هتلر قال لي
طه حسين
زهرة الشرق
١٨ مارس ١٩٤٠
لو كُشف الغطاء له عن ضميره لرآه أحمرَ قانيًا يقطر دمًا، ولكنه لا يعترف بالضمير، وإنما يرى الإيمان به وهمًا، والإذعان لحكمه ضعفًا، والإشفاق من لونه جنونًا. ولو كُشِف الغطاء له عن قلبه لرآه صخرة صُلبة لا يعمل فيها شيء، ولا يؤثِّر فيها شيء، ولا تصلح مصدرًا لشيء، وإنما هو الجدب الذي ليس بعده جَدْبٌ، والغلظة التي ليس بعدها غلظة، والقسوة التي لا تنتهي إلى حَدٍّ ولا تقِف عند غاية.
ولكنه لا يعترف بالقلب، وإنما يرى الحديث عنه والتأثُّر بما يثور فيه من عاطفةٍ؛ فسادًا في الطبع والتواءً في المزاج، وأثرًا من آثار الحضارة الفاترة التي يجب أن تزول، والتي يريد هو أن يزيلها، ويعمل هو على أن يزيلها. ولو كُشف له عن عقله لرآه ذبالة ضئيلة نحيلة كليلة لا تكاد تضيء حتى تنطفئ، ولا تستطيع أن تثبت للرَّوِيَّةِ أو تقوى على التفكير، أو تواجه المشكلات وصعاب الأمور. ولكنه لا يؤمن بالعقل، وإنما يراه لونًا من ألوان السُّخف، وحديثًا من أحاديث الهوس، وهدية خطِرة من هدايا الحضارة اليونانية الرومانية التي فشِلت وذهبت ريحُها، وآن لها أن تنهار، وأن تقوم مكانها حضارة جديدة لا تتأثر بالخلق، ولا بالفلسفة، ولا بالديانات السماوية. حضارة لا تعرف العقل ولا الضمير، وإنما تعرف الغرائز وحدها. وتندفع مع هذه الغرائز إلى حيث يريد لها الخيال الجامح أن تندفع في غير تبصُّر ولا تفكُّر ولا تقدير.
هذه هي الصورة التي خرجتُ بها من قراءة الكتاب الذي جعلتُ اسمَه عنوانًا لهذا الحديث، وهذا الكتاب قد ألفه رجل ألماني كان صديقًا لهتلر، بل كان من خاصته، وأقرب أصدقائه إليه. عرَفه أثناء جهاده وجاهد تحت لوائه، واغتبط بانتصاره، وعمِل على تحقيق هذا الانتصار، ثم ساهم في استغلال هذا الانتصار إلى أقصى ما استطاع.
كان مسيو بروشننج ألمانيًّا محبًّا لوطنه، محزونًا لما أصاب ألمانيا من الهزيمة في الحرب الماضية، ولِمَا تبع الهزيمة من النتائج الخطيرة التي أفسدت على ألمانيا أمورها كلها. فاستجاب كغيره من الألمان للدعوة الهتلرية التي كانت ترمي إلى إقالة ألمانيا من عثرتها واستنقاذها من آثار الهزيمة. وكان رئيسًا لحكومة دانزيج تلك المدينة الحرة بمقتضى معاهدة فرسايل، والتي اتُّخذت سببًا مباشرًا لإعلان الحرب الحاضرة. وكان هذا الرجل يعمل مع هتلر كما يعمل معه كثير من الألمان، ولكنه كان ذا خطر خاصٍّ لمكانه من تلك المدينة التي أرادت لها معاهدة فرسايل أن تكون حُرَّةً، وأرادت لها الظروف أن تكون موضوع النزاع بين النفوذ الألماني والنفوذ البولوني والنفوذ الدولي العام، بحكم ما كان من إشراف عصبة الأمم على أمورها من قريب أو من بعيد.
وكان مؤلف هذا الكتاب حريصًا كل الحرص على أن تعود دانزيج إلى ألمانيا يومًا ما، ولكن في هدوء وسكون، وفي اتِّفاق مع بولونيا من جهة ومع عصبة الأمم من جهة أخرى. وكان حريصًا من أجل ذلك على أن تظَل دانزيج متصلة بألمانيا اتصالًا رُوحيًّا واقتصاديًّا، فكان من الذين روَّجوا فيها للدعوة الهتلرية. وكان من أجل هذا كله شديد الاتصال بهتلر، يلقاه بين حين وحين ليتلقى منه الوحي، وليشير عليه في شئون الحزب. وقد ظفر بحب هتلر وإيثاره، فكان يخلو إليه فيطيل الخلوة، ويستمع له فيطيل الاستماع، حتى إذا أسرف الحزب الهتلري على نفسه وعلى ألمانيا وعلى مدينة دانزيج نفسها، وظهرت بوادر الشر الذي لا شك فيه؛ عجز هذا الرجل عن مسايرة الحزب فلم يقاومه، ولم يُبْدِ له سخطه، وإنما نصح بالاعتدال والقصد، فلم يسمع له أحد، ولم يحفل به أحد فاعتزل الحكم. وقد وضع هذا الكتاب الغريب الذي لم يكُن في وضعه إلا ناقلًا، قليل الحديث جدًّا، كثير النقل جدًّا، ولكنه لا ينقل إلا عن هتلر نفسه فهو يُصوِّر لنا هتلر بقلم هتلر أو بلسانه إذا أُرِيدَ التعبير الصحيح. والصورة التي رآها القارئ في أول هذا الحديث هي أظهر ما يخرج به القارئ من هذا الكتاب العجيب. فهتلر رجل محدود العقل، محدود التفكير إلى أقصى حَدٍّ وأبعد غاية، لا يتعمق موضوعًا من الموضوعات، ولا يستقصي مسألة من المسائل، ولا يرى فائدة للتعمُّق والاستقصاء، وهو قليل القراءة قليل التحصيل، مُبغِضٌ للقراءة والتحصيل، لا يستوحي علمًا ولا بحثًا ولا تجرِبةً، وإنما يستوحي خيالًا جامحًا لا يعرف القصد ولا الأناة، وهو من أجل ذلك يزدري فلسفة الفلاسفة، وسياسة الساسة، وتفكير المفكِّرين. يؤمن بأنه قد وُجِدَ لينقل ألمانيا من طور إلى طور، ولينقل العالم كله بفضل ألمانيا من طور إلى طور. فكل طريق يجب أن تؤديه إلى هذه الغاية مهما تكُن عسيرة شاقَّة مملوءة بالصعاب والعقاب. وكل شيء جائز سائغ في سبيل هذه الغاية مهما يكُن مناقضًا للخلق، ومهما يكُن مناقضًا للضمير، بل هو يريد أن يريح الناس من الخلق والضمير؛ لأنهما يتبطآن الهمم، ويفلان الحد، ويدفعان إلى التردُّد والتفكير. وهو لا يريد تردُّدًا ولا تفكيرًا، وإنما يريد إقدامًا وإقدامًا دائمًا، وإقدامًا لا يعرف الهدوء ولا الأناة. وهو يريد أن يريح الناس من الدِّين السماوي؛ لأن هذا الدين السماوي قد أقام حياة الناس على أصول الحق والواجب والخير والعدل. وهو لا يعرف من الحق إلا حق ألمانيا، ولا يعرف من الخير إلا ما يجب أن تجنيه ألمانيا من سيادتها وسلطانها. ولا يعرف من العدل إلا ما يجب أن تمضيه في العالم من الحكم، وما تفرضه على العالم من النظام. هو من أجل ذلك يريد أن يقَوِّي ألمانيا إلى أقصى حَدٍّ لتستطيع أن تُحَطِّمَ ما يعترضها من المقاومة مهما يكُن شكله ومهما يكن مصدره، فالفرد الألماني لا يوجد إلا من حيث إنه أداة لقوة الشعب الألماني، ولا بأس بأن يحتمل الجوع والظمأ والبؤس على اختلاف ألوانه، والتضحية على اختلاف أشكالها وصورها، ولا بأس بأن يتعرض للموت وألوان العذاب، وهو من أجل ذلك لا يتردد في التضحية بالمئات والألوف في سبيل فرض النظام الهتلري على ألمانيا، وفي التضحية بالملايين في سبيل فرض السيطرة الألمانية على العالم. وهو من أجل ذلك لا يتردد في مقاومة الدِّين، وأخذ رجاله بالشدة والعنف إلا أن يُذعِنُوا له ويؤمنوا به، ويجعلوا دينَهم وسيلةً من وسائله. وهو من أجل ذلك لا يتردَّد في إغلاق الجامعات، واضطهاد العلماء إلا أن يجعلوا علمهم وتعليمهم وسيلةً من وسائله وأداة من أدواته.
وهو ما دام ينكر شخصية الفرد وحَقَّه في أن يوجد لنفسه، وحقه في أن يطمع في الحرية الفردية، ويطمح إلى السعادة الفردية، لا يعرف الحرية ولا يؤمن بقيمتها، إنما يراها لونًا من ألوان العبث الديمقراطي الذي يجب أن يزول. وكما أنه لا يعترف بالشخصية الفردية، فهو لا يعترف بالشخصية الاجتماعية أيضًا، ولا يؤمن بحق الشعوب في تقرير مصيرها، وإنما الشعوب الصغيرة فرائس يجب أن تُلتَهَم، والشعوب الكبيرة أعداء يجب أن يُقهروا بالحيلة ما وَسِعَتْهُ الحيلة والعنف إذا لم تُغْنِ الحيلة، ولم تبلغه ما يريد.
وهو من أجل ذلك لا يفهم معنى لوجود النمسا، ولا لوجود تشيكوسلوفاكيا، ولا لوجود هولنده وبلجيكا، وإنما هذه كلها بلاد يجب أن تصير إلى ألمانيا، وأن ينتشر فيها الشعب الألماني مستغلًّا لها، مستذلًّا لأهلها. فإذا وصل الشعب الألماني إلى فرنسا فيجب أن يقتطع من أرضها ما يحتاج إليه في أوروبا. فأما مستعمراتها ومستعمرات بريطانيا العظمى فيجب أن تسير إليه طوعًا أو كَرهًا. ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل لا بد من أن يصير شمال أمريكا وجنوبها إلى الشعب الألماني غدًا أو بعد غدٍ بالحيلة إن أغنت، وبالعنف إذا لم يكُن من العنف بُدٌّ.
وأنت أيها القارئ الكريم تقرأ هذا الكلام فتراه جنونًا، وتراه أشبه بهذيان المحموم، ولكنه مع ذلك كلام هتلر يسجِّله عليه صديقه بروشننج في كتابه تسجيلًا.
وألخصه أنا لك تلخيصًا متواضعًا جدًّا فيه كثيرٌ من التقصير، وفيه كثيرٌ من الاعتدال أيضًا؛ لأني أخشى أن تسيء بي الظن. ولكن ناقل الكفر ليس بكافر، وناقل الجنون ليس بمجنون. وقد تقول إن هتلر قد عامل الشعوب الصغيرة والكبيرة وأمضى معها المعاهدات والمحالفات. ولكن هتلر يقول لمُحَدِّثِه إن المعاهدات والمحالفات وسائل لا غايات. وهي وسائل إلى الخداع وانتظار الفُرَص، فهو لا يرى بأسًا من أن يعطي العهود والمواثيق إذا احتاج إلى إعطائها، ومن أن ينقض العهود والمواثيق إذا احتاج إلى نقضها. وهو لا يرى بأسًا من أن يُقسِم بمحرجات الأيمان إذا احتاج إلى القَسَم، ومن أن يحنث في قسمه إذا احتاج إلى الحنث. وهو قد أثبت ذلك على نفسه فعاهد ثم نقض العهد، وحالَفَ ثم نقض الحلف، وعادى روسيا ثم صادقها، وصادق إيطاليا وهو يتحدث عنها في الكتاب أشنع الحديث، ويزدريها أقبح الازدراء.
وعلى الجملة فإن الصورة التي تخرج بها من هذا الكتاب بشعة منكرة، إن دلَّت على شيء فإنما تدل على الآثار المنكرة التي يتركها التعليم الناقص والتربية المهملة في بعض الأفراد، حين تتيح لهم الظروف التسلُّط على بعض الشعوب في أوقات الشدة والمحنة والشقاء. وهي تدل أيضًا على أن الحضارة الصحيحة ليست في هذه الألوان من التقدُّم المادي في الصناعة والتجارة والزراعة والاستكشاف، وإنما قبل كل شيء خُلُق يشيع في النفوس والقلوب والعقول فيُهيِّئها لمقاومة الشر والامتناع عليه.
فالشعب الألماني ماهر في الحضارة المادية، ولكنه قد حُرِمَ رُوح الحضارة وخلاصتها، فأصبح أداةً يسخرها المتغلب، وطبعًا يستجيب لكل ناعق، وآية ذلك أنَّه استجاب لدعاة الحرب الماضية فوَرَّطَ نفسه — ووَرَّط العالم معه — في شر عظيم لم نفرغ من آثاره المنكرة بعدُ. وهو الآن يستجيب لطاغيته هتلر، فيورط نفسه ويورط العالم في شر عظيم لا ندري متى تخلص الإنسانية من آثاره.
والحمد لله على أني لم أنتظر إعلان هذه الحرب لأبغض هتلر ونظامه، وإنما أبغضت هذا الرجل منذ نَجَمَ، وأبغضت نظامه منذ ظهر، وقاومته وقاومت نظامه ما أُتيحت لي المقاومة، وتصوَّرتُه دائمًا على أنه الرجل الذي يقطر ضميره دمًا، والذي لا يرعى حرمة ولا ذمة، والذي يُعادِي العقل فيعادي الإنسانية، ومُثُلَهَا العُليا، وحضارتها الرائعة. وهذه أعماله وهذه أقواله تظهر للناس كما تصوَرتُه منذ استقامت له الأمور، وواتته الظروف. فالحق على كل مفكر يؤمن بالعقل والخلق والضمير والحرية والدين أن يكون لهذا الرجل ولنظامه عدوًّا، وأن يعين عليه وعلى نظامه بما يملِك من قوة وجهد؛ حتى تُرد على الإنسانية حضارتها نقية طاهرة، وضميرها ناصعًا صريحًا.
Tag: Morality
-
هتلر قال لي
-
أخلاق
حديث الوادي
أخلاق . . .
هي أخلاقنا السياسة، فقد يظهر أنها انتهت من الفساد إلى حد يستحيي منه المصري الذي يكبر نفسه وأمته بعض الإكبار، يستحيي منها حتى ليكره أن يتحدث في السياسة المصرية إلى الأجانب، أو أن يتحدث إليه الأجانب فيها.
نعم، وانتهت إلى حد من الفساد يخشى منه الخطر المحقق على مستقبل البلاد، وثباتها أمام المصاعب التي تتكشف عنها الأيام من حين إلى حين، لكل بلد من بلاد الأرض، ولكل جيل من أجيال الناس. ولسنا في حاجة إلى أن نتتبع مواقف الأفراد، موظفين أو غير موظفين، من المسائل السياسية، والمنافع العامة، ولا أن نبعد في البحث حتى نتجاوز المسائل التي يتحدث الناس بها، وتشغل المصريين في هذه الأيام. وإنما نحن قادرون على أن ننظر في هذه المسائل التي تمسنا أحاديثها إذا أصبحنا أو أمسينا، فسترى أنها مظهر لفساد في أخلاقنا السياسية عظيم.
لا تذكر مسألة الكورنيش، وما تكشفت عنه من المخزيات التي حوكم من أجلها من حوكم، ويحاكم من أجلها من يحاكم، ولا نذكر موقف صدقي باشا من هذه المخزيات التي تثار حوله، ثم لا يسأل عنها، ولا نذكر إلحاح صدقي باشا في طلب المحاكمة وحرصه على ألا تتم، ورغبة الوزارة في أن يفتضح من أمر صدقي باشا ما خفي، وحرصها مع ذلك على ألا تحاكمه، ولا تضيق عليه الخناق، ولا تقطع السبيل دون سفره إلى أوربا ليريح ويستريح. لا نذكر هذا كله، فهو يدل من غير شك، على فساد أخلاقنا السياسية، ولكنه على قرب العهد به، وعلى أن ذيوله ما زالت ممتدة لم تقطع بعد، قد أصبح من التاريخ القديم، وأصبح من التاريخ القديم كذلك أمر الاستبدالات، وإن كان التحقيق ما يزال متصلًا فيه. وأصبح من التاريخ القديم كذلك أمر المحاكم المختلطة، هذا الذي أقدمت فيه الوزارة وهي محجمة وأظهرت فيه الوزارة حزمًا وعزمًا، وهي تضمر فزعًا وترددًا وإشفاقًا، وانتهت فيه بعد هذا كله إلى التسليم والإذعان.
كل هذا أصبح تاريخًا قديمًا، أو كالتاريخ القديم، فلا نذكره الآن، ولا نقف عنده، ولا نذكر كذلك تأييد النواب والشيوخ لصدقي باشا ما أقام في الحكم، واضطراب النواب والشيوخ بين صدقي باشا، بعد أن نزل عن الحكم، وانقلاب النواب والشيوخ على صدقي باشا، بعد أن استيأس من العودة إلى الحكم. فهذا أيضًا قد أصبح تاريخًا قديمًا أو كالتاريخ القديم. ولكن اذكر هذه القصة الصبرية المخزية المروعة التي يستحيي المصري منها، ويود لو تبتلعه الأرض حين يتحدث إليه الأجنبي فيها. أذكر قصة هذا الوزير، الذي أقام في الحكم ثمانية أشهر، لا يفكر فيما تأخر من الضرائب، ولا يسأل نفسه كيف تأخر، ولا يحاول أن يعرف لماذا تأخر، ولا يحاول أن يتبين عند من تأخر؟ ثم يبدو له فجأة أن يعنى بهذا كله ويستكشف الخفي من هذا كله، فإذا منشور يكتب سرًّا، ويذاع في المديرين والمأمورين والعمد من وراء ستار. ومع ذلك فقد كان أمر هذه الضرائب المتأخرة، واضحًا غير غامض ومعروفًا غير مجهول. وقد سبقت النذر إلى الوزير بأن قومًا يلتوون بالضرائب، ويتلكأون في أدائها، فلم يُبدِ لهم هذا الوزير صفحة، ولم يكشف لهم قناعًا، حتى كانت هذه الأيام، فإذا الصفحة تبدو، وإذا القناع يكشف، وإذا الوزير مقدام لا يتردد في أن يقف من هؤلاء الملتوين بالضرائب، موقف الغريم الملح من المدين المقصر.
ثم لا تقف عند الوزير وحده، فأمر الوزير يسير، وتفسيره سهل، فالوزير صاحب سياسة والسياسة تتأثر بالظروف، تلين حين تريد لها الظروف أن تلين، وتشتد حين تريد لها الظروف أن تشتد. ولكن قف عند هؤلاء النواب، الذين نيفوا على الثلاثين، والذين يطالبون الوزير بأن يعتذر إليهم من هذا المنشور أو يستقيل. والذين لا يترددون في أن يكتبوا بذلك إلى رئيس مجلس النواب. ويتحدثوا عن ذلك في الصحف، كأنه أمر عادي طبيعي، مما يقع فيه الخلاف كل يوم بين النواب والوزراء. مع أنه أمر من أشد الأمور خطرًا على الحياة السياسية والخلقية جميعًا. هو خطر على الحياة السياسية، لأنه إكراه للوزراء على أن يهملوا القانون ويخالفوه، وعلى أن يطرحوا العدل ويزدروه، على أن يتخذوا المساواة لعبًا، والإنصاف هزءًا، ويكيلوا للمصريين بكيلين، على حين يجب أن يكيلوا لهم بكيل واحد. نعم، وهو خطر على الحياة السياسية، لأنه يلقي في روع المصريين، أن النواب، والوزراء، ليسوا لهم خدامًا، وإنما هم ساداتهم، ومواليهم، يجب أن يمتازوا منهم، ويعلوا عليهم، فمن حاول أن يحقق بينهم المساواة، ناله اللوم والعقاب. وهو بعد هذا كله خطر على الأخلاق وأي خطر على الأخلاق يعدل الاستهانة بالحق، ولوم الوزراء لأنهم أرادوا أن يعدلوا، وأن يردوا على الدولة أموالها، وإنذار الوزراء بالاستقالة، أو الإقالة، لا لشيء، إلا لأنهم أرادوا أن يكون النواب والأغنياء كغيرهم من أبناء الشعب، الذين يختلفون إلى البرلمان، ولا يستمتعون بالثروة والجاه.
هذا كثير، وأكثر منه أن يقره الناس، وأن يحتمله البرلمان، وأن يصبر عليه الوزراء، وأن تستبيح الصحف نشره، والجدال فيه. فكل هذا يدل على أن الحق والعدل والمساواة، قد أصبحت أمورًا قابلة للبحث والجدال، واختلاف الرأي، وتباين النظر، وقد يكون هذا ممكنًا بين الفلاسفة، ولكنه شر كل الشر، حين ينتشر بين الجماهير، لأنه يهدم كل نظام من أساسه، ولأنه يعرض حياة الناس للفوضى التي لا تشبهها فوضى، والفساد الذي لا يدانيه فساد.
لا بد من أن يسحب شيء هذا المساء فيما يقول الناس، وتتحدث الصحف. فإما أن يسحب وزير المالية منشوره ويعتذر منه ليبقى في منصبه، وإذن فسيعلن في مصر أن العدل إثم يعاقب عليه، وأن الحق ذنب يعتذر منه، وأن المحاباة من أساس الصلات بين الناس. وإما أن يسحب النواب كتابهم، الذي أعذروا فيه وأنذروا وهددوا فيه وخوفوا، وإذن فسيعلن في مصر، أن الحق والعدل والمساواة، مضطربة في مصر، تحتاج إلى دعائم تعتمد عليها لتستقر، وإلى جهاد تعتز به لتنبت في الأرض. وكلا الأمرين شر ليس مثله شر.
وكل هذا الخلاف يدور حول مقدار ضخم من المال تأخر للدولة عند فريق من المصريين، فهم يكرهون أن يسألوا عنه، وهم يشفقون من أن يطالبوا به.
أفلو كان هذا المال يلزم هؤلاء المصريين لمصرف من المصارف، أو لفرد من الأفراد، أكانوا يعاقبون، أو يهيئون العقاب لمن يسألهم عنه أو يطالبهم به؟ أكانوا يقاضون المصرف لأنه يطالبهم بأداء الدين؟ أكانوا يقاضون الفرد لأنه يطالبهم برد الحق؟ كلا، ولكن هذا المقدار حق من حقوق الدولة وحقوق الدولة، فيما يظهر، أيسر عند بعض الناس من حقوق الأفراد. وهذا هو الخطر، وهذا هو الشر، لأنه يدل على أن خلقنا السياسي الاجتماعي قد وصل إلى حد من الانحلال مخيف، فلتنظر الوزارة، ولينظر النواب، كيف يدفعون هذا الشر؟ ويحتاطون لهذا الخطر؟ وأكبر الظن، أن ليس إلى هذا من سبيل، إلا أن تتبدل الحال غير الحال، ويستريح قوم قد تعبوا من حمل أثقال الدولة، ويتقدم لحمل هذه الأثقال قوم آخرون، ليس فيهم من يؤثر نفسه بالخير، أو يقدم حقوق الأفراد على حقوق الأمة، أو ينذر الوزراء بالعزل، لأنهم فكروا في تحقيق العدل والمساواة.
طه حسين
حديث الوادي، ١٢ يونية ١٩٣٤. -
محاضرة الآنسة مي
محاضرة الآنسة مي
لا أعرف شيئاً يحتاج إلى أن يقام عليه الدليل، وإلى أن يتكلف أصحاب المنطق والنظر له الحجج والبراهين، كالبديهيات التي يخيل إلى الناس أنها أوضح من أن تحتاج إلى دليل، وأبين من أن تحتاج إلى دليل، وأبين من أن تحتاج إلى أن تكد في إثباتها العقول، وقد زعموا لنا أن بعض أصحاب الرياضة يشك في أوليات الرياضة، ومن يدري لعل شكهم هذا ينتهي إلى أن هذه الأوليات بعيدة كل البعد عن أن تكون من الأوليات!. كنت أفكر في هذا كله أمس، حين كنت أذهب إلى الجامعة الأمريكية، لأسمع للمحاضرة التي كانت الآنسة الجليلة (مي) تريد أن تلقيها، لأن موضوع هذه المحاضرة كان يدعو إلى مثل هذا التفكير، فقد زعموا لنا أن الآنسة كانت تريد أن تظهر فضل المرأة على الحضارة الإنسانية، وأعترف بأني لم أشك في يوم من الأيام ولا في لحظة من اللحظات بأن للمرأة على الحضارة الإنسانية فضلاً لا يجحد، كما أن للرجل على الحضارة الإنسانية فضلاً لا يتاح الشك فيه إلا لأمثال هؤلاء الرياضيين الذين لا يجزمون بأن الأربعة إذا قسمت على اثنين كانت نتيجة القسمة اثنين، وكنت أسأل نفسي عما تريد الآنسة (مي) أن تقول لتبين لنا فضل المرأة على الحضارة الإنسانية، فذلك شيء لا يحتاج إلى أن يقول فيه قائل، أو إلى أن يثبته مثبت، ولكن ما رأيك في أني سمعت المحاضرة، وانصرفت إلى داري وأنا أشك شكاً عظيماً في أن للمرأة فضلاً على الحضارة الإنسانية؟ وأسأل نفسي عما أرادت الآنسة (مي) إليه بمحاضرتها القيمة الممتعة، أرادت أن تقنعنا بأن للمرأة فضلاً على الحضارة؟ أم أرادت أن تشككنا في ذلك؟ وتبسط عليه سلطان الريب في نفوسنا، ومن يدري لعل أديباً من الأدباء البارعين أن يفكر ذات يوم في أن يثبت فضل الرجل على الحضارة فينتهي في نفسي إلى ما انتهت إليه الآنسة (مي) أمس من إثارة الشك والريب.
وإذن أنا مقتنع بأن الحضارة الإنسانية قد أنشأت نفسها وليس للرجل عليها فضل، ولا للمرأة عليها فضل، وإنما هي صاحبة الفضل عليهما جميعاً لأنها أنشأتهما إنشاءً، ومتعتهما بما ينعمان به من لذات الحياة وآلامها، فهما ينعمان بالآلام كما ينعمان باللذات، وآية ذلك أن الآلام تلهمهما روائع الشعر والنثر والفن، وتحيي في نفوسهما من الفضائل، وجميل الخلال ما يملؤها متاعاً ولذة وشعوراً بالكرامة، وأملاً في المستقبل وحباً للحياة، فالرجل والمرأة إذن ينعمان بالآلام كما ينعمان باللذة، ولعل أديباً من الأدباء الذين لهم حظ الآنسة (مي) من البراعة وأنهم لقليلين يستطيع أن يقنعني كما أقنعتني الآنسة أمس بأن ليس للرجل على الحضارة فضل، كما أنه ليس للمرأة على الحضارة فضل، وإنما الفضل للحضارة عليهما جميعاً. أنبأتنا الآنسة أمس بأن المرأة وحدها هي التي أنشأت الحضارة إنشاءً وأعانتها على التطور والرقي، وابتكرت ما يزينها من العلوم والفنون والآداب، فأما أن المرأة أنشأت الحضارة إنشاءً فشيء فيما يظهر لا سبيل إلى الشك فيه، لأن كتب الدين كلها تنبئنا به، فلولا أن حواء أغواها الشيطان فأكلت من الشجرة، وعضت تلك التفاحة لما طرد آدم وزوجه من الجنة، ولولا أنهما طردا من الجنة لما هبطا إلى الأرض، ولولا أنهما هبطا إلى الأرض لما عملا فيها، ولولا أنهما عملا فيها لما كانت الحضارة، وإذن فالحضارة أثر من آثار حواء، لأن حواء هي التي أكلت من الشجرة، وهي التي جرت على نفسها وعلى زوجها هذه العقوبة، وإذن فنحن الرجال ننعم بالحضارة راغمين، ننعم بها لأن خطيئة أمنا حواء قد أكرهتنا عليها إكراهاً، ولكن حواء لم تأكل من الشجرة لأنها اشتهت ما كانت تحمل الشجرة من التفاح، وإنما أكلت من الشجرة لأن الشيطان هو الذي دلها على الشجرة، وزين لها التفاحة، وحببها إلى قلبها ودفعها إلى أن تأكلها دفعاً، والغريب أن حواء لم تأكل من الشجرة وحدها، وإنما أكل معها زوجها، وأكبر الظن أنهما اقتسما التفاحة نصفين، فذهب كل منها بأحد شطريها، فالحضارة إذن ليست أثراً من آثار حواء وحدها، وإنما هي أثر من آثار حواء وآدم أيضاً، وإذن فلنا نصف الحضارة وللنساء نصفها، ولكن النساء لا يكرهن الظلم ولا يأبين التجني، وأعظم من هذا أن أبانا آدم وأمنا حواء إنما دفعهما الشيطان إلى هذه التفاحة، فلما أكلا منها بدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة، ثم طردا منها طرداً، فليست الحضارة إذن من آثارهما، إنما هي أثر من علم الشيطان، والشيطان رجيم، فلترجم معه الحضارة.
وليت شعري أمما تتمدح به المرأة، أنها قد أنشأت الحضارة على هذا النحو، وأقامت بناءها الشاهق على الخطيئة، وبدأتها هذا الابتداء السيء الذي هو إعراض عن أمر الله، وإقبال على أمر الشيطان، أليس من حقنا نحن الرجال أن نلوم المرأة، ونغرق في لومها لأنها لم تستطع أن تقاوم الشيطان ولأنها دفعتنا إلى هذه الحضارة الآثمة دفعاً؟ ومن يدري لو أن أمنا حواء لم تقترف هذا الإثم، ولم تتورط في هذه الخطيئة، ولم تفتتن بحديث الشيطان، ولم تتهالك على طعم التفاحة وريحها ولونها أيضاً، من يدري لعلها لو لم تفعل شيئاً من ذلك لنشأنا نشأة أخرى.
ولعل هذه النشأة الأخرى أن تقيم لنا حضارة أطهر من حضارتنا هذه وأنقى وأشد امتناعاً على الآثام وبعداً عن السيئات، بل ليس من شك في أن أمنا حواء لو أطاعت أمر الله، وعصت أمر الشيطان لعصمتنا من الشر، وبرأتنا من النكر، وحمتنا من كل ما نتعرض له من ألوان الغي والبغي والضلال والفساد، فلم تحسن أمنا إلينا إذن بإنشاء الحضارة، ومتى كانت إطاعة الشيطان إحساناً؟
ولكننا نحن الرجال نحب العدل ونكلف بالرحمة، ونكره الطغيان، ولا نريد أن تستقل المرأة بوزر هذه الحضارة، وتحتمل وحدها آثامها وإثقالها، فنحن نشاركها في هذه الآثام والأثقال، لأننا نعترف بأن أمنا لم تأكل التفاحة وحدها، ولو قد أكلتها وحدها لطردت من الجنة وحدها، ولو قد هبطت إلى الأرض وحدها لما استطاعت أن تعمل ولا أن تجد، ولا أن تنشئ حضارة ولا أن تعيش، فهي محتاجة إلى الرجل لتحسن، وهي محتاجة إلى الرجل لتسيء، لم تعش في الجنة وحدها قبل الخطيئة، ولم تهبط إلى الأرض وحدها بعد الخطيئة، وإنما عاشت في الجنة مع الرجل، وهبطت إلى الأرض مع الرجل، أطاعت أمر الله مع الرجل، وأطاعت الشيطان مع الرجل، وأكلت التفاحة فهوت مع الرجل، ونحن الرجال أكرم مما تظن الآنسة مي، وأحب للرحمة وأحرص على العدل. فنحن لا نحمل أمنا حواء شيئاً من الإثم، وإنما نحمل هذا الإثم كله أبانا آدم، ولا بأس عليه من ذلك فقد تلقى من ربه كلمات بعد ذلك فتاب عليه، ذلك أن حواء لم تخلق من الطين مباشرة كما خلق آدم، وإنما خلقت من آدم، فآدم هو الذي سبقها إلى الوجود، وهو الذي سبقها إلى الحياة، وإذا كانت قد خلفت منه، فقد أخفت عنه هذا الضعف الذي حبب إليها التفاحة، ودفعها إلى الخطيئة، ثم إلى إنشاء الحضارة، فما في طبيعتها من الضعف مستمد من الرجل، وما في طبيعتها من القوة مستمد من الرجل، وإذن فليست هي التي تحتمل وزر التفاحة، وما نشأ عنه من الآثار، وإنما يحتمله آدم، ثم يحتمله بعده أبناؤه من الرجال، أرأيت يا آنسة أننا أكرم مما تظنين، وأحرص على العدل مما تظنين؟ ليست الحضارة خيراً، وإنما هي شر لأنها من عمل الشيطان، فنحن نرفع عن النساء أثقالها، ونحمل عن النساء أوزارها، وأي شيء نستطيع أن نبخل به لحماية النساء من كل شر، ووقايتهن من كل وزر، كلا، للمرأة على الحضارة فضل عظيم، وهو أنها لم تنشئها وإنما احتملتها، ولم تقترف إثمها وإنما خففت هذا الإثم وهونت علينا احتمال أثقاله، وأعانتنا على ما تكلفنا الحضارة في كل يوم من البأساء والضراء، أليس هذا خير من إيثار السبق، وهذه الرغبة في التفوق التي تظهرها المرأة في هذه الأيام، وأغرب من هذا أن الآنسة مي تحدثت إلينا أمس بأننا مدينون للمرأة وللمرأة وحدها باعتدال القامة، واستقامة القدود، والمشي على رجلين بعد أن كنا نمشي على أربع! ومع أنني لا أعرف كيف استطاعت المرأة أن تقوم قاماتنا وتعدل قدودنا وتقيمنا على رجلين بعد أن كنا نمشي على أرجلنا وأيدينا، مع أني لم أعرف هذا، ولن أستطيع أن أعرفه فيما يظهر لأني لم أفهم نظريات التطور، وأنا يائس من فهمها بحمد الله، فإني قد غمرتني الحيرة أمس حين سمعت هذا الكلام، فهل كنا نمشي على أربع بعد أن هبطنا إلى الأرض؟ أم هل كنا نمشي على أربع قبل أن نخرج من الجنة؟ فإن تكن الأولى فلم مسخ آباؤنا، وقد كان أبونا آدم وأمنا حواء يمشيان على رجلين لهما قامة معتدلة وقد مستقيم، وإن تكن الثانية فلم يكن إذن أبوانا على صورتنا هذه التي نعرفها، إنما كانا يمشيان على أربع، لم يكن رأساهما إلى السماء، إنما كان رأساهما إلى الأرض، فنحن خير منهما حالاً، وأجمل منهما شكلاً من غير نزاع، ومصدر هذه الحيرة فيما يظهر هو أن الآنسة (مي) أرادت أن تجمع بين العلم والدين، وما أصعب الجمع بينهما في كثير من الأحيان! فالدين فيما يظهر لا يرضى لنا أن نكون من نسل القردة، والعلم أو بعض العلم على أقل تقدير لا يكره أن نكون من نسل القردة أو غير القردة من الحيوان، والآنسة (مي) تريد أن نكون من نسل القردة وأن نكون من نسل آدم وحواء، وليت شعري كيف كان شكل آدم وحواء في رأي الذين يريدون أن يجمعوا بين الدين وبين مذهب أصحاب التطور؟ أما أنا فقد قلت وما زلت أقول، أني لم أفهم نظرية التطور وليس يعنيني أن أفهمها لأني أوثر أن أكون من سلالة رجل خلق معتدل القامة مستقيم القد يمشي على رجلين، أوثر ذلك على أن أكون من سلالة القرد أو غيره من الحيوان الذي يمشي على أربع، وينظر إلى الأرض لا إلى السماء، ولعل أجمل ما كان في المحاضرة آخرها، وهو هذه الأسطورة المصرية الجميلة التي تحدثنا بأننا مدينون لحياة امرأة هي إيزيس التي بكت فجرى من دموعها النيل، هذا عندي أجمل ما كان في المحاضرة وأظرفه، ولكنه من الأسف الشديد ككل شيء جميل، وككل شيء ظريف، لا يثبت للنقد والتحليل في هذه الحياة الدنيا، فمن يدري من تكون إيزيس، وأين كانت وكيف كانت، ومن يدري لعل النيل لم يجرر من دموع هذه الإلهة الرحيمة في رأي الأساطير، وإنما هو ينبع من تحت العرش كما يقول بعض الصالحين، والشر كل الشر ما يقوله العلماء، وويل للناس من العلماء! فهم يزعمون أن النيل ينبع من تلك البحيرات التي مهما تعظم ويرتفع شأنها عند العلماء والشعراء فهي بحيرات حقيرة لا تعدل دمعة من دموع إيزيس، ولا تعدل قطرة من هذا الماء السلسبيل الذي يجري تحت العرش.
أحسن الله جزاء الآنسة مي، فقد أمتعتنا أمس، أمتعتنا إلى غير حد، فكاهة حلوة، وحديث عذب، وصوت حلو. ولكني أخشى أن تغضب الآنسة، وويل لي منها إن غضبت، ومن يدري لعلها قد غضبت منذ قرأت السطر الأول من هذا الكلام، وإذن فأنا أشهد قراء الرسالة جميعاً على أني معتذر إليها أصدق الاعتذار وأخلصه، ضارعاً إليها أن تغفر لي هذه الهفوة، هفوة التحدث عن محاضرتها القيمة على هذا النحو، ولكني لست وحدي ملوماً في ذلك، فهي التي ألهمتني هذا الحديث، وقد زعمت لنا أمس أن نابليون كان يقول في كل شيء (فتش عن المرأة) فإذا لم يكن بد من أن يلام أحد على هذا الحديث فالآنسة (مي) هي الملومة، ولكني أحتمل عنها هذا اللوم كما احتمل أبونا آدم عن أمنا حواء إثم التفاحة، وأعتذر إليها من هذا الحديث وهي بطبيعتها أرحم وأدنى إلى الحنان من أن تأبى قبول المعذرة.
طه حسين
الرسالة – العدد 37 – بتاريخ: 19 – 03 – 1934 -
إغراء
إغراء
كانت المسيحية تنتشر في أقطار الأرض انتشارا سريعا منذ ثمانية عشر قرنا. وكان اعتناق المسيحية في ذلك الوقت جريمة يعاقب عليها القانون الروماني بالموت. وكان الناس يدخلون في هذا الدين سرا، ويخفون إيمانهم به وإقامتهم لشعائره. وكان يسعى بعضهم لبعض، ويكيد بعضهم لبعض، ويدل بعضهم على بعض. فارتفعت إلى حاكم من حكام الأقاليم في آسيا سعايات كثيرة بقوم كثيرين دخلوا في هذا الدين الجديد، ووقف هذا الحاكم موقف التردد والحيرة من هذه السعايات: أيصغي إليها أم يعرض عنها؟ فكتب إلى روما يستفتيها وأجابته روما بهذا الجواب البديع: من سعى بغير فليس منا، وما ينبغي أن تكون السعاية وسيلة من وسائلنا إلى الحكم، فإن ارتفعت إليك الدعوى على أحد أنه دخل في هذا الدين وقامت عليه البينة لديك فأنفذ فيه حكم القانون. وإلا فلا تجعل لنفسك على الناس في هذا سبيلا.
وأمضى الحاكم هذا الأمر فلم يأخذ بالسعاية ولم يسمع لوشاية الواشين ولم يبث على الناس عيونا ولا أرصادا، ولا جواسيس ليتبين من أمرهم ما كان يجب أن يتبين، فقد كان الدخول في الدين الجديد خروجا على قوانين الدولة، وإهدارا لما كان للإمبراطور في أعناق الناس من واجب العبادة والتقديس، وتحللا من واجب آخر لم يكن أقل من هذا الواجب خطرا، واجب النهوض بالدفاع عن سلامة الإمبراطورية.
كان ذلك في عهد تراجانوس الإمبراطور، وكان الحاكم كلينيوس الصغير، وكان تاريخ القصة أول القرن الثاني للمسيح. وكان الإمبراطور وحاكمه وثنيين. ولم يكن العالم قد بلغ من الرقي والحضارة ما بلغه الآن بفضل نمو العقل، وانبساط سلطانه على حياة الناس وعلى الأشياء، ولم يكن العالم قد بلغ من الرقي الديني والخلقي ما بلغه في هذه الأيام بفضل انتشار الديانات السماوية وسيطرتها على العقول والقلوب، وتأثيرها في سيرة الناس وتفكيرهم وفي سياستهم العامة والخاصة معا.
وفي هذا القرن الذي نعيش فيه بعد أن بلغ العقل ما بلغ من الرقي، وبعد أن انتشر نور الديانات السماوية بين الناس فأحيا القلوب والنفوس، وبين سبيل الخير وسبيل الشر وأوضح للناس طريق المعروف ليسلكوها، وطريق المنكر ليجتنبوها.
في هذا القرن العشرين كثرت طائفة بعينها من الجرائم في بلد بعينه من البلاد، وعجزت حكومة بعينها من الحكومات عن قمع هذه الجرائم، لأنها عجزت عن استكشاف المجرمين. فلما ضاق بها الأمر، وأعيتها الحيلة وسدت عليها السبل، رأت أن أوضح السبل إلى أخذ المجرمين وتقديمهم إلى القضاء ليلقوا جزاءهم على ما اقترفوا من إثم، واجترحوا من سيئة إنما هو تشجيع الساعين أن يسعوا والواشين على أن يشوا، والكائدين على أن يكيدوا، والمفسدين على أن يفسدوا، والعابثين بالأخلاق على أن يعبثوا بالأخلاق.
وكانت هذه الحكومة قد ظفرت في وقت من الأوقات بطائفة من الآثمين سعى بعضهم ببعض فقدمتهم إلى القضاء، وأجرى فيهم القضاء أمر القانون حازما صارما، ليست فيه هوادة ولا لين. فراع هذا الحكم غير هؤلاء الآثمين من الناس فانقطعت السعاية ووقفت الوشاية، وأمن الأبرياء من أن يزجوا في أعماق السجون أشهرا حتى يظهر القضاء براءتهم، وعمي أمر المجرمين على الشرطة، ولم تمكنها وسائلها الخاصة من أن تستكشف هؤلاء المجرمين بنفسها فسعت وألحت في السعي، وطلبت وألحت في الطلب حتى صدر العفو عن أشد هؤلاء الآثمين إثما، وأكثرهم إغراقا في السعاية والوشاية والكيد فحُطِّمت عنه الأغلال وانحلت عنه السلاسل، وانفرجت عنه أبواب السجون وانطلق حرا يستمتع بما يستمتع به الناس من الحياة والضوء والهواء الطلق ومُنح حظه من مكافأة كانت قد أُرصدت لمن يدل الشرطة على الآثمين.
كان مقضيا عليه بالأشغال الشاقة خمسة عشر عاما، فقضى فيها أحد عشر شهرا، وخرج فإذا بألف من الجنيهات تنتظره على باب السجن أو في مكتب من مكاتب الإدارة ليذوق لين العيش بعد خشونته، ولذة الحياة بعد آلامها، وليكون غنيا بعد فقر، ناعما بعد بؤس، سعيدا بعد شقاء. والعفو فضيلة من الفضائل يحمد الناس إن آثروها ولا سيما إن آثروها وهم قادرون على البأس والبطش. فمن الحق أن يُحمد لهذه الحكومة التماسها العفو عن هذا السجين، وقد كانت قادرة على أن تبقيه في السجن. والجود فضيلة من الفضائل يحمد الناس إن آثروه، ولا سيما إن آثروه وقت الحاجة إليه. فمن الحق أن تُحمد الحكومة حين تمنح هذا البائس ألفا من الجنيهات، وقد كان محروما لا يجد ما ينفق بعد أن انفرجت عنه أبواب السجون.
ولكن العفو فضيلة حين يُقصد لنفسه، وحين يُراد به وجه الله. والجود مأثرة حين يُقصد لنفسه وحين يُراد به رفع الكرب عن المكروبين، ورد الحرب عن المحروبين. فأما إذا طلبت العفو لتغري بمثل ما تورط فيه هذا الذي طلبت العفو عنه من سعاية ووشاية وكيد، فأما إن أنعمت لتغري بمثل ما تورط فيه هذا الذي أنعمت عليه من سعاية ووشاية وكيد، فأنت لم تؤثر عفوا، ولم تصطنع جودا، وإنما عرضت الأخلاق لشر عظيم، ووضعت ضمائر الناس في الأسواق للبيع والشراء، وفتحت على الأبرياء الآمنين أبوابا من الشر منكرة، لا سبيل إلى أن تُغلق إلا بعد الكد والجهد، وبعد المشقة والعناء، وبعد أن يُبلى عدل القضاء في ذلك بلاء حسنا عظيما معقدا أشد التعقيد. واتخذت الفضيلة وسيلة إلى غير الفضيلة، والمعروف وسيلة إلى غير المعروف. وأفسدت على الناس قيم الأشياء، وشككت الناس في الخير والشر، وجعلتهم خليقين أن يزدروا الاستقامة، ويؤثروا عليها الاعوجاج، وأن يعافوا البر ويؤثروا عليه النكر، وأن يسألوا أنفسهم: أيهما ينبغي أن نصدق؟ أهو ما تنبئنا به كتب الدين والأخلاق من أن البر والخير والمعروف وحسن السيرة واستقامة المسعى أمور تليق بكرامة الناس وأتقيائهم، وتضمن لهم رضا الله ومثوبته؟ أم هو ما يغرينا به مثل هذا الحلم ومثل هذا الجود من إيثار السعاية والوشاية وحب الدس والكيد، ونصب الحبائل للأبرياء؟ أيهما ينبغي أن نسمع له ونصغي إليه؟ أهو هذا الذي يقال من أن الحكومة في البلاد المستنيرة المؤمنة إنما أُنشئت لتقيم العدل بين الناس بالعدل، لا بالجور، ولتكشف شر الناس عن الناس بالقسط لا بالظلم، ولترغب الناس في الخير وتعينهم عليه وتمكنهم منه؟ أم هو هذا الذي يلقيه في روعنا مثل هذا الحلم ومثل هذا الجود من أن الغاية تبيح الوسيلة، ومن أن الحلم يمكن أن يُبذل ثمنا للكيد، ومن أن الجود يمكن أن تُشترى به السعاية والوشاية والشر.
كل هذه الخواطر تضطرب بها نفوس المصريين جميعا منذ أمس، وتخفق لها قلوب المصريين جميعا منذ أمس، وتتحدث بها ألسنة المصريين جميعا منذ أمس. فإن هذه الخطوة التي خطتها الوزارة حين استصدرت العفو عن هذا السجين البائس قد تفيد — على شك كثير في ذلك — في إعانة الشرطة على استكشاف من أعجزها استكشافه من الآثمين، ولكنها ستضر أكثر مما تنفع، وستفسد أكثر مما تصلح، وستغري الناس بالشر أكثر مما تنهاهم عنه، وسترغب الناس في الإثم أكثر مما تنفرهم منه. ويكفي أنها ستشكك الناس تشكيكا فظيعا مخيفا في هذا الذي تجري به ألسنة الوعاظ والأتقياء والمعلمين والمؤدبين من صنع الخير والثناء عليه، ومن الإشادة بحسن السيرة، ونقاء الضمير. وكم كنا نحب أن تفكر الوزارة فتحسن التفكير، وأن تروي الوزارة فتحسن التروية، وأن تسأل الوزارة نفسها أيهما أحق بالعناية وأولى بالرعاية؟ أهو استقامة الأخلاق العامة، وطهارة ضمائر الناس، أم هو إعانة الشرطة من طريق معوجة ملتوية على ما عجزت عن الوصول إليه.
أما نحن فنعتقد اعتقادا لا يشوبه الشك أنه قد كان على الوزارة واجب قصرت فيه، وهو أن تتبين الأسباب التي دعت إلى عجز الشرطة فتغيرها. وأكبر الظن أن هذه الأسباب موجودة في الشرطة نفسها وفيما تجري عليه من نظام، فلو قد غيرت الوزارة من نظام الشرطة ما ظهر أنه سبيل إلى هذا العجز لكان هذا خيرا للأمة والحكومة معا، ولكان هذا أبقى على دين الناس وأخلاقهم ورأيهم في قيمة الدين والأخلاق.
ما كان أجدر الوزارة بأن تعرض عن نصح هؤلاء الناصحين الذين يخيلون إليها أنها وُجدت لنفسها لا للناس، وأن كل وسيلة مهما تكن فهي مشروعة ما دامت تمكنها من الحياة وطول البقاء. إن هذه الخطوة التي خطتها الوزارة تضيق بشيء، فهي تريد أن تخلص من هذا الضيق دون أن تفكر في قيمة الوسائل التي تتخذها للخلاص من هذا الضيق.
إن هذه الخطوة التي خطتها الوزارة أمس دليل واضح على أنها تؤثر بقاء نفسها وراحتها على أمن الناس وراحتهم واطمئنانهم إلى ما يأمر به الدين، وما تأمر به الأخلاق.
أما وقد فتحت الوزارة هذا الباب فتستطيع أن تثق منذ الآن بأنها فتحت بابا عظيما من أبواب الشر، وبأن كثيرا من الأبرياء الوادعين سيلقون من صروف الكيد وصنوف الدس ما ينغص عليهم الحياة، وبأن القضاء نفسه سيلقى من الجهد والمشقة ضروبا وألوانا ليستنقذ الأبرياء من حبائل الساعين والواشين، وليفرق بين هؤلاء الذين قد يُقدَّمون إليه ظلما، وقد يذوقون عذاب السجن ظلما، وبين هؤلاء الذين سيُقدَّمون إليه وهم أهل لما أرصد القانون من عقاب الآثمين.
كوكب الشرق في ٥ – ٨ – ١٩٣٣ -
العفو
العفو
إذا مرض الممثلون انصرفوا عن التمثيل، وإذا مرض المغنون كفّوا عن الغناء، وإذا مرض اللاعبون أعرضوا عن اللعب، وإذا مرض الوزراء تعلّقوا بالوزارة، وتهالكوا عليها، وشدّوا أجسامهم إلى كراسيها بأمراس من الكتان، كما يقول امرؤ القيس.
ومن الممثلين والمغنين من يعتزلون التمثيل ويكفّون عن الغناء قبل أن تتقدم بهم السن، ويدركهم الضعف؛ لأنهم يعلمون حق العلم أن لكل شيء أمدًا لا يتجاوزه، وحدًا لا يعدوه. وأنهم إن مضوا في التمثيل والغناء حتى يدركهم الضعف عجزوا وقصروا، وأثاروا في النفوس عاطفتين مختلفتين: عاطفة السخط عند قساة القلوب المؤثرين لأنفسهم باللذة والمتاع، وعاطفة الرحمة والإشفاق عند رقاق الأفئدة، الذين يؤثرون الضعفاء بالعطف والرثاء.
وقد رأينا الممثلة الشهيرة «مارتيه» تترك بيت موليير سنة ١٩١٧ وهي في أوج مجدها؛ لأنها كرهت أن تتقدم بها السن فيتحول إعجاب الناس بها رثاءً لها، أو سخطًا عليها. ورأينا «سلفان» الممثل العظيم يبقى في بيت موليير على تقدم سنه حتى لقِيَه قوم بالرثاء، وآخرون بالصفير والعلاء.
وكذلك رأينا من رؤساء الوزارات من يحس الضعف أو تعتل صحته اعتلالًا يسيرًا فيستقيل، حتى لا تتعرض مصالح الدولة للخطر، وحتى لا تصبح كفايته مثارًا للقيل والقال. ورأينا منهم قومًا يلمّ بهم المرض فيطيل الإلمام، وينزل بهم الضعف فيطيل الإقامة، فلا يستقيلون ولا يستمعون لنصح الناصحين بالاستقالة، وإنما يحتفظون بمناصبهم، وكأنهم لا يكرهون أن يكون المرض لهم رفيقًا في طريقهم هذه التي يسلكونها في بطء، حتى يتهووا إلى غايتها، وهي اعتزال الحكم راضين أو كارهين.
رأينا من الممثلين أولئك وهؤلاء، ورأينا من رؤساء الوزارات أولئك وهؤلاء، وثارت في نفوسنا لأولئك وهؤلاء عواطف الرحمة حينًا، وعواطف الضيق والسخط عليهم حينًا آخر. وكم كنا نحب أن يكره رئيس وزرائنا لنفسه أن يثير هذه العواطف أو تلك. فهذه الصحف قد أخذت أمس واليوم تعلل اضطرابه وتهافته أمام تلك البرقية التي نشرتها الأهرام أول أمس، واستلحقتها بالبلاغ أمس، بأن صحته قد ضعفت، وأعصابه قد وهت، فأصبح عاجزًا عن المقاومة، قاصرًا عن ضبط النفس والسيطرة على الأمور. ولو كان صحيحًا قويًا موفور النشاط، مسيطرًا على نفسه وعلى غيره أيضًا، لما احتاج إلى هذا التصريح الطويل الذي أذاعه في الصحف أمس، والذي لا يثبت شيئًا ولا ينفي شيئًا، ولا يدل إلا على شيء واحد، هو أن الأمور قد أفلتت منه، وتفرقت عليه، فلا يستطيع لها ضبطًا ولا تصريفًا!
والناس يزعمون أن من أشد أعراض المرض الذي نرجو أن يبرئ اللّٰه منه رئيس الوزراء: النسيان، واعوجاج التفكير، والعجز عن حسن الاستنباط. وقد كان جماعة منهم يتحدثون أمس في تصريح رئيس الوزراء، ولم يكونوا جميعًا من خصوم الرئيس، ولم يكونوا جميعًا من أصدقائه؛ وإنما كان منهم من يخاصمه، وكان منهم من يؤيده ويسرف في تأييده. وكانوا جميعًا ينكرون هذا التصريح؛ ينكره بعضهم في سخط، وهم الأصدقاء، وينكره بعضهم الآخر في إشفاق، وهم الخصوم.
ووقفوا جميعًا عند آخر هذا التصريح حين يتحدث رئيس الوزراء عن أسطورة الوزارة القومية، فيضع لهذه الوزارة شروطًا وقيودًا كتلك التي وضعها السير برسي لورين منذ عام، والتي نشرتها «الأفريكان وورلد»، وتحدثت عنها الأهرام، وخاضت فيها الصحف منذ أسابيع، والتي تحتم على الذين يميلون إلى الوزارة القومية أن يؤمنوا بالدستور الجديد، ويذعنوا لمنفذيه، ويضعوا أيديهم في أيدي هؤلاء المنفذين، والتي ترى أن في البلاد دستورًا يجب أن يُطاع ويُحترم، وأن هذا الدستور يقتضي ألا تؤلف الوزارات القومية إلا على اتفاق مع الأحزاب البرلمانية القائمة!
وقف هؤلاء الناس عند هذا الموضع من تصريح رئيس الوزراء، فضحك بعضهم منه، ورثى بعضهم له. وقال بعضهم لبعض: لقد نهض رئيس الوزراء بالحكم منذ ثلاثة أعوام، وفي مصر دستور قائم كان رئيس الوزراء ممن أقسم يمين الإخلاص له والوفاء بحقه. وفي مصر برلمان أنشأه هذا الدستور، وكان من الحق على كل من يؤلف الوزارات أن يتفق مع أحزابه، ويجدّ في الظفر بثقته والوصول إلى رضاه. فما بال رئيس الوزراء لم يرع هذا الأصل الدستوري يوم ألف وزارته؟ ما باله لم يذعن للدستور ولم يرع حرمته، وقد كان أقسم ليذعنن له، وليرعين حرمته؟ ما باله لم يقم وزارته على رضا البرلمان والاتفاق مع أحزابه؟ ما باله ألغى ذلك الدستور، واستحدث مكانه دستورًا آخر، وصرف ذلك البرلمان، وأقام مكانه برلمانًا آخر؟ أكان يومئذ يؤمن بأنه يقترف إثمًا، فمن أظلم ممن يقترفون الإثم وهم يعلمون أنهم آثمون؟ أم كان في ذلك اليوم يؤمن بأنه إنما يأتي أمرًا مباحًا، فما بال هذا الأمر يباح له ويحرم على غيره؟ ومن الذي زعم أن مقاييس الأخلاق والقانون والنظام تقصر على رجل دون رجل، وعلى فريق دون فريق، فيُرى شرًّا ما يأتيه صدقي باشا، ولا يُرى شرًّا ما يأتيه غير صدقي باشا؟
إن الذين يشرعون للناس هذه السنن السيئة خليقون ألا يغضبوا ولا يسخطوا حين يلقاهم الناس بما شرعوا لهم من شر. إن الذين يفتحون للناس أبواب الخروج على النظام والاعتداء على الدستور خليقون ألا يجزعوا حين يدخل الناس من هذه الأبواب التي فتحوها، فيهيئوا أنفسهم ليحدثوا مثل ما أحدث السابقون لهم، والدافعون لهم إلى الشر. إن الذين يعرضون للنظم القائمة فيبدلون فيها ويغيرون، لا لشيء إلا لأنها لا تلائم آراءهم وميولهم ومنافعهم، خليقون أن يعلموا أنهم يفرضون على أمة كاملة هذه الآراء الخاصة، والميول الخاصة، والمنافع الخاصة؛ فهم خليقون أن يلقوا من غيرهم مثل ما لقِيَ غيرهم منهم، فضلًا عن أن تحاسبهم الأمة على ما أهملوا من منافعها، وما ضيعوا من حقها، وما أهدروا من كرامتها.
لقد شرع رئيس الوزراء للطامعين في الحكم، والمتهالكين عليه، سنة إلغاء الدستور وصرف البرلمان. فلا ينكر أن ينجم في مصر من أصدقائه أو من خصومه من يفعل اليوم بالدستور الجديد والبرلمان الجديد مثل ما فعل هو أمس. وما دام الطمع في الحكم، والطموح إلى السلطان، والجشع إلى المناصب وما تغل من ثروة وجاه، ما دام هذا كله يبيح للناس أن يحنثوا في الأيمان، وأن يلغوا المواثيق والعهود، وأن يضعوا دستورًا مكان دستور، ويدعوا برلمانًا مكان برلمان، فقد فُتح على الأمة باب شر عظيم، وقد وُضعت حياة الأمة على شفا هوة عميقة توشك أن تتردى فيها بسياستها وأخلاقها ونظمها الاجتماعية، إذا لم يكن لها من الصبر والثبات وضبط النفس، والأمل في المستقبل، والثقة باللّٰه، ما يعصمها من السقوط.
تحدث أولئك الناس بهذا كله، وقال بعضهم لبعض: لولا أن رئيس الوزراء مريض لما نمّ على نفسه بهذا الحديث. وقال بعضهم لبعض: لولا أن رئيس الوزراء مريض لما قال في نفسه بلسانه وفي صحيفته ما يقول خصومه فيه منذ ثار بالدستور فألغاه، ومنذ ثار بالبرلمان ففرقه، ومنذ ثار بالحرية فألقاها في أعماق السجون، وقيدها بأثقل القيود والأغلال.
ولولا أن رئيس الوزراء مريض لما أنكر على خصومه ما أباحه لنفسه، ولما نهى الناس اليوم عما كان يدعوهم إليه منذ أعوام. فإلام كان يدعو رئيس الوزراء حين ألف وزارته؟ كان يدعو إلى الثورة بالدستور، وكأن يدعو إلى الخروج على النظام. ولو أنه دعا إلى ذلك وألح فيه قبل أن يتولى الوزارة ويظفر بانحياز الإنجليز له، وتأييدهم إياه، لكان حق الحكومة القائمة يومئذ أن تقفه أمام القضاء ليسأله عن ثورته بالدستور وخروجه على النظام. ولكنه فعل ذلك وهو رئيس الوزراء، فعل ذلك وأزمة الحكم في يده، وقوة الدولة مسخرة له، فلم يستطع أحد أن يقفه أمام القضاء، ولا أن يأخذه بما فعل. وإنما استطاع معارضوه، الذين كانوا يومئذ وما يزالون ينصرون القانون، ويؤيدون الدستور، ويرعون حرمة النظام، استطاع هؤلاء المعارضون أن ينكروا عليه سيرته، وهم ما يزالون ينكرون عليه سيرته، وقد لقوا منه، وما يزالون يلقون منه، شرًّا عظيمًا وبلاءً ثقيلًا.
بهذا كله تحدث أولئك الناس أمس. ويستطيع رئيس الوزراء أن يثق بأن الناس يتحدثون بهذا وبأكثر منه، وأن الناس سيتحدثون بهذا وأكثر منه ما دام مستأثرًا بالحكم، مسيطرًا عليه. يستطيع رئيس الوزراء أن يثق بأن الذين يزينون له موقفه، ويصورون له أنه منتصر على طول الخط، وأن رأي الناس فيه حسن كل الحسن، يخدعونه ويكذبون عليه. يستطيع رئيس الوزراء أن يثق بهذا، وأن يرجع به على نفسه، وأن يفكر فيه فيطيل التفكير. وهو إن فعل لم يلم هؤلاء الذين يحلمون بالوزارة القومية ويسعون إليها إن فكروا في أن ينتهزوا الفرص ويثبوا إلى الحكم دون أن يتقدموا إليه بالمودة، أو يضعوا يدهم في يده.
فهم لم يريدوا ذلك حين كان قويًا، فأجدرهم ألا يريدوا ذلك وهو ضعيف. وهم حين يتهيأون لتنحيته عن الحكم وخلافته فيه لا يزيدون على أن يفعلوا مثل ما فعل، لأن مقياس الحكم الآن في مصر قد أصبح – مع الأسف الشديد – بفضل صدقي باشا وأمثاله، هو القوة، والقوة وحدها، دون النظام ودون الدستور.
أما مصر، التي ينجم فيها الطامعون، ويعبث بحريتها العابثون، ويطمح إلى إذلالها الطامحون، فهي ثابتة في مكانها، لا تحب الكيد ولا تميل إليه. وهي تكره الحكم الذي يأتي من بعيد لا من قريب، والذي ينشأ عن العبث بالدستور لا عن الدستور، والذي لا يكون مرآة لإرادتها الحرة، ورأيها المستقل، وصورة عزتها وكرامتها.
مصر هذه تكره من رئيس الوزراء ما فعل، ولا تريد أن تفعل كما فعل، وإنما تحتفظ بإيمانها، وحقها، وكرامتها. وهي واثقة أن هذه الحرب الخفية الظاهرة بين الطامعين في الحكم، والطامحين إليه، ستضعفهم جميعًا، وستستنفد قواهم جميعًا، وستقر الأمر بعد قليل في نصابه، وترده إلى أهله.
فليفكر رئيس الوزراء إن سمحت له صحته بالتفكير، وليعمل رئيس الوزراء إن سمحت له قوته بالعمل، وليجتهد رئيس الوزراء إن استطاع في أن يرد عن منصبه هذه النفوس التي تتصل به وتريد أن تشب إليه؛ هذه النفوس التي قرأت كلام رئيس الوزراء أمس، واعتداده بقوته، واشتراطه أن يضع الناس أيديهم في يده ليصلوا إلى الحكم، فلم تزد على أن نطقت بهذه الكلمة التي تدل على شيء كثير من الإكبار والتقدير:
العفو…!
كوكب الشرق ٢٧\٤\١٩٣٣ -
قصة فيلسوف عاشق
قصة فيلسوف عاشق
في الأدب الغربي
للدكتور طه حسين
واتصلت زيارة أوغست كونت لأسرة كلوتيلد، واشتدت الصلة بينه وبينها متانة وقوة. وأخذت تزول من هذه الصلة بقايا هذه التكاليف الاجتماعية التي تواضع الناس عليها في حياتهم المألوفة، والتي لا يزيلها ولا يمحوها إلا المودة الخالصة إذا بلغت أقصاها، أو الحب الصحيح إذا انتهى إلى غايته. وألحت الأسرة في التعريض بهذه الزيارات المتصلة، وبهذه الصلات التي كانت تتخلص شيئًا فشيئًا من التكلف والاحتشام. ونزعت الفتاة نفسها وقتًا طويلًا في أن تتحدث إلى الفيلسوف بهذه الريبة التي أخذت تثور حولهما في نفوس الأسرة؛ ولكنها انتهت إلى أن أنبأته بما عندها من ذلك فاستمع لها، ولم يحتج إلى تفكير وتقدير ليمتلئ قلبه سرورًا وغبطة، وليأخذه شيء من الكبرياء غريب في ظاهر الأمر، ولكنه مألوف عند العشاق والمحبين. وما له لا يسر ولا يغتبط والحجب ترفع كل يوم بينه وبين من يهوى. وما له لا يأخذه الكبر ولا يملأه التيه وهو يثير الريبة في نفوس الأسرة، ويضطرهم إلى أن يشعروا بحبه للفتاة وبأن الفتاة لا تزدريه ولا تفرط في ذاته، ولا تنظر إليه في غير عناية ولا اكتراث. لعلها لا تحبه كما يحبها ولكن في قلبها عاطفة ما، تعطفها عليه وتدفعها إليه. ومن يدري؟ لعل هذه العاطفة أن تنمو وتقوى وتخضع لما يخضع له الإنسان بملكاته وعواطفه من التطور، فتستحيل من المودة الخالصة إلى الحب العنيف. وإذا فما له لا يستأنف سعيه وإلحاحه؟ وما له لا يدور حول قلب الفتاة لعله يجد سبيلًا لبلوغه والوصول إليه. وقد فعل. فهذا الحنان الذي كان قد كظمه في نفسه أو أسبغ عليه لونًا من الجد يجعله إلى الود أقرب منه إلى الحب، قد أخذ يتجرد من ثوبه المتكلف ويظهر على حقيقته وفي صورته الصحيحة، وقوته التي لا تبقي على شيء. وهذا التحفظ الذي كان اصطنعه في الحديث يزول شيئًا فشيئًا. وإذا هو صريح، وإذا هو يجدد إعلان الحب، ويكرر هذا الإعلان ويحيط الفتاة بشباك من الطلب والأمل والتضرع والاستعطاف والإغراء الذي يتجه إلى العقل حينًا وإلى الشعور حينًا آخر. وكيف تريد أن تفلت الفتاة من هذه الشباك جميعًا وهي لا تكاد تخلص من واحدة حتى تتعثر في أخرى. هي مضطرة إذًا إلى أن تسالم بعض الشيء وتصانع إلى حد ما، وتنهزم عن خط الدفاع الأول كما يقولون.
وهل كانت هي في نفسها منصرفة عن الفيلسوف حقًا راغبة عن حبه كل الرغبة؟ لست أدري، ولكنها على كل حال عجزت عن المقاومة فكتبت إلى أوغست كونت تنبئه بهذا العجز وتظهره على ذاتَ نفسها وتبين له رأيها في التخلص من هذا الموقف الدقيق ورأيها أنها لم تكن تقدر أن أحدًا يكلف بها ويتهالك عليها، وأنها هي لا تكلف بأحد ولا تتهالك على أحد، ولكن أملها إن صح أن يكون لها أمل في الحياة، إنما هو طفل تقف عليه حبها وحنانها وقوتها ونشاطها. وهي إذا شاركت رجلًا في الحياة فإنما قوام هذه الشركة الوصول إلى تحقيق هذا الأمل. وهي حريصة كل الحرص على أن يكون شريكها إن ظفرت به رجلًا ممتازًا مرتفعَ النفس كبيرَ القلب خليقًا بالإكبار. وهي تجد هذه الخصال كلها في الفيلسوف ولا تكره أن تتخذه شريكًا في تحقيق هذا الأمل وخلق هذا الطفل. ولكنها لا تريد أن تخدعه ولا أن تغره فهي لا تحبه بالمعنى المألوف لهذه الكلمة وحياتها ليست بالشيء النفيس الذي يحرص الناس على الاشتراك فيه. فهي بائسة تحتاج إلى من يعزيها وهي فقيرة تحتاج إلى من يعولها. وهي لا تحمل لشريكها إلا مودة صادقة وإخلاصًا لا حد له.
ويقرأ الفيلسوف هذا الكتاب فيجن جنونه وتدور به الأرض، ثم تهدأ نفسه، وتشرق في وجهه الدنيا وتبتسم له الأيام. وهل كان يطمع في أن تقبل كلوتيلد منه مثل هذا وترضى أن تكون خليلة وتقاسمه الحياة وتشاركه في خلق إنسان؟ وهو قابل إذًا وهو راض وهو سعيد وهو واثق بأن هذه خطوة ستتبعها خطوات وهو يكتب إليها ويمضي كتابه على هذا النحو: زوجك المخلص أوغست كونت.
وتزوره ذات يوم زيارة المستسلمة المستعدة للوفاء بالوعد وإنفاذ هذه الشركة، فيلقاها فرحًا مبتهجًا ثم يجلسها ويجثو بين يديها ويقدم إليها صلاة فلسفية حارة. ولكنه عالم لا حظ له من براعة الأدباء ولا من براعة الرجال الذين تعودوا عشرة النساء والتلطف لقلوبهن، فصلاته فلسفية، وحديثه بعد ذلك عملي كله وحركاته حين يضطرب في غرفته منظمة قد قدرت تقديرًا. فهو لا يرفع شيئًا إلا بحساب، ولا يضع شيئًا إلا على نظام، ولا يأتي حركة إلا إذا كانت لها علة ظاهرة وتأويل معقول وهو يتحدث عن دخله، وعما سيحتاجان إليه من نفقة، وعن ترتيب البيت، وعن النظام المادي للحياة. وهو على هذا كله دميم لا جمال في شكله ولا روعة، قصير متقدم البطن مضطرب الوجه. فأين يقع هذا المنظر؟ وأين يقع هذا الحديث؟ وأين تقع هذه الحركات المنظمة من قلب امرأة لم تتجاوز الثلاثين بعد؟ ما أسرع ما ضاقت بهذه الشركة ورغبت عنها، وما أسرع ما ضحكت من نفسها في نفسها، وما أسرع ما استيقنت أنها كانت تحاول أمرًا لا قبل لها به ولا قدرة لها عليه، وما أسرع ما نهضت وهي تقول: لقد تقدم الوقت دعني أكتب إليك. وما أسرع ما خرجت من الباب وهبطت السلم وبلغت الشارع ومضت، والفيلسوف ينظر إليها من النافذة. فإذا هي تسرع أمامها، لا تلتفت ولا تلوي على شيء، وتكتب إلى الفيلسوف بعد ذلك معتذرةً متعللةً قائلةً إنها قد تعجلت الوعد وتبيّن لها أنها في حاجة إلى التفكير الطويل وأن الخير في أن تمهل نفسها لترى. فلا يكاد الكتاب يصل إلى الفيلسوف حتى يحس أنه قد آذاها بحديثه فيكتب إليها متلطفًا مُلحًا. وتمضي هي في إبائها. ويشتد هو في إلحاحه حتى إذا أثقل عليها أجابته في شيء من الشدة والصرامة أنها لا تستطيع أن تبيع نفسها ولا أن تساوم فيها فإن كان يقنعك ما أعرضه عليك من المودة الخالصة الطاهرة فذاك ولك أن تلقاني في بيت أسرتي كدأبك من قبل ولا بد لي من ستة أشهر أفكر فيها وأروي وإلا فإني عائدة إلى ما كنت فيه من وحدة وعزلة. هنا يفيق الفيلسوف من ذلك السكر الذي كان قد غمره وملأ عليه قلبه وعقله. ويعود إلى حاله الأولى ليس شديد الرجاء ولكنه ليس يائسًا بل هو بعيد كل البعد من اليأس واثق بأن العاقبة له وبأن الفوز لن يخطئه مهما يكن من شيء، سيصبر إذًا وسيستأنف حياته الأولى فيلقى الفتاة في بيت أسرتها مرتين في الأسبوع.
وكلاهما سيئ الحال ضيق ذات اليد. أما هي فتبحث عن عمل لتعيش منه أو لترفه به بعض الشيء حياتها الضيقة الخشنة. وهي لا تتردد في أن تشغل مكان السكرتير في مكتب من المكاتب أو عند رجل ذي مال إن ظفرت به. ولكنها لا تظفر بشيء ولا بأحد إلا فيلسوفها الذي قد وثقت به واطمأنت إليه. فهي لا تخفي عليه من أمرها شيئًا وهو يعدها بالمعونة ويعرض عليها أن يقرضها ما تحتاج إليه، بل يؤكد لها أن كل ما يملك من المال ملك خالص لها تستطيع أن تأمر فيه بما تشاء. نعم ولكنه هو لا يملك شيئًا أو لا يكاد يملك شيئًا، أعماله شاقة ونفقاته ثقال والمستقبل أمامه مظلم. هو يلقي دروسًا رياضية في بعض المدارس الحرة ولكن صاحب المدرسة يريد أن يلغي هذه الدروس رغبة في الاقتصاد، وهو يكسب شيئًا من مدرسة الهندسة ولكنه في حاجة إلى أضعاف هذا الذي يكسبه. وهو يلح على تلاميذه في إنجلترا أن يرتبوا له رزقًا معلومًا، ولكن التلاميذ لا يؤمنون لأستاذهم بهذا الحق وهو مضطر إلى أن يرزق امرأته ثلاثة آلاف فرنك في كل عام، ولا بد له من أن ينقص هذا الرزق وأن يختزل منه ثلثه. وهو على هذا كله يعمل، وهو على هذا كله يحب وهو حريص على ألا يقصر في ذات فلسفته ولا في ذات عشيقته. وعشيقته أيضًا تعمل لخدمة الأدب إن أعجزها أن تعمل لكسب المال. لقد نجحت قصتها الأولى بعض الشيء فما لها لا تكتب قصة أخرى وقد بدأت كتابة هذه القصة واتخذت نفسها لها موضوعًا مع شيء من الرمز والإيماء وأخذت كلما كتبت شيئًا أرسلته إلى الفيلسوف، فيقرأ ويعجب ويهيم. ويقرظ فيسرف في التقريظ.
ويستأنف زياراته للأسرة محتملًا ما يرى من الأعراض يقابله بمثله في كثير من الأحيان. حتى إذا كتب أخو الفتاة رسالة في الرياضة وعرضها على أستاذه ونظر الأستاذ فيها وأطال النظر فلم تعجبه. فيضطر إلى أن يعلن رأيه إلى تلميذ في غير تردد وإلى أن يتحدث إلى الفتاة بأن حبه لها وحرصه على مودة أخيها لن يمنعاه من أن يعلن رأيه في هذا الكتاب الذي لا خطر له. هنالك يزداد سخط التلميذ على أستاذه وهذا هو الذي يدور حول أخته ويشرب القهوة في البيت مرتين في كل أسبوع، ثم لا يشجع تلاميذه ولا يعترف لهم بما يوفقون إليه من فضل.
ويشتد إنكار الأسرة على الفتاة وتثبت هي لإنكارهم، فتجادلهم في أستاذها وتذودهم عنه، وتخرج من عندهم مكدودة متعبة وتؤوي إلى بيتها وقد فقدت أو كادت تفقد الشجاعة والنشاط. فتفكر في الفيلسوف، وفي أنه الرجل الوحيد الذي يؤثرها بالحب، ويصفيها المودة والعطف، فتنازعها نفسها إليه. ولكن نفورًا قويًا يمسكها أن تندفع في هذا الحب. فتكتفي بالشكوى، وتقبل من الفيلسوف عطفه وحنانه، ومعونته المالية أيضًا. وكانت أعراض الضعف قد ظهرت عليها، فأخذت تحس فتورًا وانحلالًا. وأخذت تقاوم سعالًا متكررًا مضنيًا ولم تقدر إلا أن ما تحسه عرض من أعراض هذا الجهد الذي تلقاه. فصبرت واحتملت وجدّت في كتابة قصتها، وجدّت أيضًا في الأنس إلى الأستاذ وأذنت له أن يزورها في بيتها الخاص، فأحيت أمله، وبالغت في إحياء هذا الأمل حين أهدت إلى الأستاذ باقة من الزهر الصناعي صنعتها بيدها، وأرسلت معه أبياتًا من الشعر لا قيمة لها، ولكن الفيلسوف رآها آية من آيات البيان.
وزارها الفيلسوف ذات يوم فإذا هي متعبة تلقى من الآلام جهدًا شديدًا فتحدث إليها وأطال الحديث واطمأنت هي إليه اطمئنانًا شديدًا، فلما نهض لينصرفَ اختلس قبلة من فمها، ولكنه لم يكد يبلغ بيته حتى كتب إليها كتابًا مشهورًا يعتذر فيه من هذه القبلة، لأنه لم يكن يثق حين اختلسها بأن نفسه كان نقيًا طيبَ النشر. وردت عليه في هذه السذاجة البديعة: (لا بأس عليك فأنا التي منحتك قبلة صديقة مخلصة).
ويشتد المرض والفقر بالفتاة. ويشتد الهيام والبؤس بالفيلسوف، وتزول بينهما الكلفة، وتكثر الزيارة عندها وعنده، ويعرض عليها خادمته لتعينها على الحياة. فتأبى، وتقضي الشتاء وحيدة عاملة لا يسليها عما تجد إلا زيارات الفيلسوف لها وعطفه عليها، وقد عرضها على الطبيب فقدر لها مرضًا أخذ يعالجه وهو بعيد كل البعد عما كانت تجد. واشترك الفيلسوف في الأوبرا على فقره ليسلي صاحبته بالموسيقى من حين إلى حين. ولكنه لم ينسَ الحب ولم يفكر في الإعراض عنه فهو ما زال يلح على الفتاة ويتقاضاها هذه الصلة المادية التي تتوج ما بينهما من ائتلاف العقل والقلب وهي تأبى حتى إذا أثقل عليها فأسرف. كتبت إليه تذعن لما يريد. وهي تقول: إنك تطالب بأجر ما تبذل لي من ودٍ ومعونةٍ، فلن أماطل في تأدية هذا الأجر. هنالك استحى الفيلسوف واستكبر فرفض هذا التسليم وأبى إلا صلةً مصدرها الحب والرغبة.
وزارته ذات يومٍ وهي مكدودة قد أجهدها المرض، واشتدت بها الحمى فلما انتهت إلى البيت استلقت على وسادة ونظر إليها هو، وأنّ في عينه لحبًّا لا حد له، وشهوةً لا حد لها. وإذا هو يرى عينيها الزائغتين من الألم وخديها اللذين توردهما الحمى فلا يرى إلا جمالًا مغريًا وحسنًا فتّانًا. وهي مستلقية أمامه لا حول لها ولا طول، وهو قادر عليها؛ ولكنه ليس قادرًا على نفسه. فهو يشتهي إلى حد الهيام ولكن عقله ووقاره يأبيان عليه هذا الغصب. فتنحل هذه الشهوة الحادة العنيفة إلى حب وقور، فيه شيء كثير من جلال الدين. والمرض والبؤس يلحان على الفتاة، والحب والفقر يلحان على الفيلسوف وإذا هي قد لزمت غرفتها، ولزمتها خادمة الفيلسوف. وجاء الطبيب فلم يشك في أنها مسلولة مشرفة على الموت. وكثر تردد أمها عليها وكثر تردد الفيلسوف أيضًا. وكانت بين الأم والفيلسوف حول هذا الجسم الناحل وهذه النفس التي تتأهب لمفارقة الحياة، خصومات مؤلمة ولكنها لا تخلو من فكاهة. فأما الأم فكانت أسيرةَ الأوضاع الاجتماعية، أسيرةَ هذا الحب الذي يعطف المرأة على ابنتها. وأما الفيلسوف فكان أسير هذا الحب الفلسفي، ولم يكن يتردد في أن يعلن أنه وحده صاحب الأمر في هذا البيت لأنه الزوج الخالد للفتاة. ولم لا؟ لقد كان ينهض بكل ما تحتاج إليه، ويعرف من تمريضها ما ظهر وما خفي. لقد كتبت إليه مرة تقول: ما أشد حاجتك إلى الرحمة أيها العاشق التعس! فلم تظفر من خليلتك إلا بشرّ ما يظفر به الأزواج. وكان مؤلمًا جدًا، وباعثًا للابتسام أحيانًا أن يرى الفيلسوف جاثيًا أمام السرير وهو يصلي إلى الفتاة فيدعوها أخته وزوجه وابنته. ويؤكد لها ويقسم ليعصمنها من الموت، ولئن عبثت الطبيعة بجسمها فليضمنن هو لنفسها الخلود. ولم لا؟ ألست أرقى امرأة عرفتها الإنسانية. لقد لقيت أرقى عقل عرفته الإنسانية، فلن يكون للفناء عليك ولا عليَّ سلطانٌ.
وساءت حالة الفتاة ودعي القسيس ليهيئها لاستقبال الموت فلم تمانع هي ولم يمانع هو. وأقبل القسيس فأدّى عمله والفيلسوف يراه ويسمع له ساخطًا حتى إذا انصرف أقبل فأنكر هذه العادة الدينية التي تنتزع المريض انتزاعًا من الحياة لتدفعه بين ذراعي الموت.
أقبل عذب الصوت رضيَّ النفس حنون القلب فجثا إلى السرير وحنى على الفتاة وأخذ يحدثها أحاديثَ عذبةً كلها أمل وكلها رحمة. ثم انصرف وعاد فإذا الأسرة كلها مجتمعة وإذا هم يأبون عليه أن يصل إلى المريضة. فتثور ثائرته ويخرج عن طوره ويأبى أن ينصرف ويهم بإخراجهم جميعًا لأن المريضة زوجه وخليلته وهي له وحده دونهم، بذلك اعترفت له وعلى ذلك أقسمت له فيجب أن يُخلى بينه وبينها. فأما الأم فتنكر وتبكي وتستخذي. وأما الأخ فيقبل على أستاذه مُنذرًا. وأما الأب الشيخ فيقبل هادئًا وقورًا يطلب إلى الفيلسوف أن يدع المريضة لأهلها.
فانظر إلى الفيلسوف وقد جثا أمام الشيخ ضارعًا مستعطفًا حتى رق له الشيخ، فقال: أنصرفُ الآن ولك علينا أن ندعوك إذا استيأسنا منها. خرج الفيلسوف فلزم داره فلما كان من غد جاءه الرسول فأقبل مسرعًا حتى انتهى إلى البيت. فلما رأته الأسرة انفرجت له وخلت بينه وبين غرفة الفتاة. فدخل وأغلق الباب من دونه وأرتجَه فأحكمَ إرتاجَه. وأقام ساعات طوال لا يخرج ولا يدخل عليه أحد. ويستطيع الخيال أن يذهب كل مذهب في تصور ما قال الفيلسوف للفتاة المحتضرة أو ما عمل أمام هذا الحب العظيم الذي كان الموت يغلبه عليه قليلًا قليلًا. فلما تقدم النهار ودنا المساء فتح الباب وخرج صامتًا لا يلوي على شيء. فأقام في داره ولم يشهد الجنازة ولم يشيعها إلى القبر. وماذا يعنيه من الجنازة؟ لقد حاول أن يصل إلى هذا الجسم فلم يجد إليه سبيلًا وحاول أن يصل إلى هذه النفس فلم تقاومه ولم تمتنع عليه، وإنما أسرعت إليه فأقامت في عقله وقلبه. لم تمت كلوتيلد وإنما أودعته خير ما فيها، فهي إذًا في قلبه، هي إذًا تقاسمه حياته الزائلة حتى إذا انقضت هذه الحياة الموقوتة امتزجت بنفسه فكانت منها نفس واحدة خالدة. عكف الفيلسوف في داره على هذه الصورة يعبدها ويهيم بها وما هي إلا أن استحال حبه لكلوتيلد دينًا وضعت له التقاليد وألوان الصلوات والعبادات. وأغرب من هذا كله أن الحياة الظاهرة للفيلسوف لم تتغير. فدروسه كانت تُلقى في نظام ومجلاته كانت تُقرأ في نظام ورسائله كانت تُقرأ ويرد عليها في نظام أيضًا.
ما أعجب أمر الإنسان تراه ساذجًا يسيرًا وأنّ شخصه لَشديد التعقيد. -
ملكة الجمال
ملكة الجمال
للدكتور طه حسين
هناك ابتسامة تتردد كثيراً قبل أن ترتسم على بعض الثغور، وتتألق في بعض الوجوه، أو قل إن هناك ثغوراً ووجوهاً تتردد كثيراً قبل أن تقبل أن ترتسم عليها وتتألق فيها بعض الابتسامات، أو قل إن هناك نفوساً تتردد كثيراً قبل أن تتخذ ثغورها ووجوهها مظاهر لهذا الذي يعرب عنه الابتسام في بعض الظروف. وقد فكرتُ في هذه الابتسامة المترددة، وفي هذه الثغور والوجوه والنفوس التي تتردد بين الرضا والسخط، وبين ما يظهرهما ويدل عليهما من الابتسام والعبوس، حين قرأتُ في الصحف أخبار ملكة الجمال وتشريفها لمصر بزيارتها السعيدة الموفقة.
فكرتُ في هذه الابتسامة المترددة لأني أحسستُ ترددها على شفتيّ، فرأيتهما تحاولان الانبساط ثم تعودان فتنفرجان وتنبسطان بالابتسامة، ثم تستقر عليهما هذه الابتسامة التي كانت مترددة؛ ولكنها تستقر في سخرية إن لم تكن شديدة المرارة فليس فيها شيء من حلاوة الرضا. ذلك لأني لا أدري أوفقت الإنسانية حين فتحت على نفسها هذا الباب الظريف السخيف، الذي يدخل عليها منه ظرف كثير ويدخل عليها منه سخف كثير؟ ومن يدري لعل الظرف والسخف صديقان لا يفترقان، وحليفان لن يختصما، أو تتغير الأرض ومن عليها وما عليها. وهذا الباب الظريف السخيف الذي يبعث الرضا ويبعث السخط، والذي يغيظ ويلهي هو باب المسابقة إلى الفوز بسلطان الجمال!
خطرت هذه الفكرة لكاتب فرنسي، ليس هو من المتعمقين في الجد، ولا هو من المتهالكين على الهزل، وإنما هو كاتب خفيف ظريف، يرضى في سهولة، ويرضي الناس في يسر، وتنفق عندهم سوقه في غير مشقة. وأكبر الظن أنه يسخر من الناس ومن نفسه، وأكبر الظن أنه إنما يرضي الناس ويعجبهم لأنه يسخر منهم؛ يستهزئ بهم ويخيَّل إليهم أنه يجدّ كل الجد حين يسوق إليهم الأحاديث، مع أنه لا يزيد على أن يهزل أشد الهزل وألطفه. ولعله إنما يفعل هذا كله، فيهزل جاداً ويجدّ هازلاً لأنه صحفي، أو قل لعله إنما أصبح صحفياً رائجاً نافق السوق لأنه يفعل هذا كله. وأنا أعتذر إلى الصحفيين ولكني أعتقد أن صاحبة الجلالة الصحافة إنما أقامت عرشها العظيم على هذه الدعائم المتينة الصلبة من سياسة الجمهور. وإنما تُساس الجماهير في ظل الديمقراطية أحسن سياسة وأجداها حين تلبس لها ثوب الجد وأنت تهزل، وترتدي لها رداء الهزل وأنت تجدّ، وتظهر لها على كل حال من نفسك ما تريد أن تظهر لا ما ينبغي أن تظهر.
هذا الكاتب الفرنسي اللبق الذي فتح للإنسانية باب الجمال على مصراعيه وأثار في الرؤوس الفارغة فكرة المسابقة إلى سلطان الحسن هو (موريس دواليف). خطرت له هذه الخاطرة ذات يوم وهو يمزح، أو ذات ليل وهو يلهو، فتحدث فيها إلى صديق أو صديقين ثم إلى زميل أو زميلين ثم إلى إدارة الجرنال. وما أصبح الصباح حتى ملأت الفكرة باريس، وما أمسى المساء حتى ملأت الفكرة فرنسا، وما كان الغد حتى ملأت الفكرة أوروبا، وما مضت أيام حتى ملأت الفكرة الأرض كلها ولعبت برؤوس الناس جميعاً.
وهذا مصدر آخر من المصادر المادية لسلطان صاحبة الجلالة الصحافة؛ هو أنها ترى الرأي فإذا هو أمام الناس جميعاً أو أمام جماعات ضخمة منهم في وقت واحد أو في أوقات متقاطبة، ومن حوله المغريات والمرغبات والمثيرات للميل، فيلقى الناس بعضهم بعضاً وقد قرأوا الصحيفة وإذا هم يتساءلون: "وما رأيكَ في هذه الفكرة الطريفة الظريفة معاً؟" فكرة موريس دواليف في هذه المسابقة التي ستُدعى إليها الفتيات لإظهار ما لهن من جمال بارع وحسن فتان. ثم تعود أصداء الدعوة من باريس وفرنسا وأوروبا وأطراف الأرض إلى الجورنال، وإذا الفكرة قيمة، وإذا التجربة الأولى تُهيّأ ثم تتم، وإذا للجمال ملكة في فرنسا، وإذا البلاد الأخرى تسير مسيرة فرنسا، وإذا لكل بلد ملكة للجمال، وإذا المسابقة أوروبية بين صاحبات الجلالة القومية، وإذا لأوروبا ملكة، ثم للعالم كله ملكة. وإذا نظام جديد قد أُقيم، وإذا الديمقراطية المتطرفة والاشتراكية الغالية والأرستقراطية المعتدلة والأوتوقراطية المسرفة… كل هذه النظم المختلفة المتباعدة قد اتفقت على الإذعان لسلطان الجمال.
ولكن سلطان الجمال – وإن استعار ألقاب الملكية، وأحاط نفسه بألوان القوة وضروب الأبهة – ضعيف نحيف، فاتر قصير المدى كالجمال نفسه. فهو ملك ولكنه أشبه بالجمهورية؛ وأي جمهورية؟ أشبه بالجمهورية القديمة، جمهورية اليونان والرومان لا يدوم السلطان فيه لصاحبته أكثر من سنة. وهو ملك ولكنه لا يُورث، وإنما يُكسب بالانتخاب؛ وأي انتخاب!! انتخاب ضيق محدود متأثر بالأغراض والأعراض السياسية في كثير من الأحيان، فيجب أن يكون ملك الجمال قسمة بين الشعوب تتبادل سلطانه فيما بينها؛ تظفر به فرنسا ثم تُمِرُّه إلى بلجيكا، وهذه تُمِرُّه إلى هولندا، وعلى هذا النحو حتى يكون لكل شعب حظه من هذه السيادة العالمية البريئة.
البريئة؟ مسألة فيها نظر! فهي سيادة بريئة بالقياس إلى الشعوب والأقاليم والمدن والقرى، ولكن براءتها تتعرض للشك والخطر في كثير من الأحيان. ذلك أن هذا الملك الطارئ السريع الزوال يعبث برؤوس الملكات وأسرهن، ومن طبيعة الملك أن يعبث برؤوس الناس إلا إذا اعتمد على دستور صحيح متين، وليس لملك الجمال دستور. وملك الجمال لا يعبث برؤوس الملكات وحدهن، وإنما يعبث برؤوس كثير من الرعية أيضاً؛ من الشبان والشيوخ وأصحاب الملاعب والمراقص والسينما، ثم ملك الجمال فصيح على هذا العبث؛ فهو يجري أقلام الكتاب في الصحف، ويطلق ألسنة السيدات في الصالونات، ويزيد هذا كله في الدوار واضطراب العقول. لذلك لا تكاد ملكة ترقى إلى عرش الجمال حتى يصبح مصيرها بعد الخلع – أستغفر الله – بعد الاعتزال مشكوكاً فيه، وأكبر الظن أنها صائرة إلى ملعب من ملاعب اللهو، أو نادٍ من أندية الرقص، أو دار من دور السينما، أو إلى هذه جميعاً. فملك الجمال في حاجة إلى دستور يضمن للملكة ألا يكون ارتقاؤها إلى العرش وسيلة إلى ابتذالها.
على أن ناحية أخرى من نواحي هذا العبث الذي يعبثه ملك الجمال بالعقول خليقة بالملاحظة؛ فملكات الجمال يؤمنّ بملكهن عادة، ويصدقن أنهن ملكات حقّاً، وكثيراً ما تؤمن لهن الجماعات بهذا الملك، فيصبح المزاح جداً واللعب حقّاً لا شك فيه. وينشأ عن هذا الجد الطارئ وعن هذه الحقيقة الإضافية الموقوتة – التي لم يفكر فيها أينشتاين بعد – لون من الحياة الذي يبعث هذه الابتسامات المترددة التي تحدثتُ عنها أول هذا الفصل.
أنظر إلى ملكة الجمال التي شرفت مصر بزيارتها هذه الأيام، لم تكد تهمّ بهذه الزيارة حتى سبقتها الأنباء فطربنا واستشعرنا شيئاً من الغبطة لا حد له، وتفضلت صاحبة الجلالة الصحافة فقامت لزميلتها في الملك بما يجب من الإعلان ونشر الدعوة. ثم وصلت ملكة الجمال فلم يكن بد لصاحبة الجلالة الجميلة من أن تتناول الشاي عند صاحبة الجلالة الفصيحة البليغة، وكانت دار (الجهاد) ملتقى الملكتين على مائدة صديقي توفيق دياب. وتفضلت الملكتان – ملكة الجمال وملكة الكلام – بشيء من العطف الغالي الكثير على طائفة من الرعية المولهة المفتونة، وكنتُ ممن مسهم هذا العطف. ولكن ملكة أخرى ثقيلة ممقوتة تبسط سلطانها الآثم على الناس في الشتاء – وهي صاحبة الجلالة البغيضة الإنفلونزا – حالت بيني وبين الاستمتاع بهذا العطف السامي من صاحبة الجلالة الجميلة وصاحبة الجلالة الفصيحة، فأسفتُ وما أشد ما أسفتُ!
وملكة الجمال ظريفة كما ينبغي أن تكون؛ فلم تكد تصل إلى مصر حتى أدت طائفة من الواجبات يفرضها عليها جلال الملك وسماحة الجمال، فقيدت اسمها في قصرها الملكي العالي ثم ثنّت فزارت رئيس الوزراء. فلما فرغت من السلطة التنفيذية تعطفت على السلطة التشريعية فتفضلت بزيارة البرلمان، فأدّى وكلاء الأمة واجبهم بين يدي جلالتها كأحسن ما تكون التأدية.
ثم لم تكد صاحبة الجلالة تفرغ من مصر الرسمية حتى تفضلت ففكرت في مصر المعارضة – والملك فوق الأحزاب – فتعطفت بزيارة حضرة صاحب الدولة رئيس الوفد المصري، ثم فكرت في مصر التي لا تشتغل بالسياسة وإنما تشتغل بالإصلاح الاجتماعي والاقتصادي فتفضلت بزيارة حضرة صاحبة العصمة رئيسة الاتحاد النسائي، وزارت دار الاتحاد وشهدت فيه التمثيل وزارت دور الصناعة والتجارة، وهي في هذه الزيارات تؤدي لكل حقه بما فُطرت عليه من جمال وظرف وأدب ورشاقة وخفة روح.
وإذ جلالة أخرى رسمية تشرف مصر وهي الجلالة الإيطالية، فينقطع حديث الجمال ويبتدئ حديث السياسة. وليست هذه الصحيفة من السياسة في قليل ولا كثير؛ فلتكتفِ إذن بأن ترحب في صدق وإخلاص بصاحبي الجلالة الإيطالية، ثم لتعد إلى ملكة الجمال فلتتمنّ لها التوفيق بعد الملك كما وُفقت أثناء الملك، ولتلتفت بعد ذلك إلى القارئ الكريم فننصح له بأن يقرأ قصة تمثيلية بديعة أنشأها الكاتبان الفرنسيان جورج بيرولويس وفرنويل، موضوعها ملكة الجمال وعنوانها (مس فرانس)؛ فسيجد القارئ في هذه القصة جداً وهزلاً وفكاهة وصراحة ولذة قوية على كل حال.
الرسالة ١ – ٣ – ١٩٣٣