Tag: Parliamentary elections

  • شك …

    حديث المساء: شك …

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١٥ ديسمبر ١٩٣٣

    يظهر أن الجيش المنتصر لم يطهر الميدان، ولم يُحْسِن إخلاءه من العدو، كما أنه لم يمعن في تتبُّع المنهزمين، ولم يجرد الأسرى من السلاح، وإنما أسكره الظفر، وصرفته نشوة الانتصار عن الحذر والحيطة، واضطرار العدو إلى العجز المطلق، الذي يحرمه كلَّ حركة وكلَّ نشاط. ولولا هذا لما ظهر صدقي باشا في الميدان متحدثًا إلى الصحف على استحياءٍ، مدافعًا عن نفسه في تردد، متعرضًا لقصة الكورنيش كأن أحدًا قد عرض له في قصة الكورنيش. ولولا ذلك لما أصبح الناس اليوم، وإذا صحيفة جديدة تطلع عليهم مع الشمس، وتذكر صدقي باشا في برٍّ ورفق، وفي تمدُّح وفخار، وتذكر خصوم صدقي باشا في حدَّة وشدة، وفي لوم عنيف، وتقريع مخيف، فهذا وذاك يدلان دلالة واضحة جلية على أن انتصار الوزارة لم يكن مؤزَّرًا، وفوزها لم يكن شاملًا، وعلى أن الميدان، إن خلا لها في البرلمان من صدقي باشا، فهو لم يخلُ خارج البرلمان، فصدقي باشا ما زال يتَّصل بالصحف، ويتحدَّث إليها، غامزًا لامزًا، مشيرًا ملمِّحًا، يدافع اليوم ليهاجم غدًا، وصدقي باشا ما زال قادرًا على أن يَجِدَ صحيفة تَذُود عنه وتحميه، وتهاجم خصومه وتلحُّ عليه في الهجوم، وتُؤْوِي فلول المنهزمين؛ تجمعهم من كل صوب وتَلُمُّ شعثهم بعد التفرق، وتحاول — ومن يدري لعلها توفق! — أن تُكوِّن منهم جيشًا إن لم يكن قادرًا الآن على الهجوم الخطر، فهو قادر في كل حال على أن يضايق الخصم، وينغص عليه الحياة.

    وأكثر من هذا أن ميدان البرلمان نفسه لم يخلُ للوزارة فيما يظهر ولم يصفُ لها الجوفية كما كانت تريد. فهؤلاء فريق من النوَّاب الشعبيين والاتحاديين قد تمرَّدُوا أمسِ على الوزارة، فانتخبوا من لم تكن تريد أن ينتخبوا، وتمردوا على الحزبين الشقيقين، فانتخبوا من لم يرضَ عن ترشيحهم الحزبان الشقيقان. رفعوا راية التمرد جريئة خفَّاقة فأقصوا مرشح الوزارة والحزبين إقصاءً، وأعرضوا عنه إعراضًا، ووضعوا مكانه رجلًا آخر يسمي نفسه مستقلًّا. ثم لم يكفهم أن ينتهي يوم التمرد إلى هذا الحد، بل أمعنوا في الخروج، وغَلَوْا في الخلاف، فأدخلوا الشقاق في حزب الشعب، وكان رئيس الوزراء يظنُّ أنه خرج من حزب الشعب يوم خرج منه صدقي باشا، أدخلوا الشقاق، ووضعوا بإزاء مرشح الوزارة والحزب رجلًا آخر من الحزب لم ترشحه الوزارة ولم يرشحه الحزب، والغريب أنهم كانوا يفوزون أمس في هذه الحركة، وينتصرون في هذه الموقعة، ويكفل الفوز المبين لفريق من حزب الشعب على فريق، ومما لا شك فيه أن هذا الهجوم الفجائي، وهذا الانتصار على غير انتظار قد فتح للروع بابًا إلى بعض القلوب، وفتح للغضب والحنق بابًا إلى بعضها الآخر، فقومٌ طلبوا إعادة الانتخاب، وقومٌ ألحُّوا في تعجيل الإعادة، وقومٌ ألحوا في تأجيلها، وقومٌ تنكروا، وقومٌ تنمَّروا، وقوم ضعفوا، وقوم دب إليهم اليأس، وتسلَّط عليهم الخذلان، وقومٌ ملكوا أعصابهم، واحتفظوا بالحلم والأناة، وسعوا بين النواب باللوم والعتاب، حتى لفتهم نائبٌ إلى وجوب أن يحترم الدستور، وألا يعتدى على الضمائر.

    كل هذا غريبٌ، وكل هذا طبيعي، وقد تنكر أن يكون الشيء غريبًا وطبيعيًّا في وقتٍ واحد، ولكنك خليق أن تذكر أنك في مصر، وفي بيئة خاصة من البيئات المصرية، وأن اجتماع النقائض وائتلاف الأضداد شيء مألوف في مصر، وفي بعض البيئات المصرية بنوعٍ خاص.

    غريبٌ جدًّا أن تنهزم الوزارة في انتخاب الوكيلين بعد أن انتصرت في انتخاب الرئيس، ولكن هذا الشيء الغريب طبيعي في الوقت نفسه؛ لأن الوزارة حين انتصرت على خصمها لم تحسن تطهير الميدان، ولم تستوثق من أن الخصم قد أصبح عاجزًا لا يقدر على شيء.

    وكذلك استطاع الناطقون بلسان صدقي باشا أن يعودوا إلى الوزارة بعد أن فروا منها، وأن يذكروا لها التقاليد والدستور، ويلفتوها إلى الذوق وما يشبه الذوق، ويشجعوا عليها الذين انصرفوا عنها أمس، وسيمضون في ذلك غدًا وبعد غدٍ، حتى تكون الموقعة الثانية بين العبفتيين والصدقيين في مجلس النواب، فينتصر فيها مرشح الحكومة المنتصرة، أو يظفر فيها مرشح الصدقيين المنهزمين: فليس ينبغي للوزارة أن تلوم إلا نفسها؛ فهي التي لم تحسن الحرب، ولم تُجِد التدبير، وهي التي غرَّها بقوتها الغرور، فتركت نفسها تلدغ من جحر مرتين حين صدقت أن صدقي باشا يعتزل السياسة، ويكفُّ عن المناوأة متى استقال.

    والواقع أن أمور الوزارة وأمور صدقي باشا لا تخلو من غرابة واضطراب، ولعل الإنجليز مسئولون بعض الشيء عن تلك الغرابة وهذا الاضطراب. فقد أظهر صدقي باشا أنه اعتزل السياسة حين استقال من رياسة الحزب ومن مجلس النواب، وسافر إلى الإسكندرية، ليستريح فيها أيامًا، وقال أو أذن لمن قال إنه سيعود من الإسكندرية ليستريح في تلك الدار التي شهد فيها هزيمته الأخيرة، حين دعا إليه النواب فلم يستجب له إلا القليلون.

    وبينما هو في الإسكندرية وإذا الصحف تتحدث فجأة بأنه سيعود إلى القاهرة ليشرب الشاي مع المندوب السامي المنقول، وفهم الناس أنه شاي الوداع. ولم لا يفهمون هذا وقد أزف الرحيل، وأخذت الأسباب تتقطع بين المندوب السامي وأمور مصر، كما تقطعت بالفعل بين الدكتاتور وبين هذه الأمور، ولكن الوداع نفسه لا يخلو من دلال، ولا سيما عند فريق من الناس الذين يستخرجون شيئًا من لا شيء، ويقدرون أن الإنجليز لا يهملون السياسة حتى في أوقات الوداع. وصدقي باشا من هؤلاء الناس ولا سيما في هذه الأيام التي هو فيها أشبه شيء بالغريق يلتمس ما يتعلَّق به، ولو كان واهيًا رثًّا، فليس ما يمنع، بل هناك ما يرجِّح أن قدح الشاي الذي شربه عند المندوب السامي يوم الثلاثاء قد رد إليه نفسًا من حياة، وشعاعًا من أمل، وخيِّل إليه أنه قادر على أن يستأنف النشاط، ولكن في أناة وتمهل وحذر، حتى يأذن الله له بالهجوم، والغريب أنه شرب قدح الشاي يوم الثلاثاء وأعطى بيانه للأهرام يوم الأربعاء. وإن الصحيفة التي تنطق بلسانه في أكبر الظن كانت تريد أن تصدر يوم الخميس، فآثرت أن تصدر يوم الجمعة، ومعنى ذلك أنها لو صدرت يوم الخميس لما تحدثت في السياسة إلا حديث المنهزمين المضطرين إلى الفرار، فأما إذا صدرت يوم الجمعة بعد أن يفتح البرلمان ويكون الانتخاب في مجلس النواب، فقد تستطيع أن تقول شيئًا يغيظ الخصوم، ويمهِّد للهجوم. وكذلك كل ما قدرت فظهرت اليوم وفيها حديث عما أصاب الوزارة أمس من هذه الهزيمة المضحكة.

    فأنت ترى أن الأمور ليست من الصفو للوزارة وأنصارها بحيث يظنون، أو بحيث يقولون، وأن صدقي باشا — وإن كانت حياته السياسية قد ختمت بالقياس إلى الشعب، وبالقياس إلى جد الأمر — ما زال قادرًا على أن ينغص الحياة على قوم كانوا يظنون أن قد صفت لهم الحياة، وأكبر الظن أن الذين زعموا أن صدقي باشا سيناوئ الوزارة في البرلمان وهو بعيد عن البرلمان كانوا أعلم بالرجل من خصومه الوزراء. وإنها لوزارة ضعيفة جدًّا مسرفة في الضعف، هذه الوزارة التي يستطيع أن يكيد لها ويشتطَّ عليها رجل قد فرغ الناس منه وفرغ هو من نفسه. وإنها لوزارة ضعيفة جدًّا هذه الوزارة التي يستطيع أن ينغص عليها رجل كصدقي باشا، ويضطرها إلى أن تنظر أمامها فلا ترى إلا شكًّا، وأن تنظر وراءها فلا ترى إلا شكًّا، وأن تنظر من يمين وشمال فلا ترى إلا شكًّا، وأن تقتنع بأن الشك قد أخذها من كل مكان، وأن تشغل بهذا الشك عن اليقين وتنفق ما تملك من قوة وجهد لتخلص من صدقي باشا حين كان صدقي باشا ظاهرًا في الميدان، ومن ظل صدقي باشا أو من ظلاله بعد أن استخفى صدقي باشا من الميدان، وما رأيك في وزارة ستنفق ما بقي من أيامها في محاربة الظلال؟

  • يومان!

    يومان!

    طه حسين

    جريدة السياسة

    ٢٥ أغسطس ١٩٢٤

    يومان؛ هما: يوم ١٢ يناير في مصر، ويوم ١١ مايو في فرنسا. وهما متشابهان تشابهًا شديدًا من وجوه كثيرة: هما قبل كل شيء يومان انتخابيان، انتُخِبَ في أحدهما مجلس النوَّاب المصري، وانتُخِبَ في الآخر مجلس النوَّاب الفرنسي. وهما متشابهان من وجه آخر؛ فقد كانا متأثرين تأثرًا شديدًا بهذه العاصفة الاجتماعية التي تعصف بالعالم الحديث منذ حين، والتي أخذ العالم الحديث يضطرب لها بلدًا فبلدًا حتى انتصرت أو كادت تنتصر.

    وإذا أردنا أن نميِّز هذه العاصفة تمييزًا صحيحًا، فأول وصف نستطيع أن نصفها به، هو أنها ترمي إلى شيءٍ واحد في جميع البلاد التي تمر بها، وهو تغيير الطبقات المشرفة على نظام الحكم إن لم يكن هدم النظام كله.

    وفي الحق أن هذه العاصفة الاجتماعية السياسية قد هدمت نظام الحكم في بلاد كثيرة، وعجزت عن هدمه في بلاد أخرى، فاكتفت بنقله من طبقة إلى طبقة. هدمته في روسيا وفي ألمانيا، وعجزت عن هدمه في إنجلترا، فأقرت العمال مكان الأحرار والمحافظين، وعجزت عن هدمه في فرنسا، فأقرت أحزاب الشمال مكان أحزاب الوسط. وتستطيع أن تقول إنها هدمت النظام في مصر، فأقرت الحكم الديمقراطي مكان الحكم الأوتوقراطي، كما تستطيع أن تقول إنها عجزت عن هدم النظام في مصر (لأن صورة الحكومة المصرية لم تتغير تغيرًا تامًّا)، ولكنها نقلت الحكم من طبقة هي التي كانت تختلف على مناصب الوزراء قبل يوم ٢٢ يناير إلى طبقة أخرى هي التي تألَّف منها مجلس النواب يوم ١٢ يناير، وهي التي لم يكن أحد من كثرتها المطلقة يحلم قبل الدستور بالوصول إلى مناصب الوزراء.

    مهما يكن من شيء، فإن هذه العاصفة الاجتماعية قد نقلت الحكم في جميع البلاد التي مرَّت بها من طبقة إلى طبقة، ومن فريق إلى فريق. وليس من غرضي في هذا الفصل أن أقدم إليك بحثًا اجتماعيًّا، أقارن فيه بين مظاهر هذه العاصفة في البلاد المختلفة التي مرت بها، فقد لا تتسع جريدة يومية لمثل هذا البحث، وإنما أذن الله لي بعد أن رأيت أعراض هذه العاصفة في مصر منذ انتُخِبَ البرلمان أن أرى أعراضها في فرنسا أثناء هذا الصيف. ورأيت بين هذه الأعراض في البلدين شيئًا من التشابه يدعو إلى التفكير، وعن هذا التشابه أريد أن أحدِّثك.

    أريد أن أحدِّثك وأريد في الوقت نفسه ألا أغضب أحدًا؛ فليس من الخير في هذه الأيام أن يُغضب الكاتب أحدًا ولا سيما إذا كان هذا (الأحد) من الذين أُتيح لهم الإشراف على الأمور العامة والقبض على ناصية الأحكام.

    وإذا كان الكتَّاب الفرنسيون لا يحفلون بإغضاب سادة اليوم، ولا يشفقون من سخط مجلس النوَّاب الفرنسي، فإن الفرق بين فرنسا ومصر لا يزال عظيمًا؛ لأن فرنسا قد تعودت الحرية والحياة الدستورية، فلا بدَّ من أن ينالها شيءٌ من الفساد عظيم قبل أن يشفق كتَّاب الوسط واليمين من غضب أحزاب الشمال. أمَّا مصر فعهدها بالحرية حديث، وعهدها بالحياة الدستورية أحدث، ومن هنا كان على كتَّاب الشمال في مصر أن يحتاطوا لأنفسهم من حزب اليمين وألا يكتبوا إلا في حذر وأناة.

    أول ما تشهد من وجوه الشبه بين يومَيْ ١٢ يناير و١١ مايو، أن الأحزاب التي فازت في هذين اليومين إنما فازت بالإسراف في الوعود إلى غير حد، وبالإسراف في النقد إلى غير حد أيضًا؛ حتى بهرت الجمهور وخلبت عقله، وأنسته نفسه وأنسته الحقائق الواقعة، وفتحت أمامه أبوابًا من الأمل الذي لا يكاد يُوصَف ولا يُصدَّق في الحياة العادية. وكانت هذه الجماهير قد سئمت الحكام الذين تعودتهم وكرهت طرائق حكمهم، ونقمت منهم محنًا لا يد لهم فيها ولا سلطان لهم عليهم؛ فما أسرع ما مالت إلى أن تتخلص من هؤلاء الحكَّام! وما أسرع ما نقلت الحكم إلى هؤلاء المسرفين في النقد من جهة وفي الوعد من جهة أخرى!

    وفي الحق أنها لم تنقل إليهم الحكم عن اقتناع ويقين في جميع الأحوال، وإنما كان البسطاء مقتنعين موقنين بحكم أنهم بسطاء، وكان غير هؤلاء لا مقتنعين ولا موقنين، وإنما كانوا يريدون أن يتخلصوا من هذه الحكومات التي ملُّوها، ومن هذه الطرائق الحكومية التي سئموها؛ فمشوا مع غيرهم، وصوتوا لهذه الأحزاب المنتصرة، على نحو ما فعل ذلك الفلاح اللاتيني حين اجتمعت جماعة الشعب لتنفي أحد الزعيمين المتنافسين «أرستيد» و«تميستوكل».

    كان أرسيتد أعدل الرجلين وأشدهما استقامة، وأحرصهما على الخلق والشرف، وكان اللاتينيون يحبونه ويكلفون به، ولكنهم كانوا يكرهون حكمه؛ لأنه لم يكن ماهرًا في تملق الجمهور.

    وبينما كانت جماعة الشعب تقترع على من يُنفَى من الزعيمين أقبل هذا الفلاح على أرستيد وهو يجهله، ودفع إليه قطعة من الخزف، وطلب إليه أن يكتب عليها اسم أرستيد، فسأله أرستيد: ولِمَ تريد أن تنفي هذا الرجل؟! وماذا تنقم منه؟! أجاب الفلاح: لا أنقم منه إلا أني سئمت وصفه بالعدل! …

    كذلك صوَّت كثير من الناس لسادة اليوم في مصر وفي فرنسا يوم ١٢ يناير و١١ مايو، وتم الفوز لأولئك وهؤلاء هنا وهناك، وأخذت الجماهير تنتظر من سادة اليوم هنا وهناك تنفيذ هذه الوعود الخلابة، وتحقيق هذه الآمال البراقة. ويظهر أنها ستنتظر كثيرًا هنا وهناك؛ ذلك لأن الوعد شيء والوفاء شيء آخر، ولأن الرجل الشريف وحده هو الذي لا يَعِد إلا إذا استوثق من أنه قادر على الوفاء، ولأن النظم الانتخابية والجهاد الانتخابي — ولا سيما في رأي بعض الأحزاب — تعفي المجاهدين في الانتخاب من أن يقيسوا وعودهم بمقدرتهم على الوفاء.

    ولم تفكر الأحزاب المنتصرة في مصر وفي فرنسا يومًا من الأيام قبل الانتخاب في أنها قد تعرض للحياة العملية، وفي أن من الحق عليها أن تقتصد في الوعد حتى لا تسيء إلى نفسها بعد الفوز من جهة، وحتى لا تسيء إلى الأمة فتفسد عقولها وتخلط لها بين الممكن وغير الممكن من جهة أخرى. فلما وصلت إلى الحكم وأخذت تعالج الحياة العملية سلكت سبلًا مضحكة إذا نظرت إليها غير متأثر بالعواطف الوطنية ولا بالمنافع الوطنية، ولكنها مؤلمة إذا نظرت إليها متأثرًا بحب وطنك والحرص على منفعته. سلكت سبل الأحزاب التي سبقتها في الحكم، ولكنها لم تستطع أن تعلن عجزها عن أن تسلك سبلًا أخرى، فكانت سيرتها في حقيقة الأمر سيرة الذين سبقوها، ولكنها تتحدث لغة غير لغتهم، وتتبجح بما لم يكن أولئك يتبجحون به؛ لأن أولئك كانوا متواضعين منصفين لأنفسهم وللناس، ولأن هؤلاء لا يعرفون التواضع، وإنما هم يخدعون الناس ويخدعون أنفسهم، ولعلهم يخدعون أنفسهم قبل أن يخدعوا غيرهم. هذا في المسائل الجوهرية، فلعلك تذكر أن سادة اليوم في مصر ينفذون التعويضات والتضمينات وتصريح ٢٨ فبراير.

    ولعلك تذكر أن سادة اليوم دافعوا عن قانون الاجتماعات، وجزعوا حين همت الهيئة البرلمانية بإلغائه، ولكنهم مع ذلك يصفون أصحاب تصريح ٢٨ فبراير بما يصفونهم به، ويصفون أصحاب التعويضات والتضمينات بما يصفونهم به، ولعلك تعلم أن سادة اليوم في فرنسا يسلكون في السياسة الخارجية نفس السبل التي كان يسلكها من سبقهم، ويناقضون في مسلكهم هذا مذاهبهم السياسية والاجتماعية. فليس يستطيع رئيس الوزارة الفرنسية القائمة أن ينزل عن شيء من حقوق فرنسا في التعويضات، وليس يستطيع رئيس الوزارة الفرنسية القائمة أن يسلِّم بالجلاء عن الرور قبل أن تضمن فرنسا حقها في التعويضات، وليس يستطيع رئيس الوزارة الفرنسية أن يهمل في تنفيذ نص من نصوص معاهدة فرساي.

    وكم صاحت أحزاب الشمال! وكم نقصت أحزاب الشمال! وكم سخطت أحزاب الشمال على معاهدة فرساي وسياسة الذين أشرفوا على تنفيذها! هذا من جهة.

    ولكن هناك جهة أخرى عملية وضعية — إن صح هذا التعبير — يتشابه فيها سادة اليوم في مصر وسادة اليوم في فرنسا، هذه الجهة هي السياسة الداخلية.

    فسيرة الحزبين في البلدين واحدة، لا يفرق بينها إلا أنها تمتاز بشيء من الظُّرف في فرنسا قد لا تتصف به في مصر. كلا الحزبين يعبث بالوظائف العامة وبالموظفين، فيؤثر من والاه قبل الانتخاب على من خاصمه أو لزم الحيدة.

    ومن اللذيذ أن تقرأ في فرنسا حركة نقل المديرين والمحافظين وإحالة بعضهم إلى المعاش، وتقارن بينها وبين الحركة التي سبقتها في مصر. وكلا الحزبين يفتح تكايا يؤوي إليها أنصاره وأولياءه، لا ينظر في ذلك إلى مقدرتهم وكفاءتهم وحاجة الأمة إليهم، وإنما ينظر في ذلك إلى شيءٍ واحد؛ هو أنهم أولياؤه وأنصاره، وأنهم جدُّوا في الحركة الانتخابية، فلا بدَّ من مكافأتهم على ما أبلوا في الحركة الانتخابية.

    وكلا الحزبين يبيح لأوليائه وأنصاره ما يحظر على خصومه ومخالفيه، فكما أن سادة اليوم في مصر أطلقوا الحرية لأنصارهم بعد أن تولوا الحكم في أن يتظاهروا ويهتفوا ويعبثوا حتى بدا لهم أن ذلك قد يكون خطرًا عليهم أنفسهم، فأخذوا يقيِّدون هذه الحرية ويلحون في هذا التقييد؛ فإن سادة اليوم في فرنسا يبيحون لأنصارهم وأوليائهم من المظاهرات وألوان الهتاف ما لم يكن ينتظر الفرنسيون أن يروه في فرنسا؛ فقد منحت الحكومة الفرنسية القائمة طائفة من قطر السكك الحديدية للمتظاهرين من الشيوعيين، وأباحت لهم أن يؤاخوا بين أطفال الفرنسيين وأطفال الألمان في ظل الأعلام الحمراء.

    ويجب أن نقول الحق، فقد تجاوز الحزب الفرنسي المنتصر في فرنسا ما وصل إليه الحزب الفرنسي المنتصر في مصر. وتعليل ذلك يسير؛ وهو أن فرنسا مستقلة حقًّا، لا يحتلها الإنجليز، ولا تحفل بمراقبة الأجانب.

    ومن هنا، كانت حكومتها أوسع حرية من الحكومة المصرية. ومن يدري لو أن للبرلمان المصري والحكومة المصرية من الاستقلال والسيادة الفعلية ما للبرلمان الفرنسي والحكومة الفرنسية، من يدري ماذا كان يصنع البرلمان المصري والحكومة المصرية بالأولياء والأعداء؟! …

    بين يدي البرلمان الفرنسي مشروع للعفو العام، تجاوز فيه الحزب المنتصر كل حد؛ فهو يريد أن يعفو عفوًا تامًّا شاملًا عن جميع الجرائم التي اقتُرِفَتْ أثناء الحرب، سواء منها ما يقبل العفو وما لا يقبله، سواء منها ما لا يتجاوز الآثام العادية، وما هو خيانة عظمى للوطن.

    وهو لا يكتفي بذلك، وإنما يريد أن يمحو هذه الجرائم محوًا كأنها لم تكن، وأن يعوِّض المجرمين عما خسروا بحكم إدانتهم وبحكم بقائهم في السجون. يريد أن يرد إلى الموظفين منهم وظائفهم، وأن يحتسب لهم المدد التي قضوها في السجون، فلا يضيع عليهم منها شيئًا في المعاش مثلًا ولا في الدرجات ولا في نحو ذلك من حقوق الموظفين.

    وقد أقرَّ مجلس النوَّاب هذا المشروع، ويجب أن يتعزى نائبنا المحترم أبو سمرة ونائبنا المحترم عبد الرحمن الرافعي؛ فإن زملاءهما من المعارضين الفرنسيين لم يستطيعوا أن يناقشوا ولا أن يدافعوا عن آرائهم لنفس الأسباب التي تشقى بها المعارضة في مصر؛ وهي: المقاطعة، والتهويش، واستبداد الكثرة بالقلة.

    والآن وقد رأينا هذا التشابه بين هذين اليومين وبين الحزبين اللذين انتصرا فيهما على ساحِلَي البحر الأبيض المتوسط، فقد يكون من الخير أن نتساءل عن مصدر هذا التشابه بين هذين الحزبين اللذين يختلفان الاختلاف كله في الجنس والخلق والعادة واللغة والأطوار، ولكنهما يتشابهان التشابه كله في الطرائق السياسية.

    وهنا أريد أيضًا ألا أُغضب أحدًا، وإن كان الكتَّاب الفرنسيون يقولون مثلما سأقول وأكثر مما سأقول دون أن يحفلوا بمن يغضب أو لا يغضب.

    مصدر هذا التشابه في جملته يرجع إلى شيءٍ واحد، وهو حظ هذين الحزبين من الرقي العقلي؛ فلست أظلم أحدًا ولا أتجاوز الحق إذا قلت إن حظَّ الكثرة البرلمانية القائمة في مصر وفي فرنسا من الرقي العلمي ليس مما يمكن الافتخار به، فقد يكون بين هذه الكثرة أفراد نابهون، ولكن الكثرة نفسها لا تمتاز بالعلم، ولا سيما بالعلم المتقن الذي يرسخ في النفس فيميزها ويرقى بها عن الصغائر، ويؤهلها لفهم الأشياء كما هي وكما يجب أن تكون، ويؤهلها للمقارنة بين الحقيقة الواقعة وبين المثل الأعلى.

    ولو استطعت لقلت إن عقول هاتين الكثرتين ينقصها شيء كثير جدًّا من العمق والحدة؛ فهي قريبة المدى جدًّا، لا تسع كثيرًا من الأشياء، وإنما تَسَع طائفة قليلة جدًّا من الحقائق البسيطة، وهي قليلة الحدة لا تستطيع أن تهضم هذه الحقائق ولا أن تسيغها. ومن هنا كان فهمها للأشياء قاصرًا كل القصور؛ فهي تتشدق بالألفاظ الجوفاء دون أن تفهم معناها حقًّا، ودون أن تقتنع بمعناها حقًّا.

    ومن هنا تتورط في طائفة من الأغلاط المنكرة، ليس مصدرها سوء النية، وإنما مصدرها العجز والقصور. وأريد أن أضرب لذلك مثلًا، ومن الغريب أنه واحد في مصر وفي فرنسا الآن، هذا المثل هو التعليم.

    من الغريب أن كثرتنا البرلمانية تزهد في التعليم العالي ولا تحفل به، وأخشى أن أقول إنها تكرهه وتمقته، لا لأنها تريد أن تكون مصر جاهلة، بل لأنها لا تقدِّر التعليم العالي كما ينبغي. وهي معذورة؛ فهي تجهل التعليم العالي، ومن هنا سمحت لرئيس الوزراء أن يعلن أنه لا يفهم معنى الجامعة ولا فائدتها للأمة، وابتلعت ذلك كما تُبتلَع قطعة من الحلوى.

    ومن هنا، سمحت لوزارة المعارف أن تأتي ما أتت من العبث؛ فتنيم مشروع الجامعة، وتلغي المجلس الأعلى، وتشل المكتب الفني، وتنشئ هذه اللجنة الفنية التي لا خطر لها ولا نفع.

    وعلى نحو هذا سارت الكثرة البرلمانية الفرنسية، فبدأت سياستها التعليمية بإلغاء النظام الذي كانت قد وضعته وزارة يوانكاريه لتعميم اللاتينية واليونانية، وهي الآن تعد ألوانًا من المشروعات لا ترمي إلى شيء أقل من الهبوط بالتعليم الثانوي إلى أبسط درجاتها.

    ومن أبدع ما قرأته من السياسة التعليمية للحزب المنتصر في فرنسا، هذا القرار الذي أصدره مؤتمر رجال التعليم الأولي الذي انعقد في هذه الأيام في مدينة ليون. أصدر هذا المؤتمر قرارًا لا يبعد أن تأخذ به وزارة المعارف الاشتراكية؛ وهو أن يُلغَى تعليم التاريخ الفرنسي في المدارس الأولية، وأن تقوم مقامه دروس في تاريخ الإنسانية … ذلك لأن التاريخ الفرنسي يذكِّر بمجد فرنسا وسلطانها الحربي والعسكري، وهذا الحزب المنتصر يريد أن يمحو الحرب؛ فيجب أن يمحو ذكرى المجد الحربي لفرنسا من نفوس الفرنسيين.

    ولست أناقش هذا المذهب السياسي، ولكني ألاحظ أن الذين وضعوا هذا القرار لو لم يكونوا من أنصاف المتعلمين؛ لاستطاعوا أن يوفقوا بين مذهبهم السياسي وبين المنفعة الوطنية، وأن يتصوروا طريقة لدرس التاريخ الفرنسي لا ينسى معها الفرنسيون مجدهم الوطني، ولا يميلون معها إلى الحرب، ولكنهم أنصاف متعلمين ينقص عقولهم العمق والحدة؛ فهي لا تسع أشياء كثيرة، وهي لا تهضم ما تسع من هذه الحقائق القليلة البسيطة.

    ولقد أستطيع أن أمضي في هذا البحث إلى أبعد من هذا الحد الذي انتهيت إليه، ولكني أقف عند هذا الحد وأسجل حقيقتين؛ إحداهما: خاصة؛ وهي أن يوم ١٢ يناير في مصر و١١ مايو في فرنسا متشابهان، والأخرى: عامة؛ وهي أن الويل كل الويل لبلد يحكمه أنصاف المتعلمين.

    بوليجين في ١٣ أغسطس ١٩٢٤