Tag: opinion

  • خاتمة٢

    خاتمة

    أما المقدمة فقد قرأها من قرأها، وسمعها من سمعها من الناس يوم افتتحت الدورة البرلمانية في آخر العام الماضي، وألقى رئيس الوزراء خطبة العرش، فرأى الناس وعودًا كثيرة.

    وأما الخاتمة فقد سمعها من سمعها، وقرأها من قرأها، ورآها من رآها أمس واليوم في هذه الخطب القصار والطوال التي ألقيت في مجلس النواب وفي مجلس الشيوخ. وفيها تسجيل وليس فيها وعد، وفيها آمال يرجو الشيوخ والنواب والوزراء أن تتحقق، وعند الله وحده تحقيق الآمال. والله وحده قادر على أن يمضي فيتم ما قضى، مهما يقل الناس، ومهما يعملوا، ومهما يرج الناس، ومهما يأملوا.

    على أن هذه الخاتمة التي انتهت بها الدورة أمس لا تخلو مما يدعو إلى التفكير، ويثير في النفوس عبرًا وعظات يحسن أن يعتبر بها الحكماء، ويتعظ بها الألباء.

    فقوام هذه الخاتمة شكر وثناء، وحمد وإطراء. كل إنسان في البرلمان شاكر ومشكور، وكل إنسان في البرلمان باذل للمدح، وقابل للثناء.

    أما رئيس مجلس النواب فيبدأ بما يجب البدء به من حمد الله عز وجل، والثناء عليه، ثم ينثر باقة من الزهر تغمر الوزراء والنواب جميعًا، ثم يعود إلى التفصيل بعد الإجمال، فيحمد الوزراء ويثني عليهم، ويشكر النواب ويطريهم، ولا ينسى الموظفين من سكرتيرية المجلس.

    ولا يكاد يفرغ الرئيس حتى يقفي على آثاره النواب، فإذا هم يحمدون ويثنون، وإنما هم يشكرون ويطرون. ثم يرد رئيس الوزراء بالنيابة، فيجزي الثناء بثناء، والإطراء بإطراء.

    ويقع مثل هذا في مجلس الشيوخ، فقد شرب الوزراء والنواب والشيوخ إذن من الثناء، بالصغير والكبير، حتى ارتووا ريًا لن يظمؤوا بعده إلى آخر الصيف.

    وكم كنا نحب أن تقدم أقداح الثناء وكؤوسه إلى الوزراء والنواب والشيوخ من غيرهم، لا من أنفسهم، وأن يثني عليهم الشعب، أفراده وجماعاته، بدل أن يثني بعضهم على بعض، ويهدي بعضهم إلى بعض هذه الباقات المنسقة من الحمد والإطراء.

    ولكن المثل القديم لم يخطئ حين قال:
    ما حكَّ جلدَك مثلُ ظفرِك
    فتولَّ أنت جميعَ أمرِك

    فإذا قصر الشعب، راضيًا أو طائعًا، في ذات الوزراء والنواب والشيوخ، فمن الحق عليهم هم ألا يقصروا في ذات أنفسهم. وإذا بخل الشعب، راضيًا أو كارهًا، على الوزراء والنواب والشيوخ بالتقدير والشكر والاعتراف بالجميل، فمن الحق عليهم لأنفسهم أن يقدروها، ويشكروها، ويعترفوا لها بالجميل. وقد فعلوا، وبلغوا من ذلك أمس ما يريدون، وأكثر مما يريدون. ومهما ننقدهم، ومهما ننكر عليهم، فلن نستطيع أن نصفهم بأنهم قصروا أمس في ذات أنفسهم، أو بخلوا أمس على أنفسهم بالإكبار والإعظام، وبالتحية والتقدير.

    أما الشعب فهو بين اثنتين: إما أن يكون جاحدًا للفضل، منكرًا للجميل، ظالمًا للذين يحسنون إليه، بخيلًا على الذين ينالونه بالفضل، ويغمرونه بالنعمة، وهو لذلك يستقبل الخاتمة فاترًا كما استقبل المقدمة فاترًا، فلا يحمد، ولا يثني، ولا يشكر، ولا يطري.

    وإما أن يكون بليد الحس، نائم الشعور، يأخذه الإحسان من كل مكان فلا يحسه ولا يشعر به، وتغرقه النعمة إلى أذنيه فلا يشعر بهذا السيل الجارف من البركات الذي كاد يأتي عليه. وهو لذلك معقود اللسان عن الحمد والشكر، مغلول الأيدي عن التصفيق، قد غشيت وجهه سحائب فيها من ظلمة وحزن، كأنه شقي مع أنه سعيد، وكأنه محزون مكلوم مع أنه فرح مبتهج، وكأنه يائس قانط مع أن قلبه يملؤه الأمل، ويفعمه الرجاء.

    لإحدى هاتين الخصلتين، أو لهما جميعًا، كان الشعب فاترًا يوم افتتحت الدورة، وكان الشعب فاترًا يوم اختتمت الدورة.

    وما رأيك في شعب يجتمع عليه العقوق وبلادة الحس؟ إنه لشعب خليق بما يلقى، حقيق أن تعبث به الأحداث، لعلها تعلمه شكر المحسنين إليه، ولعلها توقظه من هذا النوم العميق الذي يغرق فيه إغراقًا!

    ومهما يكن من شيء، فلا بد من تسجيل هذه الظاهرة، ليعرفها الشعب حين يستيقظ ويفيق، وهي أن الشعب كان نائمًا غافلًا، مسرفًا في النوم والغفلة، على حين كان الوزراء والشيوخ والنواب يقظين متنبهين، وأن الشعب كان ماضيًا في نومه، يحلم بالأمل والرجاء، والنعمة وحسن الحال، ويشكو من الحزن والضيق والبؤس وسوء الحال، بينما كان الوزراء والشيوخ والنواب ماضين في يقظتهم وتنبههم، يرون الحقائق الواقعة، ويسجلون ما انتهت إليه مصر من رخاء وسعة، ومن رقي وتقدم، ومن ارتفاع الكلمة وعلو المنزلة، ويحمدون هذه النعم كلها للذين أسدوها، ويشكرون هذه الآلاء كلها للذين أهدوها، وهم الوزراء والنواب والشيوخ.
    وما رأيك في شعب تذكر له هذه الملايين التي أرصدتها الوزارة، وأقرها النواب والشيوخ لحل الأزمة وتفريج كربها، فلا يزيد على أن يشكو الضنك والضيق، ويذكر الجوع والحرمان، والمرض والأوبئة، ويؤكد ويلح في التأكيد أن الأزمة ما زالت قائمة، لازمة، ملحة، ثقيلة؟ أليس من الحق عليك أن تنبئ هذا الشعب بأنه نائم يحلم، وبأن الحق كل الحق فيما يقوله الوزراء والنواب والشيوخ في خاتمتهم أمس؟ فليس هناك ضنك ولا ضيق، وليست هناك عسرة ولا أزمة، وإنما هي أحلام نيام قد اكتظوا بالثروة والغنى، فخيل إليهم عسر الهضم أنهم جياع محرومون!

    نعم، وما رأيك في شعب يذكر له الوزراء والشيوخ والنواب أنهم قد أرصدوا أموالًا وأموالًا، وأنفقوا ألوفًا وألوفًا للري والصرف، وإقامة الخزانات والتمهيد لها، فلا يعترف بفضلهم في ذلك، بل يشكو ويلح في الشكوى، ويأسف لأن هذه الأموال قد كان يحسن أن ترصد لغير ما رصدت له، وتنفق في غير ما أنفقت فيه؟ أليس هذا الشعب نائمًا غافلًا، قد صرفه النوم عن منافعه، وألهته الغفلة عن مصالحه، فرأى كل حسن قبيحًا، وخيل إليه أن كل قبيح حسن؟ بلى، لقد أخطأ الشعب كل الخطأ، وأصاب الوزراء والشيوخ والنواب كل الصواب!

    وما رأيك في شعب يذكر له الوزراء والشيوخ والنواب أنهم قد أقاموا له صرحًا مشيدًا متينًا، متناسب الأجزاء، من الثقافة، ففرضوا التعليم الإلزامي، وأصلحوا نظم الجامعة، ووسعوا نشاط الأزهر، فلا يعترف بشيء من ذلك، ولكنه يتعلل ويتجنى، ويزعم أن التعليم الإلزامي لم يدرس ويمحص، وإنما أرسل على عجل ليقال إن قانونه قد صدر، ويزعم أن الحكومة والبرلمان قد نشرا جناح الأزهر إلى أبعد مما ينبغي، وقصا جناح الجامعة حتى عجزت عن أن ترتفع في الجو، وأمضيا أمر هذا كله في سرعة لا يعرفها بلد من بلاد الأرض، وعجلة لا يعرفها جيل من أجيال الناس. وكانت الفكرة السياسية أظهر فيها من الفكرة الفنية، حتى لم يبق بد للأحزاب السياسية المعارضة من أن تجعل في برامجها إصلاح أمر الثقافة والتعليم، ورده إلى حيث كان، أو إلى خير مما كان قبل هذا العهد السعيد. أليس هذا دليلًا على أن هذا الشعب نائم حالم، يرى الخير فيحسبه شرًا، ويرى النعمة فيحسبها بؤسًا؟

    ما أشد حاجة هذا الشعب إلى أن يؤخذ بشيء من العنف والقسوة، لتستقيم قناته المعوجة، ويعتدل مزاجه المنحرف، ويؤمن بما يقول الوزراء والنواب والشيوخ!..

    ولكن قناة هذا الشعب، مع الأسف أو مع السرور، ومع الحزن أو مع الابتهاج، تأبى أن تلين لغمز الغامزين، وتثقيف المثقفين، وتقويم المقومين. فستظل كما هي معوجة، وسيظل مزاج هذا الشعب كما هو منحرف، لا تستقيم القناة، ولا يعتدل المزاج، مهما يقل الوزراء والنواب والشيوخ، ومهما يعملوا.

    ما أشد التناقض بين هاتين المصرين اللتين تعيشان في أرض واحدة، وتتنفسان هواءً واحدًا، وتشربان من نهر واحد: مصر الرسمية ومصر الشعب!

    وأي دليل على هذا التناقض بين هاتين المصرين أكثر من أن تضطرب مصر الرسمية بما يثور فيها من عواطف الرضا والسخط، وبما يدفعها من بواعث الأمل واليأس، وبما يسيطر عليها من أسباب النشاط والفتور منذ تليت المقدمة في العام الماضي إلى أن تليت الخاتمة أمس، فلا يكون لشيء من هذا كله صدى في نفس مصر الشعبية؟

    تناقض شديد، وافتراق بعيد بين هاتين المصرين، والله وحده قادر على أن يلائم بين هذين النقيضين.
    كوكب الشرق سنة ١٩٣٣

  • ولا هذا أيضًا

    ولا هذا أيضًا
    وكما أجاد[1] «الفرزدق» في تصوير صديقي «عبد الرحمن عزام» في قوله:
    أَحْلَامُنَا تَزِنُ الجِبَالَ رَزَانَةً … وَنَخَالُنَا جِنّاً إِذَا مَا نَجْهَلُ
    فقد أجاد «الحارث بن عباد» تصوير صديقي «المازني» حين قال:
    لَمْ أَكُنْ مِنْ جُنَاتِهَا عَلِمَ اللهُ … وَإِنِّي لِحَرِّهَا اليَوْمَ صَالٍ
    فصديقي «المازني» لم يثر هذه الفتنة حول تلك الجملة القصيرة التي اقتطعها صديقي «عزام» من فصل طويل، ولم يجلب في هذه الحرب أول الأمر بخيل ولا رجل، حتى إذا شبّت النار، وارتفع الغبار، ثار ثم طار، وإذا هو في الميدان يطلب الضرب والطعان.
    وقد ثار «المازني» للدفاع عن حرية الرأي، ولكنه أخطأ طريق هذا الدفاع، فرمى صديقه بالزلل والخطأ اللذين ليس فيهما شك، ثم أخذ يدور حول هذا الزلل وهذا الخطأ، يلتمس الهفوة. فلست معصومًا من الخطأ، ولا مبرأ من الزلل، وما كان لأحد من الناس أن يرى العصمة لنفسه، ولكن ما ذنبي إذا كنت لم أخطئ في هذه المرة ولم أزل؟ وإنما صورت الحق الذي لا يقبل شكًّا ولا يحتمل جدالًا، ولا يغفل عنه إلا قوم ليس لهم عشر ما لـ«المازني» من العلم والثقافة، أو قوم آخرون يعلمون ثم ينكرون، ويرون الحق ثم يعرضون عنه؛ لأن لهم حاجة من وراء هذا، لا يستطيعون أن يسلكوا إليها صراطها المستقيم.
    وأحب أن أؤكد لـ«المازني» مخلصًا أني أرفع ما بينه وبيني من الصداقة عن جِيد الخصومات وهزلها، وعما كان منها صريحًا واضحًا، وما كان منها ملتويًا غامضًا، وإنه مهما يقل فيَّ مُصَرِّحًا أو مُلَمِّحًا فلن يبلغ ذلك من مودتنا شيئًا؛ فأنا أعرف — والحمد لله — كيف أقدّر ضعف الناس.
    وقد كنت أحب وما زلت أحب لصديقي «المازني» ألا يخلط بين من يقول له إني لم أخطئ، ومن يقول له ليس بيني وبين الخطأ سبب ولا سبيل؛ ذلك يقرر الحق، وهذا يدّعي لنفسه من العصمة ما ليس للناس. فليعلم «المازني»، وليعلم «عزام»، وليعلم من يظاهرهما من المصريين، وليعلم «السوريون» أيضًا أني ما زلت عند رأيي الأول، لا أغيره، ولن أغيره؛ لأني لا أحب، ولا أستطيع، ولا يستطيع أحد تغيير الحق مهما تكن الظروف.
    وأخرى أضحكتني من «البلاغ»، وأريد أن أعتقد أنها لم تصدر عن «المازني»، فهو عندي أكبر منها؛ فقد زعمت «البلاغ» أمس أني أخذت منها ما كتبت به إلى «السوريين» دفاعًا عن حرية الرأي. وكنت أحسب أن أعترف لـ«البلاغ» بأني أخذت منها واستعنت بها على هذه القضية المعضلة، قضية الرأي وحريته، فإني لا أكره أن أسرّ «البلاغ» إن وجدت إلى ذلك سبيلًا شريفة معقولة، ولا أتحرج أن أستعين بكاتب بارع كصديقي «المازني» إن وجدت حاجة إلى معونته، ولكني آسف أشد الأسف لأني كتبت إلى «فتى العرب» يوم الأربعاء قبل أن تكتب «البلاغ» ما كتبت، وأخرت نشر الكتاب يومين أو ثلاثة أيام حتى يصل الكتاب إلى «دمشق»، ثم ينشر في مصر بعد ذلك. فإذا كانت «البلاغ» في حاجة إلى من يشهد لها بذلك، فإن الشهود أحياء يرزقون، وهم قادرون على تأدية الشهادة، لا يترددون في ذلك قليلًا ولا كثيرًا.
    وبعد، فلم أقل في كتابي إلى «فتى العرب» يوم الأربعاء، ولم تقل «البلاغ» فيما كتبت يوم الخميس شيئًا طريفًا فذًّا، يحسن الاختصام فيه: أينا سبق إليه. وإنما قلت يوم الأربعاء، وقالت «البلاغ» يوم الخميس، أوليات شائعة بين الناس، من المحزن أن نحتاج إلى تقريرها، فضلًا عن أن نزعم لأنفسنا ابتكارها واستكشافها.
    فلتطمئن «البلاغ»، ولتخفف من غلوائها ومن اعتدادها بنفسها؛ فإن الله — عز وجل — لم يقصر عليها العلم بالبسائط والأوليات. وخير لـ«البلاغ» أن تمضي في سبيلها، لا تنحرف إلى يمين أو إلى شمال، ولا تقف عند أشياء تعلم حق العلم أن الوقوف عندها لا يقدم ولا يؤخر، ولا يرضي الحق ولا المنفعة، ولا الضمير على أية حال.
    [1] كوكب الشرق في ١١-٩-١٩٣٣.