بين الرضى والسخط . . .
بقلم الدكتور طه حسين
ويقال إن الثورة مزاج من السخط والرضى ومن اليأس والأمل، سخط على لون من الحياة يجب أن يتغير ورضى عن لون من الحياة يجب أن يتحقق. يأس من نظم قائمة يجب أن تزول وأمل في نظم جديدة يجب أن تستقر.
والثورة من أجل هذا مزاج من التشاؤم والتفاؤل. تشاؤم بما كان قائما وما لا يزال قائما لأنه لا يلائم ما ينبغي أن يكون، وتفاؤل بالقدرة على الإصلاح والرغبة فيه والاندفاع إليه. ولابد فيما يظهر من أن تعتدل هذه الأمزجة كلها، فلا يطغى السخط واليأس والتشاؤم لأن في طغيان هذه الخصال تثبيطا للهمم، وقعودا عن العمل، واستسلاما للأحداث، ولا يطغى الرضى والأمل والتفاؤل، لأن في طغيان هذه الخصال، استراحة إلى الوهم، واطمئنان إلى الخيال وفتورا في النشاط.
والذين يقومون على الثورة ويدبرون أمرها جديرون بأن يلاحظوا هذا كله فلا ينبغي أن يسرفوا على أنفسهم وعلى الناس بتصوير الحياة، قاتمة تدعو إلى اليأس أو تصويرها مشرقة تدعو إلى الإسراف في الأمل الذي ينتهي أحيانا إلى الخيبة وسوء الظن.
أقول هذا كله بعد أن قرأت ما قرأت من هذه الأحاديث الكثيرة التي أذيعت في هذه الأيام حول شؤون التعليم في مصر. فليس من الحق في شيء أن التعليم خير كله لا حاجة به إلى الإصلاح، ولا مكان فيه للسخط، ولو قد كان أمره كذلك لما احتاجت مصر إلى وزارة المعارف، ولا إلى عمل الذين يعملون فيها.
وليس من الحق في شيء أن التعليم كله شر خالص ليس فيه ما يبعث الرضى أو يستحق البقاء. فلو قد كان هذا حقا لما استطاعت مصر أن تعيش على هذا التعليم إلى الآن. ولكن مصر قد عاشت وارتقت وتقدمت خطوات بعيدة إلى الأمام، فهي في هذا القرن خير مما كانت في القرن الماضي، وهي بعد الحرب العالمية الثانية وبعد إعلان الاستقلال خير مما كانت قبل ذلك. ولو قد كان هذا حقا لكان أول ما يجب على الثورة أن تقف هذا التعليم، وتغلق المدارس والمعاهد والجامعات حتى تهيئ للناس تعليما جديدا ملائما لما يطمحون إليه ويطمعون فيه، ثم تستأنف أمرها وقد أقامت التعليم على أسس متينة قد رسمت له خططا صحيحة، وغايات تطابق أغراض الثورة وأهدافها.
ولكن وزارة المعارف استقبلت العام الدراسي الجديد كما تعودت أن تستقبل الأعوام الدراسية من قبل، ففتحت المدارس والجامعات، وقبلت فيها تلاميذها وطلابها القدماء، ويسرت الالتحاق بها لألوف كثيرة من التلاميذ والطلاب الجدد، ومضت في سبيلها تحاول الإصلاح ما وجدت إليه سبيلا والإبقاء على الشر الخالص لا يستقيم في عقول الذين يدبرون أمور الناس ويرعون مصالحهم.
والواقع أن التعليم كغيره من المرافق المصرية فيه الخير وفيه الشر، وفيه ما يحتاج إلى الإصلاح، وفيه ما يجب الإبقاء عليه حتى يتاح للناس أن يستكشفوا ما هو خير منه وأكثر نفعا.
ولو قد سألت أي وزير من وزراء الدولة أراض هو كل الرضى عن وزارته وعما تدبر من المرافق لعلمت أنه بعيد عن ذلك بعدا شديدا، ولكنه مع ذلك لا يشكو ولا يتبرم ولا يزعج الناس بالتشاؤم، ولا يدخل اليأس إلى قلوبهم بهذا السخط الذي لا ينقضي، والذي يملأ الحياة أمامهم ظلاما. وإنما يستقبل عمله ناصحا الناس مخلصا للشعب، ناسيا لنفسه، جادا في الإصلاح، مذللا للعقبات متفائلا بما يتاح له من ذلك صابرا على ما يستعصي عليه من المشكلات.
ليس من الخير أن يصبح الطلاب والتلاميذ فيقرأون في الصحف أنهم لا يتعلمون ولا ينتفعون باختلافهم إلى المعاهد واستماعهم لما يلقى عليهم من درس، وإنما يضيعون أوقاتهم وجهودهم وصحتهم في غير طائل ويضيعون بعد ذلك على الدولة ما تنفق في تعليمهم من المال الذي يحصى بالملايين الكثيرة، ثم يمسون فيقرأون مثل ما قرأوا في الصباح. ذلك أجدر أن يفسد رأيهم في معاهدهم ومدارسهم، ويهدر ثقتهم بأنفسهم، ويسيء ظنهم بأساتذتهم ومعلميهم دون أن ينتفع بذلك أحد. فهم مكرهون على أن يذهبوا إلى المدارس والجامعات وأن يأخذوا ما يقدم إليهم فيها من المعرفة، وأن يسمعوا إلى أساتذتهم ومعلميهم، وأن يقرأوا فيما بين أيديهم من الكتب والخير كل الخير أن يفعلوا هذا كله وفي نفوسهم من الرضى والأمل وصدق العزم ما يلائم الصبى والشباب، وليس من المصلحة أن يشقى الأستاذ والمعلم بياض يومه وسواد ليله بما يبذل من جهد في التعليم، وإعداد الدروس وتصحيح الكراسات بالمرتبات المتواضعة التي يتقاضونها والتي لا تكاد تغني عن أكثرهم شيئا، ثم يقرأون إذا أصبحوا وإذا أمسوا أنهم يشقون في غير طائل ويضيعون أوقاتهم وجهودهم في تعليم لا نفع فيه، ولو سمع المهندسون والأطباء وغيرهم من الذين يدبرون حياة الناس اليومية ذلك كما يسمعه رجال التعليم لانتشر في مصر تشاؤم مظلم يضر كثيرا ولا ينفع قليلا. إنما الحق على الوزراء والرؤساء والمصلحين وقادة الرأي أن يلائموا بين الرضى الذي يثير الأمل ويدفع إلى العمل وبين السخط الذي يرغب في الإصلاح ويحبب التقدم والرقي. وليس أدل على ذلك من أن وزراءنا يعملون بعد الثورة كما كان الوزراء يعملون قبل الثورة يدبرون ما في أيديهم من مصالح الناس ويطمحون إلى أن يكون اليوم خير من أمس وإلى أن يكون غد خير من اليوم.
ليس من شك في أن مدارسنا مكتظة بالتلاميذ وأن ذلك يضعف انتفاعهم بما يلقى عليهم من دروس. ولكن أيهما خير أن يزدحم التلاميذ في المدارس لينتفعوا ولو قليلا بالتعليم أم أن تظل المدارس نموذجية لا يزدحم فيها التلاميذ حتى تبنى لهم مدارس ملائمة في وقت يقصر أو يطول. وقد قبلت وزارة المعارف في هذا العام من التلاميذ أكثر مما قبلت في العام الماضي كما يقال. فكيف يستقيم هذا مع العلم بأن المدارس كانت مزدحمة فازدادت ازدحاما وكان التعليم فيها قليل النفع فأمعن نفعه في القلة. ألم يكن من الخير أن نرد التلاميذ عن المدارس في هذا العام حتى تبنى مدارس جديدة في مثل هذا بالقياس إلى الجامعات؟
أمر رئيس الحكومة مشكورا ألا يرد طالب ولا تلميذ عن معاهد العلم لأنه يعلم أن قليلا من العلم خير من الجهل، وأن بصيصا ضئيلا من النور خير من الظلمة المطبقة التي يخرج الإنسان فيها يده فلا يكاد يراها.
وكان رئيس الوزراء وزملاؤه جميعا – لا أستثني منهم وزير المعارف – موفقين توفيقا عظيما حين تركوا أمور التعليم تمضي في سبيلها ولم يردوا الطلاب والتلاميذ عن العلم ثم اتخذوا هذا القرار السعيد الذي اتخذوه منذ أيام بإنشاء مؤسسة خاصة لبناء المدارس متوسعة في ذلك توسعا عظيما. وليس لمشكلات التعليم في مصر حل إلا هذا. يجب أن تكثر المدارس وتقرب من الناس فتكون لكل قرية مدرستها الابتدائية ولكل مدينة مدرستها الثانوية ولكل إقليم مدرسته الفنية.
بذلك ناديت منذ سنين وبذلك أنادي الآن وبذلك سأنادي ما وسعني النداء، والحمد لله على أن استمعت الثورة لهذا النداء، فأنشأت هذه المؤسسة التي ستتيح للمدارس المزدحمة أن يخف ازدحامها وستتيح للشعب أن يعلم أبناؤه وبناته جميعا في غير مشقة ولا عناء.
وأمر الجامعات كأمر المدارس هي أقل مما ينبغي ولذلك ازدحم فيها الطلاب فقل انتفاعهم بما يلقى فيها من الدرس ولم يستطع الأساتذة أن يفرغوا لطلابهم، وعلاج ذلك أن يخف الازدحام لينتفع الطالب ويفرغ له الأستاذ وسبيل ذلك أن تنشأ الجامعات قبل كل شيء.
فثلاث جامعات لبلد كمصر بدعة من البدع التي لا تقبل من بلد ناهض يريد أن يكون راقيا حرا متحضرا ويريد أن يكون عظيما كما كان في أكثر عصوره.
ولست أخفي على وزير المعارف أني ضقت أشد الضيق بما قاله في إحدى خطبه منذ أيام من أن كليات الجامعات مدارس ثانوية من أسوأ أنواع المدارس الثانوية. هذا كثير مسرف في الكثرة لأنه ليس صحيحا. فقد يكون في كليات الجامعة عيوب وعيوب بعضها خطير ولكنها ليست مدارس ثانوية سيئة، وإنما هي كليات جامعية عالية يدرس فيها العلم كما يدرس في غيرها من الجامعات. ولعله يدرس فيها خيرا مما يدرس في كثير من الجامعات الأجنبية، وهي بعد ذلك في حاجة إلى الإصلاح شأنها في ذلك شأن كل شيء في مصر. ولن تنقطع حاجتها إلى الإصلاح في يوم من الأيام لأن الكمال شيء لا سبيل إلى إدراكه يبعد منا كل ما سعينا إليه.
وبين يدي كتب كثيرة تنتجها هذه الكليات التي ظلمها وزير المعارف في خطبته تلك. وهي كتب متقنة جيدة تصور حبا للبحث، وتفوقا فيه، ولا تقل عن الكتب التي يصدرها الجامعيون في غير مصر. وهذه الكتب لا يصدرها شيوخ الأساتذة وحدهم، وإنما يصدرها الشباب منهم أيضا.
وليس ذنب الجامعيين أن وزراء المعارف لا يقرأون كتبهم، ولا يتابعون نشاطهم، ولا يستقصون بحوثهم، ولو قد فعلوا لعرفوا أن مصر لم تضع وقتها عبثا منذ أنشئت فيها الجامعات.
وأقول مرة أخرى أن جامعاتنا في حاجة وستكون دائما في حاجة إلى الإصلاح، وليس لها أن ترضي عن نفسها، فليس يرضي عن نفسه إلا من ألف الخمول والخمود، فأما الذين يطلبون الرقي ويستزيدون من الخير ويسعون إلى الكمال، فهم ساخطون دائما، راضون عن أنفسهم أحيانا يدفعهم السخط إلى طلب التغيير والطموح إلى الرقي، ويتيح لهم الرضى شيئا من الثقة بالنفس يمكنهم من العمل والجد والإنتاج.
وإني لأرجو ملحا في الرجاء أن تتخذ الثورة بشأن الجامعات خطوة كالتي اتخذتها بشأن التعليم العام. فتهيئ لإنشاء جامعة أو جامعتين أو ثلاث في وقت ملائم. ذلك أجدر أن يحقق لجامعاتنا ما تتحرق إليه من الإصلاح، والشيء الذي لا شك فيه هو أن معاهدنا وجامعاتنا لا تشكو من شيء كما تشكو من الكظة والازدحام.
فلنخفف عليها الضغط ولنمنحها الثقة وحسن الظن ولننتظر منها بعد ذلك أن تخلق مصر خلقا جديدا.
طه حسين
الأهرام، ٢٧/١٢/١٩٥٢
Tag: Optimism
-
بين الرضى والسخط
-
هزل وجد
هزل وجد
بقلم الدكتور طه حسين
أنفقت أياما عشرة لا تصل إليّ فيها الصحف المصرية ولا أعرف من أنباء مصر وثورتها المباركة إلا ما تحمله إليّ الصحف الفرنسية أو الإيطالية. وأرادت الظروف ألا يكون في الفندق الذي أقيم فيه راديو أستطيع أن أفزع إليه مصبحا أو ممسيا لأسمع الأنباء وأساير ما يجد في مصر من الأحداث. فكنت إذن أعرف شئون مصر من طريق غير مباشرة هي طريق الصحف الأجنبية وما تنشره من هذه الأطراف المقتضبة التي لا تقنع ولا ترضي ولعلها تشوق إلى مزيد من العلم وفضل من المعرفة. وجعلت أظن الظنون وأقدر في نفسي ألوانا من الفروض تصور لي الحياة الواقعة في مصر وقد كنت متلهفا إلى الأنباء فكنت أقدر أن المصريين جميعا متلهفون مثلي على الأنباء، وكنت مشغولا عن كل شيء بالتفكير في ثورتنا ونتائجها الأولى وأعقابها البعيدة وأثر هذا كله في حياتنا التي نحياها اليوم وفي حياتنا التي سنحياها غدا أو بعد غد.
ولم أكن أشك في أن المثقفين من المصريين مشغولون مثلي عن كل شيء بهذا التفكير وكنت لا أفكر في أمس القريب أو البعيد إلا لأوازن بينه وبين اليوم أو لأوازن بينه وبين غد أو بعد غد. وكنت أعتقد أن المثقفين من المصريين مثلي قد أخذت عليهم الثورة وأحداثها وأعقابها كل طريق. فهم قد نسوا أمس وما ثار بينهم فيه من الضغينة والحقد وأصبحوا إخوانا قد صفت قلوبهم من البغض وبرئت نفوسهم من كل سوء وطهرت ضمائرهم من كل موجدة. وقد حفظت فيما حفظت من الآثار أن الإسلام يجب ما قبله فكنت أظن أن الثورة تجب ما قبلها أيضا وكنت مستيقنا أن المصريين لن يفكروا فيما قبل الثورة إلا ليرفعوا ما وقع من الظلم ويزيلوا ما بها من البغي ويردوا الحقوق إلى أصحابها ويضطروا الظالمين والآثمين إلى حياة بريئة من الظلم والإثم جميعا.
كنت أظن هذا كله وكنت أقول لنفسي أن الزمان قد استدار في مصر كهيئته يوم خلق الله مصر والمصريين فأصبح لا عهد له ببغي ولا طغيان ولا عدوان وإنما مصر بلد صفا جوه وطاب إقليمه يسكنه شعب صفت قلوبه وضمائره وطابت سيرته وسرائره.
كذلك كنت أشعر وكذلك كنت أفكر وبذلك كله كنت مؤمنا وإلى ذلك كله كنت مطمئنا. ولكن الصحف المصرية تصل إليّ ذات يوم فأسرع إليها وأعكف عليها فيا لها يقظة مؤذية مزعجة بعد نوم هادئ مستريح وأحلام حلوة ممتعة.
رأيت صحفنا كما عرفتها قبل أن أبرح الأرض وأعبر البحر وقبل أن تعصف الثورة ببغي البغاة وطغيان الطغاة لم يتغير من سيرتها شيء لا في الظاهر ولا فيما ورائه من خفي الأشياء والأسرار. كلف بالأنباء المثيرة وشغف بالأخبار التي تروع أو تروع، وتتبع للصغائر وإغراق في البحث عنها ومضي في الجدال الذي لا يغني عن أصحابه ولا عن الناس شيئا.
الأحزاب ماضية في خصوماتها كأن الدنيا لم تتغير من حولها والصحف الأسبوعية ماضية في تلقط النوادر التي يتفكه بها الناس حين يلقي بعضهم بعضا على حساب هذا الحزب أو ذاك وعلى حساب هذا الفرد أو ذاك كأن مصر لم تستأنف فصلا جديدا من تاريخها الرائع الطويل وإني لفي ذلك وإذا صحيفة تنشر حديثا لم أكد أقرأه حتى أغرقت في ضحك عميق عريض ولكنه على ذلك مؤلم ممض. فهذا الحديث يمسني أنا ويمس علمي باللغة العربية وسوء تصرفي فيها. وما رأي القارئ في أني لا أحسن تعدية الأفعال وإنما أخلط في حروف الجر تخليطا معيبا ولا أحسن استعمال الهمزة وإنما انحرف في هذا الاستعمال عما جاء في شعر زهير وعما جاء في مغني اللبيب لابن هشام. وقد أغرقت في هذا الضحك العميق العريض المؤلم الممض لا لأني أنكر على صاحب هذا الحديث شيئا مما قال. فالناس جميعا يعلمون أني لا أحسن اللغة العربية ولا أجيد التصرف فيها. والناس جميعا يعلمون أني لست من الكتابة ولا من الأدب الرفيع في شيء، وإنما متكلف ثرثار لا أعرف كيف أبدأ ولا أعرف كيف أنتهي ولا أعرف كيف أقول. الناس جميعا يعلمون هذا وأنا أعلمه أيضا. ولست أنا الذي طلب إلي الناس أن يسموني بما شاءوا من الأسماء وأن يلقبوني بما أحبوا من الألقاب وإنما هو حب الناس للعبث وكلفهم بالدعابة وتهالكهم على الفكاهة قد دفعهم إلى ما اندفعوا إليه وورطهم فيما تورطوا فيه.
لم أمعن في الضحك إذن لأني أنكرت من هذا الحديث شيئا وإنما أمعنت في الضحك العميق العريض الطويل الممض لأني ذكرت تلك الصورة التي استقرت في نفسي لمصر قبل أن تصل إليّ الصحف بساعة أو بعض ساعة ثم رأيت هذا الحديث الصغير الضئيل وليس شيء من الأشياء يدعو إلى الضحك والإغراق فيه كاجتماع النقائض حين تتباعد الآماد بينها. ملك ينزل عن العرش مذعنا لإرادة الشعب وحياة عامة تتغير. وتريد أن تنقلب رأسا على عقب ونظم سياسية اجتماعية تريد أن تتحول لتبرأ ما جرى فيها من الفساد وبلد يخلق خلقا جديدا وتاريخ يستأنف من فصوله فصلا يريد أن يكون رائعا بارعا خلابا للقلوب والعقول والأبصار والأسماع كل هذا في ناحية وأمامه في ناحية أخرى شيخ من شيوخ اللغة أو شاب من شبابها يتتبع أغلاط كاتب من الكتاب ويعيب على الأهرام أنه من كتابها ويطلب إليها أن تصحح فصوله قبل أن تنشرها، ضخامة ضخمة من جهة وصفر صغير من جهة أخرى وأشد من ذلك إيذاء للنفوس وإيلاما للقلوب أن هذا الصفر الصغير ليس فذا ولا نادرا. ولكن له أمثالا كثيرة في صحف كثيرة وهذه الأمثال لا تمسني من قريب أو بعيد وإنما تمس غيري من الناس. وليس المنكر فيها أنها تعيب هذا الرجل أو ذاك بالحق قليلا وبالباطل كثيرا وإنما المنكر فيها حقا هو أنها صغيرة ضئيلة بالقياس إلى ما ينبغي أن يأخذ على المصريين جميعا طرق التفكير والشعور وطرق الكتابة والحديث.
لقد كانت بيني وبين قوم من المصريين خصومة في شئون التعليم كنت أقول وكانوا يقولون وكنت أقدر أن أرد على أحدهم ذات يوم ولكن الأنباء تحمل إليّ أحداث مصر فأعرض عن تلك الخصومة لا عامدا إلى هذا الإعراض وإنما اضطرتني إليه الأحداث اضطرارا. فما حديث المجانية أو ما حديث بثينة وجميل في بلد ينهار فيه نظام ليقوم مقامه نظام آخر.
وقد ساءلت نفسي دائما وفي كثير من الإلحاح عن بيت المتنبي:
وإذا كانت النفس كبارا
تعبت في مرادها الأجسام
كيف يصبح لو أننا وضعنا فيه صغارا مكان كبارا واعترف بأني ذكرت هذا البيت وذكرت السؤال الذي طالما ألقيته على نفسي حين قرأت الصحف التي وصلت إليّ من مصر منذ أيام ورسمت قائدنا العظيم الذي غير حياة مصر في أيام قليلة بل في ساعات قليلة فرد إليها شرفها وكرامتها في داخل البلاد وخارجها وأشعر كل مصري بأنه يستطيع أن يقول للظالم لا وأن يمتنع في عزة وإباء على كل من يسومه الخسف ويريد به ما لا
رحمت قائدنا العظيم حين رأيت من حوله قوما قليلين أو كثيرين ما زالوا عاكفين عن صغائرهم يتتبعونها ومشغوفين بشخصهم يبدلون فيه ويعيدون كأن شيئا من حولهم لم يتغير.
ما أكبر مصر وما أصغر ما صار إليه بعض أبنائها وما تقول في أسود تزأر وإلى جانبها ذباب يطن وضفادع تملأ الجو نقيقا.
ما أشد حاجة المصريين والمثقفين منهم خاصة إلى أن يقدروا وطنهم حق قدره ويعرفوا أنه أكبر وأعظم وأبعد صوتا من هذا السخف الذي يمعنون فيه، ليكن فلان عالما أو جاهلا وليكن فلان قدما أو فصيحا وليكن فلان حليما أو سفيها فأي خطر لهذه الصغائر الآن حين تقبل مصر على ما هي مقبلة عليه من عظائم الأمور.
أقول هذا كله وأنا أبعد الناس عن اليأس والتشاؤم وأقربهم إلى الرجاء والتفاؤل فقد تخلق مصر خلقا جديدا وتتغير نظمها المختلفة تغيرا خصبا. ويظل فيها مع ذلك من أبنائها نفر طال تأثرهم بالحياة القديمة واشتد حتى شاخوا فيها وإن لم يتجاوزوا طور الشباب:
والشيخ إن قومته من زيغه
لم يقم التثقيف منه ما انحنى
فأي غرابة في أن يشغلهم طنين الذباب ونقيق الضفادع عن زئير الأسود وأي غرابة في أن يحتاجوا إلى وقت أطول من هذه الأسابيع التي مضت منذ كانت الثورة ليشعروا بأن الدنيا قد تغيرت من حولهم وأن شئون الإصلاح السياسي والاجتماعي والعقلي أجدر أن تشغلهم عن تتبع الصغائر والتهالك عليها إنهم يسمعون أن مصر تريد أن تغير نظامها الاجتماعي فتجعل توزيع الثروة عادلا ملائما للحق والإنصاف وهي تفكر في تحديد الملكية ورفع الضرائب وتمكين الفارغين من أن يعملوا وتمكين العاجزين عن العمل من أن يعيشوا وتمكين الجاهلين من أن يتعلموا وتمكين الضعفاء من أن ينتصفوا من الأغنياء. يسمعون هذا كله فلا تصغي إليه قلوبهم ولا عقولهم وإنما يعيبون كاتبا بأنه وضع عن مكان على ويعيبون سياسيا بأنه ابتسم في غير موضع للابتسام. ولابد من أن يأتي يوم قريب أو بعيد يفيق فيه هؤلاء الناس من نومهم العميق ويتنبهون إلى أن زمن الصغائر وتتبعها قد انقضى ولو إلى حين. وإلى أن لوطننا ولأنفسنا علينا حقا هو أن نعتني بالمهم من أمره وأمرها حتى إذا فرغنا من ذلك وأتيحت لنا حياة الأمم الحرة الراقية جاز لنا يومئذ ويومئذ فحسب أن نفرغ لتتبع الصغائر والإمعان في السخف. نلهو بذلك ونستريح إليه لنستأنف حياة الجد والكد بعد قليل من اللهو والراحة. ولكن هؤلاء الناس سيقرأون هذا الحديث ساخرين منه متتبعين ما قد يجدون فيه مما لا يلائم لسان العرب ومختار الصحاح وسيقولون ما زال هذا الرجل كما عهدناه ثرثارا لا يحسن أن يكتب ولا يعرف كيف يقول. فدعهم يخوضوا ويلعبوا حتى يأتي يومهم الذي يوعدون.
طه حسين
الأهرام ٦\٩\١٩٥٢ -
دروس غاندي …
دروس غاندي …
طه حسين
مجلة المصور
٦ فبراير ١٩٤٨
وما أكثر ما أُلقي على الإنسانية من دروس! وما أكثر ما يسيء المتشائمون ظنهم بما كان لهذه الدروس من نتائج! فهم يرون الشر عظيمًا، والإثم مسيطرًا، والبغي باسطًا سلطانه على حياة الأفراد والجماعات، فيسرعون إلى التشاؤم، ويسرفون في سوء الظن، ويملئون الدنيا بكاء وعويلًا ورثاء لهذه الإنسانية البائسة اليائسة التي لا تنفعها الذكرى، ولا تصلحها الموعظة، ولا تُنقِّي ضمائرها العِبَر، وإنما تتلقى نُبوَّة الأنبياء وحكمة الحكماء وهداية الهُداة ثم تمضي في طريقها إلى الشر كأنها لم تتلقَّ شيئًا!
واقرأ ما شئت أن تقرأ من أدب المتشائمين وفلسفتهم، فستظلم نفسك لما تقرأ، وسترى أن الدنيا إنما هي بيئة منكرة للشر والإثم والبغي والعدوان … واقرأ ما شئت أن تقرأ من أدب المتفائلين وفلسفتهم؛ فسترى أن ليس في الإمكان أبدع مما كان، وأن الشر الذي يعرض للناس في حياتهم العامة، أو في حياتهم الخاصة، ليس إلا عارضًا، إن ثقل الآن فقد يَخفُّ غدًا، وأن الحياة منتهية بالناس في يوم قريب أو بعيد إلى أرض يملؤها العدل بعد أن ملأها الجور، ويشيع فيها الخير بعد أن سيطر عليها الشر!
وانظر حولك فسترى شرًّا كثيرًا: تراه فيما بينك وبين نفسك حين تصارع غرائزك، وحين تسعى إلى منافعك، وحين لا تفكر في الخير الخالص إلا قليلًا، وتراه فيما بينك وبين نظرائك حين يكون التزاحم على المنافع، والاستباق إلى المآرب واقتراف الآثار الخطيرة لتحقيق الآمال اليسيرة … وتراه فيما بينك وبين السلطان حين يكون الظلم والبغي والطغيان، وحين يكون الاحتيال لمخالفة القوانين والمكر برجال الدولة، ومحاولة الإفلات من النظام … وتراه فيما بين الشعوب والدول حين يمكر بعضها ببعض، ويكيد بعضها لبعض، ويهيئ بعضها لبعض أسباب الحرب يَفتنُّ فيها ما وسعه الافتنان!
ترى هذا كله فتتأثر بتشاؤم المتشائمين، وتسخر من تفاؤل المتفائلين، وتسأل عن حياة الناس: ما قيمتها؟ وما حكمتها؟ وما غايتها؟ وتقف حائرًا مضطربًا تنتظر الجواب على هذا السؤال دون أن تظفر به أو تنتهي إليه!
ولقد تحدث إليَّ صديق بالتليفون فأسأله عن حاله، كما يفعل الناس حين يستأنفون الحديث، فيجيبني: حالي حال اليائس الذي يرى كيف تُقتل فكرة في لحظة قصيرة! أعرفت مصرع غاندي؟! فأجيبه أن الأفكار لا تُقتل يا سيدي، قل: إن غاندي قد قُتل، ولكن حكمة غاندي ودرسه وفلسفته وأثره لا يمكن أن تُقتل، ولا يُدركها الموت.
وقد كان غاندي في الثامنة والسبعين من عمره، وكان من الممكن أن يخترمه الموت قبل هذه السن، وكان من الممكن أن يخترمه الموت في بعض صدمة، وقد زعم أطباؤه وزعم هو أن قد كان من الممكن أن يعيش حتى يتجاوز المائة بأعوام تقصر أو تطول، ولكن المنية لا تشاور ولا تؤامر، وإنما تُلمُّ متى أرادت، ومتى أراد القضاء لها أن تلم؛ فقد عدا عادٍ على غاندي فقتله، وأحزن عليه مواطنيه جميعًا، وأحزن عليه كثيرًا من غير مواطنيه … أحزن عليه الذين يقدرون صفاء النفوس وجمال الروح، والطموح المتصل إلى المُثل العليا، والدعوة المتصلة إلى الخير الخالص؛ فقد كان لهذا كله أصدق صورة عرفها التاريخ الحديث.
وأبلغ الحزن على غاندي أو أبلغ التقدير له هو أن تنتفع الإنسانية بالدرس القيِّم الذي ألقاه، والموعظة البالغة التي أشاعها … والإنسانية منتفعة بهذه الموعظة وذلك الدرس في غير شك، سواء أرادت أم لم ترد، وسواء تشاءم المتشائمون أو تفاءل المتفائلون؛ فأخص ما تمتاز به الحكمة أنها خالدة لا تموت، وأنها مُصيبةٌ حيث بلغت، ومنتجة حيث استقرت، وأخص ما تمتاز به الفكرة أنها تَقهر ولا تُقهر، وأن سلطانها ينمو ويتسع في غير تناقص ولا تضاؤل ولا ذبول.
وأبلغ درس ألقاه غاندي على الإنسانية المعاصرة والمستقبلة هو هذا الإيمان الخالص الواثق العميق بالحرية، التي لا سبيل إلى أن يقهرها البغي، أو يضائل منها الطغيان، أو تغض منها القوة، مهما يكن البغي والطغيان والقوة! الحرية التي ثبتت للإمبراطورية البريطانية كلها، فلم تبلغ الإمبراطورية البريطانية كلها منها شيئًا! الحرية التي ثبتت لمئات الملايين من أهل الهند فلم تبلغ مئات الملايين منها شيئًا! الحرية التي ثبتت للطبيعة كلها فلم تبلغ الطبيعة كلها في الميدان الروحي منها شيئًا! الحرية التي قالت للإمبراطورية البريطانية: لن تحوليني عما أريد، فلم تستطع الإمبراطورية البريطانية أن تحولها عما تريد … والتي قالت لملايين الهند: لن تحوليني عن الطريق التي أسلكها، فلم تستطع ملايين الهند أن تحولها عن الطريق التي تسلكها … والتي قالت للطبيعة كلها بما فيها من صحة ومرض، ومن قوة وضعف، ومن حياة وموت، ومن رضا وسخط، ومن وفاق وخلاف، ومن إغراء وتخويف، ومن عذاب ونعيم: لن تستطيعي أن تصرفيني عن النهج الذي أنهجه، والغاية التي أسعى إليها، فلم تستطع الطبيعة كلها أن تصرفها عن نهجها أو غايتها.
ودرس آخر ألقاه غاندي، ليس أقل من هذا الدرس بلاغة ولا إبلاغًا، وهو إيمانه بالضمير الإنساني، وبأن هذا الضمير مشترك بين الناس جميعًا، وبأنه من أجل ذلك يمكن أن يتنادى وأن يتداعى، وأن يبلغ بعضه عن بعض، ويتلقى بعضه عن بعض، ويتأثر بعضٌ ببعض … فهو لم يؤمن بحريته وحدها، وإنما آمن بحرية الناس جميعًا، وأنفق حياته مجاهدًا جهاده السلمي الوادع المطمئن ليشعر الناس بحريتهم، ويشيع فيهم الثقة بها، والإيمان لها، والاعتماد عليها … فهو كان يرى الناس كلهم قد خلقوا أحرارًا كما خُلق هو حرًّا، وإنما استشعر هو حريته وآمن لها ووثق بها؛ فيجب أن يستشعر الناس منها مثل ما استشعر، ويمنحوها مثل ما منحها من الثقة والإيمان.
ودرس آخر ليس أقل بلاغة ولا إبلاغًا من هذين الدرسين، وهو إيمانه بأن الضمير الإنساني إنما يتنادى بالحب لا بالبغض، وبالأمن لا بالخوف، وبالسلم لا بالحرب، وبالإخاء لا بالعداء … فهو لا يُبصِّر الناس بحريتهم من طريق القسوة أو العنف أو الجبرية، وإنما يُشعر الناس بحبه لهم وبرِّه بهم وأمله فيهم، ويريد أن يكون لهذا كله صدًى في ضمائرهم يعود إلى ضميره فيكون الوفاق، ويكون الود، ويكون الإخاء، ويكون التعاون على الخير، ويكون الانتصار على الشر مهما تختلف صوره ومظاهره.
فغاندي كان إذن أصدق صورة عرفها التاريخ الحديث لحبِّ الإنسان للإنسان، وثقة الإنسان بالإنسان، والتفاؤل الذي لا ينشأ عن غفلة أو ضعف أو غرور، وإنما ينشأ عن معرفة وقوة وحسن تقدير … فإذا وعى الناس هذه الدروس، وسيعيها كثير منهم؛ فقد ضمن لغاندي ما ضمن للأنبياء والحكماء من الخلود الذي ينفع الناس ويرقى بهم إلى الخير. -
الفأل
الفأل
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
٢٩ يونيو ١٩٤٥
كان ممعنًا في القراءة حينَ سَمِعَ صوتًا عذبًا يدعوه، فلمَّا رفع رأسه رأى زوجه قائمة أمامه، وقد أشرقت في وجهها كلِّه ابتسامة حلوة فيها كثير من الخفر، وفيها شيء من خوف ضئيل، وشيء من العجب أيضًا، قالت له في صوت يُريد أنْ يضحك، ولكنه يُقاوم الارتياع: إنَّ في حُجرة الاستقبال ضيفًا ينتظرك. وهمَّ أنْ يسألها عن هذا الضيف، ولكنها أخذت يده في رفق، وأنهضته فاستجاب لها مُداعبًا مُخفيًا لبعض الوَجَل، فلم يكن أحب إليه من أن يمضي في قراءته لتلك القصة الرَّائعة التي يعرض فيها مكسيم جوركي حياته أثناء الصبا.
وقد سعت به زوجه، سعيًا رفيقًا، إلى حُجرة الاستقبال، فلمَّا بلغ باب الحجرة لم يجد أحدًا، وإنَّما وَجَدَ هُدهدًا قد استقرَّ على البيانو في هدوء واطمئنان، فلم يكد يراه حتى أغرق، وأغرقت زوجه معه في ضحك مُتصل لم يكد يفرغ منه حتى تلا الآية الكريمة: (فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ)، ثم داعب خد امرأته وقال لها في صوت حازم جازم: انتظري نبأ عظيمًا يبلغك اليوم أو غدًا. فنظرت إليه كالحائرة المُستفهمة، ولكنه قال لها في صوته الحازم الجازم: قد علمت أن الهدهد لا يَكذب ولا يُحِبُّ الكذب. ثم عاد إلى كتابه ولكنه لم ينظر فيه، وانتظرت هي أن ينصرف الهدهد عن البيانو. فلما انصرف أقبلت على المُوسيقى، ولكنها لم تعزف، وإنما جعلت أصابعها تذهب وتجيء في غير انتظام. كان مُشرد النفس أمام الكتاب، وكانت مشردة النفس أمام البيانو.
كان كل منهما بعيدًا عن صاحبه، ولكنهما كانا يُفكران في شيء واحد، أو في أشياء مُؤتلفة مُتقاربة، يتكون منها جزء قيم من نسيج الذكرى، هذا الذي يعمر القلوب ويمتع العقول، ويُضيء في النفوس، حين تظلم الأحداث وتدْلَهِمُّ الخطوب؛ فقد كان للهُدهد أثرٌ عظيمُ الخطر في حياتهما الأولى، كان رسول البِشْرِ والغِبْطة والحُبور إلى أبنائهما حين كانوا أطفالًا لا يكادون يعقلون.
كان الهُدهد هو الذي يحمل إليهم ما تُريد أمُّهم أن تمتعهم به من طرفة، وما يريد أبوهم أن يسرهم به من هدية، وكان الهدهد يستخفي بطرفه وهداياه ينثرها في حجرات البيت وغرفاته نثرًا، وينشرها في أبهاء الدار ودهاليزها نشرًا، ورُبما ألقاها إلقاء في هذا الفناء المُنبسط أمام الدار، ورُبما أخفاها إخفاء في أعشاب الحديقة وبين أشجارها ونجومها، ورُبَّما عَلَّقها في الأغْصَان أو تَرَكها على حافات النوافذ.
ولم يكن يمضي يوم حتى يتصايح الأطفال في الصباح أو في المساء بأنَّ الهدهد قد زار الدار وترك فيها شيئًا، وكان الأطفال يحبون الهدهد أشد الحب، ويودون لو استطاعوا أنْ يُؤنسوه ويحدثوه ويسمعوا منه، ولكنهم كانوا يرونه قد وقف منهم غير بعيد، في هذا المكان أو ذاك «من الحديقة». فإذا دعوه لم يستجب لهم كأنه لا يسمع منهم، وإذا سعوا إليه ارتفع في الجو ارتفاعًا يسيرًا، ثم انصرف عنهم دون أن يُؤنسهم من منظره، ودون أن يبخل عليهم بصوته هذا الذي لم يكن يخلو من التحدي.
وكان الأطفال يسألون أُمَّهم حينًا وأباهم حينًا آخر، ما بالُهم لا يرون الهُدهد حين يحمل إليهم طرفه وتحفه، وإنما يرونه دائمًا فارغًا خاليًا إلى نفسه، نافرًا مِنْهُم منصرفًا عنهم، فكانت أمهم تجيبهم، وكان أبوهم يجيبهم أيضًا، بأنَّ الهدهد حذر لبق ظريف يحب المداعبة، ويؤثر أنْ يفجأ أصدقاءه بما يترك لهم من الهدايا.
وقد شبَّ الأطفال وعقلوا واستبانوا الحقائق من أمر الهدهد، وما كان يحمل إليهم من الهدايا، ولكنهم مع ذلك خادعوا أبويهم حينًا، وخيلوا إليهما أنهم كانوا يصدقون ما يقصان عليهم من أمر الهدهد، ثم خادعوا أنفسهم حينًا آخر، وأرادوا أنْ يصدقوا ما كان يُقَص عليهم من أمر الهُدهد، ثم لمْ يجدوا بُدًّا من الإذعان لحُكم العَقل والانحراف عن قصة الهدهد، فجَعلُوا يتندرون بها في كثير من الأحيان ساخرين من أنفسهم ومُداعبين لأبويهم، ثم صُرِفوا إلى شئون الصبا والشباب عن شئون الطفولة وشُغِلوا بالدرس والتحصيل عن هدايا الهدهد وطرفه.
كان صاحبنا يستعرض هذا كله، وهو ينظر في كتاب مكسيم جوركي دون أن يرى مما كُتِب فيه شيئًا، وكانت زوجه تستعرض هذا كله وهي تجري أصابعها على البيانو دون أن تستخرج منه لحنًا مُستقيمًا. على أنها لم تَلْبَثْ أَنْ حَزَمَتْ أمرها، وأقبلت على موسيقاها، فانغمست فيها انغماسًا، أمَّا هو فلم يستطع أنْ يَحْزِم أمره ولا أنْ يعود إلى مكسيم جوركي؛ لأنه لم يكد يفرغ من استعراض طفولة أبنائه حتى استعرض طفولة نفسه.
فقد كانت الصلة بينه وبين الهدهد بعيدة جدًّا أبعد من الصلة بينه وبين زوجه وبنيه. كان يعرف الهدهد منذ طفولته الأولى، يراه فيُعجب بشكله ويسمعه فيحن إلى صوته، ويتمنى أنْ يُتاح له هدهد يُمسكه في الدَّار ويتخذه له رفيقًا. وما زَالَ يُلِحُّ بهذا التمني على أبيه وإخوته وذوي معرفته؛ حتى رفق به بعض أهل القرية فجاءه ذات صباح بقفص ظريف قد استقر فيه هدهد ظريف، وهو يذكر ابتهاجه بهذه التحفة وإسراعه إلى أمه راضيًا مسرورًا، يخرجه الرضا والسرور عن طوره. وهو يذكر كيف ابتسمت له أمه في رفق، وكيف تقدمت إليه في ألا يُعَذِّب الهدهد ولا يُرْهِقه من أمره عُسرًا، وكيف نهضت فأخذت منه القفص وعلقته إلى جدار من جُدران الدَّار، ووَضَعَتْ فيه إناءين صَغِيرين في أحدهما قليل من ماء، وفي الآخر قليل من حبٍّ، وطرحت إلى جانب الجدار وسادة، وقالت لابنها وهي تمسح على رأسه: هذا مكانك من صديقك الهدهد، تستطيع أن تأوي إليه كلما أحببت أن تراه أو تسمع منه. وقد وفَّى الصبيُّ لهدهده أيامًا طوالًا، فكان يسرع إليه كلما عاد من الكُتَّاب وسط النهار وآخره؛ فيتحدث إليه ويسمع منه ويطيل الحديث والاستماع …
ولكن الرجل الذي أهدى إليه الهدهد لم يُحسن الفهم عنه فيما يظهر، كما أنه هو لم يحسن الفهم عن نفسه … فقد أقبل ذلك الرَّجُل عليه في الضحى ذات يوم وأهدى إليه صقرًا صغيرًا لطيفًا، بعد أنْ قَصَّ من جناحيه، وفرح الصبي بصقره ذاك الجميل وخُيِّل إليه، بل أُلقِي في نفسه أنَّ هذا الصقر سيؤنس الهدهد في وحدته، وسيكون رفيقه حين يُشغَل هو بهذا الكتاب البغيض الذي كان يذهب إليه أول النهار ويعود منه لحظة للغذاء، ثم يرجع إليه مُسرعًا ولا يعود إلى صديقه الهدهد إلا آخر النهار.
وكان الصَّبيُّ يُشفق على هدهده من هذه الوحدة المُتَّصلة، فأي غَرَابة في أن يسعد بهذا الصديق الجديد الذي سيسلي الهدهد ما بعد عنه صاحبه؛ فإذا عادَ لم يتحدث إلى الهدهد وحده، وإنَّما تحدثَ إليه وإلى الصقر جميعًا، وما هُو إلَّا أنْ يدخل الصقر على الهدهد في قفصه، وينصرف لبعض ما ينصرف إليه الصبية، ثم يعود بعد ساعة قصيرة أو طويلة فيرى، ويا هول ما يرى! … يرى الهدهد ميتًا قد نقر الصقر رأسه واستخرج ما فيه، لم يكن يعرف أن الطير يعدو بعضها على بعض!
ويرى أمه حزينة تلومُه وتعنف به في اللوم، وتُرسل إلى ذلك الفلاح الذي أهدى إليه الصقر شتمًا قبيحًا، وقد أخذ صاحبنا وهو ينظر في كتاب مكسيم جوركي — دون أن يرى مما كُتِب فيه شيئًا — يستعرض هذه الذكرى، ويستعرض حزنه على الهدهد وحبه له من بعيد بعد تلك الكارثة، واقتناعه بأنَّ الخيرَ له وللهدهد في أن يتراءيا ويتحدثا من بعيد، ثم ينتقل من هذا الاستعراض إلى ما عرف من أمر الهدهد حين حفظ القرآن واستظهر سورة النمل وعرف قصة سُليمان وملكة سبأ.
كل ذلك جعل يستعرضه وهو ينظر في كتابه دون أن يرى ما فيه، وقد استقر في نفسه أن لزيارة الهدهد لداره شأنًا، وأنَّه قد جاء بالنبأ اليقين، وأنَّ النَّهار لنْ ينقضي حتى يبلغه أمرٌ ذو بال.
والغريب الذي تستطيع أن تصدقه أو تكذبه — فلن يغير تصديقك ولا تكذيبك من الحق شيئًا — هو أنَّ النهار لم ينقضِ دون أن يأتيه النبأ العظيم …
والحق أنَّ صاحبنا قد عاد في ذلك اليوم طفلًا؛ فعلَّق نفسه من بعض نواحيها بالتليفون وعلَّقها من بعض نواحيها الأخرى بالجرس وعلقها من ناحية ثالثة من نواحيها بساعي البريد، وتستطيع أن تقولَ: إنَّه جلسَ في مَكتبه واجمًا وخَصَّص إحدى أُذنيه للتليفون وإحداهما الأخرى للجرس ومد عينيه أمامه إلى النافذة يرقب من يمكن أن يصعد سلم الدار من الزائرين، وقد طال به ذلك وشق عليه، ثم أقبلت عليه شئون الحياة اليومية فصرفته عن هذا السخف صرفًا ظاهرًا.
ولكن قلبه ظل بقية النهار ينتظر شيئًا غامضًا وقد دعاه التليفون حين أقبل الأصيل؛ فلما استمع إلى ما قيل له وأجاب بكلمات قصار أسرع إلى زوجه يُقبلها، ويقول مُستبشرًا: ألم أقل لك إن الهدهد قد جاء بالنبأ اليقين؟! قالت زوجه: وما ذاك؟ قال: استقالت الوزارة ودُعِيتُ إلى الاشتراك في الحكم!
ولم تُشرق الشمسُ من غدٍ حتَّى كان صاحبُنا وزيرًا، ولم يرتفع الضُّحى من اليوم نفسه حتى كان صاحبنا لا يخاف شيئًا كما يخاف الهدهد، ولا يبغض شيئًا كما يبغض الهدهد، ولم يكن بالأمس يأنس إلى شيء كما كان يأنس إلى الهدهد، ولم يكن بالأمس يحب شيئًا كما كان يحب الهدهد، ولكنَّ صدق الهُدهد قد استقرَّ في نفسه، كما استقرَّ في نفسه أيضًا أنَّ الهُدهد لا يَستطيع أنْ يأتيه بعد الوزارة بنبأ يسر أو يروق. فمن يدري إن أقبل الهدهد لعله يحمل نبأ استقالة الوزارة. وليس الهدهد صديقًا له وحده من دون الناس يحمل إليه وحده الأنباء السارة؛ فقد يكون للهدهد أصدقاء آخرون يُمكن أن يحمل إليهم أنباء سارة صادقة، ويمكن أن يكون من هذه الأنباء نبأ استقالة الوزارة والدعوة إلى الاشتراك في الحكم.
قل إن هذا منطق سخيف! وأؤكد لك أني أرى هذا مِنطقًا سخيفًا، ولكني أؤكد لك أيضًا أن للحوادث مِنطقًا غير منطق الناس، وأن التفاؤل والتشاؤم يعبثان بعقول الناس، فيفسدان منطقهم في رأي «أرسطاطليس»، وفي رأي الأستاذ لطفي السيد باشا، ولكنهما يُقربان بين هذا المنطق وبين منطق الحوادث أحيانًا، والشيء الذي ليس فيه شك هو أنَّ صاحبَنا قد تطيَّر بالهدهد طِيرَة شديدة، كمَا كانَ يتفاءل به من قبل تفاؤلًا شديدًا، وأنَّه لم يسعَ قطُّ إلى غُرفة استقبالِهِ إِلَّا وفي نفسه إشفاق شديد أن يرى الهدهد قائمًا على البيانو في مكانه ذاك، ولو استطاع لتقدَّمَ إلى أهله في أن تُغلَق نوافذ الدار ما أشرق النهار، وفي ألا تُفتَح إلا حين تنام الطَّيْرُ.
والشيء الذي لا شك فيه أيضًا هو أنه استحى أن يتقدم في ذلك إلى أهله مخافة أن يظنوا به الظنون، ولكنه تقدم إلى أعوانه في الوزارة ألا تُفتح نوافذ مَكتبه، وزَعم لهم أنه يكره أن يأتيه منها الضجيج والعجيج، ويشفق من تيارات الهواء ويُؤثِر الضوء الرفيق على الضوء العنيف.
وحياة الوزراء حافلة بخطوب السياسة وأحداثها، فهم يرضون إذا أصبحوا، ويغضبون إذا ارتفع الضُّحى، ويعودون إلى الرضا حين ينتصف النهار، ويُرَدُّون إلى السخط حين يجلسون إلى الغداء. كل ساعة من ساعات الليل والنَّهار تحمل إليهم في دقائقها ألوانًا من الرضا والسخط، ومن الأمن ومن الخوف، ومن القلق والهدوء، فكان صاحبُنا كلما حَدَث حادث مغْضِبٌ أو مُقلق، وكُلَّما نُشِر خبرٌ مسخط أو مثير للخوف لم يذكر إلا الهدهد ولم يرَ أمامه إلا الهدهد؛ فقد كان الهدهد رسول النعمة إليه قبل أن يرقى إلى الحكم، فأصبح الهدهد نذير النقمة إليه بعد أن ارتقى إلى الحكم.
ولكل أجل كتاب، ولكل وزارة آخرة. وقد أقبل صاحبنا مع الضحى ذات يوم على مكتبه، ولكنه لم يكد يدخل حتى رأى حبيبه أمس وعَدُوَّهُ اليوم قائمًا بشكله الجميل البشع على حافة النافذة، وقد نسي الخدمُ إغلاقَها لأمر ما. ولستُ أصف لك ثورة الوزير الظاهرة؛ فقد تعرفها وهي لا تعنيني، وإنْ كان خادم مكتبه قد سمع ما لا يرضى وقضى ساعة منكرة، وإنما أصف لك تشاؤم الوزير فيما بينه وبين نفسه؛ فقد أظلم قلبه وأربدت نفسه وساء خلقه وقبح لقاؤه للموظفين والزائرين جميعًا، وعاد إلى أهله غضبان أسفًا لا يكاد يبتسم ولا يكاد ينطق، وجلس إلى الغداء فلم يكد يُصيب منه شيئًا حتى قالت زوجه: إنك لمحزون منذ اليوم، هل من جديد؟ قال وهو يتكلف الابتسام: ما أدري ولكني رأيتُ الهدهد البغيض. قالت: وقد كادت العَبْرة تخنق صوتها: لقد أصبح الهُدهد بغيضًا الآن؟! وما أكثر ما كان يملأ قلوبنا غبطة وسرورًا! ثم خلت إلى أبنائها؛ فضحكت وضحكوا.
ولكن المساء لم يُقبل في ذلك اليوم حتى كان صاحبُنا يستأنف القِرَاءَة في كتاب مكسيم جوركي من حيث تركها، وحتى كانت زوجه تعزف على البيانو شيئًا من ألحان «موزار»، أمَّا هو فكان محزونًا يلعن الهدهد، وأما هي فكانت راضية تثني على الهدهد ثناء كثيرًا، وأمَّا الناس فكان منهم الراضي المُستبشر، وكان منهم من مزَّق الغيظُ قلبَه تمزيقًا! -
عودة
عودة
كان الناس[1] ينتظرونها في أواخر الشهر المقبل، فأُعلن أمس أنها ستكون في أوائله. وكان حزب الشعب يهيئ لها الوسائل والأسباب، ويجمع لها الأصدقاء والأحباب، ويفكر لها في الجمع والاكتتاب. وكان يقدّر فيما يظهر أن شهرًا وبعض شهر وقت لا يكاد يكفي لتهيئة هذا كله بحيث يكون الاستقبال رهيبًا مهيبًا كما ينبغي له أن يكون، لأنه سيجمع فيما يظهر بين التهنئة بالعودة السالمة الموفورة، والتعزية عن الاستقالة التي لم يبق منها بد. ولكن رئيس الوزراء قد تعجل العودة فجأة، كما تعجلت وزارة الخارجية البريطانية نقل المندوب السامي فجأة، ولم يبق بد لحزب الشعب من أن يتعجل الاجتماع، ويكثر منه، ليرتب في أقل من شهر ما كان يريد أن يرتبه في أكثر من شهر. وسيكون العمل شاقًّا عسيرًا، وسيكون الجهد مضنيًا ثقيلًا. فليس من شك، سواء أردنا أو لم نرد، في أن كل شيء في مصر الآن من شأنه أن يثبط الهمم، ويضعف العزائم، ويغل النشاط، ويبعث في النفوس والأجسام فتورًا وخمولًا، ويصرف الناس عن أن يخفوا من بلادهم النائية للاحتفال والاستقبال، والتسليم والوداع.
فالأزمة الاقتصادية شديدة مرهقة، والمال نادر عزيز، والأسباب التي كانت تدعو إلى التضحية، وتحث على تكلفها واحتمال المشقة فيها، قد أخذت تضعف ويصيبها الوهن. وقد ضاقت فسحة الأمل، والتوت سبل المنفعة، واضطربت على أصحاب الآمال والمنافع أمورهم، والتوت عليهم طرق التفكير. فهم يشكون شكًّا عظيمًا في استقرار الوزارة، وكثير منهم يعتقد أن هذا الاستقرار قد أصبح حلمًا من الأحلام، وأمنية من الأماني، وحديثًا من بعض الحديث. وهم الآن يستنشقون النسيم السياسي ملء الأنوف والأفواه والرئات، يريدون أن يتبينوا طبيعته وريحه ومهبه، ليولوا وجوههم شطره، وليتأهبوا لاستقبال رجل آخر غير رئيس الوزراء، لا يدرون من أين يأتي. فليس غريبًا أن يكسلوا عن هذه الرحلة المرجوة إلى الإسكندرية في الشهر المقبل، وليس غريبًا أن يخف إليها من يخف منهم كارهًا لها، ضيقًا بها، متمنيًا لو أراحه الله من أثقالها وحط عنه أعباءها.
ولست أدري لم يحفل المصريون بهذه الأنباء التي يجري بها الهواء بين الأرض والسماء، فيقدّروا لها ويفرضوا لها غير ما ينبغي من الصواب، ويظنوا أن الأيام المقبلة ستتكشف عن شيء جديد، وعن تغيير في السياسة المصرية، وأن قومًا سيذهبون وقومًا سيجيئون. وكل شيء في حياة الناس خليق أن يرد عنهم الوهم، ويعصمهم من سوء الظن، ويحبب إليهم ما هم فيه، ويصل بينهم وبين الوزارة القائمة بأوثق الصلات وأمتن الأسباب. فأمنهم مستقر، ونظامهم ثابت، وحياتهم مطمئنة، وقلوبهم ونفوسهم راضية. وهم يعيشون في عهد سعيد لم يعيشوا في مثله من قبل، فهم خليقون أن يتمنوا بقاءه ويحرصوا على اتصاله، وهم يتمنون لهذا العهد السعيد طول البقاء، وهم يحرصون على أن يظلهم هذا العهد السعيد أعوامًا وأعوامًا، ولكن حبهم لهذا العهد وحرصهم عليه وإشفاقهم من أن يزول، كل هذا هو الذي يثير في نفوسهم الأوهام، ويسلط عليهم الظنون، ويخيل إليهم أنهم في مفترق الطرق، وأن ما ينعمون به من سعادة ورضًى، ومن نعيم وترف، يوشك أن يصرف عنهم، وأن هذه الوزارة القائمة التي يفدونها بالنفوس، ويضحون في سبيلها بكل عزيز، توشك أن تفارقهم، وأن تصرف عن تدبير أمورهم. وأي شيء يثير الخوف مثل الحب؟ وأي شيء يملأ النفوس جزعًا وهلَعًا مثل الإشفاق من أن يفارقك الحبيب؟ فالناس معذورون إذا ساءت ظنونهم لأنهم عشاق، وسوء الظن سريع إلى العاشقين. والناس معذورون إذ شكوا في بقاء الوزارة لأنهم حريصون عليها، وهل الحرص إلا شدة الإشفاق من وشك الفراق؟
فإذا أضفت إلى هذا أن الله قد سلّط على مصر هؤلاء الإنجليز المقيمين في لندرة، والقابعين في وزارة الخارجية، لينغصوا عليها عيشها، وليرسلوا عليها الخوف والفزع من حين إلى حين، أضفت عذرًا إلى عذر، وفهمت اضطراب الناس وترددهم. فقد كان كل شيء هادئًا في هذا ميدان حتى لعبت وزارة الخارجية البريطانية هذه اللعبة الغريبة التي يسمونها نقل المندوب السامي. ومهما تبحث، ومهما تفكر، فلن تستطيع أن تفهم الصلة بين نقل المندوب السامي من مصر، وبين خوف الناس على الوزارة المصرية، وإشفاقهم من أن تستقيل؛ فالإنجليز أحرار يفعلون ما يشاءون بممثلهم في القاهرة وفي غير القاهرة، يسيرونهم في الآفاق ويوجهونهم إلى حيث يريدون طبقًا لمصالحهم ومنافعهم، كما نفعل نحن بوزرائنا المفوضين. وليس بين ذلك وبين حياتنا الخاصة سبب ما.
أتظن أن الوزارة الإنجليزية تستقيل لو خطر لوزارتنا القائمة أو المقبلة أن تنقل وزيرنا المفوض من لندرة إلى عاصمة من عواصم الأرض، أو أن تستدعيه إلى القاهرة لتحيله إلى الاستيداع أو إلى المعاش؟ كلا. ومع ذلك فليس بين وزيرنا المفوض في لندرة وبين ممثل إنجلترا في القاهرة إلا فرق واحد، وهو أن ممثلنا يسمى وزيرًا مفوضًا، وممثل الإنجليز يسمى مندوبًا ساميًا. ومع هذا يُنقل وزيرنا فلا يتأثر الإنجليز، ويُنقل المندوب السامي فيظن المصريون ويسرفون في الظن.
وقد تعب الكُتّاب واحتملوا ألوان المشقة ليثبتوا قلوب المصريين، ويبينوا لهم أن نقل المندوب السامي عمل إنجليزي خالص لا يمكن ولا ينبغي أن يكون له أثر في الحياة المصرية، ولكن الناس يأبون إلا أن يظنوا ويتوهموا ويتنبأوا، ويسرفوا في إذاعة الأنباء والإشاعات.
وتستطيع أن تقيم للناس الأدلة التاريخية على أنك مصيب وأنهم مخطئون، تستطيع أن تثبت لهم أن «المارشال اللنبي» قد استقال أو استُدعي فلم تتغير الوزارة، ولم يقم هذا الائتلاف، وتستطيع أن تثبت لهم أن «اللورد لويد» قد استقال أو أُقيل فلم تتغير الوزارة، ولم تعد الحياة النيابية، ولم ينهض الوفد بأعباء الحكم. تستطيع أن تثبت لهم هذا كله، ولكنه جهد ضائع، فسينكرون عليك ما تقول، وسيزعمون أن تغيير المندوب السامي الإنجليزي كان مؤذنًا بتغيير في السياسة المصرية منذ استقال «المارشال اللنبي» إلى الآن. وهم لذلك كله يأبون إلا أن يستنتجوا من نقل «السير برسي لورين» ما لا يستنتجه الإنجليز ولا الكُتّاب المصريون، وأن ينتظروا استقالة الوزارة.
ماذا أقول؟ بل هم ينتظرون قبول هذه الاستقالة، لأن الوهم قد صوّر لهم أن رئيس الوزراء أرسل استقالته بالفعل. ولعله كان يحب أن يمضي في الاستجمام والعناية بصحته، لولا أن التقاليد لا تحب أن تسقط الوزارات ورؤساؤها غائبون. أرأيت إلى أي حد يذهب الوهم بالناس؟ أرأيت كيف يدفعهم إلى تصور الشيء الذي يكرهونه كأنه قد وقع بالفعل، فهم يحتملون أثقاله ويصطلون ناره؟
إن الوزارة القائمة وزارة الحب للشعب، والرفق به، والعطف عليه، وحمايته من الشر الواقع، ومن الشر الممكن، ومن الشر الموهوم. فما أجدرها أن تذيع على الشعب الذي تحبه ويحبها كلمة مطمئنة تؤكد تأكيدًا قاطعًا يطرد الوهم ويزيل اللبس: أن الوزارة لم تكن في يوم من الأيام أقوى ولا أثبت منها في هذه الأيام، وأن نقل المندوب السامي أمر خارجي لا علاقة له بشئون مصر الحرة المستقلة، وأن تعجّل رئيس الوزراء عودته إلى وطنه المحبوب لا مصدر له إلا أنه قد سئم الراحة ونشط للعمل من جهة، وأن شوقه إلى الشعب قد اشتد من جهة أخرى بعد طول الفراق.
الوزارة فيما نعتقد خليقة أن تؤكد هذا للناس ليطمئنوا على حاضرهم ومستقبلهم من جهة، ولينفروا من جهة أخرى خفافًا لاستقبال رئيس الوزراء، فما نظن أن حرص الوزارة على أن يكون الاستقبال فخمًا ضخمًا بأقل من حرصها على أن يخف الناس إليه، وهم آمنون واثقون لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
[1] كوكب الشرق في ٨-١٠-١٩٣٣. -
قمر
قمر
هو رئيس وزرائنا، أتمّ اللّٰه له الشفاء، وأسبغ اللّٰه عليه العافية. وقد طلع في سماء مجلس النواب فبهر الأبصار، وخلب العقول، وهزّ القلوب في الصدور، وأطلق لسان أحد النواب المحترمين بهذه الجملة الشعبية الظريفة: «طلع القمر».
ولكن القمر يطلع في أول الشهر، ويطلع في أثنائه، ويطلع في آخره. وله في مطالعِه المختلفة هذه أسماء مختلفة، منها ما يبعث السرور والبهجة، ومنها ما يبعث الأمل والرجاء، ومنها ما يبعث في النفس شعورًا هادئًا شاحبًا، لا بهجة فيه ولا سرور، ولا أمل فيه ولا رجاء.
فالهلال يبعث في النفوس الأمل لأنه سيصير بدرًا كاملًا كما قال أبو تمام. والبدر يبعث في النفوس بهجة وسرورًا وثقة، لأنه يصوّر القمر في أجمل صوره وأبهاها، وأخلبها للعقول والأبصار.
أما القمر فلا يبعث في النفوس شيئًا خاصًا، وإنما هو شعور هادئ قلّما يتجاوز هذا الجمال العام. ففي أي طور طلع قمر رئيس الوزراء أمس في مجلس النواب؟ لم يكن هلالًا من غير شك! فقد كان هلالًا منذ زمن بعيد حين ألف الوزارة ونهض بأعبائها الحكم. ولم يكن بدرًا من غير شك، فقد كان بدرًا منذ زمن بعيد حين استحكم له الأمر، واجتمعت له أسباب القوة، فسيطر على مصر غير منازع ولا مدافع، وأجرى أموره كما أحب بيد قوية حازمة لا تعرف الضعف، ولا يجد الخور إليها سبيلًا. وأطلق لسانه بألوان الخطابة في السياسة حينًا، وفي الاقتصاد أحيانًا، بالعربية حينًا، وبالفرنسية أحيانًا، في القاهرة حينًا، وفي الأقاليم أحيانًا، بل في مصر حينًا، وفي أوربا أحيانًا.
كان في ذلك الوقت بدرًا كاملًا! كان قوي البأس، شديد المراس، حديد الشكيمة. وكان صحيح الجسم، موفور النشاط. أما الآن فقد هان بأسه، ولان مراسه، وضعفت شكيمته. وتفرقت عليه الأمور فهو لا يضبطها، وندّت عليه الأعمال، فهو لا يستقل بتسييرها وتدبيرها، وأثّر فيه المرض، فهو لا يخطب فيطيل، وإنما يشكر فيوجز. وهو لا يزور فيقيم، وإنما يلمّ ثم ينصرف.
لم يكن هلالًا، ولم يكن بدرًا، وإنما كان قمرًا في آخر الشهر. على أنه لم يكن قمرًا فحسب، وإنما كان عرفًا وطيبًا أيضًا. لاح نوره في مجلس النواب، وكان المجلس مختنقًا بريح البصل كما قال بعض الخطباء! فتبددت هذه الريح، وتردد في الجو عطر خفيف ظريف، أنعش نفوسًا، وأحيا آمالًا، وأقرّ السلام في نصابه بين الفريقين المختصمين، بين المؤيدين والمعارضين.
وكان هذا السلام قد استقر من قبل في ذلك المؤتمر الذي انعقد صباح الجمعة، والذي مهد له بالاجتماعات الخاصة والمقابلات المتكررة، والذي انتهى إلى صيغتين كُتبتا، ثم قُرئتا، ثم تم الاتفاق على أن يتلو إحداهما رئيس المجلس، ويتلو الأخرى رئيس المعارضين. وقد أُنُفّذ الاتفاق في أمانة لا غبار عليها، واتخذ تنفيذه مظاهر تمثيلية لا تخلو من جمال، ولا تعوزها اللباقة والرشاقة.
فأما في الفصل الأول من القصة، فيجتمع مجلس النواب وتُفتح جلسته، ويأخذ في أعماله كأن لم يكن شيء، ولكن النظارة لا يشكّون في أن شيئًا قد كان، لأن هناك مجالس خالية ولم تكن عادتها أن تخلو، وكراسي تنتظر أصحابها ولم يكن من شأنها أن تطيل الانتظار. فأنت إذا تردد بصرك بين المجلس وهو يمضي في أعماله أو يظهر المضي فيها، وهذه الكراسي الفارغة، لا تشك في أن شيئًا ذا بال قد كان، وفي أن أمرًا ذا خطر سيكون.
فيما أنت تفكر فيما كان وتترقب ما سيكون، يدخل المعارضون وعلى رأسهم زعيمهم، فتشخص الأبصار، وتشرئب الأعناق، ويتقدم زعيم المعارضين إلى رئيس المعتذرين، فيكون حديث لا يسمعه أحد، ولكن كل إنسان يذهب في تقديره وتفسيره المذاهب. ثم يعود زعيم المعارضة إلى مكانه، ويتلو رئيس المجلس الصيغة التي كُتبت، فإذا هو يعتذر فيبسط العذر، ويؤكد حبه لحرية الرأي ولحرية الكلام. ثم إذا أتم هذه الصيغة نهض زعيم الغاضبين فتلا صيغة الرضى، وإذا هو يسجل ويشكر ويتمنى! ثم يجلس ويمضي المجلس في أعماله كأن لم يكن شيء، وكأن لم يحدث خلاف.
وتفكر أنت في العواطف التي ثارت في نفوس الغاضبين والمعتذرين، والعواطف التي هاجت في قلوب المعارضين والمؤيدين، وهم يسمعون اعتذار الرئيس واسترضاءه، وشكر الزعيم ورضاه، وتفكر في العواطف والعواصف فلا يهتدي تفكيرك إلى شيء، وتحدق النظر في الوجوه ملتمسًا للعواطف والعواصف، فلا ترى عاطفة، ولا تظفر بعاصفة. وإنما هو هدوء شامل قبل الاعتذار والرضى، وهدوء شامل بعد الاعتذار والرضى.
كان الجو ملبدًا بالغيوم كما يقولون، ويقصف فيه الرعد، ويخطف فيه البرق، ولكنك تعلم أن الجو يصفو بعد الزوبعة. وقد كانت الزوبعة يوم الأربعاء، فبدأ الجو يصفو يوم الخميس، وانجلى صباح الجمعة، وتم صفوه وانجلاؤه بعد ذلك، وعاد إلى المجلس هدوؤه الشامل وسكونه الكامل، وإذا هو يتحدث في بنك التسليف العقاري، وفي قانون البصل.
ثم يكون الفصل الثاني، وفيه يشرق القمر فيبعث في المجلس ضوءًا هادئًا فاتراً مريحًا، ولكنه باعث للنشاط، موقظ للهمم على كل حال. وإذا القوم يقفون إجلالًا للقمر، وإذا القوم يهتفون ترحيبًا بالقمر، وإذا القوم يصفقون إكبارًا للقمر، وإذا أشد القوم نشاطًا وأعظمهم قوة، يطير في الجو، ويصعد في السماء، حتى يبلغ القمر فيقبّل راحته! وأي غرابة في أن يكون للقمر راحة، ينهال عليها محبّ القمر باللثم والتقبيل؟
ثم يتكلم رئيس المجلس، فيرفع التحية إلى القمر، ويتكلم القمر فيرد التحية على محبيه، ثم يغيب القمر فتتبعه القلوب والنفوس، وتمضي في أثره الأماني والآمال.
ويعود كل شيء إلى الهدوء والاطمئنان، وقد نجا المجلس من خصومة المختصمين، واعتذار المعتذرين، ورضى الراضين. وربح البصل، وانغمس في وزارة الزراعة، يدرس ميزانيتها، في نفس العجلة التي درس فيها ميزانية وزارة الأشغال مساء الأربعاء!
كذلك تجري أمورنا في مصر: اضطراب يعقبه هدوء، وغضب يعقبه رضى، وقمر يطلع ثم يغيب، ونظارة يرون فيبتسمون، ويسمعون فيضحكون. حتى إذا أصبح الصباح وتناول الناس الأهرام، نظروا فإذا الجد كل الجد في لندرة، وإذا سياسة مصر تُدبّر في وزارة الخارجية البريطانية.
أيعود المندوب السامي فيظل القمر مشرقًا في السماء؟ أم يُنقل المندوب السامي فيهوى قمر، ويصعد مكانه قمر آخر يبدو هلالًا، واللّٰه يعلم أتتمّ دورته أم يهوى قبل أن يصير بدرًا؟
كوكب الشرق ١٩ – ٤ – ١٩٣٣