Tag: police

  • عدوان

    عدوان
    وليس هو بالعدوان الذي يقدم عليه الرجل الشجاع الجريء القادر على أن ينهض بالتبعات ويثبت لعظائم الأمور، وجلائل الأعمال. وإنما هو عدوان الرجل الضعيف الذي يشفق من الظل ويخاف من الخيال، ويرى في كل ما يحيط به، ومن يحيط به عفريتاً من الجن، أو شيطاناً من الإنس، يريد به الشر، ويدبر له الكيد، ويدفعه إلى المكروه.
    وليس هو بعدوان الرجل الذي يهيئه عمله للعدوان، أو يعرضه عمله للتورط في العدوان. وإنما هو عدوان الرجل الذي يجب أن يمنعه عمله عن كل إثم، وينهاه منصبه عن كل بغي، وترده الأخلاق عن كل ما فيه جور أو ظلم أو مخالفة عن أمر الله.
    نعم هو عدوان قوامه الضعف وخور الطبيعة، صدر عن رجل لم يكن ينبغي أن يصدر عنه عدوان، بل لم يكن ينبغي أن يصدر عنه إلا البر الذي ليس فوقه بر، والخير الذي ليس فوقه خير. وصدر في ظروف ما كان ينبغي أن يشوبها شر، أو يكدر صفوها مكدر. وهذا العدوان الذي تتحدث السياسة صباح اليوم بأن شيخ الأزهر قد اقترفه، وتورط فيه، يوم تفضل حضرة صاحب الجلالة الملك فشرف كلية أصول الدين بزيارته الكريمة.
    فالسياسة تحدثنا أن جماعة من أبناء الأزهر هم من علماء التخصص أرادوا أن يستقبلوا مع الأزهريين حامي الأزهر وراعيه، وأن يشتركوا مع الأزهريين في الإعراب لحامي الأزهر وراعيه عن حبهم له، وشكرهم لنعمته المتصلة عليهم، وأملهم في أن ترقى إليهم عناية المليك ورعايته من خير إلى خير، ومن فوز إلى فوز، ومن إصلاح إلى إصلاح. فأبى عليهم الشيخ أن ينهضوا بهذا «الواجب»، وامتنع عليهم الشيخ أن يؤدوا هذا الشكر. وصدهم الشيخ عن أن يعلنوا مع إخوانهم وفاءهم وإخلاصهم لصاحب عرش مصر، وحامي الأزهر والأزهريين.
    وما علمنا قبل اليوم أن من الأعمال التي ينهض بها شيخ الأزهر وزعيم الرياسة الدينية العليا أن يمنع الناس من أداء الواجب، أو يصرف الناس عن النهوض بالحق، أو يذود الناس عن الاعتراف بالجميل لصاحب الجميل، ولاسيما حين يكون صاحب الجميل هو صاحب الجلالة المصرية الذي لا يدع سبيلاً إلا سلكها ليصلح من أمر الأزهر، ويبعث فيه القوة والحياة، ويرفع الأزهريين إلى حيث ينبغي أن يكونوا من حياة مصر العاملة الراقية.
    نعم ما علمنا قبل اليوم أن من أعمال شيخ الأزهر أن يحول بين الأزهريين وبين زائرهم العزيز عليهم، الكريم في نفوسهم، ومع ذلك فقد فعل شيخ الأزهر هذا، وتورط فيه إن كان ما تحدثت به السياسة صحيحاً. ولابد من أن يتبين أولو الأمر أصحيح ما تحدثت به السياسة، فيسأل الشيخ عنه، ويلام الشيخ فيه؟ أم غير صحيح ما تحدثت به السياسة فيعلن إلى الناس أن شيخ الأزهر، ورئيس هيئة كبار العلماء لم يمنع الأزهريين من أداء الواجب، ولم يصرفهم عن الاحتفال بالزيارة الملكية الكريية؟
    والسياسة تروي لنا أن شيخ الأزهر لم يكن قوياً في عدوانه، ولا شجاعاً في جوره! وإنما سلك إلى العدوان طريقاً يتنزه عنها رجال الدين، أو يجب أن يتنزه عنها رجال الدين! هي طريق الوشاية والسعادة واستعداء إدارة الأمن العام على هؤلاء الناس – أستغفر الله – على هؤلاء العلماء الأزهريين الذين يجب أن يحميهم الشيخ ويذود عنهم، ويحوطهم من سعاية الساعين، ووشاية الواشين.
    زعموا للسياسة أن الشيخ أنبأ إدارة الأمن العام بأن هؤلاء العلماء يريدون أن يكدروا صفو الزيارة الملكية، فسمعت إدارة الأمن العام للشيخ، ومن الحق عليها أن تسمع له في مثل هذه الأشياء، ثم أرسلت إلى هؤلاء الناس من روعهم في بيوتهم آخر الليل، وانتزعهم من بين أهلهم وأبنائهم، وساقهم في ظلمة الليل وهدوء الناس إلى حيث السؤال والجواب والتحقيق…! وأخذ عليهم العهود والمواثيق، ثم أطلقهم مع الصبح وبث حولهم العيون، ووكل بهم الأرصاد.
    ماذا؟ أحدث هذا كله حقاً؟ وكان مصدره شيخ الإسلام؟! وإذن فماذا ترك الشيخ لغيره من السعاة والوشاة، والذين يتربصون الدوائر بالناس، ويدبرون لهم الكيد بالليل والنهار؟ إحدى اثنتين: إما أن يكون هذا قد حدث من الشيخ، فلابد من سؤاله عنه، وأخذه به، فإن شيوخ الإسلام لم ينصبوا ليروعوا الآمنين، ويزعجوا المطمئنّين، ويقولوا في الناس بغير الحق. وإنما ينبغي أن يكونوا رسل أمن وسلام، ودعاة هدوء وطمأنينة، وحراصاً على الصدق والجد والإخلاص. وإن لم يكن هذا قد حدث فيجب أن يبين للناس ليعلم المسلمون أن الأزهر بريء من أن يكون وكراً من أوكار الكيد، ومكمناً من مكامن الساعين والواشين.
    يجب أن يعلم الناس جلية الأمر في هذا، فنحن نعلم أن التجاء الشيخ إلى إدارة الأمن العام كثير، وإنه كثير في غير طائل ولا جدوى. ويذكر أنه التجأ إلى إدارة الأمن العام في الصيف الماضي فكلفها من مصادرة الكتب والاعتداء على حرية العلم شراً ثقيلاً. ثم ظهر بعد ذلك أنه كان آثماً فيما فعل وأن إدارة الأمن العام كانت متورطة حين استجابت له وصدعت بأمره.
    يجب أن يعلم الناس جلية هذا الأمر، فقد يروعهم أن يكون بين الأزهريين – سواء فيهم العلماء والطلاب – من يفكر في أن يكدر صفو الزيارة الملكية للأزهر. فإذا كان الشيخ قد سعى حقاً بهؤلاء العلماء إلى إدارة الأمن العام فروعهم وأفزعهم، وبث عليهم العيون والأرصاد، وحال بينهم وبين الاشتراك في استقبال الزائر الكريم فلابد أن يعلم الناس نتيجة هذا التحقيق. أبين الأزهريين حقاً جماعة كانوا يريدون أن يكدروا صفو الزيارة الملكية للأزهر؟ ماذا أثبت التحقيق من أمر هؤلاء؟ وبماذا كان هؤلاء الناس يريدون أن يكدروا صفو الزيارة الملكية؟ أبشيء يبيحه القانون؟ فليس هناك تكدير للصفو إذن. أم بشيء ينكره القانون؟ فلم لم يسق هؤلاء الناس إلى حيث يسألون عما دبروا؟
    كل هذه أشياء يجب أن تعنى بها الحكومة، وأن تبين للناس جلية الأمر فيها. وأكبر الظن أن الأمر كله وهم وخوف من الظل وفزع من الخيال.
    لقد أنبئنا أن الشيخ كان مسرفاً في الخوف حتى انتهى به الإسراف إلى شيء لا يخلو من طرافة! فقد زعموا أنه لم يدع أستاذاً ولا مدرساً يقول بين يدي جلالة الملك شيئاً حتى اتفق معه على تهييء هذا الشيء، ثم قرأه وأنعم النظر فيه، وحذف منه وأضاف إليه، وجعل ما ألقى بين يدي صاحب الجلالة من الدروس أشبه بما يلقيه الممثلون في ملاعب التمثيل…! يحفظونه فيتقنون حفظه؛ وقد هيئ لهم من قبل، ثم يلقنونه فيحسنون إلقاءه. وإذن فلم يرَ جلالة الملك الأزهر كما هو في حقيقة الأمر، وكما يحب جلالة الملك أن يراه ليغتبط برقيه إن كان قد ارتقى، وليتفضل فيأمر بالإصلاح إن كان في حاجة إلى الإصلاح. وإنما رأى جلالة الملك الأزهر كما هيأه له الشيخ وأعوان الشيخ. ولعل ما رآه جلالة الملك أبعد الأشياء عن تصوير الأزهر على الوجه الصحيح.
    أنصح هذا لولي الأمر أم غش؟ أجد هذا أم هزل؟ ومع ذلك فقد أنبئنا أنه كان، وكذلك تقدم إلى الزائر الكريم صور ليس وراءها شيء. ويتقدم الشيخ بين يدي الزيارة بإغراء إدارة الأمن العام بجماعة من العلماء تروعهم وتفزعهم وتغري بهم العيون والأرصاد.
    ويقال بعد ذلك أننا نعيش في القرن العشرين، وفي ظل الدستور والنظام، وفي جو إسلامي خالص صفو بريء من الكيد، بريء من الغش بريء من التدليس.
    كل شيء ممكن في مصر حتى أن يسعى شيوخ الأزهر بعلماء الأزهر إلى إدارة الأمن العام…!
    كوكب الشرق في ٤ – ٤ – ١٩٣٣، عدد ٢٣٥٤.

  • تفتيش

    حديث الوادي
    تفتيش…
    أما المفتش فهو المندوب السامي البريطاني وأما موضوع التفتيش فهي مصر كلها فيما يظهر، ولا بد لنا من أن نعترف بأن حدثًا جديدًا قد حدث فيما بين مصر وإنجلترا من العلاقات، وليس ضروريًا أن يكون هذا الحدث ظاهرًا، ملموسًا، وإنما يكفي أن تظهر آثاره وتستبين الدلائل عليه، وأن يكون كالكهرباء تبعث الحركة والحر والضياء، ولا تعرف حقيقتها وإنما تعرف ظواهرها حق المعرفة.
    نعم لا بد من أن يكون هناك حدث قد حدث، فيما بين مصر وإنجلترا من العلاقات يبيح للمندوب السامي أن يأتي من الأمر ما لم يكن يأتيه المندوبون السامون من قبل، فيزور حدود الشرق والغرب، ويجول في داخل الأرض ضيفًا على الوزراء، ويكتب إلى الوزارات منكرًا حينًا، ومرشدًا حينًا آخر، ويدعو إليه الوزراء ووكلاء الوزراء، وكبار الموظفين، أفرادًا وجماعات، ثم يبدو له فيفتش أول أمس على ثكنات الشرطة، ويفتش أمس على ثكنات الجيش. ووزراؤنا يعلمون ذلك ويجهلونه، يسمعون به قبل أن يكون، أو يقرأونه في الصحف كما تقرؤه أنت وكما أقرؤه أنا، ووزراؤنا يرضون عن ذلك أو يسخطون. فما نفع الرضى والسخط إذا لم يغيرا من الحقائق الواقعة شيئًا، ولم يستطيعا أن يدفعا المندوب السامي إلى أن يأتي من الأمر ما لا يريد، أو يرده المندوب السامي عن أن يأتي من الأمر ما يريد؟
    المندوب السامي رجل عظيم يمثل دولة عظيمة ويؤيده في هذا التمثيل جيش عظيم، ويعينه على هذا التمثيل موظفون عظماء من مواطنيه، قد انبثوا في المصالح والدواوين، وهو يمثل هذه العظمة كلها في بلد ضعيف يريد أهله أن يكون عظيمًا، ويستكثر سادته عليه العظمة، فيأبون عليه إلا أن يكون متواضعًا، قانعًا بما أراد الله له من ضآلة الشأن وسوء الحال. فإذا ذهب المندوب السامي ليفتش على حدود الشرق سكت الوزراء، ومن يدري؟ لعلهم يلقونه فيسألونه عن حال هذه الحدود، ويعلمون منه ما كانوا يجهلون. وإذا ذهب للتفتيش على حدود الغرب سكت الوزراء، أو ذكروا أن هذه الحدود تستحق الزيارة فسافروا إليها، وأقاموا فيها يومًا وبعض يوم، ثم عادوا وهم يعلمون من أمر هذه الحدود بعض ما كانوا يجهلون، وقليلًا جدًا من هذا الكثير الذي علمه المندوب السامي حين ذهب لهذا التفتيش.
    وإذا أراد المندوب السامي أن يتغلغل في أعماق مصر، وأن يرى المصريين وهم يعملون في الحقول وأن يتحدث إليهم ويسمع منهم وهم يحملون أثقال الحياة، ويشقون بآلامها دعاه بعض الوزراء إلى مأدبة غداء وهيأ له ما يشاء وما لا يشاء، وضاق زملاؤه بهذه الدعوة بعض الضيق، ولكنهم يكتمون ذلك في نفوسهم ولا يجمجمون بالأسرار ومن وراء حجاب صفيق، ثم تستقر الأمور فيستقيم مجرى الريح بالوزارة وسفينة الوزارة، والمندوب السامي يذهب شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا ويسأل عما لا ينبغي له أن يسأل عنه، ويدخل فيما لا ينبغي له أن يدخل فيه. ثم يدنو يوم الرحيل وما ينبغي للمندوب السامي أن يرحل عن مصر وهو لم يستوثق من كل شيءٍ، وهو لم يستوثق من أن جيشها وشرطتها قادران على حفظ النظام في الداخل بعد أن استوثق من أن حدودها في الشرق والغرب قادرة على دفع الهجوم من الخارج. فلا بد له إذن من أن يلم بشيءٍ من أمر الجيش، ومن أن يلم بشيءٍ من أمر الشرطة، فهو يزور ثكنات الشرطة يوم الثلاثاء، وثكنات الجيش يوم الأربعاء. ومن يدري ماذا يزور يوم الخميس قبل أن يسافر يوم الجمعة، فالرجل يريد أن يسافر مطمئنًا على أن الأحداث لن تلم بمصر من قريب أو بعيد أثناء غيابه عنها!
    والغريب أن يزور المندوب السامي ثكنات الشرطة فلا يستقبله هناك رئيس مصري، وإنما يستقبله إنجليزيان أحدهما يدير الأمن العام الأوروبي وما نحسب أن له بحكم هذه الإدارة إشرافًا على الشرطة قليلًا أو كثيرًا، والآخر يدير أمور الشرطة في الإسكندرية وهو الحكمدار. أما وزير الداخلية ووكيلها أو وكيلاها ومدير الأمن العام المصري فمشغولون يبسطون الإجراءات في وزارة الداخلية من ناحية وينظمون الاستحمام والتعرض للشمس والهواء على ساحل البحر من ناحية أخرى.
    ثم يزور المندوب السامي ثكنات الجيش فلا يلقاه هناك وزير الحربية لأن وزير الحرب أرقى وأكبر من أن يلقى ممثلًا أجنبيًا في ثكنات الجيش ولو قد فعل لاعترف بحق المندوب السامي في زيارة الجيش. ومن الكياسة ما يقضي على الوزراء من أن يغضوا العيون، ويدع الأمور تجري كأنهم لم يعلموا بها، وقد يكون هذا من أضعف الإيمان، ولكنه إيمان على كل حال. فقد زار المندوب ثكنة من ثكنات الجيش، ولكنها زيارة غير رسمية لم يشهدها الوزير، ولعله لم يعلم بها، فالحقوق محفوظة والرؤوس مرفوعة والاستقلال لا بأس عليه.
    على أن هناك سؤالين، أو أسئلة نلقيها ولا ننتظر عليها جوابًا، فالوزارة أكبر من أن تجيب قومًا أمثالنا من المصريين الذين يدخلون فيما لا يعنيهم، ويسألون عما ينبغي أن يجهلوا.
    وأول هذه الأسئلة يمس علم الوزارة بهذه الزيارات: أكان سابقًا لها أم لاحقًا؟ أأذنت بها أم علمت أمرها بعد أن تمت؟ وما رأيها في هذه الزيارات؟ أملائمة هي للاستقلال أم غير ملائمة؟ أم هناك سر يجهله، ويتحدث به بعض المتحدثين، ولا نريد نحن أن نردد صدى هذه الأحاديث؟
    وسؤال آخر: أيستطيع وزير الحرب عندنا أن يزور الثكنات والمعسكرات التي يرابط فيها جيش الاحتلال، مع أنها قائمة على أرض مصر، ومع أن السيادة المصرية يجب أن تكون مبسوطة عليها؟
    وسؤال ثالث: أتغيّرَ منصب المندوب السامي في مصر، فأصبح «بروقنصلًا» كما كان يقول الرومان.. أو حاكمًا لمصر من قبل إنجلترا إن أردت الترجمة العربية لهذا اللفظ الغريب؟ وإذن فأين الوثيقة الرسمية التي تثبت له هذا المنصب الجديد وعمن صدرت ومتى صدرت؟ وإلى من صدرت؟ أم هو لا يزال مندوبًا ساميًا كغيره من المندوبين الذين عرفتهم مصر منذ أعلن الاستقلال؟ وإذن فمن أين جاءه هذا السلطان الواسع، والجاه العريض؟ جاءه من ضعف الوزراء، ومن إشفاقهم أن ينكروا عليه شيئًا يأتيه أو أمرًا يفكر فيه. فتحدث بينه وبينهم أزمة لا يعلم عواقبها إلا الله.
    أسئلة نلقيها لا على الوزراء فلن يجيبوا، ولا على الإنجليز فلن يجيبوا ولكن على المصريين الذين ما يزالون يعتقدون أنهم أحرار في بلادهم، وأنهم يطلبون الاستقلال، وأنهم قد ظفروا ببعض الحق، وما يزالون يطلبون بعضه الآخر. فهؤلاء المصريون سيقرأون هذه الأسئلة وسيجيبون عليها لأنفسهم، وسيعلمون إلى أين سارت أمورهم، وإلى أين يدفعون؟ وماذا بقي لهم من الاستقلال الذي أراقوا في سبيله الدماء واحتملوا في سبيله الكوارث، وضحوا في سبيله بكل عزيز.
    طه حسين
    الوادي، ١٩٣٤/٨/١٦.

  • لغز

    لغز
    حله[1] عند رجلين، أحدهما «رئيس الوزراء»، والآخر «وزير الداخلية». ويزعم طوال الألسنة أن رجلًا ثالثًا من كبار الموظفين قد يستطيع مشاركة الوزيرين الخطيرين في حل هذا اللغز، ولكنهما يأبون أن يسموه ويكتفون بالإشارة إليه. أما نحن فلا نطلب الحل إلا عند القادرين الرسميين عليه، أي عند «رئيس الوزراء» و«وزير الداخلية».
    وهذا اللغز يحيط بصاحب العزة «أحمد كامل بك»، مدير «الأمن العام»؛ فقد نهض الرجل بحماية الأمن كما لم ينهض به أحد من قبله إلا «وزير الداخلية» حين كان مديرًا للأمن العام. وكانت نتيجة هذه الكفاية الباهرة في حماية «أحمد كامل بك» للأمن العام أن أخذت الجنايات تنقص ثم تنقص، وتقل ثم تقل، حتى انعدمت انعدامًا. ومضت الأيام والأسابيع والشهور، ومصر لا تقع في أرضها جناية ما، حتى أشفق الناس من ذلك؛ فبعض العلماء من أصحاب الاجتماع يرون أن وقوع الجرائم ظاهرة من الظواهر الطبيعية، لا يمكن ولا ينبغي أن تخلو منها جماعة منظمة. فلما رأى الناس أن مصر قد برئت من الإجرام والمجرمين، أصابهم خوف لا يشبهه خوف، وظنوا أن جماعتهم مريضة؛ لأنها لا تؤدي عملها الاجتماعي كما ينبغي.
    ولكن الوزارة أعلم بشؤون الاجتماع والسياسة من الناس، فحمدت لـ«مدير الأمن العام» كفايته وبراعته؛ لأنه حقن الدماء، وعصم النفوس، وحفظ على الناس أموالهم وأعراضهم، ومكنها من أن تعلن مطمئنة أنه قد ظفرت بما لم تظفر به وزارة في أقطار الأرض، فمحت الجرائم محوًا. ولذلك اعترفت لمدير الأمن بالفضل، وسجلت له هذه المآثر، وعجزت عن أن تكافئه كما ينبغي، فأشارت إلى مكافأته إشارة موجزة يسيرة ضئيلة حين منحته ثلاثمائة جنيه علاوة في كل عام.
    وبينما الناس يلومون الوزارة لأنها لم تحسن مكافأة المدير الكفء، ولم تبلغ من ذلك رضا الأمة الآمنة المطمئنة، اجتمع مجلس الوزراء لأول مرة بعد عودة الرئيس العظيم، ولم يجتمع في دار من دور الحكومة، ولا في يوم من أيام العمل، وإنما اجتمع في دار «وزير الداخلية»، وفي يوم من أيام الراحة، واتخذ قرارًا كان وقعه بين المصريين كوقع هذه الفرقعة التي روعت «نادي الشعب»، وجريدة «الشعب»، وأزعجت الشرطة مساء أمس. وكان هذا القرار يقضي بإبعاد «مدير الأمن العام» عن إدارة الأمن العام، وندبه للعمل في مجلس الوزراء. وقد ذهب الناس بعد أن هدأت الثائرة، واطمأنت القلوب، بين الظنون مذاهب مختلفة في تأويل هذا القرار الخطير، سيظل أمرًا مستورًا، وحجرًا محجورًا، لا ينبغي لأحد أن يعرفه أو يظهر عليه.
    وقال بعض المتأولين إن مصدر هذا الندب إنما هو مذهب أولئك العلماء من أصحاب الاجتماع، وعلى رأسهم «دوركيم»، من أن الإجرام ظاهرة طبيعية في حياة الجماعات، كما أن المرض ظاهرة في حياة الأصحاء. وكما أن الناس لا بد لهم من أن يمرضوا ليصحوا من جهة، وليعمل الأطباء من جهة أخرى، وليعيش الصيادلة من جهة ثالثة، ولتكون لـ«كلية الطب» حياتها وواجباتها من جهة رابعة، وليختلف إليها الطلاب، وليدرس فيها الأساتذة، وتُشترى لها المعامل، وتقام لها الأبنية من جهة خامسة، وليعيش الممرضون والممرضات من جهة سادسة، ولتشتغل المعامل في صنع العقاقير وتركيبها من جهة سابعة، ولغير ذلك من الجهات التي لا تكاد تُحصى؛ فلا بد للجماعات أن تقع فيها الجرائم لتنشأ إدارة «الأمن العام» من جهة، وليكون لها مدير ووكيل يرتقيان إلى الدرجات العالية ويقبضان المرتبات الضخمة من جهة ثانية، وليكون فيها المفتشون والعمال من جهة ثالثة، وليعيش المديرون والمأمورون والملاحظون والمعاونون والشرطيون من جهة رابعة، ولتحقِّق النيابة، وترافع النيابة، ويترافع المحامون، ويقضي القضاة، ويكتب الكُتّاب من جهة خامسة، ثم لتنشر الصحف ويتحدث الناس، وتظهر كفاية الوزراء في ضبط الأمن وحماية النظام من جهة سادسة، ثم لغير هذا كله من الجهات التي ليس إلى إحصائها من سبيل دون اضطرار إلى الإسهاب والتطويل.
    وكان مدير الأمن قد ألغى الجرائم إلغاءً، ومحا الجنايات محوًا، فكاد يقيم الدليل — نستغفر الله، بل أقام الدليل — على أن عضوًا بل عضوين، بل أعضاء في الجسم الإداري للحكومة قد أصبحت زوائد لا غناء فيها، ولا حاجة إليها. وإذن فقد تردد مجلس الوزراء: أيمضي مع «مدير الأمن العام» فيلغي إدارة الأمن العام، ويلغي الشرطة، ويضيق من اختصاص المديرين، ومن اختصاص النيابة، ومن اختصاص القضاء؟ أم يبعد «مدير الأمن العام» عن عمله لتعود الحياة المصرية سيرتها الأولى؟ وفي مجلس الوزراء رحمة بالمصريين، وعطف عليهم، ورعاية لهؤلاء الموظفين الذين يعيشون للأمن العام، ومن الأمن العام، فآثر مجلس الوزراء نقل «مدير الأمن العام»، أو ندبه إذا أردت التعبير الدقيق.
    وقال قائلون آخرون: كل هذا ممكن، ولكننا نرجح تأويلًا آخر؛ فلم تكذب الحكومة الحكمة السائرة حين قالت: «ابدأ بنفسك ثم بمن تعول». ومن حق الوزارة أن تفكر في نفسها قبل أن تفكر في الناس. وقد رأت الوزارة أن «مدير الأمن العام» قد أصلح الإدارة إصلاحًا لم يسبق إليه، وضبط الأمن ضبطًا لا يُجارى فيه، فغارت الإدارات من إدارة الأمن العام، وغارت الوزارات من وزارة الداخلية، وطلبت كل إدارة أن تجعل أمورها إلى «مدير الأمن العام»، وطلبت كل وزارة أن يمر بها «مدير الأمن العام». وكثر في ذلك الخصام بين الإدارات والوزارات، وأراد مجلس الوزراء أن يكون منصفًا عدلًا، وأن يقبل مطالب الإدارات والوزارات، ولكن على أن يبدأ بأولاها بالعناية، وأحقها بالرعاية، وأجدرها بأن تكون المبدأ والنهاية، فقرر أن يندب «مدير الأمن العام» للعمل في مجلس الوزراء، حتى إذا ضبط أمور هذه الإدارة الممتازة وأصلحها كما ضبط أمور الأمن العام وأصلحه، نُقل بين الإدارات والوزارات، مؤثرًا الأهم على المهم، حتى إذا دار دورته كان قد أتم للأداة الحكومية كل ما تحتاج إليه من الإصلاح.
    وقال أصحاب هذا الرأي في تأويل هذا القرار: ألم يبلغكم ما تتحدث به الصحف من أن همَّ مجلس الوزراء — أو رئيسه على الأقل — متجه إلى أن يرقّي «مدير الأمن العام» في الدرجة بعد أن زاده في المرتب، فيصبح وكيل وزارة بعد أن كان مديرًا عامًا؟ هذه الترقية توطئة لم يكن منها بد، حتى إذا ذهب المصلح العظيم إلى الوزارات كان أكبر رأس فيها بعد الوزير، واستطاع أن يتناول إداراتها كلها بالإصلاح جماعات لا أفرادًا، وجملة لا تجزئة، ذلك أدعى إلى الاقتصاد في الوقت، والإسراع في العمل، وتحقيق الإصلاح الشامل في أقصر وقت ممكن.
    قال قائلون آخرون: إنما هذا كله رجم بالغيب، وتحدث بما لا علم لكم به، وما ينبغي أن نلتمس التأويل ونغلو فيه. وقد أشارت الوزارة أو ألسنتها في أحاديث غير رسمية ولكن لها قيمتها إلى أن «رئيس الوزراء» متعب مكدود، محتاج إلى العناية بصحته، والترفيه عن نفسه؛ فهو محتاج إلى رجل ثقة يقوم معه في مجلس الوزراء، يصرف له هين الأمر، ويعرض عليه في رفق ما قد يكون عسيرًا يحتاج إلى عنايته ورعايته وكفايته. و«رئيس الوزراء» واثق بـ«مدير الأمن العام» لكفايته أولًا، ولمكانه منه ثانيًا. وليس على «رئيس الوزراء» بأس أن يؤثر نفسه بهذه الكفاية النادرة بين كبار الموظفين؛ فالأمر في مصر كلها رهين بصحة «رئيس الوزراء» من جهة، وبصلاح الأمر في مجلس الوزراء من جهة أخرى.
    قال قائلون آخرون: إنكم لتلتمسون الظهر في الساعة الرابعة والعشرين، وتشطرون الشعرة شطرين، وتكلفون أنفسكم شططًا. وما بالكم لا تسلكون إلى التفسير أقرب الطرق، ولا تتخذون إليه أيسر الأسباب، ولا تقولون إن «وزير الداخلية» لم يرضَ عن «مدير الأمن العام»؛ لأن «وزير الداخلية» ممتاز في شؤون الأمن امتياز المدير، وفي مصر مثل له قيمته، وهو أن السفينة تغرق إذا وُكِّلت أمورها إلى ربانين. فقد آثر «وزير الداخلية» — على مرضه — أن تكون إليه أمور الأمن العام، وتخفف من مديره الكفء، فطلب ندبه للعمل في مجلس الوزراء. ومن يدري؟ لعل العلاوة التي أُهديت إلى «مدير الأمن العام» كانت تمهيدًا لهذا الندب، ولعل الترقية التي يقال إنها ستهدى لـ«مدير الأمن العام» تكون تتويجًا لهذا الندب.
    قال أصحاب الجد: مهما تفكروا وتقدّروا، ومهما تحللوا وتعللوا، ومهما تذهبوا المذاهب في التفسير والتأويل، فإن في الأمر غموضًا لا يجلوه إلا بيان من «رئيس الوزراء»؛ فمن حق الناس أن يعلموا كيف تُترك إدارة الأمن العام وليس لها مدير، مع ما نعلم من حاجة الأمن إلى عناية لم يحتج إلى مثلها في يوم من الأيام. ومن حق الناس أن يعرفوا طبيعة العمل الجديد الذي سينهض به المدير المندوب في مجلس الوزراء؛ فليس من المعقول، ولا من الأشياء التي تستقيم مع طبيعة الاقتصاد وحاجة مصر إليه، واعتراف الوزارة بهذه الحاجة، أن يُكلَّف موظف من كبار الموظفين عرض الأوراق على «رئيس الوزراء»، وأن يتقاضى على ذلك ألفًا ونصف ألف من الجنيهات. وعند «رئيس الوزراء» مكتبه، ولهذا المكتب رئيس وفيه موظفون، وعند «رئيس الوزراء» السكرتير العام لمجلسه، ومن وراء هذا السكرتير العام جيش لا بأس به من الموظفين.
    ففي الأمر سر يحتاج إلى أن يُحل، و«رئيس الوزراء» و«وزير الداخلية» وحدهما قادران على إظهار هذا السر وحل هذا اللغز، والخير ألا نرجم بالغيب، وأن ننتظر البيان من القادرين عليه. ثم تفرق المتحدثون، وكلهم ينتظر هذا البيان، ولكني أخشى أن يطول انتظارهم، ويطول دون أن يظفروا بشيء.
    [1] كوكب الشرق في ١٢-٩-١٩٣٣.

  • يقظة

    يقظة
    أما أن الوزارة يقظة لا تعرف النوم ، ساهرة لا تعرف الرقاد ، حذرة لا تعرف الإهمال ، متنبهة لا يمكن أن تؤخذ على غرة ، فهذا أمر واضح كل الوضوح ، جلي كل الجلاء ، لا يقبل الشك ولا يحتمل النزاع . وإذا لم يكن بد من أن يقام الدليل على ذلك للمكابرين والممارين مع أن ذلك لا يحتاج إلى دليل فيكفي أن يفكر الناس في أن خصمًا من الخصوم السياسيين للوزارة لا يقول كلمة إلا أحصيت عليه ، ولا يأتي حركة إلا علمت بها الوزارة ، ولا ينتقل من مكان إلا سبقته من عيون الحكومة وأرصادها طلائع وأتباع ، ولا يزوره زائر إلا نمي أمره إلى السلطان ، ولا يتحدث إليه متحدث إلا عرف أمره في ديوان . فإذ كنت تريد بعد ذلك يقظة ، وإذ كنت تريد فوق ذلك تنبهًا وحذرًا فأنت عسير ، لا يعجبك العجب ولا الصوم في رجب . ومع ذلك ففوق كل يقظة يقظة أخرى ، وفوق كل حذر حذر آخر أشد منه وأدق ، وأبلغ في الحيطة وأقطع للشر ، وأحسم للداء . فالوزارة يقظة في المراقبة ولكنها يقظة أيضًا فيما هو فوق المراقبة ، فهي تبذل الممكن لتحول بين الناس وبين خصومها السياسيين ، تفرق هؤلاء الناس عن خصومها بالحار حينًا والبارد حينًا آخر ، وبالفاتر في كثير من الأحيان .
    فأما الحار فهذه العصي والسياط التي تعمل في الجلود . وأما البارد فهذا الماء الذي يتدفق من مضخات الحريق . وأما الفاتر فأشياء بين ذلك ، منها الزجر والانتهار ، ومنها التهديد والوعيد ، ومنها الترغيب والترهيب ، ومنها ما شئت وما لم تشأ مما يطمع ويخيف . ومنها ما أحببت وما لم تحب من القطارات المسلحة والسيارات المصفحة والخنادق المحفورة والأسوار التي ترفع إلى السماء .
    فليس من سبيل إذن إلى أن ينكر منكر أن وزارتنا يقظة كل اليقظة ، حذرة كل الحذر ، متنبهة كل التنبه . وليس من سبيل إلى الشك في أن رئيس وزرائنا كان موفقًا كل التوفيق حين أبرق إلى الديلي تلغراف منذ أيام بأن غيبته عن مصر وإقامته فيها سواء ، لأن السياسة المرسومة لمصر في هذه الأيام تجري وستجري على أحسن ما تجري عليه السياسة .
    فقد مرض رئيس الوزراء وكأنه لم يمرض ، وسافر رئيس الوزراء وكأنه لم يسافر ، ومضت حكومة رئيس الوزراء أثناء مرضه وأثناء سفره على ما كانت تمضي عليه أثناء صحته وإقامته من اليقظة والحذر ، ومن التضييق على الخصوم والمعارضين ، تسلك إليه كل سبيل وتنهج فيه كل يوم نهجًا جديدًا .
    وليس من سبيل إلى الشك في أن رئيس الوزراء يستطيع أن يتمثل الآن قول الشاعر القديم :
    إذا أيقظتك خطوب الزمان فنبه لها عمرا ثم نم
    فهو يستطيع أن يتمثل هذا البيت وأن ينام ملء جفونه ويتنفس ملء رئتيه ويستمتع بالراحة والهدوء طول الصيف فقد نبه عمرًا ، وعمرو هو وزير الداخلية الذي لا ينام ولا خوف عليه من أن ينام .
    ولكن اليقظة الإنسانية محدودة ككل ما يضاف إلى الإنسان ، فقد يستطيع وزير الداخلية أن يأرق الليل والنهار ، ويبذل من الجهد ما لا يبذله غيره في بلد من البلاد ، ثم لا يظفر بعد ذلك بما يحب وما نحب نحن من ضبط الأمن وإقرار النظام وحماية الأنفس والأموال . وليس ينبغي أن يؤخذ وزير الداخلية بهذه الحوادث الكثيرة العنيفة التي تحدث متصلة مطردة في أرض مصر والتي تزهق فيها الأنفس وتسفك فيها الدماء وتكثر فيها الجراحات ، وتنهب فيها الأموال . فوزير الداخلية مهما يكن رجل من الناس ، له قوة المتفوقين وفيه ضعف الناس على كل حال . والله وحده هو القادر على أن يعصم النفوس من أن تزهق والدماء من أن تسفك ، والأموال من أن تسرق ، والحرمات من أن يعتدى عليها لأن الله وحده هو الذي لا يمكن أن يفوته آثم ، ولا يفلت من سلطانه مفلت مهما يكن قويًا ماكرًا .
    وعلى هذا النحو تستطيع كل وزارة أن تعتذر حين تفلت الأمور من يدها ، وحين تتفرق الأمور عليها ، وحين لا توفق من ضبط الأمن وحماية النظام إلى ما تريد . أما في غير مصر فيقبل منها هذا العذر لأنه لا يقدم إلا مقرونًا بشيء آخر ، هو الاعتراف بالضعف والعجز والاستقالة من النهوض بما لا يمكن النهوض به ، والقيام بما لا يمكن القيام به . يقبل العذر ، وتقبل الاستقالة . ويكلف بحماية الأمن والنظام قوم آخرون لعلهم أن يكونوا أقدر على حماية الأمن والنظام ، فإن وفقوا فذاك وإلا قدموا العذر والاستقالة فيقبل العذر والاستقالة مرة أخرى .
    وأما في مصر فالوزارة لا تقدم عذرًا ، ولا استقالة . وإنما يلتمس لها الناس العذر فتقره أو لا تقره ، وترضاه أو لا ترضاه . وثق بأن وزارتنا القائمة لن تقبل هذا العذر الذي تلتمسه لها لأنها لا تسلم ولا يمكن أن تسلم بأن الأمن مضطرب ، وبأن النظام ضعيف وبأن حياة الناس وأموالهم ليست من الصيانة بحيث يجب أن تكون في بلد متحضر يعيش في القرن العشرين ، لن تسلم الوزارة بهذا ، ولن تقبل الاعتذار . فأما الاستقالة فشيء لا يمكن التفكير فيه .
    ومع ذلك فالوزارة نفسها تعترف بهذا العجز وتعترف به على نحو يخيل إلينا أنه لا يليق بالوزارة القوية العزيزة ذات الشأن الرفيع والسلطان المنيع . وأي اعتراف أوضح وأجلى وأشد خطرًا على سمعة الوزارة وسمعة مصر من هذا القرار الذي اتخذه وزير الداخلية منذ أسبوع فألغى به إجازات المأمورين ورؤساء الشرطة في مصر كلها طول فصل الصيف . ومتى اتخذت وزارة من الوزارات مثل هذا القرار في غير أيام الخطر الداهم الذي تتعرض فيه سلامة الدولة وأمنها للاضطراب .
    ولكن الأمر لم يقف عند هذا الحد ، فقد ظهر أن حرمان المأمورين ورؤساء الشرطة حقهم من الراحة أثناء الصيف لا يكفي لتكون يقظة وزير الداخلية مجدية منتجة . وهذه الصحف ذكرت أن المديرين رفعوا من أقاليمهم إلى وزير الداخلية مطالب يلحون فيها أن تزاد قوة الشرطة في الإقليم ، لأن ما بين أيديهم من القوة لا يكفي ولا يمكنهم من حماية الأمن بعد أن كثرت الجرائم في هذه الأيام كثرة خاصة .
    ويظهر أن وزير الداخلية قد عني بهذه المطالب ولكنه عني بها في رزانة وأناة وهدوء فلم يتسرع بإمداد المديرين بما يطلبون إليه من المدد ، وإنما أراد أن يدرس فيتقن الدرس ، ويبحث فيحسن البحث ، ويرسل الإمداد حين يثبت له أن إرسالها أمر لا مندوحة عنه ولا سبيل إلى الإبطاء فيه . وكذلك ألف وزير الداخلية لجنة برئاسة أحد الوكيلين ، برئاسة الوكيل المقيم الذي لم يسافر ليستريح ، وكلف هذه اللجنة أن تدرس اقتراح المديرين وتستعرض أمر الشرطة في كل إقليم وتقيس عدد الشرطة في كل إقليم إلى عدد السكان . وقد اجتمعت هذه اللجنة مرة في القاهرة ، فدرست واستعرضت ، ثم أرجأت الاجتماع إلى يوم يحدد فيما بعد ، وقد يكون هذا الاجتماع في الإسكندرية حيث يصطاف الوكيل ، وحيث يصطاف الوزير . وسينتهي الدرس من غير شك اليوم أو غدًا أو بعد غد إلى أن عدد الشرطة ملائم أو غير ملائم لعدد السكان ، ثم إلى قبول الاقتراح الذي يقدمه المديرون أو الإعراض عنه ، ولكن تنبئنا الصحف في أثناء هذا كله بأن اضطراب الأمن يزداد من يوم إلى يوم ، ويشتد من حين إلى حين ، وهذا نبأ نقرأه صباح اليوم يحدثنا بأن أسرتين اختصمتا في قرية من قرى الصعيد فدارت بينهما رحى القتال كما يقولون ، وأطلق الرصاص ، ولعب السلاح الأبيض ، ولعبت العصي والنبابيت وانجلت الموقعة بعد ساعة عن أربعة قتلى وعن خمسة وعشرين من الجرحى ، بينهم عشرة قد أصيبوا بجراحات خطرة بالغة . ومصدر هذه المعركة – فيما تقول الصحف – ضغائن قديمة بين الأسرتين ، والذين مكن هؤلاء الناس من أن يقتتلوا ويفني بعضهم بعضًا ، هو في أكبر الظن أن عدد الشرطة في ذلك الإقليم وفي ذلك المركز ، وفي تلك القرية لم يكن ملائمًا لعدد السكان . وكنا نحب أن نعرف معنى هذه الملاءمة كيف تكون وبم تتحقق؟ فهل يكفي لكل عشرة من السكان شرطي؟ أم هل يجب لكل مائة من السكان شرطي؟ أم هل يجب لكل ألف من السكان شرطي؟
    مسألة مشكلة تحتاج من غير شك إلى درس طويل ولكن هذا الدرس الطويل لن يسعف المديرين والمأمورين الذين ألغيت إجازاتهم والذين يعجزون عن إقرار الأمن وحفظ النظام .
    ألا يرى وزير الداخلية أن الخير إنما هو في أن يتلمس دواء أسرع وأنجع من المقارنة بين عدد السكان وعدد الشرطة؟ وهذا الدواء نعرفه نحن ، ويعرفه الناس جميعًا ، وتعرفه الوزارة حق المعرفة ، ولكنه لا تريد أن تأخذ شجاعته بكلتا يديها وأن تقدم عليه . هذا الدواء هو الاستقالة . فاستقالة الوزارة وحدها هي التي ترد الأمن إلى الاستقرار وترد النظام إلى الثبات ، لأن ما نحن فيه من فساد ليس مصدره أن بقاء الوزارة قد أفسد الشؤون العامة ، وزعزع ثقة الناس بكل شيء ، وشكك الناس في قيمة الحياة والأموال والحرمات . وإلا فلم يكن عدد الشرطة في عهد الوزارات السابقة أقل ملاءمة لعدد السكان منه الآن . ولم يكن أمر الأمن والنظام فاسدًا كما هو الآن ، ولم يظهر عجز الوزارة عن ضبط الأمن ووضع اليد على المجرمين في سرعة كما يظهر الآن .
    هذا هو الدواء الصحيح ، ولكن قلت لك إن الوزارة لن ترضاه فهناك دواء آخر لا يحسم الداء ولكنه يخفف شره بعض الشيء . وهو أن يسير وزير الداخلية في الناس سيرة زياد في أهل العراق فيشتد على المجرمين ما استطاع ويضمن في الوقت نفسه لمن تقع عليهم الجرائم ما يصابون به من الأنفس والأموال . ومعنى ذلك أن تدفع الحكومة إلى كل أسرة يقتل أحد أبنائها دية القتيل وإلى كل أسرة يجرح أحد من أبنائها دية ما أصابه من الجراحات ، وإلى كل أسرة يسرق منها شيء قيمة ما سرق منها قل أو كثر . فالحكومة – بحكم وجودها – ضامنة للناس الأمن على الأنفس والأموال . فإذ عجزت عن تحقيق هذا الأمن وأبت مع ذلك أن تستقيل فلا بد من أن تعوض على الناس ما يخسرون لعجزها وقصورها . ستقول : وأين تجد الحكومة ديات الذين يصرعون من القتلى والجرحى وقيمة ما يسرق من الأموال والعروض؟ والجواب على ذلك يسير لا ينكره إلا من ليس له قلب يشعر أو عقل يفكر ، فأنا أؤكد أن حياة مصري واحد من هؤلاء الذين يصرعون في كل يوم أحب إلى مصر وأعز عليها وأنفع لها من مؤتمر الطيران ومن مؤتمر البريد ومن مؤتمر السياحة ومن مؤتمر السكك الحديدية ومن مؤتمر الموسيقى الشرقية . حياة مصري واحد أنفع لمصر من هذه المؤتمرات كلها مجتمعة .
    فيجب على الوزارة أن تنصرف عن سياسة المؤتمرات وعن سياسة الدعاية في الخارج ، وعن سياسة الترف كلها وأن ترصد الأموال التي تنفقها في هذه السبيل للتعويض على الأسر التي يقع فيها القتل ، أو تقع عليها السرقة لعجز الوزارة عن حماية الأمن .
    ولعلك توافقني على أن مصر تؤثر ألف مرة ومرة أن تنفق الحكومة على هذه الأسر البائسة وتحميها من الجوع والحرمان على أن تدعو في الشتاء جماعة الممثلين والممثلات ، والراقصين والراقصات لتلهية الأجانب والمترفين في القاهرة . فليفكر وزير الداخلية اليقظ في هذا الاقتراح ، وله أن يعرضه إن شاء على هذه اللجنة التي تقارن بين عدد الشرطة وعدد السكان .
    كوكب الشرق في ٢٦ – ٧ – ١٩٣٣

  • أمن

    أمن
    أما الأمن فمطمئن في مصر أشد ما يكون الأمن اطمئنانًا في بلد من البلاد! وأما النظام فمستقر في مصر أحسن ما يكون النظام استقرارًا في قطر من الأقطار. وليس أدل على اطمئنان الأمن واستقرار النظام من أن رئيس الوزراء يصطاف ويستشفى في أوروبا، ومن أن مدير الأمن العام كان يستريح في رودس وقد عاد ليستطيع وكيل الأمن العام أن يستريح، لا أدري في أي جزيرة من الجزر، أو في أي إقليم من الأقاليم السبعة كما كان يقول الجغرافيون القدماء، ومن أن وكيلًا من وكيلي الداخلية قد سافر ليستريح كما يصطاف وزير الداخلية ويعمل ويستريح.
    ولو قد كانت في مصر آية ولو يسيرة تدل على فساد الأمن واضطراب النظام لاستقر هؤلاء السادة في مدينة القاهرة ليشرفوا من كثب على كل شيء، ويدبروا من كثب كل شيء. وما داموا قد تفرقوا على هذا النحو، وذهبوا في الأرض هذه المذاهب المختلفة فمصر بخير والحمد لله، لا خطر فيها على الأمن ولا على النظام.
    وهناك أخبار تذاع وأنباء تُشاع، والوزارة عنها صامتة ساكتة، ولا تقول ولا تهتم بأن تقول. وأكبر الظن أنها تزدري هذه الأخبار وتحتقر هذه الأنباء، ولا تعني حتى بتكذيبها أو نفيها، فضلًا عن أن تلتمس لها التفسير والتعليل. فالصحف تنبئنا بأن بعض العمد يقتلون على أبواب دورهم آخر النهار وأول الليل فتصطبغ أرض مصر الطاهرة بدمائهم البريئة بينما تودع الشمس آفاق السماء فتترك في مصر حزنًا هادئًا يمتزج به في مصارع هؤلاء الناس حزن عنيف عميق. والصحف تنبئ بأن قومًا يقتلون على الطريق العام وهم عائدون إلى دورهم في الشرقية، لا ينتظرون الموت ولا يخشونه، ولكن الموت كان ينتظرهم ويكمن لهم في بعض الوجوه والأنحاء. والصحف تنبئنا أيضًا بأن قرى تختصم على الري فيطلق بينها الرصاص ويصرع قوم، منهم من يدنو من الخطر، ومنهم من يكاد يدنو منه، ومنهم من تصيبه جراح إن لم تكن مهلكة ولا مشرفة بصاحبها على الموت، فهي مؤذية مؤلمة، مؤذنة بأن الناس لا يتحرجون من أن يتراموا بالرصاص، ويدعو بعضهم الموت إلى بعض.
    ثم تنبئنا الصحف أيضًا بأن وزارة الداخلية التي أذنت لأحد وكيليها بالرحلة وللآخر بالعمل على ساحل البحر، والتي أذنت لمدير الأمن العام بنزهة قصيرة ولوكيله بإجازة لا بأس بها، تنبئنا الصحف بأن هذه الوزارة قد ألغت في القطر كله إجازات المأمورين والذين يشغلون مناصب الحكمدارين. وقد نشرت الصحف هذا النبأ مرة ومرة، فلم تنكره الوزارة ولم تكذبه ولا نصف تكذيب.
    والصحف تنبئنا أيضًا بأن مظاهرات ومناورات عسكرية تنظمها الشرطة في مدينة الإسكندرية فتروع الناس وتلفت نظر الجمهور، وتحمل الإسكندريين حين يرون هذه المظاهرات والمناورات والمصريين حين يقرأون أنباءها على أن يتساءلوا: فيم هذه المناورات والمظاهرات، أو فيم هذا التمرين والتدريب، فيقال لهم – بهذا الفعل المبني للمجهول الذي لا يسمى فاعله: إن هذه المظاهرات والمناورات إنما تجري لتعرف الشرطة كيف تفرق الشعب إذا احتشد، وتقمع المظاهرات الشعبية إذا هم بها الجمهور.
    والصحف تنبئنا بغير هذا، ومن المحقق أن الصحف لا تعرف كل شيء، ولا تذيع كل ما يصل إليها. فهذا كله لا يدل طبعًا على اضطراب الأمن، ولا على فساد النظام. وإنما يدل على أن الأمن مستقر هادئ، وعلى أن النظام مطمئن ثابت ولولا ذلك لما ذهب الوزراء والوكلاء وكبار الموظفين في الداخلية مذهبهم الذي أشرنا إليه في أول هذا الفصل.
    وهناك دليل آخر لا يقبل شكًا ولا ريبًا، ولا يحتمل جدالًا ولا نزاعًا. وهو يثبت لكل ذي عقل – وما أقل أصحاب العقول – أن الأمن لم يطمئن في يوم من الأيام كما اطمأن في هذا الصيف. هو مطمئن اطمئنانًا يدفعه إلى أن ينام ملء جفونه، لا توقظه طلقة نار، ولا وقع عصا، ولا ينبهه اعتداء، ولا ما يشبه الاعتداء. وهذا الدليل الساطع القاطع هو هذا الثناء الجميل الجزيل الذي صاغ منه مكاتب الديلي تلغراف باقة أنيقة رشيقة، وقدمها في ظرف ولطف إلى وزير الداخلية بعد أن نال زملاءه جميعًا وفي مقدمتهم رئيس الوزراء بما يكرهون! فمكاتب الديلي تلغراف يشهد لوزير الداخلية بأنه رجل الساعة، بل رجل اليوم، بل رجل الغد القريب والبعيد، لأنه صان الأمن والنظام، وضبط الأمر فأحكم ضبطه، وأكره الجهات المختلفة على أن تؤمن له بالتفوق والمقدرة والنبوغ!!
    ومكاتب الديلي تلغراف لم يرسل هذا الكلام إرسالًا، ولم يخترعه من عند نفسه اختراعًا. وأكبر الظن أن المصدر الموثوق به الذي أنبأه بأن الوزراء جميعًا يخافون من ظلالهم إلا وزير الداخلية فهو وحده الذي يخيف الناس، وهو وحده الذي يخيف الظلال. وما دام هذا المصدر موثوقًا به فيما تحدث فيه من أمر الوزارة والوزراء، وفيما تحدث فيه من ضياع هيبة الحكومة لأن الوزراء يخافون من ظلالهم، وفيما تحدث فيه من الحماقة وحدها هي التي أقصت عن هذه الوزارة القائمة وزيرين خطيرين، وفيما تحدث فيه من أن التغيير قد أصبح فرضًا مفروضًا وحتمًا محتومًا. ما دام هذا المصدر موثوقًا به أيضًا فيما ألقي إلى مكاتب الديلي تلغراف من الشهادة لوزير الداخلية بالمهارة والبراعة وبالكفاية والنبوغ. وأنا أصدق مكاتب الديلي تلغراف وأصدق المصدر الذي ألقي إليه هذه الشهادة. فوزير الداخلية بارع ماهر من غير شك، ووزير الداخلية كفء نابغة من غير شك. وآية ذلك الآية التي لا ينكرها إلا مكابر يحب المراء، هي أن الظن لم يسوء باطمئنان الأمن واستقراره في مصر كما ساء الآن. فليس مما يدعو إلى حسن الظن باطمئنان الأمن واستقراره أن تذاع أنباء القتل وسفك الدماء جهرة على هذا النحو، وليس ما يدعو إلى حسن الظن باطمئنان الأمن واستقراره أن تلغى إجازات المأمورين ورؤساء الشرطة في جميع الأقاليم، وليس مما يدعو إلى حسن الظن أن لا تكتفي وزارة الداخلية بمنع الاجتماعات السياسية مخالفة في ذلك الدستور، بل تتجاوز ذلك إلى منع الاجتماعات الدينية في المساجد التي أقيمت ليعمرها المسلمون بذكر الله، والتواصي فيما بينهم بالخير والرشد والمعروف. وليس مما يدعو إلى حسن الظن أن ينشط مدير الأمن العام الأوروبي نشاطًا غريبًا لم يعرف من قبل فيزور المدن، ويطوف في الأقاليم على حين يستريح مدير الأمن المصري في رودس أو غيرها من جزر البحر.
    ليس شيء من هذا كله يدعو إلى حسن الظن بثبات الأمن واستقرار النظام واطمئنان الوزارة على ذلك الأمن وهذا النظام، وليس مما يدعو إلى حسن الظن بقوة الحكومة وقبضها على أعنة الأمور كما يقولون أن تحاصر الدور ويراقب أعضاء الوفد والمتصلون به، ويؤخذ الناس من الطريق إلى أقسام الشرطة لأنهم كانوا يمرون قريبًا من دار رئيس الوزراء بالنيابة. بلى، وليس مما يدعو إلى حسن الظن باستقرار الأمن والنظام أن يكون الخطف وتسليح القطارات وحفر الخنادق وتسوير المدن بالتراب والسيارات وسيلة إلى المحافظة على الأمن وإلى إقرار النظام.
    ومع ذلك فهذا كله قد كان، وهذا كله استحدثه وزير الداخلية القائم، فإذا لم يكن هذا كله دليلًا على أن وزير الداخلية القائم قد زعزع رأي الناس من المصريين والأجانب في اطمئنان الأمن، واستقرار النظام، فأي دليل آخر تريد؟
    وإذا لم يكن هذا كله حجة صادقة قاطعة على أن وزير الداخلية القائم قد ظفر بأعظم حظ ممكن من المهارة والبراعة، ومن التفوق والنبوغ فأي حجة أخرى تريد؟ لقد صدق مكاتب الديلي تلغراف وصدق المصدر الذي ألهمه وأوحى إليه، فوزير الداخلية رجل عظيم ولكن عظمته هذه تجعل استقالته كاستقالة زملائه شيئًا مرغوبًا فيه كل الرغبة، بل شيئًا لا بد منه إذا كان يراد بمصر أن يحسن الظن بها وبوزارتها، وألا يُذاع عنها في أقطار الأرض أنها موطن الفزع والخوف وأن الوزراء فيها يخافون من ظلالهم وأن إجازات المأمورين ورؤساء الشرطة فيها تلغى طول فصل الصيف.
    إن الذين يحبون هذا البلد ويحرصون على أن يستقر فيه الأمن حقًا، ويطمئن فيه النظام حقًا، ويعرف الناس عنه أنه بلد الهدوء والسلام خليقون أن يفكروا وأن يسرعوا في التفكير ولا ينتظروا به فصل الخريف، فإن هذه الوزارة لم تبلغ مداها فحسب، بل بلغته منذ زمن بعيد وجاوزته منذ زمن بعيد، وعجزت عجزًا تامًا عن أيسر ما وجدت من أجله الحكومات وهو تأمين الناس على دمائهم وأموالهم، وأصبحت تقبض على أعنة الأمور بيد مرتخية شديدة الارتخاء، ولا تستطيع لها تدبيرًا ولا تصريفًا. وإذا لم تكن هذه الوزارة نفسها محسة لهذا العجز، أو شاعرة به فإن الناس من المصريين والأجانب يعلنون ذلك ويلحون في إعلانه وهي عاجزة حتى عن نفي ما يعلنون.
    أما بعد، فليس يعنينا أن يكون المصدر الذي أوحى إليه موثوقًا به أو مشكوكًا فيه، وإنما الشيء الذي يعنينا ويعني الذين يحبون مصر حقًا هو أن عجز الوزارة قد أصبح أوضح من أن يشار إليه، وأن تغييرها أمر لا بد منه مهما يقل القائلون ويكابرون.
    كوكب الشرق في ٢١ – ٧ – ١٩٣٣

  • قوة

    قوة
    قوة بالغة تمثل عظمة الدولة وجلالها، وعز الدولة وإقبالها، ومجد الدولة واستقلالها في مدينة الإسكندرية حين انتهى إليها أمس رئيس الوفد وصاحبه، وضعف بالغ في بورسعيد يمثل حلم الدولة ورضا الدولة وامتثالها، وصبر الدولة واحتمالها إذ طغى المبشرون واحتال المحتالون، واعتدى المعتدون على الدين والأخلاق، وعلى الكرامة والأعراض.
    أما في الإسكندرية فيضرب الحصار حول المحطة ويحشر الجند والشرطة من داخل المحطة، ولا يؤذن للناس باستقبال زعيمهم إلا بمقدار. فإذا خرج رئيس الوفد وصاحبه من المحطة فحدث عن الجند والشرطة، وحدث عن القوة والبأس، وحدث عن العدد والعدة، وحدث عن أخذ الطرق واحتلال المواقع وصد الجماهير ورد المستقبلين، وحدث عن العصي والسياط، وحدث عما شئت مما يمثل البأس والسلطان والقوة التي لا تشبهها قوة، ولا تبلغ بالجنود مائة ولا مئات، ولا ترتفع بها إلى الألف ولكن ارفع بها إلى الآلاف. ولم يكن في الإسكندرية مع ذلك عدوان على دين ولا اقتراف ولا اجتراح لسيئة، ولا ارتكاب لمنكر، ولا خروج على أمن، ولا إفساد لنظام، وإنما كان زعيمان من زعماء مصر يقصدان إلى مدينة من مدن مصر فيستقبلهما فيها الناس من أهل مصر، ليس في الأمر أكثر من ذلك.
    وأما في بورسعيد فتظهر السياسة والكياسة، ويظهر الهدوء والأناة، ويظهر ضبط النفس وأخذها بالصبر والانتهاء بها من الاحتمال إلى أقصى ما يصل إليه الاحتمال أمام قوم من الأجانب أقبلوا علينا ضيوفاً فأحسنا لقاءهم، وأكرمنا ضيافتهم ومنحناهم الحماية ومنحناهم المعونة، ويسرنا لهم كل شيء، ومهدنا لهم كل سبيل فكافأونا أحسن مكافأة، وجزونا أجمل جزاء، وعمدوا إلى فتياتنا وفتياننا، وإلى رجالنا ونسائنا يغوونهم ويغرونهم ويفتنونهم في دينهم ويكرهونهم على الخروج منه والارتداد عنه إن دعت الحاجة إلى الإكراه.
    ونحس نحن ذلك ونألم له ونشكو نحن من ذلك ونضيق به، ونلجأ نحن في ذلك إلى حكومتنا القوية ذات الحد والجد، وذات العدد والعدة، وذات البأس والسلطان، وذات الحرص الشديد على الاحتفاظ بالكرامة، وحماية الأنفس والأموال وصيانة العقائد والأخلاق والأغراض، نلجأ نحن إلى حكومتنا هذه فنستعديها على ضيوفنا هؤلاء فلا تبلغها أصواتنا إلا بعد الجهد والمشقة ولا تحركها شكاتنا إلا بعد الإلحاح وطول العناء، فإذا بلغتها الأصوات وحركتها الشكوى أظهرت من الاقتصاد في الجهد والاحتفاظ بالرزانة والحلم ما يضرب به المثل وتحسن به القدوة لهذه الأمم الجامحة التي تسمى نفسها أمماً حرة مستقلة.
    هناك تطاول الحكومة وتماطل وتصبر الحكومة وتصابر، وتتكشف الحكومة عن فنون من الذكاء وألوان من سعة الحيلة، لا لتصد هؤلاء المبشرين عن عدوانهم، ولا لتردهم عن طغيانهم، فذلك شيء فوق طاقة المطيق، بل لتنقذ منهم ما يمكن إنقاذه من ديننا وكرامتنا وأخلاقنا وأعراضنا وحريتنا ولنخلص منهم من يمكن تخليصه من أبنائنا وبناتنا في هدوء كامل وسلم شامل ومجاملة موفورة وابتسام حلو جميل. ولا يقف أمر حكومتنا في الهدوء والدعة وفي حب السلم وفي مجاملة المبشرين وملاطفتهم عند هذا الحد فتدع مدارسهم ومعاهدهم قائمة مفتوحة الأبواب، مبسوطة الرحاب لمن يجرهم إليها الإغراء والإغواء، ولكنها تملي لهم وتمد لهم في أسباب العدوان والطغيان حتى يداوروها ويحاوروها وحتى يستأنفوا السعي في استرجاع بعض من أفلت منهم وخرج عن سلطانهم، وحتى يحاولوا تعطيل أحكام القضاء ويعطلوها وقتاً طويلاً أو قصيراً، لا يقف الأمر بحكومتنا عند هذا الحد ولكنه يتجاوزه إلى ما هو أدل على الاتساع وسعة الصدر ورجاحة الحلم، والحرص على مجاملة الأجانب والتلطف لهم، وعلى مصانعة الأجانب والرفق بهم. فقد كتب إلينا كاتب من بورسعيد ينبئنا بأن الحكومة تراقب نفسها بنفسها وتعطل أمرها بأمرها وتغل يدها بيدها. نعم كتب إلينا كاتب ينبئنا بأن الحكومة تأتي هذا في بورسعيد مبالغة في مجاملة الأجانب وغلواً في الاحتياط أن يصيبهم من الحكومة أذى أو ينالهم من الحكومة مكروه.
    زعموا أن وزارة الأوقاف وهي فيما نعلم وزارة من وزارات الحكومة أعدت خطبة منبرية في أمر المبشرين، وأذاعتها على أئمة المساجد لتلقى على المسلمين يوم الجمعة. وفي هذه الخطبة دعوة معتدلة إلى الله، ودعوة مسرفة إلى الحكومة، وتهوين لأمر المبشرين. قالوا: وانتهت الخطبة إلى بورسعيد ووقعت إلى إمام من أئمة المساجد، واستعد الرجل لإلقائها، واستعد المسلمون لاستماعها، ولكن يداً حكومية أخذت في عنف ما أرسلته يد حكومة أخرى، وامتدت يد وزارة الداخلية فأخذت ما أعطته يد وزارة الأوقاف. ولم يستطع الإمام الرسمي أن يلقي الخطبة الرسمية بأمر رسمي، فألقى خطبة ما وسعها الناس وتساءلوا وأكثروا من التساؤل وألحّوا فيه. فلما قُضيت الصلاة ومضى على قضائها وقت طويل رُدّت الخطبة إلى الإمام ليلقيها إن أراد بعد أن فات موعد إلقائها.
    قالوا: وكان الذي مثل وزارة الداخلية في الحجر على وزارة الأوقاف هو الحكمدار الإنجليزي لا المحافظ المصري. قالوا: وأكبر الظن أن هذا الحكمدار الإنجليزي متصل بوزارة الداخلية وبإدارة الأمن العام الأوروبية، ولعل اتصاله بها أن يكون أشد وأمتن من اتصاله بإدارة الأمن العام المصرية. قالوا: ومعنى ذلك أن إدارة الأمن العام الأوروبية هي التي راقبت مسجداً من مساجد المسلمين، وحجرت على إمام من أئمة المسلمين، وتدخلت في أمر من أمور المسلمين، وغُلّت يد وزارة هي أشد الوزارات اتصالاً بحياة المسلمين وشعائر الإسلام.
    قالوا هذا كله وكتبوا إلينا بهذا كله، وأشرنا إلى هذا كله يوم السبت، وسألنا الحكومة أن تكذبه أو تنفيه، فمضى مساء السبت وليله، ومضى نهار الأحد وليله، وانتصف يوم الاثنين ولم تقل الحكومة في ذلك حرفاً، ولم تنف الحكومة من ذلك شيئاً. إما لأن الوزارة كانت مشغولة برئيس الوفد وصاحبه ورحلتهما إلى الإسكندرية واحتشاد الناس لاستقبالهما فيها، وصرف الناس عن هذا الاحتشاد ومراقبتهم حين عجزت عن أن تصرفهم، ومراقبة رئيس الوفد وصاحبه فيما يأتيان من حركة وما يلقيان من خطب. وإما لأن الوزارة نفسها كانت متنقلة إلى الإسكندرية تبدأ عملها في العاصمة الثانية، فكان الوزراء مشغولين عن التبشير والمبشرين، وعن الأئمة والمصلين، وعن الخطباء والحكمدار، بالنظر في مكاتبهم وإصلاح أمرها وترتيب أثاثها ووضع مجالسهم من حيث يقبل الهواء أو يدبر، وبما يتبع ذلك من النظر في بيوتهم ومنازلهم من الفنادق وملاءمة هذا كله لحاجتهم وراحتهم. وأي غرابة في هذا؟ فحاجة الوزراء هي حاجة الدولة، وراحة الوزراء هي راحة الدولة. ومن المعقول أن يُشغل الوزراء ببعض أمور الدولة عن بعضها الآخر. وإما لأن الحكومة لا تجد ما تقول.
    والأنباء التي انتهت إلينا من بورسعيد صحيحة ليس إلى تكذيبها أو نفيها من سبيل. وهذا هو الذي نخافه، وهو الذي نتمنى على الله ألا يكون، فكثيراً جداً على وزارة الداخلية أن تغل يد وزارة الأوقاف إلى هذا الحد، وكان من اليسير، بل كان من اللازم، أن تتفق وزارة الداخلية ووزارة الأوقاف على نص هذه الخطبة قبل أن تُذاع. وأكثر منه أن يكون الحكمدار الإنجليزي قد أتى هذا الأمر من عند نفسه، فراقب وزارة الأوقاف وغَلّ يداً من أيدي الدولة، وتدخل في أمر الدين والحكومة لا تعلم شيئاً من هذا ولا تسمع به. وأكثر من هذا وذاك أن تصح هذه الأنباء وتسكت عليها الحكومة كأنها لم تكن، أو كأنها لا تخالف ما يجب للدولة من كرامة، وما يجب للدين من الصيانة، وما يجب للشعائر من الاحترام. إحدى اثنتين: إما أن يكون هذا النبأ صحيحاً فيجب أن تتخذ فيه الحكومة إجراءً يلائم الكرامة والعزة القومية، أو يجب أن تفسر لنا موقفها منه على كل حال. وإما أن يكون هذا النبأ غير صحيح فيجب على الحكومة أن تكذبه تكذيباً قاطعاً وتنفيه نفياً لا يدع سبيلاً إلى الشك والريب.
    وما نظن الحكومة ترضى أن يعلم الناس عنها بمثل هذا التسليم والإذعان، وما نظن وزير الداخلية يرضى أن يعلم الناس عنه أن موظفاً من موظفيه يأتي مثل هذا الأمر دون أن يرجع فيه إلى الوزير، وما نظن وزير الداخلية يرضى أن يظن الناس به أنه أذن لحكمدار بورسعيد في أن يأتي مثل هذا الأمر، وما نظن وزير الأوقاف يرضى أن تصبح خطب المساجد خاضعة هي أيضاً لمراقبة الإنجليز، ولا سيما حين تكون هذه الخطب صادرة عن الحكومة، لا عن الشعب، ولا عن زعماء الشعب. ومهما يكن من شيء فإنا نستطيع أن نؤكد للحكومة أن قصة هذه الخطبة وغيرها من قصص المبشرين أحق بعنايتها وأولى برعايتها وأجدر أن تشغلها في النهار وتؤرقها في الليل، وأحرى أن تُظهر قوتها وسلطانها من رحلة رئيس الوفد وصاحبه إلى الإسكندرية ومن لقاء الناس لهما بما هما أهل له من تحية تصور حبهم الصادق وإجلالهم العظيم.
    كوكب الشرق، ٣ – ٧ – ١٩٣٣

  • فكاهة

    فكاهة
    لم يشك أحد من أهل «الغربية» في أن لنا وزارة قوية غنية ماهرة تحسن حشد الجند وحصار المدن، واقتحام المواقع الخطرة، ورد الجيوش الزاحفة؛ فقد كانت «الغربية» يوم الاثنين ميداناً لهذه البراعة التي لا حد لها. والغريب أن بلاغ التهنئة لم يصدر بعد من «وزير الداخلية» إلى الجند والشرطة الذين عرفوا كيف يسجلون لأنفسهم ولقادتهم هذا الفوز البارع الذي لا غبار عليه.
    ومن المحقق أن المصريين مطمئنون سينامون ملء جفونهم منذ اليوم؛ فقد ثبت أن لديهم من قوة الدفاع ومن المهارة فيه ما يحميهم من عدوان المعتدين وزحف الزاحفين، فكل دولة كبيرة أو صغيرة تخيل إلى نفسها أنها تستطيع أن تطمع في مصر أو تزحف عليها أو تعبث بحق من حقوقها، فهي واثقة بأنها سترد عن ذلك. وقد خابت الآمال وكذبت الأماني وألم بها الخزي وأظلم في وجهها الزمان. ففي مصر جنود وبنود، وفي مصر قوة وفتوة، وفي مصر قادة يعرفون كيف يدبرون الكر والفر، ويتقنون رد المغير والإحداق به وأخذ الطرق عليه.
    المصريون مطمئنون سينامون ملء جفونهم منذ اليوم، ومن حقهم إذا ناموا أن يحلموا بعظائم الأمور وجلائل الأعمال، ومن حقهم أن يستردوا مجدهم القديم وعزهم التليد، وأن يروا أنفسهم كما كانوا أيام الفراعنة وأيام الفاطميين والمماليك، بل أيام «محمد علي الكبير» غزاة فاتحين وسادة متسلطين يغيرون فينتصرون، ويغزون فيظفرون وتخفق ألويتهم المظفرة على أقطار الأرض مهما تبعد بينهم وبينها المسافات.
    فإن هذا البلاء الحسن البديع الذي أبلاه الجند والشرطة أول أمس في مدينة «طنطا» ومن حولها وفي الطريق بينها وبين «زفتى» وفي الطريق بينها وبين «مسجد وصيف»، خليق أن يعيد تلك الأيام ويصدق هذه الأحلام ويثبت للعالم الحديث ما أثبتناه للعالم القديم من أن قوتنا أعز من أن تغلب وبأسنا أشد من أن يرد، ومن أن الناس إن كانوا يريدون الحياة المطمئنة الآمنة خليقون أن يقدرونا ويحسبوا لنا ألف حساب وحساب.
    ما كان أبرع الشرطة وأمهر قادتها حين أرادوا أن يذودوا رئيس «الوفد» عن «طنطا» فذادوه، وكيف ذادوه؟ تركوه ينزل من القطار ويخترق المدينة من طرف إلى طرف، والناس من حوله يلقونه بما يحبون أن يلقوه به من الحب الصادق والود الخالص حتى إذا مر الرئيس بجماعة فتلقى منهم حبهم وودهم وتحيتهم أقبل الشرطة على هؤلاء الناس فجَزَوْهُمْ على هذا الود والحب والتحية أجمل الجزاء وأمثله، وأصلوهم من عصيهم ناراً حامية تمثل قلوباً قاسية وشجاعة لا يعرفها إلا الأبطال الممتازون. وكذلك زار رئيس «الوفد» مدينة «طنطا» فلقي أهلها ولقوه، وحيا أهلها وحيوه والشرطة تنظر إليه وإليهم ثم تصليهم بعد ذلك أشد العذاب.
    أما على الطريق العام فحدث عن الطلائع السابقة والكتائب المتلاحقة، وعن المناورات والمداورات وعن الخنوع والخشوع إذا أشرف رئيس «الوفد»، ثم عن التجبر والتنمر بعد أن يمضي، حتى إذا بلغ الركب مدينة «زفتى» كانت هناك آية الآيات ومعجزة المعجزات. كان هناك الحصار الضيق والدفاع المتقن، ومظهر العدة والعدد، ومظهر القوة والبأس، ومظهر العظمة والجلال. كانت هناك الاستحكامات التي طوقت بها المدينة تطويقاً؛ فالسيارات على اختلافها ترص رصاً، وتؤخذ بها المنافذ والسبل والخنادق العميقة تحتفر في الأرض والأسوار الهائلة من التراب ترتفع إلى السماء، وقد أخليت شوارع المدينة من أهلها، وأكره الناس على أن يلزموا بيوتهم، وقطعت المواصلات بين هذه المدينة وما يجاورها من المدن والقرى، ثم سلط المصورون على هذه الشوارع الخالية والطرق المقفرة، وأبعد عنها حتى الجند وصورت كما هي خالية من كل إنسان، بريئة من كل حركة؛ لتقدم هذه الصور بعد ذلك إلى الذين يعنيهم الأمر دليلاً على أن رئيس «الوفد» لم يلقَ أحداً، ولم يلقه أحد في هذه المدينة، ولمَ لا؟ لقد لقي الناس في «طنطا» فحسبه ذلك، ويجب أن لا يلقاهم في «زفتى»، ولمَ لا؟ لقد عملت عصى الشرطة في أجسام الناس الذين لم يلقهم رئيس «الوفد» في «زفتى». وكذلك أظهرت القيادة العليا شدة وليناً وقسوة ورحمة وعدلاً وإنصافاً؛ اشتدت على أهل «طنطا» ورفقت بأهل «زفتى».
    وسلكت القيادة العليا هذه الطريق نفسها فتركت الناس يلقون رئيس «الوفد» في «مسجد وصيف» محتاطة لذلك، مبالغة في الاحتياط، قد أرصدت الجند والقطار المسلح وأعدت عصى الشرطة للعمل في الأجسام حتى إذا دنا الركب إلى «بنها» كان الحصار والدفاع، وكان الاستيلاء على الجسور والاحتياط في أخذ الطرق والمسالك. وأي غرابة في هذا؟ أليست «بنها» موقعاً حصيناً، وقلعة عظيمة الخطر، لا ينبغي أن يدخلها العدو أو يدنو منها، وإنما حسبه أن يراها ويدور حولها ويمر بها ولم يظفر منها بشيء!.
    وكذلك مثلت أول أمس هذه القصة المحزنة المضحكة فلقي الناس عذاباً، ولقي الناس ما يضحك ويسري عن النفوس، وكذلك أظهر «وزير الداخلية» وعماله في الأقاليم أن لمصر قوة لا ترد، وشرطة لا تصد، وسلطاناً لا سبيل عليه. ولم يكن ينقص هذه القصة البارعة إلا شيء واحد، كانت في حاجة إليه لتستقيم فصولها ويحسن أثرها في النفوس، وهو قليل من الحياء. ماذا أقول؟ يظهر أني لا أحسن فن التمثيل، ولا أعرف من أصوله شيئاً، فلو قد دخل عنصر الحياء في هذه القصة ولو بمقدار يسير ضئيل لما حوصرت مدينة هادئة مطمئنة هذا الحصار، ولما سلط عليها مئات من الجند، ولما حفرت في أرضها الخنادق ولما أقيمت حولها أسوار التراب. لو دخل عنصر الحياء في هذه القصة لما استطاع وزير أن يأمر بذلك، ولما استطاع مدير أن ينفذ ذلك، ولما استطاع ضابط وشرطي أن يعملا في تنفيذ ذلك ولحرم النظارة من أهل «الغربية» أن يشهدوا هذا المنظر البديع، مشهد الدولة المصرية كلها تعلن في إقليم من أقاليمها شيئاً يشبه حالة الحرب وترصد بأسها وقوتها وجندها وشرطتها للمحافظة على أمن لم يتعرض لخطر ولإقرار نظام لم يتعرض لاضطراب، ولاتقاء رجلين اثنين أعزلين يزوران قوماً عزلاً، لا حظّ لهم من سلاح، ولا رغبة لهم في كفاح.
    نعم لو دخل عنصر الحياء في هذه القصة لحرم النظارة من أهل «الغربية» تمثيل هذه القصة الرائعة، ولحرم القراء من أهل مصر قراءة هذه القصة والعلم بما أحرزت من فوز، ولحرم الشرق والغرب العلم بمغزى هذه القصة والاعتبار بما تدل عليه من أن أهل مصر ما زالت بحمد الله قوية فتية يجب أن تخاف ويجب أن يحسب لها حساب. فالحمد لله الذي قدر لهذه القصة ما قدر لها من فوز فأشعر المصريين بقوتهم، وأشعر الناس ببأس المصريين. والحمد لله الذي أتاح لرئيس «الوفد» وصاحبه أن يعلما ما كانا يجهلان، ويرَيا بأعينهما ما كانا يجحدان؛ فقد ثبت بالدليل القاطع والبرهان الساطع أن الروح الوطني في مصر قد مات موتاً لا رجعة بعده ولا بعث. مات فما يخفق به قلب وما ينبض به عرق وما يحسه إنسان.
    مات وأصبح حديثاً من أحاديث التاريخ وآية ذلك أنهما مرا بإقليم من أقاليم مصر، أو إقليمين أو أقاليم فلم يرهما أحد، ولم يريا أحداً إلا هذه الجنود المجندة التي لم ترسلها الدولة إلا لتظهر لهما شيئاً من الحفاوة اليسيرة. وأي غرابة في أن يتفضل المنتصر الظافر على المنهزم المغلوب بشيء من التحية وقليل من الحفاوة؟ إنما أرادت القيادة العليا في ظفرها وفوزها أن تقدم لخصومها المنهزمين تحية إن دلت على شيء فإنما تدل على الظرف والعطف وحسن الرعاية للمغلوبين الذين ألقوا السلاح.
    تسألني بعد ذلك متى يتيح الله لمصر حظاً من الجد، ويصرف عنها بعض هذا الهزل الذي أغرقت فيه، فلا تتعجل ولا تضجر فعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم. لا تضق بهذا الهزل فإن فيه تسلية للهموم وتلهية عن الكروب. ولو قد حُرمت مصر هذا الهزل، ولو قد صرفت عن مصر هذه الدعابة لضاقت بما يلقى أهلها من آلام وبما يقترف فيها آثام وما يصب عليها من مكروه. ولكانت نتيجة هذا الضيق خطراً كبيراً وشراً مستطيراً.
    فالحمد لله الذي رزق مصر وزارة، لا كالوزارات، تجرح باليمين وتأسو بالشمال؛ تصب العذاب من ناحية وتهون وقعه بالدعابة من ناحية أخرى وتجعل حياة المصريين مزاجاً معتدلاً من الجد والهزل، ومن الشدة واللين. فتأخذها بالبأس وتعينها على احتمال البأس حتى يأتي اليوم الذي تنجلي فيه الغمرة، ولعل هذا اليوم أن يكون قريباً.
    كوكب الشرق في ٢١ – ٦ – ١٩٣٣.

  • مؤتمر

    مؤتمر

    يُقال إن أمس كان يُسمّى يوم الجمعة، ويُقال إن هذا اليوم يوم مشهود عند المسلمين، تُقام فيه الصلاة العامة إذا كان الظهر. ويُقال إن لهذه الصلاة العامة في هذا اليوم خطرًا ليس لغيرها من صلوات الظهر في كل يوم. أُمر المسلمون أن يسعوا إليها وأن يدعوا البيع والتجارة وغيرهما من المصالح التي تمس مرافق الحياة على اختلافها. ويُقال إن التقاليد الإسلامية أرادت أن تعنى الدول الإسلامية عناية خاصة بهذه الصلاة، فيشهدها أولو الأمر، وكانوا هم الذين يقيمونها عادة في العصور الإسلامية الأولى.

    كل هذا يُقال، وكل هذا يُدرّس في الأزهر الشريف، وكل هذا يعرفه المسلمون جميعًا إذا بلغوا سن الرشد ووجبت عليهم الصلاة. وكل هذا تؤمن به مصر الرسمية والشعبية معًا، لأن الدين يأمر به، ولأن الدستور ينص على أن الإسلام دين الدولة.

    وقد تقرأ صحف اليوم التي صدرت في الصباح فترى أن رجلًا من الناس يُقال له مصطفى النحاس كان يشهد هذه الصلاة في مسجد من مساجد المسلمين الجامعة. فحُشدت له الجنود حول المسجد، وحُشدت له الجنود داخل المسجد، لأن هذا الرجل لا يكاد يذهب ولا يكاد يجيء حتى تضطرب له الوزارة، وتخاف من ذهابه وإيابه على النظام واستقرار السلام؛ فهي مضطرة أن تتبعه بالجند إذا قام، وهي مضطرة أن تحرسه بالجند إذا نام، وهي مكرهة على أن ترصد له الجند إذا صلى، وهي مكرهة على أن تراقبه إذا صام.

    وهي لذلك قد حشدت الجنود حول المسجد أمس، وهي لذلك تمنع جماعة من المسلمين من أن يشهدوا صلاة المسلمين، ويؤدّوا فرضًا فرضه اللّٰه على المسلمين، لأنها تخاف هذا الرجل على المسلمين. وبينا كان هذا الرجل يصلي، وقد رُصد له الجند داخل المسجد وخارجه، في أيدي فريق منهم السياط، وفي أيدي فريق منهم العصي، وفي قلوبهم جميعًا — في أكبر الظن — تحرّق على أن يؤدّوا الصلاة، وتخلُص ضمائرهم لله ساعة من نهار؛ كان جماعة من وزراء الدولة، وجماعة من نواب الدولة، يشهدون في دار من دور الدولة مؤتمرًا عظيم الخطر، بعيد الأثر، لم يكن بد من انعقاده أمس، ومن انعقاده في هذه الساعة، ومن انعقاده في هذه الدار، لأن حياة المسلمين كانت رهينة به، ولأن صلاح أمر المسلمين كان موقوفًا عليه.

    أظنك قد عرفت هذا المؤتمر، وأظنك قد فطنت للموضوعات الخطيرة التي كان يدرسها ويجادل فيها، ولا يحاول أن ينتهي بها إلى حلٍّ تصلح له حياة المسلمين بعد فساد، وتستقر له نفوس المسلمين بعد اضطراب…!

    فإن لم تكن قد عرفت هذا المؤتمر، وفطنت لموضوع بحثه الخطير، فلعلك تتنبه له حين تعرف أن وزير التقاليد كان يشترك فيه، وحين تعرف أن وزير الأوقاف كان يشترك فيه أيضًا، وحين تعرف أن زعيم المعارضة الرسمية وأصحابه المعارضين الرسميين كانوا يشتركون فيه أيضًا. فهو إذن مؤتمر المؤيدين والمعارضين، انعقد صباح أمس ليمحو ما ثار بين الفريقين من شر، ويزيل ما شجر بين الفريقين من خلاف.

    وأنت توافقني على أن الخصومة بين المؤيدين والمعارضين في مجلس النواب خطر على أمن الدولة، واستقرار النظام فيها، فيجب أن يفرغ لها الوزراء والنواب، وأن يفرغ لها بنوع خاص وزير التقاليد ووزير الأوقاف؛ فإلى أولهما تربية الشباب وتعويده أن يقدم مصالح الدولة على كل شيء، وإلى ثانيهما بمقتضى النظم الجديدة أن يشرف على الأزهر الشريف، ويسير به في هذه الطريقة القويمة التي تقدّم مصالح الدولة على كل شيء!

    وأنت توافقني على أن تقديم مصالح الدولة على كل شيء يقتضي أن تُختار الساعة التي اختيرت أمس لإزالة الخلاف الذي شجر أول من أمس بين المؤيدين والمعارضين في مجلس النواب، والجمعة تُصلّى في كل أسبوع، فإن فاتت يومًا فقد لا تفوت في يوم آخر. ولكن الخلاف لا يشجر بين المؤيدين والمعارضين في مجلس النواب في كل أسبوع؛ فليس من بأس على وزراء الدولة ونواب الدولة أن يفرغوا لمحو الشر إذا ثار — وقلما يثور — ولإزالة الخلاف إذا شجر — وقلما يشجر. وكذلك كانت تُرعى مصالح الدنيا والدين أمس…!

    وزراء التقاليد والأوقاف والزراعة يمحون الشر، ويزيلون الخلاف بين النواب. ووزير الداخلية يرصد الجنود داخل المسجد الجامع وخارجه ليراقب رجلًا يصلي مع الناس هو مصطفى النحاس. فأما رئيس الوزراء فمريض يستريح. وأما بقية الوزراء فعلمهم عند اللّٰه وعند أنفسهم. وقد أدى كلٌّ عمله؛ فأما الوزراء والنواب فمحوا الشر وأزالوا الخلاف، وردّوا الأمر صفوًا كما كان. وأما الجند فحاصروا وظاهروا. وأما النحاس فصلّى وعاد إلى داره موفورًا.

    وفيم يطمع المصريون بعد هذا؟ وقد صلحت أمور دينهم، وصلحت أمور دنياهم، وجرى كل شيء على أحسن حال، كأنما كنا ملهمين حين كنا نكتب أمس أن ما شجر من خلاف بين المؤيدين والمعارضين لا خطر له ولا شر فيه، وأن الذين يكبّرون من أمره، ويعظّمون من شأنه، ويعقدون به الآمال الطوال، والأماني العراض، يغلون ويسرفون. فالكثرة في مجلس النواب أحرص من أن تغضب القلة، والقلة في مجلس النواب أبرع وأمهر من أن تمضي في الغضب إلى أمد بعيد.

    كنا ملهمين حين كتبنا هذا أمس؛ فقد كان الخصام بين المختصمين أقصر من أن يتصل أيامًا، وأيسر من أن يحتاج إلى الجهد الطويل لعلاجه وإزالة أسبابه. فما هي إلا أن يكون التمهيد في جلسات سرية تعقد بين عضو وعضو، وبين نائب ووزير، ثم يكون المؤتمر العام يجتمع فيه المغضبون والمسترضون؛ فيعتب أولئك ويعتذر هؤلاء، ويتفق أولئك وهؤلاء جهرة على ما اتفقوا عليه خفية: وهو أن تُكتب صيغتان، يتلو إحداهما رئيس المجلس معتذرًا عن الكثرة، ويتلو الأخرى زعيم المعارضة معلنًا رضى القلة. وإذا تُليت الصيغتان فقد صفا كل شيء، وعاد الأمر بين المعارضين والمؤيدين إلى مثل ما كان عليه من نصر الوزارة وشدّ أزرها؛ أولئك ينصرونها بالتأييد، وهؤلاء ينصرونها بالمعارضة!

    وتسألني بعد ذلك عن ميزانية الأشغال: كيف أُقرّت بما فيها من الملايين في أقل من ساعتين؟ وكيف أُقرّت دون أن يدرس المجلس تفصيلها؟ وكيف أُحيلت إلى مجلس الشيوخ ولم يصوّت عليها إلا خمسة وثلاثون من النواب؟

    وتسألني بعد ذلك عن استجواب المستجوبين، وسؤال السائلين، وعن خزان جبل الأولياء: أتأذن ميزانية الدولة بإقامته أم لا تأذن؟ أتحمل خزانة الدولة نفقاته أم تعيا بتحملها؟ وتسألني بعد ذلك عن مذكرة وكيل المالية في شأن الخزان، ورأي المستشار المالي في أمر هذا الخزان: أيعرفها المجلس أم يجهلها؟ أيظهران أم يستتران؟

    تسألني عن هذا كله فلا أجد مشقة ولا عسرًا في الإجابة، لأن أمر هذا كله يسير، أيسر جدًا مما تظن. ذهب هذا كله لأن الصلح قد تم بين المؤيدين والمعارضين في هذا المؤتمر الذي عقده الوزراء والنواب ضحى أمس في الدار الفرعونية. وهم إنما عقدوا مؤتمرهم هذا، في ساعتهم هذه، في يومهم هذا، في مكانهم هذا، ليذهب هذا كله ولينساه النواب، ولينساه الناس جميعًا.

    فليس من الخير للوزارة ولا للبرلمان ولا للمصريين أن يعود الحديث في الخزان، والناس جميعًا يعلمون أن إقامة هذا الخزان أمر يتجاوز طاقة الدولة في هذه الأيام. وليس من الخير لأحد أن تُحرج الوزارة فتُظهر مذكرة وكيل المالية ورأي المستشار المالي؛ فمن الأسرار ما لا يجوز إظهاره في حال من الأحوال! وليس من الخير لأحد أن يُعاد النظر في تفصيل ميزانية الأشغال بعد أن لفّها رئيس مجلس النواب لفًّا وخطفها خطفًا؛ فقد يكون في النظر في هذا التفصيل ما يثير القال والقيل! وليس من الخير لأحد أن يعترف رئيس مجلس النواب على نفسه بمخالفة النظام، وإحالة الميزانية إلى الشيوخ قبل أن يقرّها النواب. ليس شيء من هذا كله خيرًا؛ وإنما الخير كل الخير أن يُسدل الستار على ما كان، وأن يعود المجلس إلى سيرته الهادئة المطمئنة، راضيًا عن نفسه وعن الوزارة، مرضيًا من نفسه ومن الوزارة!

    وأما الذين كانوا يدورون حول هذا الخلاف، وينتظرون منه الأزمة الخطيرة التي قد تقلب كل شيء رأسًا على عقب، وقد تضطر الوزارة إلى الاستقالة، وتمهد للعهد الجديد والوزارة المقبلة، فقد يتجرعون شيئًا من خيبة الأمل…! ولكنهم قد تعودوا هذه المرارة؛ فما أكثر ما أملوا، وما أكثر ما خابت الآمال، وما أكثر ما تمنّوا، وما أكثر ما كذبت الأماني! ذلك أن الآمال التي تُعقد بغير الشعب لا خير فيها، والأماني التي تُناط بغير الأمة لا خطر لها.

    وليس من شك في أن الوزارة القائمة ستستقيل، ولكن ليس من شك في أن الذي سيضطرها إلى الاستقالة ليس هو البرلمان ومن فيه من مؤيدين ومعارضين. ولعل الشيء الوحيد الذي يريح مصر مما تلقى، ويزيح عنها همّ الوزارة القائمة، إنما هو الصبر لها، والثبات لما تسلط على الناس من شر ظاهر، وكيد خفي. أما الأمة فصابرة ثابتة، لا يعرف اليأس ولا الضعف إليها سبيلًا. فهل للمتعجلين أن ينظروا إليها، ويجدوا فيها الأسوة الصالحة والقدوة الحسنة…؟

    كوكب الشرق ١٥ – ٤ – ١٩٣٣