هدنة
يظهر أن المفاوضات الدقيقة الشائكة التي كانت تدور بين الإسكندرية و«فرساي» قد خطت خطوة في سبيل النجاح كما يقولون، فقبل رئيس الوزراء المستقيل أن يمد في أسباب الأزمة إلى أن يصل إلى مصر، وقبل من ناحية أخرى أن تقام له الحفلة، ولكن بعد وصوله، لا في اليوم الذي يصل فيه.
والظاهر أن الموقف السياسي لمصر كان معرضًا لأشد الأخطار، وأن طائفة من الكوارث الهائلة المروعة كانت تتأهب لمهاجمة هذا البلد المسكين لولا أن تداركه الله بلطفه وعطفه فأرسل الرحمة إلى قلب «صدقي باشا»، وأجرى لسانه بكلمات لا تحل الأزمة ولا تلغيها، وإنما تؤجلها أجلًا ما. وستستطيع مصر أن تتنفس وأن تملأ رئتيها بالهواء النقي وأن تدخر من القوة والثبات في هذه الأيام ما يمكنها من احتمال الصدمة العنيفة التي لا بد من وقوعها يوم الثلاثاء أو يوم الأربعاء، أو بعد ذلك بقليل. ومصر مدينة بهذا الفرج الموقوت، وبهذه الراحة المحدودة لما أظهرته المفوضية المصرية في «باريس» من اللباقة والنشاط، ومن التفوق والمهارة، فهي إذن حَرِيَّة بالتهنئة، حَرِيَّة بالثناء. وقد أدى أحد الطرفين المتفاوضين للمفوضية حقها من ذلك، فأثنى رئيس الوزراء المستقيل ثناءً عذبًا على مفوضيتنا حين كان يركب القطار أمس، ولم يبق إلا أن يؤدي الطرف الثاني من الطرفين المتفاوضين إلى المفوضية ما يجب لها عليه من الشكر والثناء. ولعل بلاغًا رسميًا تصدره الوزارة فتحصي فيه عدد الجهود الموفقة التي بذلها وزيرنا المفوض في «باريس» حتى رد رئيس الوزارة عن عناده بعض الشيء فأتاح لمصر أن تبتهج بلقائه، وقد كان يمكن أن يعود فيؤجل سفره بعد تعجيله، وأتاح للوزراء أن يسعدوا بلقاء رئيسهم وأن يناظروه ويداوروه لعلهم أن يحولوه عن هذه الاستقالة التي وقعت كما يقع الشعر في الحساء فيما يقول الفرنسيون.
ومهما يكن من شيء، فنحن في هدنة قد بدأت منذ ركب رئيس الوزراء قطاره أمس، وستستمر ثلاثة أيام كاملة ولعلها تزيد قليلًا. ولكن هذه الهدنة لن تريح الخائفين من الخوف، ولا الطامعين من الطمع، ولا الساعين بين أولئك وهؤلاء من السعي؛ فستضطرب قلوب الوزاريين، ويشتد اضطرابها بالخوف والإشفاق، وستخفق أفئدة المستوزرين، ويشتد خفقانها بالأمل والرجاء، وسيمضي الساعون فيما يسعون من التأليف والتشكيل، ومن التوفيق والتقريب، لعلهم أن يهيئوا للأيام المقبلة وزارة صالحة لخلافة «صدقي باشا»، مستكملة على أقل تقدير لبعض هذه الشروط التي تذاع لتخدع الناس، ولكنها لا تخدع أحدًا حتى ولا الذين يذيعونها.
والظاهر أن مكاتب «التيمس» في القاهرة يزوّر أماني جماعة من الناس حين يتحدث إلى صحيفته بأن الوزارة المقبلة ستتألف من جميع الأحزاب إلا الوفد، وستستطيع بحكم تأليفها وطبيعة الأحزاب التي ستشترك فيها أن تنهض بهذا العبء الثقيل الذي عجز «صدقي باشا» عن احتماله، فاضطر إلى أن يلقيه عن كتفيه المتعبتين، فهي إذن الوزارة القومية التي لا قوم فيها كما قال بعض الوزاريين السابقين، وهي إذن صورة منقوصة لهذه الأمنية التي كان يتمناها «السير برسي لورين» فلم يوفق إلى تحقيقها، وهي على كل حال محاولة من المحاولات لإخفاء هذا الإخفاق الفاضح الشنيع الذي انتهت إليه سياسة هذا العهد السعيد. وهي على كل حال أيضًا لا تعدو أن تكون محاولة من المحاولات التي يتكلف أصحابها في سبيلها الجهد العنيف والمشقة العسيرة، ثم لا يظفرون منها بشيء، ولا ينتهون منها إلا إلى سوء الحال، وخيبة الآمال والندم اللاذع على ما فرطوا في ذات الوطن وفي ذات أنفسهم.
فكل مصري يحاول أن يطيل سياسة هذا العهد السعيد مفرط في حق الوطن؛ لأن الوطن لم يجن من هذا العهد السعيد خيرًا، ولم يلق من سياسته إلا شر ما تلقى الشعوب من سياسة تقوم على القهر والعنف، وعلى الاستبداد وإيثار المنافع العاجلة على الواجبات الوطنية الخالدة. ولو أن مصر جنت من سياسة هذا العهد خيرًا ولو قليلًا؛ لما رضيت الصحف الإنجليزية عنها هذا الرضا، ولما حرصت عليها هذا الحرص. فإن هذه الصحف لا يمكن أن تكون مصرية أكثر من المصريين، وإنما هي صحف إنجليزية قبل كل شيء وفوق كل شيء، وهي تؤثر المنفعة الإنجليزية على كل شيء آخر، فإذ رأيناها تتمدح بالسياسة التي أقام بناءها «صدقي باشا» و«السير برسي لورين»، وتثني على النتائج التي انتهت إليها، فنحن واثقون بأنها لا تظهر ما تظهر من الرضا إلا لأن هذه السياسة قد حققت للإنجليز من المآرب والمنافع العاجلة ما كانوا يريدون. والذين يقرؤون ما نشرته «التيمس» لا يشكون في أن هناك محالفة بين طلاب المنافع في مصر وفي إنجلترا على تأييد هذه السياسة التي تحكم بها مصر رغم أنفها، وعلى غير ما تحب وتهوى.
فأما الحلفاء المصريون فلهم المناصب وما يتصل بها من مظاهر الجاه والسلطان. وأما الإنجليز فلهم تحقيق المآرب وإرضاء المنافع وقضاء الحاجات، وبسط النفوذ وتوطيد السلطان. وأما مصر فعليها أن تؤدي لأولئك وهؤلاء ما يريد أولئك وهؤلاء مهما يكلفها ذلك من جهد، ومهما يحملها ذلك من مشقة، ومهما يضطرها ذلك إليه من احتمال الذل والضيم، وصبر على الجوع والحرمان.
كل مصري يعين من قريب أو بعيد على إطالة هذا العهد الذي أقام بناءه «صدقي باشا» و«السير برسي لورين» مفرط في حق وطنه؛ لأنه لا يزيد على أن يحقق ما تعترف به «التيمس» نفسها من أنه حكم المصريين على غير ما يريد المصريون. وهو كذلك مفرط في حق نفسه لأنه يتعجل المنفعة التي لا خطر لها، ويضحي في سبيل ذلك بكرامته وراحته وواجبه ورضا ضميره، ثم لا يجني من وراء ذلك كله إلا ما جنى هؤلاء الذين ساسوا مصر هذه السياسة أكثر من ثلاثة أعوام، ثم انتهوا إلى ما ينتهون إليه اليوم من سوء الحال وسخط المواطنين.
وإنه لحمق أحمق هذا الذي يخيل للطامعين المتعجلين أنهم سيكونون أحسن حظًا من الذين سبقوهم إلى الطمع والتعجل، وأشد توفيقًا إلى ما لم يوفق إليه الذين تقدموهم في سبيلهما. حق هذا الذي يخيل إلى الطامعين والمتعجلين أنهم قد يكونون أحسن حظًا من رئيس الوزراء المستقيل وأعوانه. وقد يوفقون إلى خير مما وفقوا إليه. فإن الشعب المصري الذي أبلى الوزارات في إثر الوزارات، وضيّع جهود المعتدين عليه والطامعين فيه مازال كما كان، لم يضعف ولم يهن، ولم يصبه التفريط في حقه ولا التقصير في ذات نفسه، بل ليس من شك في أن انتصاره على وزارات الشدة والعنف التي أرادت إذلاله وأخذه بغير ما يريد، قد زادته إيمانًا بحقه وثقةً بنفسه، واستعدادًا للصبر وقدرةً على الجهاد والنضال.
فما أجدر الذين يتحلب ريقهم شوقًا إلى الحكم وطمعًا فيه، وتنزو قلوبهم في صدورهم أملًا في السلطان وتعجلًا له، ما أجدر هؤلاء أن يفكروا ويطيلوا التفكير، وأن يعتبروا ويحسنوا الاعتبار ويتعظوا بهذه المثلات التي خلت من قبلهم وأن يعلموا أن الذي يدفع نفسه إلى وزارة تقوم على غير مشيئة الأمة إنما يدفعها إلى طريق منكرة قد سلكها الناس من قبل، فلم يلقوا فيها إلا شر ما يلقى السائرون.
أما أنت أيها الشعب المصري فينبغي أن ترى وأن تقرأ وأن تفهم ما ترى وما تقرأ. هؤلاء خصومك من الإنجليز يعلنون رضاهم عن هذه الأعوام الثلاثة التي ذقتِ فيها ألوان الذل والضيم واحتملتِ فيها صنوف التعس والشقاء، وهم يزعمون أنك لم تكن في أي عهد من عهودكِ خيرًا مما كنت في هذا العهد، وهم يتمنون لهذا العهد طولًا وامتدادًا وهم يلتمسون الأعوان والأحلاف ليطول هذا العهد ويمتد، وتمضي أنت فيما يرون أنك سعيد به من نعمة هذه الحياة الحلوة الراضية التي فتح لك بابها رئيس الوزراء المستقيل. أفترى أن الإنجليز صادقون؟ أفترى أنك قد سعدت في ظل رئيس الوزراء المستقيل؟ أفترى أنك قد شبعت بعد جوع، وأثريت بعد فقر وكرمت بعد هوان؟ أفترى أنك حريص حقًا على أن تمتد بك أيام هذا العهد السعيد لتزداد سعادة إلى سعادة، ونعمة إلى نعمة، ورضا إلى رضا؟ كلا، ولو كنت سعيد حقًا، راضي حقًا، محب لسياسة هذا العهد حقًا، لما اضطر الإنجليز أنفسهم إلى أن ينقلوا مندوبهم، ولما اضطر رئيس الوزراء نفسه أن يستقيل. كلا لست راضيا وما ينبغي لك أن ترضى، ولست خائف وما ينبغي لك أن تخاف، وإنما أنت شعب صابر مصابر، يؤثر السلم والعافية، وتعلم أن فوزك رهين بإيثار السلم والعافية في غير يأس ولا ضعف، ولا فرقة ولا استسلام.
فامض على صبرك فلن تغيظ خصومكِ خير من الصبر، وامض على إيمانك بحقك وثقتك بنفسك فلن تهزم خصومك خير من الثقة والإيمان، وابتسم في سخرية للطامعين المتعجلين كما ابتسمت في سخرية للمخفقين المعتزلين.
كوكب الشرق في ٢-٩-١٩٣٣.
Tag: Negotiations
-
هدنة
-
حمى
حمى
مصدرها نقل المندوب السامي إلى تركيا، ولا غرابة في ذلك؛ فالسياسة كغيرها من الآفات، تثير الحمى حين تصل إلى بعض أطوارها الحادة التي تقوي اليأس وتضعف الرجاء، أو تفرض اليأس فرضاً وتمحو الرجاء محواً. وكما أن من اليسير أن تلاحظ الحمى التي تثيرها الآفات المختلفة في أجسام المرضى فتسجل ما يختلف عليها من الصعود والهبوط، فمن اليسير أن تلاحظ أطوار الحمى التي تصيب رجال السياسة وتسجل ما ينالها من الارتفاع والانخفاض. وكما أن لارتفاع الحمى وانخفاضها تأثيراً فيما يصدر عن المرضى من الأقوال وما يأتون من الأعمال، فللحمى السياسية آثارها فيما يقول رجال السياسة وما يعملون. وكما أن أمزجة المرضى وحظوظهم من القوة والضعف تمكنهم من مقاومة الحمى والامتناع عليها أو تخضعهم لسلطان الحمى وتضطرهم إلى الاستسلام لها؛ فأمزجة رجال السياسة تمكنهم أحياناً من أن يقاوموا الحمى السياسية فلا يظهر لها في أقوالهم وأعمالهم أثر ما، وتسلمهم أحياناً لسلطان هذه الحمى فلا يستطيعون مقاومتها ولا الامتناع عليها.
وقد عرفنا من رجال السياسة المصريين زعماء كثيرين، اختلفت عليهم الأحداث، واعترضتهم الخطوب وأطافت بهم الأزمات من كل مكان فثبتوا لها، وصبروا عليها، وظلت وجوههم مشرقة وثغورهم باسمة، وأحاديثهم مستقيمة، لا عوج فيها ولا التواء ولا خلط فيها ولا اضطراب.
وكان رئيس وزرائنا المستقيل من هؤلاء الناس قبل هذا العام، ولعله كان من أشدهم إغراقاً في ذلك وتكلفاً له وازدهاء به، وكثيراً ما تحدث الجادون والمازحون عن تلك الابتسامة التي لم تكن تفارق وجهه المشرق مهما تختلف الظروف، ولكن رئيس الوزراء تغير في هذا العام. وأكبر الظن أن المرض من جهة واتصال العناء السياسي المرهق من جهة أخرى، قد أضعفا حظه من المقاومة وجعلاه رجلاً كغيره من أوساط الناس تؤثر فيه الحمى السياسية فتخرجه عن طوره وتدفعه إلى أقوال وأعمال لا تصدر عن الساسة المحنكين. وما كانت تصدر عنه قبل الآن، فلولا أن حظه من المقاومة قد ضعف حتى أصبح كغيره من الناس لما صدمه نقل المندوب السامي، لأن هذا النقل شيء عادي لا قيمة له، ولا خطر. ولن يكون له تأثير ما في السياسة الإنجليزية المصرية. وهبه عظيم الخطر، بعيد الأثر في هذه السياسة كما يقول المعارضون الذين لا علم لهم بالسياسة ولا فهم لهم لدقائقها ودخائلها، فإن نوابغ الساسة وعظماء الرجال لا يحفلون أو لا يظهرون احتفالهم بالأشياء ذوات الخطر العظيم والأثر البعيد.
ولكن رئيس الوزراء لم يكد يبلغه نقل المندوب السامي حتى خف له طرباً أو جزعاً، فوثب من لوسرن إلى باريس، ثم لم يكتف بالانتقال إلى باريس ليكون قريباً من مفوضيتنا فيها ومن مفوضيتنا في لندرة، وليكون الاتصال يسيراً بينه وبين العاصمتين، عاصمة مصر حيث تتعقد السياسة الداخلية، وعاصمة إنجلترا حيث تتعقد السياسة الداخلية والخارجية معاً، بل عجل عودته إلى مصر واختزل إجازته واستشفاءه اختزالاً. وكل شيء يدل على أن رئيس الوزراء لو استطاع أن يثب إلى مصر كما وثب إلى باريس لما تردد ولا اضطرب، ولكن عبور البحر يحتاج إلى أن يصبر، واضطر إلى أن يستعد ويفكر، ولكن الحمى السياسية أخذت ترتفع شيئاً فشيئاً لأسباب قد نعلمها وقد نجهلها. وإذا رئيس الوزراء لا يكتفى بتعجيل عودته، بل يقدم سكرتيره بين يديه بشيراً بهذه العودة، وبما تحمله، أو نذيراً بهذه العودة وبما تحمله من الاستقالة أو بشيراً ونذيرا في وقت واحد.
وكان رئيس الوزراء حرياً أن يحتفظ بسكرتيره الخاص إلى أن يعود، لأنه لم يصطحبه إلا وهو محتاج إليه، فاستغناؤه عنه أكثر من أسبوعين تضحية خطيرة ما كان رئيس الوزراء ليقدم عليها لولا هذه الحمى السياسية التي تكلف الناس شططاً في كثير من الأحيان. ثم لم يكتفِ رئيس الوزراء بهذا البشير النذير الذي قدمه بين يديه، بل أراد أن يضيف إليه بشيراً في الصباح وبشيراً في المساء، أو نذيراً في الصباح ونذيراً في المساء. فدعا إليه مكاتب الأهرام، ثم دعا إليه مكاتب المقطم وحملهما جميعاً هاتين الرسالتين إلى الذين يعنيهم أمر الوزارة في مصر.
فقدم رئيس الوزراء إذن بين يديه طائفة من المبشرين والمنذرين، وكان حرياً بعد ذلك — وقد بلغت الرسالة وأدى الرسل ما طلب إليهم تأديته — أن يهدأ ويطمئن، ويعود إلى طور الساسة الذين يحسنون الصبر للخطوب والأحداث، ولكن رئيس الوزراء لم يهدأ ولم يطمئن، ولم يعد إلى طور الساسة الصابرين، وإنما أخذت الحمى ترتفع وأخذت أقوال رئيس الوزراء وأعماله يدفع بعضها بعضاً في شكل عنيف مخيف، وإذا المفاوضة تتصل بينه وبين الإسكندرية، وإذا هو يرسل نذيراً آخر أو بشيراً آخر مع صحفي إنجليزي، وإذا هو يتهيأ لركوب القطار ليرسل بشيراً آخر أو نذيراً آخر مع مكاتب روتر، وإذا وزيرنا المفوض فخري باشا يشفق عليه من هذه الحدة فيسأل مكاتب روتر في المحطة كالمطمئن لرئيس الوزراء: أترى على هذا الوجه ما يؤذن بأن صاحبه مريض؟ ويمضي القطار برئيس الوزراء إلى مدينة البندقية، وفي مدينة البندقية — للذين يعرفونها — ما يبعث الهدوء والاطمئنان. ويكفي أن ينظر الإنسان المضطرب إلى هذه الخلجان الهادئة المطمئنة التي تخترق المدينة لتهدأ نفسه ويطمئن قلبه، ويكفي أن ينظر الإنسان إلى هذه الزوارق التي تخطر على هذه الخلجان في هدوء ودعة لتزداد نفسه هدوءاً وقلبه اطمئناناً. ويكفي أن ينظر الإنسان إلى ما في هذه المدينة من مظاهر الفن وآيات الجمال التي اشتركت الطبيعة والناس في إقامتها لتنصرف نفسه عن السياسة وأعراضها وأمراضها، وليصعد في سماء حلوة هادئة من الخيال الذي يبعث في النفوس حياة وراحة، وأملاً ولذة ونعيماً.
وكل هذا خليق أن يهدى حمى الأجسام وحمى النفوس ولكن مدينة البندقية لم تظفر عند رئيس الوزراء بما تظفر به عند الفلاسفة والكتاب والشعراء، وعند عامة الناس أيضاً. فلم تهدى من حدته، ولم تخفف من ثورته، بل ركب السفينة كما ركب القطار إن صح ما تذيعه الأخبار من أنه أبرق إلى كبير الأمناء يلتمس تحديد الموعد الذي يتشرف فيه بمقابلة حضرة صاحب الجلالة الملك بعد وصوله إلى الإسكندرية. اعترف بأني أرجو كل الرجاء ألا يكون هذا النبأ صحيحاً، فهو إن صح غريب حقاً. فالناس جميعاً يعلمون حق العلم أن كبار المصريين إذا أبوا من سفر بعيد أو قريب التمسوا أن يتشرفوا بالمقابلة الملكية ليرفعوا إلى صاحب العرش ما يجب عليهم من التحية وما تفيض به قلوبهم من الإكبار والإجلال. ورؤساء الوزارات وزملاؤهم الوزراء أولى الناس بذلك وأسرعهم إليه. والناس جميعاً يعلمون أن هذه المقابلات إنما تطلب بعد العودة، لا قبلها، وبعد أن يقيد طلابها أسماءهم في سجل القصر. وما نظن أن مثل هذه المواعيد تطلب على هذا النحو بالبرق قبل ركوب البحر، أو من على ظهر السفينة إلا أن تكون هناك أحداث جسام، أو دون الجسام تحتاج إلى أن يتعجل رئيس الوزراء التماس هذا الموعد قبل أن يصل إلى الإسكندرية، ولا سيما وقد علم الناس أنه سيتشرف بالمقابلة، علم الناس ذلك من طبيعة الظروف التي نحن فيها. وعلم الناس ذلك أيضاً من تصريح رئيس الوزراء الذي أعلنه إلى الصحفى الإنجليزي وإلى مكاتب روتر قبل أن يترك باريس. فأنت توافقني من غير شك على أن هذا النبأ إن صح — وأنا أتمنى ألا يكون صحيحاً — يدل على أن هذه الأزمة السياسية قد وجدت من رئيس الوزراء رجلاً ضعيف الحظ من المقاومة والاحتمال، فأخرجته عن طوره، وتجاوزت به حدود التقاليد.
والأنباء تحدثنا بأن القصر لم يحدد هذا الموعد الذي طلبه رئيس الوزراء بالبرق بعد. فسيصل رئيس الوزراء سالماً موفوراً غداً إن شاء الله إلى الاسكندرية، وسيذهب رئيس الوزراء إلى رأس التين فيقيد اسمه في سجل القصر كغيره من رؤساء الوزارات وكبار المصريين. وفي الوقت بعد ذلك سعة يتلقى فيها رئيس الوزراء تحديد الموعد الذي طلبه للتشرف بمقابلة حضرة صاحب الجلالة الملك، قد يتلقى تحديد هذا الموعد مساء الثلاثاء، وقد يتلقاه يوم الأربعاء وقد يتلقاه بعد ذلك، ولكن المعقول والمألوف والملائم لأوضاع القصر وتقاليد السياسة أن يتلقى تحديد هذا الموعد في الإسكندرية، لا في البندقية ولا على ظهر السفينة.
وبعد فإن هذه التصرفات التي صدرت عن رئيس الوزراء منذ أيام، وصح أكثرها فلم يبق عرضة للشك دليل واضح على أن الذين نصحوا لرئيس الوزراء بأن يعتزل الحكم، ويريح نفسه من أعباء السياسة حين ثقل عليه المرض لم يكونوا غاشين ولا مخطئين، وإنما كانوا ناصحين حقاً، وموفقين إلى الصواب حقاً.
وكل ما نتمناه أن تكون هذه الآخره التي ينتهي إليها حكم صدقى باشا عظة لغيره من الذين يتولون رياسة الوزارات تعلمهم أن النهوض بأعباء الحكم كما ينبغى، وكما يليق يحتاج إلى صحة كاملة وقوة موفورة ونشاط لا يعرف الضعف، ولا يخاف عليه الفتور.
كوكب الشرق في ٤ – ٩ – ١٩٣٣. -
مفاوضة
مفاوضة
ليست بين الإنجليز والمصريين في المسألة المصرية، فقد عدلت إنجلترا عن المفاوضة الآن، ويئس منها أساطين هذا العهد السعيد. وليست بين مصر وفرنسا حول مسألة الدين، فقد أصرت فرنسا على ألا يؤدّى إليها الدين وفوائده إلا ذهبًا، ومضت معها إيطاليا في ذلك، وسكتت عنهما إنجلترا صديقتنا العزيزة، وخرج الأمر عن أن تجدي فيه المفاوضات. وليست بين مصر وأي دولة أخرى من دول الشرق والغرب، فالصلات بيننا وبين هذه الدول مستقرة وثابتة، لا تحتاج إلى أخذ ورد، ولا إلى تغيير وتبديل، وإن كان وزير «ألمانيا» المفوض يتردد من حين إلى حين على وزارة الخارجية محتجًا على أعمال الإسرائيليين، وإنما هي مفاوضة بين مصر الرسمية المقيمة في الإسكندرية وبين «رئيس الوزراء» المقيم في «فرساي».
والناس يجهلون موضوع هذه المفاوضات، أو لا يكادون يعرفون منه إلا شيئًا قليلًا، لا يمكن القطع به والجزم بحقيقته. فـ«الأهرام» تزعم أن لـ«رئيس الوزراء» مطالب يريد أن يجاب إليها قبل أن يصل إلى مصر، ولكن «الأهرام» لا تبين هذه المطالب ولا تشير إليها، و«المقطم» تشير من طرف خفي جدًّا إلى شيء كهذا حين تذكر أن «رئيس الوزراء» مسه شيء من الغضب، قوي أو ضعيف، حين أراد أن يسافر وكيل المالية إلى الولايات المتحدة ليتبين حقيقة الجهود التي تنفقها حكومة «واشنطن» لرفع الأسعار. ولكن «المقطم» كـ«الأهرام» لا تكاد تبين عن هذا الخلاف القائم الذي يدعو إلى اتصال المفاوضات بين الإسكندرية و«فرساي» من طريق «باريس».
نعم، من طريق «باريس»، فالإسكندرية لا تفاوض «فرساي» رأسًا، وقصر «بولكلي» لا يفاوض فندق «تريانون» مباشرة، وإنما تتوسط المفوضية المصرية بين المدينتين، ويسعى وزيرنا المفوض بين القصرين. ولا بد من أن تجري الأمور على هذا النحو، فإن المفوضيات لم تنشأ، والوزراء المفوضين لم يعينوا لإقامة الحفلات واستقبال «وزير التقاليد» على موائد الغداء ليس غير، وإنما أنشئت المفوضيات وعين الوزراء المفوضون لشيء أدنى من هذا كله إلى الجد.
وإذا لم تكن مسألة الدين خليقة أن يسعى فيها وزيرنا المفوض في «باريس» بين «بولكلي» وقصر «كي دورسي»، أو بين صاحب العزة «صليب بك سامي» و«المسيو بول بونكور»، فإن في هذا الخلاف القائم ما يمكن وزيرنا من السعي بين صاحب المعالي «شفيق باشا» رئيس الوزراء النائب، وصاحب الدولة «صدقي باشا» رئيس الوزراء الأصيل.
كذلك يريدون أن تكون شؤوننا مثيرة دائمًا للابتسام حتى حين يجدّ الجد، وحين يدعو الأمر إلى كل شيء إلا الابتسام. مهما يكن من شيء فإن هناك مفاوضات بين الإسكندرية و«فرساي»، يسعى فيها صاحب المعالي «فخري باشا»، وأكبر الظن أننا نكتب هذا الفصل وقد انتهت هذه المفاوضات وجاء رد «فرساي» يحمل إلى الإسكندرية النبأ «نعم»، أو يحمل النبأ «لا».
وعلى «نعم» أو «لا» تقف أمور مصر في الأيام القريبة المقبلة. فمن يدري؟ لعل «نعم» أن تمكن «رئيس الوزراء» من إتمام برنامجه فيأخذ القطار، ويعبر البحر، ويرفع استقالته بعد أن يستريح، ولعل «لا» هذه أن تحول دون إتمام هذا البرنامج فيبقى «رئيس الوزراء» في «فرساي» ويعود إلى مصر متى أراد هؤلاء، لا متى أرادت الظروف.
وواضح جدًا أن المفاوضات الخطيرة التي تضطرب بها أسلاك البرق، أو يتموج بها هواء الجو، ليست حول الاحتفال الرائع الذي يريد حزب الشعب أن يقيمه لـ«رئيس الوزراء» متى عاد. فأمر حزب الشعب فيما نرجو، وأمر احتفاله واستقباله أهون على الله والناس والدولة من أن تجري فيه المفاوضات الرسمية بواسطة المفوضية المصرية في عاصمة الجمهورية الفرنسية الثالثة، إلا أن يكون المثل العربي القديم صحيحًا، وأن يكون «معظم النار من مستصغر الشرر»، وأن يكون هذا الحفل اليسير قد أثار أزمة كانت تريد منذ عهد بعيد أن تثور. وواضح جدًا أن المفاوضات ليست بين الوزراء من حيث هم وزراء، وبين الرئيس من حيث هو رئيس، فقد يكون من الغريب للذين يعرفون الوزارة القائمة ورأيها في نفسها ورأي الناس فيها، ورأي الإنجليز فيها بنوع خاص، أن يثور بينها وبين رئيسها خلاف يبلغ من العنف أن يقدّم الرئيس إليها (التمائم) أو البلاغ النهائي، وأن تدور بينها وبينه مفاوضات طويلة عريضة تحدث في مفوضيتنا في «باريس» حركة غير عادية، قد تكون إن طالت بعض الشيء حديث السفراء المقيمين في مدينة النور. ولا بد إذن من أن يكون هذا الخلاف الذي تذكره «الأهرام»، وتشير إليه «المقطم»، قد ثار بين رئيس الوزراء وبين جهة من الجهات العليا التي يمكن أن تخالف رئيس الوزراء فيدعو خلافها إلى إثارة أزمة وزارية حادّة. ولسنا نتنبأ بشيء ولا نريد، ولا نستطيع أن نجزم بشيء، ولكننا نلاحظ متواضعين، مستشعرين مع هذا التواضع شيئًا من العجب: إن «وزير التقاليد» يجب أن يكون مغضبًا غضبًا شديدًا نغص عليه حفلة الغداء التي أقيمت له أمس في المفوضية المصرية، والتي لم يحضرها «رئيس الوزراء» لأنه مريض، متعب، أو لأنه مغيظ محنق في وقت واحد. يجب أن يكون «وزير التقاليد» مغضبًا حقًا، لأن هذه الأزمة الطارئة قد خرجت على التقاليد وانتهكت حرماتها، وضربت بقواعدها وأصولها عرض الحائط أو عرض الأفق كما يقولون. فمتى رأى الناس أزمة تنشأ ثم تشتد ثم تحتد و«رئيس الوزراء» غائب عن مستقر الوزارة؟ ومتى رأى الناس وزيرًا مفوضًا يكلف السعي بالخصام أو السلام بين «رئيس الوزراء» وزملائه الأعضاء؟ ولكن «وزير التقاليد» جلد صبور، حازم عازم، يستطيع أن يصبر على مثل هذه البدعة التي اضطرت إليها ظروف قد لا يكون إلى اتقائها من سبيل.
ألست ترى أن رئاسة «صدقي باشا» للوزارة تكلف مصر ألوانًا من الشطط، منها ما يلهي ومنها ما يحزن، فلو أن رئيسًا من رؤساء الوزارات في أي بلد من البلاد التي لم يمنحها الله نعمة فراغ البال، ألمّ به ما ألمّ بـ«صدقي باشا» من المرض الطويل الثقيل لأراح نفسه، وأراح وزارته وأراح أمته من كل عناء، ولاستقال مؤثرًا لنفسه الصحة ومؤثرًا لوطنه المنفعة واستقامة الأمور، ولكن «صدقي باشا» مرض في يناير، واستشفى في مصر ثلاثة أشهر وبعض شهر، ثم سافر إلى «أوروبا» فاستشفى فيها ثلاثة أشهر وبعض شهر، ظل مريضًا سبعة أشهر، لا يعمل ولا يستقيل ولا يكره أن يكلف الدولة أثقالًا أخفها وأهونها أجره على عمل لا يستطيع أداءه، وما يتصل بهذا العمل المعطل من نفقات يبذل بعضها في مصر، ويبذل بعضها في «أوروبا». فإذا انتهت هذه الأشهر السبعة بدا لـ«رئيس الوزراء» فذكر الاستقالة وفكر فيها، ولكنه لا يذكر الاستقالة كما يذكرها الناس، ولا يفكر فيها كما يفكر فيها الناس، وإنما ينفي، ثم يلمح ثم يصرح، ثم يكتب إلى مصر، ثم يثير المفاوضات بينه وبين مصر، ثم يضطر وزارته إلى أن تقف هذا الموقف المعلّق الذي لا تُحسد عليه. وكان أهون من ذلك وأيسر أن يستخير الله، فإن رأى قدرة على استبقاء المنصب استبقاه، وإن رأى عجزًا عن ذلك استقال من بعيد وأقام حيث يريد، أو كتم الأمر وعاد إلى مصر ثم استقال كما يستقيل الناس. فأما كل هذه الحركات والمداورات والإقدام والإحجام، فلا خير فيه لأحد، لا خير فيه لـ«رئيس الوزارة» نفسه. وإذ لم يكن بد من أن يُصوَّر موقف الوزارة القائمة الآن فهو موقف الذي يريد أن يجود بنفسه، ولكنه يجد في ذلك مشقة وعسرًا، فيظل معلقًا بين الموت والحياة وقتًا طويلًا.
وبعد فإن في مصر من الخطوب، وأمام مصر من المشاكل ما هو أشد خطرًا، وأبعد أثرًا في حياتها من بقاء الوزارة القائمة أو اعتزالها للحكم، فهذه الأزمة الاقتصادية تنذر بأعظم الضر، ولا بد من أعمال سريعة حاسمة لتحول بين مصر وبين الخراب. وهذه مسألة الديون توشك أن تستحيل إلى كارثة لم تشهد مصر مثلها في العصر الحديث، ولا بد من خطة حازمة ترد عن مصر شرها المستطير. وهذا الأمن يزداد فسادًا من يوم إلى يوم، ويزداد عجز الوزارة عن ضبطه من حين إلى حين، ولا بد من جهود حازمة حاسمة ليأمن الناس على أنفسهم وعلى ما بقي من أموالهم. فإحدى اثنتين: إما أن تكون الوزارة قادرة على البقاء صالحة له، وإذن فلتعلن ذلك إلى الناس، ولتنهض إن استطاعت بما يجب أن تنهض به من الأعمال، وإما أن تكون الوزارة عاجزة عن البقاء، غير صالحة له، وإذن فلتدع مكانها لوزارة تواجه المشكلات وتحول بين مصر، وبين التردي في هذه الهوة التي ليس لها قرار. لقد علقت حياة مصر بين اليأس والرجاء منذ مرض «رئيس الوزراء»، وقد آن لهذا التعليق أن ينتهي، وآن لشؤون مصر أن تستقر، وأصبح المضي في هذا العبث جناية عظيمة في حق الوطن.
كوكب الشرق في ٠١\٠٩\١٩٣٣. -
جلاء
جلاء
لم يبق شك ولا ريب في أن جو السياسة المصرية قد أخذ ينجلي شيئًا فشيئًا، ويزول عنه هذا السحاب الكثيف الذي كان يحول بينه وبين الصفو منذ أسابيع. فقد طرد الإنجليز بعض هذا السحاب الكثيف حين نقلوا مندوبهم السامي، وحاول «رئيس الوزراء» أن يطرد بعضه الآخر أول أمس، فأقدم على ذلك في استحياء قبل الظهر، ثم في صراحة مع المساء. تحدث إلى «الأهرام» فأكد أن وزارته قوية متينة كأقوى ما كانت وكأمتن ما كانت، بل أقوى وأمتن مما كانت في يوم من الأيام. ولم يكد يختم حديثه حتى ذكر تعديل الوزارة، وأشار إلى التغيير الممكن لأن بقاء الوزارات في مراكزها على الدوام شيء لا سبيل إليه.
ولم يكد يتقدم النهار حتى كان «رئيس الوزراء» قد وجد حظًا كافيًا من الشجاعة يمكنه من أن يصارح الناس بالحق، ويظهرهم على جلية الأمر، وليس في ذلك شيء من الغرابة. فـ«رئيس الوزراء» الآن مقيم في فرنسا، وهو يسمع الفرنسيين يرددون ألف مرة ومرة في اليوم مثلهم السائر الحكيم: إنما المشقة في الخطوة الأولى. وقد خطا «رئيس الوزراء» هذه الخطوة مع «الأهرام» فاستنفد الجهد الجاهد والمشقة العنيفة، وهان عليه الخطوة الثانية فخطاها مع كاتب «المقطم» في المساء، ولمح إلى استقالته تلميحًا، أو صرح باستقالته تصريحًا، فذكر أن شخص الوزير الذي ينهض بأعباء الحكم لا خطر له، وإنما الخطر كل الخطر لسياسته ونظامه؛ لأن الوزير قد تضطره ظروف كالمرض مثلًا إلى أن يترك منصب الحكم. فأما السياسة فهي الشيء ذو الخطر. ثم أكد «رئيس الوزراء» أن سياسته باقية لأنها تعتمد على ثقة البرلمان. ومعنى ذلك أن شخص «رئيس الوزراء» كشخص «السير برسي لورين»، لم يبق لهما غناء في السياسة المصرية، وأن سياستهما فيما يقول «رئيس الوزراء»، وفيما يقول بعض الإنجليز والمصريين، باقية لم تتغير ولن تتغير.
فلنسجل قبل كل شيء أن المندوب السامي قد نقل بالفعل، وأن «رئيس الوزراء» نفسه ينبئنا عن نفسه بأنه سيستقيل إن لم يكن قد استقال بالفعل. وإذن فالشخصان اللذان أقاما سياسة هذا العهد السعيد قد أكرهتهما ظروف لا يعنينا الآن أن نحددها على أن يدعا هذه السياسة للأقدار.
ونظن أن هذه خطوة لها قيمتها في وضوح الموقف السياسي المصري، وفي جلاء هذه الأزمة السياسية التي أظلت مصر منذ أكثر من ثلاث سنين. فمهما يقسم أنصار هذا العهد السعيد من الإنجليز والمصريين على أن هذه السياسة باقية لن تتغير، فهم مضطرون إلى أن يعترفوا بأن هذه السياسة قد فقدت دعامتها القوية وقوامها الصحيح حين فقدت «رئيس الوزراء»، وحين فقدت المندوب السامي القديم.
ومهما يقسم أنصار العهد السعيد على أن الإنجليز لن يغيروا سياستهم، وعلى أن هذه السياسة لن ينالها التعديل من أي ناحية من نواحيها، فهم مضطرون إلى أن يعترفوا بأن الأيام نفسها قد عدلت هذه السياسة تعديلًا ذا خطر حين أقصت عنها دولة «صدقي باشا» و«السير برسي لورين».
فليست السياسة شيئًا مستقلًا يستطيع أن ينشئ نفسه، وإنما هي عمل من أعمال الناس، ينشئها الناس ويصرفونها ويمدونها بأمزجتهم وبما في طبائعهم من قوة أو ضعف، ومن ميل إلى الخير أو الشر، ومن حب للاستقامة أو الاعوجاج. والله وحده قادر على أن يمنح سياسة هذا العهد السعيد رجلين لهما مزاج «رئيس الوزراء» والمندوب السامي وطبيعتهما وفطرتهما، لا يخالفانها في ذلك قليلًا ولا كثيرًا. وإذن فمهما يكن خليفة «رئيس الوزراء»، ومهما يكن خليفة المندوب السامي، فسيكون لهما أثر في السياسة مخالف قليلًا أو كثيرًا لأثر الرئيس المستقيل والمندوب المنقول.
ذلك ونحن واثقون كل الثقة بأن «السير برسي لورين» لم ينقل لأن وزارة الخارجية البريطانية تحب العبث أو تميل إلى التفكه بتبديل المندوبين الساميين، وإنما نقل لأن وزارة الخارجية كانت تريده لعمل عجز عن إتمامه أو فشل فيه، فلم تره قادرًا على النهوض بهذا العمل؛ فأرسلته إلى حيث يستطيع أن يغني أو يفيد. ونحن واثقون بأن المرض ليس وحده هو الذي يدعو «رئيس الوزراء» إلى أن يستقيل أو يفكر في الاستقالة، فقد مرض «رئيس الوزراء» منذ أشهر طوال، واشتد عليه المرض حتى أعجزه عن كل عمل وعن كل تفكير. وكان الحق عليه لنفسه ولوطنه أن يستقيل منذ أحس العجز عن احتمال منصبه، ولكنه لم يستقل ولم يظهر تفكير في الاستقالة، وإنما استشفى واستشفى. وأكبر الظن أنه كان يفكر أثناء هذا الاستشفاء في الاحتفاظ بالصحة. ويقال إن الله قد رد إلى «رئيس الوزراء» صحته، ومنّ عليه بحظ من الشفاء لا بأس به، فكان المعقول أن يبقى حيث هو، وأن يشتد حرصه على منصبه، ولكنه ينبئنا أول النهار بأن وزارته قد تعدل، وينبئنا آخر النهار بأن وزارته قد تستقيل. وتستفيض أحاديث الناس بأن وزارته مستقيلة بالفعل.
فليكن منطقنا معوجًا، وليكن تفكيرنا ملتويًا، وليقل أنصار الوزارة ما يريدون أن يقولوا في منطقنا وتفكيرنا، فإننا لا نستطيع أن نؤمن بأن ليست هناك صلة بين نقل المندوب السامي واستقالة «رئيس الوزراء» أو تفكيره في الاستقالة وتهيئه لها. ثم لا نستطيع أن نؤمن بأن ابتعاد هذين الرجلين معًا عن السياسة المصرية دليل قوي أو ضعيف على أن السياسة المصرية ستبقى كما هي بعد ابتعادهما عنها، لا يصيبها تغيير ولا تبديل. هذا كلام يقال للأطفال وضعاف الناس، فأما الذين يعقلون فلا يستطيعون أن يصدقوه، ولا أن يطمئنوا إليه.
وإذن فقد أخذ الجو السياسي في مصر ينجلي، وأخذت السياسة المصرية تسلك سبيلها إلى التغيير، وبدأت أحاديث الناس تتناول هذا التغيير بالتحليل والتأويل؛ أولئك يشفقون وهؤلاء يطمعون، أولئك تلعب الأماني بقلوبهم، وهؤلاء يفرق اليأس في نفوسهم. وأخذت الألسنة تصيب حظوظًا من الفصاحة لا تشبهها إلا فصاحة أولئك القواد الذين يدبرون خطط الحرب في الأندية والقهوات، وأمام أكواب الشراب وموائد النرد والشطرنج. وأخذت «الأهرام» تذكر الفروض وأحاديث النفوس الآملة واليائسة، فقوم يذكرون معاهدة قد تم مشروعها، ويراد إمضاؤها قبل أن يتفرق الصديقان العزيزان: «صدقي باشا» و«السير برسي لورين»، وقوم يذكرون الوزارة القومية التي تجري الانتخابات حول المعاهدة بين المصريين والإنجليز، وقوم يذكرون هذا وذاك، وقوم يلمحون بأن الحكم وسيلة لا غاية، إلى آخر هذا الكلام الكثير الذي تحدثت به «الأهرام» إلى الناس صباح اليوم.
ولكن الشيء الوحيد الذي لم تتحدث به «الأهرام»، والذي لم تروه لقرائها، هو أن كل هذه الفروض، وكل هذه الأحاديث لا قيمة لها، لا لأن سر الإنجليز لم يظهر بعد، ولا لأن سر المشرفين على السياسة في مصر لم يظهر بعد، بل لأن رأي الشعب المصري قد ظهر واضحًا جليًا، لا لبس فيه ولا غموض، منذ بدأ «صدقي باشا» و«السير برسي لورين» هذا العهد السعيد، بل قبل أن يبدآه بزمن طويل. وكان هذا الرأي الذي أظهره الشعب المصري دائمًا هو السبب الأول لإخفاق «صدقي باشا» و«السير برسي لورين»، وسيكون هذا الرأي دائمًا هو السبب لإخفاق كل سياسة تذهب مذهب هذه السياسة، وإخفاق كل وزير يذهب في السياسة مذهب «السير برسي لورين».
وهذا الرأي الذي أظهره الشعب المصري واضحًا جليًا، وسيظهر واضحًا جليًا مهما تكن الظروف، هو أن مصر لا يمكن أن يقضي في أمورها أحد غيرها، ولا بلد غيرها، وإنما ينبغي أن تقضي هي في أمرها، وأن تقضي في أمرها كما تريد، لا كما يراد لها. فقد مضى الزمن الذي كانت تساس فيه الشعوب المتحضرة كما يساس الأطفال، فتؤخذ مرة باللين وأخرى بالشدة، وحينًا بالمكر وحينًا بالصراحة. مضى هذا الزمن، ولم يبق أمل في أن يعود، فالذين يريدون أن يفاوضوا مصر أو يعاهدوها خليقون أن يردوا قبل كل شيء إلى مصر حريتها الخالصة في تدبير أمورها، لتفاوض مختارة حرة، وتعاهد مختارة حرة، محتملة لتبعة المفاوضة والمعاهدة في صراحة ونصح وإخلاص.
فأما أن تجري المفاوضات سرًا، ومن وراء حجاب، ثم تختلس المعاهدة اختلاسًا، وأما أن يجعل قبول المعاهدة شرطًا لوصول مصر إلى حريتها واستقلال مصر بأمورها، فذلك شيء لن تقبله مصر، ولن ترضاه، ولن يظفر الذين يحاولونه من النجاح إلا بمثل ما ظفر به «صدقي باشا» و«السير برسي لورين».
لقد انجلى الموقف السياسي الآن، وظهر أن سياسة هذا العهد السعيد قد أخفقت إخفاقًا شنيعًا، وأن لا بد من العدول عنها. ومصر باسمة لهذا الإخفاق، منتظرة في ثقة لما سينكشف عنه الغد، معلنة دائمًا في حزم وقوة، وفي عزة وإباء، أن كل سياسة لا تقوم على احترام حريتها ورد حقوقها إليها قبل كل شيء صائرة إلى الفشل، منتهية إلى الإخفاق.
فليتدبر ذلك الذين تتوق نفوسهم إلى الحكم ويتهيأون للوثوب إلى مناصبه، وليتدبره الآن من غير شك هؤلاء الذين تحزن نفوسهم على الحكم ويتهيأون للنزول عن مناصبه.
[1] كوكب الشرق في ٣٠-٨-١٩٣٣. -
دائرة
دائرة حُصِرَتْ فيها المسألة المصرية منذ عشر سنين، كما يقول مكاتب الأهرام من لندن. فنهض الوفد بأعباء الحكم ثم تركها، ونهض به مناوئوه ثم عادت إليه، ثم رُدَّت إلى مناوئيه ثم عادت إليه، ثم رُدَّت إلى مناوئيه، وهي الآن ما تزال على أكتافهم الضعيفة التي لا تستطيع لها احتمالًا. وأظهر الإنجليز مسالمة الوفد ثم خاصموه، ثم عادوا إلى المسالمة، ثم عادوا إلى الخصام، ثم عادوا إلى المسالمة مرة أخرى، ثم عادوا إلى الخصام، وهم الآن غارقون فيه إلى الأذقان أو إلى الآذان. وفى أثناء هذا الدوران ذهب مندوب وجاء مندوب، ثم أصابه العزل وجاء مكانه مندوب آخر، ثم دهمه النقل وعُيِّنَ مكانه مندوب جديد، وهو الآن في الصين يتهيأ للرحلة إلى وادي النيل.
والخصومة بين مصر وإنجلترا ما زالت قائمة كعهدها يوم شبت الثورة بعد الحرب الكبرى. يريد المصريون أن يستقلوا استقلالًا صحيحًا، ويريد الإنجليز أن يخدعوهم عن هذا الاستقلال. أبوا عليهم أول الأمر، ثم ظهر أن الإباء لا يجدي ولا يفيد فاعترفوا به.
ونزلوا عن شكله وصورته، وما زالوا منذ ذلك اليوم يدورون في الدائرة التي رسمها مكاتب الأهرام فأحسن رسمها، ولا يجدون إلى تحقيقها سبيلًا.
والإنجليز قوم يحبون الصبر والمصابرة، ويتخذونهما أساسًا للسياسة في الشرق، وفي غير الشرق. واليأس بطيء جدًا حين يسعى إليهم، أو يحاول التأثير في سياستهم، ولكنهم لم يُعصَموا منه، ولم يأخذوا على الأيام عهدًا بأن تقطع بينهم وبينه الأسباب. فهم قد احتلوا مصر منذ أكثر من نصف قرن، وحاولوا أن يسلطوا بطشهم على نفوس المصريين ليخافوهم ويؤمنوا لهم فلم يفلحوا، وخلطوا شدة بلين، وعبوسًا بابتسام فلم يفلحوا، وأعلنوا الحماية وأقرتهم عليها الدول، وأيدوها بالحديد والنار، وسفكوا في سبيل تأييدها دماء زكية غزيرة، وأزهقوا في سبيل تأييدها نفوسًا نقية كثيرة فلم يفلحوا، ثم جنحوا إلى السلم فاستردوا حمايتهم، وأعلنوا لمصر استقلالها، وما زالوا منذ ذلك اليوم يدورون، يبطشون مرة فلا يفلحون، ويلينون مرة أخرى فلا يفلحون.
والمصريون ينظرون إليهم في هذا كله مبتسمين ابتسام المؤمن بالحق، المطمئن إليه، الواثق بالفوز آخر الأمر فوزًا ليس إلى الشك فيه من سبيل. ومهما تبحث في هذه الخصومة الطويلة بيننا وبين الإنجليز فأنت منتهٍ دائمًا إلى نتيجة واحدة، وهي أن الإنجليز إن كانوا قد ظفروا بكثير من المنافع العاجلة الزائلة فإن موقفهم من مصر اليوم كموقفهم من مصر قبل نصف قرن، لم يتقدم خطوة واحدة، بل لعله تأخر خطوات. فقد احتلوا مصر وهي خاضعة لسلطان الترك، وما زالت الحوادث تعمل والمصريون يعينونها على العمل حتى خلصت مصر من السلطان التركي. وقد همّ الإنجليز أن يخلفوا الترك ولكنهم لم يفلحوا، واضطروا إلى أن يعترفوا بأن موقفهم لا يزال كما كان من قبل، موقف المحتل الغاصب الذي عجز عن أن يجعل غصبه أمرًا مشروعًا.
فإذا كان أحد قد انتفع من هذا الصراع الطويل بين هذا الشعب المصري الأعزل الضعيف الذي اصطلحت عليه الخطوب، وتآلبت عليه الدول، وبين هذا الشعب الإنجليزي العظيم الذي ساد الأرض بقوته ومكره وثروته، فليس من شك في أن المصريين إلى الآن هم الفائزون، وهم مدينون بفوزهم هذا لأنفسهم لا لشيء آخر. هم مدينون بفوزهم لهذا الحرص الطبيعي على عزتهم وكرامتهم، ولهذا الإلحاح الطبيعي في حريتهم واستقلالهم. فهم قد عرفوا أنفسهم منذ أقدم عصور التاريخ شعبًا كريمًا، وعرفهم الناس كذلك شعبًا كريمًا. وهم قد خضعوا لضروب من البغي وألوان من العدوان جاءتهم من الفرس واليونان والرومان، وجاءتهم أيضًا من العرب والترك والفرنسيين، وجاءتهم الآن من الإنجليز، وهم قد صبروا لهذا كله وانتصروا على هذا كله، فردوا من ردوا من المعتدين، وأفنوا في أنفسهم من أفنوا من هؤلاء المعتدين.
فليس غريبًا أن يثبتوا للإنجليز أكثر من نصف قرن كما ثبتوا لغيرهم، وليس غريبًا أن يخلصوا من الإنجليز بعد طول الصراع كما خلصوا من غيرهم. وإنما الغريب ألا يعتبر الإنجليز بالحوادث، ولا يستفيدوا من العظات، ولا يقدروا أنهم لن يظفروا الآن بما عجزوا عنه في القرن الماضي.
فمصر الآن أرق وأقوى وأعرف لحقها، واحرص عليه مما كانت في بدء الاحتلال، ومما كانت بعد الحرب، ولا تزيدها الأيام إلا معرفة لهذا الحق، وحرصًا عليه، وتشددًا فيه، وجدًا في السعي إليه. الغريب أن الإنجليز لا يزالون يخيلون إلى أنفسهم أنهم قادرون على إذلال هذا الشعب، وواصلون إلى خداعه والعبث به بعد أن أقامت لهم الأيام والحوادث أوضح الأدلة على أن هذا شيء لا مطمع فيه. وأغرب من هذا أن هؤلاء الإنجليز لا يخدعون أنفسهم، وإنما يخدعهم فريق من طلاب المنافع وذوي الأغراض والمآرب، يخيل إليهم أن البضاعة حاضرة وأن تسليمها أمر يسير، فيسمعون لهم ويمدونهم بالقوة والتأييد، ويدفعونهم إلى الحكم دفعًا، ويظاهرونهم على ظلم الشعب والبطش به، وينتظرون منهم تسليم البضاعة، فلا يسلمون إليهم إلا خيبة وفشلًا، وإلا خذلانًا وإخفاقًا، ولولا انخداعهم بهذا الفريق من الضعفاء، وأصحاب المنافع لما داروا وأطالوا الدوران في هذه الدائرة التي رسمها مكاتب الأهرام منذ عشر سنين.
والغريب أن قد خيل إلى الإنجليز في أول هذا العهد السعيد أنهم قد أوشكوا أن يخرجوا من هذه الدائرة بفضل الكفاية النادرة والبراعة الباهرة والمقدرة الساحرة التي امتاز بها رئيس الوزراء، فانتظروا عامًا غير فيه النظام، وعامًا أنفذ فيه النظام الجديد، وعامًا آخر مضى فيه تنفيذ النظام الجديد، ولكنهم انتظروا وما زالوا ينتظرون ولم يظفروا بشيء.
وواضح جدًا من حديث مكاتب الأهرام — ومن غير هذا الحديث — أن الإنجليز كانوا يقدرون أنهم سيفوزون على مصر هذه المرة بالصبر والمصابرة، وبالبطش والإلحاح فيه، وكانوا يظنون أن اعتزال الشعب المصري تحت الخيمة كما فعل أخيل، وامتناع الشعب المصري عن الاشتراك في الانتخابات أمر لن يطول، ولا بد آخر الأمر من أن يخرج الشعب من خيمته، ويذعن للسلطان الذي فرض عليه، ولكن عامًا مضى وتبعه عام، ثم تبعهما عام آخر، وبدأ العام الرابع دورته والحوادث تختلف، والخطوب تلح، والعسف يعبث بالأخلاق والأجسام، والفقر يفتك بالموسرين والمعسرين، والشعب تحت الخيمة مقيم لا يريم، ولا يفكر في أن يخرج منها، ولعله لم يكن في يوم من الأيام أشد احتفاظًا بموقفه واستمساكًا بإبائه منه في هذه الأيام، ولعله أن يكون غدًا أشد منه اليوم احتفاظًا بهذا الحق واستمساكًا بهذا الإباء.
لذلك يئس الإنجليز من سياسة هذا العهد السعيد، واضطر الإنجليز إلى أن يستأنفوا الدوران الذي كانوا فيه، فنقلوا مندوبًا، وعينوا مندوبًا، وبدؤوا يدورون. وليس يعنينا بحال من الأحوال ما سيلقونه في طريقهم من العقبات أو يعترضهم من المصاعب، فلسنا نحن الذين رسموا لهم هذه الدائرة، ولم نكرههم نحن على أن يدوروا فيها، وإنما هم الذين يجدون في الدوران وتكراره لذة، فليدوروا إذن، وليجربوا، وليؤيدوا الوزارة القائمة تأييدًا حازمًا أو رخوًا، وليزهدوا في هذه الوزارة وليؤيدوا وزارة أخرى تشبهها من قريب أو تشبهها من بعيد، وليلتزموا حيادهم الدقيق كما التزموه إلى الآن، أو ليلتزموه في شكل جديد يجعل تدخلهم في شؤون مصر أظهر.
وأصرح. فليس يعنينا من هذا كله شيء، إلا أن نرى ونبتسم واثقين بأنهم سيدورون ويدورون، ويجربون ويجربون، ثم ينتهون دائمًا إلى حيث بدءوا، لا يجدون مخرجًا من هذه الدائرة إلا أن يعدلوا عن سياسة الدوران إلى سياسة المضي على الصراط المستقيم والاتفاق الشريف النقي البريء من كل غدر ومكر أو إضمار للغدر والمكر مع المصريين.
ما أكثر الفروض، وما أحب الإنجليز لها، وأرغبهم فيها. أيقدر رئيس الوزراء على أن يحتمل أعباء منصبه دهرًا طويلًا فيبقى، أم يعجز رئيس الوزراء عن ذلك فيستقيل؟ وإن استقال فمن أين يختار خلفه؟ أمن أقصى اليمين أم من أقصى الشمال أم من فريق وسط بين بين؟ ومتى يكون هذا؟ قبل عودة المندوب السامي القديم أم أثناء قامته القصيرة أم بعد وصول المندوب الجديد؟
فروض كثيرة ولكنها لا تغني من الحق الواقع شيئًا. والحق الواقع الذي لا يحتمل شكًا ولا جدالًا هو أن الإنجليز وأصدقاءهم حائرون، وأن لا مخرج لهم من هذه الحيرة إلا بالعدول عن الدوران، واستقبال هذا الشعب المصري الثابت الصريح بسياسة ثابتة صريحة. فأما ما دون ذلك فعبث كهذا العبث الذي نحن فيه منذ عشر سنين. ومن لمحقق أن هذا العبث يغيظ الإنجليز ويسيء إليهم وإلى سمعتهم في العالم وهيبتهم في الشرق بمقدار ما يحسن إلينا فيزيدنا ثقة بالحق ويظهرنا لمعالم الشرق مظهر الذين يعرفون كيف يلقون الخطوب وهم أسمى.
كوكب الشرق ٢٨-٨-١٩٣٣ -
استفهام
استفهام
يظهر أن شخص المندوب السامي السير برسي لورين قد خاصم الوضوح والجلاء، وأحكم الصلة بينه وبين الغموض والإبهام، وأبى له، أو أبت عليه الظروف إلا أن يُحاط دائمًا بطائفة من علامات الاستفهام. أيعود أم لا يعود؟ أينقل أم يعزل؟ أيتم نقله أم لا يتم؟ أيذهب من لندرة إلى أنقرة رأسًا أم يعرج في طريقه على مصر؟ أيقيم في مصر فيطيل الإقامة أم يمر بها مرًّا سريعًا؟ أيعنى بالسياسة المصرية مرة أخرى بعد أن أخفق في هذه السياسة إخفاقًا لم يُكتب لأحد من الذين سبقوه، أم يصرف عن هذه السياسة صرفًا ويكتفي حين يصل إلى مصر بحزم أمتعته وضم جراميزه – كما كان يقول القدماء – ثم الرحيل عن وادي النيل إلى حيث ينهض بأعباء منصبه الجديد؟
كل هذه أسئلة أحاطت بالسير برسي لورين كما تحيط الهالة بالقمر، لا نقول منذ أسابيع، ولا منذ أشهر، ولا منذ عام، بل منذ عهد بعيد. ومن قبل ذلك أحاطت بالسير برسي لورين أسئلة أخرى ليست أقل من هذه الأسئلة طرافة وإثارة للعجب والابتسام.
فلم تكد تقطع المفاوضات بين الوفد المصري والإنجليز، ولم يكد يعود السير برسي لورين إلى القاهرة حتى أحاطت به وبسياسته طائفة من الأسئلة لم يستطع هو أن يحلها، وإنما حلها له رئيس الوزراء. أَصادقٌ هو فيما كان يظهر من حب للمصريين وعطف على آمالهم وأمانيهم، وتأييد للحكم الديمقراطي الصحيح فيهم؟ أم ماكر هو بالمصريين وأمانيهم وآمالهم؟ أمخلص هو فيما أعلن بعد ذلك من التزام الحيدة واحترام الاستقلال المصري؟ أم لاعب هو بالحيدة والاستقلال؟ أجاد هو فيما كان يظهر من الحرص على استقرار النظام في مصر أم هازل هو بمصر وبما كان يريد من استقرار النظام فيها؟
ومن قبل ذلك أحاطت بالسير برسي لورين أسئلة أخرى حين وصل إلى مصر ليتلقى فيها أزمة منصبه الجديد، فقد كان رأي وزارة الخارجية البريطانية معروفًا، أعلنه وكيلها المستر دالتون حين أكد أن الإنجليز لا يمضون المعاهدة إلا مع وزارة تمثل برلمانًا ينتخب انتخابًا حرًّا مباشرًا، ولكن السير برسي لورين أثيرت حول شخصه ورأيه طائفة من الإشاعات والأقوال الغريبة ظهرت بعد ذلك أنها لم تكن صحيحة ولا ملائمة للحق، ولكنها لم تخلق نفسها ولم تثر من غير مثير، فكان الناس يتحدثون بأنه كان حريصًا على الوزارة القائمة حينئذ، وكان الناس يتحدثون بأنه كان زاهدًا في تلك الوزارة، وكان الناس يتحدثون بأنه كان يريد أن يخلص منها في عنف، وكانوا يتحدثون بأنه كان يريد أن يخلص منها في لباقة وظرف يلائمان أدب الرجل النبيل الذي اشتهرت عنه صفات الجنتلمان.
فأنت ترى أن شخص المندوب السامي السابق لا يحب الوضوح ولا الجلاء، ولا الجو المستقر، وإنما يحب أن يثور حوله دائمًا غبار مريب فيه ما يرضي وفيه ما يسخط، وفيه ما يغري بالاطمئنان وفيه ما يدعو إلى الحذر.
ولسنا ندري أيشعر المندوب السامي السابق بهذا كله ويحبّه ويتعمده، أم هو القضاء المحتوم والقدر المكتوب أبى على السير برسي لورين إلا أن يعيش في هذا الجو الغريب الذي لم يعش فيه مندوب سام قبله في مصر. ولسنا ندري أكان هذا الجو المريب مقدورًا عليه أو مسخرًا له في جميع المناصب السياسية التي تولاها، أم كان مستورًا له وراء حجب الغيب حتى إذا مست قدمه أرض مصر انشق الحجاب عن هذا السحاب فأحاط به ولم يفارقه إلى الآن، ولكن الشيء المحقق الذي لا يقبل شكًّا ولا جدالًا هو أن حجاب الريب هذا لم ينفع السير برسي لورين ولم يعصمه من النقل والإخفاق. فقد كان يظن نفسه ماهرًا ماكرًا، وكان يخيل إلى نفسه أنه سيعبث بالمصريين حين يظهر لهم ما أظهر من الصداقة، فلم يعبث إلا بنفسه، ولم ينل من المصريين شيئًا. وكان يظن أنه سيقهر المصريين ويذلهم ويأخذ منهم بالكره ما لم يستطع أن يأخذ منهم بالرضى، على أن يظهر لهم دائمًا أنه محايد مخلص في التزام الحياد. فأغرى المحن والفتن، وسلط الأحداث والخطوب، وأشرف من قصر الدوبارة ينظر إلى آثار سياسته الماكرة تعبث بمصر والمصريين فتفسد شؤونهم ومرافقهم وتحاول أن تفسد عقولهم، وأن تزلزل يقينهم، وأن تُفِلَّ من عزائمهم، وتصدهم عن حقهم. تأخذ بعضهم باللين والإغراء، وتأخذ بعضهم الآخر بالعنف والشدة، حتى شُريت الضمائر، وسُفكت الدماء في غير موضع من أرض مصر.
والسير برسي لورين مشرف من قصر الدوبارة، متحصِّن بحياده، يسمع ويرى، ويرضى ويقر، ولكنه بعد عام وعام وعام نظر فإذا ما بُذل في عهده من إغراء، وما سُفك في عهده من دماء، وما أُنفق من جهد، وما أُضيع من وقت، وما تكلف هو من حياد، وما تكلف غيره من جهاد، كل ذلك لم يصنع شيئًا، ولم يغير من موقف مصر قليلًا ولا كثيرًا. وإذا دهاء برسي لورين كعجرفة جورج لويد لا يغني عن الحق شيئًا، ولا يبلغ من المصريين بعض ما يريد الإنجليز أن يبلغوه، وإذا الوزارة الإنجليزية وعلى رأسها مكدونالد تنقل برسي لورين معترفة بالإخفاق، مشفقة من آثاره المنكرة. ولابد للوزارة الإنجليزية القائمة، بعد أن أعلنت اعترافها بإخفاق السير برسي لورين، واختارت من يخلفه، من أن تغير السياسة التي سار عليها السير برسي لورين كما فعلت الوزارة الإنجليزية التي اعترفت بإخفاق جورج لويد فعزلته ومحت سياسته محوًا.
هذا شيء واضح لا يحتمل شكًّا ولا جدالًا، ولكن قومًا يشكون فيه ويجادلون، لأن الصحف الإنجليزية فيما يقولون مجمعة على أن تغيير المندوب السامي لا يستلزم تغيير السياسة الإنجليزية. وقد قيل لهؤلاء المجادلين غير مرة إن تغيير السياسة البريطانية في مصر شيء، وتغيير سياسة المندوب السامي شيء آخر. فمن المحقق أن الإنجليز لن يلغوا تصريح ٢٨ فبراير، ولن يعدلوا عن فكرة المفاوضة التي تنتهي إن تمت إلى معاهدة، ولن يضموا مصر إلى مستعمرات التاج، ولن يعلنوا انسحابهم من مصر بغير شرط ولا قيد. لن يفعلوا شيئًا من هذا لأنهم غيروا مندوبهم السامي، فهذه سياسة مرسومة محتومة، لا يستطيع الإنجليز أن يخرجوا منها إلا إذا أرادوا أن يُحدثوا في الحياة الدولية حدثًا عظيمًا. وقد غيروا اللنبي الذي أسس هذه السياسة ولكنهم لم يغيروا سياسته، وغيروا جورج لويد الذي سلك بهذه السياسة مسلك العنف ولكنهم احتفظوا بهذه السياسة، ثم هم الآن يغيرون السير برسي لورين الذي سلك بهذه السياسة مسلك الدهاء والمكر، ولكنهم لا يغيرون هذه السياسة.
فالموقف الدولي للإنجليز في مصر لن يغيره نقل مندوب وتعيين مندوب، وإنما يغيره أحد أمرين: ثورة من المصريين أو من الإنجليز تنقض هذا الموقف نقضًا، أو معاهدة بين المصريين والإنجليز تحقق ما يطمح إليه الفريقان من الاتفاق. ولكن من وراء هذا الموقف الدولي سياسة أخرى هي سيرة المندوب السامي مع الحكومة المصرية، والشعب المصري، في تفصيل الحياة اليومية المصرية، وفي تفصيل الصلات اليومية بين المصريين والإنجليز. هذه السياسة الخاصة، هذه السياسة المحلية – إن صح هذا التعبير – لا بد من أن تتغير إذا تغير المندوب السامي، لأنها رهينة بشيئين كلاهما يستلزم هذا التغيير: أحدهما هذا الإخفاق المنكر الذي دُفع إليه السير برسي لورين دفعًا، والذي لا بد من إصلاحه وتدارك آثاره. والآخر مزاج المندوب السامي الجديد الذي ينهض بأعباء هذا المنصب في مصر، فإن هذه السياسة اليومية مهما تكن متأثرة تأثراً شديداً بالسياسة العامة، لا تستطيع أن تبرأ من تأثير المزاج الشخصي للذين يديرونها ويسيطرون عليها في مصر.
فقل ما شئت في احتفاظ الإنجليز بسياستهم العامة نحو مصر، وقل ما شئت في حرص الإنجليز على ما أعلنوا من حياد، فهذا كله لن يدل على شيء، فقد احتفظ الإنجليز بسياستهم العامة، ولكن سيرة مندوبيهم تغيرت وتغيرت منذ أعلن الاستقلال. وقد أظهر الإنجليز دائمًا منذ أعلن الاستقلال أنهم على الحياد فيما يمس الشئون المصرية الخاصة. وهل كان تصريح ٢٨ فبراير إلا إعلانًا للحياد؟ وما داموا لم يلغوا هذا التصريح، فهم لم يلغوا هذا الحياد الذي أعلنوه، ولكنه حياد يعرفه الناس جميعًا: حياد على الورق، يقال ويُنادَى به، ثم لا يمنع من تدخل الإنجليز في الشئون المصرية كلما احتاجوا إلى هذا التدخل، وكلما أرادوه.
ستتغير إذن سياسة المندوب السامي في مصر من غير شك، ولكن ما هذه الأنباء التي تلح في أن السير برسي لورين – رغم نقله وتعيين من يخلفه – سيعود إلى مصر ليتم مدته أو ليتم مهمته، على اختلاف الصحف في ذلك؟ إنما هي أنباء تصور حياة السير برسي لورين كما أريد أن تكون في مصر حياة غموض وإبهام وسؤال واستفهام.
وأكبر الظن أن هذا الغموض سيحيط بشخص السير برسي لورين، وأن هذه الأسئلة ستلازمه حتى يذهب إلى أنقرة، ويقدم أوراق اعتماده، وينهض بأعباء منصبه الجديد. يومئذ تقطع الأسباب، لا نقول بين شخصه وبين مصر فقد قُطعت هذه الأسباب بالفعل، بل نقول بين أوهامه وأوهام أنصاره وبين مصر. فقد يظهر أن هذه الأوهام لا تزال متصلة، وستظل متصلة حتى يقطعها ذهاب السير برسي لورين إلى أنقرة أو مجيء السير لمبسون إلى القاهرة.
وهب المندوب السامي عاد إلى القاهرة، فما عسى أن يفعل فيها؟ وما عسى أن تكون هذه المهمة التي يريد أو يراد له أن يتمها؟ وما عسى أن تكون هذه المدة التي يريد أو يراد له أن يختمها؟ أتراه قد يعود ليهيئ لخليفته جوًا صالحًا فينقض بيده هذا الفساد المطبق الذي عقده بيده في هذه الأعوام؟ أم تراه سيعود – ليمضي فيما يقول أنصار الوزارة على استحياء، وفي همس لا يكاد يسمعه أحد – هذه المعاهدة التي كان يحلم هو ويحلم رئيس الوزراء بإمضائها؟ أم تراه قد يعود لأن مصر مقبلة في هذه الأيام على أحداث جسام، فلا بد من أن يكون التمثيل الإنجليزي فيها قويًا حتى يأتي المندوب السامي الجديد آخر هذا العام؟
كل ذلك ممكن أن يكون، وكل ذلك ممكن ألا يكون. وكل ذلك يدل على شيء واحد، وهو أن شخص السير برسي لورين لا يستطيع أن يعيش في مصر أو قريبًا من مصر دون أن تحيط به الأسئلة ويكثر حوله الاستفهام.
ومهما يكن من شيء فإن المصريين لن يحفلوا بإقامته بينهم أشهرًا، كما لم يحفلوا بإقامته بينهم أعوامًا. كما أن المصريين لن يُخدعوا بإقامته بينهم أشهرًا، كما أنهم لم يُخدعوا بإقامته بينهم أعوامًا. عرف المصريون كيف يثبتون لمكره ودهائه، وكيف يصبرون لما سُلِّط عليهم من المحن والخطوب، وسيعرف المصريون كيف يثبتون له إن عاد إليهم، وكيف يدفعون عن حقهم ويذودون عن كرامتهم واستقلالهم وثباتهم على مبادئهم إن كان في عودته القصيرة شيء قليل أو كثير مما يعرض حقوق المصريين للخطر. فليقم السير برسي لورين في لندن، أو ليذهب إلى أنقرة، أو ليأتِ إلى القاهرة، فكل ذلك لن يغير من الحقيقة الواقعة شيئًا، وهي أن سياسته قد أخفقت، ولا بد للإنجليز من أن يعدلوا عنها إلى سياسة أخرى.
[1] كوكب الشرق في ٢١-٨-١٩٣٣. -
عجز
عجز
لو أنه ظهر على أي وزارة من الوزارات في أي بلد من البلاد الحرة لما استطاعت أن تبقى ولا أن تسيطر على تصريف الأمور، ولكنه في مصر سبب من الأسباب التي تمد حياة الوزارة القائمة، وتطيل بقاءها. ولعله أن يكون السبب الأول لما تستمتع به الوزارة من حياة متصلة، وبقاء طويل. فلو قد كان لهذه الوزارة حظ من قوة أو نصيب من قدرة أو استعداد للحزم ومضاء العزم ومقاومة الأجنبي والذود الصحيح عن المنافع المصرية لضاق بها مؤيدوها من الإنجليز وأصدقاؤها من الأجانب ولتألب عليها أولئك وهؤلاء، ولخلقوا لها المصاعب وبثوا أمامها العقاب، واضطروها إلى أن تستقيل. ولكنهم – والحمد لله على الخير والشر – راضون عنها كل الرضا، مغتبطون بها كل الاغتباط. فمن الطبيعي أن يحرصوا عليها كل الحرص، وأن يحوطوها بالعناية والرعاية ويقرأوا عليها العزائم ويهيئوا لها التمائم كلما اشتد بها الضعف أو تعرضت لخطر السقوط. وماذا يكرهون من وزارة نهضت فيما يقال لحماية مصر وتحقيق منافعها، والذود عن مرافقها بإزاء الأجانب قبل كل إنسان فلم تستطع أن تحتفظ لها من دون الأجانب بشيء، ولم تستطع أن ترد عنها عادية ولا أن تصرف عنها مطمعا. وإنما حققت للأجانب وما زالت تحقق لهم ما أرادوا وعجزت كل العجز عن أن تحقق لمصر مصلحة ما عند الأجانب هؤلاء.
دارت وأطالت الدوران حول وزارة الخارجية البريطانية لتظفر بالمفاوضة فلم تجد إلا ردا كان رفيقا أول الأمر، ثم أخذ يشتد شيئا فشيئا حتى انتهى إلى العنف وأصبح أشبه شيء بإغلاق الأبواب في الوجوه. وثارت بعض المسائل بينها وبين الإنجليز فلم تستطع فيها إلا التسليم المطلق، والإذعان الذي لا حظ فيه لمقاومة أو ثبات. وثارت بعض المسائل بينها وبين غير الإنجليز من الأجانب فلم يكن موقفها منهم خيرا من موقفها من الإنجليز، وهي مع ذلك فيما تزعم وزارة العزة والكرامة، ووزارة الإباء والاستقلال. وإن المصريين ليشهدون موقفها من مسألة الدين منذ ثارت فيستحون لها ويستحون لأنفسهم من هذا الضعف الذي لا يليق بوزارة تشعر لنفسها بشيء من الكرامة في هذا العصر الحديث.
أعلنت منذ ثارت مسألة الدين أنها لن تؤدي إلا ورقا، وكان من الحق عليها لنفسها ولمنفعة البلاد التي جعلت الظروف أمرها إليها أن تتبع هذا القول بالعمل، وأن تجعل الأداء بالورق أمرا واقعا لا يحتمل جدالا ولا نزاعا. ولكنها لم تصنع شيئا وما كان لها أن تصنع شيئا وليس لها حظ من قوة ولا نصيب من قدرة على المقاومة والثبات للأجنبي.
لم تصنع شيئا – نستغفر الله – بل صنعت ما يجعل إعلانها عبثا من العبث، وكلامها لغوا، لا يخيف ولا يفيد. قبلت الخصومة أمام المحاكم المختلطة وهي تعلم حق العلم، وتصيح ما وسعها الصياح أن هذه المسألة لا تصلح موضوعا للخصومة أمام المحاكم ولكنها على ذلك قبلت هذه الخصومة ومضت فيها. والغريب أنها مضت في هذه الخصومة ومضت في الوقت نفسه في مفاوضات سياسية فأتاحت للدول أن تقول لها: لم لا تنتظرين حكم القضاء؟ ثم قضت عليها المحاكم فمضت في الخصومة واستأنفت ومضت أثناء ذلك في المفاوضات وأتاحت للدول أن تقول لها مرة أخرى ولم لا تنتظرين حكم القضاء؟ ولا سيما وقد ظهر الحكم الابتدائي مؤيدا لرأينا مغنيا لنا على ما نريد.
كذلك أوحت إليها الكفاية الخارقة والمهارة البالغة والبراعة الفائقة في تصريف أمور السياسة والمال جميعا أن تقول ولا تفعل، وأن تعد ولا تفي، وأن تخاصم أمام القضاء وتزعم أنها لن تنفذ أحكام القضاء، وأن تذهب إلى المحكمة وتذهب في الوقت نفسه إلى وزارات الخارجية. مواقف أقل ما توصف به أنها متناقضة مضطربة لم تصدر عن خطة مستقيمة واضحة وإنما صدرت عن حيرة وتردد وعجز.
وهذه المفاوضات لقد طالت ويظهر أنها ستطول وستسرف في الطول. بدئت في مصر واستمرت في أوروبا حين سافر رئيس الوزراء في العام الماضي للرياضة والراحة، ثم اتصلت في مصر، ثم استمرت في أوروبا حين وفد كبير المستشارين الملكيين إلى إيطاليا وفرنسا وإنجلترا، ثم اتصلت في مصر واستمرت في باريس حين سافر مدير البنك العقاري إليها ثم اتصلت في باريس حين ذهب رئيس وزرائنا ليستشفى ويستريح، ثم استؤنفت في لندن والله يعلم متى تنتهي وإلى أي نتيجة تنتهي، ولكن الشيء الذي لا يقبل شكا ولا جدالا هو أنها لن تنتهي إلى ما يحقق المنفعة المصرية أو يحفظ الكرامة المصرية. فإن المفاوضة في هذه المسألة معناها المساومة، معناها الأخذ والعطاء، معناها أن تنزل مصر عن بعض حقها وينزل الأجانب عن بعض ما يزعمون لأنفسهم من حق فيلتقي المختصمون في وسط الطريق، وقد كان يجب ألا تنزل لهم عن شيء.
كان يجب ذلك لو أن في مصر وزارة قوية قادرة على أن تقول فتعمل وتعد فتفي، وتريد فتنفذ ما تريد. ولكن في مصر – والحمد لله على الخير والشر – وزارة قوية مسرفة في القوة بالقياس إلى المصريين، ضعيفة مسرفة في الضعف أمام الأجانب. ولذلك لا تريد هذه الوزارة من المصريين شيئا إلا جدت في تنفيذه، وأنفقت من الجهد ما يطاق وما لا يطاق، وانتهت أحيانا إلى أن تثير الضحك والابتسام. فإذا أرادت من الأجانب شيئا فسل عن اللين والرفق، وسل عن الظرف واللطف، وسل عن الخفة والمجاملة، ثم سل بعد ذلك عن الإذعان والتسليم.
ولو أن وزارتنا اصطنعت مع المصريين بعض ما تصطنع مع الأجانب من الظرف والمجاملة لهان احتمالها بعض الشيء ولكن أنى لها ذلك، وهي إن فعلته عرضت نفسها للفشل وخطر الاستقالة. لو أنها صبرت وصابرت في أمر جبل الأولياء، لو أنها تمهلت واصطنعت الأناة في أمر بحيرة تانا، لو أنها فكرت وتروت في غير هذين الأمرين من أمور الشركات، لو أنها تريثت في أمر التعليم لأمكن احتمالها بعض الشيء ولكنها متعجلة شديدة التعجل حين تطلب إلى المصريين شيئا وهذا معقول فليس للمصريين من القوة والبأس مثل ما للأجانب وليس المصريون قادرين قدرة الأجانب على إحراج الوزارة واضطرارها إلى ترك الحكم. فمن الحق على الوزارة أن تحاسن الأجانب وتخاشن المصريين. والإنصاف يقضي بأن نسجل لها أنها قد بلغت من ذلك أقصى ما تريد، وظفرت للأجانب من المصريين بكل شيء، ولم تظفر للمصريين من الأجانب بشيء. وستنتهي مسألة الدين هذه إن مدت للوزارة أسباب الحياة إلى ما لا يحب المصريون. وستؤدي مصر ذهبا أو ستؤدي مصر ورقا بشرط أن ترفع الفوائد ويعوض على الأجانب بعض ما يخسرون من العدول عن الذهب في الأداء.
وليس للمصريين أن يقولوا شيئا ولا أن ينكروا شيئا فقد أنعم الله – عز وجل – عليهم بأعظم الوزارات حظا من القوة والكفاية وأوفرها نصيبا من الرفق بهم والعطف عليهم والرعاية لمصالحهم. فمن قال غير هذا فقد ألغى عقله وتعلق بالأماني والآمال.
وأي غرابة في هذا؟ أليس من الواجب على المصريين أن يؤمنوا بأن لهم وزارة تدبر أمورهم وتشرف على منافعهم وإن كان رئيسها عاجزا عن تصريف الأمور وتدبيرها منذ أشهر طوال، وسيظل عاجزا عن تصريف الأمور أشهرا أخرى، وهو يستشفى في القاهرة، ويستشفى في فرنسا، ويستشفى في سويسرا دون أن يجد أحد بذلك بأسا، لأن الأمور تجري هادئة مطمئنة، لا عوج فيها ولا اضطرابا. وإذا كان العجز السياسي المطلق لم يضطر رئيس وزرائنا إلى أن يستقيل، ولم يضطره العجز المادي إلى أن يستقيل؟ ومن يدري؟ لعل قوما يرون من الخير ألا تكون لمصر إلا وزارة صورية يختلف فيها الوزراء إلى الدواوين ويجلسون إلى المكاتب ولا يعملون شيئا. من يدري؟ لعل قوما يرون في هذا خيرا لأنه يقضي لهم المآرب ويحقق لهم المنافع ولا يكلفهم احتمال التبعات ولكن هذه التبعات قد تكون ثقيلة خطيرة في يوم من الأيام حين يفسد كل شيء ولا بد من أن يفسد كل شيء إذا حكمت مصر على هذا النحو الذي تحكم عليه الآن، وأهملت مرافقها على النحو الذي تهمل عليه الآن، وظل العجز السياسي والمادي قواما لحياة وزرائها كما هو الآن.
يومئذ يفكر الذين يرضون عن حالنا الحاضرة فلا يجدون فائدة للتفكير. ويومئذ يقدرون فلا يجدون نفعا للتقدير. ويومئذ يلتمسون الإصلاح فلا يجدون إليه سبيلا. والله وحده قادر على أن يعصم مصر من أن تصل من السوء إلى هذه المنزلة فيلهم رئيس الوزراء، أو يلهم من ينصح لرئيس الوزراء بأن يستقيل قبل أن يأتي يوم لا تنفع فيه استقالة ولا إقالة.
كوكب الشرق ٨ – ٧ – ١٩٣٣ -
حديث
حديث
ألقاه رئيس الوزراء إلى صحيفة من صحف باريس ، ونشرت الأهرام خلاصته المفصلة أمس . فلما قرأناه أنكرناه ، وترددنا بين اثنتين : إحداهما أن يكون محدث رئيس الوزراء لم يحسن الفهم عنه ، ولم يوفق في تصوير ما سمع منه . والأخرى أن يكون رئيس الوزراء نفسه متعبا قد حال المرض بينه وبين المراقبة الصحيحة لما يقول . وآثرنا على كل حال أن ندع هذا الحديث يوما أو بعض يوم ، لعل رئيس الوزراء أن يقرأه فيصلح منه ، ولعل الوزراء أنفسهم هنا أن يقرأوه فيصلحوه . ولم نشأ أن نشتط على الرجل فنأخذه بأشياء لعله لم يقلها أو لعله قالها وهو مريض .
ولكن صحيفة صدقي باشا مغضبة عاتبة لأن صحف المعارضة لم تحفل بهذا الحديث ، ولم تتناوله بالشرح والتعليق ، أو قل إن صحيفة صدقي باشا سعيدة بهذا الحديث ، مغتبطة ببعض ما جاء فيه ، ترى فيه بشيرا بطول البقاء وفألا بحسن الصلة بين الوزارة القائمة وبين الإنجليز ، وهي تسجل على صحف المعارضة صمتها عن هذا الحديث ، وترى أن هذا الصمت دليل على أن صحف المعارضة قد وجمت لحديث صدقي باشا وأفحمت ، فهي لا تدري ماذا تقول .
ومع أننا لم نحسن الظن قط بمهارة الذين يكتبون في تلك الصحيفة ونصحهم لرئيس الوزراء ، فلم نكن نقدر في يوم من الأيام أنهم ينتهون من السذاجة إلى هذا الحد ، ويصلون من الضعف إلى منزلة الغريق الذي يتعلق بالثمام ويلتمس عنده النجاة والحياة . فليس في حديث صدقي باشا غناء ، وليس فيه جديد . وإذا لم يكن بد من أن نجد في هذا الحديث شيئا ، فليس فيه إلا ما يدل دلالة واضحة على أن الرجل ما زال متعبا مكدودا ، وعلى أن الخير كل الخير إنما هو في أن يسمع لنصيحة «المورننج بوست» فيريح نفسه حقا ، ولا يجمع بين الراحة وبين النهوض بالأعمال العامة ؛ لأن صحته لا تبيح له ذلك ولا تتيح له القدرة عليه . وما رأيك في رجل يريد أن يتحدث عن الامتيازات فيزعم لمحدثه أن الامتيازات قد أصبحت بلا فائدة من الوجهتين المالية والقضائية ؟
بلا فائدة لمن ؟ للمصريين ؟ فمن الذي زعم أن المصريين استفادوا أو يمكن أن يستفيدوا من الامتيازات فائدة مالية أو قضائية ؟ متى استفاد المقيد من القيد ؟ ومتى استفاد صاحب العبء الثقيل من عبئه الثقيل ؟ ومتى استفاد المغلول من السلاسل والأغلال ؟
للأجانب ؟ فأي سخف أشد من إنكار هذا الذي ينكر أن الأجانب لا يستفيدون من الامتيازات فوائد مالية وقضائية ؟ وهل يطلب المصريون إلغاء الامتيازات إلا لأنها تفيد الأجانب فتسرف في إفادتهم ، وتضر المصريين فتسرف في ضررهم ؟
ليس كلاما إذن هذا الذي قاله رئيس الوزراء ، لأن الامتيازات قد أصبحت لا تفيد من الوجهة المالية والقضائية ، وإنما هو حديث مريض قد صدر عن متعب مكدود ، فلا ينبغي أن نبحث فيه عن معنى صحيح ورأي مستقيم . ولهذا أشفقنا على رئيس الوزراء ، ولم نشأ أن نقف عند حديثه هذا ، وتمنينا لو فطنت الوزارة لما فيه من ضعف ، فأصدرت بلاغا يصلحه أو ينفيه . وما رأيك في رجل يرى نفسه ويراه الناس أعظم المصريين — نستغفر الله — بل أعظم الساسة حظا من الكفاية والبراعة في السياسة وأحاديثها ، حتى إذا تحدث إلى صحفي من أهل باريس زعم له أن الأمة المصرية تريد أن تلغي الامتيازات ، ولكنها تفضل إلغاءها شيئا فشيئا ، وقليلا قليلا ، ومرحلة مرحلة ؟ ومتى كان من السياسة والكياسة ، ومن البراعة والمهارة ، أن يقال مثل هذا الكلام للصحف حتى ولو كان الحق لا شك فيه ؟ وباسم من يتحدث رئيس الوزراء هذا الكلام ؟ ومن الذي زعم لرئيس الوزراء أن الأمة تريد أن تلغي الامتيازات شيئا فشيئا وقليلا قليلا ؟ أم هو يزعم أنه الأمة ، وأنه متى رأى رأيا فهو رأي الأمة ، حتى وإن كان هذا الرأي مريضا ؟ وما رأيك في رجل يتحدث إلى صحفي من أهل باريس فلا يتحرج من أن يقول إننا ننتظر أن تفرغ بريطانيا العظمى من مشاغلها لنحل ما بينها وبيننا من المسائل المعلقة ، ثم نطلب إليها بعد ذلك أن تعيننا على إلغاء الامتيازات ؟ أكلام رجل يشعر حقا بما ينبغي لوطنه من كرامة وعزة هذا الكلام : ننتظر أن تفرغ بريطانيا العظمى من مشاغلها ؟ ولم لا تكون المسألة المصرية بين هذه المشاغل ؟ ولم تقدم المشاغل الأخرى على المسألة المصرية ؟ أم مجاملة منا للإنجليز ؟ أم استكبار من الإنجليز علينا وازدراء من الإنجليز لنا ؟ فإن تكن الأولى فما أكرمنا بحقوق مصر وما أحرصنا على رضا الإنجليز ، وإن تكن الثانية فما أصغرنا في أنفسنا وما أيسر أمرنا على أنفسنا . ولكن الذي يتحدث هو رئيس الوزراء ، ورئيس الوزراء — كما تعلم — متعب مكدود ، وليس من اليسير أن يتمكن في كل وقت من أن يزن ما يقول ، ولو أنه يستطيع حقا أن يزن ما يقول ، لاستحى أن يتحدث إلى صحفي من أهل باريس فيزعم له أننا ننتظر أن يتم الاتفاق بيننا وبين الإنجليز لنطلب إليهم أن يعينونا على إلغاء الامتياز . ومن يدري لعل التعب خيل إلى رئيس الوزراء أنه يخيف الفرنسيين بهذا النذير ويملأ قلوبهم رعبا حين ينبئهم بأننا سنتفق مع الإنجليز ثم نستعينهم على إلغاء الامتيازات . ولكن التعب أنسى رئيس الوزراء أن هذا الكلام لا ينبغي أن يقال حتى وإن كان حقا ، لأنه لا يلائم العزة ولا الكرامة ولا المنفعة السياسية ، ولأنه يلقي في روع الأجانب أننا لن نستطيع أن نلغي الامتيازات إلا أن يعيننا على ذلك الإنجليز ، وأننا سنقدم اتفاقنا مع الإنجليز وسيلة ، وإن شئت فقل رشوة ، لنتمكن من إلغاء الامتيازات . ولكن الذي يتحدث هو رئيس الوزراء ، ورئيس الوزراء قد ذهب إلى فرساي ليستريح لا ليشتغل بالسياسة وأحاديثها ، فهو أشد تعبا من أن يوفق إلى الصواب في هذه الأحاديث .
وما رأيك في رجل يتحدث إلى صحفي من أهل باريس فيزعم له أننا في مفاوضات مستمرة مع الإنجليز لحل المسائل المعلقة ، وينسى — وما أشد ما يدفع المرض إلى النسيان — أنه أنكر قبل أن يسافر من مصر أن تكون هناك مفاوضات بينه وبين الإنجليز ، وهو إنما أنكر هذا لأن وزارة الخارجية البريطانية نفسها أنكرته إنكارا قاطعا ، فاضطر رئيس الوزراء إلى أن ينكره أيضا . وأكبر الظن أن الرجل لم يشر إلى مفاوضات مستمرة بينه وبين إنجلترا منذ كانت مفاوضات ملر ، فهو أراد اتصال الخلاف بين البلدين ومحاولة الاتفاق ، فحال المرض بينه وبين حسن الإشارة ودقة التعبير . ثم جاءت صحيفته فاستغلت هذا الضعف وزعمت أن وراء القبة شيخا كما يقول العامة ، أو أن وراء الأكمة ما وراءها كما كان يقول القدماء . ثم أخذت تهول وتغلو في التهويل ، وتزعم أن عندها من العلم ومن أسرار المفاوضات ما لا تستطيع أن تبيحه أو تجهر به ، لأن ظروف السياسة لا تسمح بذلك . العفو ! بل نقسم أن لو كان عند رئيس الوزراء وأنصاره وصحيفته أيسر العلم بأمر المفاوضات لما سكتوا عن إذاعته وإشاعته واستغلاله ، والغلو في استغلاله . كلا ، ليس عند القوم شيء إلا أماني كذب تسعة أعشارها ، وعشرها معلق بيد القضاء .
وأظرف ما في هذا الحديث الظريف عطف رئيس الوزراء على فرنسا واغتباطه لها بأنها لم تملك مصر . أعترف بأني أحاول أن أجد معنى لهذا الكلام فلا أوفق إلى شيء ، ومن يدري لعل عند صحيفة صدقي باشا ما يفسر هذا الكلام الذي لا أشك في أن الفرنسيين قد قرأوه فضحكوا منه وهزوا له الرؤوس والأكتاف .
ثم تحدث رئيس الوزراء عن الدين فلم يقل جديدا ، ولم يصنع شيئا ، ولم يظهر قوة ولا حزما ، وإنما أظهر ضعفا وخوفا واستعطافا ، وعقد أمله في صراحة بالإنجليز ومعونة الإنجليز لأنهم يرون رأي مصر ، ويؤيدون مصر في أن تدفع ورقا لا ذهبا . هذا هو الحديث الذي ألقاه رئيس الوزراء إلى الصحيفة الباريسية فأنكرناه وأشفقنا على صاحبه من أن تتناوله بالشرح والتعليق .
هذا هو الحديث الذي تزعم صحيفة صدقي باشا أن صحف المعارضة قد فرت من شرحه وتفسيره لأن فيه ذكرا للمفاوضات ودليلا على طول البقاء . أجهلت صحيفة الوزارة في هذا السخف ، أم هي تريد أن تصرف الصحف عن حديث المبشرين وعما تورط فيه وزير الداخلية من ضعف لا حظ له من قوة ، ومن أنباء لا تصور الحق ، ومن وعود لا يرجى لها الوفاء ؟
زعموا أن الكلام إن كان من فضة فقد يكون الصمت ذهبا ، وزعموا أن العدو العاقل خير من الصديق الجاهل . ولكن هذه الحكم الشعبية السائرة الخالدة أمرها غريب ؛ يصدقها الناس جميعا ، ويؤمن بها الناس جميعا ، ويخالفها الناس جميعا . فأما رئيس الوزراء فمعذور إن نسيها أو خالف أمرها ، لأنه متعب مكدود . وأما صحيفة رئيس الوزراء فمعذورة إن نسيتها أو خالفت أمرها ، لأنها غريقة تلتمس النجاة .
كوكب الشرق ٢ – ٦ – ١٩٣٣ -
قلق
قلق
لست أدري: أقلقٌ هذا يعبث بنفس رئيس الوزراء وزملائه، أم هو شيء آخر أكثر من القلق، وأشد منه هزًّا للنفوس، وخلعًا للقلوب، وتشريدًا للعقول والألباب؟ ولست أدري: أيصدر هذا القلق، أو هذا الفزع، أو هذا الجزع، عن ضعف في أعصاب الوزراء بعد أن ألحّت عليهم الحوادث المضنية، وتعاقبت عليهم الأنباء المخيفة؟ أم هو يصدر عن تقدير صحيح لموقف الوزارة واضطرامها المنكر بين اليأس والرجاء؟ ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أن الوزارة في هذه الأيام شديدة القلق إلى حدّ اليأس، وأن الوزراء في هذه الأيام لا يبتسمون للحياة، كما أن الحياة السياسية لا تبتسم لهم. ولا ينظرون إلى المستقبل القريب مطمئنين، كما أن المستقبل لا يبتسم بقدومهم عليه ودخولهم فيه، وإنما هو يغلق أبوابه في وجوههم قليلًا قليلًا، ويوشك أن يحكم إغلاقها حتى لا ينفذ منها النسيم.
أخطأت الأهرام منذ أيام فنشرت رسالة برقية كانت موجهة للبلاغ، وفسرتها بما تعلم من حقائق الأشياء، وبما تأمل من ألوان الخيال. ولم تكد تظهر الأهرام بالرسالة وتفسيرها حتى اضطرب الوزراء والمستوزرون: أولئك هدّهم الخوف، وهؤلاء أحياهم الرجاء! أولئك رأوا بيوتهم تستقبلهم عابسة مقطبة، وقد خيّم عليها حزن كاسف كثيف. وهؤلاء رأوا دواوين الوزارة تستقبلهم فرحة مرحة، راضية مبتسمة لهم، هذه الابتسامة الصفراء التي تبتسمها دائمًا مكاتب الوزراء للوزراء حين يقبلون عليها لأول عهدهم بالحكم، وتدل بها على معانٍ كثيرة، أظهرها وأوضحها هذا المعنى الذي لا يفطن له وزير، والذي يجب أن يفطن له الوزراء جميعًا، وهو أن البلوغ بالحكم ليس تخليدًا فيه، وأن الابتسام للحكم إنما هو مقدمة سيتبعها العبوس للاستقالة. ولكن الإنسان مغرور، وغروره يلهيه عن واجبه، ويورطه في كثير من الشر، كان يستطيع أن يبرأ منه لو قدر أنه حين يدخل مكتبه زائر لا مقيم.
جزع الوزراء لنبأ الأهرام، وكان رئيسهم أشدهم جزعًا، فلم يكد يتصل به النبأ حتى خفّ وكأن ثقلًا، وحتى نشط وكان فاترا، وحتى أسرع إلى التليفون فهزّ الهواء بين القاهرة ولندن هزًّا كهربائيًّا عنيفًا يلائم هذه الهزات التي أحدثها نبأ الأهرام في نفسه! وأزعج وزيرنا في لندن، وكلفه حركة ونشاطًا، وسعيًا واضطرابًا، وبحثًا واستقصاء. فتحرك وزيرنا واضطرب، وسعى وزيرنا ونشط، وبحث وزيرنا واستقصى، ثم عاد إلى التليفون فهزّ الهواء مرة أخرى بين لندن والقاهرة هزًّا فيه شيء من السخرية، وفيه شيء من اليأس الحزين.
وتحدث رئيس وزرائنا بعد ذلك إلى الصحف يهدئ الناس، ويؤمن الأنصار، فنشرت «الشعب» حديثه وجلة مذعورة، ونشرت الأهرام حديثه متحدية متصدية. وأحس الناس وجلّ «الشعب»، وذاق الناس تحدي الأهرام. فألحّ الخائفون في الخوف، وألحّ الراجون في الرجاء. والظاهر أن الوزراء لا يملكون أنفسهم، ولم يستطيعوا أن يقروا قلوبهم في صدورهم، فسألوا رئيسهم حين اجتمعوا إليه يوم الخميس، وتحدث إليهم رئيسهم في هذا الاجتماع — كما تقول الأهرام صباح اليوم — حديثًا لعله هدّأ من روعهم بعض الشيء، وسرى عن نفوسهم بعض التسرية. ثم لم ينقضِ ليل ويطلع نهار حتى جاءت الأنباء البرقية إلى الصحف عامة بنصيحة «المورننج بوست» إلى رئيس الوزراء، وإلحاحها عليه في أن يستريح! فاشتد خوف الخائفين، وعظم رجاء الراجين، ولم يبقَ بدٌّ من إذاعة الحديث الذي كان بين الوزراء ورئيسهم في اجتماع الخميس، لعله يخفف لوعة الملتاعين من الأنصار، ويلقي شيئًا من الكآبة على آمال المؤملين من عشاق الحكم والمتلهفين على المناصب.
ولكننا نؤكد للذين أذاعوا هذا الحديث في الأهرام، أو أوعزوا بإذاعته، أنه لم يخفف لوعة، ولم يهدئ روعة، وأنه لم يبعث على آمال المؤملين كآبة ولا تقطيبًا؛ ذلك أن هذا الحديث كما نشرته الأهرام أشبه شيء بهذه التعلات التي تقدم إلى الجائع ليصبر على الجوع، وإلى الظمآن ليحتمل الظمأ، وإلى الخائف ليأمن بعض الأمن، ولكنها على كل حال لا تُشبع جائعًا، ولا تنقع صاديًا، ولا تؤمّن خائفًا مذعورًا.
زعم رئيس الوزراء لزملائه أن الأنباء التي أنبأه بها وزيرنا في لندن تدل على أن المندوب السامي عائد إلى مصر فيقيم فيها غير منقول منها. وأكبر الظن أن هذا النبأ لم يكد يقع في قلوب الوزراء حتى برقت أساريرهم، وانبعثت من صدورهم تنهدات مريحة، ولكنهم لم يفكروا في أن بقاء المندوب السامي — إن صح — لا يستلزم بقاء الوزارات، فصداقة المندوبين الساميين في السياسة ليست ثابتة ولا مطمئنة. ولم يفكروا في أن تغيير الأعوان الذين يعمل معهم المندوب السامي في القاهرة يجب أن يدل على شيء، ومن الراجح جدًا أن هذا الشيء ليس مما يحب الوزراء، وليس مما يطيق الوزراء أن يفكروا فيه.
وزعم رئيس الوزراء لزملائه أن اللجنة الإنجليزية المصرية لم تنجح فيما أرادت أن تحمل الحكومة الإنجليزية عليه من تغيير السياسة البريطانية في مصر، ومن توجيه هذه السياسة إلى تغيير النظام القائم؛ لأنه لم يحقق ما كان ينتظر من العدل والإنصاف، ولم يظفر بتأييد الكثرة المصرية له، أو ميلها إليه.
ولكن رئيس الوزراء وزملاءه لم يفكروا في أن الأهرام ستنشر لهم هذا الكلام، وستضيف إليه تعليقًا ظريفًا، وتفسيرًا طريفًا، وهو أن اللجنة قد ألفت وفدًا منها ليلقى وزير الخارجية البريطانية، ويرفع إليه رأيها في شؤون مصر، وأن هذا الوفد لم يلق وزير الخارجية بعد. ومعنى ذلك عند الأذكياء والأغبياء جميعًا أن من التسرع وتعجل الأمور أن يقال إن هذه اللجنة لم تنجح، وإنما يقال ذلك بعد أن يتم اللقاء بين الوفد والوزير، وتظهر نتيجة هذا اللقاء.
ولم يقدر رئيس الوزراء وزملاؤه أن الأهرام ستضيف إلى هذا التعليق الظريف تعليقًا آخر ليس أقل منه ظرفًا، وهو أن المندوب السامي نفسه لم يظفر بلقاء وزير الخارجية بعد. ومعنى ذلك أن كل تنبؤ بنجاح خطة سياسية دون خطة سابق لأوانه، كما يقولون. ومعنى ذلك أن شبح الخوف يجب أن يظل قائمًا أمام الوزارة وأنصارها، وأن وجه الأمل يجب أن يظل مشرقًا أمام المستوزرين.
أما المفاوضات والمحادثات، وأما الاتفاق والمعاهدة، فقد أبت الأهرام إلا أن تعرض لها تطوعًا منها واحتسابًا لوجه اللّٰه عز وجل. فأنبأتنا بأن الحكومة البريطانية كانت قد أذنت في أول الشتاء بالحديث بين رئيس الوزراء ودار المندوب السامي، حتى إذا انتهى إلى خير بدأت المفاوضات، وبأن هذا الحديث كان قد بدأ بالفعل، ولكن ما أصاب الوزارة من أزمة بعد قصة البدارى لم يمكن من المضي فيه.
ونتيجة هذا كله لا تسر ولا ترضي، ولا تلائم ما يحب المصريون أن يشعروا به من أنهم كرام على أنفسهم. نبأ يأتي من إنجلترا فتخلع له قلوب، وتبتهج له نفوس، ويختلف أولئك وهؤلاء فيما يذهبون إليه من تعليل وتأويل. أولئك يخافون على ما في أيديهم، وهؤلاء يطمحون إلى ما ليس في أيديهم. أولئك يرتقبون المعونة من الإنجليز، وهؤلاء يلتمسون الأمل عند الإنجليز. أولئك وهؤلاء يلعبون بالورق، وموضوع لعبهم هو مصر، وأسهم ربحهم النظر إلى مصر على أنها وسيلة لا غاية، وعلى أنها تكأة لا أكثر ولا أقل.
ليس هذا مما يسر، وليس هذا مما يشعر المصريين بكرامتهم وعزتهم، وليس هذا مما يقرب الأمد بين المصريين وبين الاستقلال الصحيح.
فأجدر الذين يخافون أن يخافوا من مصر، وما أجدر الذين يرجون أن يرجوا الخير من مصر. وما أجدر أولئك وهؤلاء أن يعتمدوا على مصر وحدها، وأن ينفقوا ما ينفقون من جهد لتمكين مصر العزيزة الكريمة من أن تظفر بحقها من الإنجليز الغاصبين. وما أجدر هذا القلق الذي يعبث بنفوس اليائسين والطامعين أن يكون قلقًا على منفعة مصر واستقلالها، لا على الاحتفاظ بالحكم والوثوب إليه.
كوكب الشرق ٣٠ – ٤ – ١٩٣٣