أنباء
يجب أن يعترف خصوم رئيس الوزراء وأصدقاؤه بأنه رجل جلد، طويل الجلد، صبور طويل الصبر، لا يعنيه يأس ولا أمل، ولا يؤثر في نفسه قنوط ولا رجاء. وإنما همه الحكم، والحكم وحده؛ قد أراده فظفر به، حتى إذا استقر فيه أقسم ليتعلقنّ به ما قدرت يده على أن تمسك الأزمة، وتقبض على الأعنة. فمهما تنحت عليه الدواعي إلى الاستقالة فلن يسمع لها، ومهما تنح عليه البواعث على الاعتزال فلن يحتفل بها!
وقد برّ بقسمه؛ فهو قائم في مكانه لا يبرح، يفسد كل شيء من حوله في مصر فلا يجفل، وينعكس عليه كل شيء في إنجلترا فلا يؤبه. وتأتيه النذر من كل مكان وكأن شيئًا لم يأته، وكأن نذيرًا لم يصل إليه! لم يكد يستقر في الحكم حتى حاول المفاوضات؛ قيل له حتى تمنحك الأمة ثقتها، وتنصبك معبرًا عنها، متحدثًا بلسانها.
واجتهد في أن يظفر بهذه الثقة فلم يجد إليها سبيلًا! فكانت قصة الانتخاب، وما أدراك ما قصة الانتخاب. حتى إذا تهيأت الأسباب واجتمع الشيوخ والنواب، سعى الرجل إلى المفاوضة، فأخذ الإنجليز يرجئونه من شهر إلى شهر، ومن عام إلى عام، حتى إذا أسرف في الإلحاح وأغرق في الإلحاف، أرجأوه إلى أجل غير مسمى، وهم يعتذرون بكثرة العمل عندهم حينًا، وبسوء الحال عندنا حينًا آخر. وهم يبينون له في كل حال، وهو يفهم عنهم وكأنه لا يفهم، أن ليس إلى المفاوضة معه من سبيل؛ لأنه لا يمثل مصر، ولا يستطيع أن يتحدث عنها، ولا يستطيع أن يلتزمها إذا التزم، ولا يستطيع أن يأخذها بتنفيذ ما يقبل من معاهدة، وإبرام ما يمضي من اتفاق. ولكن رئيس الوزراء ذكي ماهر، يفهم وكأنه لم يفهم، ويسمع وكأنه لم يسمع!
فالإنجليز يرفضون وهو يطلب ويستأنف الطلب، والإنجليز يأبون وهو يلح ويسرف في الإلحاح! وما يزالون في إبائهم، وما يزال في إلحاحه حتى تهِن قواه، وتنقطع به الأسباب. وإذا هو مريض لا يقدر على العمل، ولكنه على ذلك يقدر أن يطلب المفاوضات، ويجدّ في الطلب، ويصوغ اقتراحات يقدمها إلى المندوب السامي، ويسافر بها هذا المندوب إلى لندرة ليعرضها على رؤسائه في وزارة الخارجية.
ويلح المقربون إلى رئيس الوزراء عليه في أن يؤثر نفسه بالصحة والعافية، ويدع الحكم لمن يستطيع النهوض به، ولكن بين رئيس الوزراء وبين لندرة أسبابًا من الأمل تحمله على ألا يسمع لنصح الناصحين، وعلى أن يبقى في الحكم لعل اقتراحاته أن تُقبل، ولعله أن يمضي معاهدة مع الإنجليز، ولعله أن يخرج من الحكم مخرجًا حسنًا، ولعله أن يسجل في كتاب استقالته أنه أتم مهمته، فأحدث للبلاد نظامًا جديدًا، وعقد للبلاد اتفاقًا مع الإنجليز.
ولكن اقتراحاته تُرفض في لندرة، وتعلن وزارة الخارجية – كما يحدثنا مكاتب الأهرام صباح اليوم – أن نبأ المفاوضات مع صدقي باشا لا أصل له مطلقًا. ويفسر مكاتب الأهرام هذا الإعلان بأن وزارة الخارجية قد رفضت اقتراحات صدقي باشا في أدب وظرف، كما تعودت دائمًا!
ومن الحق على وزارة الخارجية لصديقها المريض أن ترفق به وتعطف عليه، فلا ترده في عنف، وإنما تأتي ما يريد، وتعلن أن لم تكن بينها وبينه مفاوضات ما. ومهما يكن من شيء فقد فشل رئيس الوزراء فيما كان يريد من مفاوضة الإنجليز للمرة السابعة أو الثامنة، أو العاشرة إن شئت! ولم يبق له أمل ما في أن يعيد الكرة ويستأنف الطلب، ويأمل في المستقبل القريب أو البعيد؛ لأن كل شيء حال بينه وبين الأمل.
فقد ضعف مركزه السياسي في مصر كما لم يضعف في هذه الأيام، وصحته – مع الأسف – لا تمكنه من أن يحاول تقوية مركزه واسترجاع قوته السياسية. ندّ عليه كل شيء، وأفلت من يده كل شيء، وأصبح بقاؤه في الحكم لغوًا من اللغو، وفنًا من فنون العبث. وأكبر الظن أنه إنما يبقى في الحكم حتى تتهيأ الأسباب للذين كانوا يؤيدونه أمس، لعلهم يجلون من يخلفه اليوم أو غدًا.
ومهما يقل أصدقاء رئيس الوزراء، ومهما تقل أبواقه، فلن يستطيع أحد أن يخدع المصريين عن أن بقاء صدقي باشا في الحكم الآن إنما هو تعلّة ليس غير. وقد تبقى هذه التعلة أيامًا، وقد تطول أسابيع، وقد تزول فجأة؛ ولكن نزول رئيس الوزراء عن الحكم في وقت قريب أمر لا بد منه ولا مندوحة عنه، لأنه النتيجة المحتومة الملائمة لطبيعة الأشياء في مصر وفي بلاد الإنجليز.
كل شيء مضطرب حول رئيس الوزراء في مصر. الشعب منصرف عنه منذ نهض بالحكم، ولكن انصراف الشعب عنه قد اشتد حتى انتهى إلى أقصاه. وآية ذلك أن وزارته تفزع من كل شيء، وتعبئ الجيش والشرطة استعدادًا لأيسر الأشياء وأقلها خطرًا. والإنجليز قد نفضوا أيديهم منه، وأكدوا أنهم لن يفاوضوه، وأكدوا مرة أخرى أنهم سيعدّون للمفاوضة، ولكن مع الوزارة التي تمثل مصر، وتعبر عن إرادتها، وتتحدث بلسانها، وتعاهد فتنفذ مصر ما عاهدت عليه.
وإذن فأمر الوزارة القائمة مفروغ منه، رغم ما ستقوله حاشية صدقي باشا غدًا وبعد غد، وإلى أن يتقدم رئيس الوزراء باستقالته إلى صاحب الجلالة الملك. وكل يوم من الأيام المقبلة خليق أن يُغلق فيه باب، ويُفتح فيه باب آخر، وأن تُطوى فيه صفحة، وتُنشر فيه صفحة أخرى. وسيودّع المصريون غدًا أو بعد غد وزارة أذاقتهم ألوان الألم وصروف المحن. وسيذكرون، وسينسون، ولكنهم على كل حال سيطوون صفحة أمس، وسينظرون في صفحة غد. سيودّعون عهدًا، ويستقبلون عهدًا آخر.
وإذا كان التذكير ينفع، فإن التحذير ليس أقل منه نفعًا.
وأكبر الظن أن هذا النبأ الذي أذاعته الأهرام صباح اليوم سيوقظ آمالًا نائمة، ويجدد نشاطًا قد فتر بعض الشيء. وستتهيأ الأحلام وتأخذ زينتها، وتتشكل بأشكال مختلفة أشد الاختلاف، لكنها مغرية أشد الإغراء على كل حال. وستلمّ هذه الأحلام ببعض البيوت، وستتراءى هذه الأحلام لبعض النفوس. وسيتهيأ قوم لوزارة وإن لم تسعَ إليهم بعد، وسيستعد قوم لحكم وإن لم يدعهم الحكم إليه بعد. وستكثر الأحاديث، وسيشتد الجدل.
فمن الحق أن نذكر المصريين، ومن الحق أن نحذرهم، ومن الحق على المصريين أن يحذروا. فمهما يكن ضيقهم بالوزارة القائمة شديدًا، ومهما يكن احتمالهم للوزارة القائمة ثقيلًا، فإن من الحق عليهم لأنفسهم ألا يتعجلوا زوال الشر ليقعوا في شر آخر قد يكون أشد منه نكرًا وأقبح منه أثرًا. وخير لهم أن تطول المحنة على ما هي فيه من ضعف ووهن واضطراب، من أن يخيل إليهم أنها زالت فإذا هي تتجدد، وأنها انجلت فإذا هي تستأنف نشاطها قويًا عنيفًا.
يجب أن يذكر المصريون ماذا ينكرون من وزارة صدقي باشا، ويجب أن يعرفوا ماذا يريدون حين يتمنون أن تستقيل هذه الوزارة. فهم ينكرون تغيير الوزارة القائمة للدستور، وهم يريدون أن يعود إليهم هذا الدستور. وهم ينكرون بطش الوزارة القائمة بالحرية، ولسنا نريد حرية الأفراد وحدها، وإنما نريد حرية الأمة كلها. نريد الحرية البرلمانية، نريد الحياة النيابية كلها. وهم يريدون أن تُرفع عن الحرية هذه الأغلال والقيود، وأن تعود حياتهم السياسية كما كانت يوم نهض رئيس الوزراء فألف وزارته.
يجب أن يذكر المصريون هذا كله، وألا يخدعهم عنه الأمل في زوال المحنة، وألا تلهيهم عنه الأحاديث والأماني. هذه الأهرام قد عادت تذيع تفكير الإنجليز في الوزارة القومية، وأخذت تتحدث عنها، وتعلن أنها لا تريد منذ الآن أن تدعو إليها، لأنها – مع إيمانها بأنها ضرورة من ضرورات الحياة المصرية الآن – تكره تزيينها والترغيب فيها بعد أن دعت إلى ذلك فساءت بها الظنون. وهذا نوع من الدعوة إلى الوزارة القومية فيه شيء من المهارة واللباقة، وفيه شيء من الاحتياط والاستحياء.
ومن المحقق أن صحفًا أخرى ستذكر الوزارة القومية، وستدعو إليها، وستلح في ذكرها والدعوة إليها. ومن المحقق أن أحدًا لن يرفض هذه الوزارة القومية، ولكن بشرط أن تكون نتيجة لإرادة الأمة حرة طليقة، لا شرطًا يمليه الإنجليز لتغيير الموقف السياسي الذي نحن فيه.
لن يرفض أحد فكرة الوزارة القومية إذا استُفتيت فيها الأمة فأفتت بها، وإذا دُعيت إليها الأمة فأجابت إليها. فأما أن تُملَى هذه الوزارة القومية على الأمة إملاءً من ناحية من النواحي، أو نادٍ من الأندية، أو من حزب من الأحزاب، فلن يبتسم لها أحد، ولن يستجيب لها أحد، ولن يقبل عليها إلا الذين يفكرون فيها ويدعون إليها.
يجب أن يذكر المصريون أنهم ليسوا هم الذين أنشأوا هذه الأزمة السياسية القائمة، وإنما أنشأها غيرهم، فيجب على من أنشأها أن يحلها. وليس لها حل إلا أن تُرد الأمور إلى ما كانت عليه يوم نهض صدقي باشا بأعباء الحكم. هنالك، وهنالك فحسب، يمكن أن تُستشار مصر في الوزارة القومية، وأن يجري الأمر في هذه الوزارة القومية على حكم الدستور، لا على شيء آخر.
نظن أنه ليس في هذا الكلام لبس ولا غموض، ونعتقد اعتقادًا لا سبيل إلى الشك فيه أنه يصور تصويرًا صادقًا رأي كثرة المصريين الذين سيرد إليهم الأمر كله اليوم أو غدًا.
كوكب الشرق ٢٥ – ٤ – ١٩٣٣
Tag: Negotiations
-
أنباء
-
غيوم
غيوم
يظهر أن في جوّ السياسة المصرية الخارجية غيومًا، لعلها خفيفة رقيقة ليس وراءها شيء، ولعلها ثقيلة صفيقة وراءها أشياء. ولعل الأيام المقبلة تكشف عما تحجب هذه الغيوم من خير أو شر. ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أن من الواجب العناية بهذه الغيوم، وتتبعها في دقة وفطنة. ومن الواجب أيضًا أن يجدّ المصريون في أن يقفوا منها موقف الصراحة التي لا تحتمل شكًّا ولا تأويلًا. وما الذي يمنعهم من ذلك؟ وآمالهم ومثلهم العليا في حياتهم الداخلية، وفي علاقاتهم الخارجية، واضحة كل الوضوح، جليّة كل الجلاء. ووسائلهم إلى تحقيق هذه الآمال، والوصول إلى هذه المثل العليا، لا غموض فيها ولا إبهام.
فهم يريدون أن يكونوا أحرارًا في بلادهم بكل ما يدلّ عليه معنى هذه الكلمة، ويسلكون إلى تحقيق هذه الحرية سبلهم الواضحة التي يراها الناس حبًّا، والتي قوامها المطالبة بالحق في غير هوادة، وفي غير مراوغة ولا دوران.
فهم يريدون أن تكون صلاتهم الخارجية قائمة على الحرية، لا يُكرهون عليها إكراهًا، ولا يُدفعون إليها دفعًا، ولا يُستدرجون إليها استدراجًا، ولا يُقضى فيها وهم غائبون.
والظاهر أن الوزارة المصرية القائمة تقف الآن مواقف مريبة إلى حدّ ما في بعض المسائل ذات الخطر، فتثير مواقفها هذه شكوكًا وأوهامًا ليس من مصلحة أحد أن تثور. ونحن نذكر من هذه المواقف المريبة التي تقفها الوزارة الآن ثلاثة ليس غير.
فأما أولها فموقف الحكومة بإزاء المفاوضة مع الإنجليز؛ فقد كان رئيس الوزراء يستغل مسألة المفاوضة في الأعوام الماضية، ويتخذ سعيه إليها وآماله في الظفر بها وسيلة من وسائل البقاء في الحكم. وقد قال في ذلك فأكثر، وقال زميله القديم توفيق دوس باشا في ذلك فأطال. ثم انقضت هذه الآمال، وتبددت هذه الأماني، وظهر أن لا مفاوضة ولا شيء يشبه المفاوضة. ولكن الحديث عن المفاوضة عاد فتجدّد في أول هذا الشتاء، وأخذ الناس يقولون إن أحاديث تجري بين رئيس الوزراء والمندوب السامي، ويشيعون أنها تتقدم حينًا وتتأخر حينًا آخر.
ثم مرض رئيس الوزراء، وعجز عن المفاوضة والمحادثة أو ما يشبهها، ولكن الناس ظلوا يتحدثون عن المفاوضة، وغلا بعضهم فقال: إن ما عجز عنه صدقي باشا ينهض به قوم آخرون غير صدقي باشا.
ثم سافر المندوب السامي فجأة، ولعله لم ينخدع لها أحد، فكثرت الإشاعات، واستفاضت الأحاديث بأن في الأمر شيئًا، وبأن مشروع معاهدة قد تمّ. وسافر المندوب السامي ليعرضه على حكومته؛ فإن أقرّته أمضاه رئيس الوزراء، واستقال لأن مهمته انتهت. وإن رفضته استقال رئيس الوزراء لأنه عجز عن تحقيق الاستقلال، وقد أخذ على نفسه عهدًا ليحققن الاستقلال، أو لينزلن عن الحكم.
والناس يختلفون في مشروع المعاهدة هذا؛ فمنهم من يرقى به حتى يبلغ المشروع الذي وصل إليه الوفد الرسمي الأخير، ومنهم من ينزل به حتى يصل إلى مشروع ثروت-تشامبرلين، ومنهم من يضطرب بين هذين المشروعين هبوطًا وارتفاعًا. وأكبر الظن أن أكثر هذه الأحاديث غير صحيح، ولكن هناك شيئًا لا شك فيه، وهو أن هذه الأحاديث التي تتصل وتستفيض وتلحّ في الاستفاضة والاتصال قد أثارت ريبًا كثيرًا في نفوس الناس من المصريين والأجانب.
فأما المصريون فمن حقهم أن يرتابوا، لأن الأمر يتصل بحياتهم واستقلالهم، وهم لم يتعودوا إلحاحًا في التكتم والمداورة حول مسألة الاستقلال كهذا الإلحاح في التكتم والمداورة الآن. وهم لا يثقون بالوزارة القائمة، ولا يطمئنون إليها. ولعل أيسر ما يقال عن رأيهم في هذه الوزارة أنهم يرتابون أشدّ الارتياب بكل ما تأتي؛ لأنهم قد جرّبوا عليها الإسراف في الهوان، والإفراط في التقصير، والغلوّ في دفع الأثمان الباهظة لأيسر الأشياء وأقلّها خطرًا.
وهم يعلمون حقّ العلم أن البقاء في الحكم شيء له قيمته، ويجب أن يؤدّى ثمنه، فيخافون—ومن حقهم أن يخافوا—ألّا يكون إسراف الحكومة في تملّق الإنجليز، ومبالغتها في تحقيق أغراضهم ومآربهم في مصر والسودان، كافيًا للحياد النزيه، ووسيلة كافية للبقاء في الحكم. وأن تُعرض الوزارة، أو يُطلب إليها أصدقاؤها والمؤيدون لها من الإنجليز، مشروعَ معاهدةٍ معيّنًا على أن يكون ثمنًا للحكم وقتًا آخر، طويلًا أو قصيرًا.
وأما الأجانب فلم ينظروا في يوم من الأيام—وهم لا يستطيعون أن ينظروا—إلى المفاوضات بين المصريين والإنجليز نظرة المستخف الذي لا يحفل ولا يكترث؛ فلهم مصالحهم أيضًا في مصر، وهذه المصالح جزء من موضوع المفاوضات. ومن حقهم أن يعرفوا، أو أن يحاولوا أن يعرفوا، إلى أي حدّ تُراعى هذه المصالح، وعلى أي نحو تُراعى، وماذا يبقى لهم، وماذا يُؤخذ منهم. فإذا كانت المفاوضات سرًّا مكتومًا، وحديثًا من وراء ستار، فليس غريبًا أن تثور الريبة في نفوس الأجانب هؤلاء، وليس غريبًا أن تكثر بينهم الأحاديث، وتستفيض فيهم الإشاعات؛ فيفرح منهم فريق، ويجزع منهم فريق آخر، ويضطرب الجوّ السياسي على كل حال.
هذا كله ولم نذكر البرلمان الذي لا يعلم من أمر هذه الأحاديث أكثر مما علمه عامة الناس، ولكن البرلمان راضٍ عن موقفه هذا، فلندعه وما يرضى.
ونستطيع أن نؤكد أن هذا الغموض والإبهام، وهذا التستّر والتكتم، ليس من شأنه أن يوجد في مصر جوًّا صالحًا لحياة صالحة. وما رأيك في جوّ سياسي قوامه الإشاعات المضطربة المختلطة، التي تدعو إلى الريبة وسوء الظن، وتُلقي في روع المصريين والأجانب معًا أن شيئًا يجري خلف ستار، هو بالمؤامرة أشبه منه بالمفاوضة؟
أما الموقف الثاني من المواقف المريبة التي تقفها الحكومة فبإزاء الدين. فقد زعمت الحكومة أن رئيسها وُفِّق إلى إقناع الدول الأوروبية بوجهة النظر المصرية، كما يقولون، وعاد رئيس الوزراء من أوروبا فتمدّح بهذا الفوز في شيء من الدلال والتيه، وفي لون من التلميح والتعريض، وفي تجنّب للصراحة والوضوح، كما يفعل أصحاب الكفايات السياسية العليا. ثم ظهر أنه لم يوفّق إلى شيء. فأوفد صاحب السعادة عبد الحميد بدوي باشا إلى إيطاليا وفرنسا وإنجلترا ليجدد الحديث في هذا الموضوع، وقيل إنه وُفِّق إلى شيء كثير، ثم قيل إنه لم يوفّق إلى شيء.
ثم صدر حكم المحكمة المختلطة فغضب الناس جميعًا، وأعلن رئيس الوزراء أنه لن يدفع إلا ورقًا، ولكنه لم يتخذ إلى الآن وسيلة من الوسائل ليثبت للناس أنه يريد أن يفعل كما قال.
ومن هنا ابتدأت الريَب والشكوك في نفوس المصريين والأجانب معًا: أيريد رئيس الوزراء أن يلائم بين قوله وفعله فلا يدفع إلا ورقًا؟ أم هو يريد أن يطاول ويماطل لتهدأ ثائرة الشعب، ثم ينزل بعد ذلك عند ما يريد الدائنون؟
فإن تكن الثانية، فإن المصريين معذورون حين يسيئون الظن ويتوقعون الشر، وينكرون الحكومة التي تخدعهم، والأجانب الذين يستغلونهم. والأجانب معذورون حين يضطربون بين اليأس والأمل، وبين الخوف والرجاء، وحين يترددون بين الذهب النضار، وبين ما قد يضطر إليه المصريون من بغضهم والتبرّم بهم.
وإن تكن الأولى، فما أبطأ الحكومة في اتخاذ قرار حاسم مريح! وما سببها إلى اتخاذ هذا القرار؟ أتريد أن تتخذه وحدها في غير مفاوضة ولا مناقشة؟ أم تريد أن تفاوض وتناقش؟ ومن تفاوض؟ أتفاوض الإنجليز وحدهم ليكونوا وسيلتها وشفعاءها عند الأمم الأخرى؟ أم تفاوض الدول الأخرى في غير وساطة من الإنجليز؟
كل هذه مسائل يخوض فيها الناس من المصريين والأجانب، فتثير في نفوسهم شكوكًا وريَبًا، وتخلق جوًّا رديئًا قوامه سوء الظن، وفساد الرأي، وضعف التعاون الذي يجب أن يكون بين الذين يعيشون على ضفاف النيل من المصريين والأجانب جميعًا. كلٌّ يرتاب بصاحبه، وكلٌّ يخاف من صاحبه، وكلٌّ يصدق فيه قول الشاعر القديم:
فإمّا أن تكون أخي بحق فأعرف منك غثّي من سميني
وإلّا فاطرحني واتخذني عدوًّا أجتويك وتجتويني
الموقف الثالث من هذه المواقف المريبة موقف الحكومة في شأن الامتيازات؛ فالمصريون جميعًا يكرهون الامتيازات، ويريدون أن يتخلصوا منها كما تخلّص غيرهم من الأمم الشرقية. وكانت الحكومة المصرية تصل مسألة الامتيازات بمسألة المفاوضة مع الإنجليز. فلما صدر حكم المحكمة المختلطة في مسألة الدين ظهرت مطالبات منظّمة بإلغاء الامتيازات فورًا، لم يخفَ عنها أحد من المصريين ولا من الأجانب المقيمين في مصر، بل عرف أولئك وهؤلاء من أين هبّت الريح. وقد بلغت الريح البرلمان، لكنها لم تلبث أن هدأت، فهدأت حاسة النواب والشيوخ، واستقرّت فاستقرّت حاسة تلك الجماعات التي كانت ترسل العرائض في كل يوم إلى الصحف. ولعل المصريين والأجانب جميعًا قد فهموا—أو كادوا يفهمون—كيف هبّت الريح وكيف استقرّت، ولكن استقرار هذه الريح لم يستتبع استقرار النفوس في البيوتات المصرية والأجنبية؛ فالمصريون ينتهزون الفرصة ليلحّوا في إلغاء الامتيازات، والأجانب يقفون موقف الدفاع حينًا، وموقف الهجوم المنكر حينًا، وموقف الريبة والخوف على كل حال.
وليس من مصلحة أيّ إنسان أن يكون الخوف والريبة والبغض قوام الصلات بين المصريين والأجانب. ولا يقف الأمر عند هذا الحد؛ فهذه جريدة «الديلي» تشير إلى هذه المواقف الثلاثة التي تقفها الحكومة المصرية في الدين، والمعاهدة، والامتيازات، فيظهر في إشارتها الشك والارتياب أيضًا. فليس الشك مقصورًا إذن على المقيمين في مصر، وإنما يتجاوزهم إلى أوروبا وصحفها الكبرى.
ومع ذلك فليس هناك موقف أصرح ولا أوضح من موقف الأمة المصرية الطبيعي بإزاء هذه المسائل الثلاث؛ فهي فيما بينها وبين الإنجليز تريد استقلالًا شريفًا لا لبس فيه ولا غموض، وهي فيما بينها وبين الدائنين تريد أن تدفع بنقدها كما تفعل الأمم التي لا تزال معتزمة أداء ما عليها من دين، وهي فيما بينها وبين الدول صاحبات الامتيازات تريد أن تلغي هذا النظام العتيق، وأن تلغيه في غير مواربة ولا عداء.
فما الذي يمنع الحكومة أن تقف من هذه المسائل موقفًا صريحًا واضحًا كموقف الأمة، فتزيل الشكوك وتمحو الريَب؟ الذي يمنعها شيء يسير لا تحفل به، ولكنه قوام الحياة الصالحة في كل دولة تقدّر كرامتها: وهو أن الصلة قد انقطعت بينها وبين الأمة؛ فهي تسيء الظنّ بالشعب وتخاف منه على كل شيء، والشعب يسيء الظنّ بها ويخاف منها على كل شيء. والغريب مع ذلك أن يعتقد بعض الأجانب من الإنجليز وغير الإنجليز أنهم يستطيعون أن يتفقوا مع هذه الوزارة على شيء ضئيل أو عظيم.
كوكب الشرق ٢٨ – ٣ – ١٩٣٣