الجامعة المصرية في عالم الحرية – بطل من أبطال الديمقراطية الحديثة
طه حسين
مجلة المصور
١١ مايو ١٩٣٤
كان أبوه يسوق العربات في قرية من القرى، لا يقرأ ولا يكتب ولا يمس من أمور الحياة إلا صناعته هذه اليسيرة، وإلا ما يحسنه أمثاله من أصحاب السذاجة والجهل والعيش الخشن العسير، وكانت أمه خادمًا لسيدة من سيدات القصر، لا أمل لها في أكثر من أن ترضى عنها سيدتها، ويطمئن إليها زوجها، وينشأ ابنها كما ينشأ أمثاله من أبناء الطبقات الفقيرة البائسة، وكانت هذه الطبقات الفقيرة البائسة قد ظفرت بشيء من الحرية قبل أن يُولَد طفلنا هذا بسنتين اثنتين، وطفلنا هذا قد وُلِد سنة ١٨٥٠م.
وكانت هذه الحرية اليسيرة التي فتحت أبوابها المتواضعة لهؤلاء الناس البائسين قد أثارت في نفوسهم شيئًا من العزة، وفتحت لهم نوافذ ضيقة إلى الأمل، ولكنها نوافذ على كل حال ينفذ منها الضوء والهواء، وتتسع بها آفاق الحياة بعض الشيء، بعد أن كانت ضيقة شديدة الضيق.
وكان سائق العربات في تلك القرية قد أحس شيئًا من هذا النسيم الذي فتحت له النوافذ، وقد مدَّ عينه من هذه النوافذ إلى أفق أبعد من أفقه القديم؛ فكَرِه أن يكون ابنه سائق عربة مثله، وطمع في أن يرقى به بعض الشيء إلى صناعة خير من صناعته، وإلى مهنة أرقى من مهنته قليلًا، وبدأ فأرسله إلى المدرسة حتى إذا تعلَّمَ فيها أصول الكتابة والحساب، وتعلَّم معه أبوه هذه الأصول دفعه إلى مَن يعلِّمه صناعة أحذية الخيل، ثم ارتقى به شيئًا فأرسله إلى حيث يتعلَّم صناعة الحدادة، وفي ذات يوم خرج الصبي يلتمس الماء للدكان، وإنه ليحمل وعاء الماء على ما هو فيه من زي قبيح، وشكل تنبو عنه العين، ووجه له حظ من القذارة غير قليل، إذا هو يلمح أحد الذين كانوا يعلمونه في المدرسة، فيستحي ثم يستخفي حتى لا يضطر إلى تحيته، ولكن معلمه قد رآه، وأحس حياءه، فلم يُظهِر معرفته، وإنما ذهب إلى أمه فتحدَّث إليها في أمره حديثًا غيَّر حياته كلها تغييرًا، ولم تغرب الشمس ذلك اليوم حتى كان الصبي مرتحلًا مع معلمه إلى مدينة قريبة، فيها مدرسة التحق بها الصبي لا ليطلب العلم، فقد كان أفقر من ذلك، بل ليكون خادمًا أو كالخادم، لعل حياته في هذه البيئة أن تنفذ إلى نفسه شيئًا من هذا العلم، الذي يلقى فيها من الصباح إلى المساء.
وفي هذه المدينة اتصل الصبي بالكنيسة، وتعلَّم فيها الموسيقى والغناء، وكان الغناء لاتينيًّا؛ فحفظ الصبي أغاني لم يفهمها، وشقَّ عليه أن يغني ما لا يفهم؛ فتعلَّم اللاتينية وحده ليفهم الغناء، وما هي إلا أن يستكشف القسيس أنَّ الفتى يفهم اللاتينية فيكبره ويضن به على الجهل، وعلى هذه الحياة الخاملة ويرسله إلى مدرسة ثانوية، ومن ذلك الوقت اعتدلت له الحياة بعض الشيء، واستقامت له الطرق بعد العوج والالتواء، فأتمَّ درسه الثانوي واتصل بالجامعة في فينا فأتمَّ فيها درسه، ثم ارتحل إلى ليبزج فدرس في جامعتها، ثم عاد إلى وطنه، وإذا هو أستاذ من أساتذة الجامعة في مدينة براج، ولست أدري! أعرفتَ هذا الرجل أم لم تعرفه، ولكني أوثر ألا أسميه الآن، وأن تسميه حياته نفسها، أو أن تسميه الأيام التي صارعته وقارعته فلم تستطع أن تصرعه، وإنما اضطرت إلى أن تذعن له. ظل هذا الرجل أستاذًا في الجامعة يعلِّم الشباب من مواطنيه أصول الفلسفة وفروعها، ولكنه يعلِّمهم أيضًا كيف تكون الرجولة الصادقة، وكيف تكون العزة الأبية، وكيف تكون الحرية التي لا تستطيع الذلة أن تجد إليها سبيلًا، ثم كيف يكون الإخلاص للحق والوفاء له، والثبات عليه والتضحية في سبيله بكل عزيز، والاحتمال في سبيله بكل مكروه.
في ذات يوم اضطربت مدينة براج وما حولها من المدن بحديث خطير، فقد استكشف نسخة خطية لكتاب يُثبِت أنَّ البوهيميين كانوا أصحاب ثقافة وأدب وفن في القرن الثاني للمسيح، حين كان الألمان جهَّالًا متوحشين يرتدون جلود الحيوان، ويعيشون أخشن العيش.
وتستطيع أن تقدِّر أثر هذا الكتاب المستكشف في نفس أمة قد استذلها الألمان، وهي تطمح إلى الحرية وتلج فيها، ولكن الأستاذ درس الكتاب، وإذا هو يعلن — لا مترددًا ولا قادرًا لاضطراب الرأي العام قدرًا — أنَّ هذا الكتاب منحول مصنوع لا أصل له، وهو إذن لا يثبت شيئًا، وأنَّ مجد الأمم لا ينبغي أنْ يقوم على الكذب، ولا أن يعتمد على التضليل، وإذا الرأي العام كله عدو لهذا الأستاذ، الذي لم يتجاوز السادسة والثلاثين من عمره، وإذا الناس كلهم ينكرونه ويمكرون به ويكيدون له ألوان الكيد، ولكنه ثابت في موقفه يعلن أنَّ الكتاب منحول مصنوع، ويجهر بأن مجد الأمم لا ينبغي أن يقوم على الكذب، ويعتمد على التضليل، وتشتد عليه العاصفة، ولكن الشجرة ثابتة لا تنثني ولا تنحني، حتى إذا مضت أيام ثم أسابيع ثم أشهر ثم أعوام تبيَّنَ الحق؛ فإذا الكتاب مصنوع، وإذا الأستاذ لم يكن خائنًا للوطن، ولا منكرًا لمجده القديم، وإذا الذين كانوا ينكرونه قد عرفوه، وإذا الذين كانوا يمكرون به قد أحَبُّوه، وإذا الذين كانوا يكيدونه له قد وثقوا به فأرسلوه نائبًا عنهم في البرلمان.
لم يُخِفْه تنكُّر الرأي العام له، ولم تغرره ثقة الرأي العام به، ولم يتحول عن حبه للحق ووفائه له؛ لأنه كان يحب الحق لنفسه لا ليخاصم به الشعب، ولا ليصيد به الشعب. وفي ذات يوم قُتِلت فتاة وأُخِذ يهوديٌّ من أبناء السبيل فاتُّهِمَ بقتل الفتاة، وعظم أمر هذه الحادثة لأن الناس ظنوا أنها جريمة دينية، ولكن الأستاذ تتبع القصة ودرس القضية واستيقن أنَّ اليهودي بريء، وكان قد قُضِي على هذا اليهودي بالموت، فطلب إعادة النظر في الحكم وألحَّ في ذلك، وهناك تنكَّر له القصر، وتنكَّر له السلطان، وتنكَّر له الرأي العام كله، وضاق به الشباب أشد الضيق، ولكنه لم يحفل بشيء من ذلك، وإنما مضى في دعوته إلى ما يرى أنه الحق، وأقبل ذات يوم إلى الجامعة؛ فإذا الطلاب قد وقفوا يريدون منعه من إلقاء الدرس، وقد جاهدهم وجاهدوه حتى نفذ إلى حجرة الدرس وهَمَّ أن يتكلم، فصاحوا به حتى أخفوا صوته، وهَمَّ أن يكتب فمنعوه من الكتابة، وأقبل العميد فرَجَا منه أن ينصرف، فانصرف عن الدرس ولكنه لم ينصرف عن الدعوة إلى الحق، حتى اضطر السلطان إلى أن يغيِّر الحكم فيكتفي بسجن اليهودي ويصرف عنه الموت، ثم تمضي الأيام وتتابع الحوادث حتى تُعلَن الحرب الكبرى، وإذا صاحبنا في جنييف ومعه نفر من أصدقائه همهم همه وهواهم هواه، كلهم كاره لسلطان الأجنبي، كلهم راغب في استقلال الوطن، كلهم عدو لسلطان النمسا، ساخط على آل هبسبورج، وإذا هم يؤلفون من أنفسهم مجلسًا وطنيًّا يعمل أول الأمر في جنييف، ثم ينتقل إلى باريس، ثم يعظم نشاطه وينبسط سلطانه؛ فيؤلِّف جيشًا من مواطنيه يبلغ نحو خمسين ومائة ألف من المقاتلين في صفوف الحلفاء، ثم لا يأتي أكتوبر من سنة ١٩١٨م حتى يعلن استقلال تشكوسلوفاكيا في الرابع عشر من هذا الشهر، ثم لا يمضي شهر حتى تعقد الجمعية الوطنية في براج، وإذا الجمهورية قد أُقِيمت، وإذا دستورها قد أُعلِن، وإذا توماس مازاريك قد انتُخِب رئيسًا للجمهورية، وإذا الدستور يخصه بميزة لا يشاركه فيها أحد من مواطنيه، فهو قابل للانتخاب لرياسة الجمهورية كلما جاء ميعاد الانتخاب أثناء حياته، على حين لا يباح لغيره أن ينتخب لرياسة الجمهورية إلا مرتين.
وسيُنتَخَب للمرة الرابعة رئيسًا للجمهورية، وفي الرابع والعشرين من هذا الشهر.
هذا هو الطفل الذي كان أبوه يسوق عربة في قرية من القرى، وكانت أمه خادمًا لسيدة من سيدات القصر، وكان أبوه يريد أن يجعله حدادًا، فجعلته نفسه الكبيرة رئيسًا للجمهورية في وطنه، بل مؤسِّسًا للجمهورية في وطنه، بل مُعلِنًا للاستقلال في وطنه، بل بطلًا من أبطال الديمقراطية الحديثة وفيلسوفًا من فلاسفتها، فما أجدر الشباب أن يعرفوه، وأن يحبوه، وأن يتخذوه مثلًا من هذه المثل العليا التي تُحتذَى، وما أجدرهم أن يقرءوا عنه وعن مذهبه في الديمقراطية وأصول الحكم فصلًا ممتعًا رائعًا، نشرته مجلة «الالستراسيون» في عددها الذي صدر في ٢٨ أبريل سنة ١٩٣٤م.
الجامعة المصرية في عالم الحرية
Share:
Leave a Reply