Tag: Political apathy

  • جوع وأحاديث

    جوع وأحاديث

    طه حسين

    مجلة المصور

    ٢١ نوفمبر ١٩٤٧

    جوع وأحاديث! … فنحن أفصح الناس كلامًا، وأرفع الناس صوتًا، وأبرع الناس في الحركات والتمثيل … ونحن مع ذلك مضرب المثل في البؤس والجهل والمرض، والتهافت في الموت كما تتهافت الفراش في النار! …

    لا يغضب المواطنون الأعزاء أن نشق عليهم في القول، ونُعنِّف بهم في الحديث؛ فقد يجب أن يُقال الحق وإن لم يبلغ من نفوسهم موضع الرضا، وقد يجب أن يُقال الحق وإن بلغ من نفوسهم موضع الغضب وأثار في قلوبهم موجدة وغيظًا.

    والمواطنون الأعزاء قد تعودوا أن يُكال لهم المدح كيلًا، ويُهال عليهم الثناء هيلًا؛ حتى رضوا عن أنفسهم أعظم الرضا، وسخطوا على غيرهم أشد السخط، وناموا ملء جفونهم والأحداث لا تنام، وعاشوا ساهين لاهين تتخطفهم النوائب وتعبث بهم الخطوب، فلا يُغيِّر ذلك من رأيهم في أنفسهم وحياتهم شيئًا؛ لأنهم قد أَلِفوا الرضا عن أنفسهم، والاطمئنان إلى حياتهم؛ فأصبح من أعسر العسر أن نخرجهم من هذا الرضا أو نزعجهم عن هذا الاطمئنان …

    ولا بدَّ مع ذلك من أن يبصروا بحقائق الأمر، ومن أن يُخرَجوا من رضاهم، ويُزعَجوا عن اطمئنانهم، ويعلموا أنهم يعيشون أبغض العيش، ويحيون أبشع الحياة. وإن هذا المثل العربي القديم الذي اتخذته عنوانًا لهذا الحديث لم يُوضَع إلَّا لهم، ولم يُضرَب إلَّا فيهم، ولم يُصوِّر إلَّا ما دأبوا عليه وتورطوا فيه من كلامٍ كثيرٍ لا يغني، وعملٍ قليلٍ لا يفيد!

    ولعل المواطنين الأعزاء قد فطنوا ليومين من أيام الأسبوع الماضي، كان أحدهما عيد الجهاد والآخر عيد الهجرة، وكان من قبلهما يوم له في حياتهم خطره الخطير وشأنه العظيم، وهو يوم افتتاح البرلمان!

    ولعل المواطنين الأعزاء قد لاحظوا أن هذه الأيام الثلاثة قد انقضت كما تنقضي غيرها من أيامهم المتصلة التي يتبع بعضها بعضًا، ويشبه بعضها بعضًا كما تشبه قطرة الماء قطرة الماء، حتى كأن أيامهم على اختلافها وتعاقبها يومٌ واحدٌ!

    مضت هذه الأيام الثلاثة كما يمضي غيرها من أيامهم: كلامٌ كثيرٌ، وعملٌ قليلٌ، واضطرابٌ في غير حركة، ونشاطٌ في غير إنتاج، وجعجعةٌ في غير طحن، ورضا بعد ذلك عن النفس، واطمئنان بعد ذلك إلى هذه الحياة المطردة المملة التي لا تنفع الناس ولا تنفع أصحابها، والتي لا تُغْنِي عن الناس ولا عن أصحابها شيئًا!

    كانت رائعةً بارعةً خطبة العرش التي ألقاها رئيس الوزراء في البرلمان، صوَّرت لنا الحياة المصرية كأحسن ما تكون حياة الأمم: حكومة جادة لا تنام ولا تُنيم، وشعب عامل لا يريح ولا يستريح!

    وقد رضيت الحكومة عن نفسها فأثنت على نفسها، ورضي البرلمان عن الحكومة فصفق للحكومة، وسمع الشعب للحكومة تقول وللبرلمان يصفق؛ فرفع الأكتاف وهزَّ الرءوس، وترك الخلق للخالق. وأقبل المترفون على ترفهم ينعمون بغير حساب، وأقبل المحرومون على حرمانهم يألمون بغير حساب، وتذبذب بين أولئك وهؤلاء فريقٌ من أوساط الناس يأكلون في غير شبع ويشربون في غير رِي، وكلهم راضٍ بما كان، مطمئن لما هو كائن، مستعد لما سيكون، واثق بأن مصر هي كنانة الله في أرضه، وهي جنة الدنيا، وزينة العالم، وقائدة الشعوب العربية إلى المجد المؤثل الذي لا يشبهه مجد، والفخار الذي لا يدانيه فخار!

    وفي أثناء هذا كله كان المواطنون يموتون مئات، ويمرضون مئات، يتخطفهم هذا الموت الطارئ، ويصرعهم هذا المرض الطارئ، ومن حولهم ألوف وألوف يتخطفهم الموت العادي الذي لا يحمله الوباء، ويصرعهم المرض العادي الذي لا يحمله الوباء أيضًا … وفي أثناء هذا كذلك كانت ملايين من المواطنين تنعم بالجهل الذي يحجب عنها حقائق الحياة، فلا ترى ما هي فيه، ولا توازن بين حياتها وحياة غيرها من أبناء الأوطان الأخرى … وكانت هذه الملايين في أثناء ذلك أيضًا تنعم بفقرها الذي يشغلها بالتماس القوت وإطعام العيال وكسوتهم دون أن تجد ما تسعى إليه، ولكنه يشغلها على كل حال بذلك عن التفكير في حياتها، والموازنة بينها وبين حياة غيرها من أبناء الأوطان الأخرى!

    كان هذا كله يحدث في الصحف من يوم الأربعاء الثاني عشر من شهر نوفمبر، بينما كان رئيس الوزراء ينبئ البرلمان بما فعلت الحكومة وبما ستفعل، موفقةً في الماضي والمستقبل لإنقاذ الشعب من الموت والمرض، ومن الفقر والجهل، ولتمكين مصر الخالدة المجيدة من أن ترفع رأسها العظيم الكريم بين الأمم الراقية، التي لم تبلغ ولن تبلغ ما بلغت مصر من المجد والفخار!

    «جوع وأحاديث» — كما يقول المثل العربي القديم — في يوم الأربعاء الثاني عشر من شهر نوفمبر! و«جوع وأحاديث» في يوم الخميس الثالث عشر من شهر نوفمبر، حين استراح الموظفون من العمل احتفالًا بعيد الجهاد الوطني! وأي احتفال بالجهاد يعدل الراحة — لا من الجهاد؛ فقد انقضت أيام الجهاد! — ولكن من العمل اليومي اليسير الذي يتيح لهم أجورهم آخر الشهر؟! وأي احتفال بالجهاد يشبه الحصول على الأجر من غير عمل، وإن كان هناك قوم آخرون تُفرَض عليهم الراحة احتفالًا بالجهاد، ثم يُحرَمون أجورهم في ذلك اليوم؛ لأنهم أُكْرِهوا على الراحة احتفالًا بالجهاد؟!

    في ذلك اليوم، خطب الخطباء وتكلم الزعماء، وذُكِرت الثورة وأُثْنِيَ على الشهداء! وفي أثناء هذا كله كان الجيش البريطاني مرابطًا في أماكنه المقسومة له، لا يحتفل بعيد الجهاد لأن الجهاد لم يرزأه فتيلًا!

    و«جوع وأحاديث» يوم الجمعة الأول من شهر المحرم سنة سبع وستين وثلاثمائة وألف للهجرة … في ذلك اليوم كُتِبت المقالات المدبجة والفصول المنمقة، وأُقيمت الحفلات الرائعة، وذكر المسلمون هذا الحدث الإنساني الخطر الذي تغير له التاريخ، وهو الهجرة، وذكروا ما في الهجرة من موعظة وعبرة! بكى بعضهم وتباكى بعضهم الآخر، واصطنع سائرهم الوقار فلم يتكلفوا تباكيًا ولا بكاءً!

    ثم لم يَنْقَضِ يوم الجمعة إلَّا كما تعودت الأيام أن تنقضي: خمود وجمود، وكسل وركود، ونوم عميق، وإمعان فيما تعوَّد الناس أن يمعنوا فيه من هذه الحياة الفارغة، التي لا تُغْنِي عن الناس ولا عن أصحابها شيئًا.

    «جوع وأحاديث» في هذه الأيام الثلاثة، وجوع وأحاديث فيما سبقها وفيما سيتلوها من الأيام!

    صحف لا تُحصَى، ولا يُحصَى ما فيها من الكلام، تصابح الناس وتماسيهم، وثرثرة لا تُحصَى في الراديو تصابح الناس وتماسيهم، وهراء كثير لا يُحصَى يشغل الناس عن أنفسهم، وعن حياتهم، وعن آمالهم، وعن آلامهم. لا يصرفهم عنه النوم، بل هم إذا ناموا وألمَّتْ بهم الأحلام لم يخرجوا من هذا الهراء!

    جوع … وأحاديث، فنحن أفصح الناس كلامًا، وأرفع الناس صوتًا، وأبرع الناس في الحركات والتمثيل … ونحن مع ذلك مضرب المثل في البؤس والجهل والمرض والتهافت في الموت كما تتهافت الفراش في النار! والله يعزي الناس عن آلامهم، ويسليهم عن مصائبهم بالعمل الذي يزيل الآلام ويكشف المصائب، كما يسليهم بالقول الذي لا يمحو ألمًا ولا يكشف ضرًّا ولا يجلي خطبًا، وإنما يجعل أصحابه ضحكة الضاحكين وهزء الهازئين!

    فلنبتهل إلى الله في أن يبرئنا من علة الكلام الكثير، فلعلنا إن برئنا من هذه العلة أن نجد العزاء عن آلامنا وكوارثنا في العمل الذي يزيل الآلام، ويمنع الكوارث، ويُجلي الغمرات.

  • فتور

    حديث الوادي
    فتور…
    أسرفت الوزارة في بذل الوعود حتى صدقها الذين كانوا يحسنون الظن بها من الأنصار والأصدقاء، وانتظروا أن تأتيهم بالآيات البينات على أنها خير وزارة أتيحت لهذا البلد الشقي، لتخرجه من الظلمة إلى النور، ومن العسر إلى اليسر، ومن الفقر إلى الثراء. وانتظروا لذلك أن تحل لهم ما تعقد من المشكلات. وتذلل لهم ما استعصى من العقبات. فتفرج الأزمة من جميع نواحيها. ثم ظلوا ينتظرون شهراً وشهراً وشهراً، والسماء تمطر عليهم وعوداً وأماني يصعد السحاب بها من وزارة المالية حيناً حيث الوزير النابغة ومن رئاسة الوزراء حيناً آخر حيث الرجل الطيب. ثم يهبط الغيث على مجلسي البرلمان حيث الشيوخ والنواب الذين يؤمنون بالوزارة وينتظرون منها الخير، ولا يرقون إليها بالشك، ولا يضنون عليها بالثقة. وظل الأنصار والأصدقاء ينتظرون وظلت سحب الوعود والأماني تصعد إلى السماء، ثم يهبط الغيث منها على الأرض، ولكن الأرض ظلت مجدبة لا يمسها الخصب، ميتة لا تنبعث فيها الحياة. حتى استشعر الأنصار والأصدقاء أن هذه السحب التي تمطرهم بالوعود والأماني توشك أن تكون مخلفة للظن مخيبة للأمل مفسدة للرجاء. هنالك اجتمع منهم فريق ضخم، قالوا إنه نيف على الأربعين، فتشاوروا، ثم أجمعوا أمرهم بينهم على أن يستجوبوا الوزارة ويخرجوها من حياة الوعود والأماني إلى حياة القول المنتج والعمل المفيد.
    وأمضوا الاستجواب، وقدموه، واستمسكوا به وأصروا عليه، وداورتهم الوزارة حيناً، ثم استجابت لهم، وقبلت المعركة التي قدموها، ولكنها أخذت تؤجل يوم الخصام مرة ومرة حتى إذا لم يبق بد من خوض غمارها، واصطلاء نارها، حدد لها يوم الثلاثاء الماضي.
    فياله من يوم اضطربت له القلوب حتى بلغت الحناجر أو كادت تبلغها، وزاغت له الأبصار حتى خرجت العيون من الرؤوس أو كادت تخرج منها، وتعلقت له أنفاس الناس، كلهم ينتظر بدء المعركة، وكلهم ينتظر آخرتها. أتحل الأزمة أم لا تحل؟ أتنتصر الوزارة أم ينتصر النواب؟ أيأمن المصريون على ما بقي في أيديهم من أسباب الحياة، أم يستيئسون، أيستقبل المصريون عهداً يأكل فيه الأطفال حتى يشبعوا، ويشرب فيه الأطفال حتى يرتووا، ويجد فيه الأطفال ما يقيهم الحر والبرد، وأحداث الزمان. أم يستقبل المصريون عهداً يضاف فيه الجوع إلى الجوع، والبؤس إلى البؤس، والحرمان إلى الحرمان، وكان المعقول أن يكون نشاط المختصمين لهذه المعركة ملائماً لموضوعها في الحدة والشدة، وفي القوة والعنف. ولكن المعركة بدأت فاترة، وتكلم من تكلم، وأنكر من أنكر، وقال وزير المالية كلاماً لم يقدم ولم يؤخر، حتى إذا تقدم الوقت بعض الشيء، نظر رئيس مجلس النواب إلى الحاضرين من أعضاء المجلس، فإذا هم قد أخذوا يقلون، ويقلون ويتضاءلون، ويتضاءلون، حتى إذا رفعت الجلسة كان عدد النواب وقت رفعها خمسة عشر فيما أذاعت الصحف. وكان المعقول ألا يكون النواب أقل حماسة لاستئناف المعركة، من الوزراء، وألا يكون الوزراء أقل تحرقاً إلى معاودة الخصام من النواب، ولكن الوزراء والنواب أظهروا من حب الأمن وإيثار العافية والميل إلى السلام ما أجّل المعركة يوماً ليضمد فيه المختصمون جراحاتهم، ويصلحوا من أمرهم، ويجددوا ما يحتاجون إليه من المؤن والذخيرة حتى إذا كان يوم الخميس التقوا موفورين قد تمت لهم أدوات النزال والنضال، فشبوها حرباً حامية لا تدع من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم. وكان المعقول أن يجمع النواب جموعهم، وأن يكون عددهم ضخماً، واستعدادهم فخماً، وأن يكثر النظارة الذين يشهدون الموقعة حتى تضيق بهم الغرفات والحجرات. ولكن ميعاد القتال أقبل، وجاء الوزراء لميعادهم، لم يتخلفوا ولم يبطئوا، وظلوا ينتظرون الخصوم الذين طلبوا النزال، وألحوا في النضال، ثم ظلوا ينتظرون، ثم ظلوا ينتظرون، ثم دق الجرس، واستمر يبعث دعاءه المتصل الملح، فإذا النواب لم يحضروا للميعاد، وإذا الميدان قد ظل خالياً أو كالخالي. يبسط عليه الوزراء سلطانهم ويستطيعون أن يتصرفوا فيه كما يريدون، لأن حماته لم يحضروا، ولأن الذادة عنه لم يسرعوا إلى الذود عنه. وكأنما كان النواب والنظارة على اتفاق ألا يحضر أولئك إلى الميدان، وألا يسرع هؤلاء إلى شهود الموقعة، فلم تزدحم الغرفات والحجرات، وانصرف الوزراء، وهم يشعرون بأنهم قد اهتموا للأمر أكثر مما ينبغي، وجدوا فيه أكثر مما يجب. ثم ألقيت أنباء هذه المعركة التي لم تبتدئ ولم يلق أحد فيها كبداً إلى الناس. فلم يدهش لذلك أحد، ولم يعجب من ذلك أحد، وإنما مر الناس بهذه الأنباء غير حافلين بها، ولا مكترثين لها. فما تعليل ذلك؟ وما تأويله؟ تعليل ذلك سهل، وتأويله يسير. فالنواب لم يكونوا ينتظرون من الوزارة شيئاً، فلم يكلفون أنفسهم العناء؟ ولم يحملونها المشقة؟
    والنظارة لم يكونوا يتوقعون من المعركة شيئاً. فلم يحبسون أنفسهم ساعات في الغرفات والحجرات؟
    والناس لم يكونوا ينتظرون من المعركة شيئاً. فلم يحفلون بأنبائها، ويعنون بأحاديثها؟ وكذلك أراد الله أن تنتهي أمور مصر إلى هذا الفتور، فسيوف الأزمة مسلطة على الرقاب، وأشباح الشقاء مروعة للنفوس، ونيران الجوع مضطرمة في الأجواف، ولوعة الحرمان ممزقة للقلوب، والناس مع ذلك لا يرجون من وزارتهم خيراً، ولا ينتظرون من حكومتهم معونة، وإنما هم يسلمون أنفسهم إلى اليأس، وينتظرون قضاء الله فيهم. والوزارة عاجزة عن أن تعينهم، قاصرة عن أن تنفعهم. قد يئست من نفسها ويئست منهم، والنواب يعلمون هذا أو يحسونه، فيلقون اليأس باليأس، والفتور بالفتور. ويبلغ الكتاب أجله، وتنتهي المحنة إلى أقصاها، وتصبح مصر الرسمية صورة وشكلاً، وتشتد أمور الدولة حرجاً وعسراً، فلا نلقى من النواب ولا من الوزراء إلا فتوراً وقصوراً وإعراضاً واستسلاماً للقضاء. من كان يرضيه أن تنتهي أمور مصر إلى هذا الحد من الهوان على المصريين، فليبتهج، فقد ظفر بما كان يريد. من كان يرضيه أن ينصرف الموكلون بالسياسة المصرية عن السياسة المصرية فليغتبط، فقد تم له ما يريد. من كان يرضيه أن يترك المصريون أمورهم للأقدار تصرفها كما تشاء، دون تدخل منهم ولا عناية، فليطمئن فقد تم له ما يريد. ثم من كان يرضيه أن يكون اشتغال الإنجليز بمرافق المصريين أكثر من اشتغال المصريين بمرافقهم فليطب نفساً، وليقر عيناً، فقد تم له ما يريد. ويقول الناس أن موقعة كانت أمس بين الشرطة والعمال سالت فيها الدماء، وأطلقت فيها النار، وجرح فيها ناس من أولئك وهؤلاء. فكان طبيعياً أن يسأل النواب عن ذلك في جلسة الأمس، وأن يعرف النواب من وزير الداخلية كيف كان هذا، ولكن النواب لم يجتمعوا أمس لأن الحر كان شديداً، أو لأنهم سئموا حديث الدين العقاري، أو لما شئت من الأسباب. لم يجتمعوا ولم يسألوا وزير الداخلية، ولم يعرفوا منه شيئاً. وأكبر الظن أن الإنجليز قد عرفوا من أمر هذه الموقعة كل شيء.
    لتهنأ مصر الرسمية بهذا الفتور اللذيذ، فإن النوم يستحب في فصل الصيف.
    طه حسين
    الوادي، ٢٢ يونية ١٩٣٤.

  • رضًا …

    حديث الوادي: رضًا …
    طه حسين
    جريدة الوادي
    ٦ يونيو ١٩٣٤
    أما مجلس النواب، فقد أقرَّ أمسِ خطةَ الوزارة في أزمة المحاكم المختلطة بعد ذلك الاستجواب الطويل العريض، ومعنى ذلك — إن كانت لنا عقول تفهم — أنه لا يرى من حقه أن يعرض لهذه الأزمة، إلا حين تطلب الوزارة إليه ذلك، فأمرها إذن مقصور على السلطة التنفيذية، لا ينبغي للمجلس أن يقترح في حلها شيئًا.
    ولا تقل للنواب: إن مسألة المحاكم المختلطة مسألة مصرية خالصة، ما دام قد قالوا: إن من حق مصر أن تُلْغِي هذه المحاكم بقانون تصدره، لا تفاوض في وضعه، ولا في إهداره. وما دام الأمر موقوفًا على إصدار حق كل مصري، فمن حق مجلس النواب أو من حق البرلمان أن يقترح إصدار هذا القانون، بل أن يضع هذا القانون ويسلك ما ينبغي لإصداره من طريق.
    لا تقل هذا للنواب؛ فقد قيل لهم فأعرضوا عنه ولم يحفلوا به، وما ينبغي لك أن تكون نائبًا أكثر من النواب، ولا حريصًا على حق البرلمان أكثر من أعضاء البرلمان، وإن كان البرلمان لا يملك حقوقه إلا لأنها حقوق الشعب؛ فقد أنابه عن نفسه في حمايتها وصيانتها، بل في توسيعها وزيادتها، ما وسعه ذلك في حدود الدستور.
    ولكن هذا كلام كان يقال أمس، فأما قوله اليوم فلا ينبغي ولا سبيل إليه؛ لأنه يوصف بالغلو والإسراف، وبالميل إلى التحدي وتجاوز الحدود. وما دام النواب قد رضوا، واطمأنوا، فكل شيء حسن، وكل شيء يجري على أحسن ما تجري عليه الأمور. وأما مجلس الشيوخ فقد رضي حتى تعب من الرضا، واطمأنَّ حتى سَئِمَ الاطمئنان، وزهد في الاجتماع، وآية ذلك أن كثرته تخلَّفت عن جلسة أمس، ولم تُقْبِل عليها إلا قلة ظلت تنتظر مع الرئيس والمكتب أكثر من نصف ساعة، ثم طال عليها الانتظار؛ فتفرَّقت بعد أن أعلن الرئيس أن المجلس لم يجتمع؛ لأن العدد القانوني لم يكتمل، وبعد أن أعلن الرئيس أن الاجتماع المقبل سيعقد يوم الاثنين.
    والله يعلم أيعقد الاجتماع يوم الاثنين أم تتخلَّف عنه الكثرة التي تخلَّفت أمس! فقد أكثر مجلس الشيوخ من الاجتماع حتى شَبِعَ منه، وانصرف عنه، وأقبل الصيف الذي يحبُّ الراحة والنزهة والسفر والاستمتاع بالهواء الطلق والنسيم العليل. ولولا أن مجلس الشيوخ مطمئنٌّ إلى أن مصالح الأمة لا تتعرض لخطر، ولا يُخشَى عليها بأس، لما تخلفت من أعضائه كثرة ولا قلة، ولَمَا تردَّدَ في الاجتماع كلَّ يوم، آناء الليل وأطراف النهار؛ ليرعى الحقوق، ويصون المصالح، ويحفظ المنافع من الضياع. فأما وأمور مصر إلى وزارة حزم وعزم، فلا بأس على المجلس من أن يجتمع أو يتفرق، ولا جناح على المجلس في أن يتعب أو يستريح.
    النواب إذن راضون مطمئنون، والشيوخ كذلك مطمئنون راضون، وقد كان الأجانب ساخطين فرضوا، وكانوا غاضبين فسكت عنهم الغضب، وكانوا خائفين فأمنوا، وكانوا يائسين فابتسم لهم الأمل، وغمرهم الرجاء. هم راضون في مصر، وهم راضون في أوروبا، بعد أن ألقى رئيس الوزراء رده على الاستجواب أول أمس، فبيَّن للنواب أنه لا ينبغي لهم أن يعرضوا لأزمة المحاكم المختلطة، إلا حين تريدهم الحكومة على ذلك. وأهدى إلى الأجانب طاقة من الزهر الجميل، قد نُسِّقت تنسيقًا جميلًا. وما لهم لا يرضون وقد كان رئيس محكمة الاستئناف المختلطة ينكر على مجلس النواب تعرضه لهذه المحاكم، وكان وزير الحقانية يمانع الرئيس في هذا الرأي، ويُبِيح للنواب أن يتعرضوا من شئون مصر لكل ما يشاءون، وكان الأجانب يُشْفِقون أن يكون الوزراء جميعًا متضامنين مع وزير الحقانية في هذا الرأي؛ فظهر أول أمس أن الوزراء يرون رأيًا غير رأي وزير الحقانية، ويوافقون رئيس محكمة الاستئناف على أن البرلمان لا ينبغي له أن يخوض في أمر المحاكم المختلطة، إلا حين تطلب الحكومة إليه ذلك؛ لأنه أمر دولي يمسُّ السلطة التنفيذية وحدها؟!
    والإنسان يخطئ ويصيب، وأكبر الظن أن وزير الحقانية رأى أنه كان مخطئًا؛ فعدل عن الخطأ وثاب إلى الصواب، وتضامن مع الوزراء، بعد أن أبى الوزراء أن يتضامنوا معه. وقد قبل النواب رأي الوزراء، ورأي رئيس محكمة الاستئناف المختلطة، ورأي الأجانب؛ فمن حق الأجانب إذن أن يرضوا، وقد فعلوا، أعلنوا رضاهم في مصر؛ فنشرت صحفهم كلامًا كثيرًا فيه تحية لرئيس الوزراء، وشكر له، وإعجاب به، وثناء عليه، وتستطيع أن تقرأ البورص التي صدرت مساء أمس. وأعلنوا ذلك في أوروبا؛ فرضيت الطان واغتبطت، وأثنت الطان وحمدت، وتستطيع أن تقرأ ذلك في برقيات الأهرام التي صدرت صباح اليوم.
    كل شيء حسن إذن: النواب راضون، والشيوخ راضون، والأجانب راضون، والإنجليز راضون، أليس الوزراء سيتناولون الغداء على مائدة المندوب السامي ظهر اليوم؟! أليس هذا آية على الرضا والوفاق؟ يجب إذن أن نحمد الله، ما دام كل شيء حسنًا، وما دام سادتنا وموالينا من المصريين والأجانب راضين مبتهجين.
    ستقول: ولكن الشعب المصري ليس راضيًا ولا مبتهجًا، وليس آمنًا ولا مطمئنًّا، ولكنه ساخط كلَّ السُّخْط، مكتئب كل الاكتئاب، خائف كلَّ الخوف، قلق أشدَّ القلق، وقد يكون هذا حقًّا. ولكن الشعب المصري حر، إن شاء أذعن واستكان فأراح واستراح، وإن شاء غضب وسَخِط؛ وحينئذ فلينظر الشعب المصري، فماء النيل غزير، والبحر أغزر ماءً من النيل، فليشرب من هذا أو ذاك؛ فقد يجد في هذا أو ذاك ما يُخَفِّف سخطه وغضبه، ويرده إلى الأمن والاطمئنان!
    لا بأس على مصر، ما دام الوزراء والشيوخ والنواب والأجانب والإنجليز راضين.