Tag: moral decay

  • بيع الدماء

    بيع الدماء

    طه حسين

    جريدة الجمهورية

    ٧ يناير ١٩٥٦

    كان ذلك في الأيام الأخيرة من شهر أغسطس المَاضي، حين تسَامع الناسُ في أقطار الأرض بذلك الصراع العنيف البغيض بين الفرنسيين وإخواننا من أهل مراكش والجزائر، وبما كان له من أثر خطير في اضطراب الرأي العام الفرنسي، وتفرُّق الفرنسيين شيعًا وأحزابًا؛ يُريد الصادقون الأوفياء منهم للثورة الفرنسية أنْ يَكُفَّ وطنُهم عن هذا البغي الآثم، الذي يُنكِر أصولَ تلك الثورة إنكارًا، ويريد الطامعون الجَشِعون إلى المال أنْ تبسط فرنسا سُلطانَها على تلك البلاد مهما كانت وسائلها إلى ذلك، ومهما تُهدَر فيه من دماء أبنائها ودماء الوادعين من أهل تلك البلاد، ومهما تُلقِي في سبيله من قِيَم الحق والعدل والإنصاف.

    وكانت الصُّحُف في أقطار الأرض مُتنبِّهةً لتلك الأحداث الجِسَام، حريصة على أنْ تتلقَّى أنباءها في كل ساعة من ساعات الليل والنهار، ولم يكن المُنْتِجون لأفلام السينما أقل تَنَبُّهًا لتلك الأحداث وتحرُّقًا على أخبارها … فالصحف تُروِّع بالأنباء والصور، ولكن الناس يقرءونها مُتفرِّقين حين يَخْلُون إلى أنفسهم، فيُرَوَّعون فيما بينهم وبين ضمائرهم، ويتحدثون بذلك حين يلقى بعضُهم بعضًا.

    فأمَّا أفلام السِّينما فهي تُحْدِث الروعَ الاجتماعيَّ حين تفجأ الجماعاتِ الضَّخمةَ بصور هذه الأحداث تتحرَّكُ أمامهم، وتقع بمَرأى مِنْهُم ومَسْمَع، فهم يشهدونها وإن بعدت بينهم وبينها آماد الزمان والمكان، وهم يتأثَّرون بها تأثُّر الشاهد لا تأثر الغائب، كأنهم يُشارِكون فيها، ويحتملون أثقالها وأوزارها، وهي تُثير في قلوبهم أقصى ما يُمكن أن تُثير منَ الرَّوع الذي لا أعْقَابَ له ولا إثم فيه.

    والناس لا يُحِبُّون شيئًا كما يُحِبُّون الروعَ وهم آمنون، ولا يَكْلَفون بشيء كما يَكْلَفون بالقلق وأجسامهم مستقرة في أماكنها، وقلوبهم هادئة في صدورهم، وضمائرهم راضية لا تتعرَّض لبأس أو مكروه. ومن أجل ذلك، يحرص المنتجون لأفلام السينما على أن يلتقطوا صور هذه الأحداث حين تقع، ويعرضوها على الجماعات؛ ليثيروا في نفوس الناس هذا الخوف الآمن، وهذا الروع المطمئن.

    وقد حرصَتْ شركةٌ من شركات الأفلام على أنْ تُصوِّر بعضَ الهَوْلِ الذي كان يُصَبُّ على أهل الجزائر في تلك الأيام؛ فأبرقت إلى أحد مُمَثليها أن يبتغي الوسائل إلى تصوير بعض ذلك، وأنْ يَكون إلى ذلك سَابقًا مُجلِّيًا لتستأثر منه بما تُحب، وتتفوَّق على مُنَافِسيها بالسبق إلى إرضاء الناس.

    ولكنَّ أَمْرَها وصل — فيما يظهر — بعد فوات الوَقت إلى مُمَثِّلها، والمُمثِّل حريصٌ على أن يبلغ منها موقع الرضا، والمالُ أيسرُ الوسائلِ إلى ذلك وأبْلَغُها أثرًا، فمَا يَمْنَعُه أنْ يُنفق آلافًا قَليلَةً أو ألوفًا كثيرة ليبلغ من ذلك بعض ما يُحب إن فاته منه كل ما يريد.

    وقد فعل فأسرع إلى بعض الجُند وفاوضه في الأمر، وعرض عليه قليلَ المالِ أو كثيرَه، وقَبِل الجنديُّ في غير مشقة ولا عناء. وما يمنعه من ذلك والأسرى كَثِيرونَ والرصاص مَيْسُور، والمَالُ قليلٌ، والحاجات لا تُحْصَى ولا تنقضي؟!

    وكذلك اختار الجنديُّ أحدَ الأسرى في المَوعد المَضروب لذلك، وأمر مُمَثِّلَ شركةِ الأفلام أنْ يتهيَّأَ للصور، وأَمَرَ الأسيرَ أن يمضي أمامه، وأمر أداةَ الموتِ أنْ تُطلِق بعضَ ما فيها من الرَّصاص، وسقط الأسيرُ يتشحَّط في دمه، واندسَّت يدُ المُمَثِّل في جيبه، ثم اندست يدُ الجُنديِّ في جيبه، وقُضِي الأمر!

    وسُفِك دم البريء، قد بِيعَ بأوراق معدودة من آلاف الفرنكات، وكأنَّ أحدًا لم يرَ شيئًا، وكأنَّ أحدًا لم يسمع شيئًا، وكأن دماء الناس لم تُحَرَّم على النَّاس بغيرِ ذَنبٍ! وكأنَّ نفُوسَ الأسرى مِلْكُ للجند يُزهقونها حين يشاءون، وحيث يشاءون، وكيف يَشَاءونَ! وكأنَّ قوانين الحرب — إن كانت هناك حرب — لم تكفل أمن الأسرَى على نفوسِهم ودِمَائهم حتى يَقْضِيَ القضاءُ في أَمْرِهم فيأذن لهم بالحياة أو يفرض عليهم الموت.

    ولكنَّ الناسَ رأوا وسمعوا وأسرَّ بعضُهم إلى بعض، ثم جهَّز بعضهم لبعض، ثم شَاعَ النَّبأ واستفاض حتى ارتفع إلى قائد الجيش، ثم إلى الحاكم العام. وأمرت الحكومةُ بالتحقيق كما أَمَرَتْ بالكتمان، وحَظَرت النشر وحرَّمَت الإذاعة. ومضى التحقيق بطيئًا يتعثر إنْ كان أحد قد أخذ فيه.

    وفي أثناء ذلك، أُرْسِلت الصُّور إلى شركة الأفلام، ونُشرت في شمال أمريكا وجنوبها، ونُشِرت في بعض الصحف الأمريكية والفرنسيون ساهون لاهون أو أيقاظ متنبهون، ولكنهم لا يقولون شيئًا، ولم يشقوا على أنفسهم بالقول ولم يكلفوها اللوم والإنكار، وإنما هو دم رخيص بِيعَ بثمن بخْسٍ، فهو أهونُ من أن يستأهل لومًا أو إنكارًا! ومتى حفل السادة بدماء العبيد؟! ومتى اهتم المُتحضِّرون الممعنون في الحضارة بنفوس الهمج من عرب الجزائر وبربرها؟!

    ومضت شهور خمسة لم يُذكَر فيها هذا الحدث ولم يُنكَر، ولكن الحرب الانتخابية تشب في فرنسا، وتبلغ أقصى ما يمكن من العنف، وليس بد لمنديس فرانس من أن يُسقِط إدجار فور ليستأثر من دونه بالحُكم حين تجتمع الجمعية الوطنية، وله صحيفة سيارة تُروِّج له في الانتخابات، فما يمنعها من أن تُذيع نبأ هذا الحدَث الآثم لتثير الناس على رئيس الحكومة قبل الانتخاب بيومين أو بثلاثة أيام؛ ليذكر الناس هذا الإثم يوم يسعون إلى صناديق الانتخاب؟!

    وكذلك نشرت صحيفة الإكسبريس هذا النبأ؛ فثارت له الجماعات وثارت له الحكومة، وخاضت فيه الصحف الفرنسية كلها، ثم جاء يوم الانتخاب فلم يسقط إدجار فور، ولم يسقط منديس فرانس، وإنَّما نجَحَ الخَصْمَان ليَمضيا في صِرَاعِهما أمَام النواب حين يجتمعون. وكانَ طبيعيًا ألا يسقط هذا أو ذاك؛ فدم رجل من أهل الجزائر أهون من أن يَضِيع فيه كرسي على مرشح فرنسي للجمعية الوطنية الفرنسية كائنًا هذا المرشح من يكون، وكائنًا ذاك الجزائري من يكون!

    هذه هي القصة التي تَسْتَطيع أنْ تقرأهَا في جميعِ الصُّحف الفرنسية، والتي أذاعها البرقُ في جميع أقطار الدنيا، وكتبت فيها بعضُ الصحف المصرية، ولا ينبغي أن تسأل كيف هان دم الإنسان على الإنسان إلى هذا الحد، ولا أن تسأل كيف تعثر التحقيق خمسة أشهر كامِلَة دون أن ينتهي إلى غاية، ولا أن تسأل كيف لم يُحاسب قائد الجيش في الجزائر ولا الحاكم العام في الجزائر عن تعثر التحقيق بهذه الأشهر الطوال، ولا أن تسأل كيف سكتت الحكومة الفرنسية وسكت خصومها، وسكت الذين عرفوا هذا النبأ من الفرنسيين في الجزائر وفي فرنسا نفسها، كيف سكت هؤلاء جميعًا على هذا الفكر البغيض خمسة أشهر كاملة، ولم يذكروه إلا حين احتاج إليه أحدهم لِيُسْقِط خَصْمَه في الانتخاب؟! ولا أن تسأل عن هذه القيم العليا المقدسة؛ قيم الحق والعدل والحرية والمُساواة وإنصاف المَظْلُومين من الظالمين، والأخذ للضعفاء من الأقوياء!

    ماذا صنع بها المتحضرون المتفوِّقون في الحضارة من الفرنسيين الذين سبقوا إلى الاعتراف بحق الإنسان منذ أكثر من قرن ونصف قرن، لا تَسَلْ عن شيء من هذا! فأنتَ تعيشُ في عصرٍ قدْ أُهدِرَتْ فيه كل هذه القيم؛ أهدرتها القُوَّة الجَامِحَة حين لا تجد من يَرُدُّها عن البغي أو يصدها عن الظلم والطغيان.

    وأهدرها حب المال الذي لا يعدل بامتلاء الخزائن شيئًا، ولا يتردد في سفك الدماء وإزهاق النفوس، وتيتيم الأطفال، وتأييم النساء؛ ليُتاح لقلة قليلة من الناس أن يعيشوا آمنين وادعين في حياة ناعمة قوامُها اللذة والمَتاع، وأهدرتها الأثرة التي تُبيح لجندي أن يَسْفِك دم أسير لينعم يومًا أو أيامًا بحياة خير من حياة الجند.

    لا تسأل عن شيء من هذا؛ لأنَّك تعيش في عصر قد هوَّنَت الحضارةُ فيه على الأقوياء كُلَّ شيء، وجعلتْ دماء الضعفاء أرخص ما يجري عليه البيع والشراء، وسَلْ إن شئتَ عن شيء آخر هو الجدير بأنْ تَسأل عنه، وأنْ تُفَكِّر فيه، وأنْ يُنَغِّص عليك يقظتك أثناء النهار، ويذود عنك النوم أثناء الليل: كيف تَصْبِر الإنسانيَّةُ على الاستعمار الذي يَجُرُّ عليها كلَّ هذا الهوان؟!

  • رخص الحياة …

    رخص الحياة …

    طه حسين

    جريدة الجمهورية

    ١٣ نوفمبر ١٩٥٤

    لم تَهُن الحياة على الناس كما تهون عليهم في هذه الأيام؛ فقديمًا عرف الناس الحرب وأجرَوْا دماءهم غزارًا في سبيل الحق حينًا وفي سبيل الباطل أحيانًا. وقديمًا عرف الناس المكر والكيد كما عرفوا البغي والعُدوان، وقتل بعضهم بعضًا جهرًا مرة وغيلة مرارًا. ولكنهم كانوا يُقدِمُون على ما كانوا يُقدِمُون عليه من ذلك في كثير من التحرُّج قبل أن يُقدِموا، وفي كثير من الندم والروع بعد أن يُتِمُّوا ما أقدموا عليه.

    كانت الحياة الإنسانية شيئًا له خطره؛ فقد سَنَّتْهَا الديانات، وعرفت حرمتها القوانين، ورعتها الأخلاق، وعظَّم أمرَها المعتدون عليها أنفسهم، فكانوا يرون أنهم حين يجترئون عليها إنما يقترفون إثمًا عظيمًا؛ لأنه من الآثام التي لا سبيل إلى تداركها.

    فقد أُتيح للإنسان أن يُصلح كثيرًا من خطئه، ويتدارك كثيرًا من ذنوبه، ويمحو بالإحسان آثار الإساءة. ولكن شيئًا واحدًا لم يُتَحْ له: وهو أن يَرُدَّ الحياة إلى من حُرِمَ الحياة. فكان القتل خطأ أو عمدًا من الشر العظيم الذي يروع الإنسان ويملأ قلبه ذعرًا وروعًا وندمًا وإنكارًا.

    وكان الناس يتحدَّثون فيكثرون الحديث عن المجرمين الذين يستحبون القتل ولا يحسون عليه بعد اقترافه ندمًا، ولا يُحِسُّونَ منه قبل اقترافه رهبةً أو خوفًا.

    كانوا يرونهم شذاذًا قد أفلتوا من قوانين الطبيعة الإنسانية التي تكبر الحياة الإنسانية، وتعظم الاعتداء عليها عن عمدٍ أو خطأ. وربما دفع بعض الناس إلى شيء من الإمعان في إكبار الحياة حتى تجاوزوا بها حياة الإنسان إلى حياة الحيوان نفسه، يرون أن الحياة جذوة مقدسة لا يجرؤ على إطفائها إلا الذين برِئوا من شعور الرفق والرحمة والبر والحنان. فحرَّموا على أنفسهم أشياء استباحها غيرهم من الناس، يُحَرِّمُون ذلك على أنفسهم دهرهم كله أو يُحَرِّمُون ذلك على أنفسهم وقتًا معلومًا بين حين وحين.

    ولأمرٍ ما أمعن أبو العلاء فيما أمعن فيه من الزُّهد، حتى أنفق أكثر حياته لا يطعم إلا ما تُنبت الأرض. ولأمر ما رأى قتْل الحيوان جبنًا، ورأى فيه دليلًا على ضِعَة النفس التي تدفع الاستعلاء على الضعف والبغي على ما لا يملِك أن يدفع عن نفسه البغي والعدوان. وقد تحدَّث الذين ترجموا له أنه مرِض مرة وألح عليه المرض حتى اضطَره إلى ضعف شديد، فوصف الطبيب له أكل الدجاج، وامتنع هو على الطبيب وعلى الذين كانوا يمرضونه. فلما اشتد عليه إلحاحهم أذعن لما أُريدَ عليه وقُدمت إليه دجاجة، فلم يكد يمسها حتى أخذته رِعدة شديدة، فانصرف عنها وهو يقول لها: «استضعفوك فوصفوك، هلَّا وصفوا شبل الأسد!»

    يريد أن الدجاجة لا تستطيع أن تمتنع على من يريدها؛ فالناس يطمعون فيها ويصفونها للمرضى، على حين يَمنع الأسد شبله، فلا يطمع فيه طامع ولا يصِفه طبيب لمريض. ولأمرٍ ما قال أبو العلاء فيما قال هذا الشعر الرائع في تحريم الحيوان على الإنسان، فعرَّض نفسه لشر عظيم من غضب السلطان:

    غدوت مريض العقل والدين فالقَنِي لتسمع أنباء الأمور الصحائح

    فلا تأكلنْ ما أخرج البحر ظالمًا ولا تبغِ قوتًا من غريض الذبائح

    ولا بَيْضَ أُمَّاتٍ أرادت صريحة لأطفالها دون الغواني الصرائح

    ولا تفجعنَّ الطير وهي غوافل بما وضعت، فالظلم شر القبائح

    ودع ضرب النحل الذي بكرت له كواسب من أزهار نَبْتٍ فوائح

    فما أحرزته كي يكون لغيرها ولا جمعته للندى والمنائح

    مسحت يدي من كل هذا فليتني أبهت لشأني قبل شيب المسائح

    فأبو العلاء — كما ترى — يحرج على نفسه ويريد أن يحرج على غيره أكل الحيوان، وما يُخرجه الحيوان؛ حتى الشُّهد الذي تخرجه النحل، يرى ذلك ظلمًا وبغيًا، ويخالف بذلك ما أباحت الديانات السماوية للناس من هذا كله. وقد انتهى شعره هذا إلى مصر فناظره فيه داعي دعاة الفاطميين، وكاد الأمر ينتهي به إلى العطب.

    وتقديس الحياة الإنسانية هو الذي دعا الناس إلى إكبار الموت وما بعد الموت، وهو الذي دعا الناس إلى إعظام حرمة الجنائز مهما تكُن. وقد رُوي أن جنازةً مرَّت بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في أصحابه، فقام لها وقام أصحابه لقيامه، ثُمَّ قيل له إنها جنازة يهودي، فقال: «أليست نفسًا؟!»

    وتقديس الحياة كذلك هو الذي دفع إلى ما شاع في هذا العصر الحديث من إنكار عقوبة الإعدام مهما تكُن جريمة من يُقضى عليه بهذه العقوبة. ويرى أصحاب هذا الرأي أن الحياة أعظم خطرًا وأكبر حرمة من أن يستبيح الإنسان لنفسه سلبها، ويرون أن الحياة شيء لا يستطع الإنسان أن يمنحه، فلا ينبغي له أن يسلبه، وإنما يَسلُب الحياة من منح الحياة.

    وكذلك أمعن الناس في تقديس الحياة، وفي إنكار البطش بها والاعتداء عليها. وما زال أمر الله قائمًا بتحريم الحياة إلا بحقِّها، وما زالت القوانين تُحرِّم الاعتداء على الحياة وتعاقب عليه أشد العقوبة وأصرمها. ولكن الدين والقوانين شيءٌ وما دُفع الناس إليه في حياتهم الحديثة شيءٌ آخر، وليس من شك في أن الناس لم يعرفوا قط عصرًا هانت فيه حياة الناس على الناس كهذا العصر الذي نعيش فيه.

    تخالف الدول عن أمر الدين والقوانين فتُقْدِمُ على الحرب المنكَرة التي لا تعرف لحياة الأفراد والجماعات حرمة، ولا ترجو للدين ولا القوانين ولا للأخلاق وقارًا، ولا تُفَرِّقُ بين الجند المسلحين المشاركين فيها والعُزل الوادعين الذين لا يريدون حربًا ولا قتالًا، ولا يتمنون إلا أن يعيشوا في دَعة وسعة، يحتملون أعباء الحياة ما خَفَّ منها وما ثقل، لا يؤذون أحدًا ولا يحبون أن يريدهم أحد بالأذى. وإغراق الحرب الحديثة في الإثم واستهانتها بالحياة واستخفافها بالمُقَدَّسَات وإشاعتها للموت والهول بغير حساب؛ كل ذلك أهدر قيمة الحياة أثناء الحرب وأهدر قيمة الحياة أثناء السلم أيضًا.

    وما دام السلطان نفسه يستبيح الخروج على الدين والقوانين في سبيل المنافع والمطامع، فلا على الأفراد ولا على الجماعات أن يستبيحوا الخروج على الدين والقوانين في سبيل المنافع والمطامع أيضًا. وما دامت الدول المتحضِّرة التي بلغت أقصى ما كان الإنسان يستطيع أن يبلغ من الرُّقِيِّ إلى الآن، تستبيح لنفسها أن تزهق النفوس وتسفك الدماء بغير حساب؛ لتكسب المال وتبسط السلطان. فلا على الأفراد والجماعات أن يصنعوا صنيعها ويسيروا سيرتها، ويزهق النفوس ويسفك الدماء في سبيل المنافع القريبة والمطامع اليسيرة. والناس يُحصُون صرعى الحربين العالميتين بالملايين، ويُحصُون صرعى الثورات الأوروبية بين الحربين بالمئات والألوف، ويُحصُون صرعى الاستعمار بعشرات الألوف ومئاتها. وهذه الضحايا الكثيرة لا يُضحَّى بها من خطأ ولا يُضحَّى بها في سبيل الحق بالعدل. وإنما يُضحى بها عن عمد وعن استجابة للبغي والطغيان، وفي غير تحرُّج ولا تحفُّظ ولا احتياط.

    وقد قرأت في إحدى الصحف الفرنسية التي وصلت إليَّ من باريس في هذه الأيام الأخيرة، أن الفرنسيين قتلوا من أهل الجزائر سنة ١٩٤٥ بعد أن وضعت الحرب العالمية أوزارها، عددًا ضخمًا يبلغ المقللون له خمسة عشر ألفًا، ويبلغ المكثِرون له أربعين ألفًا، واللهُ يعلم كم يقتل الفرنسيون من الجزائريين في ثورتهم هذه القائمة، وكم قتلوا من التونسيين والمراكشيين، وكم يقتلون منهم أثناء هذا الصراع المتصل بين قوم يريدون أن يعيشوا كرامًا، وآخرين يريدون أن يستذلُّوهم ويتخذوهم رقيقًا بعد أن ألغت الحضارة الحديثة الرق فيما يقول أصحابها. وضحايا الاستعمار في الهند الصينية من المستعمرين والمناهضين لهم لا يُحْصَوْنَ بعشرات الألوف، وإنما يُحْصَوْنَ بمئاتها. ومن يدري كم كان عدد الذين ضحى بهم الاستعمار الإنجليزي في شرق الأرض وغربها منذ انقضت الحرب العالمية الثانية إلى الآن.

    وأنت لا تقرأ صحيفة في الصباح أو في المساء إلا رأيت فيها حديث الموت الذي يصب في إيران على الذين لا يعجبهم ما كان من الاتفاق على استغلال آبار البترول؛ فقد أصبحت حياة الإنسان في هذا العصر أهون شأنًا وأقل خطرًا ممَّا تُخرج الأرض من ثمراتها الحية والميتة. فإذا شخَّصت هذا العصر بأنه عصر الحياة الإنسانية الرخيصة والمنافع الإنسانية الغالية، أو بأنه عصر الدمِ الإنساني الذي لا تبلغ قيمته قيمة البترول الذي يبسط السلطان ويدر المال؛ فلست غاليًا ولا متجاوزًا للحق.

    وكنت أفكر في هذا كله منذ وقت طويل، وأحمد الله الذي لا يُحمد على المكروه سواه، وأقول لنفسي ولكثير من الناس إننا ما زلنا في عافية ممَّا يُمتحَن به غيرنا من رخص الحياة الإنسانية وغلاء المال والمنافع والمطامع على حقارتها.

    ولكن الحضارة الحديثة قد ألغت المسافات والآماد، وقاربت بين الناس على ما يكون بينهم من تباعُد الأقطار والديار. وقد كُنَّا نرى ذلك خيرًا ونعُده رقيًّا ودنوًّا إلى توحيد العالم أو تخفيف ما بينه من الفروق، وإلى جمع الناس على كلمة سواء وتطهير قلوبهم من الضغن وتخليص نفوسهم من البغي، وتمكينهم من أن يعيشوا إخوانًا، يعيشون على ما أباح الله لهم من طيِّبات الحياة دون أن يستغل بعضهم بعضًا، أو يستذل بعضهم بعضًا، أو يستعلي بعضهم على بعض، أو يتخذ بعضهم بعضًا أربابًا من دون الله.

    فقد تبين أنَّا كُنَّا نخدع أنفسنا، ونطمع في غير مطمع، ونتمنى ما لم يَؤُنْ أوان تحقيقه بعدُ. وتبيَّنَّا أن الشر يغري بالشر، وأن النكر يدعو إلى النكر، وأن الموت يرغب في الموت.

    ونحن نصبح ذات يوم، فإذا الهول يتكشف لنا كأشنع ما يكون الهول، وإذا بعض المصريين يمكرون ببعض، وإذا الموت يريد أن يتسلَّط على مصر كما تَسَلَّطَ على كثير غيرها من أقطار الأرض. وإذا كل واحد منَّا كان آمنًا أمن الغفلة الغافلة، يظن أنه لن يتعرض إلا لما يتعرض له الناس الآمنون من هذه الآفات التي لا يسلطها الإنسان على الإنسان، وإنما تسلطها الطبيعة على الحياة. إنَّا كنَّا غافلين حقًّا، خدعَنا ما عرفناه عن وطننا هذا الوادع الهادئ الكريم، الذي لا يحب العنف ولا يألفه ولا يحب أن يبلغ أرضه، فضلًا عن أن يستقر فيها. ولِمَ لا؟ ألم نشهد منذ عامين اثنين ثورة يشبها الجيش وفي يده من وسائل البأس والبطش ما يُغري بإزهاق النفوس وسفك الدماء، ولكنه يملك نفسه ويملك يده، فلا يزهق نفسًا ولا يسفك دمًا، ولا يأتي من الشدة إلا ما يمكن تدارُكه، ولا يجرح إلا وهو قادر على أن يرفق. وإذا ثورتنا فذة بين الثورات، لا تأتي من الأمر ما لا سبيل إلى إصلاحه غدًا أو بعد غد.

    كل هذا لأن مصر لا تحب العنف ولا تألَفه، ولأن نفوس أهلها نقية نقاء جوها، صافية صفاء سمائها، مشرقة إشراق شمسها، تسعى في طريقها مطمئنَّةً كما يسعى نيلها مطمئنًّا ناشرًا للخصب والنعيم من حوله، تضطرب فيها الضغائن والأحقاد بين حين وحين. ولكنها لا تلبث أن تثوب إلى العافية كما تثور فيها الرياح فتملأ الجو غبارًا، ثم لا تلبث أن تعود إلى الهدوء الهادئ المطمئن.

    كذلك عرفنا مصر في عصورها المختلفة، وكذلك رأيناها حين ثار جيشها منذ عامين فأخرج الطاغية، لكنه أخرجه موفورًا يحيا كما يحب أن يحيا، مكفوف الأذى عن مصر لم يؤذِ نفسه قليلًا ولا كثيرًا.

    واشتد على بعض أبنائها شدة يمكن أن يتداركها باللِّين في يوم من أيام الصفو هذه التي تعرف كيف تملأ قلوب المصريين حبًّا ودعة وأمنًا وسلامًا. ولكننا نصبح ذات يوم فنستكشف أن فريقًا منَّا كانوا يهيئون الموت والهول والنُّكر لإخوانهم في الحياة التي يُقَدِّسُهَا الدين كما لا يُقَدِّسُ شيئًا آخر غيرها من أمور الناس.

    ما هذه الأسلحة؟ وما هذه الذخيرة التي تُدَّخَرُ في بيوت الأحياء وفي قبور الموتى؟ ما هذا المكر الذي يُمكر؟ وما هذه الخطط التي تُدبَّر؟ وما هذا الكيد الذي يُكاد؟ لمَ كل هذا الشر ولمَ كل هذا النكر؟ ولمَ رخصت حياة المصريين على المصريين كما رخصت حياة الجزائريين والمراكشيين والتونسيين على الفرنسيين؟ وكما رخصت حياة الأفريقيين والآسيويين على الإنجليز؟

    يقال إن حياة المصريين إنما رخصت على المصريين بأمر الإسلام الذي لم يحرم شيئًا كما حرم القتل، ولم يأمر بشيء كما أمر بالتعاون على البر والتقوى، ولم يَنْهَ عن شيء كما نهى عن التعاون على الإثم والعدوان، ولم يُرغب في شيء كما رغَّب في العدل والإحسان والبر، ولم يُنَفِّرْ من شيء كما نفَّر من الفحشاء والمنكر والبغي.

    هيهات أن الإسلام لا يأمر بادِّخار الموت للمسلمين، وإنما يعصم دماء المسلمين متى شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويرى قتل النفس البريئة من أكبر الإثم وأبشع الجرم، وإنما هي العدوى المنكرة جاء بعضها من أعماق التاريخ وأقبل بعضها الآخر من جهات الأرض الأربع التي تُستحل فيها المحارم وتُسفك فيها الدماء بغير الحق، ويُستحب فيها الموت لأيسر الأمر.

    جاء بعضها من أعماق التاريخ، من أولئك الذين قال فيهم رسول الله ﷺ إنهم يقرءون القرآن لا يتجاوز تراقيهم، والذين كان أيسر شيء عليهم أن يستبيحوا دماء المسلمين مهما تكن منازلهم في الإسلام، وأن يتحرجوا فيما عدا ذلك تَحرُّج الحمقى لا تَحرُّج الذين يتدبرون ويتفكرون ويعرفون ما يأتون وما يدعون، وجاءهم بعضها الآخر من هذا الشر المحيط الذي ملأ الأرض ظلمًا وفسادًا، من هذا القتل المتصل في الحروب يثيرها بعض الأقوياء على بعض، وفي البطش يصبُّه الأقوياء على الضعفاء في البلاد المستعمرة التي يريد أهلها الحرية، ويأبى المتسلطون عليها إلا الخضوع والإذعان والسمع والطاعة، يفرضون ذلك عليها بالحديد والنار.

    وأنباء هذا الشر المحيط تملأ الجو من طريق الراديو، وتملأ القلوب والعقول من طريق الصحف، وتثير في نفوس الأخيار حزنًا ولوعة، وفي نفوس غيرهم ميلًا إلى الشر ورغبة فيه وتهالكًا عليه.

    لم يأتِ هذا الشر الذي تشقى به مصر الآن من طبيعة المصريين لأنها في نفسها خيرة، ولا من طبيعة الإسلام لأنه أسمح وأطهر من ذلك، وإنما جاء من هذه العدوى.

    والخير كل الخير هو أن نطب لهذا الوباء كما نطب لغيره من الأوبئة التي تجتاح الشعوب بين حين وحين، وقد تعلَّم الناس كيف يطبون للأوبئة التي تجتاح الأجسام وتدفعها إلى الموت دفعًا. فمتى يتعلَّمون الطب لهذا الوباء الذي يجتاح النفوس والقلوب والعقول، فيُغريها بالشر ويدفعها إلى نشره وإذاعته، ويملأ الأرض بها فسادًا وجورًا.

    بهذا يأمر الله عز وجل في القرآن العزيز حين يقول في الآية الكريمة: ( وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ).

  • سخاء …

    سخاء …

    طه حسين

    النداء

    ٢ ديسمبر ١٩٤٧

    لست أدري أتصح هذه الأخبار كما أحب وكما أعتقد، أم لا تصح كما يحب المتشككون وكما يعتقدون.

    وهي — سواء صحَّتْ أو لم تصح — تثير في نفسي كثيرًا من الخواطر، وتثير في قلبي كثيرًا من العواطف، وتدفعني إلى كثيرٍ من التفكير، كما تدفعني إلى كثيرٍ من الأحلام الحسان العذاب، التي إنْ صدقت كانت أحسن المُنى، وإن لم تصدق كانت قد أتاحت لي أن أعيش ساعات حلوة كما يريد الشاعر القديم أن يقول.

    وهذه الأخبار هي التي تتصل بكرم الكرماء، وجود الأجواد، وتبرم الأغنياء بما يُتاح لهم من الغنى وما يُساق إليهم من الثراء، والحمد لله الذي لم يخلق الناس جميعًا حراصًا على المال، بخلاء بما يملكون، لا ينالون من الغنى حظًّا إلَّا ليبتغوا حظًّا أوفر مما نالوا، ولا يحرزون من الثراء نصيبًا إلَّا ليطلبوا أكثر مما أدركوا.

    ثم هم على كثرة ما يملكون وكثرة ما يحصلون وكثرة ما يتراكم عندهم من الغنى، أشبه شيء بالصخرة المصمتة ذات القاع البعيد أو التي ليس لها قاع؛ فهي لا تجود بشيء مما يستقر فيها من الماء، مهما يكثر ومهما يركب بعضه بعضًا، وإنما هي مصمتة من جميع جوانبها، ليس فيها أمل لمن يطيف بها إلَّا أن يحطِّمها تحطيمًا.

    الحمد لله الذي لم يخلق الناس جميعًا حراصًا على هذا النحو من الحرص، بخلاء إلى هذا الحد من البخل، وإنما جعل منهم بين حين وحين من لا يكره الغنى، ولكنه على ذلك لا يفنى فيه ولا يتهالك عليه ولا يتخذه غاية، وإنما يتخذه وسيلة ينفع بها نفسه، وينفع بها أهله، وينفع به ذوي قرابته وذوي مودته، وينفع به أكثر عدد ممكن من الناس، حين يُتاح له أن ينفع أكثر عدد ممكن من الناس.

    هؤلاء الأجواد الأسخياء عزاء عن الحراص البخلاء، يُلْقون في روعك أن الإنسانية ليست شرًّا كلها، وأن حياة الناس قد تكون صحراء مقفرة مجدبة شديدة العقم، ولكنها على ذلك لا تخلو من الواحة التي تقوم فيها بين حين وحين، فتتيح للمسافر الذي عناه السفر وأضناه الجهد أن يجد فيها من الظل والماء، ومن الراحة والروح ما ينسيه بعض ما احتمل من المشقة، ويعينه على احتمال ما سيلقاه من الجهد، حين يستأنف السعي في صحرائه تلك المجدبة المقفرة، ولولا هؤلاء الأجواد الأسخياء لكانت الإنسانية خليقة أن نبغضها أشد البغض وأعظمه بشاعةً ونكرًا.

    والناس يلتمسون الواحة حيث يجدونها، وكما يستطيعون أن يجدوها، وهم لذلك يلتمسون العزاء حيث يجدونه وكما يستطيعون أن يجدوه. يلتمسونه من حولهم، فإذا لم يظفروا به أبعدوا في السعي والتمسوه في الأطراف النائية والأماكن المتباعدة، فإذا أعياهم أن يظفروا به في المعاصرين من قرب منهم ومن بعد، التمسوه فيما مضى من الأيام وفيما سلف من العصور.

    وقد يظن القارئ أني أتكثر أو أتزيد، ولكني أؤكد له أني لست من التكثر والتزيد في شيء، وإنما استقبلت هذه الأحداث التي تحدث، والنوائب التي تنوب، وهذا البؤس الذي يأخذ كثرة المصريين من جميع أقطارهم، ويسعى إليهم من كل وجه يعدهم للموت حتى يسلم بعضهم إليه، ثم يستأثر بمن بقيَ منهم فيمضي في إعدادهم للموت متمهلًا حينًا ومتعجلًا حينًا، وجعلت أنظر فيمن حولي من الأغنياء وأنظر في موقفهم من هذا الشقاء الملم، والبلاء المدلهم، والهول الهائل، والعذاب الشديد؛ فلم أرَ إلا حرصًا وبخلًا، وقسوةً في القلوب، وغلظًا في الأكباد، وجفوةً في الطباع، وكدرًا في الضمائر.

    ووجدت قومًا ينفقون على كره للإنفاق، وقومًا آخرين يترددون بين الكرم والبخل، ثم يؤثرون البخل بعد طول التردد واتصال التفكير، وقومًا آخرين لا ينفقون ولا يترددون ولا يفكرون، وإنما يجهلون من حولهم من الناس، ويجهلون ما حولهم من البؤس والضنك والضيق والموت، يضعون أصابعهم في آذانهم حتى لا يسمعوا، ويجعلون على أبصارهم غشاوة حتى لا يروا، ويجعلون على قلوبهم أكنةً وأقفالًا حتى لا يصل إليهم ما يثير فيها شيئًا من تضامن أو تعاطف أو رحمة أو إشفاق.

    أولئك وهؤلاء يقبلون على لذاتهم ومنافعهم وآمالهم كما يتصورونها، لا يعنيهم أن يلذوا والناس من حولهم يألمون، ولا يسوءهم أن ينعموا والناس من حولهم يتجرعون الشقاء والبؤس والعذاب غصصًا؛ فهم يرقصون على جثث المواطنين، ويسعدون بشقائهم، ولا يفرقون بين هذه الموسيقى البشعة المنكرة التي تأتي من شكاة الشاكين وبكاء الباكين وأنين المرضى وحشرجة المحتضرين، وهذه الموسيقى الأخرى التي تصل إليهم من عزف العازفين ونفخ النافخين ورقص الراقصين. ولا يجدون بأسًا حين يقبلون على كئوسهم المترعة المصفاة أن يكون مِزاجها من هذه الدموع الغزار التي لا تُرَى ولا تُحَس؛ لأنها لا تنزف من أعين الناس، وإنما تنزف من أعين مصر كلها.

    ودموع الناس قد تُرى وقد تُحَس، فيضيق بها الذين يرونها والذين يحسونها، ولكن دموع الأوطان والشعوب والأجيال لا يراها ولا يحسها إلَّا الذين أُتيح لهم شيءٌ من رقة القلوب وصفاء النفوس ونقاء الضمائر وتهذيب الطباع، وهؤلاء — مع الأسف — قليلون، بل هم أقل من القليل.

    استقبلت هذا كله ونظرت فيمن حولي من الناس لأرى كيف يرفق بعضهم ببعض، وكيف يعطف بعضهم على بعض، وكيف يسرع الموسرون منهم إلى معونة المعسرين، فلم أرَ شيئًا ذا خطر، وإنما رأيت كرمًا قليلًا وكلامًا كثيرًا واستباقًا إلى التفاخر الكاذب، وتهالكًا مع ذلك على اللذة الباطلة والنعيم السخيف.

    وما أعلم أن أغنياءنا على كثرة ما يملكون، وعلى كثرة ما يغل عليهم ما يملكون، قد استطاعوا أن يجمعوا لمعونة المنكوبين بوباء الكوليرا مائة ألف من الجنيهات، وأحسبهم ما زالوا بعيدين عن هذا المقدار أشد البعد، وما أرى أنهم سيبلغونه أو يقربون منه، وهم قد أخذوا ينسون الوباء بعد أن أمنوا على أنفسهم — إن جاز للناس أن يأمنوا على أنفسهم — وبعد أن زعمت لهم وزارة الصحة أن الوباء قد أوشك أن يزول.

    لم يقل أحدٌ منهم لنفسه — ولا يُرجى أن يقول أحدٌ منهم لنفسه — إن الوباء قد اختطف من أسر كثيرة رجالًا كانوا يَعُولونها، واضطرها إلى إعدام لا سبيل إلى تصوره، فضلًا عن وصفه، وإن من حق هذه الأسر أن تعيش أولًا، وأن تجد من عطف المواطنين عليها بعض العزاء عمَّا ألمَّ بها من الخطب ثانيًا، وأن تشعر بأنها أسر كريمة في وطنٍ كريمٍ ثالثًا.

    لم يخطر لأحد منهم — ولا يُرجى أن يخطر لأحد منهم — شيءٌ من ذلك؛ لأنهم مشغولون عن هذه الخواطر بجمع المال إلى المال، وضم الثراء إلى الثراء، وباللذات التي لا يفرغون من بعضها إلَّا ليقبلوا على بعضها الآخر، ولا يستريحون منها إلَّا ليستأنفوا العكوف عليها والإمعان فيها.

    ثم لم يخطر لأحدٍ منهم — وليس يُرجى أن يخطر لأحد منهم — أن بؤس البائسين وإعدام المعدمين لا يجر الخزي عليهم بمقدار ما يجر الخزي على وطنهم كله، وعلى الذين أتاحت لهم الظروف أن يكونوا عنوانًا لهذا الوطن، يلقون الأجنبي حين يَفِد على مصر ويسعون إلى الأجنبي إذا لم يَفِد على مصر، ويسمعون منه — راضين أو كارهين — حديث الوباء والمنكوبين، فلا يستحون لأنفسهم، ولا يستحون لوطنهم، ولا يستحون لهذا الجيل من المصريين أن يُوصَم في أعين الأجنبي بالأثرة المنكرة التي تغض من صاحبها وتجعله خليقًا أن يُزدرَى ويُحتقَر، ولا يكرمه من يكرمه إلَّا بمقدار ما يتخذه وسيلة إلى تحقيق منافعه وقضاء آرابه.

    أي بأس على هذا؟! رأيت هذا كله، وضقت بهذا كله؛ فوجدتني بين اثنتين: إمَّا أن أبغض الحياة والأحياء وأنكر الوطن والمواطنين، وإمَّا أن ألتمس العزاء حيث أستطيع أن ألتمسه وكما أستطيع أن ألتمسه، لعل الغمرة أن تنجلي، ولعلي أستطيع — بعد وقت قصير أو طويل — أن أعود إلى هذا الجيل من المصريين المعاصرين، ومن أغنيائهم خاصةً فأقول لهم وأسمع منهم، دون أن أجد في نفسي هذا الألم الممض، وهذا الاشمئزاز البغيض.

    إلى التاريخ إذن وإلى أحاديث القدماء! فقد ملأ المعاصرون قلوبنا يأسًا ونفوسنا قنوطًا لنهجرهم ولنهاجر في الزمان إذا لم تُتَح لنا الهجرة في المكان، ولننظر في أخبار تلك العصور القديمة — سواء أصحَّتْ أم لم تصح — فهي إن صحَّتْ كانت لنا عزاء، وهي إن لم تصح أتاحت لنا أن نحلم بجيل من الناس، لا يكون الرجل فيه عبدًا للمال ولا مرقوقًا للثورة، وإنما يكون المال فيه عبدًا لمالكه، وتكون الثروة فيه وسيلة إلى إعانة المنكوب وإغاثة الملهوف وإنقاذ المحزوب، ثم إلى إيثاره هذه العاطفة الحلوة التي يجدها الرجل الكريم حين يحس أنه قد أعان منكوبًا، وأغاث ملهوفًا، وأنقذ محرومًا، وبرَّ صديقًا، وتصرف في ماله، ولم يدع ماله يتصرف فيه.

    إلى التاريخ إذن لننسى العصر الذي نعيش فيه، وإلى أحاديث القدماء لنتسلى عن سيرة المحدثين.

    وتستطيع أن تصدقني أو لا تصدقني، فما يعنيني من ذلك شيء، ولكنك تستطيع أن تقرأ — على كل حال — أني وقفت وقفات طويلة، طويلة جدًّا، عند بعض هذه الأحاديث التي تُروَى لنا عن القدماء من أصحاب الجود والسخاء، عند هذه القصة التي تُروَى عن عثمان — رحمه الله — حين أجدب أهل المدينة أيام أبي بكر حتى ارتفعت الأسعار، ولم يجد الفقراء وأوساط الناس ما يأكلون، وأقبلت في أثناء ذلك عِيرٌ لعثمان تحمل من الشام خيرًا كثيرًا، فأسرع التجار إليه يريدون أن يشتروا منه بضاعته لييسروا بها على الناس، وجعل يساومهم حتى عرضوا عليه ما يعدل أربعة أضعاف أثمانها، ولكنه أبى أن يبيع إلَّا إن استطاعوا أن يدفعوا إليه عشرة أمثال أثمانها، فلما أظهروا العجز أنبأهم بأن الله قد وعد عشرة أمثالها إن تصدَّق بها، ثم أعلن إليهم أنه يؤثر هذه التجارة على تجارتهم، ويؤثر ثواب الله على أموالهم، وأن بضاعته هذه صدقة للمسلمين.

    نعم؛ ووقفت وقفات طويلة، طويلة جدًّا، عند رجل آخر من أصحاب النبي، هو طلحة بن عبيد الله — رحمه الله — وقد دخلت عليه امرأته فرأته مغتمًّا حزينًا، فلما سألته عن ذلك رفيقةً به عطوفًا عليه، أنبأها أن قد جاءه مال كثير، فهو مهتم له لا يدري ما يصنع به، فلم تزد امرأته على أن قالت له مبتسمة: اقسمه! قال: نعم؛ ثم قسَّم هذا المال بين ذوي قرابته وذوي مودته وذوي الحاجة من المسلمين، واستقبل بعد ذلك ليله سعيدًا، وكان هذا المال أربعمائة ألف درهم!

    نعم؛ وأقف وقفات طويلة، طويلة جدًّا، عند طلحة نفسه حين باع أرضًا له وأُدِّيَ إليه ثمنها — سبعمائة ألف درهم — فلما حصَّل المال في داره، فكر غير طويل ثم قال: إن رجلًا يمسي وعنده هذا المال لا يدري ما ادخر له القضاء من أمر الله لمغرور! ثم أمر؛ فقُسِّم هذا المال على ذوي قرابته وذوي مودته وذوي الحاجة من المسلمين، ولم يَنَمْ حتى أنفقه عن آخره.

    والغريب أن هذا الإنفاق على كثرته وعلى اتصاله لم يَنْتَهِ بطلحة إلى الفقر، ولا إلى شيء يشبه الفقر؛ لأن الله قد وعد الأغنياء إذا أنفقوا في سبيل البر مخلصين لا يبتغون رياءً ولا شهرةً ولا نفاقًا أن يخلف عليهم ما أنفقوا، وقد قُتِل يوم الجمل وتعرضت ثروته بعد موته لخطوب كثيرة، ولكن ورثته على رغم ذلك اقتسموا فيما بينهم ثلاثين مليونًا من الدراهم!

    فليت أغنياءنا يفكرون في أنهم يستطيعون أن ينفقوا من فضول أموالهم مخلصين، غير منافقين ولا مرائين، دون أن يرزأهم هذا الإنفاق شيئًا ذا خطر! وليت أغنياءنا يصدِّقون وعد الله أو يمتحنون هذا الوعد! ليتهم ينفقون مخلصين غير مرائين؛ ليتبينوا أيخلف الله عليهم ما أنفقوا!

    ولكن هيهات! … ليس إلى ذلك من سبيل؛ لأن أغنياءنا لا يقرءون، وهم إذا قرءوا لا يؤمنون، وهم إذا آمنوا لا يغامرون، وأهون عليهم أن يغامروا بالألوف في نادٍ من أندية الميسر وميدان من ميادين السباق، من أن يغامروا بالألوف في سبيلٍ من سبل البر؛ ليتبينوا أيصدقهم الله ما وعدهم أم لا!

    والشيء الذي يملأ القلوب غيظًا والنفوس كمدًا هو أن الحكومات ترى من حرص الأغنياء وبخلهم ومن تقصيرهم ما ترى، ثم لا تبيح لنفسها من فرض الضرائب ما يتيح لها أن تعين المنكوب، وتغيث الملهوف، وتنقذ المحزوب، وإذا أراد الله بقومٍ سوءًا فلا مردَّ له.

    صدِّقْني، إن الخير كل الخير للرجل الحازم الأديب أن يفر بقلبه وعقله وضميره من هذا الجيل، فإن أعجزه الفرار إلى بلاد أخرى، فلا أقل من أن يفر إلى زمانٍ آخر من أزمنة التاريخ.

  • في الذوق

    في الذوق

    طه حسين

    مجلة المصور

    ٢٥ أبريل ١٩٤٧

    يقال: إن الذوق ملاك الحضارة المترفة، ويقال من أجل ذلك: إنه يوجد ويقوى ويشيع حيث يتاح للحضارة أن ترقى وتترف وتبسط سلطانها على النفوس، ويقال: إنه من أجل ذلك يوجد في المدن أكثر مما يوجد في القرى، ويوجد في العواصم أكثر مما يوجد في مدن الأقاليم، ويوجد في القصور أكثر مما يوجد في الدور، ويوجد في الدور أكثر مما يوجد في الأكواخ!

    يقال هذا ويقال شيء كثير غير هذا حول الذوق؛ فالذوق يكون في الأدب والفن، والذوق يكون في الحياة الاجتماعية اليومية، والذوق يكون خصلة من خصال الفرد المترف الممتاز، ويكون خصلة من خصال الجماعة المثقفة المهذبة، ويكون خصلة من خصال الشعب الذي عظم حظه من الحضارة وإمعانه فيها … ويظهر أن المصريين قد سبقوا غيرهم من الشعوب إلى الحضارة وضروب الترف، فكان حظهم من الذوق عظيمًا، وقسطهم منه موفورًا … يقول المصري عن المصري إذا أراد أن يمدحه: إنه صاحب ذوق، ويقول المصري عن المصري إذا أراد أن يمدحه أيضًا: إنه «رجل ذوق» بالإضافة، ورجل ذوق بالوصف! ويقول المصري عن المصري إذا أراد أن يعيبه: إنه قليل الذوق، وعديم الذوق، ويقول الرجل من أهل القاهرة لصاحبه إذا فعل أو همَّ أن يفعل شيئًا لا يليق: «استذوق» يريد أن يقول له: اصطنع الذوق، وتجنَّب ما من شأنه أن يغض من ذوقك، أو من امتيازك في الحضارة المترفة المهذبة التي تتيح للناس أن يعاشروا الناس، وأن يجدوا في معاشرتهم راحة ولذة وسرورًا!

    ويُعرِّف بعض المعاجم الذوق بأنه ملكة طبيعية تسبق التفكير، وتعين على تمييز الجيد من الرديء، والحسن من القبيح، وما يليق مما لا يليق.

    ويقول هذا المعجم: إن لكل إنسان من هذا الذوق حظًّا، ولكن هذا الحظ يقوى ويضعف باختلاف ما يكون عليه الإنسان من ثقافة وحضارة وإتراف في العقل والقلب والضمير … ويقال كذلك: إن الذوق يتغير بما يصيب الحضارة من تطور، فيفسد بعد صلاح، ويقبح بعد حُسن، ويشيع فساده وقبحه بمقدار ما يصيب الحضارة من ضعف وانحطاط!

    وأكثر ما يفسد الذوق حين يطرأ على الحضارة المستقرة المطمئنة التي بعد بها العهد، وألفتها النفوس، وتوارثها الأجيال، طارئ عارض عنيف يغير من سيرة الناس في حياتهم المادية أولًا، ثم في حياتهم العقلية بعد ذلك.

    فالرجل المترف من أهل القاهرة في أول هذا القرن كان قد ورث عن أسرته ألوانًا من الأخلاق والعادات تأثرت بها سيرته فيما بينه وبين نفسه، وفيما بينه وبين أهله، وفيما بينه وبين الناس، فهو لا يظهر لأهله إلا في لون معين من لبسة المتفضل، وهو لا يتحدث إليهم إلا بألفاظ مختارة منتقاة، ثم هو لا يظهر للناس إلا في زينة أنيقة معتدلة قد لاءم بين دقائقها ملاءمة شديدة الاتساق والانسجام، وهو لا يتحدث إلى الناس إلا بألفاظ عذاب رفاق، وفي صوت معتدل لا يرتفع فيؤذي الآذان، ولا يسرف في الانخفاض فيشق على النفوس.

    وهو رفيق رقيق متأنق في إشاراته وفي حركاته، وهو حين يخرج من داره إلى عمله، أو إلى زيارة صديق يتخذ عربته تلك المترفة، يجرها الجواد المترف، ويسوقها السائق الأنيق!

    فلما تقدم القرن شيئًا تغيَّرت الدنيا، وهجمت الحضارة الغربية هجومًا جعل يزداد عنفًا من يوم إلى يوم، ثم بلغ أقصى غايات العنف بعد الحرب العالمية الأولى … فأخذ المترفون من المصريين يتركون ترفهم القديم الأنيق الذي كانوا يعرفونه ويألفونه، ويحسنون تنميقه والتأنق فيه، إلى الترف الغربي الجديد الذي لم يعرفوه ولم يألفوه، ولم يُتح لهم أن يَفْتنُّوا فيه، وإنما أخذوه كما هو، واندفعوا فيه غير متحفظين، فكانوا محدثين!

    وقد تغيَّر تصورهم للحياة بتغيُّر ما يحيط بهم من الأداة، فاضطربت أحكامهم على الأشياء، وساء تقديرهم للظروف، وتغيَّر ذوقهم شيئًا فشيئًا.

    وقل مثل هذا بالقياس إلى الحياة العقلية؛ فقد كان المصريون إلى أوائل هذا القرن أميل إلى المحافظة في ثقافتهم، يغذون عقولهم بالتراث العربي أكثر مما يغذونها بالتراث الأجنبي، ثم هجمت الثقافة الأجنبية هجومًا لم يكن أقل عنفًا من هجوم الحضارة الأجنبية، فاضطربت لهجومها العقولُ، واختلطت لها الأمور، وتأثرت بها الأخلاق، وتغير بها الذوق، وكانت الموقعة الهائلة بين الأدب القديم والأدب الجديد!

    ثم كانت الحرب العالمية الثانية؛ فأقبلت معها حضارة مادية عنيفة، ولم تكد تنقضي حتى كان كل شيء قد اضطرب في حياة المصريين المادية والعقلية والخُلقية جميعًا، وكان اضطراب الذوق بعد هذا كله، وبتأثير هذا كله، شيئًا لا بد منه، ولا سبيل إلى اتقائه!

    وربما كان أخص ما يمتاز به هذا الهجوم الذي غيَّر الحضارة المصرية، فغيَّر الذوق المصري تغييرًا عنيفًا خطيرًا، أنه تأثر بالعنصر الأمريكي أكثر مما تأثر بالعناصر الأوروبية، فقد صحبنا الحضارة الأوروبية منذ أول القرن الماضي، بل منذ أواسط القرن الثامن عشر، وتأثرنا بمصاحبتها، وتغيَّرت لها أخلاقنا وأذواقنا وحياتنا تغيُّرًا شديدًا، ولكن هذا التغير تم في اعتدال لم يعنف بنا، ولم يخرجنا عن أطوارنا بمقدار ما عنف بنا هذا التغير الطارئ بين الحربين، ومنذ أثيرت الحرب الثانية بنوع خاص، ومنذ انقضت هذه الحرب الثانية بنوع أخص!

    وليس لهذا كله مصدر — فيما أظن — إلا هجوم الحضارة الأمريكية المادية، والثقافة الأمريكية اليسيرة التي لا تحب التعمق ولا التمحيص ولا الأناة، وإنما تُؤثِر السرعة، والمعرفة الخاطفة، والإلمام السريع، ويمكن أن يقال: إننا مدينون لها بهذا الاضطراب الخُلقي العنيف الذي ينعم به الجيل الناشئ، ويشقى به الجيل المنقرض، وتتعرض به مصر لخطر عظيم!

    فإذا رأيت قيم الأشياء تتغير إلى هذا الحد الذي نشهده، وإذا رأيت الشباب لا يحفلون بشيء، ولا يتحرجون من شيء، ولا يتحفظون في قول أو عمل، وإذا رأيت الصحف تخوض فيما لم تتعود أن تخوض فيه من قبل، وعلى نحو مُجافٍ لكل ما ألفنا من سماحة الخُلق، وسَجاحة الطبْع، وصفاء النفوس، ورِقَّة الأذواق، فأجمل هذا كله غير متردد ولا متهيب على هذه الحضارة الطارئة التي غرتنا بها أمريكا، فكانت بعيدة الأثر في حياتنا المادية والاقتصادية والأدبية، ومع ذلك تهافت الناس عليها تهافتًا عنيفًا وهم لا يشعرون!

    وقد تسألني عما حملني على أن أتحدث إليك في الذوق، وفي معناه، وفي تطوره، وفي فساده، فسلْ نفسك عما تقرأ، وعما ترى؛ فستجد في نفسك وستجد في نفس غيرِك الجوابَ على هذا السؤال!

  • فساد

    حديث المساء: فساد

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٣٠ ديسمبر ١٩٣٣

    فسادٌ تضيق النفس بالتفكير فيه، وتتأذى الألسنة بالحديث عنه، وتشمئز الآذان من الاستماع إليه. لكني مع ذلك مضطر إلى أن أتحدث فيه إلى القراء وإلى أن أتحدث فيه بعد القراء أو قبلهم إلى رجلين مترفين لا يحبان الأحاديث التي تعافها النفوس، وتكرهها الألسنة، وتمقتها الأسماع. وهما الرجل الطيب رئيس الوزراء والرجل العظيم وزير المالية. فقد يكون من الخير ومن إيثار العافية أن ينأى الإنسان بنفسه عن الفساد، وأن ينفر من التفكير فيه والحديث عنه، والاستماع له، ولكن الذين يشغلون أنفسهم بالحياة العامة لا ينبغي لهم أن ينأوا عن ذكر الفساد الذي يمس أمور الناس ما داموا يرجون من ذكره إصلاحًا له ومحوًا لإثاره. وإني لأكره هذه الأحاديث التي لا يُذكر فيها إلا العبث بأموال الدولة والإهدار لمرافق الناس والتضييع لحقوقهم، ولكني مع ذلك مضطر إلى أن ألم بهذه الأحاديث من حين إلى حين، لعل الله أن يعطف قلوب سادتنا الذين يقدرون على الإصلاح، فيرفقوا بهذا الشعب ويردوا عنه، ولو قليلًا، مما يلم به ويلح عليه من السيئات والآثام. ومن المحقق أن الوزراء لم يتولوا مناصبهم ليسمعوا ثناءًا خالصًا متصلًا، وتقريظًا عذبًا غير مقطوع، ولا ليختلفوا إلى مكاتبهم يأمرون وينهون، ويتلقون طاعة المطيع وإذعان المذعن، وإنما تولوا مناصبهم ليشرفوا على أمور الشعب بالعدل والقسط، وليقوِّموا المعوج ويعاقبوا المسيء، فهم بذلك خليقون ألا يعافوا الفساد إذاعرضت عليهم صوره أو ألقيت إليهم أحاديثه، بل هم خليقون أن يهاجموا هذا الفساد ويصارعوه لعلهم أن يصرعوه ويكشفوا ضره عن الناس.

    والفساد الذي أريد أن أتحدث عنه اليوم إلى وزير المالية وإلى رئيس الوزراء عظيم محرج حقًّا؛ لأنه متردد بين الصدق والكذب، وهو فساد على كل حال، إن صدق كان فسادًا عظيمًا يدل على أن أمور الدولة وأدوات الحكم لم تبق معرضة للخطر فحسب، وإنما هي غارقة في الخطر، قد أخذها الشر من جميع نواحيها. وإن لم يصدق كان دليلًا على أن الأخلاق في بعض البيئات الحكومية، قد انتهت إلى أقصى ما يمكن أن تنتهي إليه من النكر والسوء. رجل كتب إليَّ — وأمثاله كثيرون يكتبون إليَّ — بغير إمضاء منذ أيام يقص عليَّ أخبارًا تتصل بمصلحة من مصالح الحكومة، من هذه المصالح التي تتشرف برياسة الرجل العظيم وزير المالية، وزعم لي هذا الكاتب أن أخباره صحيحة لا غبار عليها، ولا شك فيها، وفي هذه الأخبار اتهام لبعض الموظفين باستغلال مناصبهم للاستفادة مما تحت أيديهم من حقوق الدولة والناس. أرض تشترى بغير حق وبأثمان بخسة زهيدة لا قيمة لها، وتستصلح بغير حق وتستصلح على حساب الدولة. وتعاون بين بعض الموظفين على مثل هذه الآثام، كل يخدم صاحبه ويحسن إليه، وكل يسيء بهذا الإحسان إلى الحكومة وإلى الأمة وإلى أخلاقه بنوع خاص، وواضح جدًّا أن مثل هذه الكتب المهملة التي لا يستطيع أصحابها أن يمضوها ولا أن يحتملوا تبعة ما فيها من الأخبار، خليقة ألا يقف عندها الصحفي ولا يحفل بما فيها، فضلًا عن أن ينقله إلى قرائه. ولكن هذه الأخبار التي كانت تصل إليَّ في كتب مهملة غير ممضاة كانت تذاع في صحف أخرى مطابقة أو مقاربة لما في هذه الكتب، وكانت توجه فيها الأسئلة إلى الوزراء، وكان الناس يتحدثون فيها ويكثرون الحديث. وكنت أنا مع ذلك أهملها وآمر بتمزيقها أو تحريقها. فلما كان أمس وصل إليَّ كتاب من هذه الكتب يزعم صاحبه أنه كتبه إليَّ يوضح فيه ما كتب إليَّ من أسبوعين، أو منذ عشرة أيام، ثم مضى يذكر موظفًا من الموظفين، ويضيف إليه أمورًا أقل ما توصف به أنها جنايات على حقوق الدولة وعلى حقوق الناس، وأنها مفسدة للأخلاق، لا لأخلاق الذي يقترفها وحده، بل لأخلاق الذين يعينونه عليها، ويشاركونه فيها، بل لأخلاق الذين يحيطون بهذا الموظف، ويتصلون به، ويعملون معه من قريب أو بعيد، إن كان ما يضاف إليه من الآثام صحيحًا، والكاتب يفصل هذه الآثام تفصيلًا ويتحدث عنها حديث العالم بها، المطلع على أسرارها ودقائقها الذي كأنه يراها كل يوم، فيضيق بما يرى منها، ويود لو استطاع أن يمحوها محوًا ويأخذ من يقترفونها بأشد العقاب. يذكر موظفًا اشترى أرضًا بغير حق، وبثمن بخس، وكان بعض هذه الأرض قد طال إهماله؛ لأنه موضوع خلاف بين الحكومة وبعض الأفراد. فلما اشتراه هذا الموظف، إن كان قد اشتراه، أمر فأصلح له على حساب الدولة، وبأموال الدولة وأدواتها، بل زرع له على حساب الدولة فيما يقول هذا الكاتب المجهول. والكاتب يذكر فنًّا غريبًا من فنون الفساد، فهو يزعم أن هذا الموظف — إن كان موجودًا — كان يمتحن العمال ليتبين أنهم لن يدلوا عليه، ولن يتحدثوا بما يعملون له إن سألهم عن ذلك سائل. والكاتب يزعم أن هذا الموظف — إن كان موجودًا — قد قضى أشهر الصيف أو بعض أشهر الصيف على ساحل البحر في ناحية من نواحي الدلتا تظله خيام الدولة، وتظل معه أسرته، تخدمه خدم الدولة، وتخدم معه أسرته. وكان هذا الموظف — إن صح ما يقول الكاتب المجهول، وأرجو أن لا يكون صحيحًا — يلم بالقاهرة في الشهر يومًا أو يومين يأتي ويعود في سيارة من سيارات الدولة، ثم لا يمنعه ذلك — إن صح ما يقوله الكاتب المجهول، وأنا أرجو دائمًا أن لا يكون صحيحًا — من أن يأذن لنفسه بنفسه في قبض بدل السفر وأجر السفر كأنه إنما سافر لمصلحة من مصالح الدولة وكأنه إنما أقام هذه الأيام الطوال لعمل من أعمال الدولة.

    والكاتب المجهول لا يقف عند هذا الحد، بل يذكر موظفًا آخر كبيرًا يسميه باسمه، كما سمى ذلك الموظف باسمه، ويضيف إليه أمورًا ليست أقل خطرًا مما أضاف إلى صاحبه، ويزعم — وأرجو أن لا يكون صادقًا — أن هذين الموظفين قد تعاونا، ولكن لا على البر والتقوى، بل على الإثم والعدوان، والكاتب المجهول يطلب أن تتخذ هذه الحوادث التي يرويها موضوعًا لحملة قوية يُحارب بها هذا الفساد، ويُحارب بها المفسدون، وهو يرى أن الوزارة لو ألَّفت لجنة للتحقيق فإن هذه اللجنة لن تجد مشقة ما في الكشف عن حقائق هذا الشر وآثاره بشرط أن يوقف عن العمل جماعة من الموظفين الذين اشتركوا في هذه الأثام واحتملوا الكثير من أوزارها.

    وكأن هذا الكاتب المجهول قد أحس أني لا أستطيع أن أعنى بكلامه ما دمت لا أعرفه وما دام لا يسمي نفسه ولا يظهر استعدادًا لاحتمال ما في قوله من التبعات، فهو يطلب إليَّ في آخر الكتاب أن أحول رسالته إلى وزارة المالية إن رأيت منفعة في ذلك؛ ليقرأها الوزير وليرى فيها رأيه، وأنا مستجيب لدعائه ومرسل رسالته اليوم إلى وزير المالية؛ ليقرأها وليرى فيها رأيه، وأنا أعتقد أن كثيرًا من أمثال هذه الرسالة يصل إلى وزير المالية، وإلى غيره من الوزراء، وإلى كثير من كبار الموظفين. ولكن الذي يعنيني والذي كتبت من أجله هذا الفصل هو ما أشرت إليه آنفًا من أن مثل هذه الأخبار التي يكتبها المجهولون لا تخلو من إحدى اثنتين، فإما أن تكون صحيحة، وإذن فأمور الدولة قد وصلت من الفساد إلى حد بعيد، وإما أن تكون مكذوبة، وإذن فأخلاق فريق من الموظفين قد وصلت من الفساد إلى حد بعيد، فأمر هذه الأخبار التي يكتبها المجهولون فساد كله، فساد في حال الصدق، فساد في حال الكذب، وهذا الفساد نفسه هو الذي ينبغي أن نفكر فيه، فلو أن أمور الحكم عندنا مستقيمة معتدلة، قائمة على الصراحة والصدق والإخلاص، لما اقتُرفت مثل هذه الآثام، إن كانت قد اقترفت، ولما وجد بين الموظفين من يسعى بالكذب ويعيش للوشاية، ويتخذ النميمة أسلوبًا من أساليب الانتقام وضربًا من ضروب الكيد، ولو أن أمور الحكم عندنا مستقيمة معتدلة قائمة على الصراحة والصدق والإخلاص لما أمن موظف آثم من العقاب، إن وجد هذا الموظف الآثم، ولما خفي على الحكومة أولئك الذين يسعون بالناس، ويقولون فيهم غير الحق، ويسيئون بالسعاية والوشاية إلى بلادهم وإلى أنفسهم في غير حذر ولا احتياط. ولكن أمور الحكم عندنا مضطربة أشد الاضطراب ملتوية أشد الالتواء. الوزراء مشغولون بالسياسة وبالسياسة الحزبية التي لا خطر لها، ولا نفع فيها، والبرلمان مشغول مع الوزراء بالسياسة وبالسياسة التي يشتغل بها الوزراء، وأمور الحكم متروكة للموظفين يصرفونها كما يريدون أو كما يستطيعون، لا يخضعون في ذلك لمراقبة قوية دقيقة تضطرهم إلى الدقة والحذر والاحتياط، والمصريون يشقون بهذا ويجنون ثماره المرة في كل يوم، والأجانب ينظرون ويسخرون، والإنجليز يرون وينتظرون اليوم الذي يعلنون فيه أنهم قد تركوا للمصريين أمورهم فلم يحسنوا القيام عليها، فلا بد لهم من الرجوع إلى الاستئثار بهذه الأمور.

    أليس رئيس الوزراء ووزير المالية وزملاؤهما يرون معنا أن هذه الحال أشد خطرًا وأبعد في حياتنا أثرًا، وأحق بعنايتهم وبعناية البرلمان من إبعاد صدقي باشا عن السياسة، ومن نصب الحرب لنقابة المحامين؟

  • كارثة …

    حديث المساء: كارثة …

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١٦ نوفمبر ١٩٣٣

    يجب أن يتنبَّه لها الغافلون، ويفيق الذاهلون، ويستيقظ النائمون، وأن يأخذ المصريون حذرهم؛ فإن الكارثة تسعى إليهم، أو يسعون إليها، وقد أصبح الأمد بينهم وبينها قصيرًا، حتى إن صوتها المنكر ليبلغ الآذان، وحتى إن شبحها القبيح المخيف ليؤذي العيون، وحتى إن ريحها الخانق ليفسد الجو، وحتى إن حركتها لتوجب على كل مصري أن يتأهب لردها، ويتهيأ لصدها، ويستيقن أن الغفلة قد أصبحت جناية، وأن التنبيه قد أصبح فرضًا، وأن النوم قد أصبح إثمًا، وأن اليقظة قد أصبحت واجبًا محتومًا.

    يجب أن ينتبَّه المصريون؛ فإن المحنة التي امتحنهم بها صدقي باشا ثلاثة أعوام، بل أكثر من ثلاثة أعوام قد أخذت تتكشف عن نتائجها المنكرة، وتتمخض عن آثارها السُّود، وإذا لم يتنبَّه المصريون الآن، ولم يفرقوا، فقد يتنبهون حين لا ينفع التنبه وقد يندمون حين لا ينفع الندم، وقد يحتملون من الجهد والمشقة ما يستطيعون اتقاءه منذ الآن.

    إن المحنة التي امتحنهم بها صدقي باشا أكثر من ثلاثة أعوام قد انتهت إلى ما لم يكن منه بد، فأفسدت الإدارة حتى اتُّهِم الموظفون في ذممهم وضمائرهم، وحتى أصبحت أمانتهم موضع الشك ونزاهتهم موضع البحث، وحتى أخذ المصري المخلص يستحي لنفسه ولوطنه من هذه المخزيات التي يتقاذف بها زعماء الحكم في هذه الأيام. هذا يثير فضيحة الكورنيش وهذا يثير فضيحة القطن، وهذا يدافع عن نفسه فيتهم وزيرًا قائمًا، وهذا الوزير القائم يدافع عن نفسه فيتهم رئيس الوزارة المستقيلة، وهذا الوزير القائم يقذف وزيرًا سابقًا، وهذا الوزير السابق يذعن ويستخذي، ويلزم الصمت ويؤثر الهرب ويلوذ بالسكوت، وهذا النائب يتهم المديرين بأنهم يحاولون تسخير النواب لما تحب الوزارة، وهذا النائب الآخر يتهم وزير الداخلية بأنه يرغب في تسخير النواب لما تريد الوزارة، وهذه الصحيفة تتهم وزيرًا بالامتناع عن دفع الضرائب وتتهم وزيرًا آخر بمواطأته على ذلك ورفع الحجز عنه على غير ما يقضي به القانون، وهذا النائب يسأل وزير المالية عن هذه القصة فلا يجيب، وهذه الصحيفة تتهم موظفًا كبيرًا بأنه يستخدم أدوات الحكومة لإصلاح ملكه الخاص، وهذه الصحيفة تتهم وزير المعارف بمخالفة القانون، جهرة في أمور الجامعة، وبكتابة مذكرة إلى مجلس الوزراء لا تلائم الحق. والوزارة مضطربة مرتبكة لا تدري ماذا تصنع، ولا تعرف ماذا تقول.

    أفسدت محنة صدقي باشا إذن الإدارة حتى ظهر الفساد من كل وجه وشاعت كلمة السوء في كل مكان، وساء ظن الناس بحكامهم، وذهبت ثقة الناس لسلطان الدولة، ونتج عن هذا كله فساد منكر في الأخلاق، فكثر الدس والكيد، وفشت السعاية والوشاية، وعم النفاق والكذب، وأصبح المصري يلقى المصري فلا يتحدث إليه إلا عن هذه المخزيات، وأصبح الموظف يلقى الموظف، فلا يجادله إلا في هذه المنكرات، وأصبح الناس لا يأمن بعضهم بعضًا، ولا يطمئن بعضهم إلى بعض، وأصبح الرجل إذا تحدَّث إلى الرجل، لا يأمن أن يكون ساعيًا به وجاسوسًا عليه. وانتهى أمر المصريين إلى حياة فاسدة مُسمَّمة، لا يثمر فيها الجهد الصالح، ولا يُغْنِي فيها الميل إلى الخير، وإنما هي شياطين زرق العيون، سُود الوجوه، كاشرات عن أنياب حداد، باسطات أيديًا آثمة ظالمة، تدفع الناس دفعًا إلى الشر لا هوادة فيه، ولا راحة منه، فهم ينحدرون وينحدرون، وهم يوشكون أن ينتهوا إلى الحضيض.

    أفسدت محنة صدقي باشا أمور الإدارة وأمور الأخلاق، وأفسدت أمور السياسة أيضًا فشُغِل الناس عن غدهم بيومهم، وشُغِل الناس عن مسائهم بصباحهم، وشُغِل الناس عن الاستقلال بالتماس القوت، وساء ظن الأجنبي بهؤلاء الناس الذين فسدت أمورهم كلها، واضطربت أمورهم كلها، وشغلتهم صغائر الأمور عن عظائمها، وألهاهم طلب المنافع العاجلة عن التفكير في الآمال القومية.

    ومتى فكر الإنجليز في أن يفاوضوا قومًا وصلت أمورهم من الفساد إلى هذه الحال؟!

    أفسدَتْ محنةُ صدقي باشا أمورَ الإدارة، والأخلاق، والسياسة. فأما أمور الاقتصاد فقُلْ في فسادها ما شئت، فلن يستطيع أحد أن يجادلك أو ينازعك، وإن أبى وزير المالية إلا أن يزعم للإجيبشين غازيت أن أمور الاقتصاد بخير، وإن أبى وزير المالية إلا أن يعلن إلى الإجيبشين غازيت، أنه لن يساعد المدينين، ولن يكف عنهم أيدي المصارف حتى يؤدوا بعض ما عليهم.

    كل شيء قد فسد وانتهى من الفساد إلى طور مزعج مخيف، ولم يكن بد بعد هذا من أن يظهر الإنجليز من وراء الستار، ومن أن يخرج الإنجليز من حيادهم المزيف الموهوم، وكل شيء يدل الآن على أنهم يريدون أن يفعلوا أو يوشكون أن يفعلوا أو هم قد بدءوا يفعلون.

    هذه أنباء تُذاع في صحف اليوم يمر بها الناس سراعًا، ومن حقهم أن يقفوا عندها فيطيلوا الوقوف يقرؤها الناس متعجلين، ومن حقهم أن يقرءوها في تمهل وأناة يهز الناس لها رءوسهم، ويرفع الناس لها أكتافهم، من حقهم أن يتدبروها فيُمْعِنوا التدبر، ويفكروا فيها فيطيلوا التفكير، ويقدِّروا عواقبها، ويتقوا هذه العواقب فإنها الكوارث المنكرة لا أكثر ولا أقل.

    هذا رئيس الوزراء يذهب أمس للقاء المندوب السامي فيقضي معه ساعتين في الصباح، وهذا رئيس حزب الشعب يذهب أمس للقاء المندوب السامي فيقضي معه ساعةً في المساء، أفنستطيع أن نفهم هذه المصادفة الغريبة، ونُؤَوِّل هذه المفاجأة المدهشة؟! رجلان يختلفان أشد الاختلاف ويختصمان أشد الاختصام، أيهما يظفر بالكثرة في حزب الشعب، ثم يتقاذف أنصارهما بأشنع التهم، وأقبح الفضائح، ثم يسعى الساعون بينهما في الصلح، فلا يزداد الأمر بينهما إلا فسادًا، ثم تُذاع أنباء التحقيق، ويتحدث الناس عما قد يكشف عنه التحقيق، ثم تذيع الصحف في أثناء هذا كله أن أحدهما لقي المندوب السامي في الصباح وأن الآخر لقيه في المساء!

    أكانت مصادفة هذه الزيارة التي كانت في المساء، بعد تلك الزيارة التي كانت في الصباح، أم هو المندوب السامي قد أصبح حكمًا بين الرجلين المختصمين؟! ومن الذي جعله حكمًا؟! أهما المختصمان؟! فيا له من نكر ليس بعده نكر! أم هو المندوب السامي نفسه قد حرج من الحياد، وفرض نفسه فرضًا، أو تطوع بالسعي ليمحو الخلاف، ويضع مكانه الوفاق؟!

    والأمر لم يقف عند هذا الحد، فهذه الأهرام لا تتحرج من أن تنبئنا بأن رئيس الوزراء تحدَّث إلى المندوب السامي صباح أمس في تعديل الوزارة وفي نقل وزير المالية إلى وزارة الخارجية، ونقل نفسه إلى وزارة المالية.

    ماذا؟! أين نحن وفي أي زمن نعيش؟! أبلغ الأمر بنا أن تُعرَض الأمور في الصحف على هذا النحو؟! أحقٌّ أن رئيس الوزراء تحدَّثَ إلى المندوب السامي في نقل وزير من وزارة إلى وزارة؟! فإن كان هذا حقًّا، فهل بدأ رئيس الوزراء هذا الحديث ليعرض الأمر على المندوب السامي؟ أم هل بدأ المندوب السامي هذا الحديث ليفرض الأمر على رئيس الوزراء، أو ليوحي بالأمر إلى رئيس الوزراء؟ وكيف جال في الصحف أن رئيس الوزراء تحدَّث في شيء كهذا إلى المندوب السامي؟ أقبل الحرب نحن أم بعد الحرب؟ أفي أيام الاحتلال نحن أم في أيام الاستقلال؟ يجب أن يقول رئيس الوزارة في هذا شيئًا، بل شيئًا صريحًا واضحًا يزيل اللبس ويمحو الغموض ويحفظ الكرامة، فقد يظهر أن الكرامة المصرية تؤذيها مثل هذه الأنباء إن لم تكن حقًّا، فكيف بها إذا كانت حقًّا؟!

    وتزعم الأهرام أن الأمر قد تحرج بين وزير المالية وبين رجال وزارته من المصريين والأجانب حتى انقطع التعاون بينهم وبينه، وحتى لم يبقَ بد من نقل الوزير. ماذا؟! أين نحن؟! من الذي يُنقَل إذا وقع الخلاف بينه وبين الوزير؟ أهو الموظف المسئول أمام الوزير أم هو الوزير المسئول أمام البرلمان؟! ومن الذي يقضي فيما يقع بين الوزير وموظفيه من خلاف، أهو مجلس الوزراء أم هو المندوب السامي؟!

    هل يسمع المصريون؟! هل يفهم المصريون؟! هل يرى المصريون إلى أين انتهت أمور الحكم فيهم؟!

    والأمر لا يقف عند هذا الحد، فهذه السياسة تنبئنا صباح اليوم بأن وكيل المالية، صاحب السعادة أحمد عبد الوهاب باشا قد لقي المستشار المالي أمس، وقضى معه وقتًا طويلًا. ثم تنبئنا بعد ذلك مباشرة بأن وكيل المالية لم يستقِل، ولم يفكر في الاستقالة، رغم ما بينه وبين وزير المالية من خلاف، ولم يستقِل وكيل المالية! والتعديل الذي تحدث فيه رئيس الوزراء إلى المندوب السامي أمس وسيعرضه على جلالة الملك غدًا — فيما تقول الأهرام — سيريحه من التفكير، ويرد الأمر إليه في وزارة المالية كما كان من قبل.

    ووزير المالية نفسه يتحدث إلى الإجيبشين غازيت لا إلى غيرها من الصحف العربية، فيقول إنه قد نبَّه الموظفين في وزارة المالية إلى أن على رأسهم وزيرًا، وهل كان الموظفون قد نسوا أن لهم وزيرًا؟ ومن الذي أنساهم أن لهم وزيرًا؟

    وهل أحسن الوزير أم هل أساء حين نبَّه الموظفين إلى أنه موجود؟ وهل قَبِلَ الوزير أم هل لم يَقْبَلْ ما يُقال من أنَّه سيُنقَل إلى وزارة الخارجية نقلًا؟ وهل هذه الخاتمة هي الثورة المالية الخطيرة التي تحدثت بها الصحف عن وزير المالية في الداخل والخارج، قبل أن يرقى إلى منصب الحكم؟ وهل يُراد أن نفهم من كل هذه الأحداث أن الإنجليز قد اقتنعوا، أو قد أقنعوا أنفسهم بأن المصريين لا ينبغي أن يتركوا لأنفسهم، ولا أن يفلتوا من السيطرة الإنجليزية الدقيقة على الصغير والكبير من أمورهم؟ وهل يرضى المصريون أن تعود الصلة بينهم وبين الإنجليز إلى ما كانت عليه قبل إعلان الاستقلال؟

    يجب أن يتنبه المصريون؛ فإن الكارثة تسعى إليهم، أو هم يسعون إليها، وإن جهودهم وضحاياهم توشك أن تضيع.