسها لا للناس، ولم تكن تقدر أن الطارق أحد غير الخادم التي تعودت أن تطرق عليها الباب في رفق إذا كانت الساعة الخامسة من كل يوم لتحمل إليها الشاي. فلما رأت صديقها ارتاعت لمرآه، وقالت في دهش وخجل واضطراب: أنت من أين أقبلت؟ أنجمت من الأرض أم هبطت من السماء؟
قال، ولم يكن أقل منها ارتباكًا واضطرابًا: نعم، أنا أقبلت من حيث تريدين، ولكن لي إليك حاجة يا آنسة أعرضها عليك قبل التحية، وأتمنى لو تجيبينني إليها قبل السؤال والجواب. فسيكون السؤال طويلًا دقيقًا، وسيكون الجواب ملتويا مرتبكًا، ولكن حاجتي يسيرة، فاسمعيها مني واقضيها لي، ثم لنأخذ بعد ذلك فيما تحبين. قالت، وقد أخذت تثوب إلى نفسها وإلى ثوبها: من أين أقبلت؟ وكيف أراك في نيس وقد تركتك في القاهرة على أنك ستقضي فيها الصيف؟ قال: ثقي يا آنسة أني قد سمعت سؤالك ووعيته، ووعيت ما يحيط به من عجب وإنكار. إني سأجيب، وسأحاول أن أزيل هذا العجب وأمحو هذا الإنكار، ولكن حاجتي اسمعيها واقضيها قبل كل شيء.
قالت: لا، قبل أن نجلس. ثم عادت إلى كرسيها وقد حولته شيئًا عن المائدة، وأشارت إليه أن يتخذ هذا الكرسي، وأخذت تجمع صحفًا كانت منثورة على المائدة، ثم قالت مبتسمة: وما عسى أن تكون هذه الحاجة التي تقدمها بين يدي تحيتك، وقد بعد العهد بينك وبيني والتقينا من وراء البحر، فقد تركتك منذ أسبوعين. قال: بل منذ عشرة أيام إن لم أخطئ الإحصاء، فقد زرتك قبيل السفر… فقطعت عليه الحديث قائلة: نعم، قد ذكرت، فهات حاجتك، فإني لم أتعود أن أنتظر تحيتك وعبثك كل هذا الوقت الطويل.
قال: حاجتي يسيرة، وهي ألا تلومني ربة الدار، فقد مكرت بها واحتلت عليها، وما زلت أخدعها عنك وعني حتى تركتني أطرق الباب وأدخل عليك في غير استئذان سابق. فأغرقت في الضحك حتى استلقت إلى كرسيها وهي تقول: إنها لحاجة عسيرة، لست أدري كيف أقدر على إرضائها، وقد أذنت لك فيما كنت تريد، وطرقت الباب وفاجأتني بغير إذن سابق مني بذلك. وفيم كان كل هذا المكر؟ وفيم كان كل هذا الاحتيال؟ ومتى استباح أمثالك أن يفاجئوا أمثالي على هذا النحو، وفي مثل هذا الوقت من النهار؟ هنالك اشتد ارتباكه حتى بلغ الاضطراب أو كاد يبلغه، فلم يكن يقدّر أنها ستلقاه هذا اللقاء، ولا أنها ستنكر هذه المفاجأة، ولعله كان يظن، بل كان يوقن، أن سرورها بلقائه سيكون أشد من حاجتها إلى الاستطلاع، وسيكون أشد من إنكارها لهذه المفاجأة. فلما رأى منها هذا الإلحاح في السؤال والتشدد في النكير، فقد ما كان يملك من الأسباب، واختلط عليه الأمر، فلم يدرِ ماذا يصنع، ولم يعرف كيف يقول.
ولو أنه كان على شيء من البصر بصاحبته والعلم بدخيلة نفسها، لرأى أنه لم يكن مخطئًا حين قدّر أنها ستبتهج بلقائه، ولكنه كان شديد الذكاء، قوي الفطنة، واسع الحيلة، ما بعد عن النساء وعن صاحبته هذه خاصة. فإذا لقي واحدة منهن، أو لقي صاحبته هذه، فهو رجل ساذج أول الأمر، لا حظ له من ذكاء ولا من فطنة، ولا قدرة له على ثبات أو فهم، حتى إذا اتصل الحديث وتنوع استرد ملكاته قليلًا، حتى يعود كدأبه في الحياة العادية، ذكي القلب، قوي الفطنة، متصرفًا في ألوان الحديث. فلما رأت ارتباكه واختلاط الأمر عليه واضطراب لسانه في فمه دون أن يبلغ الإفصاح عما كان يريد، رقت له وأخرجته من حيرته بإجابتها إلى ما كان يريد، وإعلانها إليه أنها لن تلوم صاحبة الدار، ولن تظهر لها سخطًا ولا إنكارًا. ثم قالت: والآن حدثني من أين أقبلت وكيف أراك هنا اليوم، وقد تركتك في القاهرة منذ عشرة أيام؟ أنجمت من الأرض أم نزلت من السماء؟
قال: إن عشرة أيام تكفي لقطع الأمد من القاهرة إلى الإسكندرية، ولعبور البحر إلى مرسيليا وطولون، ولبلوغ مدينة نيس حيث تقيمين، قبل أن تستأنفي السفر إلى تلك المدينة الصغيرة الجامعية من مدن فرنسا الوسطى لتسمعي دروس الصيف. قالت: فإني لا أشك أن عشرة أيام تكفي لهذا كله، ولا أكثر من هذا كله. ولكن تركتك في القاهرة غضبان أسفًا، لأنك ستقضي الصيف حيث لم تكن تعودت أن تقضيه، ولعلك تذكر أنك كنت تحسدني وتسرف في الحسد على هذه الرحلة الجامعية التي كنت أزمعتها، ولعلك تذكر أنك ما زلت تصور لي حزنك ويأسك حتى رحمتك وأشفقت عليك. فكيف استطعت أن تفارق القاهرة وترحل عن مصر تظفر بزيارة باريس؟ فأنت ذاهب إلى باريس من غير شك. قال: نعم، أنا ذاهب إلى باريس. وماذا تكون فرنسا بدون باريس، وبدون الحي اللاتيني ومونبارناس ومونمارتر؟ وقد زعموا أن الحركة الأدبية والفنية قد أخذت تنتقل الآن من مونبارناس إلى…
قالت: حسبك، قد علمت هذا كله وعرفت رأيك فيه، وسنعود إليه. ولكن كيف تركت القاهرة؟ وكيف أتيت إلى باريس؟ قال: وأي شيء أيسر من ذلك يا آنسة؟ إنما يستغرب هذا من رجل كانت تمسكه الأزمة في مصر، ويعجز أجر السفينة أو نفقات الإقامة في فرنسا. فهذا الرجل إذا أتيح له السفر بعد امتناعِه عليه يمكن أن يسأل: أنّى لك هذا في مثل هذه الأيام الشداد؟ فأما إذا كان الذي يحول بين الرجل وبين السفر إرادة وزير من الوزراء، أو عناد رئيس من الرؤساء، فما أيسر أن يريد الوزير وقد كان لا يريد، وما أسهل أن يلين الرئيس وقد كان متأبيًا عنيدًا. وهذه قصتي: فما زلت برئيسي حتى رقّ لي، وما زلت بوزيري حتى عطف عليّ. قالت: صنع الله للرئيس وللوزير معًا، فلولا ظرف أحدهما وعطف الآخر لما أتيح لك أن ترى باريس. قال: بل لما أتيح لي أن أسعد بلقائك في نيس، وأن أسعد باصطحابك ساعة أو ساعات على ساحل البحر، هذا الساحل الجميل الهادئ القوي معًا، حيث نستطيع أن نرى البحر والجبل وقد دنا كلاهما من صاحبه في مودة وألفة، وحيث نستطيع أن نرى الطبيعة الحرة القوية والحضارة البديعة المترفة، وهذه القصور الشاهقة تشرف على البحر وتشرف عليها الجبال، وحيث نستطيع أن ننشد قصيدة بودلير، هذه القصيدة الرائعة التي كنت تغنينها في القاهرة أجمل غناء، أتذكرين؟ لقد عشت دهرًا طويلًا تحت أروقة واسعة تضيفها شمس البحر. قالت: نعم، كل هذا أذكره، وكل هذا أفهمه، وكل هذا لا تفسير له إلا أنك قد رجعت إلى صوابك واسترددت قواك موفورًا، واستأنفت ما ذهب من العبث والمزاح. فقد آمنت أنك سعيد بلقائي، وقد آمنت أنك ستسعد وسأسعد معك بقضاء ساعة أو ساعات على هذا الساحل الجميل.
وقد آمنت بأن رئيسك خليق بالشكر، لأنه رقّ لك بعد أن قسا عليك، وأن وزيرك حريّ بالثناء عليك، لأنه لطف بك بعد أن كان شديدًا عنيفًا. ولكني لن أتحدث إليك الآن، ولن أسمع منك الحديث عن الجبل والبحر ولا عن الصخور والقصور، فقد يتاح لنا الحديث عن هذا كله بعد حين. إنما أحب أن أسمع منك أنباء مصر. قال: إنهما لخليقان بالشكر والثناء حقًا، ولا سيما حين تعلمين… قالت: لا أريد أن أعلم شيئًا. قال، وهو يضحك ضحكًا ملؤه المكر والإلحاح: بل يجب أن تعلمي لتضاعفي الشكر وتجزلي الثناء، فإني لم أرحل للسياحة ولا للراحة ولا لرؤية باريس، وإنما رحلت… قالت: لأمر من أمور الدولة، فتدرس شأنًا من شؤون التعليم، أو فنًا من فنون النظام، أو لونًا من ألوان الإدارة، أو شيئًا من هذه الأشياء التي يرحل الموظفون لدرسها في أوروبا أثناء الصيف، فيسرحون ويمرحون ويلهون ويلعبون، ويكتبون في آخر الصيف تقريرًا يرفعونه إلى الرئيس أو إلى الوزير، فيتلقى الوزير أو الرئيس هذا التقرير ويتلقى صاحبه كلمة شكر وثناء، وقد فهم الرئيس عن صاحب التقرير وفهم صاحب التقرير عن الرئيس ما يريد كل منهما أن يفهم عن صاحبه. وأؤكد لك أني أضاعف شكري لصاحبيك وثنائي عليهما، ولكن أرحني من حديثهما كما أرحتني من حديث البحر والجبل والساحل، وعد بي إلى مصر.
قال: ما أشد شوقك إلى مصر وتلهفك إلى الحديث عنها! ألم تشبعي من مصر وقد أقمت فيها سنة كاملة منذ رحلتك الأخيرة؟ أمشتاقة أنت إلى مصر ولما يمض على فراقك إلا عشرة أيام؟ قالت: فإني لا أريد أن تحاسبني على ما أجد أو لا أجد من الشوق إلى مصر، وعلى ما أحس أو لا أحس من الضيق بمصر، وإنما أريد أن تحدثني عنها. كيف تركتها؟ وكيف تركت أهلها؟ ثم مست هذا الزر الكهربائي الذي لا تخلو منه غرفة من غرف الفنادق، فما أسرع ما أقبلت الخادمة، فهمّت أن تطلب إليها الشاي، ولكنه اعترض دون ذلك وقال: ماذا تريدين؟ أجُننا حتى نتناول الشاي في غرفة مغلقة والجو صحو، والماء صفو، والشمس توشك أن تنحدر إلى مغربها فترسل على الجبل والبحر…
قالت: حسبك، فإني أستطيع أن أتم ما تريد أن تقول. قال: وإذن فهلمّ نتناول الشاي حيث نستطيع أن نستمتع بهذا الجمال الذي لا نجده في مصر. وكان حازمًا ملحًّا، فلم تجد بدًا من أن تسمع له وتستجيب لدعائه، فصرفت الخادم ونهضت، فغابت عنه قليلًا في غرفة مجاورة متصلة بالغرفة التي كان فيها. ثم عادت إليه وقد اتخذت زيها المنظم المنسق الذي عرفه في القاهرة، فلما رآها اطمأن إلى هذا الزي الذي كان يألفه، ولعله أسف على ذلك الزي المهمل الذي كان أعجبه والذي كان قد أخذ يطمئن إليه. وما هي إلا لحظات حتى كانا يسعيان معًا في هذه الطريق الجميلة على ساحل البحر، تلك التي يسمونها في نيس طريق الإنجليز. وكان طرفه حائرًا بين البحر وهذه الفنادق الضخمة المشيدة، وهؤلاء الرجال والنساء الذين كانوا يذهبون ويجيئون في هذه الطريق، وقد اتخذوا للرياضة والشاي زينتهما. لكنها لم تتح له الاستمتاع بهذه الحيرة، فما أسرع ما ردته إلى مصر وحديثها، وعادت تسأله عن المصريين، كيف تركهم. قال، ولم يخف شيئًا من الضجر الباسم العابث: تركتهم من خمسة أيام كما تركتهم أنت منذ عشرة أيام، وكما سيتركهم كل مسافر ويلقاهم كل عائد، وكما يترك كل رجل من الناس أي جيل من الأجيال. تركتهم قومًا كرامًا يكرمون آباءهم وأمهاتهم، ويؤثرون أبناءهم وبناتهم، ويشفقون من الآلام، ويسرعون إلى اللذات، ويكثرون القول، ويقصدون في العمل، ويفرون من الدور، ويستقرون في الأندية، ويطيلون الحوار في الأدب والسياسة، ويقرؤون الصحف ويعبثون بكتابها…
قالت: يا له من سيل جامح لا يقف ولا يهدأ ولا يتئد، ولا يتخير ما يحمل! ما عن هذا أسألك، وما طلبت إليك أن تصور لي المصريين كما تراهم أنت بهذا الرأي المظلم القاتم، الذي لا يعجب بشيء ولا يرضى عن شيء، بل ينكر كل شيء. إنما سألتك… قال: يا له من جدول هادئ متئد، عذب ظريف، لا يحمل غثاء ولا جنادل، وإنما هو صافي الصفحة نقي الأديم، كله رضى وكله ابتهاج، وكله أمل. إنما تسألينني عن الأدباء، أليس هذا ما كنت تريدين؟ قالت: هو هذا، ومتى رأيتني أتحدث إليك عن غير الأدباء؟ قال: فقد تركت الأدباء في شغل شاغل وهم مقيم، يقولون فيطيلون، ويعملون فلا يبلون، وكأنهم هذا القطار الذي يهم بالحركة فيكثر فيه الضجيج والعجيج والقعقعة والاضطراب، وهو ثابت في مكانه لا يريم، لأن الله لم يأذن له بالحركة بعد، أو لأن أداة من أيسر أدواته لم يتح لها أن تشترك في العمل مع أخواتها.
قالت: وما ذاك؟ قال: إنهم يذكرون حافظًا، فقد دار العام على وفاته، ولم يصنع له أحد شيئًا. فهم يلومون أنفسهم وهم يلومون غيرهم، وهم يلومون مصر كلها؛ يلومون الشعب لأنه قصّر غير عامد، ويلومون الحكومة لأنها تعمدت التقصير. حتى إذا أسرفوا في اللوم وأعياهم الإسراف، عزوا أنفسهم وعزوا الشعب الذي قصّر عن غير عمد، والحكومة التي قصّرت عن عمد، بأن حافظًا كان أديبًا حقًا، فلا غرابة في أن تدركه حرفة الأدب. وقد كان حافظ رحمه الله حسن الحظ، ميسّرًا له في الأمر بالقياس إلى زميله في حرفة الأدب منذ أكثر من ألف سنة. فأنت تذكرين أنها قد أدركت ابن المعتز، فانتزعته من الخلافة، ولما يقم فيها يومًا، ولم يكفها أن تنتزعه من الخلافة، فانتزعته من الحياة على شر الأحوال وأشدها نكرًا. أما حافظ فقد كان بائسًا في حياته، لم يعرف النعيم، والبؤس أيسر من الخلع، والبؤس الدائم أيسر من البؤس الطارئ بعد طول النعمة وحسن الحال، وقد مات حافظ على فراشه، والموت الهادئ أيسر من الموت العنيف. وحافظ بائس بعد موته؛ لم يجتمع له الناس، ولم تمتلئ له الأوبرا، ولم تُلقَ فيه الخطب المدبجة، ولا القصائد المنمقة، وقبر حافظ مجهول أو كالمجهول. ولكن هذا البؤس كله ليس شيئًا بالقياس إلى بؤس آخر أشد وأمض، وهو هذا الثناء المتكلف، وهذا الإكبار المصنوع، وهذه الخطب والقصائد التي لا يراد بها وجه الله، ولا وجه من قيلت فيه، وإنما يراد بها وجه الذين يصرفون السياسة ويسيرون أمور الناس كما يحبون، وإلى حيث يحبون. فقد كان حافظ وما زال بائسًا، وكان حافظ وما زال شقيًا، ولكن شقاء حافظ سعادة، وبؤس حافظ نعيم. وما كان أحق شوقي رحمه الله وأجدره بأن يشارك حافظًا في هذا البؤس المجيد! فقد كان شوقي كما كان حافظ مجدًا لمصر وللشرق وللأدب العربي، ولكن السياسة استأثرت بشوقي فازدردته ازدرادًا، وعجزت عن أن تستأثر بحافظ. وأي غرابة في هذا؟ لقد كان شوقي رحمه الله هينًا لينًا رفيقًا رقيقًا، وكانت في حافظ صلابة الشعب وغلظته، وخشونة الشعب وشدته. قالت وهي محزونة: ولكن بؤس حافظ مهما يكن مجيدًا بالقياس إليه فهو عار على مصر، ومن حق مصر لنفسها أن تكشف هذا العار. وكانا قد بلغا ناديًا من هذه الأندية التي يكون فيها الرقص مع المساء والتي يؤخذ فيها الشاي، فاتخذا مكانًا منزويا فيه دون أن يتفقا على ذلك، إنما هي رغبتهما في اتصال الحديث، وزهدهما في هذا المتاع الذي يتهالك عليه الناس. ولم ينقطع حديثهما وقتًا طويلًا، إنما هي لحظة طلبا فيها إلى الخادم ما كانا يريدان، ثم اتصل بينهما الحديث، ولكنه لم يمس أمير الشعراء ولا شاعر النيل.
قال: ومع ذلك فلم تسأليني عن مصر والمصريين، وأنت ترين مصر وأدباءها في فرنسا كأحسن ما تحبين أن تريهم؟ قالت: في فرنسا؟ وأين ذاك؟ قال: ماذا تصنعين إذن منذ تركت السفينة؟ ألا تقرئين؟ قالت: لا. قال: بل تكتبين، وقد كان ينبغي أن أفهم هذا، ولعلي قد فهمته حين رأيت تلك الصحف المنثورة على المائدة، والتي أسرعت إلى جمعها وإخفائها حين رأيتني مقبلًا عليك، كأنك خفت أن أمد إليها يدًا، أو أن أختلس إليها نظرة.
قالت: لا تقل هذا، ولا تسرف في التجني، فما كنت أستطيع أن أمضي في الكتابة وقد أقبلت، وما كان ينبغي لي أن أدع المائدة مختلطة كما كانت. قال: فإذا سألتك أن أقرأ بعض هذه الصحف التي كانت منثورة، فهل تأذنين؟ قالت: هذا شيء آخر. دعنا من هذه الصحف المنثورة، فستقرأها يومًا ما. ولكن حدثني أين وكيف أستطيع أن أرى مصر والمصريين في فرنسا؟ قال: تستطيعين أن تري مصر والمصريين في فرنسا الآن، وفي هذا المكان، وعلى هذا النحو. ثم أخرج لها صحيفة **النوفيل ليترير** ونشرها، وقال: انظري.
فنظرت فدهشت، فسكتت، ثم قالت: هذا غريب! صفحة أدبية عن مصر لا يكاد يكتب فيها مصري! قال: ولو تُرجم ما فيها للمصريين لرأوا أنفسهم كما يرونها في المرآة الصافية الناصعة. أليس قد صوّر لهم كاتب أمير شعرائهم العظيم تصويرًا لا يصفه من قريب ولا من بعيد؟ أليس قد زعم هذا الكاتب أن قد كان لأمير الشعراء خصوم كلهم بغيض؟ أليس قد أذاع هذا الكاتب بين الفرنسيين والأوروبيين الذين يقرؤون هذه الصحيفة صورة عن شاعر مصر وعن أنصاره وخصومه لا تلائم رأي مصر ولا حاجتها، وإنما تلائم رأي السياسة القائمة؟ قالت: سأقرأ هذا الفصل. ولكن انظر. قال: وما تريدين أن أنظر؟ قالت: أتظن أني لم أقرأ هذه الصفحة قبل الآن؟ ماذا تنكرين؟ فصل لصديقنا الأستاذ أنطون الجميل عن المجمع اللغوي الملكي. أي غرابة في هذا؟ قالت، وهي تضحك ضحكًا حزينًا: الغرابة أن يعلن عن هذا المجمع في فرنسا ولما يوجد في مصر بعد!
قال: لم يوجد الآن فسيوجد بعد عام! قالت: فقد كنت أحب من صديقنا، بل كنت أحب لصديقنا أن ينتظر حتى يوجد هذا المجمع بالفعل قبل أن يكتب عنه فيطيل، فقد أرى أن فصله غير قصير. وما عسى أن يكتب بعد أن يوجد المجمع؟ قال: ليس على صديقنا بأس من أن يكتب عن مجمع إن لم يوجد بالفعل فهو موجود بالقوة، ولا سيما إذا طلبت إليه الكتابة وأثقلت عليه في الطلب. وليس إسراعه إلى الكتابة في شيء هو إلى الوهم أقرب منه إلى الخيال، فضلًا عن الحقيقة الواقعة، هو الذي أنكره عليه أو ألومه فيه، إنما أنكر عليه فهمه للمجامع اللغوية وتصويره لتاريخها عند العرب. أترين إلى أسواق الجاهليين؟ لقد كانت مجامع لغوية عند الأستاذ أنطون الجميل. ثم أترين إلى مدارس اللغة والنحو والأدب في البصرة والكوفة وبغداد، وفي حلب ودمشق والقاهرة وقرطبة؟ لم تكن من المجامع اللغوية في شيء عند الأستاذ أنطون الجميل. هذا كثير، ألا ترين ذلك؟ قالت: وأكثر منه أن يستجيب صديقنا لدعوة السياسة، وأن يرضى صديقنا لنفسه أن يضع الأدب من السياسة هذا الموضع. وقد كنت أرى أنه يجب إخضاع السياسة للأدب. لأكتبن إليه. قال: لا تفعلي، فليس هو الآن في القاهرة، إنه يطوف في لبنان. فانتظري حتى تعودي ويعود، ثم خذي معه في هذا الحديث. ولكن اقرئي هذا الفصل وفكري فيه، فهو فصل من فصول الصحف السيارة في مصر لا أكثر ولا أقل. ولكن حدثيني: أتريدين أن تطيلي الإقامة في نيس؟
قالت: وأنت حدثني كيف وقعت إلى نيس وأنت تقصد إلى مدينة النور؟ قال: وهل يكون النور إلا حيث أنت يا آنسة؟ قالت، مغيضة: هل تعلم أنك تثقل عليّ أحيانًا بهذا العبث السخيف؟ قال: ما أردت هذا ولا فكرت فيه، وما أرى أني ألام إن كنت ثقيلًا، فلعل الثقل أن يكون بعض طبيعتي. فخذيني كما أنا. قالت: فإن لم يعجبني منك هذا؟ قال: فاحتمليه على أي حال، فلعل عندي ما يهون عليك احتماله. أتريدين أن تطيلي الإقامة في نيس؟ قالت: سأقيم أيامًا، وأنت؟ قال: سأقيم فيها ما أقمت إن لم يثقل عليك ذلك، وسنرتحل معًا، حتى إذا كنا في بعض الطريق تخلفت أنت في مدينتك الجامعية الصغيرة، فاصطليت فيها حر الصيف ونار العلم والأدب، ومضيت أنا إلى باريس. ومن يدري، لعل نار الأدب والعلم أن تستهويني فأتخلف وقتًا طويلًا أو قصيرًا. وهل أنا فراشة تستهويها النار، ولا تكره أن تحترق بها؟ قالت، في شيء من التفكير: أنت مقيم في نيس ما أقمت، مرتحل عن نيس إذا ارتحلت عنها، متخلف حين أتخلف، مصطلٍ للنار التي أريد أن اصطليها. قال: هذه خطة مرسومة. وكيف تريدين يا آنسة أن تغيري ما رسم القضاء؟
أيهما خير يا آنسة؛ أن نفترق الآن لنلتقي غدًا، أم أن نظل كما نحن رفيقين في السفر والإقامة؟ قالت: بل أن نفترق لنلتقي بعد شهرين في القاهرة أو بعد شهر في باريس. وحسبنا أن قد أقمنا معًا أسبوعًا كاملًا في هذه المدينة من مدن البحر، نلتقي إذا أصبحنا، ونلتقي إذا أمسينا، ولا يفرق بيننا إلا الليل. قال: فإنك إذا قد سئمت هذا اللقاء وطال عليك أمده، وأخذت تودين لو فرقت بيننا النوى دهرًا طويلًا أو قصيرًا! وما رأيك في أني بعيد كل البعد عن هذا السأم، كاره كل الكره لهذا الفراق الذي تحبينه وتطمحين إليه؟ قالت: لك أن تفهم رأيي كما أحببت، وأن تقدره كما شئت، وأن ترضى عنه أو تسخط عليه، فمن المحقق أني لم أره لك وإنما رأيته لنفسي، ومن المحقق أني لم أعلنه إليك إلا وأنا محتملة لنتائجه، عالمة بموقعه من نفسك وتأثيره فيها، ولن يغير من رأيي ما تبدى وما تعيد. فقل لي: إلى اللقاء، ودعني أهيئ أمري فقد دنت ساعة السفر.
قال: ما شككت في أن ساعة السفر قد دنت، ولكن الذي أشك فيه هو أن دنو هذه الساعة يضطرنا إلى أن نفترق، فقد نستطيع أن نسافر معًا كما أقمنا معًا. قالت: فإني لا أريد. قال: ما رأيت كاليوم ظرفًا ولا رفقًا ولا حسن مودة للأصدقاء! سنفترق يا آنسة، ما دمت حريصة على هذا الفراق، فهل تأذنين في أن أصحبك إلى القطار؟ قالت: ولا هذا، فإني لا أحب هذا الوداع السريع البطيء في وقت واحد. ولا أحب أن يفترق الناس لأن قوة غريبة عنهم تكرههم على أن يفترقوا. فلنفترق منذ الآن واكتب إليّ، ولعلنا نستطيع أن نلتقي في باريس، فإن أعيانا ذلك ففي القاهرة متسع للقاء المتصل والحديث الطويل. ثم صافحته في قوة، وعلى وجهها ابتسام يشبه العبوس، وفي وجهه عبوس يشبه الابتسام.
ولم يكد يقبل المساء حتى كانت ماضية في قراءتها لا يصرفها عنها شيء، كما كان قطارها السريع ماضيًا في سيره لا يقفه عنه شيء، وكانت حركة الناس من حولها لا تسكن، وحديث الناس من حولها لا ينقطع، وأصوات الناس من حولها لا تهدأ. ولكن شيئًا من ذلك لم يكن ليلهيها عن هذا الكتاب الذي غرقت فيه. حتى إذا انتهت بها القراءة إلى شيء من الجهد والإعياء، ووضعت كتابها لتستريح، ورفعت رأسها تجيل الطرف فيما حولها، لم يرعها إلا صديقها الأديب جالسًا أمامها جلسة المتأدب الخاضع الذي ينتظر أن يفرغ سيده له ويلتفت إليه. فلما رأته لم تدهش ولم تنكر، ولكنها أظهرت ضيقًا به وغضبًا عليه، وقالت في لهجة حازمة: أتعلم أني أكره هذا النوع من اللعب، وأنك توشك أن تغيظني وتحفظني وتصرفني عنك إن مضيت فيه؟ قال في صوت خافت غير مطمئن: أعلم ذلك حق العلم، وآلم له أشد الألم، ولو استطعت أن أكون عندما تحبين ما أثقلت عليك، ولا ترددت في طاعتك، ولا تحولت عما يرضيك. ولكن ما رأيك في أني لا أحب أن أموت؟
قالت، ولم تملك نفسها من ضحك غالبته فغلبها: لا تحب أن تموت؟ قال: نعم، لا أحب أن أموت، ألم تفهمي بعد؟ قالت: ومتى رأيتني أحل الألغاز؟ قال: والغريب أنك قد عاشرت الفرنسيين فأطلت عشرتهم، وأتقنت لغتهم وآدابهم الرفيعة والشعبية حتى كأنك واحدة منهم. فكيف يغيب عنك ما يتحدثون به كلما هموا برحيل أو فراق؟ وهل تعلمين شعرًا وجد عددًا ضخمًا من الرواة، تختلف طبقاتهم وتتفاوت منازلهم، كهذا الشعر الذي ينشده الفرنسيون كلما هموا أن يفترقوا؟ إنما السفر ضرب من الموت بالقياس إلى المحبين. قالت: وقد نسيت غضبها، واطمأنت إلى طبعها، وخرجت من التكلف، ولاءمت بين حديثها ومظهرها، وبين ما وجدت من الغبطة بلقائه الذي كانت ترجوه، والتي كانت تغضب وتحزن لو لم تظفر به: فأنت إذا تريد إلى هذا اللغو من الحديث؟ قال: أنت تزعمين أنه لغو، أما أنا فأراه الجد كل الجد، والحق كل الحق. ولولا أن السفر ضرب من الموت لما كرهه المحبون، ولا سخط عليه الشعراء، ولا تغنوا بآلامه وأحزانه. ولولا أن السفر ضرب من الموت حين يفرق بين الناس لما رأيتني الآن في هذا المكان بعد أن افترقنا على أن لا نلتقي حتى يمضي شهر أو أكثر من شهر. ولكني فكرت بعد أن افترقنا، فرأيت أني ميت بالقياس إلى كل الأصدقاء الذين تركتهم في مصر، مهمل بالقياس إلى كل هؤلاء الناس الذين كانوا حولي في نيس، والذين سألقاهم في باريس، وأني لا أحتفظ من الحياة إلا بشعاع ضئيل، هو هذا الذي أحسه حين أصحبك وأسمع لك وأتحدث إليك، فشق علي أن أجود بهذا الشعاع، وأن أسلم نفسي للموت المطبق والإهمال المطلق شهرًا وبعض شهر. ولولا خوف الموت والضيق بالإهمال ما خرجت عن طاعتك، ولا خالفت عن أمرك، ولا عرضت نفسي لهذا الغضب اللاذع وهذه الثورة المهينة.
قالت: فقد عدت إلى ذكر الغضب والثورة، كأنك تريد أن أنكرهما أو أعتذر منهما أو أنبئك بأني تكلفتهما تكلفًا واصطنعتهما اصطناعًا. قال: لا تنكري شيئًا ولا تعذري من شيء. فأنا معترف بأني ملح، وأنا معترف بأني مثقل في الإلحاح، ولكنك تعودت احتمالًا لهذا الثقل، وتجاوزًا عن هذا الإلحاح. فدعي حديثهما وحديث الغضب والثورة، وحدثيني عن هذا الكتاب الذي لم تكادي تقبلين عليه حتى ألهاك عن كل شيء، وصرفك حتى عن هذه المناظر البديعة الخلابة التي تعرضها عليك الطبيعة عرضًا سريعًا أثناء سير القطار. قالت: هذا كتاب تعجب إن عرفت أني أقرأه للمرة الخامسة. فأنا لا أعرف كتابًا أهون ولا أيسر ولا أمتع ولا ألذ من هذا الكتاب أثناء السفر الطويل، أو حين يلح على الحزن الثقيل. هذا كتاب من كتب كورتلين.
قال: هو كتاب «قطار الساعة الثامنة والدقيقة السابعة والأربعين». قالت: هو ذاك. قال: فإني لم أقرأه خمس مرات، لكني قرأته ثلاثًا، ولولا أني علمت أني سأصحبك في القطار لقرأته للمرة الرابعة! فأنا مثلك معجب بهذا الكتاب إعجابًا لا حد له، والغريب أني لا أدري بماذا أعجب من هذا الكتاب! بمعانيه أم بألفاظه أم بأسلوبه، أم بهذه الصور الرائعة التي يعرضها علينا في غير انقطاع؟ أم بهذا كله مما أعرفه، وما أحسه دون أن أعرفه؟ فهذا الكتاب عندي آية من آيات الأدب الفرنسي. قالت: وعند كثير من الفرنسيين أيضًا، وإذا لم تكذبني الذاكرة فقد كان أناتول فرانس مشغوفًا به شغفًا عظيمًا، لست أدري أكان يعده بين آيات الأدب أم لا. وإني لأرجو أنه لم يضعه بين هذه الآيات، فقد كان أناتول فرانس يضيق بآيات البيان ويرى أنها ثقيلة مملة، وليس في هذا الكتاب شيء من الثقل ولا الإملال. قال: ومع ذلك فإن في هذا الكتاب ألفاظًا لا تكاد تحصى، وجملًا لا يكاد يبلغها العد، وكلها خارجة على النحو الفرنسي، مخالفة لأساليب البيان المألوف. قالت: فهذا مظهر من مظاهر الجمال في هذا الكتاب، ومصدر من مصادر الإعجاب به، وسبب من هذه الأسباب التي تضطرنا إلى مراجعة النظر فيه. وما رأيك لو أن كورتلين أنطق أبطاله بهذه اللغة الفرنسية الفصحى، وأجرى على ألسنتهم هذه الجمل الأدبية الرائعة التي تجدها في كتب كورتلين نفسه وفي كتب غيره من الأدباء؟ إذا لما وجدت في الكتاب لذة كهذه اللذة التي أجدها الآن، ولعلي أن أعجز عن المضي في قراءته إلى آخره، فضلًا عن أن أقرأه مرات. إن للغة الفصحى خطرها وقيمتها، وهي مقياس البيان وظرف الأدب، ولكنها قد تسخف وتسمج إذا جرى بها لسان هذا الجندي الذي اتخذه كورتلين بطلًا لقصته. قال: هذا حق، ومهما أنس فلا أستطيع أن أنسى هذه الجملة الطريفة التي يرددها جندي كورتلين كلما وقف موقف الحرج أمام الكابتن: «فلولا هذه اللحنة الظريفة الشائعة، التي تجري بها ألسنة العامة من الفرنسيين، والتي أذاعها كورتلين حتى تفكهت بها الخاصة، لما كان لهذه الجملة موقع في النفس حسن، ولا منزل من القلب عجيب.»
قالت: وكل كلام الجندي وكلام رفاقه ظريف محبب إلى النفوس؛ لأن ما فيه من اللحن والتواء الأسلوب يصور روح الشعب كما هي، صريحة مستقيمة، لا غموض فيها ولا التواء. قال: فأنت إذا من أصدقاء اللغة العامية وأنصارها، وماذا لو عرف أعلام البيان في مصر عنك هذا الرأي؟ قالت: لا أصنع شيئًا، فليس يعنيني أن يعرفني أو ينكرني أعلام البيان في مصر أو في غير مصر. وما تعودت قط أن أرى الرأي فأسأل نفسي عن حظه من رضى الناس أو غضبهم. قال: قد علمت ذلك حق العلم، وجربته حق التجربة، ولم تمض ساعات على هذه التجربة اللذيذة الأليمة معًا. قالت: لم أزعم لك شيئًا! فلا تعبث ولا تفسد علينا بهذا الاستطراد ما نحن فيه من الحديث. لست من أصدقاء اللغة العامية، ولكني لست من أعدائها. وما أذكر أني كتبت شيئًا باللغة العامية، وما أظن أني سأكتب بها شيئًا؛ لأني لا أحب ذلك، ولو أحببته ما قدرت عليه. ولست أرضى أن تصبح اللغة العامية لغة البيان الأدبي، ولا أعطف على كاتب يتعمد الكتابة بها ويتخذها ترجمانًا لما يريد أن يعرضه من الخواطر والآراء، ولكني على هذا كله لا أستطيع أن أمحو هذه اللغة، ولا أستطيع أن أنكر أن لها جمالًا تنفرد به أحيانًا وتعجز عنه اللغة الفصحى. ولا أستطيع أن أمحوها من قلوب الأشخاص الشعبيين وأضع مكانها اللغة الفصحى، وأوفق مع ذلك إلى تصوير هؤلاء الأشخاص الشعبيين تصويرًا صادقًا كل الصدق، جيدًا كل الجودة، متقنًا كل الإتقان. قال وهو يبتسم ابتسامة ملؤها المكر والخداع: ألا تعجبين أن ينتهي بنا الحديث عن كورتلين إلى الحديث عن توفيق الحكيم؟
قالت: ومن توفيق الحكيم؟ ما سمعت به قبل اليوم! قال: فأنت إذا من أهل الكهف. قالت: وأي عجب في أن أكون من أهل الكهف، ومتى زعمت لك أني أعرف الناس جميعًا أو أقرأ للناس جميعًا؟! قال: فإن أهل الكهف عنوان قصة لتوفيق الحكيم، هذا الذي لم تعرفيه ولم تسمعي به، وأؤكد لك أني أكره لك هذا الجهل. فتوفيق الحكيم شاب خليق أن يُعرف، ومن العيب كل العيب أن يجهله أديب شرقي. ولكنك قد أقررت على نفسك بأنك من أهل الكهف، فلا لوم ولا تثريب. قالت: قد أقررت، وأنا خليقة أن ألام، فأنبئني عن توفيق الحكيم، وكيف انتهينا من حديث كورتلين إليه، وأي سبب بين هذا الشاب المصري وهذا النابغة الفرنسي؟ قال: بينهما سبب لا أدري الآن ما هو، ولعله، إن صدقت الظنون وتحققت الآمال، أن يكون التفوق والنبوغ، ولعل الله قد أذن لمصر أن يكون فيها كورتلين كما كان في فرنسا.
قالت: فإني لا أحب الإطالة، ولا أحب الالتواء، فأوضح وأبن عما تريد. قال: توفيق الحكيم يا آنسة شاب مصري، ظهر فجأة بقصة تمثيلية أنت أحد أشخاصها. قالت: أنا أحد أشخاصها! ماذا تقول؟ قال: نعم! لأن أشخاصها أهل الكهف، ولست أريد أن أطيل في تقريظ هذه القصة. وإنما أقول إني قرأت في هذا العام قصصًا تمثيلية كثيرة، ظهر بعضها بالفرنسية، وبعضها بالإنجليزية، وبعضها بغير هاتين اللغتين، وترجم إلى إحداهما أو إلى إحداهما، فكانت قصة أهل الكهف هذه خير ما قرأت من هذه القصص كلها وأحسنها موقعًا من نفسي، وأشدها إثارة لإعجابي. ولست أدري أمعجب أنا بموضوعها أم بأسلوبها السهل، أم بألفاظها الساذجة، أم بتحليلها الدقيق، أم بهذا كله. ولست أشك في أن إعجابي بها سيضاعف منذ اليوم؛ لأنك أحد أشخاصها. ومن يدري لعلك برسكا التي صورها توفيق الحكيم! قالت، وقد ضاقت بهذا المزاح: لو كنت برسكا لما جهلت مبدعي! قال: كم بين الناس يعرفون مبدعهم؟ قالت: وقد كتب صاحبك هذه القصة باللغة العامية؟
قال: لا، بل بلغة لا تبعد كثيرًا عن العامية. وليست هذه القصة هي التي ذكرت حين تحدثنا عن كورتلين، فإن لتوفيق الحكيم قصة أخرى غير تمثيلية سماها عودة الروح. والغريب أن أهل الكهف ظفرت أول الأمر بإعجاب الشباب والشيوخ جميعًا. فلما ظهرت عودة الروح تنكر لها بعض أعلام البيان في مصر، ودعا هذا التنكر بعضهم إلى أن يراجعوا إعجابهم بأهل الكهف، فيخففوا منه ويقتصدوا فيه. أما الشباب فأضافوا إعجابًا إلى إعجاب، ورضى إلى رضى، وبدءوا يتخذون هذا الكاتب الشاب قدوة لهم ومثالًا. قالت: وماذا ينكر أعلام البيان من عودة الروح؟ قال: لغتها، فهي ككتاب كورتلين، أبطالها شعبيون، فينطقهم المؤلف بلغة الشعب. ولعله يغرق في ذلك بعض الشيء، وأعلام البيان يكرهون ذلك ويحرصون على ألا تظهر آيات البيان إلا في اللغة الفصحى، وهم يضنون بهذا الشاب على أن ينفق جهده الخصب ويضيع وقته العزيز في هذه اللغة المبتذلة. قالت: ولكن القصة نفسها ما رأيهم فيها؟ فليست القصة ألفاظًا خالصة ولا معاني خالصة، وإنما هي قوام من الألفاظ والمعاني، ولا بد من أن يستقيم لها جمال اللفظ وجمال المعنى. فهب ألفاظها رديئة عند أعلام البيان، فما حكمهم في معانيها؟ قال: قرأها بعضهم فلم يظهر رضى ولا سخطًا، ولم يستطع بعضهم الآخر أن يقرأها، فعابها؛ لأن لغتها العامية صرفته عن قراءتها. قالت: فهذا بخل بالإنصاف وتجاوز للقصد، وقد شوقتني إلى أن أقرأ هذين الكتابين، ولكن هلا حدثتني عنهما حين كنا في القاهرة؟ قال: ومتى حدثتك في القاهرة عما كنت أريد أن أحدثك عنه؟ إنما نلتقي فتمضي الأحاديث بيننا كما تريد هي لا كما نريد نحن، ولولا أني سألتك عن هذا الكتاب الذي تقرئين لما جرى بيني وبينك ذكر لتوفيق الحكيم. وهل فرغنا من الحديث عن أنفسنا لنتحدث عن هذا الأديب الجديد؟ قالت: كم كنت أحب أن أظفر بكتابيه لأفر إليهما منك ومن نفسي، فقد يخيل إلي أننا نسرف في الحديث عن أنفسنا ونغلو في الإعراض عن غيرنا. وقد يخيل إلي أن بين هؤلاء الكتاب الناشئين من هم أحق بعنايتك وعنايتي من هذا اللغو الذي نخوض فيه كلما التقينا. قال: وعلى ذكر كورتلين وتوفيق الحكيم، ما رأيك في هذا الكتاب الفرنسي الجديد الذي كثر الكلام فيه، واختلف فيه أدباء فرنسا كما اختلف أدباء مصر في كتاب توفيق الحكيم؟
قالت: وما ذاك أيضًا؟ قال: ماذا، ألم تقرئي كتاب سيلين الذي سماه سياحة في آخر الليل؟ ألم تقرئي ما كتب النقاد حول اللغة التي أُلّف فيها هذا الكتاب؟ قالت: لا. قال وهو يضحك: معذرة، فقد أنسيت أنك نائمة، وأنك من أهل الكهف. قالت، وقد رمته بكتابها مغيظة منه محنقة عليه: هبني نائمة، فما لك لا توقظني؟ وما اختلافك إلي في القاهرة؟ وما لزومك لي في نيس؟ وما مرافقتك لي في هذا القطار على كره مني؟ قال وقد أغرق في الضحك: إنما رافقتك في القطار يا آنسة لأوقظك، ولأخرجك من الكهف، ولأنبئك بأن في مصر شابًا يقال له توفيق الحكيم، كتب قصة يقال لها أهل الكهف، وأخرى يقال لها عودة الروح. وبأن في فرنسا أديبًا جديدًا يسمي نفسه سيلين، وقد أظهر كتابًا أسماه «سياحة في آخر الليل»، اختلف الناس فيه اختلافًا كثيرًا.
قالت: فيم اختلفوا؟ قال: في لغته، فهو أيضًا مسرف في حب العامية، وأنا معجب بكتابه إعجابًا شديدًا، مبغض للغته بغضًا شديدًا؛ لأنه يتعمدها تعمدًا، ولا تدفعه إليها الحاجة ولا الضرورة ولا الرغبة في التصوير الصادق والتعبير الصحيح. وكل هذه الكتب عندي، أستطيع أن أعيرك إياها لتقرئي وتحكمي، ثم لنتحدث بعد ذلك. قالت: فابدأ بقصة أهل الكهف، فأعرني إياها منذ الآن، فسأنفق ليلتي بينها وبين كورتلين. قال: ولكن أليس خيرًا منها ومن كورتلين أن ننفق ساعة أو بعض ساعة؛ لا أقول في الحديث، فقد يظهر أنك سئمته وضقت به؛ وإنما أقول في العشاء، فإني أسمع جرس الخادم يدعو إليه؟!
ليتك لم تأمري وليتني لم أطع. فمن صواب الناس ما يكون خطأ، ومن خطأ الناس ما يكون صوابا. والمرء بخير ما عرف لنفسه قدرها ولم يعد بها حقها، ولم يكلفها الحياة في النجوم، وقد خلقت لتحيا في الأرض. ولقد حاولت في غير طائل أن أعرف ماذا كنت تنكرين من صحبتنا في بلاد الغربة. فقد كنا نلتقي ونفترق لا يكون بيننا إلا حديث نقي بريء فيه ذكر للأدب والأدباء، فما زلت تحبين ذلك وتظهرين كرهه، وما زلت تسرين الرغبة فيه، وتعلنين الضيق به حتى ملأت صدري ضيقا بنفسي، وحرجا بمكاني منك، وخيلت إلي أني أثقل عليك، وأكلفك من صحبتي مالا تطيقين، حتى إذا كان ذلك اليوم وليته لم يكن تقدمت إلي في الرحيل فامتنعت عليك وأسرفت في الامتناع، وألحت أنت وأغرقت في الإلحاح، ولم أجد بدا من الطاعة وان كنت لها لكارها، ولم تجدي بدا من المضي في الأمر، وان كانت نفسك لتحدثك في العدول عنه. ولم أكد أستقر في باريس، ولم تكادي تستقرين في مدينتك الجامعية الصغيرة حتى اتصلت بينك وبين هذه الكتب والرسائل التي لا أستطيع أن أصفها بأقل من أنها برهان قوي ساطع.
على أننا نخدع أنفسنا عن أنفسنا. ونتكلف في إرضاء الناس وأوضاعهم ما لا يحفل به الناس، ولا يلتفتون إليه، وما لا نحتمله نحن إلا في جهد جاهد وعسر لا حد له.
الآن وقد أضعنا من حياتنا أياما طوالا كنت تترددين فيها على حجرات الدرس الجامعة، وكنت أتردد فيها على الأندية وملاعب التمثيل أكتب إليك وقد آن لي أن أعود إلى القاهرة. لعلك تأذنين في أن نلتقي مرة قبل أن أعبر البحر. ولست أدري أيقع هذا الكتاب منك موقع الرضى أو موقع السخط؟ ولكني أعلم أن الأيام معدودة علينا في هذه الحياة وان من الحمق أن يستطيع الأصدقاء التلاقي ثم لا يلتقون، ينتظرون أن يتاح لهم ذلك في يوم آخر قريب أو بعيد. فمن يدري لعل هذا اليوم ألا يجيء. ولعل الأحداث والخطوب أن تحول بين الأصدقاء وبين ما كانوا يقدرون من اللقاء فيه. ولو عقل الناس لما تفرقوا إلا حين لا يكون من الفراق بد، ولكن الغرور يغرهم بأنفسهم ويطمعهم في الأيام، فيخيل إليهم أنهم مخلدون وأنهم ليمرون بالحياة كما يمر الطيف بالنائم المغرق في النوم وقد تعجبين حين تعلمين إني لا أكتب إليك من باريس، وإنما أكتب إليك وقد دنوت منك حتى لم يبق بينك وبيني إلا مسير دقائق على الأقدام. فقد وصلت إلى مدينتك الجامعية مع المساء وأنا أكتب إليك وستقرئين كتابي مع الصباح فان أردت لقائي فهذا رقم التلفون، وإن أبيت فان القطار يبرح مدينتك إلى مرسيليا مع الظهر، ولن أراك حتى أعلم بأن رؤيتي لا تؤذيك ولا تثقل عليك، ولا تخيل إليك أنك تخرجين على ما ألف الناس من أوضاع وأطوار.
عجبت للأذكياء وكبار العقول انهم ليأخذون أنفسهم أحيانا بما لا يلائم الذكاء ولا تسيغه العقول.
وكانت تختلف على وجهها الناصع وهي تقرأ هذا الكتاب مظاهر الوفاق والخلاف وآيات الرضى والسخط. فكان وجهها يشرق حينا، وتغشيه ظلمة رقيقة حينا آخر. حتى إذا فرغت من قراءة الكتاب وضعته في رفق أمامها على المائدة ومدت بصرها كأنما تريد أن تبلغ به أقصى الآفاق. لولا هذه الجدران التي تقوم غير بعيد وتقف عينها عند حد محدود وأرسلت نفسها الحرة إلى أبعد مما استطاعت أن ترسل إليه بصرها السجين، وظلت على هذه الحال وقتا لم تعرف أطال أم قصر ثم عادت إلى نفسها وثابت إلى غرفتها من الفندق، وأخذت كتابها برفق، وأعادت النظر فيه، وظلت كذلك تنظر في الكتاب ثم تدعه، ثم تعود إليه. حتى أدارت رأسها عن غير عمد فرأت التلفون، فقامت من غير عمد، وسعت إلى التلفون، ثم تحدثت فيه عن غير عمد، وعادت إلى مكانها، فأخذت الكتاب ونظرت فيه، ثم نظرت فيه، ثم طوته ثم أخفته، ثم ظهر عليها تردد شديد، كأنها تنبهت لأنها أتت أمرا عظيما وكأنها تراجع نفسها في استدراك ما فات، وإلغاء ما قدمت من الأمر، وكأنها تفكر في أن تتحدث إلى التلفون بغير ما تحدثت به إليه منذ حين.
ولكنها لم تبلغ من ذلك ما تريد لأن طرقا خفيفا على الباب قد ردها عنه، واضطرها إلى أن تصلح من شأنها على عجل وترفع صوتها آذنة بالدخول.
ولم يكد ينفرج الباب عن صاحبها الأديب حتى أقبلت عليه باسمة تحييه وتقول في جرأة متكلفة، واستحياء ظاهر، إن كنت أقبلت للوم والعتاب فعد أدراجك وارجع من حيث أتيت، وخذ قطار الظهر. فإن في كتابك من اللوم والعتب والفلسفة والتشاؤم ما يغني عن إضاعة الوقت.
قال فإن ما أضيعه من الوقت في اللوم والعتب لن يكون شيئا بالقياس إلى هذه الأسابيع الطوال التي أضعتها أنت حين أبيت إلا أن تقيمي هنا، وأذهب أنا إلى باريس. قالت فذلك شيء قد كان، وقد مضى بأثقاله وأوزاره وليس إلى استدراكه من سبيل فلست أرى خيرا في ذكره، ولا نفعا لإعادة الحديث فيه، قال أما أنا فأرى في ذلك الخير كل الخير والنفع كل النفع، لأنك لم تستفيدي بما مضى ولن تنتفعي بذلك الفراق الطويل الأليم، قالت وما يدريك؟ قال أرأيتك لو أنبأتك بأني سأقيم معك في هذه المدينة وسأختلف معك إلى دروس الجامعة حتى ينقضي الصيف ونعود معا إلى القاهرة، ماذا تصنعين؟ قالت أو قادر أنت على ذلك وقد انتهت إجازتك، ولم يبق لك بد من القفول. قال فإن الإجازات تمد وإن الحيل أوسع من أن تضيق وإن رسالة برقية قد ذهبت إلى القاهرة خليقة أن تمنحني من الوقت ما يتيح لي أن اختلف إلى حجرات العلم بعد أن اختلفت إلى معاهد اللهو والفراغ. قالت كالواجمة أو فعلت هذا؟ قال نعم قالت فعد إلى باريس أو أذهب أنا إليها. قال محزونا البأس عليك فلن نلتقي في هذه المدينة إلا بياض هذا اليوم، ولكن كيف تريدين أن تقضيه؟ وأين تريدين أن تقضيه؟ فما أظن أن غرفتك هذه الضيقة تسع أحاديثنا وخواطرنا التي لا حد لها والتي ينبغي أن تكون حرة كالطبيعة الحرة. ومطلقة كالهواء الطلق. وإني لأعرف من هذه الأرض أكثر مما تعرفين. قالت فإني لا أعرف منها إلا الجامعة والفندق والطريق بينهما. قال أما أنا فلا أعرف الجامعة وإنما أعرف الجبل والسهل وأعرف الربى والوديان، وأعرف الغابات الملتفة والرياض النضرة، والغدران الجارية، ذات الصفحات النقية، والصوت الجميل، وأعرف بنوع خاص ربوة بديعة يجرى من تحتها جدول بديع لا تقع القدم فيها إلا على عشب. ولا ترى العين فيها إلا جمال الشجر والزهر، ولا تسمع الأذن فيها إلا هفيف النسيم وحفيف الورق وغناء الطير، وقد دارت حولها طائفة من الشجر الباسق الذي ارتفع في الجو كأنه يريد أن يبلغ السماء، والذي مد أغصانه في كل وجه حتى التفت واشتبك بعضها ببعض، وهيأت فوق هذه الربوة الجميلة الهادئة غرفات جميلة هادئة تصلح لتفكير المفكرين، وحديث المتحدثين، والرأي عندي أن نقصد إلى هذه الربوة فننفق فيها بياض هذا اليوم فإني مشوق إلى أن أراها بعد أن فارقتها منذ أعواما وأن أراك فيها بعد أن فارقتك منذ أيام تعدل أعواما وأعواما. قالت لا أرى بهذا بأسا ولكن على أن يسبق منك الوعد باثنتين أما أولهما فأن تكف عن اللوم والعتب وما يشبه اللوم والعتب من هذا التجني الذي تحسنه أكثر مما تحسن أي شيء آخر، قال زعموا أن قيمة كل امرئ ما يحسن، فإذا كنت ترين أني ممتاز في التجني لا أكاد أحسن شيئا غيره وتطلبين إلي مع ذلك إلا اقصد إليه ولا أخوض فيه فأنت إذا تريدين أن تضعيني موضع الذي يقول فيما لا يحسن، ويخوض فيما لا علم له به. قالت ذهابنا إلى هذه الربوة الجميلة الهادئة رهين بهذا الوعد. فلك أن تختار بين الجد الخالص الذي لا عبث فيه ولا دعابة، ولا لوم فيه ولا عتب، ومعه ربوتك الجميلة الهادئة وغرفتك البديعة التي تصلح للتفكير والحديث، وبين ما تحب من العبث والخلط تذهب فيهما كل مذهب، وتندفع فيهما إلى غير الطريق، قال أوحرنا في الاختيار، فإني إذن أختار الثانية وأوثر أن نطوف بالعبث والخلط في شوارع هذه المدينة الصغيرة الهادئة، لا يضيق بنا مكان إلا تركناه إلى مكان آخر، ولا نستنفد فنا من فنون السخف إلا عدلنا عنه إلى فن آخر. فإني أصبحت أرى السخف أقوم ما في الحياة. قالت لقد أفسدتك باريس قال بل أفسدتيني أنت حين أكرهتيني على الذهاب إلى باريس، قالت فإني لا أدع لك حرية الاختيار وإنما أفرض عليك الربوة الجميلة الهادئة وحديثها البريء من العبث والتجني فرضا، قال لقد أطعتك حين نفيتني إلى باريس فأحرى أن أطيعك حين تذهبين بي إلى هذه الجنة الخضراء، وأكبر الظن أن طبيعة هذه الربوة الجميلة الهادئة ستكون أقوى منك ومني وستوجه عقلينا وقلبينا إلى حيث تريد هي لا إلى حيث تريدين، ولا إلى حيث أريد. قالت ما دمت واثقا بالطبيعة إلى هذا الحد، مؤمنا لها إلى هذا الحد، فلنذهب إلى ربوتك ولنحكم جمالها وهدوءها فيما ستفيض به قلوبنا من شعور، وفيما ستضطرب به عقولنا من تفكير، وفيما ستجري به ألسنتنا من حديث.
وانتصف النهار وإذا هما في هذا المكان الجميل الذي خلت فيه الطبيعة إلى نفسها فاتخذت زينتها حرة طليقة لا متكلفة ولا خاضعة لعبث الناس. وإذا هما ينظران ويسمعان ويتنسمان هذا النسيم الهادئ القوي وقد أزيلت الحجب بين نفسيهما وبين ما في هذه الربوة من جمال هادئ قوي خصب مختلف الألوان. ولو قد خلي بينهما وبين ما كان يغرقان فيه من هذا الصمت الحلو الذي كان يمزجهما بهذه الطبيعة الحلوة لظلا صامتين هادئين حتى تزعجهما ظلمة الليل، فتخرجهما عما كانا فيه من صمت وهدوء، ولكن الطبيعة نفسها أبت عليهما ما كانا فيه كأنها أحبت أن تسمعهما وكأنها أحبت أن تمتزج أصواتهما بأصواتها. فما هي إلا أن يحسا نبأه تخرجهما من نعيم الصمت والذهول إلى شقاء الحديث والتفكير. أحسا نبأه فريعا لها، وهما أن يتعرفا مصدرها فلم يصلا مما أرادا إلى شيء ولكنهما تساءلا، وسمع كل منهما صوت صاحبه فأغري به واشتدت رغبته فيه، وعادا إلى ما كانا فيه من حوار، قبل أن يبلغا هذا المكان الجميل.
قال، وإذا فأنت تجدين من المشقة في قراءة القصص التمثيلي ما يرغبك عن هذه القراءة، وينفرك منها، ويحبب إليك قراءة هذا القصص اليسير الذي لا أخذ فيه ولا رد ولا جدال فيه ولا حوار. قالت نعم وان كرهت ذلك ورأيته آية من آيات الضعف ومظهرا من مظاهر القصور. قال وكيف يكون ضعفا ما تحبين، وكيف يكون قصورا ما تكلفين به من الأمر؟ قالت تنبه فإني أراك مقدما على إخلاف الوعد الذي سبق. قال فإني لم أعد بشيء على أني لا أدري أين يكون هذا الإخلاف. لست عابثا، ولا متجنيا، إنما أقول ما أعتقد، وأصور ما أرى. وإني لأشعر بالنفور من قراءة التمثيل، وبالرغبة في الاكتفاء بهذا القصص اليسير. قالت فإنك تكبر التمثيل إكبارا أراك تسرف فيه، فلست أجحد قدره ولا مكانه بين مظاهر التعبير الأدبي، ولكن التمثيل خلق للملاعب لا للمكاتب. وخلق لينفذ إلى النفس من طريق الأذن والعين، لا من طريق العين وحدها. وخلق لينفذ إلى النفس ممتزجا بأصوات المتحاورين وحركات اللاعبين، لا لينفذ إليها كلاما غير منطوق، وعملا لا يأتي به أحد من الناس. قال حجة قوية هذه لا أريد ولا أستطيع أن أنقضها وليس من شك في أني أوثر أن أرى التمثيل في الملاعب على أن أخلو إليه في مكتبي، وأوثر أن أرى أشخاص القصة يذهبون ويجيئون، وأسمعهم يجادلون ويحاورون، ولكن ماذا أصنع إذا حيل بيني وبين الاختلاف إلى الملاعب، لأن ظروف الحياة لا تريد ذلك أو لأني أعيش في بلد لا يزهر فيه التمثيل، ولا يكاد يزوره إلا لماما أو لأن آيات من القصص التمثيلي قد قطعت الطريق بينها وبين الملاعب. أأجهل هذا الفن من فنون الأدب جهلا، وأهمله إهمالا، وأنسى أنه موجود وأن فيه للنفوس الراقية متاعا، وللعقول الراقية غذاء، وللقلوب الراقية لذة. قالت وقد أخذها شيء من الدهش كأنما رفع عنها حجاب فرأت نورا باهرا لم تكن تنتظر أن تراه. ماذا تقول! وأين ذهب بي الجدال! وإلى أي حد انتهى بي حب الخصومة. قال إلى حيث تأتين ما لم يستطع الدهر أن يأتي وتصدرين أحكاما عجز النسيان وعجزت الأيام وعجزت المحن والخطوب، وعجز الجهل والجمود عن أن تصدرها، إلى حيث تمحين من سجل التاريخ الأدبي أعلام الأدب القديم والحديث، إلى حيث تعتبرين إيشيل، وسوفوكل، وأوربيد، وأرستوفان، وشكسبير. قالت في شيء من الجزع لا تقل هذا، وكيف السبيل إلى قبر هؤلاء الأعلام ومحو هذه الأسماء، وإهمال لهذه الآيات وإن أصحابها لأبقى من الدهر كله وأقوى من الناس كلهم، وأحق بالعناية ممن شئت وممن لم تشأ من أبطال العلم والأدب والفلسفة جميعا. ثم انحدرت من عينيها دمعتان وقالت بصوت رقيق تقطعه العبرة، كيف يمكن أن ينسى قول سوفوكل على لسان انتيجون في حوار الملك: ولدت للحب لا للبغض.
قال مهلا، فإنا لم نأت إلى هذه الربوة الجميلة الهادئة، ولم ننزل ضيفا على هذه الطبيعة النضرة الباسمة لنسفح الدموع. ونثير في نفوسنا عواطف الحزن، وقد وعدتك أو قد وعدت نفسك بألا نعبث هنا ولا نلهو، ولكني لم أعدك، ولم تعدي نفسك بأن نبكي ونرسل الزفرات ونسفح العبرات. قالت والهدوء يثوب إليها وإشراق الابتسامة الهادئ الخفيف يذود عن وجهها ما غشيها من ظلمة الحزن، والبكاء، لولا شغفك بالجدال وكلفك بالحوار واحتيالك في خلق الخصومات التي لا تنتهي، ولما اضطررت إلى أن أتورط في هذا الكلام الذي لا يمكن أن يوصف إلا بأنه فن من فنون السخف أو لون من ألوان الجحود، قال لست جاحدة، ومعاذ الله أن تكوني جاحدة، ولكني قلت لك أني أصبحت أرى أن السخف أقوم ما في الحياة. قالت فكن سخيفا ما شئت. فإني لا أحب السخف. لا أحب أن أسمعه ولا أحب أن أخوض فيه، ولولا إننا هنا بعيدان عما أحب من الكتب لفرضت عليك عقوبة. . . قال وهي أن أقرأ لك فصلا من فصول التمثيل، لأقيم لك الدليل على أن التمثيل يمكن أن يقرأ فيثير اللذة والإعجاب بعيدا عن الملعب، قالت ولمن تريد أن تقيم الدليل وقد عرفت أني أشاركك في الرأي، وإني لم أقل ما قلت ولم أذهب إلى ما ذهبت إليه، إلا حين اضطررتني أنت إلى هذا الحوار الذي لا ينقطع، والذي لا خير فيه. قال ماكرا، ومن يدري لعلك إن حاورتك في الشعر أن تقولي إنه لا يقرأ. وإنما يسمع من المنشدين. ولعلي إن حاورتك في الموسيقى أن تقولي إنها لا تقرأ، وإنما تسمع من الموقعين. قالت ومن يدري لعلك إن حاورتني في أي شيء أن تسيء رأيي في كل شيء، وان تردني إلى حيث كان أسلافنا في العصور الأولى، لا يعرفون الترف العقلي ولا يبتغون لذة العقل والشعور إلا من أقرب الطرق وأيسر الوسائل. فقد كانوا يسمعون الشعر ويسمعون الموسيقى ويسمعون التمثيل، لأنهم لم يكونوا يقرؤون فأما الآن فقد نستطيع نحن أن نسمع فإن فاتنا الاستماع فقد نستطيع أن نقرأ. وأني لأفكر في هذا فأعجز عن إحصاء نعمة الله على الناس حين ألهمهم الكتابة وعلمهم القراءة. فهذه النعمة هي التي حفظت لنا ما بقي في أيدينا من آيات البيان في العصور القديمة وأتاحت لنا أن نعجب بما كان يعجب به الناس من سحر الشعر والنثر، منذ القرون الطوال. وهذه النعمة هي التي تتيح لنا دائما أن نستبقي آيات التمثيل التي لم يبق بينها وبين الملعب من سبيل، لأن الأذواق قد أصابها من التغير والتبدل ما جعل تمثيل هذه الآيات أمرا لا مطمع فيه، فلولا أنها قد حفظت لنا بالكتابة ولولا أننا نستطيع أن نحييها في نفوسنا بالقراءة. لماتت موتا لا نشور بعده وكيف ترى تمثيل أرستوفان، وأي قصصه يمكن أن يظهر في الملاعب الآن وأين الآذان التي تستطيع أن تسمع لحواره وما فيه من تجاوز الذوق الاجتماعي ومخالفة الأدب المألوف. ومع ذلك فكيف يستطيع مثقف أن يجهل تمثيل أرستوفان، إني لأكره كل ما يشذ عن الأدب الذي تواضع عليه الناس ولأرفض كل الرفض أن أقرأ على أحد، أو أسمع من أحد كثيرا من قصص أرستوفان، بل إني لأكره أن أقرأ هذه القصص كما كان القدماء يقرؤون بصوت عال تسمعه الأذن، ولكني على ذلك أعترف بأني أطيل النظر في هذه القصص وأقرأه المرة بعد المرة وأقرأه كلما ضقت بالحياة أو ضاقت بي الحياة، أقرأه بالعين لا بالشفتين واللسان. قال ومالك تقفين عند أرستوفان وإن في آيات سوفوكل وصاحبيه لما يعجز الملعب عن إخراجه للناس الآن، لأن فن التمثيل نفسه قد تغير وتبدل، ولكن أي حرمان يصيب المثقفين لو قضي عليهم ألا يقرؤوا غناء الجوقة في شعر هؤلاء الأعلام. وشكسبير أيجب أن يحرم المصريون مثلا لذة الاستمتاع بآياته لأنها لا تمثل في بلادهم، بل أيحرم الإنجليز أنفسهم لذة الاستمتاع بآياته لأنها لا تمثل عندهم إلا بمقدار. قالت بل نستطيع أن نذهب إلى أبعد من هذا فقد نستطيع أن نؤمن بأن القصص التمثيلي فن من فنون التعبير الأدبي يمكن أن يقصد إليه من حيث هو، وأن يكتب الكاتب قصة تمثيلية لتقرأ لا لتمثل، قال فإنك لا تذهبين إلى شيء مستحدث وهل كانت كتب أفلاطون كلها إلا فنا من فنون التمثيل كتبت لتقرأ لا ليلعبها الممثلون أمام النظارة، قالت بل أنا أجد القراءة تمنحني قوة لا أجدها حين اختلف إلى الملاعب فأنا أخلق الممثلين وأصورهم لنفسي وهم يذهبون ويجيئون ويجادلون، وأخلع عليهم من الصور الفنية ما يعجبني ويلائم طبيعتي، ومزاجي، وفهمي كما أقرأ. قال ولست أخفي عليك إني أكره أن أرى قصة تمثيلية قبل أن أقرأها، ولعلي أقرأ القصة التمثيلية فأعجب بها إعجابا، وأفتن بها فتونا. ثم أشهدها في الملعب فيدركني شيء كثير من خيبة الأمل لأن الممثلين لم يؤدوها كما كنت أريد أن تؤدى، أو كما كنت أنتظر أن تؤدى. قالت وكذلك آيات الجمال الفني كلها ترتفع في النفوس حتى تبلغ المثل الأعلى أو تدنو منه فإذا اشتملتها الحياة الواقعة وأخرجها الإنسان إلى الوجود الفعلي نزلت عن مرتبتها لأن طبيعة الجمال الفني فيما يظهر لا تحب الحدود التي يفرضها الزمان والمكان.
قال في رفق مهلا فقد يخيل إلي أنا نصعد في السماء، ولو مضينا في هذا الحوار لبلغنا هذا السحاب الذي يوشك أن يفسد جمال هذه الطبيعة النضرة الباسمة. قالت ليس إلى إرضائك اليوم من سبيل، لقد كنت تراني منذ حين مقصرة مسرفة في التقصير، وأنت تراني الآن محلقة مسرفة في التحليق. قال أنا معجب بك على كل حال، ولكن ارفقي بي فقد أعجز عن أن أرتقي معك في الجو إلى حيث تريدين، عيشي مع أصدقائك من سكان النجوم إذا خلوت إلى نفسك فإذا لقيتني، فاذكري قول باسكال واعلمي إني مهما أقوى فلن أستطيع إلا أن أكون إنسانا يمشي على الأرض وينظر إلى السماء. قالت ما أبرعك في إفساد الحديث ها أنت ذا تعود بنا إلى عبثك الذي لا ينقضي، ألست ترى أن خيرا منه أن ننظر فيما حولنا وأن تتحدث نفوسنا إلى نفس هذه الربوة التي لقيتنا فأحسنت لقاءنا. وهيأت لنا ضيافة لم نكن نقدر أن نلقاها. قال لا أرى بذلك بأسا ولا سيما في يوم وداع فمن يدري لعلنا لا نلقاها بعد اليوم. قالت وما يمنعنا أن نعود إليها غدا وبعد غد فإن الإجازات تمد، ورسالة برقية تستطيع أن تذهب إلى القاهرة مساء اليوم فتكفل لك الإذن بالبقاء هنا إلى آخر الصيف. قال وقد استأثرت بنفسه غبطة لا حد لها أو تأذنين؟
مجلة الرسالة، الأعداد ١٢، ١٣، ١٤، ١٥ (١ يوليو – ١٥ أغسطس ١٩٣٣)، والعدد ٢١ (١٥ نوفمبر ١٩٣٣) -
تيسير
تيسير
من أوراق الدكتور طه حسين
تيسير النحو العربي وإصلاح الكتابة العربية
بقلم: د. أحمد حسن الزيات (الهلال، ١ يونيو ١٩٨٨)
بين أوراق المرحوم العميد الدكتور طه حسين صورة خطاب غير مؤرخ وجهه إلى وزير التربية والتعليم أو وزير المعارف العمومية في ذلك الوقت عن تيسير النحو العربي وإصلاح الكتابة العربية يقول فيه: "إن هاتين المسألتين المشكلتين خطر عظيم هو أظهر من أن يحتاج إلى وصف أو بيان." وقد كان هذان الموضوعان يشغلان بال طه حسين وأهل جيله، واتجه بعضهم مثل المرحوم عبد العزيز باشا فهمي إلى التفكير استعمال الحروف اللاتينية فأنكر طه حسين ذلك عليه وخاصمه فيه أشد الإنكار وأعنف الخصام على أن هاتين المسألتين المشكلتين لا تزالان اليوم بغير حل، ولا تزالان تشغلان بال الكافة من خاصة وعامة في مصر وفي كل البلاد العربية فلعل نشر هذا الخطاب اليوم أن يساهم في الوصول إلى حل هاتين المسألتين المشكلتين يقول طه حسين في خطابه: "إن الحياة الصحيحة للغة العربية رهينة بحل هاتين المسألتين المشكلتين وإنا لنغالط أنفسنا أشد المغالطة ونخادعها أشنع الخداع حين نظن أننا نعلم تلاميذنا وطلابنا اللغة العربية ونفقههم فيها ونبصرهم بها ونمكنهم من أن يعبروا بها تعبيرًا صحيحًا بما يريدون أو يفهموها فهمًا صحيحًا إذا قرأوها في الكتب والصحف أو سمعوها من الخطباء والمحاضرين على نحو ما يعبر الناس بلغاتهم وعلى نحو ما يفهم الناس لغاتهم.
فنحن في حقيقة الأمر لا نكاد نبلغ من هذا شيئًا وقد أثبتت التجارب التي لا تقبل شكًا ولا تتعرض لريب أن شبابنا بعيدون كل البعد عن أن يعرفوا لغتهم معرفة متوسطة فضلًا عن أن يحسنوها ويتصرفوا فيها تصرف المالك لها العالم بها المتقن لدقائقها وأسرارها وشبابنا مع ذلك ينفقون في درس اللغة العربية وينفق معهم أساتذتهم وقتًا طويلًا ويحتملون في ذلك ويحتمل معهم أساتذتهم جهدًا ثقيلًا فهم يدرسونها أربعة أعوام في التعليم الابتدائي وخمسة أعوام في التعليم الثانوي، ثم يصلون إلى الجامعة أو المدارس العالية وهم عاجزون أشد العجز عن أن يصوروا آراءهم وخواطرهم تصويرًا صحيحًا بالكتابة أو الخطابة أو الحديث فضلًا عن أن يصوروا هذه الآراء والخواطر في الشعر الرائع أو النثر الفني الجميل. وقد اعترفت وزارة المعارف نفسها هذه الحقيقة بعد أن أقنعتها التجربة بها ودلتها الحوادث عليها فساقَتْ إلى الذين يُعنَون بتعليم اللغة العربية حديثًا تسألهم فيه عن أسباب هذا العجز الظاهر وعن الوسائل التي يمكن أن تتخذ لإتقانه وتبرئة الشباب وقد تلقيت سؤال الوزارة هذا منذ أشهر فيمن تلقاه وقد رد عليه كثير من الناس في أحاديث خاصة وجهوها إلى الوزارة وفي مقالات وفصول نشرتها الصحف والمجلات ولكني آثرت الصمت واخترت أن أقرأ سؤال الوزارة ثم لا أجيب عليه لأني كنت مستيئسًا من فائدة هذه الإجابة واثقًا بأنها لن تغني شيئًا مستيقنًا أنها ستصل إلى الوزارة كما يصل إليها من الإجابات فتقرأ أو لا تقرأ ثم تحفظ بعد ذلك في مكان أمين أو تُسلم إلى الإهمال الذي ينتهي بها إلى الضياع.
وكنت محقًا في نفسي أن الوزارة لن تأخذ من الوسائل التي يمكن أن أقترحها عليها بشيء لأن الأخذ بهذه الوسائل كلها أو بعضها يحتاج إلى جرأة قد لا تقدم عليها البيئات الرسمية إلا بعد تردد طويل ولعل هذا التردد أن ينتهي بها إلى الإحجام والصبر على المكروه.
وكذلك رسمت لنفسي منذ عهد غير قصير خطة الإعراض عن السعي عند الوزارة في بعض وجوه الإصلاح التي تحتاج إلى الحزم والعزم وإلى الجرأة والإقدام وإلى مواجهة بعض المصاعب التي تنشأ عن المحافظة والغلو فيها.
وآثرت أن أترك أمور هذا الإصلاح تجري مع طبيعة التطور وتفرض نفسها على الأجيال شيئًا فشيئًا وما كنت لأخرج عن هذه الخطة التي أخذت نفسي بها منذ حين لولا أني وجدت من حديث معاليكم ومن رغبتكم الملحة في إصلاح أمر اللغة العربية ما رد بعض الأمل وشجعني على أن أعود إلى التفكير في أشياء قد تركت التفكير فيها منذ زمن بعيد. وإني لسعيد كل السعادة مغتبط أشد الاغتباط حين ألحظ أن الآراء التي سمعتها من معاليكم في إصلاح النحو والكتابة مطابقة كل المطابقة ما كنت أطمع فيه وأطمح إليه منذ أعوام طويلة فليكن إقبال معاليكم على هذا الإصلاح فألًا حسنًا ومقدمة سعيدة خطوات موفقة إن شاء الله.
ولقد لاحظت منذ أعوام في تقرير رفعته إلى أحد وزراء المعارف السابقين إن النحو الذي نعلمه لتلاميذنا وطلابنا في القرن الرابع عشر للهجرة هو بعينه النحو الذي كان يُعلَّم في البصرة والكوفة وغيرها من مراكز الثقافة الإسلامية في القرن الثاني والثالث للهجرة أي أننا نعلم النحو في هذه الأيام على الطريقة التي كان يُعلَّم عليها منذ أكثر من ألف سنة. ولاحظت أن العلوم كلها قد تطورت وتغيرت أصولها وقواعدها ومناهج تعليمها والبحث عنها إلا علوم اللغة العربية فإنها ظلت كما هي لم تتطور ولم تتغير إلا أن يكون ذلك من طريق الاختصار الذي لا يذلل صعبًا ولعله يصعب السهل ويدفع الواضع إلى الغموض وليست العلوم وحدها هي التي تطورت أو بعبارة أصح لم تتطور العلوم إلا لأن العقل نفسه قد تطور وتغير فأنتج علمًا مخالفًا ما كان نتيجة عن قبل وعجز عن استساغة العلم القديم الذي كان يسيغه العقل القديم. وما من شك في أننا لا نستطيع التفكير أن نعلم الطبيعة والطب على نحو ما كان يعلمهما الرازي وابن سينا أو أرسطاطليس وجالينوس ولكننا نطمئن إلى تعليم النحو والصرف بنفس الطريقة التي كان يعلمهما بها الكسائي وسيبويه.
ومصدر هذا التناقض الغريب خطأ في التقدير تورط الناس فيه منذ زمن بعيد ثم استقر في نفوسهم وامتزج بعقائدهم وأصبح تحويلهم عنه شيئًا عسيرًا. فهم قد ظنوا أن النحو هو اللغة وأن تغيير قواعده وأصوله تغيير للغة وإفسادها ومن حيث إن اللغة العربية هي لغة القرآن الكريم والسنة المطهرة فينبغي أن ترتفع عن التغيير والتبديل وأن يبقى التصرف فيها على أي وجه من الوجوه يعرضها للتغير أو التطور وأغرب من هذا أن اللغة قد تغيرت وتطورت غير مرة في تاريخها الطويل دون أن يمس ذلك لغة القرآن والحديث أو يؤثر فيها تأثيرًا قليلًا وكثيرًا ولكن الناس لم يفطنوا هذا أو لم يحفلوا به وظلوا يؤمنون بأن النحو هو اللغة وبأن تغيير قواعده وأصوله شر عظيم. ومع ذلك فليس النحو إلا قواعد يقصد بها إلى ضبط استعمال اللغة على أقرب وجه وأيسره وقد ابتكر النحو ابتكارًا في أول الحضارة الإسلامية واستحدثت قواعده بعد أن لم تكن واختلفت في تصويرها وضبطها وعرضها آراء الأئمة والعلماء فلم ينشأ عن هذا الاختلاف إفساد اللغة ولم تتعرض من أجله لخطر جليل أو ضئيل وأي خطر تتعرض له اللغة حين يختلف الكوفيون والبصريون مثلًا في أن المبتدأ مرفوع بالابتداء أو مرفوع بالخبر. وفي أن الأسماء الستة ترفع بالواو وتنصب بالألف وتجر بالياء أو ترفع بضمة قبل الواو وتنصب بفتحة قبل الألف وتجر بكسرة قبل الياء أو تُعرب بالحركة والحرف جميعًا أو تُعرب بحركة مقدرة على هذا الحرف سيظل المبتدأ مرفوعًا مهما يكن رافعه وستظل الأسماء الستة معربة على هذا النحو المعروف مهما تكن علامة إعرابها وعلى هذا النحو كل اختلاف العلماء التي تشبه هذين المثالين لم تغير اللغة ولم تعرضها لسوء. فلو أننا أحدثنا مذهبًا جديدًا في ضبط قواعد النحو فقلنا أن المبتدأ مرفوع وسكتنا عن رافعه مثلًا ما كان هذا المذهب الجديد أثر في اللغة من حيث هي لأن المبتدأ سيظل مرفوعًا كما كان فتستقيم اللغة كما استقامت دائمًا. ولكن هذا المذهب الجديد قد يريح التلميذ والطالب من عناء لا حاجة إليه ولا فائدة فيه هو عناء البحث عن هذا العامل المعنوي الذي كان يرفع المبتدأ عند البصريين وهو الابتداء أو عناء فهم هذا العبث الطريف الذي كان يجعل المبتدأ رافعًا للخبر والخبر رافعًا للمبتدأ عند الكوفيين.
وما أشد حاجة التلميذ والطالب في هذا العصر الذي كثر العلم فيه وتعقدت ألوان المعرفة إلى أن نريحه من العناء الذي لا يُغني ونقدم إليه من العلم ما يستطيع أن يسيغه ونحن إن لم نفعل ذلك بغضنا إليه العلم تبغيضًا وصرفناه عنه صرفًا وأظن أننا قد نجحنا إلى الآن في تبغيض اللغة العربية وعلومها إلى التلاميذ والطلاب وما أرى أن الفتى المصري يبغض من العلوم التي يحصلها في المدرسة شيئًا كما يبغض النحو والصرف والمعاني والبيان والبديع ذلك لأن هذه العلوم لا تتصل بنفسه ولا تتحدث إلى عقله ولا تلائم طبعه ومزاجه وإنما هي ألغاز لا تُفهم أو سخف لا يستطيع أن ينظر إليها نظرة الجد.
وكيف نريد التلميذ على أن يفهم أننا إذا قلنا حمدُ أقبل فلابد من أن نقدر فاعلًا مستترًا للفعل ومن أن يكون هذا الفاعل المستتر ضميرًا يرجع على حمد. وكيف نريد الطالب على أن يفهم أن هذا الضمير المستتر قد يستتر جوازًا مرة ويستتر وجوبًا مرة أخرى وهو في كل حال مبني ومحله دائمًا محل الرفع كل هذا كلام لا يسيغه العقل الحديث ولا سيما في طور الطفولة والشباب فإذا فرضناه على الصبي أو الفتى فإنما نفرضه على الذاكرة ونكلف التلميذ أن يحفظ ما لا يفهم وأن يعيده في الامتحان كما يعيد الببغاء ما تحفظ من الصيغ والألفاظ وهذه الأمثلة التي ذكرت أهون ما يلقى التلميذ حين يأخذ في درس النحو ولا أريد أن أعرض للحركات التي تُقدر ويُمنع من ظهورها التعذر أو يُمنع من ظهورها الثقل أو تُمنع من ظهورها كسرة المناسبة ولا أريد أن أعرض للاشتغال ولا أريد أن أعرض للحروف التي تنوب عن الحركات ولا الحركات التي ينوب بعضها عن بعض كالفتحة التي تنوب عن الكسرة والكسرة التي تنوب عن الفتحة ولا أريد أن أعرض لنظرية العامل التي تكلف التلميذ والطالب عناءً ثقيلًا دون أن يفهمها أو يسيغها وما أكثر ما يسأل التلميذ نفسه عن هذه الأدوات التي تنصب الاسم وترفع الخبر كيف تعمل النصب والرفع مع أنها في حقيقة الأمر لا تعمل شيئًا. فلو أرحنا الطالب من هذا كله ويسرنا له أمور النحو تيسيرًا وحببنا إليه دروس اللغة العربية وأتحنا له فهمها وذوقها والانتفاع بها في الكلام والفهم نعرض اللغة خطرًا قليلًا أو كثيرًا، كلا إنما نحط عن التلميذ عبئًا ثقيلًا ليس هو في حاجة إلى احتماله وإنا واثق كل الثقة بأن إراحة التلميذ من هذا العناء الثقيل السخيف ستغير نظرته إلى دروس اللغة العربية وإقباله عليها وستظهر نتيجة ذلك في أسرع الوقت وأقصره.
أما إصلاح الكتابة فليست الحاجة إليه أقل من الحاجة إلى إصلاح النحو ولعلها أن تكون أشد منها وأكثر شيوعًا فليس كل الناس مضطرًا إلى أن يتعلم النحو ولكن كل الناس مضطر إلى أن يقرأ ويكتب وهو في حاجة إلى أن يُعصم من الخطأ إذا قرأ وكتب وقد صور حاجة الناس إلى هذا الإصلاح تصويرًا صادقًا كل الصدق في حديثكم الذي أذعتموه منذ حين وأكبر الظن أن مصدر الشر في هذه المسألة هو بعينه مصدر الشر في المسألة السابقة فقد استقر في نفوس الناس أن الكتابة كما هي مقدسة لا ينبغي أن تُمس ولا أن ينالها التغيير كما أن النحو مقدس لا ينبغي أن يُمس ولا أن يناله التغيير وقد نسي الناس أن الكتابة تغيرت وتطورت ونالها العلماء بالإصلاح فلم يصب اللغة من ذلك شر ولم يلم بها مكروه وقد أرادت الظروف أن تكون الكتابة العربية كغيرها من الكتابات السامية ناقصة نقصًا شنيعًا تصور نصفها وتهمل نصفها الآخر، تصور حروفها الجامدة وتهمل حروفها اللينة ونشأ عن هذا أن أصبحت الكتابة لا تكاد تغني وهي على كل حال شديدة العسر ولا يحسن قراءتها إلا الذين يفهمون قبل أن يقرأوا وقد يمكن أن يُقبل هذا حين تكون الكتابة مقصورة على طبقة ضيقة من الناس تحتكرها وتتفرد بها كما كان الكهان يحتكرون العلم ويستأثرون به في بعض العصور فأما إذا فرض الدستور أن يقرأ الناس جميعًا وأن يكتبوا فأما إذا ألغت الديمقراطية هذا النوع من الاحتكار فلا ينبغي أن نطالب عامة الناس بأن يفهموا قبل أن يقرأوا وبأن يكون لهم ذكاء العلماء والمتفوقين وإنما ينبغي أن نجعل القراءة أداة تمكنهم من الفهم لا غاية يمكنهم الفهم منها وليس إلى ذلك من سبيل إلا أن تكون الكتابة كاملة كالنطق فتصور فيها الحروف الجامدة والحروف اللينة كما أن النطق كامل يصور فيه هذان النوعان من الحروف. فنحن إذا نطقنا بلفظ "كَتَبَ" لا ننطق بالكاف والتاء والباء وحدها وإنما ننطق معها بهذه الفتحات الثلاث التي هي النصف اللين هذه الكلمة فما بالنا نصورها النطق في الكتابة؟ وكيف السبيل للقارئ الساذج إذا رأى هذه الأحرف الثلاثة الجامدة أن ينطقها على الصورة التي أرادها الكاتب إلا إذا فهم قبل أن يقرأ وكيف يتاح ذلك لغير العلماء والأذكياء من الناس. وإذا كان الأئمة من علماء المسلمين قد فطنوا لخطر هذه المسألة بالقياس إلى القرآن الكريم نفسه فحاولوا تصور هذه الحروف اللينة في المصحف الشريف بالنقط مرة وبالشكل المعروف مرة أخرى فما الذي يمنعنا نحن من أن نمضي في هذه الطريق التي مهدها لنا المتقدمون أفلا يسعنا أن نصنع ما صنع أئمة القرن الأول والثاني وكيف ينكر علينا ما لم يُنكر عليهم وكيف نلام على ما لم يُلاموا عليه وأيهما خير أن نسلك هذه الطريق التي سلكوها فنتم ما بدأوا ونحقق ما أرادوا أم أن نبقى حيث نحن فنحول بين اللغة العربية وبين الحياة والخصب والنماء لو نضطر إلى أن نصطنع الكتابة اللاتينية كما اصطنعها الترك أما أنا فما أشك في أن الإقدام على هذا الإصلاح فرض لا سبيل إلى إهماله إلا إذا أبحنا لأنفسنا إهمال اللغة نفسها وتركها عرضة لتقلب الظروف ولكن تحقيق هذا الإصلاح ليس من الأشياء اليسيرة فهو قد يحتاج إلى جماعة من الفنيين الذين يتقنون العلم بأنواع الكتابة والخط ويحسنون التصرف فيها ليدرسوا هذه المسألة درسًا عميقًا ثم يعرضوا ما يتاح لهم من الحلول العملية التي تجمع بين الدقة واليسر والبساطة. وربما كانت المسابقة العامة من الوسائل المنتجة لهذا الأمر بعد أن يستقر رأي العلماء وينم اتفاقهم على ضرورة الأخذ بهذا الإصلاح.
وخلاصة القول إني أقترح أولًا أن تؤلف لجنة صغيرة تكلف تبسيط النحو ورفع ما تنتهي إليه من هذا التبسيط إلى معاليكم لتروا رأيكم ولتعرضوه إن شئتم على هيئة أوسع وأشد تنوعًا من هذه اللجنة وثانيًا أن تستشيروا في مسألة إصلاح الكتابة طبقات مختلفة من المشتغلين باللغة العربية وعلومها فيستشار الأزهر وتستشار دار العلوم وتستشار الجامعة ويستشار المجمع اللغوي فإذا اتفقت هذه الهيئات كلها على الأصل الأساسي وهو من تصوير الحروف اللينة أو الحركات على أنها جزء من الكلمات ضرورة لا بد منها وخير لا شر فيه عرض موضوع هذا الإصلاح مسابقة عامة لا في مصر وحدها ولا في الشرق العربي وحده بل في الشرق والغرب جميعًا.
وإنا أرجو أن تتفضلوا فتقبلوا مع أجمل الشكر وأحسن التقدير، أخلص التحية وأعظم الإجلال.
طه حسين -
مجنون
مجنون
بقلم طه حسين
لم يتحدث أحد عن خزي الفرنسيين في أعقاب الحرب العالمية الثانية كما تحدث عنه الكتاب الفرنسيون أنفسهم في هذه الكتب الكثيرة التي لا تكاد تُحصى، والتي ظهرت أثناء الحرب في أجزاء مختلفة من الأرض، فر إليها بعض الكتاب الفرنسيين وفي فرنسا نفسها بعد أن وضعت الحرب أوزارها. ولا نعرف هيئة فرنسية بريئة من التعاون مع العدو أثناء الاحتلال الألماني. وقد أظهرت المحاكمات التي لم تنقض بعد أنَّ هذا الخزي كان متغلغلًا في طبقات مختلفة من الشعب الفرنسي. شارك فيه ضباط كثيرون من أصحاب المراتب المختلفة في الجيش، وكان أحدهم يُحاكَم منذ أسبوعين اثنين، ووصمته المحكمة بإثم الخيانة ثم أعفته من العقوبة في نفس الحكم لسبب ما. وشارك فيه علماء ممتازون كان من بينهم مدير جامعة باريس أشفق من عواقب المحاكمة فقتل نفسه، وشارك فيه أعضاء من المجمع اللغوي أخرجوا منه بعد التحرير وأعضاء آخرون من المجامع العلمية الأخرى، وكثير من رجال السياسة والحكم ومن زعماء الصناعة والتجارة ورؤوس الأموال، ومن الكتاب الصحفيين والكتاب والأدباء ومن الطبقات الشعبية الوسطى والطبقات الشعبية الدنيا. وقد لَقيَ كثير من هؤلاء جزاءهم فمنهم من حكم عليه بالموت ومنهم من أُهدرت شخصيته فحُرم حقوقه السياسية والمدنية جميعًا، ومنهم من تلقى عقوبات أيسر من هذا قليلًا أو كثيرًا، وآخرون عاقبهم الشعب نفسه بغير محاكمة قتل بعضهم ومثَّل ببعضهم وحلقت رؤوس كثير من النساء جهرة. وقد صُوِّر هذا كله في الكتب الفرنسية والأجنبية أيضًا. فما أكثر ما كتب الألمان من المذكرات التي سجلوا فيها ما رأوا من الأحداث أثناء إقامتهم في فرنسا أعوام الاحتلال وسجلوا بين ذلك صورًا مخزية لألوان من التعاون وفنون من تملق المنهزمين للمتضررين والتقرب إليهم من طرق مختلفة. أقل ما توصف به أنني لا أستطيع أن أذكرها في هذا الحديث.
وما أنا فلست أنسى ما قرأت في بعض هذه الكتب من وصف حفلة عشاء أقيمت في دور بعض الأغنياء من أهل باريس دُعوا إليها كثير من أعلام الباريسيين في الصناعة والتجارة والعلم والمال وأقبلوا جميعًا مبتهجين لأنهم كانوا سيلقون في هذا العشاء قائدًا ألمانيًا عظيمًا. وقد تأخر هذا القائد عن موعد العشاء شيئًا فقالت ربة البيت وعلى ثغرها ابتسامة الرضا وعلى وجهها غشاوة من الفرح والمرح يشيع فيها شيء من القلق اليسير. قالت: لا ننتظر الآن إلا قاهرنا الجميل. وأقبل القائد بعد قليل فحدث احتفال الناس به وإحاطتهم به وإقبالهم عليه وابتغاء الوسائل إلى أن يلقي إليهم كلمة أو يسمع من بعضهم حديثًا.
كل ذلك قد كان بل أكثر من ذلك وأشد منه خزيًا ونكرًا. وليس من شك في أن من الفرنسيين من أبى الهزيمة وقاوم الخزي. ولكن آخر من ينبغي أن يتحدث عن الهزيمة والاستسلام واستقبال العدو وتقديم المعونة له وابتغاء الوسيلة إليه هم الفرنسيون الذين أنشأوا هذا الخزي في نفوسهم عُقدًا منكرة لا يستطيعون أن يخلصوا منها. وإلى هذه العُقد التي أنشأها الخزي في نفوس الفرنسيين ترجع الحماقات الكثيرة التي تورطت فيها جمهوريتهم الرابعة.
فحرب الهند الصينية ليست إلا أثرًا من آثار هذه العُقد حاول الفرنسيون بها أن يكسبوا نصرًا يحررهم من خزي نفوسهم. فلم يكسبوا في تلك الحرب إلا خزيًا جديدًا أضيف إلى خزي قديم. وهذه الآثام البشعة التي اقترفوها وما زالوا يقترفونها في شمال أفريقيا ليست إلا أثرًا من آثار هذا الخزي. حاول الفرنسيون أن يجدوا في آثامهم هذه ما يحرر نفوسهم من خزي الضمائر. ويشعروا أنفسهم أنهم ما زالوا كبارًا. فلم يكسبوا من هذه الآثام إلا خزيًا وعارًا يضافان إلى ما عندهم من رأس مال ضخم من الخزي والعار.
فهذه مراكش قد تحررت، وهذه تونس قد تحررت أيضًا بعد أن ذاق الفرنسيون فيها ألوان الضعة والهوان. وهذه الجزائر توشك أن تتحرر ولا بد لها من أن تتحرر ومن أن تضيف إلى رأس المال الفرنسي من الخزي والعار. وهذه الجريمة التي اقترفتها فرنسا مع زميلتها في الإثم بريطانيا العظمى حين أقدمتا على غزو مصر ليست إلا أثرًا من آثار ذلك الخزي. حاول بها الفرنسيون أن يشعروا أنفسهم بأنهم ما زالوا قادرين على أن يفتحوا الأرض ويقهروا الأمم ويتحكموا في الشعوب. فلم يجنوا منه إلا الهزيمة والخوف الذي يروع نفوسهم ويجري مع دمائهم ويضع أيديهم على قلوبهم مخافة أن يصير لعبهم إلى جد وأن ينظروا ذات يوم فإذا هم متورطون في حرب أخرى مع أمة أقوى منهم قوة وأشد منهم بأسًا وأقدر من الألمان على أن تحتل باريس وتفعل بها الأفاعيل ويُدعى قادتها إلى الحفلات التي تقام عند أصحاب رؤوس الأموال.
فهذا الهذيان الذي تحدثت عنه الجمهورية أمس، وزعم فيه أن المصريين لم يطيقوا لقاء جنده وإنما فروا من هذا اللقاء. فر الضباط أولًا، وفر الجنود ثانيًا، وأذعن شعب بورسعيد أخيرًا وانتهى الأمر عند ذلك بسلام.
وإذن فما بال القناة لم تخلص له ولشركائه في الإثم؟ وما بال مصر كلها لم تقدم إليه الطاعة ولم تلتمس منه العفو والرضا؟ وما بال رئيس الجمهورية جمال عبد الناصر ما زال ثابتًا يستهزئ منه ومن شركائه ويتهيأ للقائه إن همَّ جيشه أن يتجاوز مكانه. وأطال المقام في هذا المكان. وما بال الشعب المصري، ما زال ثابتًا يضحك منه ومن جيشه ويؤيد رئيس جمهوريته على الرغم من فرنسا وبريطانيا العظمى.
وسأل الصديق سامي داود عن اسم يسمى به هذا الأحمق. ولست أدرك فيمَ يسأل الصديق وفيمَ يبحث. وليس في اللغة العربية ولا في غيرها من اللغات كلمة تليق به وبما يفعل وما يقول إلا كلمة واحدة وهي أنه مجنون.
طه حسين
الجمهورية 12 نوفمبر 1956. -
حيرة٢
حيرة
بقلم الدكتور طه حسين
وهم لا يحبون السلم لأنه يضيع هيبتهم في الشرق العربي ويطمع فيهم أممًا كانت منذ أعوام قليلة تسمع لهم وتطيع وهم بعد ذلك لا يفهمون الشرق العربي كما ينبغي أن يفهم ولا يعرفون مصر الحديثة كما ينبغي أن تعرف. ما زالوا يفكرون في هذه الأيام كما كانوا يفكرون في القرن الماضي. ويقدرون أن مصر سترهبهم اليوم كما كانت ترهبهم من قبل كأنهم لم يروا شيئًا ولم يعتبروا بما كان من الخطوب والأحداث.
كان إبطاء مصر في الرد على رئيس اللجنة التي ألفت لتفاوض في أمر القناة يقض مضاجع الساسة البريطانيين والفرنسيين. وكان أولئك وهؤلاء يكدون عقولهم ويحملون ذكاءهم أكثر مما يطيق ليعرفوا أولًا هل يرد رئيس الجمهورية المصرية على كتاب اللجنة أو لا يرد وليعرفوا ثانيًا بماذا يمكن أن يرد رئيس الجمهورية المصرية أيقبل لقاء اللجنة أم يرفضه وليعرفوا ثالثًا ماذا يفعلون إن رفض رئيس الجمهورية المصرية هذا اللقاء.
كانوا من كل ذلك في حيرة مظلمة. وكانت الصحف البريطانية والفرنسية تصور هذه الحيرة أصدق تصوير فتبدي وتعيد في فروض مختلفة لا تكاد تنقضي، ويناقض بعضها بعضًا فيما كان ينشر من التنبؤات المتباينة التي لم تكن تدل إلا على أن الكتاب البريطانيين والفرنسيين لم يكونوا يشقون بالحيرة والشك أقل مما كان يشقى بهما الساسة في بريطانيا العظمى وفرنسا جميعًا. ولكن الرد المصري يصل إلى لندن ذات صباح فتنجلي عن الساسة والصحفيين حيرة لتخلفها حيرة أخرى.
فقد كان رد مصر محيرًا حقًا كان موجزًا أشد الإيجاز واضحًا أعظم الوضوح لا يحتمل تأويلًا ولا تحليلًا، طلبت اللجنة إلى رئيس الجمهورية المصرية أن تلقاه فأجابها بأنه مستعد للقائها ولكن هذا الجواب الموجز الواضح أضل رشد الصحفيين والساسة وأخرجهم من شك إلى شك فالرد المصري لم يشر من قريب ولا من بعيد إلى موضوع هذا اللقاء ولا إلى ما يمكن أن يجري فيه من حديث.
ومن أجل ذلك ذهب الساسة والكتاب في تأويل هذا الرد مذاهب مختلفة أشد الاختلاف رأى المتفائلون منهم أن مصر قد جنحت إلى السلم وآثرت أن تصل مع الغرب إلى كلمة سواء ورأى المتشائمون أن وراء الأكمة ما وراءها وأن هذا الإيجاز يخفي شروطًا ستشترطها مصر قبل المفاوضة ويخفي مشكلات ستثيرها مصر أثناء المفاوضة وقوم آخرون توسطوا بين أولئك وهؤلاء وجعلوا يضربون أخماسًا لأسداس وأسداسًا لأخماس ويقدرون أن رئيس الجمهورية المصرية يصطنع المماطلة ليكسب شيئًا من الوقت يستطيع فيه أن يحول بعض الدول الأوربية عن فرنسا وبريطانيا العظمى وأن يضطر هاتين الدولتين الأخيرتين إلى العزلة وإلى احتمال ما ينشأ من تشددهما من تبعات. وما زال الساسة والكتاب يتخبطون في هذه الحيرة المظلمة ويلقون على أنفسهم وعلى الناس أسئلة كثيرة دون أن يجدوا عليها جوابًا وسيظلون كذلك حتى يتم اللقاء الأول في القاهرة بعد ثلاثة أيام نعدها نحن أيامًا قصارًا ويعدونها هم أعوامًا طوالًا لكثرة ما تكلفهم من الجهد وثقل ما تحملهم من العناء. وليس هذا كله هو مظهر الحيرة البريطانية الفرنسية بل هناك مظهر آخر لهذه الحيرة.
ولكنه مظهر خطير بعيد الأثر فيما سيكون من الصلات المستقبَلة بين الشرق العربي والغرب الأوروبي. فالبريطانيون والفرنسيون يريدون المفاوضة، وهم من أجل ذلك قد شاركوا في إنشاء هذه اللجنة التي ستجري هذه المفاوضة، ولكنهم في الوقت نفسه يفرضون لهذه المفاوضة أساسًا يزعمون أنهم لن يتحولوا عنه مهما تكن الظروف ويريدون أن يلزموا مصر قبوله إلزاما. وهم من أجل ذلك يرسلون لجنة تحمل أغصان الزيتون وتدعو إلى السلم والعافية والتعاون ويقدمون بين يدي هذه اللجنة جنودًا وبنودًا وسفنًا وطائرات وتختار فرنسا خاصة اليوم الذي يصل فيه رد مصر لتستأذن بريطانيا العظمى في إرسال جنودها إلى قبرص استعدادًا للطوارئ وتأهبًا لحماية الفرنسيين في مصر إن تعرضت أشخاصهم أو مصالحهم للخطر. أما بريطانيا العظمى فماضية في التعبئة وإرسال الجنود في أثر الجنود استعدادًا لخطر أي خطر.
فالقوم إذن حائرون لا يدرون أيفاوضون أم يحاربون أو هم إن شئت لا يريدون المفاوضة وإنما يريدون أن يفرضوا سياستهم على مصر فرضًا. يريدون أن يملوا عليها هذه السياسة ويخيرونها بين أن تقبل ما يُملَى عليها فتريح وتستريح وإن أهينت كرامتها وذل أبناؤها وقبلوا الضيم وهم صاغرون وإما أن ترفض ما يُملَى عليها فتصب الحرب عليها صبًا وتتعرض هي ويتعرض الأمن العالمي معها لشر يعرف أوله ولا يعرف آخره.
والقوم مع ذلك يعلنون ويلحون في الإعلان أنهم لا يريدون إلا السلم وأن لجنتهم لا تحمل إلى مصر إنذارًا أو شيئًا يشبه الإنذار. هم لا ينذرون ولكنهم يحشدون الجنود في قبرص ومالطة ويعدون أنفسهم للحرب ويستطيع العقلاء أن يتخلصوا من كل هذا التخليط ما يشاؤون. ولكن الواقع من أمر البريطانيين والفرنسيين أنهم حائرون لا يدرون ماذا يصنعون ولا يعرفون كيف يقولون، قد أسرفوا على أنفسهم في الوعيد والتهديد يوم أعلن تأميم القناة وسجل عليهم هذا الإسراف. فهم يكرهون أن يتراجعوا فيفقدوا الثقة والإيمان بهم والاطمئنان إلى ما يبذلون من وعد ووعيد.
وحذرهم الأمريكيون وخوفهم الروسيون من إثارة الحرب، فهم لا يستطيعون أن يقدموا عليها فينفض من حولهم الأنصار وإذا هم يتورطون في شر عظيم لا يعرفون كيف يخرجون منه ولا كيف ينفذون من مشكلاته التي لا تحصى وهم من أجل ذلك يرسلون لجنتهم وفي إحدى يديها غصن الزيتون وفي اليد الأخرى نذير الحرب دون أن يعرفوا حين يخلون إلى أنفسهم أيريدون حربًا أم سلمًا. هم لا يحبون الحرب لأنهم لا يقدرون عواقبها. وهم لا يحبون السلم لأنه يضيع هيبتهم في الشرق العربي ويطمع فيهم أممًا كانت منذ أعوام قليلة تسمع لهم وتطيع. وهم بعد ذلك لا يفهمون الشرق العربي كما ينبغي أن يفهم ولا يعرفون مصر الحديثة كما ينبغي أن تعرف.
ما زالوا يفكرون في هذه الأيام كما كانوا يفكرون في القرن الماضي وما زالوا يعتقدون أنهم قادرون على أن ينذروا فيملأوا قلوب الناس رعبًا وفرقًا. فهم يرسلون جنودهم تخويفًا وإرهابًا ويقدرون أن مصر سترهبهم اليوم كما كانت ترهبهم من قبل. كأنهم لم يروا شيئًا ولم يسمعوا شيئًا ولم يعتبروا بما كان من الخطوب والأحداث. لم تعتبر فرنسا بما أصابها في الهند الصينية وبما أصابها قبل ذلك في الشرق الأدنى وبما يصيبها الآن في شمال أفريقيا ولم تعتبر بريطانيا بما أدركها من الخذلان في الهند وفي أقطار أخرى من الأرض وبما تتعرض له من الشر في قبرص هذه التي تحشد فيها الجند لتخيف مصر والشرق العربي مع أنها لا تستطيع أن تخيف قبرص نفسها بل لا تستطيع أن تؤمِّن جندها من القبرصيين أنفسهم، ولكن القوم قد سجلوا على أنفسهم وعدًا بأن يحفظوا على المسهمين القدماء في شركة القناة القديمة ما كانت تغل عليهم القناة من ربح وهم لا يعرفون كيف يبرون بهذا الوعد. وهم واثقون بأن المحافظين في فرنسا وبريطانيا العظمى لن يغفروا لهم تقصيرًا في خدمة رأس المال مهما تكن أسباب هذا التقصير وهم من أجل ذلك يملأون الدنيا ضجيجًا وعجيجًا وتهويشًا مستيقنين فيما بينهم وبين أنفسهم أنهم لن يظفروا بشيء مما يحبون وأن مصر ستثبت لوعيدهم إن اكتفوا بالوعيد وستخوض حربهم إن فرضوا عليها الحرب.
وقد قلت حين قبض الأمريكيون والإنجليز أيديهم عن تمويل السد العالي أن مصر تتعرض لامتحان خطير فأما أن تثبت لكيد الغرب ومكره فتقنع العالم كله بأنها جديرة بما حققت لنفسها من الاستقلال وإما أن يدركها الضعف والوهن ويظهر في صفوفها الفشل والافتراق فتقنع العالم كله بأنها لم تنضج بعد ولم تصر أهلًا للحياة العزيزة التي تعرف كيف تأبى الضيم. قلت ذلك قبل تأميم القناة فأما بعد تأميمها وبعد هذا التحدي الذي تجاوز كل حد مألوف وبعد أن طمع الإنجليز والفرنسيون في أن يملأوا قلوب المصريين فرقًا ورعبًا وبعد أن جعل أولئك وهؤلاء يعبئون الجنود ويرسلونهم إلى شرق البحر الأبيض المتوسط وهيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن مغرقًا في نوم عميق كأن السلم لم يتعرض للخطر في هذا الجزء من أجزاء العالم أما بعد هذا كله فقد أصبح الامتحان الذي يخضع له المصريون في هذه الأيام أشد قسوة وأعظم عنفًا وأصبحت مصر مخيرة بين الاستقلال والعزة والكرامة مهما يكن ثمنها ومهما تكلفها من تضحية وبين العودة إلى احتلال بريطاني فرنسي أو إلى ما هو شر من الاحتلال البريطاني الفرنسي وهو الوصاية الدولية على إدارة القناة، وأنا مطمئن كل الاطمئنان إلى أن مصر ستختار فتحسن الاختيار.
طه حسين
الجمهورية ٥ سبتمبر ١٩٥٦. -
البلاغة هى الإيجاز
كلمة الدكتور طه حسين وزير المعارف
١٨ ديسمبر ١٩٥٠
يقال إن البلاغة هي الإيجاز، وتعرفون حضراتكم أني أحرص أشد الحرص على أن أكون بليغاً، فسأحرص أشد الحرص على أن أكون موجزاً. وربما كان خير إيجاز هو الصمت، فليس لوزير المعارف أن يتحدث في هذا الحفل، وإن قضت تقاليد المجمع أن يتحدث الوزير. ذلك أن الوزير إنما هو في هذه الدار ضيف على رئيس المجمع، حتى لو كان عضوا من أعضاء المجمع، فهو ضيف وإن كان في داره. فالكلمة ينبغي أن تكون للرئيس أولا ثم للذين يريدون أن يتحدثوا عن أعمال المجمع وشئونه بعد ذلك. ولا أعرف أن لوزير المعارف في مثل هذا الحفل محلاً من الإعراب! وإنما أعرف أنه أقحم نفسه أو أقحمه المجمع على مكان ليس له. فلأوجز إذن، وليكن حديثي إليكم هو تحية الحكومة لمجمعكم الموقر، ووعدي بأن سأكون إن شاء الله عندما تحبون، لكم أعمال يجب أن تنفذ، وقرارات يجب أن تُمضى، ومشروعات يجب أن تتم، وأنتم في حاجة من أجل هذا كله إلى مساعدة وزير المعارف. فلكم علي الوعد، ما دمت وزيراً للمعارف، أن أنجز أعمالكم وأمضي قراراتكم وأعاون على أن تتم مشروعاتكم. وهذا كل ما يستطيع وزير للمعارف أن يقوله لمجمع مثل مجمعكم الموقر.
أما التحدث إليكم عن اللغة وشئونها، وعن إصلاحها والمحافظة على سلامتها إلى آخر ما جاء في مرسوم المجمع، فحديث معاد، أربأ بحضراتكم عن سماعه، وأربأ بنفسي عن الخوض فيه. وكل ما أتمناه لكم أن تكون دورتكم هذه خصبة كدورتكم الماضية، وأن تكون أعمالكم في هذه الدورة مباركة كما كانت في الدورة الماضية، وأن يتيح لكم الله من النجح والظفر بتحقيق آمالكم ما تستحقون.
أما بعد، فقد كنت حريصاً على أن أوجز ولكني أطلت، فأعتذر من إخلافي لهذا الوعد وأترك مكاني لسيادة الرئيس.
مجلة مجمع اللغة العربية مصر العدد ٨، ١ يناير ١٩٥٥ -
شكاة
شكاة …
بقلم الدكتور طه حسين
أرفعها إلى وزير التربية والتعليم وإلى مجالس الجامعات مطمئنا إلى أنهم سيلقونها بما ينبغي لها من العناية والرفق والإنصاف لأنها جديرة منهم بهذا كله، فهي تتصل بهؤلاء الذين يمنحون أبناء الشعب خلاصة نفوسهم وقلوبهم وعقولهم منذ يصبحون إلى حين يمسون وعسى أن يمنحوهم هذه الخلاصة حين يجنهم الليل وحين يحب الناس أن يأووا إلى دورهم وأن يأخذوا بحظوظهم من راحة الجسم وفراغ البال وهم المعلمون الذين يفدون على مدارسهم ومعاهدهم مع الصبح كأقوى ما يكون الناس قوة وأوفر ما يكون الناس نشاطا وأمضى ما يكون الناس عزما وأصفى ما يكون الناس نفسا. ثم يروحون إلى أهلهم آخر النهار وقد استنفدوا كل ما غدوا به من قوة ونشاط ومن مضاء عزم وصفاء نفس ولم يردوا على أهلهم إلا أجساما قد بلغ منها الضعف ونفوسا قد فارقها الصفاء وعزائم قد أدركها الفتور لأنهم أنفقوا يومهم معلمين ومؤديين فأجهدوا في التعليم والتأديب كل ما ادخروا من قوة وأدركهم الإعياء المادي والمعنوي منحوا خير ما فيهم للمدرسة وردوا من أنفسهم بقايا كليلة مغلولة لا تكاد تصلح لشيء فهم أحق الناس بالرعاية وأجدرهم بالعناية وأحراهم أن ترفق بهم الدولة فتضع عنهم من أثقال الحياة وتزيل عنهم من همومها أعظم ما تستطيع.
وما أعرف أحدا يحتاج إلى أن يوضع عنه الثقل ويجلى عنه الهم كالمعلم الذي يجب عليه أن يمنح قلبه كله وعقله كله وإخلاصه كله لهؤلاء الطفل والشباب الذين تكل إليهم تربية أجسامهم وتثقيف عقولهم وإعدادهم ليحتملوا في قوة وكرامة أعباء الحياة.
والمعلم الذي يشغله الهم عن إعداد الدرس ويصده عن الفراغ للتلاميذ ويبغض إليه الحياة والعمل ويزهده في النشاط والجد ويعرضه للضيق لكل شيء وللضيق بكل إنسان رجل لا خير فيه لنفسه ولا خير فيه للناس. فكيف ونحن نكلفه أن يخلص نفسه كلها ونشاطه كله لصغار التلاميذ وكبارهم ونسأله آخر الأمر عما ينتهي إليه جده وجهده من تعليم هؤلاء التلاميذ ونلومه بحساب وبغير حساب عما يكون في حياة الصبية والشباب من عوج وعما يعرض لهم من التواء سواء أكان عن ذلك مسؤولا أم غير مسؤول.
وبقدر ما يثقل التكليف الذي يفرض على الناس ينبغي أن توفر لهم القوى والوسائل التي تمكنهم من النهوض به على خير ما يكون النهوض بالتكاليف.
ووزير التربية والتعليم ورجال الجامعات يعرفون حق المعرفة أن أعباء الحياة المادية في هذه الأيام ليست هينة ولا يسيرة وأن احتمالها يحتاج إلى الجهد والصبر وسعة الحيلة وأن أجور المعلمين لا تكاد تنهض بحاجاتهم وحاجات من يعولون وهم بها قانعون ينتظرون أن يأذن الله باليسر الذي يوسع عليهم وعلى غيرهم من المواطنين في الحياة ويقرب إليهم وإلى غيرهم من المواطنين ما لا تستطيع أيديهم أن تناله من حاجاتهم فما بال هذا الثقل الذي رفع عن المعلمين منذ أعوام يرد إليهم في هذا العام وأريد به المصروفات الجامعية كما يسميها الناس وإذا تحدثت إلى وزير التربية والتعليم وإلى رجال الجامعات في هذا الموضوع فإنما أتحدث فيه لأني أنا الذي وضع هذا الثقل عن المعلمين حين كنت ناهضا بشؤون التعليم وأؤكد للسيد الوزير أني لم أرفعه تقربا إليهم أو لأطفالهم أو إيثار لمرضاتي عني وثنائهم علي فما حفلت قط في أن يرضى الناس عني أو يسخطوا وما حفلت قط بأن يثني الناس علي أو يلهجوا بي. وإنما وضعت عنهم هذا الثقل لأصرفهم إلى التعليم وأخلصهم له وأريحهم من هم يثقل عليهم ويخف على الدولة أن تريحهم منه.
وأنا بعد لم أخترع هذا التخفيف من نفسي وإنما وجدت أمما متحضرة ممعنة في الحضارة ترى من الحق عليها أن تعفي المعلمين من نفقات التعليم التي يحتاج إليها أبناؤهم لأنهم يعلمون الناس ويمنحونهم في سبيل ذلك قوة أجسامهم ونفوسهم؛ فلا أقل من أن يعفوا من دفع الأجور لأبنائهم حين يتعلمون وما ينبغي أن ينظر إلى هذا الإعفاء على أنه تمييز للمعلمين من سائر المواطنين وإنما ينبغي أن ينظر إليه على أنه تيسير على المعلمين وتمكين لهم من أن يؤدوا واجبهم كأحسن ما يؤدي الواجب. والمعلم حين يؤدي واجبه لا يؤديه إلى فريق بعينه من المواطنين وإنما يؤديه إلى الوطن كله وإلى المواطنين جميعا فتيسير الحياة على المعلم ليس إيثارا له بالخير وإنما هو خدمة عامة تقدم إلى تلاميذه على اختلاف طبقاتهم ومنازلهم. شأنه في ذلك شأن الجندي الذي تكلفه الدولة أن يكون مستعدا في كل لحظة من لحظات حياته ليؤدي واجبه الوطني الخطير. فهي تيسر له الحياة وتذلل له سبلها لا تؤثره بالخير من دون الناس وإنما تتيح له أن يبذل جهده ونفسه في سبيل الناس مطمئنا إلى ما يبذل من الجهد والنفس. وليس المعلم آخر الأمر إلا جنديا يحارب الجهل ويذوده عن نفوس الصبية والشباب يحارب في أوقات السلم وفي أوقات الحرب ويجاهد في أوقات الشدة وفي أوقات اللين وإذا ملأ الهم قلب المعلم وصرف عن الفراغ لدرسه وشغل عن العناية الخالصة بتلاميذه لم يخسر هو وحده وإنما خسرنا نحن جميعا معه فالصبية والشباب الأبرياء هم الذين يجنون نتائج ما يتعرض له المعلم من شدة الحياة أو لينها ومن نعيم العيش أو بؤسه ومن فراغ البال أو اشتغاله بالهين والعسير من الأمر.
ومن أيسر الأشياء أن تنظر إلى الأجور التي يتقاضاها المعلمون آخر الشهر والتي تتقاضاها الكثرة الكثيرة منهم بنوع خاص وإلى الأعباء التي يطلب إليهم أن ينهضوا بها لأنفسهم ولمن يعولون وأن نقدر حال المعلم الذي يكون له الولد الكثير من البنين والبنات الذين يختلفون إلى المدارس والمعاهد والجامعات وأن نسأل أنفسنا كيف يتاح له أن يدير الحياة المادية لأهله وولده وكيف يقتطع من أجره هذا ما يرده إلى الدولة أجرا لتعليم ابنه في الجامعة أليس مما يمض النفس ويثقل عليها أن يطلب إلى معلم قد لا يتجاوز مرتبه عشرة جنيهات أو عشرين جنيها أو أكثر من ذلك قليلا أن يقتطع من هذا المرتب في أول العام الجامعي نصفه أو ثلثه أو أن ينزل عنه كله ليدفعه أجرا لتعليم ابنه أو أن يقترض مثله أو مثليه إن كان له ابنان أو أكثر ليؤدي أجور التعليم. وما ينبغي أن يقال إن هذا شأن الموظفين جميعا فللمعلم شأن غير شأن الموظفين هو يهدي العلم إلى الصبية والشباب يبذل في ذلك أكثر كثيرا مما تعطيه الدولة من الأجر. فلا ينبغي أن يهدي العلم عامة كله وأن يشتري العلم لأبنائه ويتكلف في شراء العلم ما لا يطيق وما قد يعرضه لما لا يجمل برجل التعليم.
وما ينبغي أن تكره الظروف المادية رجال التعليم على أن يصدوا أبناءهم عن طلب العلم ويمسكوهم على الجهل إمساكا. وأنا أفهم ألا يقدم ابن المعلم على غيره حين يراد القبول في كليات الجامعات. فهذا هو التمييز الذي لا ينبغي للمعلم أن يطمع فيه ما دامت الجامعات قليلة وما دامت الأماكن فيها معدودة محدودة وإنما يجب أن تقبل الجامعات خير من يتقدم إليها وأن يوضع ابن المعلم من ذلك في مكانه الذي ينبغي له لا يمتاز من أحد ولا يمتاز منه أحد.
هذا شيء لا ينبغي الجدال وإنما الشيء الذي ألح فيه أشد الإلحاح على وزير التربية والتعليم وعلى رجال الجامعات هو ألا يرد ثقل المصروفات على المعلمين وأن يترك لهم ما منحوا من التخفيف عنهم والتيسير عليهم وما أشك في أن المواطنين على اختلاف طبقاتهم لا يضيقون بذلك ولا يجدون فيه ظلما أو إيثارا. فالمواطنون جميعا يقدرون مكان المعلم فيهم وبلاءه في تربية أبنائهم وتعليمهم وليس منهم إلا من يبر المعلم ويرفق به ويحب أن يناله البر والرفق وأن يمكن من أداء واجبه على خير وجه ويفرغ له كأحسن ما يكون الفراغ للواجب.
فليفكر في ذلك وزير التربية والتعليم مشكورا مبرورا وليفكر فيه رجال الجامعات موفقين وليرفعوا هذا الثقل عن قوم تنوء بهم الأثقال التي يحبونها وما ينبغي أن نضيف إليها أثقالا يكرهونها فقد تصرفهم هذه الأثقال البغيضة عن أثقال أخرى حبيبة إلى نفوسهم أثيرة في قلوبهم فيها لهم متعة وفيها للوطن نفع أي نفع وغناء أي غناء.
الجمهورية، ٢٥ نوفمبر ١٩٥٤. -
تقصير
تقصير
بقلم الدكتور طه حسين
لم أكد أستقر في مصر حين عدت إليها بعد انقضاء الصيف حتى علمت أن صديقا كريما لي قد ملأ قلبه حزن ممض عميق لأنه نكب فيما يثقل على الناس أن ينكبوا فيه. ففقد ابنه الصبي بصره في بعض الأحداث التي تعرض للصبية. وشقي الصديق الكريم وأسرته بهذه النكبة الأليمة وقاومها ما استطاع إلى مقاومتها سبيلا واحتال في ذلك ما وسعته الحيلة ولكن صرامة الخطب كانت أقوى وأمضى، من مقاومته ومن حيلته فاذعن كريما كما استقبل النكبة كريما. ولكني رأيته مروعا مفرق البال لا يعرف كيف يستقبل الحياة بابنه هذا العزيز. فليس من تعليمه وتهيئته لاحتمال الأعباء بد حين تؤهله سنه لاحتمال الأعباء ووسيلة هذا التعليم في مصر مفقودة أو كالمفقودة. فما زال المصريون يعيشون بعد أن تجاوز القرن العشرون نصفه كما كانوا يعيشون في القرون الماضية أيام الجهل والغفلة والقصور حين كان مستقرا في نفوسهم أن الذين يفقدون أبصارهم صغارا أو كبارا يجب أن يعيشوا عيالًا على أسرهم وعلى أمتهم. يمونهم أهلهم إن استطاعوا أن يمونوهم فإن لم يستطيعوا ففي حفظ القرآن وتلاوته حيث تعود الناس أن يتلى القرآن معاش لهم يجدون منه ما يقيم الأود، وإذا لم يتح لهم ذلك ففي تكفف الناس والتماس الصدقات واحتمال أثقال البؤس لهم مقنع ورضى إن كان في البؤس والذل والمسألة ما يقنع الناس ويرضيهم عن الحياة التي يحيونها طائعين أو كارهين.
والأزهر الشريف وحده هو الذي احتفظ بالسنة القديمة وأتاح لهؤلاء البائسين من المكفوفين أن يعيشوا كرامًا وأن يجدوا في الحياة متاعًا يعزيهم عن آلامها وعن آفتهم هذه القاسية. وهو متاع العلم والدين يدرسونهما كما يدرسهما غيرهم من المبصرين وينهضون بتعليمهما كما ينهض به غيرهم من المبصرين.
فأما المدارس المدنية التي تنشئها الدولة وتديرها أو التي ينشئها الأفراد والجماعات فمحرمة على هؤلاء المكفوفين لأنها لا تملك الوسائل الخاصة لتنشئتهم وتأديبهم وتمكينهم من أن يكونوا رجالًا كرامًا.
وفي المجتمع المصري وفي بعض بيئاته الجاهلة الغافلة بنوع خاص قسوة غريبة تنافر ما طبع المصريون عليه من الرحمة والبر والحنان ومن رعاية الضعفاء والعناية بهم. فهم يتندرون بالمكفوفين ويسخرون من بعض أطوارهم لا يخفون ذلك ولا يستترون به ولا يبالون أن يؤذوا هؤلاء الذين آذتهم الحياة وقست عليهم الخطوب. وكل ما استطاعت مصر أن تعرفه في هذا العصر الحديث القريب من رعاية المكفوفين هو أن تنشئ لهم على نحو من البر والشفقة معاهد قليلة تعلمهم فيها بعض الأعمال اليدوية اليسيرة التي تتيح لبعضهم كسب أيسر القوت.
فأما العقول التي في رؤوس هؤلاء المكفوفين والقلوب التي في صدورهم فلا خطر لها ولا وزن وما دام الله قد قضى عليهم ألا يبصروا فليس ينبغي أن يكون لهم أرب في حياة العقول والقلوب.
وقد نسيت أشياء كثيرة منذ عرفت نفسي وسأنسى من غير شك أشياء كثيرة أخرى فيما بقي لي من الحياة ولكن قصة لي في أول الشباب لم أنسها وما أرى أني سأنساها لأنها نغصت على الحياة أياما وأرقتني ليالي، وتركت في قلبي ندوبا لم تزل وإن لم تثر في نفسي موجدة ولا ضعفًا.
كان ذلك حين أنشئت الجامعة المصرية في أواخر العقد الأول من هذا القرن وحين اندفع إليها الشباب يتحرقون ظمأ إلى ما كان يلقى فيها من العلم الحر الذي لا يخضع لسلطان الإنجليز ومن العلم الحديث الذي لا يخضع لقيود الأزهر.
وكنت من أولئك الشباب المندفعين فأقبلت ذات يوم إلى غرفة من غرفات الدرس يسعى معي خادمي ذاك الأسود الصغير فلم أكد أبلغ باب الغرفة حتى رددت عنها ردًا عنيفًا. فما ينبغي لذلك الغلام الأسود أن يصحبني إلى مجلس من قاعة الدرس لأن الدخول محرم على من ليست معه بطاقة الانتساب.
وذهبت أشكو إلى سكرتير الجامعة المرحوم أحمد زكي بك فكان جوابه أقسى من رد الحجاب لي عن الدرس. قال وماذا تريد أن أصنع وقد قضى الله عليك ألا تشهد الدرس.
ورق بعض الأصدقاء لي فكانوا ينتظرونني عند قاعات الدروس فيسعون معي إليها ويخرجون معي إلى حيث كان ذلك الغلام ينتظر أن أعود إليه.
ذكرت هذا كله غير مرة في حياتي حين كنت أستاذًا في الجامعة وحين كانت هذه الآفة البغيضة تعرض لبعض الطلاب بعد أن يظفروا بإجازة الدراسة الثانوية. فكنت أحتال حتى أيسر لهم طلب العلم وحين كنت وزيرًا للمعارف حين عرضت هذه الآفة لبعض التلاميذ قبل أن يتقدموا لامتحان الشهادة الثانوية فاحتلت لهم حتى جازوا الامتحان وحتى التحقوا بالجامعة.
وذكرتها حين عدت من أوروبا آخر هذا الصيف ورأيت ما رأيت من حزن ذلك الصديق الكريم وحيرته في أمر ابنه الصبي. ولم أكد أفرغ من مواساته حتى تلقيت كتابًا مرًا من أب أصابه مثل ما أصاب ذلك الصديق في ابنه الأثير عنده العزيز عليه وهو يسألني كيف السبيل إلى تنشئة هذا الصبي وتعليمه على نحو كريم يذود عنه الحزن ويخرجه من العجز ويمكنه من النهوض بأعباء الحياة حين يجب عليه النهوض بهذه الأعباء. وليس كل الناس مستعدًا لأن يرسل ابنه المكفوف إلى معهد النور ليتعلم فيه هذه الصناعة اليدوية اليسيرة أو تلك وليس كل الناس مستعدًا لتحفيظ ابنه المكفوف القرآن ليكسب بتلاوته القوت وليس كل الناس ميالًا ليرسل ابنه إلى الأزهر الشريف ليتخرج فيه أستاذًا لهذا العلم أو ذاك من علوم اللغة أو الدين.
ومن حق الصبية المكفوفين وفي طاقتهم أن يضطربوا في الحياة وأن يحتملوا أثقالها كرامًا كما يضطرب فيها ويحتمل أثقالها كثير من المبصرين. وللصبية والشباب من المكفوفين حق التربية والتعليم على الدولة كغيرهم من المصريين ولهم عليها حق خاص في الرعاية والعناية لأن أيسر ما يجب على الدولة المتحضرة أن تشمل برعايتها من تلجئهم الآفات العارضة إلى هذه الرعاية. وإذا تحدثت عن المكفوفين فلست أختصهم وحدهم بالحديث من دون الذين تعرض لهم آفات أخرى تجعل تعليمهم أعسر من تعليم غيرهم من الأصحاء.
ولست في حاجة أن أدل وزارة المعارف على ما تهيأ في أوروبا وأمريكا لأمثال هؤلاء الصبية والشباب من وسائل التربية والتعليم فوزارة المعارف تعلم من ذلك أكثر مما أعلم أنا أو من الحق عليها أن تعلم من ذلك أكثر مما أعلم وأن تأخذ من ذلك بما يلائم ظروف الحياة المصرية ومصلحة هؤلاء الصبية والشباب من المصريين. وفي مصر مدرسة أنشئت للمكفوفين منذ حين يقال إنها تريد أن تربيهم وتعلمهم كما ينبغي لمثلهم أن يربى ويعلم، وهذا حسن وخير من أن تنشأ مدارس أخرى غير هذه المدرسة وفي مدن مختلفة من الأقاليم. فليس كل الناس قادرًا على أن يرسل ابنه إلى هذه المدرسة وأكبر الظن أنها لن تتسع لكل من يحتاج إلى الالتحاق بها. فهم مع الأسف الشديد أكثر من ذلك عددًا وهم مع الحزن والأسى مفرقون في أرض مصر يجب أن تشملهم رعاية الدولة وأن تهيئهم للحياة الكريمة الخصبة المنتجة وعسى أن يكون من بينهم من أدخرت فيه الطبيعة كنوزًا لا ينبغي أن تضيع.
هذا حديث أوجهه إلى وزير المعارف وما أشك في أنه سيصل إلى قلبه الثائر الشاب وما أشك في أنه سيلقاه بما ينبغي له من العناية وسيشعر مواطنيه بأن الثورة التي هو من رجالها لن تغير الحياة السياسية والاقتصادية وحدها ولكنها ستغير الحياة المصرية كلها وستمنح الضعفاء من عنايتها أكثر مما تمنح الأقوياء. وستتيح للمصريين جميعًا مساواة كريمة في الحقوق والواجبات كل حسب ما ييسر له وستفتتح للمصريين جميعًا حياة لا يستأثر فيها بعضهم بالنعيم والرضا على حين يستأثر البؤس والشقاء والحزن ببعضهم الآخر، وأنا مطمئن إلى أن هذا العام لن ينقضي حتى تنشأ في مصر مدارس يلقى فيها هؤلاء المكفوفون ما يلقاه أترابهم في هذه المدرسة الوحيدة من العناية والرعاية.
الجمهورية ١٩ أكتوبر ١٩٥٤. -
الفئة الضائعة
الفئة الضائعة
بقلم الدكتور طه حسين
هي هذه الفئة التي تفكر بعقولها وتهدي الناس بتفكيرها والتي تشعر بقلوبها وتفيض من حولها رقة الشعور والتي تصفي الحياة بأذواقها وتهديها إلى الناس شائقة رائقة ونقية صافية، تزكي في نفوسهم جذوة الجمال وتملأ قلوبهم طموحا ورقيا وشوقا إلى الحق والخير والجمال. هي فرقة الأدباء والعلماء والذين يتخذون ألسنتهم وأقلامهم وسائل للاتصال بالناس يعلمونهم بها ما لم يعلموا ويبصرونهم بها ما لم يبصروا ويذوقونهم بها ما لم يذوقوا، ويحببون بها إليهم أشياء لم تكن لتخطر لهم على بال.
هذه الفئة التي تجعل الناس ناسا وتفتح لهم من الآفاق وتمد لهم من الأسباب وتهيء لهم من الوسائل ما يلقى في روعهم أنهم خلقوا ليسودوا لا ليستعبدوا وليكرموا لا ليهونوا، وليعزوا لا ليذلوا وليضطربوا في الأرض عن علم بها وقدرة على السير في مناكبها والانتفاع بما أودعها الله مما ينفع الناس، ويستقبلوا ظروف الحياة عن علم بحقائقها وفهم لدقائقها وقدرة على حل مشكلاتها، وتيسير مصاعبها، وتذليل ما يثور فيها من الملمات والمعضلات والعقاب.
هذه الفئة ضائعة مضيعة لا يحفل بها ولا يكاد يحفل بها أحد.. في أقرب حقوقها إليها، وأهمها وهو قانون حقوق المؤلفين.
وما أكتب هذا شاكيا من أحد أو شاكيا إلى أحد فما أحببت قط أن أشكو من الناس ولا أن أشكو إليهم، وإنما أكتبه مشعرا للعلماء والأدباء بمكانهم راجيا أن يضعوا أنفسهم حيث وضعهم الناس أو أن يضعوا أنفسهم حيث وضعهم الناس أو أن يضعوا أنفسهم حيث يحبون أن يكونوا، فهم بين هاتين المنزلتين لا يستطيعون إلا أن يضطربوا بينها دون أن يجدوا منزلة ثالثة يلوذون بها أو يفزعون إليها.
هم مخيرون بين أن يضيعوا ويضاعوا كما هم الآن، لا يحفل بهم أحد، ولا يلتفت إليهم أحد، ولا يرجو لهم أحد وقارا، وبين أن يحزموا أمرهم، ويجمعوا كلمتهم ويشعروا الناس بمكانهم لترعى حقوقهم كما ترعى حقوق غيرهم ولا يقضى في أمورهم وهم غائبون دون أن يدعوا ليسألوا ولا يقضى في أمورهم وهم حاضرون دون أن يسألوا عما يرون أو عما يحبون كأنهم أولئك الذين يقول فيهم الشاعر القديم:
ويقضى الأمر حين تغيب سعد ولا يستأمرون وهم شهود
لقد كثر الكلام في قانون حقوق المؤلفين هذا، منذ وقت طويل وعسى أن يكون أحد الأدباء هو الذي مهد طريقه إلى البرلمان في العهد القديم. ثم قيل. إنه بعث في العهد الجديد بعد أن أغرق في النوم، ثم قيل إنه نشط وعظم حظه من النشاط حتى رفع إلى مجلس الوزراء وأوشك أن يستوي قانونا مسموع الكلمة نافذ الحكم. ثم قيل إن شيئا من الفتور قد أدركه فرد إلى البحث والاستقصاء.
وتكلم الأدباء في شأنه من بعيد، من بعيد جدا، دون أن يسألهم عنه سائل، أو يؤامرهم فيه مؤامر، ثم قيل في هذه الأيام أن نشاطه قد عاد إليه وإنه يسعى في طريقه إلى مجلس الوزراء مرة لا أدري أهي الثانية أم الثالثة كل ذلك والأدباء لا يسألون ولا يستأمرون. لم يسعوا إلى الحكومة مبتدئين لأنهم لم يألفوا مثل هذا السعي ولم تدعهم الحكومة إليها لتسألهم لأنها لم تألف دعاءهم ولا سؤالهم ولأنها إن أرادت ذلك أو فكرت فيه لم تعرف أيهم تسأل أو أيهم تدعو فهم والحمد لله كثير. ولكن أهواءهم مفترقة ومن حقهم أن تفترق أهواؤهم ومذاهبهم متباعدة ومن حقهم أن تتباعد مذاهبهم ونظامهم مشتت، وليس من حقهم أن يتشتت نظامهم في هذه الحياة الحديثة التي لا تستقيم للأفراد دون أن يجتمعوا ولا تتهيأ وسائلها للأشخاص دون أن يسلكهم نظام، إنما الذين سألتهم الحكومة وشاورتهم هم رجال القانون أولا لأن طبيعة الأشياء تقتضي أن يسألوا ويستأمروا، ثم أصحاب الموسيقى والغناء سعوا إلى الحكومة فدعتهم الحكومة إليها لتسألهم وتشاورهم فهم أقوى من الأدباء والعلماء قوة وأقدر منهم على أن يحفل بهم الناس وعلى ألا يقضى في أمرهم دون مشورة منهم، وأعوذ بالله إن أنكر ذلك أو أضيق به أو أجعله موضوعا لشك أو ريب. فلأصحاب الموسيقى والغناء حقوق يجب أن يدافعوا عنها، ويجب أن تحفظها عليهم الدولة بكل ما تملك من قوة وسلطان وإنما الذي أنكره على الأدباء والعلماء لا على الحكومة هو أنهم أهملوا أنفسهم فأهملهم الناس.
شغلوا بالأدب عن حماية الأدب وشغلوا بالعلم عن حماية العلم وحماهم سلطان الحكومة على غير مشورة منهم كما يحمي غيرهم من عامة الناس.
وهم بذلك قانعون وإليه مطمئنون لم يسع منهم إلى الحكومة ساع ليبين لها رأيهم في هذا القانون الذي يعرفون منه وينكرون ولم تدع الحكومة منهم أحدا لأنها لا تعرف أيهم تدعو فإذا صدر هذا القانون وفيه شيء ينكرونه فلا ينبغي لهم إلا أن يلوموا أنفسهم فهم لم يجتمعوا قط ليتشاروا في أمر هذا القانون ولم يفرغ لدرسه واحد منهم، كأنه لا يعنيهم من قريب ولا من بعيد، أثيرت بعض مشكلاته في الصحف فقال فيه بعضهم ما قال في هذه الصحيفة أو تلك كما تعودوا أن يقولوا فيما يثار من المشكلات. لم ينظروا إليه ولم يفكروا فيه من حيث إنه يمس حقوقهم القريبة وحقوق من يعولون.
ومن يدري لعل كثيرين منهم لا يحفلون به ولا يعرفون له خطره ولا يقدرون أنه يعنيهم أو يحمي آثارهم من العبث والضياع فهم ما زالوا أو ما زال أكثرهم كما كان الأدباء في العصور القديمة يرون أن الأدب كلام يقال وحسب أصحابه أن يضاف إليهم وحسبهم إن عدا عليهم عاد أو سطا عليهم سارق أن يدلوا على ذلك بكلام يقال وألفاظ تسجل كما كان الشعراء ينبهون فيما مضى على أن فلانا قد سرق هذا المعنى أو هذا اللفظ من فلان.
أدبائنا وعلمائنا مشغولون بأدبهم وعلمهم عن حقوقهم وعسى أن يسأل بعضهم بعضا فيما تعني الحكومة بحماية هذه الحقوق… لقد تعود الأدباء حماية أدبهم من قبل، فما بال الحكومة تدخل فيما ليس لها أن تدخل فيه، إنما هو كلام يقال ويحمي بكلام مثله إذا احتاج إلى الحماية. فأما أن لهذا الكلام قيمة يقدرها القانون ويقرر لها حقوقا تتعلق بها فهذا شيء جديد لم يكن يخطر لهم ببال. وهم يظنون – وما أكثر ما يظنون – أنهم حين يهملون من ذلك ما يهملون إنما يرفعون أنفسهم عن الصغائر وينزهونها عما يجب أن يتنزه عنه الأديب من العناية بالمنافع القريبة العاجلة.
فالأديب صاحب فن، والفن جمال يجب أن يشغل صاحبه عن كل شيء، كأن الموسيقى ليست فنا، وكأن الغناء ليس فنا، كأنهما حرفتان يحترفهما أصحابهما للكسب لا لشيء آخر، كذلك يفكر كثير من أدبائنا وعلمائنا.
هم يعيشون في العصور القديمة، ولا يكادون يفطنون إلى أن الدنيا قد تغيرت من حولهم، وإلى أن حياة الأديب نفسها قد تغيرت أيضا أشد التغير وأعظمه. فللأدباء والعلماء في البلاد الغربية جماعات بعضها يتعاون على تحقيق الأدب والعلم ونشرهما وتوثيق الصلات بين الأدباء والعلماء في أقطار الأرض، على تباعدها وتنائيها، وبعضها يتعاون على حماية العلم والأدب من العدوان والسرقة ومن عبث الذين ليسوا من الأدب والعلم في شيء.
وقد تغيرت حياة الأديب في الشرق كما تغيرت حياة الأديب في الغرب، فليس في الشرق ولا في الغرب الآن أولئك السادة والأشراف والأغنياء الذين كانوا يحمون الأدب والعلم حبا لهما أو غرورا وتفاخرا بحمايتهما. وقد وكل الأديب والعالم إلى نفسيهما وأصبحا كل منهما مكلفا أن يكسب قوته ويكدح في سبيله ويجد في الوقت نفسه من الفراغ ما يتيح له أن ينتج الأدب والعلم.
والأدب الآن كالعلم لا ينتجه صاحبه لنفسه وحدها ولا لبيئته وحدها، وإنما ينتجه للإنسانية كلها، وإن كان من الحق عليه مع ذلك ألا يهينهما فيتخذهما وسيلة إلى المال وينتجهما مبتغيا بهما الكسب أو الغنى. ينتجهما لنفسهما أولا ثم لا يقصر في حمايتهما بعد ذلك، ولا يقصر في الانتفاع بما قد يغلان له من مال إن أتيح لهما أن يغلا له مالا.
وكثير من الأدباء ينتجون أدبهم فلا يلبث هذا الأدب أن يترجم إلى لغات أخرى، ولا يلبث أن يستغل على أنحاء مختلفة من الاستغلال بالنشر والإذاعة والسينما، ولا يلبث أن يخضع لذلك القانون الاقتصادي المشهور؛ قانون العرض والطلب، فتنشأ عنه منافع يجب أن تحمى وحقوق يجب أن تصان.
ولا سبيل إلى حماية هذه المنافع في بيئة العالم والأديب إلا بالقانون، ولا سبيل إلى حمايتها في البيئات الأجنبية إلا بحماية ما تنتجه البيئات الأخرى لتحمي تلك البيئات ما ينقل إليها من أدبنا وعلمنا.
كل هذه أوليات استقرت في نفوس الأجانب منذ أواخر القرن الثامن عشر، ولكن أدبائنا وعلمائنا يجهلونها، فإن عرفوها لم يحفلوا بها ولم يلتفتوا إليها، ثم هم بعد ذلك يشكون إن عبث بهم الناشرون أو المذيعون وأصحاب السينما.. ويشكون إن أصابهم الفقر أو ألحت عليهم الحاجة أو حال كسب القوت بينهم وبين ما يحبون من إنتاج الأدب والعلم يشكون الزمان أولا، وقديما شكا الأدباء الزمان ووصفوا حرفتهم بأنها حرفة بؤس وشؤم لا تجر على أصحابها إلا شرا. ثم يشكون الحكومة بعد ذلك لأنها لا تعني بهم ولا ترعاهم ولا تحميهم من خطوب الحياة. وأجدر بهم أن يشكوا أنفسهم وأن يلوموها، فمن الحق عليهم أن يكرموا أنفسهم ليكرمها الناس، وأن يعنوا بها لتعني بها الحكومة، ولا عليهم إذا أكرموا أنفسهم ودافعوا عن حقوقهم وأتاحوا للحكومة بذلك أن تحميهم وترعاهم، من أن يشكوا الزمان بالحق وبغير الحق. فشكوى الزمان فن من حق الأدباء أن يقولوا فيه كما يقولون في غيره من الفنون.
والزمان لا يحفل بشكواهم، ولكن شكواهم هذه تبلغ القلوب فتؤثر فيها وتبلغ الأذواق فـتحيي فيها ألوانا من الجمال. وقديما قيل: «أعن نفسك تعنك السماء».
فليحزم الأدباء أمرهم وليجمعوا كلمتهم ولينظموا منهم من ينطق بلسانهم، ويذود عن حقوقهم ويحميهم من أن يكونوا هذه الفئة الضائعة التي إن صدق فيها شيء فإنما يصدق فيها قول الشاعر القديم:
صرت كأني ذبالة نصبت تضيء للناس وهي تحترق
طه حسين
الجمهورية، ١٨/١/١٩٥٤