هدوء …
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
١٤ أبريل ١٩٤٦
أُلقي الستار وتفرَّق الممثلون الذين كانوا يلعبون قصة العاصفة في نيويورك، وتفرق النظارة أيضًا، وجعل كل منهم يستأنف شيئًا من هذه الحياة الفارغة المريحة؛ ليسترد شيئًا من نشاطه، وليستطيع استئناف النظر إلى الفصل الجديد الذي يتهيَّأ له الممثِّلون، والذي سُيرفع عنه الستار في أول الأسبوع المقبل.
ولعل القرَّاء يثقون الآن بأن أصحاب السياسة، وأصحاب الحرب في الحياة العالمية، لا يستطيعون في هذا الطور من أطوار الحياة الإنسانية إلا أن يمثلوا، فهم قد عملوا حتى أتعبوا أنفسهم وأتبعوا الناس في الأعوام الستة الماضية، وآن لهم أن يريحوا أنفسهم ويريحوا الناس أعوامًا تكثر أو تقل قبل أن يستأنفوا عملًا جديدًا.
وقد قلت في هذا الموضوع غير مرة إن كل ما يحدث في السياسة العالمية الآن ليس إلا تمثيلًا، وأول الحرب كلام، وآخر الحرب كلام أيضًا. فلنقل إن العالم الآن يتكلم ليختم الحرب العالمية الثانية، لا ليبدأ الحرب العالمية الثالثة، فما زال بيننا وبين هذه الحرب الثالثة أمدٌ بعيدٌ، ومن يدري لعله أن يكون أبعد مما نظن ومما يقدِّر المتشائمون. والشيء المهم هو أن الفصل الثاني من قصة العاصفة الإيرانية قد انتهى بسلام، وانتهى كما قدرنا في الأسبوع الماضي أنه سينتهي؛ فقد أعلن الروسيون والإيرانيون أنهم قد وصلوا إلى الاتفاق، واطمأنَّ مجلس الأمن إلى ذلك بعد أن ملأه الخوف وتملَّكه الذعر، وكان من نتائج اطمئنانه أنه أجَّل القصة إلى الشهر المقبل. ولكن علامَ اتفق الروسيون والإيرانيون؟ على شيئين واضحين، وعلى أشياء يكتنفها كثير من الغموض، فأما الشيئان الواضحان فهما أن يجلو الروسيون عن إيران بغير قيد ولا شرط أولًا، وأن تنشأ شركة روسية إيرانية لاستغلال منابع البترول في بعض أجزاء إيران.
فالجلاء شيء واقع لا شك فيه، وهو غير مشروط ولا مُقيَّد، ولكن الاتفاق على إنشاء شركة البترول شيء واقع لا شك فيه أيضًا، وقد تمَّ قبل أن يتحقق الجلاء، وأخص ما تمتاز به السياسة أنها تحب الجمع بين المتناقضات، ولا تضيق بالتناقض كما يضيق به المنطق. فهل كان من الممكن أن يجلو الروسيون عن إيران لو لم يتحقق الاتفاق على إنشاء شركة البترول؟ وفيمَ كان تأخير الجلاء عن موعده في الثامن من شهر مارس إلى الرابع والعشرين من شهر مارس أيضًا! ألم يكن تأخير الجلاء نتيجة لتأخر الاتفاق على إنشاء شركة البترول؟ ألم يكن بدء الجلاء نتيجة لتحقق الاتفاق على إنشاء هذه الشركة؟ وإذن فقد أخذ الروسيون يجلون بغير شرط ولا قيد بعد أن حققوا ما كانوا يريدون من الشروط والقيود.
وقد يعجز المنطق عن فهم هذا التناقض، ولكن السياسة تُسِيغه ولا ترى به بأسًا. وكان البريطانيون والأمريكيون، ومن ورائهم أو من أمامهم مجلس الأمن، يخافون كلَّ الخوف من أن يتم اتفاق بين روسيا وإيران، وأن يكون للضغط الروسي أثرٌ في إتمام هذا الاتفاق. فما ينبغي بعد انتصار الديمقراطية، وتحقق العدل والمساواة بين الشعوب الكبيرة والشعوب الصغيرة أن يتخذ الضغط وسيلة إلى إكراه الشعوب على ما لا تحب؛ فقد اطمأن البريطانيون والأمريكيون، واطمأنَّ معهم مجلس الأمن، على أن روسيا لم تُكْرِه إيران على شيء، ولم تتخذ الضغط وسيلة إلى إتمام الاتفاق على إنشاء شركة البترول، والدليل على ذلك أنها أجَّلت الجلاء ثلاثة أسابيع؛ حتى إذا اطمأنَّت إلى أن شركة البترول ستنشأ من غير شك أخذت في تحقيق الجلاء.
ومهما يكن من شيء فقد ظفرت روسيا بما كانت تريد؛ فهي لم ترد قط أن تحتل إيران، وإنما أرادت أن تؤمن حدودها، وأن تشارك في استغلال البترول الإيراني. وتأمين الحدود لا يكون باحتلال إيران، وإنما يكون بالاتفاق معها، واستغلال البترول لا يستلزم الاحتلال الدائم، وإنما يستلزم الاحتلال إلى أن يتمَّ الاتفاق عليه. ومن أجل ذلك قلنا إن الاتفاق الذي تَمَّ بين روسيا وإيران واضح من بعض جهاته، غامض من جهات أخرى … واضح من حيث الجلاء واستغلال منابع البترول … غامض من حيث تأمين الحدود واستقلال أذربيجان. فماذا تمَّ بين الدولتين في هاتين المسألتين …؟ أهناك اتفاق عسكري بين روسيا وإيران يؤمن روسيا على حدودها؟ أهناك اتفاق على أن تستقل أذربيجان استقلالًا ذاتيًّا؟ أهناك امتيازات أخرى لروسيا لم يذع أمرها في الناس بعدُ؟
هذه هي المسائل الغامضة التي لا تزال تحتاج إلى شيء من التوضيح، ولأجل هذا نستطيع أن نقول إن البريطانيين والأمريكيين ومجلس الأمن مطمئنون قلقون في وقت واحد، وما ينبغي أن تعجب لهذا التناقض، فقد قلت لك إن السياسة لا تحب شيئًا كما تحب التناقض. البريطانيون والأمريكيون ومجلس الأمن مطمئنون؛ لأن الجيوش الروسية تجلو بالفعل عن أرض إيران، ولأن الاتفاق على إنشاء شركة البترول قد تَمَّ في حدود الدستور الإيراني، ولكنهم قلقون؛ لأنهم يخشون أن يكون وراء هذا كله أشياء يجهلونها، وهم لا يريدون أن يجهلوا شيئًا، ولذلك أُجِّلت القصة الإيرانية إلى الشهر المقبل، ولم تُستبعد من جدول الأعمال.
ولم ترضَ روسيا عن هذا الإجراء، فقد يجب أن يظل الباب مُغلقًا أو مفتوحًا، فأما أن يظل شيئًا «بَين» ذلك لا هو بالمغلق ولا بالمفتوح، فهذا هو الأمر الذي لا يُطاق؛ لأنه يضع دولة عظيمة موضع الشك، ويعلق على رأسها سيفًا قد لا يكون قاطعًا وقد لا يكون مخيفًا، ولكن تعليقه مُهِين على كل حال.
وكذلك استطاع الممثلون بين الفصلين أن يُهيِّئوا أنفسهم للفصل الذي سيُرفع عنه الستار في أول الأسبوع المقبل؛ فقد طلبت روسيا استبعاد القصة الإيرانية من جدول الأعمال، ويظهر أن البريطانيين والأمريكيين يأبون ذلك، ولأولئك وهؤلاء علل ومعاذير، ولكن العلة الصحيحة هي أن الحليفين السكسونيين يجمعان بين الاطمئنان والقلق، فيقبلان التأجيل ولا يقبلان الاستبعاد. وأغرب ما في الأمر أن سفير إيران يمانع في الاستبعاد، ويكتفي بالتأجيل مع أنه قد أعلن تمام الاتفاق بين الحكومة الإيرانية والحكومة الروسية. وأشد من هذا غرابة أن يقول ناطق بلسان الحكومة الإيرانية في طهران إن السفير الإيراني لم يصدر في موقفه هذا الجديد عن تعليمات أرسلت إليه من حكومته، وإذن فما زال الأمر مختلطًا، وسيجد مجلس الأمن أمامه مادة حسنة للتمثيل … ستلحُّ روسيا في طلب الاستبعاد، وسيلح الإنجليز والأمريكيون في رفض هذا الطلب. ومن يدري لعل الرفيق جروميكو أن ينسحب من المجلس مرة أخرى.
على أن قصة أخرى تُهَيَّأُ بين الفصلين، وهي ليست أقلَّ غرابة من القصة الإيرانية؛ فقد قررت الديمقراطية المنتصرة أن تمحو الفاشية من كل مكان، وقررت هيئة الأمم المتحدة في لندرة أن النظام القائم في إسبانيا مناقض للديمقراطية، وأن إسبانيا لا تستطيع ما دامت محتفظة بهذا النظام أن تقبل في هيئة الأمم المتحدة. ولكن هناك أممًا تغلو في ديمقراطيتها، وتريد أن تأخذ القرارات الديمقراطية على أنها جد لا لعب. وقد همَّت فرنسا أن تكون من هذه الأمم، فطلبت في كثير من الاعتدال أن تقطع العلاقات السياسية مع الحكومة القائمة في إسبانيا، ولكن طلبها هذا لم يعجب الإنجليز أو الأمريكيين، فطلبت أن يُعْرَضَ الأمر على مجلس الأمن، ولكن طلبها الثاني رُفض كما رُفض طلبها الأول؛ فأقبلت بولندا ومن ورائها روسيا بالطبع تعرض القصة بالفعل على مجلس الأمن، فإذا قُبل طلب بولندا فقد وافقت الديمقراطية نفسها، ومضت بقراراتها إلى غايتها، ولكنها تتدخل في شئون الشعوب المستقلة، وتُعرِّض مصالح اقتصادية خطيرة بعضها إنجليزي وبعضها أمريكي لخطر عظيم، وتؤيد نفوذ الديمقراطية المتطرفة في غرب أوروبا، وتفتح للشيوعية أبوابًا كانت مغلقة، ومفاتيحها بيد الجنرال فرانكو. وإذا رُفض الطلب البولندي، فستغضب روسيا، وستغضب بولندا، وستغضب فرنسا أيضًا، وستناقض الديمقراطية نفسها، وتظهر أنها عابثة لا جادة في محاربة الفاشية.
وكذلك يرى القُرَّاء أن لدى مجلس الأمن ما يشغله ويشغل الناس معه في الجلسات المقبلة التي سيرأسها مندوب مصر. ولا بد للساسة من أن يتكلموا ويشغلوا مسرح السياسة بالحركة والنشاط.
ولا بد للعالم من أن يتفرَّج بالنظر إلى ما يجري على هذا المسرح. وإلى أي حال يصير العالم لو سكت الساسة وسكنوا؛ فلم تجد الإذاعات ما تشغل به الراديو، ولم تجد البرقيات ما تملأ به الصحف، ولم يجد الكُتَّاب ما يطالعون به القُرَّاء.
على أن هناك أشياء تجري على هامش مجلس الأمن تمهيدًا لعرضها على هذا المجلس بطريقة أو بأخرى، فالقصة اليونانية لم تنتهِ بعد أن تمت الانتخابات، ولكن نصف الشعب اليوناني ينكرها، ونصفه الآخر يعرفها، واستقال الوصي على عرش اليونان، ولكن الإنجليز يودُّون لو استبقى وصايته، وأمضيت معاهدة شرق الأردن ولكن الشعوب العربية ليست راضية عن هذه المعاهدة، وستبدأ المفاوضات بين مصر وبريطانيا العظمى، ولكن نتائج هذه المفاوضات قد لا تُرضي المصريين. وقد أخذ الروسيون يُذِيعون أنهم يجلون عن البلاد التي حرروها في آسيا وأوروبا، ويطالبون بأن تجلو بريطانيا وأمريكا عن البلاد التي حررت أو أعانت الحلفاء على الحرب.
وكذلك يبدو الجو السياسي هادئًا كلَّ الهدوء في هذه الأيام، ولكنه الهدوء الذي يسبق العواصف. وهذه العواصف نفسها لا ينبغي أن تُخِيف؛ لأنها لن تعدو أن تكون عواصف كلامية؛ حتى تسترد الشعوب قوتها، وتستريح من أثقال الحرب. والشيء المهم آخر الأمر هو أن مجلس الأمن سيعمل وسيقول، وأن الراديو سينشط وسيذيع، وأن البرق سينتشر في أقطار الجو فيملأ الصحف خلافًا وخصامًا، وسيكتب الكُتَّاب، ويخطب الخطباء في البرلمانات، ويخرج العالم من أزمة ليدخل في أزمة أخرى حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا، والأمر المفعول الذي ينتظر العالم أن يقضيه الله عز وجل هو أن يتبيَّن خطأ المتنبي حين قال:
والظلم من شيم النفوس فإن تجدْ ذا عفة فَلِعِلَّةٍ لا يظلمُ
Tag: political analysis
-
هدوء …
-
صبريات
حديث الوادي
صبريات . . .
وزير ماليتنا النابغة، صبري بك بين اثنين، فأما أن يكون ساذجاً طيب القلب، مسرفاً في السذاجة وطيبة القلب، يصدق أن المصريين أمام القانون سواء، ويؤمن بأن المساواة في البلاد الديمقراطية حق شائع بين الناس جميعاً، لا فرق في الاستمتاع به، بين الكبير والصغير، وبين الغني والفقير، وبين الممتاز وغير الممتاز. وهو من أجل هذا، يذيع بين المديرين في الأقاليم منشوراً حازماً، يأخذهم فيه بأن يتقاضوا ضرائب الدولة من الذين أبطأوا في أدائها، أو التووا بها مهما يكونوا، وكانت الأنباء قد ارتفعت إلى وزيرنا النابغة، بأن مئات الألوف من ضرائب الدولة لا تزال نائمة مستريحة عند جماعة من كبار الملاك. وأعضاء الهيئات النيابية لا يقدمون على تأديتها من تلقاء أنفسهم، ولا يقدم عمال الدولة على أن يتقدموا إليهم في هذا الأداء. فلم يرد وزيرنا النابغة أن تكون إليه أمور الضرائب، وأن يرضى بجمعها من الفقراء، وصغار الناس، وتركها تنام وتستريح عند الأغنياء، وكبار الملاك، وهؤلاء الذين ميزتهم ظروف الحياة، فجعلتهم أعضاءً في الهيئات النيابية، فأذاع منشوره الحازم البديع.
فإذا كان وزير ماليتنا النابغة من السذاجة وطيبة القلب بحيث يصدق هذا كله، ويقدم على ما أقدم عليه مخلصاً فيما أظهر من الحزم والعزم، فأني أسف أشد الأسف أن طلبت إليه اليوم قبل أن يطلب إليه ثلاثة وثلاثون من النواب، بعد يومين أو ثلاثة أيام أن يستقيل. فلسنا في زمن ينهض فيه بأعباء الحكم أصحاب السذاجة وطيبة القلب، الذين يصدقون ما يوضع في الكتب وتجرى به أقلام الناس، حين يتحدثون في الحرية والإخاء والمساواة. وإنما نحن في زمن قد التوت فيه ظروف الحياة التواءً شديداً، ولم يبق بد للوزراء من أن يكون لهم حظ موفور من المهارة واللباقة، وحسن الفهم لحقائق الأشياء، والقدرة الكاملة على أن يدوروا مع الأيام، وعلى أن يؤمنوا بالمساواة جهرة، ويكثروا الحديث عنها، كلما سنحت الفرصة، وكلما لم تسنح الفرصة. فإذا خلوا إلى أنفسهم وإلى أصدقائهم وإلى أنصارهم لم يترددوا في الإيمان بأن هذا كلام يقال للناس، ويذاع فيهم، فأما عند التنفيذ، فالأمر مختلف أشد الاختلاف. وعلى غير هذه القاعدة لا يستقيم الأمر للوزراء، ولا لكبار الموظفين. وأما أن يكون وزير ماليتنا ماهراً قد فاق
الناس جميعاً في المهارة، وبارعاً قد بذ الناس جميعاً في البراعة، فهو يرى في العدل والإخاء والمساواة، مايراه الساسة والأساتذة المحنكون في هذه الأيام، ولكنه على ذلك قد اتخذ ما اتخذ من الإجراء، وأذاع منشوره الذي أذاعه، بخطة دبرها في نفسه، وأمر أضمره في سره. وهو فيما يظهر نظر أن المساواة في هذه الأيام، ليست متحققة بين المصريين، وأن الحياة السياسية المصرية في هذه الأيام خليقة أن لا ترضى أحداً. وأي دليل على ذلك أوضح وأنصع من أن يعيش الناس في ظل الدستور والقانون، ثم تجري الأمور بينهم معكوسة، فيؤخذ ضعاف الناس بالعنف والقسوة، على حين يمهل الأقوياء إهمالاً، وتمد للممتازين أسباب المماطلة والالتواء. فإذا كانت هذه حال الوزير، فأني أطلب إليه، قبل أن يطلب إليه ثلاثة وثلاثون نائباً بعد يومين أو ثلاثة أيام، أن يستقيل. فلا ينبغي أن ينهض بالحكم في هذه الأيام، رجل يأتمر بطبيعة الحياة، والظروف السياسية في هذه الأيام. ولا ينبغي أن ينهض بأعباء الوزارة رجل يتخذ من الإجراءات ما يفسد الأمر على الوزارة، ويصرف عنها كبار الملاك وأعضاء الهيئات النيابية.
وزير المالية إذن خليق أن يستقيل في كلتا الحالتين، خليق أن يستقيل إن كان ساذجاً، لأن أصحاب السذاجة لا يصلحون للحكم، وخليق أن يستقيل إن كان ماكراً، لأن المكر لا يباح لرجال الحكم، إلا أن يصب على خصوم الوزارة صباً، ويرسل عليهم إرسالاً، ويخلق لهم من المشكلات وصنوف الكيد ما يضطرهم إلى الحرج الذي لا يشبهه حرج.
ومع هذا فلن يستقيل وزير المالية، إلا أن تستقيل الوزارة كلها، ولن يدع وزير المالية منصبه الخطير، إلا أن يدع قوم آخرون مناصبهم الخطيرة. ذلك أن العهد الذي كان يضيق فيه رئيس الوزراء بالوزير، فيستقيل ليخرجه من وزارته، ثم يجدد تأليف الوزارة، أو الذي كان يضيق فيه رئيس الوزراء بالوزير فيقيله، ويختار له خليفة ووارثاً. هذا العهد قد مضى وانقضى بنزول صدقي باشا عما كان في يده من السلطان. وأصبحنا في عهد لا يسمح لرئيس الوزارة مجالاً بأن يحتمل أثقال الوزارة كما هي. أو أن يدع هذه الأثقال فيريح ويستريح. وما دام وزير المالية لن يقدم استقالته من تلقاء نفسه. فهو آمن من أن يكره على الاستقالة اكراهاً من قبل رئيس الوزراء، ولا سيما إذا لاحظنا أن رئيس الوزراء، قد لا يكون أقل من زميله وزير المالية إيثاراً لتحقيق هذا النوع من المساواة، سذاجةً منه أو سياسة. وليس على وزير المالية بأس من عرض الثقة يوم الاثنين. فقد أخذت بعض الصحف تذيع أن الكثرة من أعضاء مجلس النواب لا تميل إلى خذلان الوزير، ولا إلى تأييد هذه القلة التي تخاصمه، وتريد أن تخلص منه. ولعلك تذكر أن بعض الشعبيين خطبوا في اجتماع لحزب الشعب، فلاموا الوزارة وغلوا في لومها، لأنها لا تراعي أنصارها كما ينبغي، ولا تمدهم من المودة والعطف بمثل ما كانوا يظفرون به من قبل. فلم يزد رئيس الوزراء على أن أعلن أن الوزارة تحقق المصالح العامة، في غير تحيز ولا محاباة أو كما قال.
ومعنى هذا كله، أن طوارئ قد طرأت، تجعل من العسير على الوزارة أن تمنح الأنصار والأولياء ما كانوا يمنحون من قبل، فليست هي قادرة منذ اليوم على أن ترضيهم، وهي بالطبع عاجزة كل العجز عن أن ترضى خصومها، ومعارضيها. أفظن أن ذلك ينتهي إلى ما يجب أن ينتهي إليه من استقالة الوزارة. لأنها عجزت عن إرضاء الأصدقاء والخصوم معاً؟ كلا. فغضب خصوم الوزارة على الوزارة لا يكفي لإسقاطها، وآية ذلك أنه قائم منذ وثب صدقي باشا إلى الحكم، وأنه لم يسقط صدقي باشا، ولا خليفة صدقي باشا، وغضب أنصار الوزارة أنصار الوزارة لن يسقطها لأن هؤلاء الأنصار سيغضبون في أنفسهم، وسيتحدث بغضبهم في الأندية والمجالس، ولكنهم لن يغضبوا رسمياً، ولن يبدوا صفحتهم للوزارة، ولن يعدلوا عن موقفهم الذي وقفوه منذ أول هذا العهد، وهو موقف الثقة والتأييد، ذلك لأن ماش خير من لاش، ولأن الحياة السياسية الحاضرة لا تستطيع أن تستمر إلا إذا بقيت كما هي، لا يمسها تغيير ولا تبديل ما. سقوط وزير المالية يستتبع سقوط الوزارة كلها، وسقوط الوزارة كلها يستتبع ارتباكاً قد يغير الأمور كلها تغييراً خطيراً. فلتبق الأمور إذن كما هي، ولتمض الأمور إذن كما تمضي حتى تستطيع الظروف أن تنكشف عما تريد لمصر وحتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً وهنا تظهر الصبريات البارعة حقاً.
فمنشور وزير المالية تحد حازم لحياتنا السياسية الحاضرة. هو إنكار لهذه الحياة وخروج عليها، من رجل كان ينبغي أن يكون لها عماداً وقواماً. وستضطر الحياة الحاضرة إلى أن تحتمل هذا الوزير الذي ينكرها، وتؤيد هذا الرجل الذي يخاصمها، وتستبقى وزير المالية الذي يتحداها، وستطلب القلة من النواب إلى وزير المالية أن يعتذر، فيأبى وزير
المالية أن يعتذر. وستطلب القلة نزع الثقة من هذا الوزير، فتأبى عليها الكثرة ما تريد. ويبقى وزير المالية، ويبقى منشوره الذي يطالب بالجد في جباية الضرائب من الذين تأخروا في أدائها، التووا به، من بين كبار الملاك، وأعضاء الهيئات النيابية. ثم سيزعم بعض الناس أن الوزارة قد أخذت تصلح ما أفسد، وتقوم ما أعوج، وأنها ستستمد من هذا الإصلاح، وهذا التقويم، قوة تمكنها من البقاء. أما نحن فلانشك في أنها لن تستمد من موقف وزير المالية إلا ضعفاً يفسد عليها الأمر إفساداً. ذلك أن مصر في حاجة إلى الإصلاح حقاً، وأن هذه الوزارة القائمة، وهؤلاء الذين ينصرونها ويؤيدونها، ليسوا رجال الإصلاح المنشود، ولا يقدرون عليه، لأنهم لم ينهضوا له، وإنما نهضوا لشيء آخر كانوا غارقين فيه إلى آذانهم. فمن العسير، بل من المستحيل، أن ينقلبوا فيصبحوا رجال الإصلاح الذي تريده البلاد.
[طه حسين]
حديث الوادي، ٨ يونية ١٩٣٤. -
خطيب …
حديث المساء: خطيب …
طه حسين
كوكب الشرق
٢١ فبراير ١٩٣٤
أيهما أبرع في الإقناع وأقدر عليه، وأمهر في اختلاب النفوس، واستلاب العقول، واستهواء القلوب،
واستباء الألباب، وتصوير الأشياء بهذه الصور القوية الرائعة البارعة، التي لا يحسها الإنسان إلا
استسلم لها، وآمن بها، واطمأن إليها، وألقى بين يديها كل سلاح؛ أهو رئيس وزرائنا الرجل الطيب
الذي سحر مجلس النواب أمس واسترهبه؛ حتى آمن بأن ميزانية وزارة الخارجية حق يجب إقراره والإذعان
له والموافقة عليه، أم هو كاتب الشعب الذي سحر صباح اليوم قُرَّاءَه الكثيرين أو القليلين،
واسترهبهم، واضطرهم جميعًا — ونحن منهم مع السرور — إلى الإيمان بأن رئيس الوزراء خطيب لا
يُشقُّ له غبار، ولا تُطفأ له نار، ولا يطلع له نهار؟ فنحن في حقيقة الأمر حائرون دائرون بين
الرجلين البارعين: بين رئيس الوزراء الذي انهزم له المعارضون جميعًا أمس، وكاتب الشعب الذي آمن
له الكُتَّاب جميعًا اليوم.
ومن الحق أن نلاحظ أن بين هذين الرجلين البارعين فروقًا قد لا يصح أن تُهمَل حين يُراد الحكم
بينهما، وتقديم أحدهما على الآخر في سحر البيان.
فلرئيس الوزراء من الأدوات والوسائل ما يعينه على أن يسحر العقول، ويخلب الألباب، ويُفْحِم
الخصوم، ويقهر المعاندين؛ فهو رئيس الوزراء، وله من صفته هذه جلال ليس لغيره من الناس، فكلمته
تزن عشر كلمات، وصوته يزن عشرة أصوات.
وهو إن خطب قبل أن يتولى الرياسة، أو خطب بعد أن ينزل عن الرياسة، لم يبلغ من إقناع الخصوم
وإفحام المحاورين إلا عشر ما يبلغه حين يخطب وهو رئيس الوزراء.
ورئيس الوزراء رجل طيب، ولطيبة الرجال الطيبين أثر بالغ في إقناع المحاورين، وإفحام
المجادلين، واضطرار الخصوم إلى التسليم؛ لأن هذه الطيبة بطبعها بركة تذلل المصاعب تذليلًا،
وتمحو العقبات محوًا، وتجعل صاحبها قديسًا أو كالقديس، ثم هذه الطيبة تفعل في العقول فعلًا
غريبًا، فتحملها على حسن الاستعداد لتصديق ما يقوله الرجل الطيب والإيمان له؛ لأن الرجل الطيب
إذا تكلم لم يقل إلا حقًّا، أو ذلك شأن الرجل الطيب.
والرجل الطيب كذلك موفق لا يخطئ، ولا يتعرض للخطأ؛ لأن طيبته تعصمه من الخطأ أو التعرض للخطأ،
فإذا عُلِمَ ذلك من أمره كانت النفوس إلى تصديقه أسرع، وإلى الانقياد له أميل، وعن الشك فيما
يقوله أبعد.
فإذا أضفت إلى هاتين الصفتين صفات الظرف والرشاقة والخفة واللباقة، ثم أضفت إلى هذه الصفات
كلها صفة البراعة في البيان، والاستئثار بالقوة في فن الخطابة، استطعت أن تتعرف الخصال التي
تفوق بها رئيس الوزراء أمس؛ فأقنع النواب بأن ميزانية وزارة الخارجية حق لا ينبغي أن يمسه الشك،
أو يرتفع إليه الجدال.
ومن هنا لا ينبغي أن تدهش حين تلم بالصور الخطابية الرائعة التي استعان بها رئيس الوزراء أمس
لإقناع الخصوم، وإفحام المعارضين، فتراها في نفسها يسيرة ضئيلة ليس من شأنها أن تقنع، وليس من
شأنها أن تفحم، ولكنها على ذلك قد أقنعت وأفحمت، وحققت لرئيس الوزراء من إقرار ميزانيته ما كان
يريد، ومَنْ الذي يُقَدِّر أن مقارنة ما ننفقه نحن على وزارة الخارجية بما تنفقه بولونيا أو
تشكوسلوفاكيا أو ما شئت من دول أوروبا كافية في نفسها لإقناع الناس؛ لأن ما ننفقه لا يجاوز
الطاقة، ولا يزيد على ما ينبغي أن ننفق، ولكنها صفات رئيس الوزراء ومزاياه، وكلماته التي تعدل
كل واحدة منها عشر كلمات، ونبراته التي تعدل كل واحدة منها عشر نبرات، وحركاته التي تعدل كل
منها عشر حركات، وصوته الذي يعدل عشرة أصوات، واستعداد النواب للتأثر البليغ العميق بهذه
الكلمات والنبرات، وبهذه الحركات، وبهذا الصوت.
كل ذلك هَيَّأَ لرئيس الوزراء ما ظفر به من الفوز أمس، ومهد الطريق لميزانية وزارة الخارجية
فمرت من مجلس النواب بسلام.
أما كاتب الشعب فليس له شيء من كل هذه المزايا: ليس رئيس وزراء، وليس رجلًا طيبًا كرئيس
الوزراء، وليس له من الظرف والرشاقة، ولا من الخفة واللباقة مثل ما لرئيس الوزراء، وإنما هو رجل
مثلك ومثلي يقول كما تقول، وكما أقول، ويكتب كما تكتب، وكما أكتب.
فكلماته ككلماتنا، ونبراته كنبراتنا، لا تَعْدِل كل واحدة منها اثنتين، فضلًا عن أن تعدل
عشرًا، وصوته كأصواتنا لا يعدل عشرة أصوات كصوت رئيس الوزراء؛ وهو مع ذلك قد استطاع أن يقنع
قُرَّاءَه الكثيرين أو القليلين، وأنا منهم، بأن رئيس وزرائنا خطيب، خطيب لا كالخطباء العاديين
الذين نسمعهم ونعجب بهم ونتأثر بما يقولون، خطيب لا كصدقي باشا، فقد كان صدقي باشا رجلًا هادئًا
إذا خطب لا يعتمد إلا على جراءته المعروفة، وكان لا يحسن اختيار الكلام، وكان يخدع سامعيه
بابتسامته التي لا تسحر إلا حين يكون رئيسًا للوزراء.
خطيب لا كزعيم المعارضة، وإن كان يذهب مذهب زعيم المعارضة في مجلس النواب؛ فيقارن بين مصر
وأوروبا، ولكن زعيم المعارضة رجل معتدل المزاج، مقتصد في الصوت والحركة.
خطيب لا كعبد الحميد أفندي سعيد؛ لأنه لا يغلي ولا يفور، ولا يضطرب ولا يثور كعبد الحميد
أفندي سعيد، ولكن رئيس وزرائنا مع ذلك خطيب أخطب من هؤلاء جميعًا، وممن هم فوق هؤلاء جميعًا،
وممن هم دون هؤلاء جميعًا.
ليس كالحجاج ولا كزياد؛ لأن هذين الخطيبين كانا إلى البداوة أقرب منهما إلى الحضارة، وكانا لا
يحسنان اللغة الفرنسية، إنما كانا يُلِمَّان بها إلمامًا خفيفًا جدًّا، وكانا لا يُحْسِنَان
إخراج الباء مخرجها الباريسي العذب.
خطيب لا كبريكليس وديموستين وسيسيرون؛ لأن هؤلاء جميعًا قدماء لم يحسنوا من فنون الخطابة ما
أحسنه المحدثون.
رئيس وزرائنا خطيب لا يُشبَّه به إلا اثنان؛ أحدهما: خطيب الثورة الفرنسية ميرابو، والآخر
خطيب الجمهورية الفرنسية الثالثة فلدك روسو، ووجه الشبه بين خطيبنا المصري وبين الخطيبين
الفرنسيين، أن خطيبنا كميرابو في أن الإعجاب به موقوف على رؤيته والاستماع له، كما قالت مدام دي
ستال، فأنت تستطيع أن تعجب به من قرب، فأما من بعد فذلك شيء آخر. والغريب أنك تستطيع أن تعجب
به، ولكنك لا تستطيع أن تنقل إعجابك إلى غيرك؛ لأنه إعجاب يفوق الوصف، وهو إعجاب يفوق لأن رئيس
وزرائنا كميرابو خطيب يفوق الوصف.
ورئيس وزرائنا كفلدك روسو في أنه بركان يغطيه الثلج، وليس هو كأخي الخنساء علم في رأسه نار؛
فأنت إذا رأيت رئيس الوزراء أو تحدثت إليه أو سمعت له وهو يبدأ خطبته لم تُفْتَن به، بل طمعت
فيه، واستهنت بقوته، فإذا ثار واستجمع للهجوم تساقطت الألفاظ من فمه كما يتساقط الصخر الملتهب
من فم البركان؛ ولذلك طمع فيه المعارضون أمس، فلما همَّ بهم وهجم عليهم خافوا أن تصيبهم صخرة من
هذه الصخور الملتهبة؛ فولوا الأدبار، ولاذوا بالفرار، وسلمت لوزارة الخارجية ميزانيتها، فعبرت
مجلس النواب رشيقة حسناء تخطر وتتبختر حتى بلغت مجلس الشيوخ!
أرأيت إلى ما بين هذين الرجلين البارعين من الفروق: رجل له حظه من البيان، ولكن له أدوات أخرى
ووسائل تمده وتواتيه وتعينه على الفوز؛ وهو رئيس الوزراء، ورجل آخر لا حظ له من الأدوات
والوسائل إلا أن يكون النبوغ الذي لا حد له، واللسان العضب، والقلم السيال؛ وهو كاتب الشعب!
وكلا الرجلين قد ظفر بما كان يريد، فأما رئيس الوزراء فأنقذ ميزانية الخارجية من الخصوم
والماكرين! وأما كاتب الشعب فأثبت أن رئيس الوزراء خطيب لا يشبه به إلا ميرابو وفلدك
روسو!
ألست توافقني على أن كاتب الشعب أدنى إلى البراعة، وأعظم حظًّا من المهارة، وأشد استيلاء على
أَعِنَّةِ البيان من رئيس الوزراء؟ أما أنا فمؤمن لهما جميعًا بهذه البراعة النادرة، والمهارة
الباهرة، وكيف لا أؤمن بالبراعة والمهارة لمن ينقذ الميزانية من النواب، وكيف لا أؤمن بالبراعة
والمهارة لمن يثبت أن رئيس الوزراء خطيب لا يشبه به إلا ميرابو وفلدك روسو؟!
وكيف لا أهدي إلى الرجلين جميعًا أجمل الشكر وأعذب الثناء؟! فإن حديثهما لذيذ عذب، وألذ وأعذب
من أحاديث السياسة والتعليم والاقتصاد!
وبعد، فماذا تنتظر مصر وقد جمع الله لها في شخص رجل واحد بين ميرابو وفلدك روسو؟ وماذا تنتظر
مصر، وما لها لا تطلب إلى فرنسا، ثم إلى أوروبا، ثم إلى العالم كله الاعتراف لها بالزعامة في
الخطابة بعدما سبَق مِن الاعتراف لها بالزعامة في السياسة؟! -
شك …
حديث المساء: شك …
طه حسين
كوكب الشرق
١٥ ديسمبر ١٩٣٣
يظهر أن الجيش المنتصر لم يطهر الميدان، ولم يُحْسِن إخلاءه من العدو، كما أنه لم يمعن في تتبُّع المنهزمين، ولم يجرد الأسرى من السلاح، وإنما أسكره الظفر، وصرفته نشوة الانتصار عن الحذر والحيطة، واضطرار العدو إلى العجز المطلق، الذي يحرمه كلَّ حركة وكلَّ نشاط. ولولا هذا لما ظهر صدقي باشا في الميدان متحدثًا إلى الصحف على استحياءٍ، مدافعًا عن نفسه في تردد، متعرضًا لقصة الكورنيش كأن أحدًا قد عرض له في قصة الكورنيش. ولولا ذلك لما أصبح الناس اليوم، وإذا صحيفة جديدة تطلع عليهم مع الشمس، وتذكر صدقي باشا في برٍّ ورفق، وفي تمدُّح وفخار، وتذكر خصوم صدقي باشا في حدَّة وشدة، وفي لوم عنيف، وتقريع مخيف، فهذا وذاك يدلان دلالة واضحة جلية على أن انتصار الوزارة لم يكن مؤزَّرًا، وفوزها لم يكن شاملًا، وعلى أن الميدان، إن خلا لها في البرلمان من صدقي باشا، فهو لم يخلُ خارج البرلمان، فصدقي باشا ما زال يتَّصل بالصحف، ويتحدَّث إليها، غامزًا لامزًا، مشيرًا ملمِّحًا، يدافع اليوم ليهاجم غدًا، وصدقي باشا ما زال قادرًا على أن يَجِدَ صحيفة تَذُود عنه وتحميه، وتهاجم خصومه وتلحُّ عليه في الهجوم، وتُؤْوِي فلول المنهزمين؛ تجمعهم من كل صوب وتَلُمُّ شعثهم بعد التفرق، وتحاول — ومن يدري لعلها توفق! — أن تُكوِّن منهم جيشًا إن لم يكن قادرًا الآن على الهجوم الخطر، فهو قادر في كل حال على أن يضايق الخصم، وينغص عليه الحياة.
وأكثر من هذا أن ميدان البرلمان نفسه لم يخلُ للوزارة فيما يظهر ولم يصفُ لها الجوفية كما كانت تريد. فهؤلاء فريق من النوَّاب الشعبيين والاتحاديين قد تمرَّدُوا أمسِ على الوزارة، فانتخبوا من لم تكن تريد أن ينتخبوا، وتمردوا على الحزبين الشقيقين، فانتخبوا من لم يرضَ عن ترشيحهم الحزبان الشقيقان. رفعوا راية التمرد جريئة خفَّاقة فأقصوا مرشح الوزارة والحزبين إقصاءً، وأعرضوا عنه إعراضًا، ووضعوا مكانه رجلًا آخر يسمي نفسه مستقلًّا. ثم لم يكفهم أن ينتهي يوم التمرد إلى هذا الحد، بل أمعنوا في الخروج، وغَلَوْا في الخلاف، فأدخلوا الشقاق في حزب الشعب، وكان رئيس الوزراء يظنُّ أنه خرج من حزب الشعب يوم خرج منه صدقي باشا، أدخلوا الشقاق، ووضعوا بإزاء مرشح الوزارة والحزب رجلًا آخر من الحزب لم ترشحه الوزارة ولم يرشحه الحزب، والغريب أنهم كانوا يفوزون أمس في هذه الحركة، وينتصرون في هذه الموقعة، ويكفل الفوز المبين لفريق من حزب الشعب على فريق، ومما لا شك فيه أن هذا الهجوم الفجائي، وهذا الانتصار على غير انتظار قد فتح للروع بابًا إلى بعض القلوب، وفتح للغضب والحنق بابًا إلى بعضها الآخر، فقومٌ طلبوا إعادة الانتخاب، وقومٌ ألحُّوا في تعجيل الإعادة، وقومٌ ألحوا في تأجيلها، وقومٌ تنكروا، وقومٌ تنمَّروا، وقوم ضعفوا، وقوم دب إليهم اليأس، وتسلَّط عليهم الخذلان، وقومٌ ملكوا أعصابهم، واحتفظوا بالحلم والأناة، وسعوا بين النواب باللوم والعتاب، حتى لفتهم نائبٌ إلى وجوب أن يحترم الدستور، وألا يعتدى على الضمائر.
كل هذا غريبٌ، وكل هذا طبيعي، وقد تنكر أن يكون الشيء غريبًا وطبيعيًّا في وقتٍ واحد، ولكنك خليق أن تذكر أنك في مصر، وفي بيئة خاصة من البيئات المصرية، وأن اجتماع النقائض وائتلاف الأضداد شيء مألوف في مصر، وفي بعض البيئات المصرية بنوعٍ خاص.
غريبٌ جدًّا أن تنهزم الوزارة في انتخاب الوكيلين بعد أن انتصرت في انتخاب الرئيس، ولكن هذا الشيء الغريب طبيعي في الوقت نفسه؛ لأن الوزارة حين انتصرت على خصمها لم تحسن تطهير الميدان، ولم تستوثق من أن الخصم قد أصبح عاجزًا لا يقدر على شيء.
وكذلك استطاع الناطقون بلسان صدقي باشا أن يعودوا إلى الوزارة بعد أن فروا منها، وأن يذكروا لها التقاليد والدستور، ويلفتوها إلى الذوق وما يشبه الذوق، ويشجعوا عليها الذين انصرفوا عنها أمس، وسيمضون في ذلك غدًا وبعد غدٍ، حتى تكون الموقعة الثانية بين العبفتيين والصدقيين في مجلس النواب، فينتصر فيها مرشح الحكومة المنتصرة، أو يظفر فيها مرشح الصدقيين المنهزمين: فليس ينبغي للوزارة أن تلوم إلا نفسها؛ فهي التي لم تحسن الحرب، ولم تُجِد التدبير، وهي التي غرَّها بقوتها الغرور، فتركت نفسها تلدغ من جحر مرتين حين صدقت أن صدقي باشا يعتزل السياسة، ويكفُّ عن المناوأة متى استقال.
والواقع أن أمور الوزارة وأمور صدقي باشا لا تخلو من غرابة واضطراب، ولعل الإنجليز مسئولون بعض الشيء عن تلك الغرابة وهذا الاضطراب. فقد أظهر صدقي باشا أنه اعتزل السياسة حين استقال من رياسة الحزب ومن مجلس النواب، وسافر إلى الإسكندرية، ليستريح فيها أيامًا، وقال أو أذن لمن قال إنه سيعود من الإسكندرية ليستريح في تلك الدار التي شهد فيها هزيمته الأخيرة، حين دعا إليه النواب فلم يستجب له إلا القليلون.
وبينما هو في الإسكندرية وإذا الصحف تتحدث فجأة بأنه سيعود إلى القاهرة ليشرب الشاي مع المندوب السامي المنقول، وفهم الناس أنه شاي الوداع. ولم لا يفهمون هذا وقد أزف الرحيل، وأخذت الأسباب تتقطع بين المندوب السامي وأمور مصر، كما تقطعت بالفعل بين الدكتاتور وبين هذه الأمور، ولكن الوداع نفسه لا يخلو من دلال، ولا سيما عند فريق من الناس الذين يستخرجون شيئًا من لا شيء، ويقدرون أن الإنجليز لا يهملون السياسة حتى في أوقات الوداع. وصدقي باشا من هؤلاء الناس ولا سيما في هذه الأيام التي هو فيها أشبه شيء بالغريق يلتمس ما يتعلَّق به، ولو كان واهيًا رثًّا، فليس ما يمنع، بل هناك ما يرجِّح أن قدح الشاي الذي شربه عند المندوب السامي يوم الثلاثاء قد رد إليه نفسًا من حياة، وشعاعًا من أمل، وخيِّل إليه أنه قادر على أن يستأنف النشاط، ولكن في أناة وتمهل وحذر، حتى يأذن الله له بالهجوم، والغريب أنه شرب قدح الشاي يوم الثلاثاء وأعطى بيانه للأهرام يوم الأربعاء. وإن الصحيفة التي تنطق بلسانه في أكبر الظن كانت تريد أن تصدر يوم الخميس، فآثرت أن تصدر يوم الجمعة، ومعنى ذلك أنها لو صدرت يوم الخميس لما تحدثت في السياسة إلا حديث المنهزمين المضطرين إلى الفرار، فأما إذا صدرت يوم الجمعة بعد أن يفتح البرلمان ويكون الانتخاب في مجلس النواب، فقد تستطيع أن تقول شيئًا يغيظ الخصوم، ويمهِّد للهجوم. وكذلك كل ما قدرت فظهرت اليوم وفيها حديث عما أصاب الوزارة أمس من هذه الهزيمة المضحكة.
فأنت ترى أن الأمور ليست من الصفو للوزارة وأنصارها بحيث يظنون، أو بحيث يقولون، وأن صدقي باشا — وإن كانت حياته السياسية قد ختمت بالقياس إلى الشعب، وبالقياس إلى جد الأمر — ما زال قادرًا على أن ينغص الحياة على قوم كانوا يظنون أن قد صفت لهم الحياة، وأكبر الظن أن الذين زعموا أن صدقي باشا سيناوئ الوزارة في البرلمان وهو بعيد عن البرلمان كانوا أعلم بالرجل من خصومه الوزراء. وإنها لوزارة ضعيفة جدًّا مسرفة في الضعف، هذه الوزارة التي يستطيع أن يكيد لها ويشتطَّ عليها رجل قد فرغ الناس منه وفرغ هو من نفسه. وإنها لوزارة ضعيفة جدًّا هذه الوزارة التي يستطيع أن ينغص عليها رجل كصدقي باشا، ويضطرها إلى أن تنظر أمامها فلا ترى إلا شكًّا، وأن تنظر وراءها فلا ترى إلا شكًّا، وأن تنظر من يمين وشمال فلا ترى إلا شكًّا، وأن تقتنع بأن الشك قد أخذها من كل مكان، وأن تشغل بهذا الشك عن اليقين وتنفق ما تملك من قوة وجهد لتخلص من صدقي باشا حين كان صدقي باشا ظاهرًا في الميدان، ومن ظل صدقي باشا أو من ظلاله بعد أن استخفى صدقي باشا من الميدان، وما رأيك في وزارة ستنفق ما بقي من أيامها في محاربة الظلال؟