الجامعة المصرية في عالم الحرية – بطل من أبطال الديمقراطية الحديثة
طه حسين
مجلة المصور
١١ مايو ١٩٣٤
كان أبوه يسوق العربات في قرية من القرى، لا يقرأ ولا يكتب ولا يمس من أمور الحياة إلا صناعته هذه اليسيرة، وإلا ما يحسنه أمثاله من أصحاب السذاجة والجهل والعيش الخشن العسير، وكانت أمه خادمًا لسيدة من سيدات القصر، لا أمل لها في أكثر من أن ترضى عنها سيدتها، ويطمئن إليها زوجها، وينشأ ابنها كما ينشأ أمثاله من أبناء الطبقات الفقيرة البائسة، وكانت هذه الطبقات الفقيرة البائسة قد ظفرت بشيء من الحرية قبل أن يُولَد طفلنا هذا بسنتين اثنتين، وطفلنا هذا قد وُلِد سنة ١٨٥٠م.
وكانت هذه الحرية اليسيرة التي فتحت أبوابها المتواضعة لهؤلاء الناس البائسين قد أثارت في نفوسهم شيئًا من العزة، وفتحت لهم نوافذ ضيقة إلى الأمل، ولكنها نوافذ على كل حال ينفذ منها الضوء والهواء، وتتسع بها آفاق الحياة بعض الشيء، بعد أن كانت ضيقة شديدة الضيق.
وكان سائق العربات في تلك القرية قد أحس شيئًا من هذا النسيم الذي فتحت له النوافذ، وقد مدَّ عينه من هذه النوافذ إلى أفق أبعد من أفقه القديم؛ فكَرِه أن يكون ابنه سائق عربة مثله، وطمع في أن يرقى به بعض الشيء إلى صناعة خير من صناعته، وإلى مهنة أرقى من مهنته قليلًا، وبدأ فأرسله إلى المدرسة حتى إذا تعلَّمَ فيها أصول الكتابة والحساب، وتعلَّم معه أبوه هذه الأصول دفعه إلى مَن يعلِّمه صناعة أحذية الخيل، ثم ارتقى به شيئًا فأرسله إلى حيث يتعلَّم صناعة الحدادة، وفي ذات يوم خرج الصبي يلتمس الماء للدكان، وإنه ليحمل وعاء الماء على ما هو فيه من زي قبيح، وشكل تنبو عنه العين، ووجه له حظ من القذارة غير قليل، إذا هو يلمح أحد الذين كانوا يعلمونه في المدرسة، فيستحي ثم يستخفي حتى لا يضطر إلى تحيته، ولكن معلمه قد رآه، وأحس حياءه، فلم يُظهِر معرفته، وإنما ذهب إلى أمه فتحدَّث إليها في أمره حديثًا غيَّر حياته كلها تغييرًا، ولم تغرب الشمس ذلك اليوم حتى كان الصبي مرتحلًا مع معلمه إلى مدينة قريبة، فيها مدرسة التحق بها الصبي لا ليطلب العلم، فقد كان أفقر من ذلك، بل ليكون خادمًا أو كالخادم، لعل حياته في هذه البيئة أن تنفذ إلى نفسه شيئًا من هذا العلم، الذي يلقى فيها من الصباح إلى المساء.
وفي هذه المدينة اتصل الصبي بالكنيسة، وتعلَّم فيها الموسيقى والغناء، وكان الغناء لاتينيًّا؛ فحفظ الصبي أغاني لم يفهمها، وشقَّ عليه أن يغني ما لا يفهم؛ فتعلَّم اللاتينية وحده ليفهم الغناء، وما هي إلا أن يستكشف القسيس أنَّ الفتى يفهم اللاتينية فيكبره ويضن به على الجهل، وعلى هذه الحياة الخاملة ويرسله إلى مدرسة ثانوية، ومن ذلك الوقت اعتدلت له الحياة بعض الشيء، واستقامت له الطرق بعد العوج والالتواء، فأتمَّ درسه الثانوي واتصل بالجامعة في فينا فأتمَّ فيها درسه، ثم ارتحل إلى ليبزج فدرس في جامعتها، ثم عاد إلى وطنه، وإذا هو أستاذ من أساتذة الجامعة في مدينة براج، ولست أدري! أعرفتَ هذا الرجل أم لم تعرفه، ولكني أوثر ألا أسميه الآن، وأن تسميه حياته نفسها، أو أن تسميه الأيام التي صارعته وقارعته فلم تستطع أن تصرعه، وإنما اضطرت إلى أن تذعن له. ظل هذا الرجل أستاذًا في الجامعة يعلِّم الشباب من مواطنيه أصول الفلسفة وفروعها، ولكنه يعلِّمهم أيضًا كيف تكون الرجولة الصادقة، وكيف تكون العزة الأبية، وكيف تكون الحرية التي لا تستطيع الذلة أن تجد إليها سبيلًا، ثم كيف يكون الإخلاص للحق والوفاء له، والثبات عليه والتضحية في سبيله بكل عزيز، والاحتمال في سبيله بكل مكروه.
في ذات يوم اضطربت مدينة براج وما حولها من المدن بحديث خطير، فقد استكشف نسخة خطية لكتاب يُثبِت أنَّ البوهيميين كانوا أصحاب ثقافة وأدب وفن في القرن الثاني للمسيح، حين كان الألمان جهَّالًا متوحشين يرتدون جلود الحيوان، ويعيشون أخشن العيش.
وتستطيع أن تقدِّر أثر هذا الكتاب المستكشف في نفس أمة قد استذلها الألمان، وهي تطمح إلى الحرية وتلج فيها، ولكن الأستاذ درس الكتاب، وإذا هو يعلن — لا مترددًا ولا قادرًا لاضطراب الرأي العام قدرًا — أنَّ هذا الكتاب منحول مصنوع لا أصل له، وهو إذن لا يثبت شيئًا، وأنَّ مجد الأمم لا ينبغي أنْ يقوم على الكذب، ولا أن يعتمد على التضليل، وإذا الرأي العام كله عدو لهذا الأستاذ، الذي لم يتجاوز السادسة والثلاثين من عمره، وإذا الناس كلهم ينكرونه ويمكرون به ويكيدون له ألوان الكيد، ولكنه ثابت في موقفه يعلن أنَّ الكتاب منحول مصنوع، ويجهر بأن مجد الأمم لا ينبغي أن يقوم على الكذب، ويعتمد على التضليل، وتشتد عليه العاصفة، ولكن الشجرة ثابتة لا تنثني ولا تنحني، حتى إذا مضت أيام ثم أسابيع ثم أشهر ثم أعوام تبيَّنَ الحق؛ فإذا الكتاب مصنوع، وإذا الأستاذ لم يكن خائنًا للوطن، ولا منكرًا لمجده القديم، وإذا الذين كانوا ينكرونه قد عرفوه، وإذا الذين كانوا يمكرون به قد أحَبُّوه، وإذا الذين كانوا يكيدونه له قد وثقوا به فأرسلوه نائبًا عنهم في البرلمان.
لم يُخِفْه تنكُّر الرأي العام له، ولم تغرره ثقة الرأي العام به، ولم يتحول عن حبه للحق ووفائه له؛ لأنه كان يحب الحق لنفسه لا ليخاصم به الشعب، ولا ليصيد به الشعب. وفي ذات يوم قُتِلت فتاة وأُخِذ يهوديٌّ من أبناء السبيل فاتُّهِمَ بقتل الفتاة، وعظم أمر هذه الحادثة لأن الناس ظنوا أنها جريمة دينية، ولكن الأستاذ تتبع القصة ودرس القضية واستيقن أنَّ اليهودي بريء، وكان قد قُضِي على هذا اليهودي بالموت، فطلب إعادة النظر في الحكم وألحَّ في ذلك، وهناك تنكَّر له القصر، وتنكَّر له السلطان، وتنكَّر له الرأي العام كله، وضاق به الشباب أشد الضيق، ولكنه لم يحفل بشيء من ذلك، وإنما مضى في دعوته إلى ما يرى أنه الحق، وأقبل ذات يوم إلى الجامعة؛ فإذا الطلاب قد وقفوا يريدون منعه من إلقاء الدرس، وقد جاهدهم وجاهدوه حتى نفذ إلى حجرة الدرس وهَمَّ أن يتكلم، فصاحوا به حتى أخفوا صوته، وهَمَّ أن يكتب فمنعوه من الكتابة، وأقبل العميد فرَجَا منه أن ينصرف، فانصرف عن الدرس ولكنه لم ينصرف عن الدعوة إلى الحق، حتى اضطر السلطان إلى أن يغيِّر الحكم فيكتفي بسجن اليهودي ويصرف عنه الموت، ثم تمضي الأيام وتتابع الحوادث حتى تُعلَن الحرب الكبرى، وإذا صاحبنا في جنييف ومعه نفر من أصدقائه همهم همه وهواهم هواه، كلهم كاره لسلطان الأجنبي، كلهم راغب في استقلال الوطن، كلهم عدو لسلطان النمسا، ساخط على آل هبسبورج، وإذا هم يؤلفون من أنفسهم مجلسًا وطنيًّا يعمل أول الأمر في جنييف، ثم ينتقل إلى باريس، ثم يعظم نشاطه وينبسط سلطانه؛ فيؤلِّف جيشًا من مواطنيه يبلغ نحو خمسين ومائة ألف من المقاتلين في صفوف الحلفاء، ثم لا يأتي أكتوبر من سنة ١٩١٨م حتى يعلن استقلال تشكوسلوفاكيا في الرابع عشر من هذا الشهر، ثم لا يمضي شهر حتى تعقد الجمعية الوطنية في براج، وإذا الجمهورية قد أُقِيمت، وإذا دستورها قد أُعلِن، وإذا توماس مازاريك قد انتُخِب رئيسًا للجمهورية، وإذا الدستور يخصه بميزة لا يشاركه فيها أحد من مواطنيه، فهو قابل للانتخاب لرياسة الجمهورية كلما جاء ميعاد الانتخاب أثناء حياته، على حين لا يباح لغيره أن ينتخب لرياسة الجمهورية إلا مرتين.
وسيُنتَخَب للمرة الرابعة رئيسًا للجمهورية، وفي الرابع والعشرين من هذا الشهر.
هذا هو الطفل الذي كان أبوه يسوق عربة في قرية من القرى، وكانت أمه خادمًا لسيدة من سيدات القصر، وكان أبوه يريد أن يجعله حدادًا، فجعلته نفسه الكبيرة رئيسًا للجمهورية في وطنه، بل مؤسِّسًا للجمهورية في وطنه، بل مُعلِنًا للاستقلال في وطنه، بل بطلًا من أبطال الديمقراطية الحديثة وفيلسوفًا من فلاسفتها، فما أجدر الشباب أن يعرفوه، وأن يحبوه، وأن يتخذوه مثلًا من هذه المثل العليا التي تُحتذَى، وما أجدرهم أن يقرءوا عنه وعن مذهبه في الديمقراطية وأصول الحكم فصلًا ممتعًا رائعًا، نشرته مجلة «الالستراسيون» في عددها الذي صدر في ٢٨ أبريل سنة ١٩٣٤م.
Tag: political biography
-
رجل
رجل
طه حسين
كوكب الشرق
٢٣ أكتوبر ١٩٣٣
اللهم لا رادَّ لما قضيتَ، ولا مانعَ لما أمضيتَ، ولا منكرَ لحكمكَ، ولا معقب لأمرك، وإنما هو
الإذعان لقوتك البالغة يعصمنا من الجهل، والطمع في رحمتك الواسعة يعصمنا من اليأس، فقد أردتَ —
فلا مبدِّلَ لما تريد — أن تكون حياة الشعوب أمام الأحداث والخطوب، مزاجًا من العجز عن مناهضة
القضاء، ومغالبة الأيام، ومن الأمل في لطفك الذي لا حد له، ورحمتك التي وسعت كل شيء. ولو أن
بالشعوب قدرة على مناهضة القضاء، ومخاصمة الخطوب، لناهضت مصر وخاصمت، في هؤلاء الكرام الأوفياء
من أبنائها الذين يعدو عليهم الموت أنفع ما يكونون لبلادهم، وأقدر ما يكونون على خدمة أمتهم،
وأجدر ما يكونون باتصال الأَجَل وطول الحياة. ولو أن بالشعوب يأسًا أمام تتابع الحوادث، وتلاحُق
الكوارث، وهذه النكبات التي تصيبها فلا تنقطع، لَيئسَتْ مصر أشد اليأس أمام هذه الأيام السود
التي تفجعها في العظيم من أبنائها إثر العظيم، وتنكبها في الوفي من قادتها إثر الوفي، وكأنما
اصطلحت مع أولئك الذين لا يرعون لها حقًّا، ولا ذمة، ولا يحفظون لها كرامة ولا حرمة من
المستعمرين؛ على نصب الحرب لها، وتسليط الشر عليها، فهي لا تخلص من خطب حتى تتجشم خطبًا آخَر،
ولا تهدأ لوعتها لحزن، حتى تدخل في حزن جديد، ولكن حياة الشعوب كما قلتُ مزاج من الإذعان للقضاء
والرضى به، ومن الأمل في المستقبل والسعي إليه، في غير ضعف ولا فتور، وفي غير يأس من روح الله،
ولا استسلام للحادثات.
وكذلك تستقبل مصر هذا النبأ المروع الذي انتهى إليها أمس من باريس بأن رجلها العظيم قد مات،
فلا أمل في لقائه، ولا رجاء في الانتفاع بما كان يمتاز به من الجد، والصدق، والإخلاص، والنزاهة،
والوفاء.
نعم، كذلك تستقبل مصر هذا النبأ المروع راضية بقضاء الله، مذعنة لسلطانه، مستمدة من رحمته
العون على احتمال الخطب، ومجاهدة الأيام، مسجلة اسم عدلي وشخصه بين هذه الأسماء الكريمة
والأشخاص العظيمة التي تسجلها في قلبها الخالد، هذا القلب الأبِيِّ الكريم، هذا القلب العزيز
الصبور الذي لا يعرف النسيان، ولا اليأس، ولا الضعف، ولا الذلة إليه سبيلًا.
رحم الله عدلي، لقد كان رجلًا حقًّا بأوسع ما تدل عليه هذه الكلمة من معنى، وبأدق ما تدل عليه
هذه الكلمة من معنى، وبأرفع ما تدل عليه هذه الكلمة من أخلاق.
كان صادقًا يكره الكذب، وينفر منه، وكثير من رجال السياسة وأصحاب المنافع يتخذون الكذب أداةً
من أدوات الفوز، ووسيلةً من وسائل النجح، وزينةً بين المهرة والبارعين.
وكان وفيًّا يكره الغدر، وكثير من رجال السياسة مَن لا يتحرَّج من الغدر، ولا يضيق به، ليبلغ
ما يريد، ويحقِّق ما يطمع فيه من الأغراض الخاصة والعامة.
وكان أبِيًّا لا يقبل الضيم ولا يستريح إلى الذل، وكثير من رجال السياسة لا يكرهون أن يضحوا
بعزتهم وكرامتهم، ولا أن يضحوا بكرامة أمتهم وعزتها في سبيل المنصب، أو ما هو دون المنصب من
المنافع والمآرب والآمال.
كان نقي النفس، نقي القلب، نقي الضمير، نقي اليد، نقي اللسان. كان صورةً صادقةً للفضيلة في
حياة الأفراد، وكان صورة صادقة للفضيلة في حياة الأمم، كان المثل الأعلى للرجل الذي تستطيع
الشعوبُ أن تركن إليه، ولا تخشى منه ميلًا إلى الهوى، ولا تأثُّرًا بالشهوة، ولا انحرافًا عن
الحق، ولا استكانة لقوة الأقوياء.
يستطيع الناس أن يدرسوا دقائق الحياة لهذا الرجل فيما كان بينه وبين أصدقائه وأوليائه وأصحابه
والمتصلين به، من علاقة، فلن يجدوا فيها إلا الكرم والنبل، ولن يجدوا فيها إلا الصفاء والنقاء،
ولن يجدوا إلا جمال الطبع، وصفاء القلب، واعتدال المزاج، والعلم بما يحسن وما لا يحسن،
والتنزُّه عمَّا لا يليق، والحرص كل الحرص على ما يجمل بالرجل الكريم.
ويستطيع الناس أن يدرسوا دقائق الحياة لهذا الرجل العظيم فيما شغل من مناصب الدولة قبل أن
ينهض بأعمال السياسة العليا، فلن يجدوا فيها إلا الأمانة التي لا حدَّ لها، والحرص على العزة
والكرامة، في وفاءٍ وإخلاصٍ وأداءٍ للحق أمام رؤسائه من المصريين وغير المصريين، والتعفُّف
عمَّا يلوِّث نفوس كثير من الذين يشغلون المناصب فيلتمسون فيها الجاه، ويلتمسون فيها الغنى،
ويلتمسون فيها تحقيق الحاجات وإرضاء اللباقات.
ويستطيع الناس أن يدرسوا دقائق الحياة لهذا الرجل منذ اشترك في النهوض بأعباء السياسة المصرية
العامة، فلن يجدوا فيها إلا الإخلاص لمصر في حَزْم لا يعرف الضعف ولا التردُّد، ولن يجد الناس
فيها إلا الوفاء لمصر في فهم وبصيرة وتقدير للأمور لا يقلد، ولا يتابع، وإنما يجتهد ما وسعه
الاجتهاد، ثم يمضي في تحقيق رأيه والذود عنه، ما وسعه ذلك أو وجد إليه سبيلًا. حتى إذا أدركه
العجز لم يستحِ أن يعلن العجز، وحتى إذا أحسَّ أن الطريق الشريفة الأمينة المستقيمة قد سُدَّتْ
من دونه وأخذت عليه، لم يتردد في أن يعتزل السياسة ويلزم داره، تاركًا للقادرين على العمل أن
يمضوا في العمل، مستعدًّا دائمًا لِأَنْ يستجيبَ لدعاء الحق والواجب والوطن، كلما دعاه الحق
والواجب والوطن إلى النزول في الميدان.
ولقد نهض هذا الرجل مع صديقه رشدي بأعباء الحكم أثناء الحرب فاحتمل تبعاته، راضي النفس، مطمئن
القلب، مستريح الضمير، حتى إذا انقضت الحرب، وطالَبَ الوفد بحرية الشعب واستقلاله، لم يتردَّد
في أن يسير مع الوفد في طريقه إلى الحرية والاستقلال، وفي أن يحتمل تبعات ذلك راضي النفس، مطمئن
القلب، مستريح الضمير، كما كان يحتمل تبعات الحكم من قبلُ.
ولقد آلَتْ إليه أمور الحكم بعد أحداث طوال وخطوب جسام، فلم يتردَّد في النهوض بها، واحتمال
تبعاتها ما وسعته قوته، وما وسعه اقتناعه بأنه على الحق. ولقد خاصَمَ في ذلك صديقه سعدًا ما
وسعته الخصومة، حتى إذا عجز عن تحقيق أمنيته وأمنية مصر، عاد ولم يتردَّد في أن يعلن أنه قد عجز
عمَّا حاوَلَ وأخفق فيما أراد.
فلما طُلِب إليه أن يؤلِّف حزبًا لمناهضة سعد، أبَى ذلك واشتدَّ في الإباء؛ لأن مناهضة سعد
والوفد لا تصلح موضوعًا لتأليف الأحزاب، ولا ينبغي أن يُقدِم عليها المصري الذي يحب وطنه ويخلص
له الحب. حتى إذا صدر تصريح ٢٨ فبراير، وأخذت وزارة ثروت تهيِّئ لإصدار الدستور، رأى أن هذا
الدستور وذلك التصريح خليقان أن تُؤلَّف الأحزاب لحمايتهما، واستغلالهما واتخاذهما وسيلةً إلى
تحقيق الاستقلال؛ فألَّفَ حزب الأحرار الدستوريين، ووجَّهَ سياسته عامًا وبعض عام، وخاصَمَ في
أثناء ذلك سعدًا والوفد ما وسعته الخصومة، وخاض مع حزبه معركة الانتخاب، مخاصِمًا لسعد والوفد،
قويًّا في الخصومة، حتى إذا ظهرت نتيجة الانتخابات، وقضى الشعب لسعد والوفد، لم يتردَّد عدلي في
أن يعترف بهذا الحكم الشعبي، وفي أن يذعن له لا في القول وحده، بل في القول والعمل؛ فاعتزل
السياسة واستقال من الحزب، واستقر في داره، تاركًا للذين جدَّدَ الشعبُ ثقتَه بهم، وتوكيله لهم،
أن يعملوا ويحقِّقوا ما يستطيعون تحقيقه من الاستقلال.
ثم تعاقبت الحوادث، واتصلت الخطوب، واستقال سعد، وحُلَّ مجلسُ النواب، وعُرِضت أعباء السياسة
العامة على عدلي، فلم يقبلها ولم يَمِلْ إليها؛ لأنه كان مؤمنًا أصدق الإيمان بأن حقوق الشعب لا
يمكن أن تُنتزَع منه بعد أن رُدَّتْ إليه، وأن الدستور وحده يجب أن يكون الحَكَم لنهوض الناس
بأعباء الأمور العامة.
وظل هذا الرجل مستقرًّا في داره لا يحتمل تبعات الحكم — وما كان أيسر ذلك عليه لو أراده أو
طمع فيه — حتى إذا أذن مؤذن الائتلاف، كان أسرع الناس إجابةً إلى الائتلاف، وكان أحرص الناس على
نسيان الأحقاد ومحو الضغينة؛ لأنه لم يكن يضطغن ولا يحقد في الأمور العامة، إنما كان يعمل
مخلصًا مجتهدًا، يخطئ كما يخطئ غيره، ويصيب كما يصيب غيره.
أسرَعَ إلى الائتلاف، ورأَسَ وزارتَه، وعمل فيها صادقًا مخلصًا، وفيًّا أمينًا، ثم استقال،
وما هي إلا أن تتصل الحوادث ويُعطَّل الدستور، وإذا هذا الرجل الوفي الأمين يعود إلى داره
فيلزمها، ويعتزل الأعمال السياسية التي لا تقوم على رضى الشعب؛ لأنه كان يؤمن إيمانًا صادقًا
بأن حقوق الشعب لا يمكن أن تُنتزَع منه بعد أن رُدَّتْ إليه. ثم تتابع الحوادث وإذا الواجب يدعو
هذا الرجل الوفي الأمين إلى النهوض بأعباء الحكم مرةً أخرى ليردَّ إلى الشعب حقه، وليُعِيد إليه
حياتَه الدستورية النيابية؛ فلا يتردَّد في أن يستجيب لهذا الواجب، ولا يتردَّد في أن يُعلِن
رأيه جليًّا صريحًا، فيؤلِّف وزارته ليُجرِي الانتخابات لمجلس النوَّاب، لا لمجلس الشيوخ، حتى
إذا أجرى هذه الانتخابات، وقضى فيها الشعب للوفد، استقال تنفيذًا لأحكام الدستور، وإحياءً للسنة
النيابية الصالحة.
هنالك عُيِّنَ رئيسًا لمجلس الشيوخ، فنهض بعمله هذا، كما نهض بأعماله جميعًا صادقًا، مخلصًا،
نزيهًا، وفيًّا، أمينًا.
وكانت حياة عدلي باشا منذ صدر الدستور إلى ذلك الوقت وفاءً كلها للدستور، وإيمانًا كلها بأن
حقوق الشعب لا يمكن أن تُؤخَذ منه بعد أن رُدَّتْ إليه.
ثم تتابعت الحوادث ووثبت وزارة صدقي باشا إلى الحكم، فلم يتردَّد هذا الرجل الوفي للشعب،
الأمين على حقوقه، في أن يحتمل ثقل الأمانة مهما يعظم، وفي أن يؤدي الواجب الوطني مع الذين
أدَّوه يومئذٍ في أيسر حال وأهونها، لا متكلِّفًا ولا متصنِّعًا، ولا معتزًّا بذلك، ولا ممتنًا
به على أحد؛ لأن الوفاء والاستجابة للواجب وأداء الأمانة الوطنية على وجهها، كل ذلك كان طبيعةً
في عدلي، يصدر عنه كما يصدر الضوء عن الشمس، وكما يصدر النشر الطيب عن الزهرة العطرة.
أنكَرَ عدلي، كما أنكر غيره من الزعماء، كلَّ تلك الأحداث التي جناها صدقي باشا على أمته،
واعتزل السياسة العاملة، واستقرَّ في داره عزيزًا أبيًّا، ينتظر أن يدعوه الواجب الوطني الصحيح،
البريء من كل مداورة أو مناورة، الواجب الذي يحسه الناس جميعًا، الواجب النقي الطاهر الذي لا
يشوبه طمع ولا طبع، ولا يشك فيه أحد من الناس. وكم عُرِضت على عدلي أمور فرفضها، عزيزًا كريمًا،
وفيًّا أمينًا.
رحم الله عدلي. لقد أجمعت أمته على حبه، بعد هذه المواقف الرائعة، وبعد هذا النصح الخالص الذي
نصحه لها، ولقد أجمعت أمته على الثقة به، ولقد أجمعت أمته على ادخاره للأحداث، ولقد أجمعت أمته
على اتخاذه وسيلةً كريمة عزيزة من وسائل الفوز بالأمل والخلوص مما تقاسيه من الشر والضر.
ولكن الأيام أبَتْ إلا أن تمتحن الأمة فيه كما امتحنتها من قبلُ في غيره من عظمائها المخلصين
وقادتها الأوفياء، فمضى أمس، وإنه لَرجل الدولة حقًّا كما قال فيه حضرة صاحب الدولة الرئيس
الجليل مصطفى النحاس باشا.
مضى وإن المصريين جميعًا ليحبونه ويعقدون به الآمال، فإذا المصريون جميعًا يبكونه ويسألون
الله أن يلهمهم عنه أحسن العزاء.
في ذمة الله هذا الرجل العظيم. لقد نفع أمته حيًّا أحسن النفع، وإنَّ ذِكْره بعد موته لَينفع
أمته أحسن النفع، لقد كان في حياته قدوةً صالحةً للذين يريدون أن يخدموا أمتهم، فيخلصون في
الخدمة، لا يتخذونها وسيلة إلى العظمة، ولا مظهرًا من مظاهر الرياء. وإنه الآن بعد موته لَقدوة
صالحة للذين يريدون أن تفي الأمة لهم كما وفوا لها، وأن تحبهم كما أحبوها، وأن تعرف لهم حقهم
كما عرفوا لها حقها.
في ذمة الله هذا الرجل العظيم، وفي ذمة الله هؤلاء العظماء الذين سبقوه إلى دار
الخلود.