Tag: political philosophy

  • جهد هائل

    جهد هائل
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ٢٦ مايو ١٩٦٢

    أجَلْ جهد هائل هذا الذي بذله رئيس الجمهورية ليضع هذا الأثر الرائع الذي يسميه الميثاق الوطني.

    ولست أدري كيف وجد الوقت وأين وجد القوة ليفرغ لهذا العمل الخطير ويخرجه في صورته الرائعة التي عرضها على المؤتمر الوطني منذ أيام؛ فهو مُثقل بأعمال جِسام تنوء بالعُصبة أولي القوة، وتستغرق ليله ونهاره، ولا تُتيح له أن يستريح ولا أن يُريح أعوانه الذين يعملون معه من قرب.

    وهو على كثرة الأعمال وثقلها الفادح واستغراقها لأكثر وقته قد استطاع — ولست أدري كيف استطاع — أن يَفْرُغ لدرس الحياة المصرية من جميع أقطارها؛ لدرسها أثناء تاريخ الشعب المصري على طوله والتوائه وتعقده في كثير من العصور، ولدرسها في حاضرها المعقد المثقل بالمشكلات من جميع الألوان، ولتصورها، بل تحققها في مستقبلها البعيد الذي نعرف أوله ولا نستطيع أن نعرف دقائقه على مر الأيام والسنين.

    ولاستخراج هذه الحقائق الخصبة البارعة التي تحدَّث بها إلى الشعب مساء الإثنين الماضي.

    لقد سمعتُ الميثاق حين عرضه الرئيس على المؤتمر وقرأتُه بعد ذلك، وأعترف بأني لا أكاد أقضي العجب من قدرته، مع وقته الضيق وقوَّته الموزَّعة، على أن يخرجه كما عرضه واضحًا جليًّا لا غموض فيه ولا التواء.

    إنما هو توفيق كتبه اللَّه له، وأرجو أن يكتب له أمثاله في كل ما يحاول من قول أو عمل؛ لأنه حين يعرض لحياة الشعب بالقول أو العمل لا يفكر في نفسه ولا يحفل بجهده ولا بقوَّته ولا بطاقته، قد أخلص نفسه للوطن وأخلص له قلبه وضميره، فأحسن الله إليه كما يحسن هو إلى مواطنيه.

    وأنا مع ذلك أسأل نفسي عن هذا البحث الرائع العميق الذي أخرجه الرئيس: أهو حقًّا ميثاق وطني، أم هو كتاب مفصل يشتمل على كل ما تحتاج إليه لتستخرج منه خلاصة واضحة جلية يفهمها ويتمثَّلها كل من قرأها أو سمعها، في غير احتياج إلى وقوف عند هذه العبارة أو تلك، وفي غير احتياج إلى سؤال عن معنى هذه الجملة أو تلك؛ خلاصة يقرؤها القارئ ويسمعها السامع في وقت قصير لا يتجاوز الساعة بل لا يَبْلُغُها.

    هذا أجدر أن يصل إلى قلوب الناس جميعًا، سواء منهم ذو الثقافة العالية وذو الثقافة المتوسطة، ومن لم يُتح له حظ ذو بال من الثقافة.

    فقد كنت أظن أن الرئيس سيقرأ الميثاق على المؤتمر في نصف ساعة أو في أكثر من ذلك قليلًا، ولكنه احتاج إلى ستِّ ساعات ليقرأ هذا الميثاق.

    وأنا أعلم أنه قد قوطع كثيرًا بالتصفيق والهتاف، ولكني أعلم أني حين فرغت لقراءته لم أقرأه في ساعة ولا ساعتين. أقول هذا ولا أريد به أن النص الذي عرضه الرئيس قد طال أكثر مما ينبغي، بل أنا معجب بما أُتيح للرئيس من الإيجاز ليقول في هذا النص كل ما قاله، ولكن الميثاق الوطني الذي يوجه إلى الشعب على اختلاف طبقاته وعلى اختلاف حظوظه من المعرفة والثقافة، يجب أن يكون — فيما أعتقد — أقصر وأيسر من ذلك.

    ولقد كنت أقرأ هذا النص، وأفكر في كتاب من هذه الكتب السياسية والاجتماعية التي ينشرها الفلاسفة والممتازون من الساسة؛ ليقرأها أهل العلم وأصحاب الثقافة، ولعل كتاب رأس المال لماركس قد خطر لي مرات أثناء قراءة هذا النص.

    فهذا النص إذن هو رسالة من الرئيس إلى الشعب يضع فيها أصول الحياة التي تنبغي، لا للشعب المصري وحده؛ بل للأمة العربية كلها، ولشعوب أخرى تسعى إلى الرقي وإلى الحياة الحرَّة الكريمة التي تقوم على العدل والإخاء المساواة. ومن هذا النص — الذي هو منهاج فلسفي مفصل — يجب أن يستخلص البرنامج الموجز للحياة المصرية، الذي يستطيع كل إنسان أن يقرأه وأن يفهمه وأن يستجيب له بقلبه وضميره في غير مشقة ولا عناء. ولو أطاعني المؤتمر لانتخب من بين أعضائه لجنة من المختصِّين تتدبر هذا المنهاج وتتعمقه وتستخلص منه النص الموجز الذي أشير إليه.

    لقد استجبتُ لهذا المنهج حين سمعته من الرئيس، وازددتُ استجابة له واقتناعًا به واطمئنانًا إليه حين فرغتُ بعد ذلك لقراءته. ولم أقف إلا عند نقطتين اثنتين لم تطمئن إليهما نفسي؛ فأما أولاهما فتاريخية لا تمس الحاضر ولا المستقبل، وليس الخلاف فيها إذن خلافًا في البرنامج الذي يريد الرئيس أن تقوم عليه الحياة المصرية، وذلك حين تحدث الرئيس عما صارت إليه أمور الأحزاب المصرية بعد المطالبة بالاستقلال في أعقاب الحرب العالمية الأولى.

    وكل ما قاله الرئيس عن هذه الأحزاب وما كان من اختلافها وتنافسها في الحكم واستباقها إليه، لا غبار عليه ولا معنى للجدال فيه، ولكن الرئيس تحدث عن المثقفين وعن نشاطهم في هذه الفترة بين الثورتين؛ ثورة سنة ١٩١٩ والثورة القائمة. ويخيل إليَّ أنه لم ينصفهم الإنصاف كله، فهم قد انضموا إلى الأحزاب، واختلفوا كما اختلفت هذه الأحزاب، وأضاعوا في السياسة العقيمة كثيرًا من جهودهم وأوقاتهم. ولكنهم في الوقت نفسه لم يخضعوا جميعًا للإغراء، ولم يتنافسوا جميعًا في الحكم، ولم تكن جهودهم كلها عقيمة، وإنما كانت لهم جهود صادقة باقية الأثر. وما أشكُّ في أن الرئيس يعرف هذه الآثار ولا يجحدها، فهؤلاء المثقفون قد أثاروا في هذه الفترة نهضة فكرية ونشاطًا عقليًّا لا سبيل إلى الجدال فيهما، فهم قد أيقظوا الشعب وعلَّموه بما ألَّفوا من الكتب وما نشروا من الأدب، بل بكثير مما كتبوا في السياسة، وهم قد كانوا قوام التعليم في المدارس والمعاهد على اختلافها، وهم قد نهضوا بأعباء الجامعة بل بأعباء الجامعات الثلاث؛ جامعة القاهرة وجامعة الإسكندرية وجامعة عين شمس، وهم قد خرَّجوا ألوفًا كثيرة من الشباب الذين ينهضون في هذه الأيام بأعباء الحياة، لا في مصر وحدها بل في غيرها من البلاد العربية، وكنت أود لو أنصفهم الرئيس شيئًا بعد أن ذكر انضمامهم إلى الأحزاب وانسياقهم معها.

    هذه واحدة، أما النقطة الثانية التي وقفت عندها حين سمعت الميثاق، فهي ما ذكره الرئيس حين تحدث عن مهمة الجامعات، فأكد — وله الحق في ذلك كل الحق — أن العلم ينبغي أن يتجه إلى إصلاح الحياة وترقيتها، ولكنه قال: إن العلم للعلم في حد ذاته مسئولية لا تستطيع طاقتنا الوطنية في هذه المرحلة أن تتحمل أعباءها. وقد وقفت عند هذه الجملة؛ لأني أعتقد أن العلم للعلم تبعة نستطيع أن نحتملها في هذا الطور من أطوار حياتنا. ذلك أن على الجامعات والمعاهد العليا أن تعلم الشباب تعليمًا صحيحًا صالحًا يُمكنهم من النهوض بأعباء الحياة والنفوذ من مشكلاتها ومن إصلاح الحياة وترقيتها، فإذا وجد بين هذه الألوف الكثيرة من طلاب العلم من ملك حبُّ العلم عليه نفسَه وأراد أن يُخلص قلبَه وعقلَه للدرس وأن يقف حياتَه على البحث العلمي، فلا ينبغي أن نردَّه عن ذلك ولا أن نغريه بالانصراف إلى الخدمة العملية، بل يجب أن نشجعه كل التشجيع على أن يمضي في الدرس والتحصيل وتعمق حقائق العلم؛ لأن ذلك من خير ما تُخدم به الشعوب. فمن يدري لعل هذا الذي وقف حياته على العلم وأخلص نفسه للبحث والدرس، أن يستكشف ذات يوم حقيقة من الحقائق العلمية تملأ الحياة من حوله معرفة ونورًا، وعسى أن يكون لها الأثر كل الأثر في إصلاح الشعب وترقيته، وهي على كل حال تشرف الشعب وترفع مكانته بين الشعوب. والمواهب فضل يؤتيه الله لمن يشاء، ولا ينبغي أن يُرَدَّ أصحابُها أو يُصَدُّوا، فكلٌّ ميسر لما خُلق له.

    وأنا بعد ذلك مطمئن إلى أن هؤلاء الذين قد يُخلصون أنفسَهم للعلم ويقفون حياتهم عليه، لن يكونوا إلا قِلَّة قليلة، لا في شعبنا وحده بل في شعوب الأرض كلها.

    وقد ذكرت هاتين النقطتين اللتين وقفت عندهما لسبب واحد، هو أن الرئيس نفسه يؤكد في الميثاق أن النقد ضرورة من ضرورات الحياة الناهضة.

    وأنا بعد ذلك لا أدري كيف أهنئ الرئيس بهذا التوفيق الرائع، وكل ما أملكه هو أن أسأل اللَّه مخلصًا أن يُتيح له أمثال هذا التوفيق في كل ما يحاول من جهد في سبيل ترقية الشعب ورفع مكانة الوطن.

  • بين العدل والحرية

    بين العدل والحرية

    طه حسين

    الكاتب المصري

    يونيو ١٩٤٦

    مسألة واحدة تلقى في كل مكان متحضر وفي كل بيئة مثقفة، يلقيها بعض الناس على بعض، ويلقيها الأفراد على أنفسهم عن إرادة وتعمد واختيار حينًا، وعلى غير إرادة ولا شعور ولا اختيار حينًا آخر.

    يلقيها بعض الناس على بعض، ويلقيها الأفراد على أنفسهم، عامدين إلى الدرس والتحليل، محاولين أن يجدوا لها جوابًا، شاعرين بذلك مريدين له؛ وتلقيها الحياة العاملة على الأفراد والجماعات في كل لحظة وعند كل فرصة، ويعجز الناس في كثير من الأحيان عن أن يجدوا لها حلًّا حاسمًا حازمًا، أو جوابًا قاطعًا ساطعًا. وهم من أجل ذلك يضطربون في حيرة متصلة، تظهر آثارها واضحة في أقوالهم حين يتحدثون، وفي أعمالهم حين يعملون.

    أيمضي العالم إلى تحقيق العدل أم إلى تحقيق الحرية؟ هذه هي المسألة — أو قل هي المشكلة — التي ألقاها القرن التاسع عشر على بعض العقول في أوروبا، والتي جعلت تتسلط على هذه العقول قليلًا قليلًا حتى شغلتها واستأثرت بها، ثم تجاوزتها إلى عقول أخرى، ثم جعلت تتنزل شيئًا فشيئًا من الطبقات المفكرة الممتازة إلى الطبقات الوسطى، ثم إلى الطبقات الدنيا، ثم استأثرت بالتفكير السياسي كله في أواخر القرن الماضي، حتى انقسمت لها أوروبا شيعًا وأحزابًا. ثم عظم استئثارها بالحياة الأوروبية في أوائل هذا القرن، ولا سيما في أعقاب الحرب العالمية الأولى، حتى اضطربت لها أوروبا اضطرابًا شديدًا، واضطرب لها العالم خارج أوروبا اضطرابًا شديدًا أيضًا، كان من آثاره أن ثارت الحرب العالمية الثانية، وصبَّت على العالم ما صبَّت من الشر والهول.

    وقد انتهت الحرب العالمية الثانية، كما انتهت الحرب العالمية الأولى دون أن تجد إحداهما جوابًا لهذه المسألة أو حلًّا لهذه المشكلة، وإنما كانت نتيجة الحربين أنَّ المسألة ظلت قائمة، ولكنها ازدادت شدة وإلحاحًا، وأنَّ المشكلة ظلَّت قائمة، ولكنها ازدادت صعوبة وتعقيدًا. والله وحده يعلم أيحتاج العالم إلى حرب ثالثة لتجيب على هذه المسألة وتحل هذه المشكلة، أم يستطيع السلام المنظم أو غير المنظم أن يُخرج الإنسانية من حيرتها، ويسلك بها إحدى الطريقتين: طريق الحرية، أو طريق العدل.

    ومن الخطأ أن نظن أنَّ هذه المسألة حديثة، لم يعرفها الإنسان إلا حين ألقاها القرن التاسع عشر، وإنما هي مسألة قديمة عرفها الإنسان منذ عصور بعيدة جدًّا. وقد يستطيع الفلاسفة الذين يدرسون التاريخ ويحللونه أن يستقصوا أصل هذه المسألة، وأن يتتبعوا تطورها منذ فرضها العقل على الإنسان المتحضر فيما يسمونه فجر التاريخ.

    وليس من شك في أنَّ الفلاسفة قد فعلوا، فدرسوا الحضارة منذ نشأتها، واستقصوا أمر الصراع بين الحرية والعدل في أطوار الرقي الإنساني على اختلافها، ثم انتهوا إلى ما انتهى إليه العالم الآن من هذه الحيرة المتصلة والاختلاط الشديد: فمنهم من آثر الحرية؛ لأنها تحقق كرامة الإنسان، وتتيح له أن يكمل نفسه، ويظفر بشخصيته موفورة تامة، وفريق منهم آثر العدل؛ لأنه يرضي حاجة الإنسان إلى المساواة، ويتيح له حظًّا من الإنصاف يعصمه من استعلاء القوي على الضعيف، وتحكُّم الغني في الفقير، وتفوُّق القادر على العاجز. وفريق آخر حاول أن يلائم بين العدل والحرية، فلم يبلغ من هذه المحاولة شيئًا ذا خطر؛ لأن العدل المطلق والحرية المطلقة لا يستطيعان أن يلتقيا، إلا إذا قيدت الحرية وقيد العدل، وانتقص كلاهما من أطرافه فشوه خَلْقه تشويهًا ما. هنالك يستطيعان أن يلتقيا لقاءً لا يخلو من تشويه تتأثر به الحياة الإنسانية نفسها، فتدفعها الحرية إلى العمل والنشاط، ويدفعها حب العدل إلى الاختلاف والاختصام، وتنتهي إلى هذا التطور الذي نشهده الآن كما شهدناه في العصور المختلفة، والذي يبثُّ فيها العداوة والبغضاء ويملؤها شرًّا ومكرًا وكيدًا، ثم يدفعها حينًا بعد حين إلى حرب من هذه الحروب التي لا تُبْقِي ولا تذر، والتي تزداد على مر الأيام بشاعة ونكرًا.

    ومن الخطأ كذلك أن نظن أنَّ هذا الصراع بين الحرية والعدل مقصور على بيئة إنسانيَّة دون بيئة، أو على مكانٍ من العالم المتحضر دون مكان، وإنما الواقع الذي نستطيع أن نلاحظه في كل وقت هو أن هذا الصراع قائم في البيئات الإنسانية المثقفة كلها، وفي أجزاء العالم المتحضر كلها أيضًا، يقوى ويعنف حيث ترقى الحضارة وتتفوَّق، ويضعف وتخفُّ وطأته حيث تركد الحضارة وتميل إلى الخمود، ولكنه موجود دائمًا ومتَّصِل على كل حال.

    ويكفي أن ننظر إلى العالم المتحضِّر الذي نعيش فيه اليوم لنتبين أنَّ الصراع بين الحرية والعدل عنيف إلى أقصى غايات العنف في أوروبا وأمريكا، وأن عنفه في هاتين القارتين أشد منه في القارات الأخرى، وإن كان يختلف قوةً وضعفًا باختلاف الأمم والشعوب.

    وليس المهم أن ندرس هذا الصراع بين العدل والحرية درسًا مفصلًا مستقصًى، فذلك شيء لا سبيل إليه، بل لا حاجة إليه الآن، وإنما المهم أن نلاحظَ مظاهر هذا الصراع في أوروبا وأمريكا وفي بلاد الشرق الأدنى خاصة؛ لنتبين إلى أي طريق نحن مسوقون، وإلى أي غاية نحن مدفوعون. وليس من شك في أنَّ إلغاء المسافات في الزمان والمكان قد جعل شرقنا الأدنى متصلًا بأوروبا وأمريكا اتصالًا يوميًّا دقيقًا، بحيث لا نستطيع أن نفلت — مهما نحاول ذلك — من التأثر بما يحدث في هاتين القارتين من الأحداث والخطوب، وما يثار فيهما من المصاعب والمشكلات. ومن المحقق أنَّ الشرق الأدنى لو استُؤمِر حين أثيرت الحرب العالمية الأولى لآثر العافية، ولتمنَّى أن يلتزم هذه الحيدة التي تجنِّبه أخطار الحرب وأهوالها. ولكنه لم يُستَأْمر ولم يكن من الممكن أن يستأمر؛ لأنه كان ميدانًا من ميادين الحرب وغرضًا من أغراضها. وهو كذلك لم يُستأمر حين أثيرت الحرب العالمية الثانية، ولم يكن من الممكن أن يُستأمر؛ لأنه كان ميدانًا من ميادين الحرب وهدفًا من أهدافها. وأكبر الظن أنه لن يُستأمر إذا أثيرت حرب عالمية ثالثة؛ لأنه سيكون من أهم ميادين الحرب، ومن أعظم أغراضها خطرًا.

    فينبغي للشرق الأدنى إذن أن يوطِّن نفسه على أنه جزء من هذا العالم المتحضر الحديث، الذي يضطرب أشد الاضطراب بهذا الصراع العنيف المتصل بين الحرية والعدل، متأثر — سواء أراد أو لم يرد — بهذا الصراع، وبما يكون له من أثر في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والخير أن يوطِّن نفسه على ذلك، وأن يعدَّ له عدته، وأن يقبل عليه مريدًا لهذا الإقبال لا مكرهًا عليه إكراهًا.

    ولم يخطئ الشاعر حين قال:

    إذا لم يكن إلا الأسِنَّة مركبٌ فلا رأي للمضطر إلا ركوبها

    وليس للشرق الأدنى بدٌّ من أن يركب هذه الأسنة، فإذا أراد أن يحيد عنها أو أن يتجنب ركوبها، فلن يجد إلى ذلك سبيلًا. وحَسْبُه أن يعلم أنَّ هذا ليس مقصورًا عليه، وإنما هو المصير المحتوم لكل جزء من أجزاء العالم بعد أن أُلغيت مسافات الزمان والمكان. والناس يقولون في كثير من الصواب: إنَّ العالم الآن موضوع للنزاع بين قوتين عظيمتين، تريد كل منهما أن تسيطر عليه وتنشر فيه سلطانها، وتخضعه لما يقتضيه ذلك من مذاهبها في السياسة ونظمها الاجتماعية المختلفة.

    وهاتان القوتان قد تعاونتا أثناء الحرب العالمية الثانية، فاتفقتا ما ظلَّت الحرب قائمة حتى كسبتا النصر، ثم لم تستطيعا أن تمضيا في الاتفاق، فعجزتا عن تنظيم السلم. وقد انتهت الحرب في أوروبا منذ عام وبعض عام وما زال المنتصرون عاجزين عن أن يقروا السلم وينظموه؛ لأنهم عاجزون عن أن يتفقوا فيما بينهم. وليس الخلاف بينهم مقصورًا على تقسيم الغنائم وتوزيع الأسلاب، ولكنه أبعد من ذلك مدًى، وأشد من ذلك عنفًا؛ لأنه يتجاوز الدول المنتصرة نفسها لما تملك من حول وطول ومن قوة وأيدٍ، إلى الشعوب التي تمثِّلها هذه الدول. فالشعوب نفسها مختلفة فيما بينها أشد الاختلاف، يريد بعضها أن يسلك طريق الحرية على أن يكونَ العدل تابعًا للحرية لا متبوعًا، ويريد بعضها الآخر أن يسلك طريق العدل على أن تكون الحرية نافلة تتحقق إن سمح العدل بتحقيقها، ويضحَّى بها إذا لم يكن بدٌّ من التضحية بها في سبيل العدل الشامل والمساواة الكاملة بين الناس.

    ثم تختلف الشعوب في حياتها الداخلية نفس هذا الاختلاف بين الدول، فتكون فيها الأحزاب المتباينة التي يذهب بعضها مذهب الحرية الكاملة، ولا يتردد في التضحية بالعدل إذا اقتضت الحرية هذه التضحية، ويذهب بعضها مذهب العدل الشامل، ولا يتردد في إهدار الحرية إذا اقتضى تحقيق العدل إهدارها.

    وكذلك يشهد العالم هذا المنظر الرائع الغريب؛ دول تختلف فيما بينها، تختصم حول الحرية والعدل، وأحزاب تختلف فيما بينها، تصطرع حول الحرية والعدل، وأفراد يختلفون فيما بينهم يتمارون في الحرية والعدل. والحياة تمضي متعثِّرة في طريقها لا تكاد تخطو خطوات إلى أمامٍ حتى تضطر إلى أن تنحرف إلى يمينٍ أو إلى شمالٍ، وقد تضطر أحيانًا إلى أن ترجع القهقرى، وتعيد للناس نظمًا كانوا يظنون أنها قد ذهبت إلى غير رجعة، ومضت إلى غير مآب.

    وقد يبلغ من اضطراب الشخص الواحد أن يذهب إلى مذهب الحرية إذا أصبح، فلا يكاد يمسي حتى يذهب مذهب العدل. وقد يبلغ من اضطراب الشعب الواحد أيضًا أن ينحرف اليوم إلى يمين ليؤيد الحرية، فإذا كان الغد انحرف إلى شمال ليؤيد العدل، وهو بهذا التذبذب بين اليمين والشمال لا يحقق حريَّةً ولا عدلًا، وإنما يمضي في الاضطراب، ويَغرق في الارتباك إلى أذنيه، وقد يُغرِق معه أممًا وشعوبًا أخرى؛ لأنها خاضعة له أو متأثِّرة به قليلًا أو كثيرًا.

    هذه كلها حقائق يسيرة قريبة، يلاحظها الإنسان حين يقرأ صحف الصباح، وحين يقرأ صحف المساء، وكل ما في الأمر أنه ينظر إليها نظرة سريعة غير متعمِّقة ولا مستأنية، ينظر إليها كما ينظر إلى أحداث الحياة اليومية التي يغيرها مرُّ الغداة وكرُّ العشي. فالشعب الإنجليزي مثلًا حين تخلَّص من سلطان المحافظين في العام الماضي، وألقى بمقاليد الأمر إلى العمال، لم يزد على أن انحرف من طريق الحرية المحافظة إلى الشمال حيث العدل، أو قل — إن شئت — حيث الطموح إلى العدل، وحيث التضحية، أو قل — إن شئت — حيث الاستعداد للتضحية بكثير من حرية الفرد والجماعة في سبيل تحقيق هذا العدل.

    ولكن الشعب الإنجليزي نفسه حين يضطر حكومة العمال إلى أن تلتزم سياسة محافظة خارج بريطانيا العظمى، فلا تفرط في شيء من مستعمراتها، ولا تتخلى عن قليل من مصالحها في البلاد التي تخضع لنفوذها قليلًا أو كثيرًا، وإنما تستمسك بالإمبراطورية، كما تلقتها من حكومة المحافظين، وتحافظ على مصالحها في أقطار العالم كله على نفس النحو الذي كان يصطنعه المحافظون — أقول: إنَّ الشعب البريطاني حين يضطر حكومة العمال إلى أن تسلك هذه الطريقة، لا يزيد على أن يتراجع، فينحرف من شمال إلى يمين، ويضحِّي بشيء من العدل ليستبقي حريته تلك التي أتاحت له أن يستذل ويستغل جزءًا عظيمًا من الأرض.

    والشعب البريطاني حين يتخلص من سلطان المحافظين، ويجعل أمره إلى العمال، ويتيح لرئيس وزرائه ووزير خارجيته أن يتحدثا عن حق الشعوب في تقرير مصيرها، وعن حق العالم في أن يخلص من الاستعباد والاستبداد، يخطو خطوة إلى الشمال في سبيل العدل الدولي، ولكنه لا يلبس أن يعود أدراجه، ويخطو خطوة إلى يمين في سبيل الاحتفاظ بحريته القديمة، التي كانت تتيح له أن يتحكم في مصير الشعوب، وإذا هو يذهب في سياسته مع اليونان ويوجوسلافيا نفس المذهب الذي كان يذهبه المحافظون.

    وهذا الشعب البريطاني نفسه يخطو خطوة إلى شمال، حين يعلن رئيس وزرائه ووزير خارجيته أنه يريد الجلاء عن مصر بلا قيد ولا شرط، ثم لا يلبث أن يعود أدراجه بتأثير المحافظين، وإذا هو يشترط للجلاء شروطًا تلغيه، ويقيده بقيود تمنعه من الحركة والنشاط؛ لأنه يضحِّي بالعدل الدولي في سبيل حريته التي تتيح له أن يتحكم في مصير مصر، فلا يجلو عنها إلا حين يريد، وبالشروط والقيود التي يريد أن يعرضها.

    وهذا الشعب البريطاني نفسه يخطو خطوات إلى الشمال، حين «يؤمِّم» طائفة من المرافق البريطانية، ثم يتردد ويتراجع حين يعرض لتأميم طائفة أخرى من المرافق، يلغي حرية الأفراد والجماعات في سبيل العدل، ولكنه يلغيها بمقدار؛ لأنه لم يؤمن بالعدل إيمانًا كافيًا، ويحتفظ بهذه الحرية للأفراد والجماعات بالقياس إلى بعض المرافق الأخرى؛ لأنه لم يؤمن بالعدل إيمانًا كافيًا أيضًا. فهو مذبذب بين الطموح إلى العدل والاحتفاظ بالحرية، وكل المصاعب التي يلقاها، وكل المشكلات التي تأتلف منها حياته، إنما تأتيه من هذا التذبذب بين العدل الذي يقتضيه التضحية بحرية التسلط على الأمم والشعوب، والتحكم في مصير الدول والأقطار، وبين الحرية التي تحتفظ له بالقدرة على أن يتحكم في مصير هذه الأمم والشعوب.

    والشعب الفرنسي يذهب هذا المذهب نفسه، فهو يتذبذب بين الحرية والعدل؛ يُقبل على انتخاباته العامة في أكتوبر الماضي، فيندفع اندفاعًا قويًّا إلى شمال، ويؤلِّف الكثرة في جماعته التأسيسية من الشيوعيين والاشتراكيين، وإذا هو يؤمم طائفة من مرافقه، ثم لا يلبث أن يأخذه الخوف ويملكه الذعر، وإذا هو يرفض الدستور الذي وضعته له هذه الجماعة التأسيسية الشمالية، فإذا طلب إليه أن ينتخب جماعة تأسيسية أخرى، انحرف إلى يمين، فألَّف كثرتها من المعتدلين، وجعل اليساريين لهم تبعًا أو شيئًا يشبه التبع، ودلَّ بذلك على أنه يريد العدل ولكن بمقدار، ويحرص على الحرية أكثر مما يحرص على أي شيء آخر.

    وقد أنسى أشياء كثيرة قبل أن أنسى حديثين، دار أحدهما بيني وبين رجل من عامة الشعب في مارسيليا قبل رفض الدستور بيوم واحد. فقد قال لي هذا الرجل: إنه سيرفض الدستور إذا كان الغد لأنه لا يريد دستورًا يساريًّا، ولكنه سيصوِّت لليساريين بعد ذلك لأنه يريد الإصلاح الاجتماعي، ولا يريد برلمانًا رجعيًّا أو حكومة مسرفة في الاعتدال. ودار الآخر بيني وبين أستاذ من أساتذة السوربون في باريس بعد أن رفض الدستور بيومين. وهذا الأستاذ يساريُّ الميل متطرف في حبه لليسار، ولكنه رفض الدستور مع أصحاب اليمين. فلما كلمته في ذلك قال: نعم، رفضت الدستور لأني لا أريد أن أخضع للرقابة فيما أنشر من الكتب وما أذيع من الفصول، وما أُلقِي من الدروس والمحاضرات. فهو إذن يريد العدل، ولكن بشرط ألا يقيد هذا العدل حريته حين يكتب أو يقول. وصاحب الصناعة يستطيع أن يقول كما قال هذا الأستاذ ذاته، رفض الدستور اليساري؛ لأنه لا يريد أن يخضع للرقابة فيما تنتج مصانعه، وفيما تغل عليه من ربح.

    وكذلك يتردد الفرنسيون — كما يتردد جيرانهم البريطانيون — بين العدل والحرية: يطمحون إلى العدل، ولكنهم يخافون منه إذا كمل وشمل كل شيء، ويحرصون على الحرية، ولكنهم لا يكرهون تقييدها حين تضطرهم الظروف إلى ذلك. وقل — إن شئت — إنهم يؤثرون الحرية على كل شيء، ولا يضحون بقليل منها إلا ليحتفظوا بما يستطيعون أن يحتفظوا به. فهم يتحدثون عن العدل، كما كان مستر تشرشل يتحدث عن استقلال الشعوب أثناء الحرب. يتحدثون عن العدل على أنه من هذه المثُل العليا التي يتوق الإنسان إليها ويجدُّ في تحقيقها، ولكنه لا يبلغها لأنها من الظرف واللطف والأناقة بحيث تحسن الدلال، وتمتنع على الطامحين إليها والطامعين فيها، تغريهم بنفسها وتدعوهم إلى محاسنها، ولكنها تنأى عنهم كلما دنوا منها، وتتركهم يتمثَّلون قول جميل لبثينة:

    ومَنَّيْتِنِي حتى إذا ما ملكتِنِي بقولٍ يُحِلُّ العُصْمَ سهل الأباطحِ

    تناءيتِ عني حين لا لِيَ حيلةٌ وغادَرتِ ما غادرت بين الجوانحِ

    وهم يحبون من المثل العليا هذا التدلُّل والامتناع، وهم يستمتعون بلذة هذه النار التي تضطرم بين جوانحهم وتحرق قلوبهم شوقًا إلى العدل، وهم يكرهون أن تخمد هذه النار وأن تبرد جوانحهم، وأن يبلغوا العدل فيطمئنوا إلى أنهم بلغوه. وهم يحبون الحرية على نحو آخر، يحبون أن يأخذوها بين أيديهم، ويضموها إلى صدورهم، ويستمتعوا منها بأعظم حظ ممكن، لا ينالون منها حظًّا إلا طمعوا في حظ أعظم منه، ولا يفقدون منها شيئًا إلا تقطَّعت قلوبهم عليه حسرات؛ ذلك لأن هناك فرقًا خطيرًا جدًّا بين الاستمتاع بالحرية والاستمتاع بالعدل.

    فالاستمتاع بالحرية يثير هذه اللذة المتَّعبة؛ لأنه يدفع إلى العمل والنشاط، ويغري بالكد والجد، ويمنع الإنسان من أن يريح ويستريح. أما الاستمتاع بالعدل فمريح حقًّا؛ لأنه يقتل الطمع، ويُغري بالرضا، ويزين القناعة في القلوب، أو قل: يفرض القناعة على القلوب فرضًا. فأي غرابة في أن يكون الإنسان أشد إيثارًا للحرية التي تملؤه قوة ونشاطًا، وتدفعه إلى الأمل والعمل، وتمسكه في هذا القلق الحلو المتصل، الذي لا يعرف الرضا ولا يحب الاطمئنان، منه للعدل الذي لا يثير قوة ولا نشاطًا، ولا يدفع إلى مزيد من أمل أو عمل، والذي يملأ القلوب أمنًا ورضًا ويعصمها من القلق والخوف!

    والأمر في سائر أوروبا الغربية كالأمر في فرنسا وبريطانيا العظمى: حب مؤكد للحرية، وحرص مصمم عليها، وطموح إلى العدل كما يطمح العشاق العذريون إلى من يعشقون.

    وحَسْبُك أن تنظر إلى بلجيكا وهولندا، فهما كبريطانيا العظمى وفرنسا، تمجدان العدل، وتُغنِّيان بمحاسنه، ولا تكرهان أن تحققا منه شيئًا في الأرض البلجيكية والهولندية مختارتين أو مضطرتين، ولكنهما في الوقت نفسه تُؤْثِرَان الحرية أشد الإيثار: تؤثرانها في السياسة الخارجية؛ فالعدل لم يُخلَق لإندونسيا مثلًا ولا للكونجو البلجيكية، كما أنه لم يخلق للمستعمرات البريطانية والفرنسية وللشعوب الضعيفة بوجه عام. وهو إن كان قد خُلِقَ لأوروبا، فإنما خلق لها لتصيب منه بمقدار، كالملح الذي يُصلح قليله الطعام فإذا كثر فسد له الطعام فسادًا شديدًا. ولذلك تحتفظ بلجيكا وهولندا — كما تحتفظ فرنسا وبريطانيا العظمى — بحرية واسعة شديدة السعة للأفراد والجماعات، وتحاولان تحقيق شيء من العدل؛ لتُسكتا هؤلاء الطامعين فيه المطالبين به، الذين لا ينفكون يجأرون بطلب العدل الاجتماعي حين يمسون وحين يصبحون.

    وليس من اليسير أن نتبين ميول ألمانيا المنهزمة؛ فهي لم تظفر بعدُ بهذا القدر اليسير من الحرية لتعرب عما تريد في مستقبلها القاتم، ولكنها — على كل حال — قد قُسمت بين المنتصرين، يحتل كل منهم جزءًا من أرضها. وهؤلاء المنتصرون يهيئون الشعب الألماني، أو يحاولون تهيئته لما يحبون ويألفون من مذهب في السياسة والاجتماع. فأوروبا الغربية وأمريكا تهيئان جزءًا من الشعب الألماني — أو تحاولان تهيئته — لهذه الديمقراطية التقليدية التي تؤثر الحرية على العدل، وتتخذ الإصلاح الاجتماعي وسيلة إلى إرضاء الطبقات البائسة من جهة، وإلى الدفاع عن نفسها والاحتفاظ بما بقي لها من السلطان والقوة من جهة أخرى. ولكن روسيا السوفييتية تحتل جزءًا عظيمًا من ألمانيا، وهي تهيئه — أو تحاول تهيئته — لمذهبها في السياسة والاجتماع. ومذهبها واضح معروف؛ فهي تؤثر العدل والمساواة وإلغاء التنافس والتزاحم والتفوق والامتياز على الحرية، وما تستتبع من اصطراع بين الأفراد والجماعات، واستباق إلى تحقيق المنافع، واستئثار بهذه المنافع إذا تم تحقيقها.

    وهذا الخلاف العنيف القائم بين هاتين القوتين: قوة الحرية في أمريكا وغرب أوروبا، وقوة العدل في روسيا، هو الذي جعل حياة المنتصرين عسيرة منذ وَضَعت الحرب أوزارها في الشرق والغرب، وهو الذي حال بينهم وبين الاتفاق حين اجتمعوا في أكتوبر الماضي، وحين اجتمعوا في أبريل ومايو، ويوشك أن يحول بينهم وبين الاتفاق حين يجتمعون بعد أيام قليلة في باريس.

    وليس الستار الحديدي الذي يقال إن روسيا قد ألقته من دون جزء عظيم من أوروبا الشرقية والجنوبية إلا سورًا منيعًا يحول بين الحرية والعدل وبين أن يلتقيا وجهًا لوجه ويصطدما في ميدان واحد. فأوروبا الغربية خاضعة للحرية، وما تستتبع من تنافس وخصام، وأوروبا الشرقية خاضعة للعدل، وما يستتبع من تسلط وقهر وكبح لجماح المنافع والأطماع. وإذا أجرت الأمة اليونانية انتخاباتها بأعين الإنجليز والفرنسيين والأمريكيين، وكانت نتيجة هذه الانتخابات ميامنة لا مياسرة، قال الروسيون: إنَّ هذه الانتخابات لم تجر حرة، ولم تكن بمأمن من تدخل الديمقراطية الغربية وما يسندها من رأس المال.

    فإذا دبرت بلغاريا ورومانيا والمجر ويوجسلافيا وتشكوسلوفاكيا شئونها بالانتخابات أو بإقامة الحكومات المؤقتة، وكانت نتيجة هذا كله انحراف هذه الأمم إلى اليسار، قال الإنجليز والأمريكيون والفرنسيون معهم: إنَّ هذه الأمم ليست حرة في تقرير مصيرها، وإنما هي متأثرة بالسلطان الروسي العنيف في كل ما تعمل وفي كل ما تقول. وليس لهذا كله معنًى إلا أنَّ الشعوب الصغيرة في أوروبا قد اضطرت هي أيضًا إلى التذبذب بين مذاهب الأقوياء من أنصار الحرية والعدل، فهي في غرب أوروبا منحازة إلى الحرية؛ لأن الأقوياء من المنتصرين هناك ينحازون إليها.

    والواقع أنَّ إرادة هذه الشعوب لم يُتَحْ لها ما ينبغي أن يتاح لها من الفرص لتظهر جلية لا يشوبها لبس ولا غموض. وقد يكون الموقف الأسباني من أوضح الأشياء دلالة على هذه الخصومة بين العدل والحرية. ويجب أن نلاحظ أنَّ التسلط والقهر هما الأداتان اللتان يصطنعهما العدل كما تصطنعهما الحرية، يدافع بهما كل منهما عن نفسه، ويثبِّت بهما كل منهما سلطانه.

    فالجيش البريطاني هو الذي أيَّد الحرية في اليونان على حساب العدل، والجيش الروسي هو الذي أيَّد العدل في شرق أوروبا على حساب الحرية. وليس لأحد من المنتصرين جيش في إسبانيا الفاشية، ولو قد وجد هذا الجيش لانحازت إسبانيا الفاشية إلى مذهب الحرية إن كان الجيش بريطانيًّا أو أمريكيًّا، وإلى مذهب العدل إن كان الجيش روسيًّا. ولكن إسبانيا ليست محتلة، ولذلك كان موقفها دليلًا واضحًا على اشتداد الخصومة بين هذين المذهبين. فأما أنصار العدل — وهم الروسيون والفرنسيون حين كان الأمر في فرنسا إلى اليسار — فيريدون إلغاء النظام الفاشي في إسبانيا، وإن أدَّى ذلك إلى التدخل العسكري في الشئون الأسبانية. وأيسر ما يطلبونه أن تقطع العلاقات السياسية بين جميع الدول المنتصرة على اختلاف مذاهبها وبين إسبانيا الفاشية، وأن تعترف الدول المنتصرة بالحكومة الأسبانية المنفية، التي أقامت في أمريكا اللاتينية حينًا، وتريد أن تنتقل إلى فرنسا في هذه الأيام. وهم يعتمدون فيما يطلبون على أنَّ الديمقراطية المنتصرة لا ينبغي أن تسمح للفاشية بالبقاء، وعلى أنَّ نظام الأمم المتحدة وميثاق سان فرنسسكو يفرضان ذلك فرضًا، وعلى أنَّ إسبانيا الفاشية قد ظاهرت ألمانيا وإيطاليا؛ لأنها مدينة لهما بالوجود.

    ولكن البريطانيين والأمريكيين يؤمنون هنا بحرية الشعوب إيمانًا يوشك أن يكون تعصبًا؛ فالشعب الأسباني حر في اختيار الحكومة التي تسيطر على أمره، وما ينبغي للسلطان الخارجي أن يتدخل في الشئون الأسبانية الخالصة، ولا أن يفرض على إسبانيا حكومة وإن كانت ديمقراطية، ولا أن يخلص إسبانيا من حكومة وإن كانت فاشية، قد حاربت الديمقراطية، وأعانت عليها ما وجدت إلى ذلك سبيلًا.

    ونتيجة هذا كله أنَّ الشعب الأسباني نفسه منقسم في ظاهر الأمر على الأقل: فريق منه يريد أن يعود إلى النظام الجمهوري اليساري، وفريق آخر يريد أن يحتفظ بالنظام الفاشي الميامن. فأما قبل الحرب فقد أقبلت ألمانيا وإيطاليا في غير تردد على تأييد النظام الفاشي في إسبانيا بالسلاح. وأما بعد الحرب وبعد انتصار الديمقراطية، فإن بريطانيا العظمى وأمريكا تأبيان حتى قطع العلاقات السياسية مع الفاشية الأسبانية، التي أعانت على الديمقراطية ودبرت لها ألوان الكيد.

    فالأمر كله إذن إنما يرجع — قبل كل شيء وبعد كل شيء — إلى الصراع بين هذين المذهبين: مذهب الحرية الذي يعتمد على رأس المال، ومذهب العدل الذي يعتمد على الشيوعية.

    وكما أنَّ روسيا ألقت ستارًا حديديًّا من دون الشرق الأوروبي والجنوب الأوروبي، فإنَّ بريطانيا العظمى وأمريكا تلقيان ستارًا حديديًّا آخر من دون الغرب الأوروبي. وكل هذا قد يكون له خطره في مستقبل العالم، ولكن هناك ما هو أشد خطرًا من هذا كله، وهو أنَّ الشعوب نفسها منقسمة في حياتها الداخلية أشد الانقسام، ينحاز فريق منها إلى الحرية، فيتبع بريطانيا العظمى وأمريكا، ويستعين بهما على خصومه إن احتاج إلى ذلك، وينحاز فريق آخر إلى العدل فيتبع روسيا، ويستعين بها على خصومه إن احتاج إلى ذلك.

    وينشأ عن هذا أن تصبحَ كلمة الاستقلال من الكلمات الجوفاء، التي لا تدل الآن على معنى محقق في حياة هذه الشعوب.

    وقد كان من المضحك حقًّا أثناء الصراع الانتخابي في فرنسا أن يتهم أنصار الحرية خصومهم بأنهم يتلقون الأمر من موسكو، ويريدون أن يجعلوا فرنسا ذيلًا لروسيا، وأن يتهم أنصار العدل خصومهم بأنهم يتلقون الأمر من واشنجطون، ويريدون أن يجعلوا فرنسا ذيلًا لأمريكا.

    والواقع أنَّ أولئك وهؤلاء كانوا يسرفون ويعلمون أنهم يسرفون. فقد أصبحت فكرة العدل أساسًا لمذهب من المذاهب يوشك أن يكون دينًا، وأصبحت فكرة الحرية أساسًا لمذهب من المذاهب يوشك أن يكون دينًا أيضًا. فالذين ينحازون إلى هذا المذهب أو ذاك، ويؤمنون بهذا الدين أو ذاك، مضطرون بالطبع إلى أن يظاهروا شركاءهم في الرأي وإخوانهم في الدين. فانحياز أنصار العدل في فرنسا إلى روسيا كانحياز أنصار الحرية فيها إلى أمريكا، ظاهرة طبيعية يمكن أن تقاس إلى انحياز المسلمين في وقت من الأوقات إلى عاصمة الخلافة، وإلى انحياز النصارى في وقت من الأوقات إلى عاصمة المسيحية في روما.

    على أنَّ هذا الاختلاف بين المذهبيين لم يلبث أن تعقَّد بعد الحرب العالمية الأولى بظهور مذهب وسط يريد أن يحتفظ بالحرية وأن يحقق العدل في الأرض، ولكنه لم ينظر إلى الحرية من حيث هي ولا إلى العدل من حيث هو، وإنما نظر إليهما جميعًا من ناحية خاصة هي ناحية الدين. فأنصار العدل من الشيوعيين والاشتراكيين يعتمدون قبل كل شيء على المادية، التي تجحد الديانات جحودًا تامًّا، وتنظر إلى الحياة الاجتماعية على أنها نتيجة لازمة لتطور تاريخي محتوم.

    وأصحاب الحرية — ولا سيما منذ الثورة الفرنسية — لا يكادون يحفلون بالدين، ولا يكادون يلقون إليه بالًا. فإذا أمكن أن ينشأ مذهب ثالث بين هذين المذهبين، يلائم بين الحرية والعدل من جهة وبين الدين من جهة أخرى، ويتخذ الدين أساسًا لحياة إنسانية جديدة ترتفع عن المادة، وترقى إلى المثل العليا، وتؤمن بأن في الإنسان قوة لا تستطيع أن تحيا ولا أن تثمر ولا أن تتيح للإنسان حظه من الرقي إلا إذا اتصلت بمصدرها القدسي الأول من طريق الإيمان والثقة والأمل — أقول إذا أمكن أن ينشأ هذا المذهب كان في نشوئه الخير كل الخير؛ لأنه يصلح ما أفسدت الثورة، فيرد إلى الدين مكانته في القلوب وسلطانه على النفوس، ويعصم الناس من المادية الجامحة والإلحاد المتمرِّد، ويكفل لهم في الوقت نفسه نصيبًا معتدلًا من الحرية، ويتيح لهم في الوقت نفسه سعيًا متصلًا إلى تحقيق العدل في الأرض.

    وكذلك نشأت الاشتراكية المسيحية التي لا تقيم العدل على الجبر التاريخي، ولا تجعل الإصلاح نتيجة للتطور المادي، ولا تلغي حرية الفرد ولا حرية الجماعات، وإنما تقيم أمور الناس على التعاطف والتعاون والحب، وتجمع قلوبهم حول هذه المثل الإنسانية والإلهية العليا.

    وليس من شك في أنَّ أهوال الحربين العالميتين كان لها أعظم الأثر في إنشاء هذا المذهب وانتشاره وانتصاره في بعض الأقطار. فهذه الأهوال التي صبَّتها الحرب على الناس، وهذه الكوارث التي تغلغلت في حياة الأفراد والجماعات، وهذه القسوة التي قطعت ما بين الناس من أرحام أمر الله أن توصل، كل هذا قد زهَّد الناس في الإيمان بسلطان العلم وتفوقه، وصرفهم عن هذه الفتنة التي ملأت قلوبهم، وملكت أمرهم في القرن الماضي، واضطرهم إلى التفكير في أن العلم ليس كل شيء، وفي أنَّ العقل ليس كل شيء، وفي أنَّ الإنسان لا يأتلف من العقل والجسم فحسب، ولكن له ملكات أخرى لا ينبغي أن تهمل، وحاجات أخرى لا ينبغي أن تزدَرَى.

    ومن أهم هذه الملكات ملكة الشعور، ومن أهم هذه الحاجات الحاجة إلى الإيمان بقوة قدسية مدبِّرة لشئون الإنسان تسمو به إلى الخير، وتنهاه عن الشرِّ، وتنأى به عن الموبقات. وقد أعان على انتشار هذا المذهب وانتصاره بعد الحرب العالمية الثانية، أن أتيح حق الانتخاب للنساء في أكثر الشعوب الأوروبية بعد أن كان هذا الحق مقصورًا على الرجال؛ ولذلك انتصرت الاشتراكية المسيحية في فرنسا أخيرًا بانتصار الحركة الجمهورية الشعبية على حساب الاشتراكيين الماركسيين، وانتصرت الديمقراطية المسيحية في إيطاليا على حساب الاشتراكية الماركسية أيضًا، وأصبحت هذه الاشتراكية المسيحية الجديدة قوة لها خطرها في الحياة السياسية لأوروبا الغربية بوجه عام.

    ولست أدري أيتاح لهذه الاشتراكية المسيحية فوز متصل، أم هي أعقاب الحرب لا تكاد تمضي عليها الأعوام حتى تعود الحياة الأوروبية إلى طبيعتها، ويُستأنف الصراع عنيفًا بين هذين المذهبين: مذهب الحرية ومذهب العدل؟! ذلك أن هذا المذهب الاشتراكي المسيحي جميل رائع في نفسه، مثله في ذلك مثل مذهب العدل ومذهب الحرية، ولكنه لا يكاد يخرج إلى الوجود اليومي ويعالج مشكلات الحياة الطارئة حتى يصيبه ما يصيب المذهبين من هذه الأعراض التي تبغِّضه إلى فريق من الناس وتحببه إلى فريق.

    فالاشتراكية المسيحية لا تلغي رأس المال، وإذن فسيطمئن إليها رأس المال، وسينفر منها طلَّاب المساواة الخالصة والعدل المطلق. والاشتراكية المسيحية لا تنكر الإصلاح الاجتماعي وإنما تدفع إليه دفعًا، وقد تتطرف فيه أحيانًا، وإذن فسيستغلها المتطرفون لتحقيق بعض ما يريدون، وسيشفق منها المحافظون؛ لأنها تكلفهم أكثر مما يريدون أن يتكلفوا. والاشتراكية المسيحية بحكم عنوانها واستمساكها بالدين مضطرة إلى مصانعة الكنيسة، أو قل إلى طاعة الكنيسة وإرضائها، وإذن فسينفر منها جمهور ضخم من الأوروبيين ومن المفكرين الذين قطعوا ما بينهم وبين الكنيسة من الأسباب منذ وقت طويل.

    وخذ مثلًا واحدًا لهذا الموقف الوسط الذي يضطر الاشتراكية المسيحية إلى الحرج في بلد كفرنسا؛ فهذه الاشتراكية المسيحية تطالب بحرية التعليم التي يطالب بها المحافظون الغلاة. وحرية التعليم هذه ينكرها عدد ضخم من الفرنسيين الذين ناصروا الفصل بين الكنيسة والدولة، والذين حملوا الجمهورية الفرنسية الثالثة على أن تجعل التعليم من شأن الدولة خاضعًا لسلطانها ملتزمًا للحيدة الدينية الكاملة.

    فليس بدٌّ إذن من أن تجد الاشتراكية المسيحية كثيرًا جدًّا من العناء حين تعالج هذه المسألة؛ لأن أنصار العدل الماركسي لم يضعفوا ولم يستيئسوا، وإنما هم محتفظون بقوتهم التي تزداد انتشارًا وانتصارًا من يوم إلى يوم. فالاشتراكية المسيحية في حقيقة الأمر توشك أن تكون طورًا من هذه الأطوار الانتقالية، التي تطمئن إليها الشعوب حين تجهدها الحرب، وتكلفها الأزمات من الجهد والمشقة ما لا تطيق. فإذا استجمت واستردت قوتها ونشاطها ضاقت بالمواقف المتوسطة، واستأنفت الصراع بين القديم والجديد، بين المحافظة والتطرف، أو قل — إن شئت — بين الاستمساك بالحرية والطموح إلى العدل.

    والشيء الذي ليس فيه شك هو أن طبيعة الإنسان تدفعه دائمًا إلى الترقي؛ فهو لا يبلغ من الرقي طورًا حتى يسمو إلى طور خير منه، «وحاجة من عاش لا تنقضي.» كما يقول شاعرنا العظيم. والحضارة الإنسانية المادية مسرعة إلى التطور، وإلى تيسير التطرف، وإذاعته، وجعله في متناول الناس جميعًا. فليس للإنسانية بدٌّ من أن تلقي على نفسها دائمًا هذا السؤال: لماذا يتاح النعيم لفريق من الناس ويحظر على فريق آخر؟ لماذا يفرَّق بين الناس في الاستمتاع بالحياة على حين يسوَّى بينهم في الدخول إلى الحياة والخروج منها؟ لماذا يعمل العامل ويزرع الزارع، ويملأ كلاهما الأرض بأسباب الترف ووسائل النعيم؛ لينتفع بنتيجة هذا العمل فريق من الناس لا يعملون ولا يزرعون ولا يبذلون جهدًا ولا يحتملون في الحياة عناءً؟

    ولماذا يتاح الفراغ لقلة من الناس، ويفرض العناء على كثرتهم؟ هذه الأسئلة ألقيت على الناس منذ أقدم العصور، ولكنهم لم يحققوها في أنفسهم كما يحققونها الآن، وهم يعتقدون — مصيبين أو مخطئين، راضين أو كارهين — أن العدل يجب أن يكون هو الغاية الأخيرة للحياة، وأن المساواة الصحيحة في تمكين الناس من أن ينتفعوا بهذا العدل هي الوسيلة إلى تحقيق هذه الغاية الكبرى. فإذا ذكرت لهم الحرية ومآثرها ومحاسنها — وما أكثر ما للحرية من مآثر ومحاسن! — فسيقولون لك: إنَّ الحرية لن تطعم الجائع ولن تكسو العاري ولن تسقي الظمآن، وسيقولون لك: إنَّ الرجل البائس لا يستطيع أن ينتفع بحريته؛ لأن الحرية لا تغني إلا مع الاستطاعة، وسيقولون لك: إنَّ الحرية خير ما في ذلك شك، ولكن بشرط أن تُمنح للناس بعد أن تتحقق بينهم المساواة ويستقر بينهم العدل ويصبح بمأمن من كل عبث ومن كل طغيان. وسيقولون لك: إنَّ الحرية إذا منحت للناس قبل أن يستقر بينهم العدل أثارت بينهم التنافس، وأذاعت بينهم البغض، وأشاعت فيهم الطمع والحسد والحقد، وجعلت بعضهم لبعض عدوًّا.

    وسيستدلون بالتاريخ كله على هذا كله. وسيقولون: يجب أن يتحقق العدل أولًا، وأن يتساوى الناس في الانتفاع بالحياة كما تساووا في الدخول إليها والخروج منها. فإذا تم لهم ذلك فامنحهم الحرية إن شئت. فلن تعرِّضهم للشر، ولن تثير بينهم كيدًا ولا مكرًا ولا غدرًا ولا عداءً.

    وقد تعترض عليهم بأن تحقيق العدل الذي يريدونه، والمساواة التي يطمحون إليها ويطمعون فيها، يدعو إلى كثير من الشر، وأول هذا الشر إلغاء الحرية وإنزال القوي عن قوته والمتفوق عن تفوقه والغني عن غناه، وحمل الناس على ألوان من الحياة متشابهة بغيضة لتشابههما، وأخذُهم بالعنف حتى يحملوا على الجادة ويهتدوا إلى الصراط المستقيم. وقد تضرب لهم الأمثال بما يجري هنا وهناك في البيئات التي حاولت تحقيق العدل والمساواة من العنف المنكر والتسلط الذي لا يطاق، ولكنهم سيجيبونك دائمًا بأن الإنسانية مريضة، وبأن شفاء المريض لا يكون بمداعبته وتدليله، وإنما يكون بحمله على تعاطي الدواء مهما يكن مرًّا بغيضًا، وبحمله أحيانًا على ما هو أشق مشقة وأجهد جهدًا وأثقل ثقلًا من الدواء المرِّ البغيض.

    فالإنسانية بين اثنتين: إما أن تريد الشفاء، فتسلك إليه طريقه المستقيمة، وإما أن تؤثر المرض، فتشقى بآلامه وأثقاله حتى يدركها الفناء. وكذلك ستظل الإنسانية مضطربة بين هذين المذهبين: مذهب العدل وما يقتضي من وسائل قد تكون منكرة في كثير من الأحيان، ومذهب الحرية وما يستتبع من نتائج ليست أقل من وسائل العدل نكرًا. ومن يدري؟! لعل يومًا من الأيام قريبًا أو بعيدًا يرى ذلك الفيلسوف الذي يبتكر للإنسانية مزاجًا معتدلًا من الحياة يتحقق فيه العدل من غير عنف، وتتحقق فيه الحرية من غير ظلم، ويذوق الناس فيه سعادة لا يشوبها بؤس ولا شقاء. ويرحم الله عمر؛ فقد أراد أن يحمل المسلمين على ذلك، ومضى بهم في سبيله قُدُمًا، وحقق لهم منه شيئًا كثيرًا. ولكن الشاعر الذي رثاه لم يخطئ حين قال:

    عليك سلامٌ من إمامٍ، وباركت يد الله في ذاك الأديم الممزَّقِ

    فمن يسعَ أو يركب جناحي نعامةٍ ليدرك ما قدمت بالأمس يُسبَقِ

    قضيت أمورًا ثم غادرت بعدها بوائقَ في أكمامها لم تفتقِ

  • حاملات الشموع

    حاملات الشموع

    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ٧ مارس ١٩٤٦
    لست أدري أي أمير من أمراء الأقاصيص جادل وزيرًا من وزرائه فيما يُحكى عن بعض الفلاسفة من أنه قال إن العادة طبيعة ثانية. وكان الأمير يؤمن لهذه الفيلسوف ببُعد النظر وصِدق الحكم وحصافة الرأي وحُسن الاستقصاء. وكان من أجل ذلك يصدق أن العادة طبيعة ثانية، وأن الحيوان يمكن أن يخرجه التأديب عن طوره الغريزي وعن وحشيته الفطرية، فيتثقف بثقافة الحضارة ويتَّخذ من أخلاقها وآدابها طبيعة ثانية.
    وكان وزيره يُكبِر الأمير أولًا ويُكبِر الفيلسوف ثانيًا، ولكنه يرى أن الحق أكبر من الأمير وأكبر من الفيلسوف، ويرى أن الطبيعة الثانية ليست إلَّا تكلُّفًا لا يستطيع أن يثبُت أمام الطبيعة الأولى والغرائز التي فطرت عليها الكائنات. وقد اشتد الخلاف بين الأمير والوزير حتى كاد الأمير أن يغضب، وغَضَبُ أمراء الأقاصيص خطيرٌ حقًّا ينذر بعواقبَ وخيمة. ولذلك ترفَّق الوزير واستمهل أميره وقتًا ليقيم له الدليل القاطع على أن الطبيعة الأولى أقوى وأعظم سلطانًا من الطبيعة الثانية. وقد منحه الأمير ما أراد من المهلة، فجعل يفكر ويقدر حتى كان المساء، وفي ذلك المساء أقبل إلى القصر باسم الثغر مطمئن القلب راضي النفس أيضًا، وكان الأمير قد دعا إلى وليمة من ولائمه الفخمة. فلما جلس إلى المائدة وجلس من حوله رجال الدولة وأشراف المملكة أقبلت حاملات الشموع، وأَمْرُ حاملات الشموع هؤلاء أعجب من العجب، فلم يَكُنَّ نساءً إماء أو حرائر من نساء الروم أو من نساء الهند أو من نساء السودان، وإنما كُنَّ قططًا قد أُدِّبْنَ تأديبًا رقيقًا وثُقِّفْنَ تثقيفًا متصلًا، وعوِّدن حمل الشموع والقيام بها في قاعة الطعام حين يجلس الأمير إلى مائدته.
    وقد جعل الأمير يتحدث إلى من حوله من رجال الدولة ألوانًا من الحديث فيها تلطُّف وتفكُّه، وإنهم لفي ذلك وإذا كل شيء يضطرب من حولهم، فقد أُلقيت الشموع إلى الأرض، وجعل القطط يزدحمن ويستبقن. وأقبل الخدم يرفعون الشموع الموقدة مخافة الحريق، ويفرقون القطط المزدحمة المستبقة المصطخبة ليردوا إلى القاعدة بعض الهدوء. ونظر الأمير إلى هذا كله مَغِيظًا مُحْنَقًا، ولكن الوزير ابتسم له وانحنى أمامه وقال: أصلح الله الأمير، ألم أقل له في الضحى إن الطبيعة الثانية لا تثبت أمام الطبيعة الأولى؟ قال الأمير: وما ذاك؟ قال الوزير: أترى إلى هذه القطط المستبقة المصطخبة كيف ألقت شموعها وبرئت من أدبها وعادت إلى طبعها؟ قال الأمير: فإني لم أفهم عنك شيئًا! قال الوزير: فإني قد ألقيت إليهن فأرة كنت أخفيتُها في كمي، فلما رأينها ألقين الشموع، وخرجن عن أطوار الحضارة، ورجعن إلى الغريزة الأولى، وازدحمن حول الفأرة أيهن يسبق إليها.
    ومنذ ذلك الوقت صدَّق الأميرُ وصدَّق الناسُ معه أن الطبيعة الثانية ليست إلَّا تكلُّفًا، وأن الطبيعة الأولى هي التي تسيطر آخر الأمر على أعمال الحيوان والإنسان جميعًا.
    هذا مَثَلٌ قريبٌ لما تنعَم به مصر في هذا العهد السعيد، وهو يدعو المصريين إلى أن يفكِّروا ويقدِّروا ويُقدِمُوا عن بصيرة أو يُحجِموا عن احتياط، فهم قد عرَفوا رئيس الوزراء في وزارته الأولى قويًّا لا يعرف الضعف، عنيفًا لا يحب اللين، متسلِّطًا لا يألف الرفق، متحكِّمًا لا يُحِبُّ الاعتدال، ماضيًا إلى ما أراد، لا يصرفه صارفٌ عمَّا أراد، يصطنع اللين والرفق ما واتاه اللين والرفق. فإذا لم يغنيا عنه أسرع إلى الشِّدَّةِ والعنف وإلى البطش والبأس، فلم يقِفْ منهما عند حَدٍّ إلَّا أن يبلغ ما يريد.
    هذه طبيعته التي فُطِرَ عليها، لا يستطيع لها تغييرًا ولا تبديلًا؛ لأن أيًّا كذا خُلِقَتْ كما يقول أصحاب النحو. وقد أقام رئيس الوزراء ستة عشر عامًا بعد أن خرج من وزارته الأولى، يؤدِّب طبيعته ويهديها، ويقوِّم غريزته ويثقفها، ويأخذ نفسه بالرفق الرفيق واللِّينِ اللَّيِّنِ واللطف والظُّرف والتواضع الشديد، والتحبب إلى الناس فيما يقول، والتودد إليهم فيما يعمل، والاعتبار بما يلي من التجارب في وزارته، والاتعاظ بما يبلو غيره من الوزراء في وزاراتهم المتعاقبة. وقد أقام في داره وفي ناديه يراقب الحكومات قاسيًا عليها، ويراقب الشعب حفيًّا به متقربًا إليه، ويراقب الإنجليز منذرًا لهم في تحفُّظ، مُعْذِرًا إليهم في تحرُّج؛ حتى أشفق منه مَن أشفق من الوزراء، واطمأنَّ إليه من اطمأنَّ من أصحاب السذاجة. ثم وثب إلى الحكم في رِفْقٍ وأناة، وجلس على كرسي الحكم في دعة ووقار، وتكلَّم فلم يقُل إلَّا خيرًا. وظنَّ الناس أن طبيعته الثانية قد غلبت طبيعته الأولى، وأن هذا التخلُّق الذي أخذ نفسه به أثناء ستة عشر عامًا قد غلب الخلق الذي فُطِرَ عليه، وقام هو في مجلس النواب يطلب إلى خصومه أن يَنْسَوُا الماضي، وأن يذكروا أن ستة عشر عامًا تكفي لنسيانه، وألَّا يحكموا عليه باسمه وسيرته القديمة، وأن ينتظروا ليروا مسلكه الجديد وسيرته في مستقبل الأيام، وأن يحكموا حينئذٍ عن بصيرةٍ وعن رويةٍ. وقد آمن له قوم كما آمن أمير الأقاصيص لحاملات الشموع، ولم يؤمن له قوم آخرون كما شك وزير الأقاصيص في حاملات الشموع. ولكن الشك لم يطُل، والانتظار لم يثقل على النفوس، فما هي إلَّا أن تمضي أيام وأيام حتى تُلقى الفأرة أمام القطط، وإذا الشموع تهوي إلى الأرض، وإذا الطبع يغلب التطبُّع، وإذا التخلُّق يأتي من دونه الخُلُق كما يقول الشاعر القديم.
    وما أحب أن أفصِّل الحوادث ولا أن أعرض لها، والمصريون جميعًا يرون، والمصريون جميعًا يسمعون، والمصريون جميعًا يستطيعون أن يحكموا عن رَوِيَّةٍ وبصيرة. وما أحب أن أذكر الصحف المصادَرة؛ فالمصريون يعلمون متى يقرءون الصحف، ومتى يحرمون قراءتها. وما أحب أن أذكر الكلام المحرَّف والأخبار المنقوصة؛ فالمصريون جميعًا يعرفون حين يقرءون، أيقرءون كلامًا محرَّفًا أم كلامًا مستقيمًا، أيقرءون أخبارًا مستوفاة أم أخبارًا مقتضبة. والمصريون جميعًا يعرفون أن كثيرًا منهم يستقون الأخبار من لندرة لا من القاهرة، والمصريون جميعًا يعرفون أن صحف المعارضة تُقرأ قبل أن يؤذَن بنشرها، فإن امتنعت عن ذلك واحتجَّت بالقانون واحتجت بالدستور؛ صُودرت بعد طبعها، وحِيل بينها وبين الوصول إلى القُرَّاء. والمصريون يعرفون أن هذه الأعوام الستة عشر لم تغير من طبيعة صدقي باشا؛ لأن الطبيعة أقوى من أن تغيرها العادة، والغريزة أبقى من أن تمحوها الحضارة.
    والمصريون يسألون أنفسهم: لماذا استقال النقراشي باشا؟ وماذا غيَّر صدقي باشا من حكم تلميذه النجيب؟ والمصريون يجيبون على هذا السؤال بأن النقراشي باشا رأى نفسه أضعف من أن يضبط الأمر، وأقصر باعًا من أن يحمل المصريين على الطاعة والخضوع وعلى الإذعان والامتثال؛ فآثر العافية واستقال. وإن صدقي باشا رأى نفسه أطول باعًا وأوسع ذراعًا من تلميذه البارع النجيب. رأى نفسه أقدر على أن يحمل المصريين على الطاعة، وأجدر أن يعلمهم كيف يمشون على البيض فلا يحطموه، وعلى العجين فلا يفسدوه. وهو من أجل ذلك ينهض بأعباء الحكم هادئًا مطمئنًّا، ومستبشرًا باسمًا، لا يعرف القلق إلى نفسه سبيلًا؛ لأن نفسه لا تقلق من شيء ولا تضيق بشيء، وإنما هي نفس قلب تلبَس لكل حالة لبوسها.
    نعم، المصريون يعرفون هذا كله، ولكن المصريين يعرفون أن لهم حقوقًا عند الإنجليز يريدون أن يظفَروا بها، وأن سبيلهم إلى الظفر بهذه الحقوق إنما هي المفاوضة، وأن الشرط الأول والأخير لكل مفاوضة إنما هي الحرية، حرية الشعب لا حرية الحكومة وحدها. وليس الشعب المصري حرًّا، ولا يمكن أن يكون حرًّا وصدقي باشا يسوسه بسياسته التي تلائم طبيعته الأولى. إن من أحمق الحُمق وأسخف السُّخف أن يُقال إن المفاوضين المصريين سيُقبِلون على المفاوضة أحرارًا، فهؤلاء المفاوضون لن يكونوا أحرارًا إلَّا إذا استندوا إلى شعبٍ حرٍّ، واعتمدوا على وطنٍ حرٍّ. لن يكونوا أحرارًا والإنجليز يحتلُّون المدن ويستطيعون أن يطلقوا النار على الشعب كلما خافوا أو توهموا الخوف.
    لن يكونوا أحرارًا وأمرهم وأمرُ مصر إلى رئيس الوزراء، يصنع بهم وبها ما يشاء. سيكون المفاوضون الإنجليز أحرارًا؛ لأنهم يستندون إلى حكومة حرة وإلى شعب حر. وسيكون المفاوضون المصريون مقيَّدِين لأنهم يستندون إلى حكومة مقيدة وإلى شعب مقيد. ولتنتج المفاوضات بعد ذلك ما تشاء لمن يكون ما تنتجه من إملاء من القول، يقبله الضعيف إن شاء فيستريح ويريح، ويرفضه إن أراد فيجني ثمار هذا الرفض، ويا لها من ثمار! ليصدقني المصريون أن أمورهم ليست إليهم، وإنما هي إلى هذه القلة القليلة التي أسلمت زمامها للنقراشي باشا، فكان أضعف من أن يستمسك بهذا الزمام، وقد أسلمت زمامها الآن لصدقي باشا فأظهرت التجربة في هذه الأيام القليلة أنه أشدُّ من تلميذه بأسًا وأوسع حيلةً، وما خفي كان أعظم.

  • الجنة المحرمة

    الجنة المحرمة
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ٢٧ مايو ١٩٤٥

    في هذه الأيام التي يشتد فيها القيظ، ترسل إلينا الشمس فيها أشعتها ضوءًا مشرقًا ولهبًا محرقًا، يصهر الأجسام ويكاد معها يصهر العقول والنفوس.

    في هذه الأيام لا يكره الناس الأحاديث الطوال عن جنات النعيم ذات الظل الوارف والشجر المتكاثف، تجري فيها الأنهار غزارًا ويضطرب فيها النسيم فاترًا ساحرًا، ينعش الأجسام ويحيي النفوس. لا يكره الناس الحديث عن هذه الجنات، ولعلهم ينعمون إن أتاحت لهم أعمالهم بالتفكير فيها واستحضارها في نفوسهم، يستمتعون بالخيال إن لم يُتَحْ لهم أن يستمتعوا بالحقيقة.

    ويُخيَّل إليَّ أننا لا نشقى بهذا القيظ المرهق الذي يهديه إلينا فصل الصيف وحده، وإنما نشقى بقيظ آخر ليس أقل منه إرهاقًا ولا إحراقًا، لا يهديه إلينا فصل من الفصول، ولا يسلطه كوكب من الكواكب، وإنما يهديه الإنسان إلى الإنسان، ويسلطه القوي على الضعيف، وتبسطه علينا هذه الظروف الكثيرة المعقدة الملتوية التي نستطيع أن نجتهد في تحليلها وتعليلها وتأويلها، فلا نجد لها إلَّا مصدرًا واحدًا في حياة الأفراد والجماعات وفي صلات الدول والشعوب، وهو أن العدل لم يستقر بَعْدُ في النفس الإنسانية، ولم يصبح مَلَكة من مَلَكاتها، ومقومًا من مقوماتها، وضرورة من ضروراتها في الحياة، وإنما ظلَّ في هذا العصر الحديث كما كان في العصور القديمة الماضية أملًا من الآمال، تتوق إليه القلوب ولا تذوقه، وتطمح إليه النفوس ولا تبلغه، وتسمو إليه العقول ولا تحققه إلَّا كما يحقق الفقير البائس المحروم جنة النعيم هذه تلتف فيها الأشجار وتجري فيها الأنهار ويترقرق فيها النسيم، وهو يحقق هذه الجنة في نفسه ويتحرق شوقًا إليها وتهالكًا عليها، ولكن حياته القاسية تمسكه فيما هو فيه من بؤس مُلِحٍّ، وحرمان مُمِضٍّ، وعَمَل مُرْهِق، وعَرَق مُغْرِق، وعذابٍ أَلِيم.

    وأرجو ألَّا تظن أني حين أستأنف هذا الحديث إنما أعمد إلى نحو من أنحاء الأدب، ولون من ألوان القول المنمق؛ فأنا أؤكد لك أن الحياة التي نحياها في هذه الأيام لا تُغري بالأدب، ولا تُرغِّب في تنميق الكلام، وإنما هي حياة شاحبة تملأ النفوس شحوبًا، وتشيع في القلوب ظلامًا كثيفًا. إنما أغراني بهذا الحديث ما قرأته الآن في خطبة من الخطب الانتخابية التي أخذ مستر تشرشل رئيس الوزراء البريطانيين يذيعها بين مواطنيه، فهو قد سمع فيما يقول بأن من المثل العليا للعالم الجديد أن يأمن الناس من الخوف، وهو يرى أن هذا الخوف إن كان مصدره عدوان شعب على شعب أو انتهاك دولة لحرمة دولة أخرى، فإن ما تتخذه الأمم المتحدة من إجراء لتنظيم السلم وإقامة الأمن العالمي على أساس متين سيكفل دفع هذا الخوف، وسيرد المعتدي عن عدوانه، وسيؤمن بعض الشعوب من بعض. ولكن المستر تشرشل يرى خوفًا آخر ليس أقل خطرًا من هذا الخوف، وكأنه لا يعرف السبيل إلى إزالته ورد شره عن الناس! وهذا الخوف هو الذي لا يثيره عدوان شعب على شعب، ولا تسلُّط دولة على دولة، وإنما يثيره عدوان الحكومة على الأفراد، وتسلُّط النظم الاستبدادية على حياة الناس.

    هذا الخوف الذي تستشعر الأسر في ظل بعض الحكومات من أن يُطرَق الباب في أي وقت من الأوقات، وعلى غير علم سابق ولا انتظار، فإذا فُتِح نظرت الأسرة فإذا أعوان السلطان قد أقبلوا ليأخذوا كاسبها وليلقوه في قعر مظلمة — كما يقول الشاعر العربي القديم — وليتركوا عياله وفيهم الشيخ الفاني، والمرأة الضعيفة، والأطفال الصغار عرضةً للجوع والشقاء، لا يجدون من يعولهم ويغنيهم، ولا يجدون ما ينفقون، وقد يعود إلى هذه الأسرة كاسبها وقد لا يعود.

    هذا الخوف قد امتلأت به قلوب الأوروبيين في كثير من البلاد الأوروبية بين الحربين — وفي أثناء الحرب التي لم تنتهِ بعد — ويظهر أن المستر تشرشل ليس مطمئنًّا إلى أن النصر الذي أُتِيحَ للحلفاء في أوروبا قد محاه وعفت آثاره، ويظهر أن المستر تشرشل يود لو أُتِيح للمنتصرين أن يزيلوا هذا الخوف، ولكنه لا يدري كيف يمكن أن يُزال.

    فالاستقلال الذي تستمتع به الدول يضع السياسة الداخلية لكل دولة من هذه الدول المستقلة بمأمن من تدخل الأجنبي، فمن الممكن — بل من الواقع — أن تقوم الدولة الديمقراطية التي تضمن لمواطنيها الحرية والإخاء والمساواة إلى جانب دولة أخرى ليست من الديمقراطية في شيء، أو لا تعرف من الديمقراطية إلَّا أسماء لا تدل على شيء، أو لا تتكلف حتى هذه الأسماء التي تخدع الغرباء، وإنما تجهر بما شاءت من نظام لا يكفل للناس أمنًا ولا حريةً ولا مساواةً، وإنما يقيم أمرهم على العسف والبطش وتحكم السلطان، فيُطرَق الباب على الأسرة في أي وقت وعلى غير انتظار، ولا يكاد يُفتَح حتى يُؤخَذ كاسب الأسرة، فيُلقَى حيًّا في غيابات السجن أو يُلْقَى ميتًا في العراء، أو يُحرَّق جسمه وتذروه الرياح.

    ومن الممكن بل من الواقع أن تقوم الدولة الديمقراطية العادلة إلى جانب الدولة المستبدة الجائرة، وأن ترى ما يحدث من الفظائع وما يُقترَف من الآثام دون أن تصنع شيئًا؛ لأنها لا تستطيع أن تصنع شيئًا، يمنعها من ذلك استقلال جاراتها الظالمة المستبدة، وأن هذا الاستقلال مقدَّس لا يجوز التعرض له أو الاعتداء عليه.

    فقد قامت فرنسا مثلًا بين إيطاليا الفاشية وألمانيا الهتلرية، ورأت ما رأت وسمعت ما سمعت وأنكرت ما أنكرت، ولكنها لم تصنع شيئًا. ماذا أقول؟! بل حاولت ما وسعتها المحاولة أن تتقرب إلى هتلر وموسوليني إيثارًا للعافية وتجنُّبًا للحرب. وقُلْ مثل ذلك بالقياس إلى بريطانيا العظمى، فهي قد رأت من إيطاليا وألمانيا مثل ما رأت فرنسا، وهي قد تقربت إليهما كما تقربت فرنسا، وهي قد سبقت عندما جد الجد إلى هذا التقرب، فسعى شمبرلين إلى هتلر، وسعى بعد ذلك إلى موسوليني، ولم يُغْنِ هذا السعي شيئًا، فكان ما لم يكن منه بد وشبَّتِ الحرب وانتهت بانتصار الحلفاء، وظنَّ الناس أنهم سيأمنون من الخوف الداخلي ومن الخوف الخارجي جميعًا، ولكن المستر تشرشل يتحدث في دائرته الانتخابية فيقول إنه يرجو أن يزال الخوف الخارجي بما يقرر من تنظيم السلم، ولكن هناك خوفًا داخليًّا لا يدري كيف يُزال.

    والواقع أننا لم نكن ننتظر حديث المستر تشرشل أمس لنعلم أن الأمن من هذا الخوف الداخلي ما زال بعيدًا، بل لم نكن ننتظر حديث المستر تشرشل أمس لنعلم أن الأمن من الخوف الخارجي ما زال بعيدًا على رغم ما يُتخَذ من إجراء لإنشاء مجلس الأمن وتنظيم السلم في العالم الجديد.

    وقد وضع باسكال — الكاتب الفرنسي المعروف — هذه المسألة في وضعها الطبيعي منذ ثلاثة قرون، حين تمنى في الجملة التي ذكَّرنا بها إدوارد هريو منذ حين أن يتحقق التوازن بين العدل والقوة، بحيث يقوى العدل فلا يطمع فيه الباغون، وأن تُبدَّل القوة فلا تبطش بالضعفاء الذين لا يجدون من يحميهم من البطش والعدوان.

    وما دامت الإنسانية لم تُوفَّق إلى تحقيق هذا التوازن بين القوة والعدل، ولم تُوفَّق إلى أن تلطف القوة بشيء من العدل وتؤيد العدل بفضل من القوة، فسيبغي بعض الناس على بعض، وسيذوق بعض الناس بأس بعض، وسيجد الظلم الداخلي والخارجي في حياة الناس مرتعًا خصيبًا.

    وهل من الحق أن ما يتخذ من إجراء لتنظيم السلم سيحقق الأمن من الخوف الخارجي؟! أمَّا أنا فأشك في ذلك أشدَّ الشك؛ لأن الأمن من عدوان بعض الشعوب على بعض لن يتحقق إلَّا إذا كانت المساواة الصحيحة بين الشعوب دون تفريق بين القوي منها والضعيف، والغني منها والفقير، والصغير منها والكبير، والمتقدم منها في الحضارة والذي لم يأخذ منها إلَّا بحظٍّ يسير. وهذا شيء لم تستطع عصبة الأمم الماضية أن تحققه، ولم يستطع مؤتمر سان فرنسيسكو أن يحققه، وما دامت هناك دول عظيمة تستأثر بالقوة والبأس، ودول صغيرة لا تستطيع أن تدفع عن نفسها العدوان؛ فستظل أشباح الخوف الخارجي ماثلة وراء الأفق تتراءى كلما خطر لها أن تزعج الناس.

    وقد عجزت عصبة الأمم الماضية عن أن تَقِي بعض الدول الكبرى شر بعض، وكل ما يمكن أن يبلغه مؤتمر سان فرنسيسكو وما سينشأ عنه من المؤسسات هو أن يحقق ما لم تستطع عصبة الأمم تحقيقه، فتأمن الدول الكبرى من أن يعتدي بعضها على بعض.

    ولست أدري أيتحقق هذا الغرض أم تتقطع دونه الأسباب؟ فأمَّا الدول الصغرى والدول المتوسطة فأمرها إلى الله وإلى أنفسها، والحق عليهم أن ترسم لنفسها من الخطط ما يعصمها من الشر ويؤمنها من الكيد إن وجدت إلى ذلك سبيلًا.

    وقد تحدَّث إلينا المنتصرون حين كانوا يجاهدون في سبيل النصر بأنهم يريدون أن يؤمنوا الشعوب من العدوان، وأن يؤمنوا الأفراد من الظلم والجوع.

    وظنَّ أصحاب القلوب السليمة أن النصر سيملأ الأرض عدلًا بعد أن مُلِئت جورًا، وسيحوِّل الدنيا إلى جنة كهذه الجنة التي وعد الله بها عباده الصالحين في الدار الآخرة. وقد تحقق النصر وانهارت الدكتاتوريات وظفرت الدول الديمقراطية بفوز عظيم، ولكن الشعوب ما زالت خائفة من عدوان الشعوب. ماذا أقول؟! بل ما زالت تشكو عدوان الشعوب وتصلى نار هذا العدوان. فأمَّا الأفراد فلم يفكر أحد في حمايتهم من الظلم والبطش، ولو في تأمينهم من الخوف أن تُطرَق عليهم الأبواب ليُؤخَذوا إلى حيث لا يعودون كما يقول مستر تشرشل.

    وإذن؛ وإذن فالأمر يسير جدًّا، وهو أن في الأرض جنات يُتاح فيها النعيم الذي لا حدَّ له لجماعات من الناس ولأفراد من الناس أيضًا، ولكن هذه الجنات محرمة على غير أصحابها، مسوَّرة بهذه القوة الهائلة التي تتكون من الحديد والنار بالقياس إلى الشعوب، ومن القوانين وبأس الحكومات بالقياس إلى الأفراد.

    يستطيع الشعب البريطاني أو الشعب الفرنسي أو الشعب الأمريكي أن ينعم بجنة الحرية التي يحميها بما له من قوة وبأس، ويرد عنها غيره من الشعوب إن أراد أن يدخلها أو يستظل بظلها، ولا عليه بعد ذلك أن تشقى شعوب أخرى بنار الظلم وعذاب الاستبداد. ويستطيع هذا الفرد أو ذاك من أصحاب الثراء أن ينعم في قصره المنيف وجنته الرائعة التي يحميها القانون وبأس الحكومة وسلطان القضاء، ولا عليه أن تتقطع أكباد الفقراء وتتمزق قلوبهم من البؤس والجوع والحرمان.

    وإذا أردتَ الحق فقُلْ إن حياة الناس إلى الآن جنات محرمة ينعم بها الأقلون، وجحيم مهلك يشقى به الأكثرون. وليس من سبيل إلى أن تصبح الحياة جنة للناس جميعًا أو جحيمًا للناس جميعًا إلَّا يوم يصبح العدل ملكة من ملكات النفس الإنسانية ومقوِّمًا من مقوماتها.

    وأظن أن الأمد بيننا وبين هذه الغاية ما زال بعيدًا.

  • مستقبل الديمقراطية

    مستقبل الديمقراطية

    طه حسين

    مجلة الهلال

    ديسمبر ١٩٤١

    أنا واثق بأن ليس على الحضارة الإنسانية خطر حقيقي من هذه الحرب مهما يعظم هولها، وأنا واثق بأن الديمقراطية هي خير ما عرف الناس من نظم الحكم، وأنا من أجل هذا مطمئن إلى أن الحضارة إن خرجت ظافرة من هذه الحرب، فستخرج الديمقراطية معها ظافرة.

    ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل!

    كذلك قال الطغرائي منذ قرون طوال، وكان موفَّقًا كل التوفيق إلى الحق والصواب فيما قال، وما أظن أن أحدًا من الذين يعيشون في هذه الأيام يستطيع أن ينازع في هذه الحكمة القديمة الجديدة سواء أكان من الذين يَصْلَوْن نار الحرب من قريب، أم من الذين يَصْلَونها من بعيد.

    فليس من شك في أن الحياة التي تحياها الإنسانية الآن ضيقة الآفاق، ضئيلة الخطر، قليلة العناء. لولا أن في كل نفس إنسانية حية سراجًا قويًّا يشق آفاقها المظلمة، وينفذ بالنفس الإنسانية إلى عالم آخر. وراء هذه الآفاق تستطيع الآمال أن تنطلق فيه حرة خفيفة سريعة قادرة على أن ترتفع حتى تبلغ ما شاءت في جو السماء، وقادرة على أن تمضي أمامها إلى غير أمد.

    وماذا تنتظر من هذه الحياة التي نحياها الآن، وقد أخذها الشر من جميع أنحائها، فلا يكاد الإنسان يفكر في أمسه إلا امتلأت نفسه حسرات على أنه قد مضى بكثير من الطيبات كنَّا نستقلها ونزدريها، فأصبحنا نستكثرها ونودُّ لو أُتيح لنا بعضها؟! ولا يكاد الإنسان يحاول التفكير في غده حتى يتساءل: أمدرك هو هذا الغد، أم مقصر هو عن إدراكه؟

    والغريب أن طبيعة الحياة الإنسانية لم تتغير؛ فهي في كل وقت كما هي الآن، معرضة للخطر الذي يأتيها من حيث ينتظر الناس ومن حيث لا ينتظرون، ولكن هذه الحوادث الهائلة والكوارث المنكرة التي تتكشف عنها الحرب في كل لحظة قد جلت طبيعة هذه الحياة للناس، وأشعرتهم بغرورهم وخداعهم لأنفسهم، فواجهوا الحقائق كما هي، وعرفوا أن مثل الحياة الدنيا كمثل هذا الهشيم الذي تذروه الرياح، والذي ضربه الله لهم في القرآن الكريم، فهم يؤمنون به إذا تلوا الآية أو سمعوا الوعاظ، ولكنهم لا يلبثون أن ينسوا ما تلوا، وأن يعرضوا عمَّا سمعوا، وأن يقبلوا على لذاتهم وأهوائهم كدأبهم قبل أن يتلوا الآية، وقبل أن يسمعوا الوعاظ.

    فأما الآن فكل لحظة من لحظات حياتهم تتلو عليهم هذه الآية، وكل نبأ يصبحهم به النهار، أو يمسيهم به الليل يتحدث إليهم الوعاظ، ويذكرهم بأن الحياة الدنيا هشيم تذروه الرياح، وهم من أجل ذلك خليقون أن يدركهم اليأس، وكثير منهم يدركه اليأس فيفنى في التشاؤم المهلك، أو يندفع إلى التفاؤل المهلك، ولكن نفس الإنسان أقوى من اليأس، وأقوى من أحداث الزمان؛ فهي تستطيع دائمًا أن تأمل، وهي تستطيع دائمًا أن تذكر أمس، وأن تفكر في غد، وأن تستمتع بذكريات الماضي، وأن تحلم بطيبات المستقبل.

    والشر المطلق لا وجود له، كما أن الخير المطلق لا وجود له، أو قُلْ إذا شئت إن الإنسان العادي لا يستطيع أن يتصور الشر المطلق كما أنه لا يستطيع أن يتصور الخير المطلق وهو يسعد بمقدار، ولا أن يفسد الغرور عليه أمره وهو يشقى بمقدار إلا أن يفسد اليأس عليه أمره.

    وهو من أجل ذلك ينتفع بالكوارث؛ لأنها ترده وتصرفه عن غيِّه، وتشعره بأن الحياة لا ينبغي أن تُؤخَذ على أنها هزل خالص، ولا على أنها جد خالص، وإنما هي مزاج من هذا وذاك فيها الرضا والسخط، وفيها الفرح والحزن، وفيها الابتسام والعبوس.

    ولست أدري ما الذي يدفعني إلى هذا التفكير القاتم، بل لست أدري ما الذي يدفعني إلى التعبير عن هذا التفكير القاتم الذي صحبته أو صحبني منذ تتابعت أهوال الحرب، ولكني احتفظت به لنفسي، وضننت به على غيري، أو ضننت بغيري عليه.

    لست أدري ما الذي يدفعني إلى هذا الحديث القاتم، ولم يطلب إليَّ أن أعظ الناس، ولا أن أبصرهم بجد الحياة وهزلها، وإنما طلب إليَّ أن أتحدث عمَّا أنتظره للديمقراطية بعد هذه الحرب.

    وليتني أدري أيمكن أن تأتلف هذه الكلمات بعد هذه الحرب، فقد طالت هذه الحرب، وثقلت، وتتابعت أهوالها، وتوالت كوارثها، وتعمقت آثارها حياة الناس الذين يشعرون، ويفكرون، ويحسون التضامن الاجتماعي.

    طالت هذه الحرب وثقلت، حتى أنستنا الماضي، وصرفتنا عن المستقبل، وشغلتنا باللحظات التي نحياها، أو التي يُتاح لنا أن نحياها، وحتى لو أرسلنا أنفسنا على سجيتها؛ لخُيِّل إلينا أن ليس لهذه الحرب قبل ولا بعد، ولكنا مع ذلك نذكر أن قد كان لهذه الحرب قبل، وأننا قد أنفقنا أعوامًا وأعوامًا كانت تمر فيها بنا الأيام والليالي والأسابيع والشهور، ونحن فارغون لحياتنا الخاصة مقبلون على ما ينفعنا وينفع الناس، لا يصرفنا عن ذلك شيء من هذه الكوارث التي لا يكاد العقل يتصورها، والتي تأخذ الحضارة من كل وجه، وتسعى إليها من كل صوب.

    نعم؛ لا نزال نذكر أن قد كان لهذه الحرب قبل، نَعِمَ الناس فيه بلذات السلم واستمتعوا فيه بالعافية، ولا يزال تذكرنا لهذا الدهر القريب البعيد يُحبِّب إلينا العودة إليه، أو إلى شيء يشبهه، ويثير في نفوسنا الأمل في أن يكون لهذه الحرب بعد ينعم الناس فيه بالسلم، ويستمتعون فيه بالعافية.

    وما يخطر لي أن أتصور هذا الدهر الذي ستنجلي عنه الحرب، ولا أن أشيد فيه القصور الإسبانية، وإنما أنا أرى هذه الحرب كما كان شعراؤنا القدماء يرون الليل إذا شكوا طوله، فظنوا أن نجومه قد شُدَّتْ بالحبال إلى الجبال؛ فهي لا تكاد تنتقل، والناس مع ذلك يذكرون فينعمون بالذكرى، والناس مع ذلك يحلمون فيستمتعون بالأحلام.

    فلنتحدَّثْ إلى أبنائنا وشبابنا عن تلك الأيام التي لم تكن فيها حرب وإنما كانت كلها سلمًا وأمنًا ولذة ونعيمًا، ولنتحدَّثْ إلى أبنائنا وشبابنا عن أيام مقبلة لا حرب فيها ولا ضرب، ولا قتال فيها ولا نزال، وإنما فيها السلم، والأمن، واللذة، والنعيم، وفيها الآمال العراض، والأماني الباسمة، والمطامع البعيدة، والطموح الذي لا حد له، والسعي في آثار المثل العليا، والظفر بكثير مما تطمع فيه النفوس، وتطمح إليه القلوب، والثقة بأن ما يعسر على بعض الأجيال قد يسر لعضنا الآخر، وبأن الأبناء قد يبلغون ما قصر عنه الآباء، وبأن الغد قد يحقق ما عجز عن تحقيقه الأمس.

    وإذا تحدثت إلى نفسي عن مستقبل الديمقراطية بعد أن تنتهي هذه الحرب فإن لي في هذا الحديث لغتين: إحداهما لغة التشاؤم والشك؛ لأننا شهدنا حربًا مضت، ورأينا بعدها سلمًا شملت الناس، وكنَّا نضيق بتلك الحرب الماضية كما نشقى بهذه الحرب الحاضرة، وكنَّا نعقد بتلك السلم التي انقضت آمالًا واسعة، وننوط بها أماني لا تنقضي، فلما أقبلت السلم لم تحقق من آمالنا الواسعة إلا قليلًا، ولم تُتِحْ لنا من أمانينا البعيدة إلا أهونها شأنًا وأقلها خطرًا.

    وكنَّا نظن أن الحرب الماضية قد قتلت نفسها، وأن السلم قد عفت على آثارنا، وأن أمور الناس ستصير إلى عافية دائمًا، وأن مشكلاتهم ستُحَلُّ بينهم بالرضا والثقة المتبادلة.

    وكنَّا نظن أشياء كثيرة، وكنَّا نأمل أكثر مما كنَّا نظن. فلم تكد تتقدَّم الأيام بتلك السلم؛ حتى تبين أن ظنوننا إنما كانت لغوًا، وأن آمالنا قد ذهبت هباء، وأن الحرب لم تقتل نفسها، وأن السلم لم يُعَفِّ آثار الحرب، فلا غرابة إذا فكرنا في غد مع كثير من التحفظ والاحتياط والإشفاق أن تكون عاقبة هذه الحرب كعاقبة الحرب الماضية، وأن تكون السلم المنتظرة عقيمًا مجدبة كالسلم التي انقضت في سبتمبر سنة ١٩٣٩؛ فهذه إحدى اللغتين اللتين أتحدث بهما إلى نفسي إذا فكرت في مستقبل الديمقراطية.

    فأما اللغة الثانية فلغة أمل ورجاء وثقة؛ ذلك أن الإنسان لم يُعَلَّم إلا ليعلم كما قال الشاعر القديم، وإن من طبيعته الانتفاع بالحوادث، والاستفادة من التجارب، وقد أسرف في الأمل على نفسه أثناء الحرب الماضية، فأسرف عليه اليأس بعد انقضاء تلك الحرب؛ فالخير إذن أن يقتصد في الأمل، وأن يكون رجاؤه معتدلًا، وأن تكون أمانيه معقولة تحد بطاقة الناس وقدرتهم على الإصلاح.

    وقد ظن الأوربيون في أعقاب الحرب الماضية أنهم قهروا الطغيان إلى أمد بعيد جدًّا، وأنهم قد أقاموا على أنقاضه عالمًا قوامه العدل، والقسط، والإنصاف، ولكنهم حين ظنوا ذلك لم يخدعوا أنفسهم وإنما خدعوا كثرة الناس؛ ذلك أنهم لم يكونوا فيما بينهم وبين أنفسهم واثقين بأنهم قتلوا الطغيان حقًّا، والطغيان الألماني لا يُقتَل بهزيمة تلقاها ألمانيا خارج حدودها، وإنما يُقتَل في موطنه حين تُقتحَم الحدود الألمانية، وحين يزول السلطان الألماني، وحين تذوق ألمانيا في وقت طويل أو قصير مرارة الغزو التي أذاقتها للآخرين، ومرارة التسلط الأجنبي الذي بعد عهدها به.

    هنالك يُنتظَر أن يثوب إلى الشعب الألماني شيء من رشد وحظ من قصد، وهنالك يُنتظَر أن يبرأ الشعب الألماني من بعض غروره، ويؤمن بأنه كغيره من الشعوب قد يُتاح له النصر وقد تقضي عليه الهزيمة، وهنالك يعتدل الشعب الألماني في أطماعه، ويكبح من جماحه، ويطمئن إلى أنه يستطيع أن يقنع بالمساواة بينه وبين غيره من الشعوب، ويومئذ يمكن أن يُقْبِل مخلصًا على التعاون مع غيره في إقامة النظام الجديد على أساس من العدل والقصد، وعلى رغبة في المساواة والإنصاف.

    فأما أن ينهزم الشعب الألماني خارج حدوده كما انهزم في الحرب الماضية، فذلك شيء يريح الناس من الطغيان الألماني وقتًا ما، ولكن الشعب الألماني نفسه لا يلبث أن يتساءل عن هذه الهزيمة التي لم يرها رأي العين، ولم يَذُقْ آثارها في أرضه ثم لا يلبث أن ينكرها، ثم لا يلبث أن يرى نفسه مظلومًا، ثم لا يلبث أن يحاول إنصاف نفسه.

    والمظلوم معرض متى استطاع إلى أن يصبح ظالمًا مسرفًا في الظلم؛ فحدود الإنصاف ليست واضحة، والفروق بين الإنصاف والانتقام ليست بيِّنة.

    وكما أن الذين نظموا العالم بعد الحرب الماضية لم يكونوا واثقين بالانتصار، فهم كذلك لم يكونوا واثقين بأنفسهم، أو بعبارة أدق لم يكونوا مخلصين لأنفسهم في تلك الثقة التي كانوا يظهرونها، فلم تكن معاهدة الصلح تمضي حتى جحدتها الولايات المتحدة الأمريكية، ولم تكد عصبة الأمم تنشأ حتى جحدتها الولايات المتحدة الأمريكية، فتركت أوروبا لنفسها فلم تصنع شيئًا، وهي لم تصنع شيئًا؛ لأنها لم تخلص لنفسها، وإنما قام سوء الظن أساسًا لما كان بينها من الصلات؛ فألمانيا مغلوبة، فهي تسيء الظن بغالبيتها وهم يسيئون بها الظن، وإيطاليا ترى أنها قد ظفرت من الغنيمة بأقل مما كانت ترجو، وإنجلترا وفرنسا تتنافسان في سيادة البر والبحر. وقد انحازت روسيا إلى نفسها، وعكفت على ثورتها، وفرغت لبغض الغالب والمغلوب جميعًا؛ ولذلك مضت الحرب الكبرى دون أن يجني الناس منها إلا شرها، وأقبلت سَلْمٌ عرجاءُ لم ينتفع بها إلا المهرة الذين يحسنون الصيد في الماء العكر، ويحسنون ملأ حقائبهم وجيوبهم إذا أظلم الليل.

    وكذلك فرغت أوروبا من حرب الشعوب، ولكنها لم تنتهِ إلى السلم، وإنما انتهت إلى الهدنة، وإلى هدنة غير خالصة، إلى هدنة في السياسة الخارجية، وإلى حرب بين الطبقات فسدت بها السياسة الداخلية للأمم فسادًا عظيمًا.

    ولم تَمْضِ أعوام قليلة على السلم حتى استيقن أولو البصائر أن الحرب مقبلة لا محالة، وأن الشعوب عائدة إلى شر مما كانت فيه، وأن النظم السياسية والاجتماعية التي كانت تقوم عليها أمور أوروبا لم تكن صالحة للبقاء، وإنما كانت موقوتة تنتظر من يسبق إلى هدمها.

    وقد سبق الثائرون في روسيا فهدموا من ناحيتهم وحاولوا البناء. ثم سبقت إيطاليا، ثم تبعتها ألمانيا، وانقسمت أوروبا إلى قسمين متباعدين أشد التباعد أحدهما يقوم على دكتاتورية مهلكة لحرية الفرد والجماعة وكرامة الإنسان، والآخر يقوم على ديمقراطية مزعزعة مسرفة في حرية الفرد.

    والجماعة مقصرة مع ذلك في إنصاف الفرد من الجماعة، وفي إنصاف الضعفاء من الأقوياء، والفقراء من الأغنياء، والعاملين من الذين لا يعملون.

    ولم يكن الإنسان محتاجًا إلى كثير من الذكاء ليفهم أن دوام تلك الحال قد كان من المحال، ولم تلبث الحوادث أن أثبتت أن الحياة الأوروبية لم تكن معقولة، ولا قادرة على البقاء.

    كل هذا قد تعلَّمه الإنسان في هذا العصر الذي انقضى بين حربين، فواحدة من اثنتين: إما أن يكون الشاعر صادقًا حين قال:

    وَمَا عُلِّمَ الْإِنْسَانُ إلا لِيَعْلَمَا

    وإما أن يكون التاريخ صادقًا فيما أنبأنا به من أن الإنسان منتفع دائمًا بالحوادث، مستفيد دائمًا من التجارب، ماضٍ دائمًا إلى أمام.

    وإذن؛ فمن حقنا أن نرجو وأن نأمل، وأن نثق بأن للديمقراطية بعد الحرب مستقبلًا رائعًا مزهرًا، وإما أن يكون ظننا بحكمة الحكماء، وفلسفة الفلاسفة، وعِبَر التاريخ، واستعداد الطبيعة الإنسانية للرقي، وقدرة العقل الإنساني على قهر المصاعب، والخروج من الخطوب منتصرًا عليها كاذبًا. وإذن؛ فهو اليأس لا من الديمقراطية وحدها، ولكن من الحضارة الإنسانية كلها.

    والحمد لله على أني لست من اليائسين، وعلى أني لا أفهم لليأس معنى مع الحياة، كما كان يقول مصطفى كامل رحمه الله، فهذه الكارثة الهائلة التي تخضع لها الإنسانية الآن ليست الكارثة الأولى، ولن تكون الكارثة الأخيرة مع الأسف، وقد تعرضت الحضارة الإنسانية لكوارث أخرى ساحقة ماحقة، فظهرت عليها وانتفعت بها، وخرجت منها أشد تألقًا وأكثر إشراقًا مما كانت قبل أن تلم بها الكارثات.

    ولست أدري لِمَ لا تخرج الحضارة ظافرة من هذه الكارثة، كما خرجت من الكوارث الماضية، وهي الآن أشد أيدًا، وأصلب عودًا، وأمضى حدًّا، وأقدر على المقاومة، وأقدر على النفوذ أيضًا؟!

    أنا إذن واثق بأن ليس على الحضارة الإنسانية خطر حقيقي من هذه الحرب مهما يعظم هولها، وأنا إذن واثق بأن الديمقراطية هي خير ما عرف الناس من نظم الحكم من الناحيتين السياسية والاجتماعية، وأنا من أجل هذا كله مطمئن إلى أن الحضارة إن خرجت ظافرة من هذه الحرب، فستخرج الديمقراطية معها ظافرة؛ لأن الحضارة الصحيحة في هذا العصر لا تستطيع أن تقوم إلا على الحرية … الحرية التي تسع الأفراد والجماعات والشعوب، الحرية التي تمنع الأفراد من أن يظلم بعضهم بعضًا، وتمنع الشعوب من أن يظلم بعضها بعضًا.

    وأكاد أعتقد أن هذه الحروب التي خضعت لها الإنسانية، والتي عرَّضت الحضارة لشر عظيم، إنما هي لون من ألوان الجهاد الذي تبذله الإنسانية لتظفر بهذه الحرية، والذي تشقى به الإنسانية كثيرًا بين وقت ووقت لتنعم بما نتج لها من الحرية كثيرًا أيضًا.

    والشيء الذي لا أستطيع أن أشك فيه هو أن العقل الإنساني قد وصل إلى حد من الرقي لا يستطيع معه أن يقبل الضيم، أو يصبر على الذل، أو يعيش إلا في ظل الكرامة.

    وأنا أعلم أن نُظُم الطغيان قد قامت في أوروبا، وبأنها تكلف الناس من أمرهم شططًا في هذه الأيام, ولكني أعلم أيضًا أن هذه أزمات تتعرض لها الحياة الإنسانية بين وقت وآخر، وأن هذه الأزمات رهينة بالأشخاص الذين يثيرونها، أو بالظروف الطارئة التي تقتضيها. فمتى مضى هؤلاء الأشخاص ولا بد من أن يمضوا، ومتى تغيرت هذه الظروف ولا بد من أن تتغير لأن الحياة تغير مستمر؛ استأنف العقل الإنساني طريقه في سبيل الرقي.

    وهذه الطريق جميلة رائعة، تقوم فيها من حين عقبات وصعاب، ولكنها تمضي دائمًا في ظلال من الحرية والكرامة والأمل والمثل العليا.

    فإذا أردت أن تعرف رأيي في مستقبل الديمقراطية إذا انتهت هذه الحرب فلست أستطيع أن أعرض عليك رأيًا بعينه، ولا أن أرسم لك صورة بعينها، وإنما أستطيع أن أعرض عليك ثقة متينة وأملًا باسمًا.

    فأما الثقة فبانتصار الحضارة والنور على الجاهلية والظلمة، وأما الأمل ففي أن يستفيد الناس من دروس الحرب الماضية والسلم الماضية أيضًا، وفي أن يذكروا أنهم قد أقاموا الصلح الماضي على سوء الظن، وعلى سوء النية، وعلى سوء التقدير، وعلى التنافس والتحاسد، وعلى الخديعة والمكر، فجنوا من هذا كله شرًّا عظيمًا. فهم الآن خليقون ألا يتورطوا فيما تورطوا فيه أمس، وأن يقيموا صلحهم المقبل على حسن تقدير الأمور، وعلى أخذها بالحزم والعزم، وعلى الثقة الصادقة، والتعاون القائم على الإخلاص.

    ويُخيَّل إليَّ أن تجنب الأغلاط التي اقتُرِفَتْ في وضع معاهدة فرسايل وفي تنفيذها، كفيل بأن يضمن للناس ديمقراطية، لا أقول كاملة؛ فليس إلى الكمال من سبيل، ولكنها ديمقراطية قريبة من العدل، يستمتع فيها الفرد بحريته وكرامته، وينعم فيها بطيبات الحياة لا يظلمه القوي، ولا يستغله الغني، وتأخذ فيها الشعوب بحظوظها من الحياة الحرة. لا تستأثر فيها الشعوب القوية بالسيادة والغنى من دون الشعوب الصغيرة، وإنما تقوم حياة الأفراد والجماعات والأمم على شيء من الحب والرفق والعدل والإنصاف.

    منى إن تكن حقًّا تكن أحسن المنى وإلا فقد عشنا بها زمنًا رغدا

  • حياد …

    حياد …

    طه حسين

    مجلة المصور

    ٦ سبتمبر ١٩٤٠

    ما أظن أن أحدًا من الذين يقودون الرأي في مصر — أو يرون لأنفسهم قيادة الرأي — يرضى أن يهيئ الشباب المصريين لحياة الحياد، هذه التي تقوم على الخوف والجبن، وعلى الأثرة وحب النفس، والتي تنتهي إلى إهدار عزة الوطن وكرامته في سبيل أمن الفرد ولذته.

    كلمة يحبها الناس أشد الحب؛ لأنها تُصوِّر أمالًا عِذابًا وأماني خلابةً، تصور الأمن والدعة، وتصور السلم والعافية، وتصور الاستمتاع بلذات الحياة المادية والمعنوية، والناس من حولك يشقون بالخوف والفزع وبالهلع والجزع وبالحرب وآثامها، وبضروب الحرمان التي لا تُحصَى، والإنسان مؤثر لنفسه بالخير دائمًا، تدفعه هذه الأثرة إلى الجبن والضعة في كثير من الأحيان، وهو أشد استعذابًا لسعادته حين يشقى الناس من حوله، وأشد استمتاعًا بأمنه حين يخاف الناس من حوله، يرى نفسه ممتازًا بالخير الذي لم يظفر به غيره؛ فيرى بذلك لنفسه فضلًا على الناس. وأي الناس لم يكلف بالتفوق؟! وأي الناس لم ينعم بالامتياز؟!

    وكلمة الحياد تصور هذا الامتياز تصويرًا خلابًا رائعًا، فهناك أمم تشقى بالحرب وتحترق بنارها المهلكة، تُزهَق نفوس أبنائها، وتُراق دماؤهم، وتذهب جهودهم الهائلة وأموالهم الطائلة في نفقات الحرب وما تحتاج إليه من أدوات التدمير ووسائل الموت.

    وإلى جانب هذه الأمم أمم أخرى ترى هذا الهول من حولها، فتنظر إليه مشفقة على الذين يلم بهم.

    وفي هذا الإشفاق نفسه لون من الكبرياء؛ لأن الناس من حولها يشقون وهي سعيدة، ويسرعون إلى الموت أو يسرع الموت إليهم وهي ناعمة بالحياة ومشفقة على نفسها أن يبلغها الشر أو يمسها لسان من ألسنة هذه النار المندلعة من حولها.

    وفي هذا الإشفاق ضرب من ضروب الجبن، وفن من فنون الذل؛ لأن الأثرة كانت دائمًا وستظل دائمًا مصدرًا من مصادر الجبن والذل.

    ومهما يكن من شيء، فكلمة الحياد محببة إلى نفوس الناس؛ لأنها تصور لهم ما يحبون بحق — أو بغير حق — من الأمن والعافية ومن السعادة والنعيم.

    الحياد السياسي ضرب من المحال ولكن هذه الكلمة قد فقدت معناها الصحيح في هذا العصر الذي نعيش فيه، فأصبحت سرابًا لا يُغْنِي شيئًا لسببين يسيرين؛ أولهما مادي يتصل برقي الحضارة وما انتهى إليه من إلغاء المسافات في الزمان والمكان بين الأمم والشعوب، ومن إلغاء العزلة التي كانت الأمم والشعوب تعتصم بها إذا جد الجد وصرح الشر، ومن توفيق الصلات بين الدول والأوطان مهما تتباعد أقطارها ومهما تتباين مذاهبها في الحياة؛ فالأمم التي كانت تستمتع بالحياد ولذاته في الحرب الماضية وتجني منه منافع مادية لا تكاد تُحصَى؛ قد شقيت بالحياد في هذه الحرب شقاءً ليس أهون من شقاء الأمم المحاربة إلَّا قليلًا. وقع ذلك لهولندة وبلجيكا في هذه الحرب. وكم حرصت هولندة وبلجيكا على الحياد! وكم بذلت هولندة وبلجيكا في سبيله من جهد! وكم أغمضت هولندة وبلجيكا في سبيله جفونهما على القذى! ثم لم يُغْنِ ذلك عنهما شيئًا. أصاب ذلك النرويج والدانمرك في هذه الحرب، وكم بذلت النرويج والدانمرك من جهد، وكم احتملت النرويج والدانمرك من عناء في سبيل الحياد، ثم لم يُغْنِ ذلك عنهما شيئًا. وهناك سبب معنوي ليس أقل من السبب المادي شرًّا، وهو أن المقياس الخلقي قد تغير تغيُّرًا شديدًا في نفوس أجيال من الأوروبيين، فقد كانت ألمانيا لا تقدر الحق قدره ولا تؤمن إلَّا بالقوة منذ القرن الماضي، ولكنها دُفِعَتْ من ذلك إلى أقصاه في هذا العصر؛ فصارحت الناس به جهرة وفي غير تردد ولا استحياء، وأعلن طاغيتها قبل الحرب بالقول والعمل أنه لا يعرف حقًّا ولا باطلًا ولا عدلًا ولا جورًا، أو أنه لا يقيس الحق والباطل والعدل والجور بمقاييسها المعروفة المألوفة، وإنما يقيسها بمصلحة ألمانيا، وبمصلحة ألمانيا كما يراها هو، لا كما يراها غيره من الناس؛ فهو معصوم من الخطأ، وما ينبغي لأحد أن يجادله في رأي إلَّا أن يكون قادرًا على أن يقهره ويضطره إلى الخضوع والإذعان! فالحق والعدل عنده هما ما يلائمان رأيه وهواه! وإذن؛ فالقانون الفقهي، والقانون الفلسفي، والقانون الاقتصادي، والقانون الخلقي؛ كل ذلك لغو وهراء لا قيمة له ولا غناء فيه! وليس هناك إلَّا قانون واحد، له وحده القيمة وعليه وحده المعول؛ وهو قانون الأثرة الألمانية، والأثرة الألمانية كما يشعر بها طاغية الألمان. وإذن؛ فكل ما كانت تراه الأخلاق وتقرره القوانين الوضعية والطبيعية من أمر الحياد كلام فارغ، يتشدق به الفقهاء ويتعلل به الضعفاء، وتَخْدَع به الأمم الصغيرة نفسها عما ينتظرها من الشقاء يوم يريد لها طاغية الألمان هذا الشقاء لمصلحته أو لمصلحة ألمانيا. وقد انتقلت هذه العدوى من ألمانيا إلى إيطاليا، فإذا طاغية إيطاليا يطلِّق الشرائع الرومانية والقواعد المسيحية تطليقًا، ويعتنق الدين الجديد؛ دين المنفعة التي لا يقوم أمامها شيء والتي يُضحَّى في سبيلها بكل شيء. رقي الحضارة من جهة وانهيار المقاييس الخلقية في ألمانيا وإيطاليا من جهة أخرى قد جردا كلمة الحياد من معناها ذلك الجميل الخلاب الذي صورته في أول هذا الحديث، وجعلا لها معنى آخر جديدًا هو الانتظار القلق المضطرب الذي يمحو من النفوس كل أمن ومن القلوب كل دعة، الذي يذود الهدوء عن الناس أثناء النهار، ويذود النوم عنهم أثناء الليل، ويملأ عقولهم وقلوبهم وضمائرهم بالخوف المتصل والهلع المستمر، والتوقع في كل لحظة أن يصيبهم ما أصاب الهولنديين والبلجيكيين وأهل الدانمرك والنرويج، فكلمة الحياد الآن إن دلَّت على شيء فإنما تدل على الانتظار الذي يشبه انتظار الفأر لبطش هذه الهرة التي تلاعبه وتداعبه، ولا تنتظر إلَّا أن تبطش به متى أحست أن أوان البطش به قد آن.

    الحياد الفكري جبن وضعة هذا هو الحياد السياسي الذي جَنَتْ ثمراته الأمم التي ذكرتها آنفًا، وأخذت تَجْنِي ثمراته أمم أخرى في البلقان طوعًا أو كرهًا، ولكن هناك حيادًا آخر ليس أقل ضعة من هذا الحياد السياسي، ولعله أن يكون أشد منه إيغالًا في الضعة وتعمقًا في الجبن وإمعانًا في الهوان، وهو الحياد الفكري. حياد الأفراد المثقفين والمفكرين أمام الأزمات التي تضطرب لها الأرض، وتصطدم فيها الأمم، وتتعرض فيها الحضارة الإنسانية للزوال. هؤلاء الأفراد المفكرون الذين امتازوا من غيرهم في الثقافة والعلم وفي الأدب والفن والذين اعترف لهم الناس بالامتياز، فأنزلوهم منازل القادة المرشدين، وقبلوا هم هذه المنازل، فجعلوا إذا تكلموا انتظروا أن يسمع الناس لهم، وإذا دعوا انتظروا أن يستجيب الناس لهم؛ لأنهم قد نزلوا من أممهم منزلة الأرستقراطية العقلية التي يجب أن تقول فيُسمَع لها، وأن تأمر فتُطاع. هؤلاء المفكرون المثقفون الذين ينظرون إلى هذه المشكلات الخطيرة والأزمات العنيفة، ثم يردون أبصارهم عليها غير حافلين بها ولا مكترثين لها؛ لأنهم قد آثروا الحياد والتزموا العزلة واختاروا لأنفسهم مكان الأمن والدعة ليسوا من التفكير ولا من الثقافة في شيء، وإنما هم قوم أثرون يحبون أنفسهم أكثر مما يحبون الحق والعدل والحضارة والرقي، فإذا حللت حبهم لأنفسهم رأيته حقيرًا دنيئًا؛ فهم لا يؤثرون أنفسهم بخيرات الحضارة وثمرات العقل ونتائج الفن؛ لأن هذا كله هو موضوع الحرب، ولأن هذا كله هو موضوع الصراع، ولأن هذا كله معرض للفناء. ولو آثروه لافتدوه بأنفسهم، ولو آثروه لدعوا الناس إلى حمايته والذود عنه، ولكنهم يؤثرون أنفسهم بهذه اللذات المادية القريبة الوضيعة التي تنجلي آخر الأمر إلى الطعام والشراب، وإلى هذه الحياة التي يحياها الحيوان. إنهم يخدعون أنفسهم ألوانًا من الخداع، فيخيِّلون إليها أنهم يفرغون للعلم والأدب والفن، فيقرءون ويبحثون ويتأملون. ولكن هذا خداع لا أكثر ولا أقل؛ فإن الاستمتاع بالعلم والأدب والفن إذا قرأت فيجب أن تقرأ ليستفيد غيرك من قراءتك، وإذا بحثت فيجب أن تبحث لينتفع غيرك ببحثك. فأمَّا أن تقرأ لنفسك ليس غير وأمَّا أن تبحث لنفسك وحدها؛ فأمرك فيه كأمر الذي يأكل ليشبع ويشرب ليدفع عن نفسه الظمأ ليس غير. هؤلاء المثقفون المفكرون الذين يخلون إلى أنفسهم ويفرغون لمتاعها المادي والمعنوي، ويعلنون أو يسِّرون أنهم يلتزمون الحياد فيما يضطرب له العالم من المشكلات ليسوا من الثقافة الصحيحة ولا من التفكير الصحيح في شيء، إنما هم قوم قد قصروا أنفسهم على أنفسهم، وقد خسرتهم أممهم وخسرتهم الإنسانية وخسرتهم الحضارة؛ لأنهم قطعوا ما بينهم وبين أممهم وما بينهم وبين الإنسانية والحضارة من أسباب. فإذا دعا هؤلاء المثقفون المفكرون إلى ما يحبون من الحياد الفكري، كانوا شرًّا يجب أن يُقاوَم وخطرًا يجب أن يُرَدَّ؛ لأنهم يدعون إلى الشر الذي ليس بعده شر، يدعون إلى إلغاء التضامن الاجتماعي، وإلى أن يفرغ الفرد لنفسه ليعيش لها ويضحي في سبيلها بما تقوم به الأمم والجماعات.

    الحياد يتنافى وروح الشباب ولهذا الحياد الفكري ولذلك الحياد السياسي خطر أحب أن يفكر فيه الناس؛ لأنه بعيد الأثر في حياة الأمم والشعوب حقًّا، بعيد الأثر في حياة الأمم الآن وفي حياتها بعد أن تنحل الأزمات وتعود الأمور إلى الاستقرار؛ ذلك أنه يفسد خلق الشباب ويفل عزمهم ويُغيِّر طبيعتهم ويمحو من نفوسهم هذه الحماسة التي تميزهم من الأجيال التي تقدَّمَتْ بها السن. فأخص ما يمتاز الشباب حماسته الخيرة التي يقبل بها على الحق لأنه الحق، ويدافع بها عن العدل لأنه العدل، والتي تدفعه إلى التضحية بجهده ونفسه في سبيل ما يؤمن به من الرأي، غير حافل بالنتائج ولا مكترث بالعواقب، وإنما يرى الواجب فيُدفَع إليه ويسمع داعي الحق فيستجيب له. بهذه الحماسة عاشت الأمم، أو بهذه الحماسة نهضت الأمم، أو بهذه الحماسة حفظت الأمم تراثها القديم وأضافت إليه تراثًا جديدًا، وبهذه الحماسة نقلت الأمم تليدها وطريفها لأجيالها المقبلة. فإذا انتشرت فكرة الحياد وأُلْقِيَتْ في نفس الشباب، وعلَّمهم القادة أن الفرد خليق أن يفرغ لنفسه ويعكف عليها ويلزم الحيدة المادية إذا استطار الشر من حوله، والحيدة الفكرية إذا اصطدمت من حوله المذاهب والآراء؛ هانت عليهم الحقوق العامة، وشُقَّتْ عليهم الواجبات العامة أيضًا، أُشْعِرُوا في قلوبهم حبَّ العافية وإيثار السلامة على المخاطرة في سبيل النهوض بالحق، والتضحية في سبيل أداء الواجب، واطمأنوا إلى أن الحياة لذة تُدْرَك من أقصر الطرق وأيسرها، لا يمنع من إدراكها أن يتعرض الوطن للخطر، ولا يمنع من إدراكها أن يخضع الوطن لسلطان الأجنبي، ولا يؤثر في إدراكها أن يكون الوطن عزيزًا أو ذليلًا وحرًّا كريمًا أو مستعبدًا رقيقًا. وما أظن أنَّ أحدًا من الذين يقودون الرأي في مصر — أو يرون لأنفسهم قيادة الرأي — يرضى أن يهيئ الشباب المصريين لحياة الحياد هذه التي تقوم على الخوف والجبن، وعلى الأثرة وحب النفس، والتي تنتهي إلى إهدار عزة الوطن وكرامته في سبيل أمن الفرد ولذته. وما أظن أحدًا من الشباب المصريين يقبل من قادته الضعفاء — إن وُجِدَ هؤلاء القادة — أن يعلموه حياة الحياد هذه، وأن يلقوا في روعه أن أمن الفرد يجب أن يكون أعظم خطرًا من عزة الأمة وكرامتها واستقلالها. أفهم إلى حدٍّ ما أن يُقال للشباب المصريين: لا تُغِيروا قبل أن يُغار عليكم، ولا تبدءوا بالشر قبل أن تُبدَءوا به. ولكن أحب أن أفهم متى يمكن أن يُقال لهؤلاء الشباب: ادفعوا عن وطنكم فقد اعْتُدِيَ عليه، وذودوا عن كرامتكم فقد امتُهِنَتْ؟! أيُقال لهم ذلك حين تُقتحَم الحدود المصرية عنوة، وحين لا يَبْقَى من الذود عنها بد، أم يُقال لهم ذلك حين يصبح من المرجح أن هذه الحدود قد تُقتحَم غدًا أو بعد غد؟! أيُقال لهم ذلك حين تقتحم المشاة من جيش الأجنبي حدود الوطن أم يُقال لهم ذلك حين تقتحمها طائرات الأجنبي، فتلقي القنابل على أرض الوطن، وتقتل الآمنين الوادعين من أبنائه؟! أرأيت لو قصرت الحكومة في الاحتياط لفيضان النيل، فلم تُقِم الجسور ولم تَدْعُ إلى إقامتها، حتى يفيض النيل، وتغمر مياهه الأرض، وتغرق القرى والدساكر، وتهلك الحرث والنسل. أترضى عن الحكومة أم تسخط عليها؟ أتراها خليقة بالحكم أم تراها خليقة بالتنحي عن الحكم؟ أرأيتك لو انتظرت الحكومة بالأوبئة المعدية أن تشيع في الأرض وتقتحم على الناس دورهم فتفتك بهم أشنع الفتك وأفظعه، ثم دعت بعد ذلك إلى مقاومة هذه الأوبئة؛ أترضى عنها أم تسخط عليها؟ لا أكاد أُفرِّق بين هذه الأخطار القريبة التي تحتاط لها الحكومة قبل أن تقع وبين هذا الخطر الداهم، خطر الحرب الذي يلم بالبلاد قبل أن يأتيها النذير لأنه علم. فإذا قيل للمصريين لا تغيروا قبل أن يُغار عليكم، فلا أقل من أن يتبين للمصريين حتى يُغار عليهم، ولا أقل من أن يُهيَّأ المصريون لدفع الغارة إذا صُبَّتْ عليهم. وما أدري إلى أي حدٍّ هُيِّئ المصريون للدفاع المادي عن أنفسهم إذا حُمِلَتْ إليهم الحرب، وإن كنت أراها قد حُمِلَتْ إليهم بالفعل منذ عهد بعيد، ولكن الشيء الذي أعرفه معرفة اليقين هو أن المصريين لم يُهيَّأوا كما ينبغي أن يُهيَّأوا لدفع الغارة المعنوية عن أنفسهم إذا صُبَّتْ عليهم هذه الغارة المعنوية، وما أرى إلَّا أنها قد صُبَّتْ عليهم منذ زمن بعيد منذ أُعْلِنَتِ الحرب، بل قبل أن تُعْلَن الحرب، وما أدري على من تقع التبعة في إهمال هذا الإعداد المعنوي للشعب المصري؟ ومن الذي يمكن أن يُسأَل عن هذا التقصير الشنيع في تهيئة الروح المصرية للمقاومة المعنوية التي تنبغي له والتي تليق بماضيه المجيد وحاضره الناهض ومستقبله العظيم؟ وما أحب أن أبحث عن المسئولين، ولا أن أدل عليهم، ولكن الشيء الذي أعلمه علم يقين أن هناك تقصيرًا، وأن من الواجب أن يزول هذا التقصير، وأن يزول في أسرع وقت ممكن، وأن يشعر المصريون شعورًا قويًّا عميقًا بأن الوطن قد يطلب إليهم النهوض بأعباء ثقال، وبأنهم قد يُبلَون في أنفسهم وأموالهم، وقد يصيبهم نقص فيما تعوَّدوا أن ينعموا به من الخير والثمرات، وبأن الحق عليهم لأنفسهم ووطنهم أن يستعدوا لهذا كله كرامًا أعزةً لا معرضين للضعف، ولا مهيئين للاستسلام. وما أظن أن حديث الحياد وحديث الخوف من الزج بالبلاد في غمار الحرب، وحديث الحرص على تجنيب مصر أخطار الحرب، وما أظن أن هذه الأحاديث من شأنها أن تشيع في الروح المصري ما ينبغي أن يشيع فيها من القوة والرجولة واليأس الذي ينبغي أن يمتاز به كرام الناس حين تلم الخطوب أو حين يكون إلمامها منتظرًا. فلْنَدَعْ إذن هذه الأحاديث التي لا تغني شيئًا، ولنتجنب خداع الشعب بالآمال والأماني، وليؤثر ضعاف الناس أنفسهم بهذه الآمال الكاذبة التي يتعلل بها أنصار الحياد، وليُقَلْ للمصريين: انظروا فليس بينكم وبين الخطر إلَّا لحظات قد تطول وقد تقصر، وأكبر الظن أنها لن تطول.

  • هتلر قال لي

    هتلر قال لي
    طه حسين
    زهرة الشرق
    ١٨ مارس ١٩٤٠
    لو كُشف الغطاء له عن ضميره لرآه أحمرَ قانيًا يقطر دمًا، ولكنه لا يعترف بالضمير، وإنما يرى الإيمان به وهمًا، والإذعان لحكمه ضعفًا، والإشفاق من لونه جنونًا. ولو كُشِف الغطاء له عن قلبه لرآه صخرة صُلبة لا يعمل فيها شيء، ولا يؤثِّر فيها شيء، ولا تصلح مصدرًا لشيء، وإنما هو الجدب الذي ليس بعده جَدْبٌ، والغلظة التي ليس بعدها غلظة، والقسوة التي لا تنتهي إلى حَدٍّ ولا تقِف عند غاية.
    ولكنه لا يعترف بالقلب، وإنما يرى الحديث عنه والتأثُّر بما يثور فيه من عاطفةٍ؛ فسادًا في الطبع والتواءً في المزاج، وأثرًا من آثار الحضارة الفاترة التي يجب أن تزول، والتي يريد هو أن يزيلها، ويعمل هو على أن يزيلها. ولو كُشف له عن عقله لرآه ذبالة ضئيلة نحيلة كليلة لا تكاد تضيء حتى تنطفئ، ولا تستطيع أن تثبت للرَّوِيَّةِ أو تقوى على التفكير، أو تواجه المشكلات وصعاب الأمور. ولكنه لا يؤمن بالعقل، وإنما يراه لونًا من ألوان السُّخف، وحديثًا من أحاديث الهوس، وهدية خطِرة من هدايا الحضارة اليونانية الرومانية التي فشِلت وذهبت ريحُها، وآن لها أن تنهار، وأن تقوم مكانها حضارة جديدة لا تتأثر بالخلق، ولا بالفلسفة، ولا بالديانات السماوية. حضارة لا تعرف العقل ولا الضمير، وإنما تعرف الغرائز وحدها. وتندفع مع هذه الغرائز إلى حيث يريد لها الخيال الجامح أن تندفع في غير تبصُّر ولا تفكُّر ولا تقدير.
    هذه هي الصورة التي خرجتُ بها من قراءة الكتاب الذي جعلتُ اسمَه عنوانًا لهذا الحديث، وهذا الكتاب قد ألفه رجل ألماني كان صديقًا لهتلر، بل كان من خاصته، وأقرب أصدقائه إليه. عرَفه أثناء جهاده وجاهد تحت لوائه، واغتبط بانتصاره، وعمِل على تحقيق هذا الانتصار، ثم ساهم في استغلال هذا الانتصار إلى أقصى ما استطاع.
    كان مسيو بروشننج ألمانيًّا محبًّا لوطنه، محزونًا لما أصاب ألمانيا من الهزيمة في الحرب الماضية، ولِمَا تبع الهزيمة من النتائج الخطيرة التي أفسدت على ألمانيا أمورها كلها. فاستجاب كغيره من الألمان للدعوة الهتلرية التي كانت ترمي إلى إقالة ألمانيا من عثرتها واستنقاذها من آثار الهزيمة. وكان رئيسًا لحكومة دانزيج تلك المدينة الحرة بمقتضى معاهدة فرسايل، والتي اتُّخذت سببًا مباشرًا لإعلان الحرب الحاضرة. وكان هذا الرجل يعمل مع هتلر كما يعمل معه كثير من الألمان، ولكنه كان ذا خطر خاصٍّ لمكانه من تلك المدينة التي أرادت لها معاهدة فرسايل أن تكون حُرَّةً، وأرادت لها الظروف أن تكون موضوع النزاع بين النفوذ الألماني والنفوذ البولوني والنفوذ الدولي العام، بحكم ما كان من إشراف عصبة الأمم على أمورها من قريب أو من بعيد.
    وكان مؤلف هذا الكتاب حريصًا كل الحرص على أن تعود دانزيج إلى ألمانيا يومًا ما، ولكن في هدوء وسكون، وفي اتِّفاق مع بولونيا من جهة ومع عصبة الأمم من جهة أخرى. وكان حريصًا من أجل ذلك على أن تظَل دانزيج متصلة بألمانيا اتصالًا رُوحيًّا واقتصاديًّا، فكان من الذين روَّجوا فيها للدعوة الهتلرية. وكان من أجل هذا كله شديد الاتصال بهتلر، يلقاه بين حين وحين ليتلقى منه الوحي، وليشير عليه في شئون الحزب. وقد ظفر بحب هتلر وإيثاره، فكان يخلو إليه فيطيل الخلوة، ويستمع له فيطيل الاستماع، حتى إذا أسرف الحزب الهتلري على نفسه وعلى ألمانيا وعلى مدينة دانزيج نفسها، وظهرت بوادر الشر الذي لا شك فيه؛ عجز هذا الرجل عن مسايرة الحزب فلم يقاومه، ولم يُبْدِ له سخطه، وإنما نصح بالاعتدال والقصد، فلم يسمع له أحد، ولم يحفل به أحد فاعتزل الحكم. وقد وضع هذا الكتاب الغريب الذي لم يكُن في وضعه إلا ناقلًا، قليل الحديث جدًّا، كثير النقل جدًّا، ولكنه لا ينقل إلا عن هتلر نفسه فهو يُصوِّر لنا هتلر بقلم هتلر أو بلسانه إذا أُرِيدَ التعبير الصحيح. والصورة التي رآها القارئ في أول هذا الحديث هي أظهر ما يخرج به القارئ من هذا الكتاب العجيب. فهتلر رجل محدود العقل، محدود التفكير إلى أقصى حَدٍّ وأبعد غاية، لا يتعمق موضوعًا من الموضوعات، ولا يستقصي مسألة من المسائل، ولا يرى فائدة للتعمُّق والاستقصاء، وهو قليل القراءة قليل التحصيل، مُبغِضٌ للقراءة والتحصيل، لا يستوحي علمًا ولا بحثًا ولا تجرِبةً، وإنما يستوحي خيالًا جامحًا لا يعرف القصد ولا الأناة، وهو من أجل ذلك يزدري فلسفة الفلاسفة، وسياسة الساسة، وتفكير المفكِّرين. يؤمن بأنه قد وُجِدَ لينقل ألمانيا من طور إلى طور، ولينقل العالم كله بفضل ألمانيا من طور إلى طور. فكل طريق يجب أن تؤديه إلى هذه الغاية مهما تكُن عسيرة شاقَّة مملوءة بالصعاب والعقاب. وكل شيء جائز سائغ في سبيل هذه الغاية مهما يكُن مناقضًا للخلق، ومهما يكُن مناقضًا للضمير، بل هو يريد أن يريح الناس من الخلق والضمير؛ لأنهما يتبطآن الهمم، ويفلان الحد، ويدفعان إلى التردُّد والتفكير. وهو لا يريد تردُّدًا ولا تفكيرًا، وإنما يريد إقدامًا وإقدامًا دائمًا، وإقدامًا لا يعرف الهدوء ولا الأناة. وهو يريد أن يريح الناس من الدِّين السماوي؛ لأن هذا الدين السماوي قد أقام حياة الناس على أصول الحق والواجب والخير والعدل. وهو لا يعرف من الحق إلا حق ألمانيا، ولا يعرف من الخير إلا ما يجب أن تجنيه ألمانيا من سيادتها وسلطانها. ولا يعرف من العدل إلا ما يجب أن تمضيه في العالم من الحكم، وما تفرضه على العالم من النظام. هو من أجل ذلك يريد أن يقَوِّي ألمانيا إلى أقصى حَدٍّ لتستطيع أن تُحَطِّمَ ما يعترضها من المقاومة مهما يكُن شكله ومهما يكن مصدره، فالفرد الألماني لا يوجد إلا من حيث إنه أداة لقوة الشعب الألماني، ولا بأس بأن يحتمل الجوع والظمأ والبؤس على اختلاف ألوانه، والتضحية على اختلاف أشكالها وصورها، ولا بأس بأن يتعرض للموت وألوان العذاب، وهو من أجل ذلك لا يتردد في التضحية بالمئات والألوف في سبيل فرض النظام الهتلري على ألمانيا، وفي التضحية بالملايين في سبيل فرض السيطرة الألمانية على العالم. وهو من أجل ذلك لا يتردد في مقاومة الدِّين، وأخذ رجاله بالشدة والعنف إلا أن يُذعِنُوا له ويؤمنوا به، ويجعلوا دينَهم وسيلةً من وسائله. وهو من أجل ذلك لا يتردَّد في إغلاق الجامعات، واضطهاد العلماء إلا أن يجعلوا علمهم وتعليمهم وسيلةً من وسائله وأداة من أدواته.
    وهو ما دام ينكر شخصية الفرد وحَقَّه في أن يوجد لنفسه، وحقه في أن يطمع في الحرية الفردية، ويطمح إلى السعادة الفردية، لا يعرف الحرية ولا يؤمن بقيمتها، إنما يراها لونًا من ألوان العبث الديمقراطي الذي يجب أن يزول. وكما أنه لا يعترف بالشخصية الفردية، فهو لا يعترف بالشخصية الاجتماعية أيضًا، ولا يؤمن بحق الشعوب في تقرير مصيرها، وإنما الشعوب الصغيرة فرائس يجب أن تُلتَهَم، والشعوب الكبيرة أعداء يجب أن يُقهروا بالحيلة ما وَسِعَتْهُ الحيلة والعنف إذا لم تُغْنِ الحيلة، ولم تبلغه ما يريد.
    وهو من أجل ذلك لا يفهم معنى لوجود النمسا، ولا لوجود تشيكوسلوفاكيا، ولا لوجود هولنده وبلجيكا، وإنما هذه كلها بلاد يجب أن تصير إلى ألمانيا، وأن ينتشر فيها الشعب الألماني مستغلًّا لها، مستذلًّا لأهلها. فإذا وصل الشعب الألماني إلى فرنسا فيجب أن يقتطع من أرضها ما يحتاج إليه في أوروبا. فأما مستعمراتها ومستعمرات بريطانيا العظمى فيجب أن تسير إليه طوعًا أو كَرهًا. ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل لا بد من أن يصير شمال أمريكا وجنوبها إلى الشعب الألماني غدًا أو بعد غدٍ بالحيلة إن أغنت، وبالعنف إذا لم يكُن من العنف بُدٌّ.
    وأنت أيها القارئ الكريم تقرأ هذا الكلام فتراه جنونًا، وتراه أشبه بهذيان المحموم، ولكنه مع ذلك كلام هتلر يسجِّله عليه صديقه بروشننج في كتابه تسجيلًا.
    وألخصه أنا لك تلخيصًا متواضعًا جدًّا فيه كثيرٌ من التقصير، وفيه كثيرٌ من الاعتدال أيضًا؛ لأني أخشى أن تسيء بي الظن. ولكن ناقل الكفر ليس بكافر، وناقل الجنون ليس بمجنون. وقد تقول إن هتلر قد عامل الشعوب الصغيرة والكبيرة وأمضى معها المعاهدات والمحالفات. ولكن هتلر يقول لمُحَدِّثِه إن المعاهدات والمحالفات وسائل لا غايات. وهي وسائل إلى الخداع وانتظار الفُرَص، فهو لا يرى بأسًا من أن يعطي العهود والمواثيق إذا احتاج إلى إعطائها، ومن أن ينقض العهود والمواثيق إذا احتاج إلى نقضها. وهو لا يرى بأسًا من أن يُقسِم بمحرجات الأيمان إذا احتاج إلى القَسَم، ومن أن يحنث في قسمه إذا احتاج إلى الحنث. وهو قد أثبت ذلك على نفسه فعاهد ثم نقض العهد، وحالَفَ ثم نقض الحلف، وعادى روسيا ثم صادقها، وصادق إيطاليا وهو يتحدث عنها في الكتاب أشنع الحديث، ويزدريها أقبح الازدراء.
    وعلى الجملة فإن الصورة التي تخرج بها من هذا الكتاب بشعة منكرة، إن دلَّت على شيء فإنما تدل على الآثار المنكرة التي يتركها التعليم الناقص والتربية المهملة في بعض الأفراد، حين تتيح لهم الظروف التسلُّط على بعض الشعوب في أوقات الشدة والمحنة والشقاء. وهي تدل أيضًا على أن الحضارة الصحيحة ليست في هذه الألوان من التقدُّم المادي في الصناعة والتجارة والزراعة والاستكشاف، وإنما قبل كل شيء خُلُق يشيع في النفوس والقلوب والعقول فيُهيِّئها لمقاومة الشر والامتناع عليه.
    فالشعب الألماني ماهر في الحضارة المادية، ولكنه قد حُرِمَ رُوح الحضارة وخلاصتها، فأصبح أداةً يسخرها المتغلب، وطبعًا يستجيب لكل ناعق، وآية ذلك أنَّه استجاب لدعاة الحرب الماضية فوَرَّطَ نفسه — ووَرَّط العالم معه — في شر عظيم لم نفرغ من آثاره المنكرة بعدُ. وهو الآن يستجيب لطاغيته هتلر، فيورط نفسه ويورط العالم في شر عظيم لا ندري متى تخلص الإنسانية من آثاره.
    والحمد لله على أني لم أنتظر إعلان هذه الحرب لأبغض هتلر ونظامه، وإنما أبغضت هذا الرجل منذ نَجَمَ، وأبغضت نظامه منذ ظهر، وقاومته وقاومت نظامه ما أُتيحت لي المقاومة، وتصوَّرتُه دائمًا على أنه الرجل الذي يقطر ضميره دمًا، والذي لا يرعى حرمة ولا ذمة، والذي يُعادِي العقل فيعادي الإنسانية، ومُثُلَهَا العُليا، وحضارتها الرائعة. وهذه أعماله وهذه أقواله تظهر للناس كما تصوَرتُه منذ استقامت له الأمور، وواتته الظروف. فالحق على كل مفكر يؤمن بالعقل والخلق والضمير والحرية والدين أن يكون لهذا الرجل ولنظامه عدوًّا، وأن يعين عليه وعلى نظامه بما يملِك من قوة وجهد؛ حتى تُرد على الإنسانية حضارتها نقية طاهرة، وضميرها ناصعًا صريحًا.

  • بعض وجهات التفكير الحديث

    بعض وجهات التفكير الحديث

    طه حسين

    مجلة الهلال

    فبراير ١٩٣٧

    … أوضح ما يُقال عن الاتجاهات الأدبية في هذه الأيام أنَّها تتحد اتحادًا مُزعجًا مُرهقًا مُخيفًا حقًّا في البلاد التي تخضع للنظام القوي والسلطان العنيف … ثم هي تختلف اختلافًا قويًّا خصبًا رائعًا في البلاد الحُرَّة التي تَسْتَمْتِعُ بالحرية الديمقراطية.

    وإنَّما أُرِيدُ التفكير الذي يمس الأدب من قريبٍ، أو التفكير الذي يصدر عنه الأدب، وتستمد منه أقلام الأدباء ما تُذيع في الناس من آثار، وواضح أنَّ فصلًا في مجلة لا يستطيع أن يُلم بوجوه التفكير الأدبي الحديث في بلد بِعَيْنه، فضلًا عن أنْ يُلِمَّ بها في أوروبا كلها، فضلًا عن أن يُلم بوجوه التفكير على اختلاف أنواعه في بيئة من البيئات، أو عصر من العُصور؛ فألوانُ التَّفكير تَخْتَلِفُ أَشَدَّ الاختلاف بالقياس إلى البيئات المُفكرة، وبالقياس إلى الأفراد المفكرين أيضًا.

    وألوانُ التَّفْكِير هذه إنَّما تَخْتَلِفُ لأنَّ طَبَائِعَ المُفَكِّرين، أفرادًا أو جماعات، شديدة الاختلاف والتنوع فيما بينها، والأصلُ أن تختلف ألوان التفكير باختلاف الأفراد الذين يُفكرون، ما دام لكل فرد طبيعته ومِزَاجه وظروفه المُحيطة به، ودائرته التي يدور فيها.

    ولكن طبيعة الحياة أرادت أنْ يجتمع الناس أحزابًا وشيعًا في الرأي، كما يجتمعون أحزابًا وشيعًا في السيرة العملية، فمهما تختلف طبائعُ الأَفْرَاد وأَمْزِجَتُهُم، ومَهْمَا يكن لذلك من أثر في تفكيرهم وفيما يُنْتِجُون من أدب، ومهما يكن لذلك من قيمة في دراسة الأديب، والتماس شخصيته الفَرْدِيَّة، وتمييزه من غيره؛ فإنَّ من اليسير ومن المألوف أنْ نبحث عن ألوان مُشتركة للرأي يمتاز بها فريق من النَّاس بالقياس إلى فريق آخر، بحيث تتكون لهذا الفَريق أو ذاك شخصيته العَقْلية الأدبية التي تشيع في أفراده جميعًا، ثم يتمايز هؤلاء الأفراد بعد ذلك — أو قبل ذلك، لا أدري — بأمزجتهم وطبائعهم الخاصة.

    فأصحاب مذهب شِعْرِيٍّ بِعَيْنِهِ يَشْتَرِكُون في خصائص نعرفها فيما ينتجون لنَا مِنْ الشِّعر، ونحنُ بحكم هذه الخصائص نستطيعُ أن نُميزهم في سهولة من أصحاب مذهب آخر من مذاهب الشعر، ثم هم بعد ذلك يتفاوتون في إنتاجهم تفاوتًا مَصدره شخصياتهم وما يُؤلفها من طبيعة ومزاج، وما يُحِيطُ بها من أحداث وظروف. وما أظنُّ أنَّ هذه القضية مُحتاجة إلى استدلال وتفسير؛ فالنَّاس قد ألفوها منذ العصور البعيدة جدًّا، وهم يُقَسِّمون الشعراء والكُتَّاب إلى فرق مُتمايزة، ومدارس مُتباينة، وهم يبينون ما لهذه الفِرَق من الخَصَائص، وما بين أفرادها من التمايز، ثم ما بينها هي من أسباب القُرْبِ والبُعد من مَظَاهِر الائتلاف والاختلاف.

    ولكن الشيء الذي قَلَّمَا نُفَكِّرُ فيه، ونُطِيلُ الوُقوف عنده، هو أنَّ الحياة الجَدِيدَة قربت بين الناسِ أَشَدَّ التقريب، وباعدت بينهم أشد المُباعدة، وأحدثت هاتين الظاهرتين المُتناقضتين في وقت واحد. فوسائل النشر والإذاعة وأسباب المُواصلات قد ألغت المسافة الزَّمانية والمَكانية إلغاء، وأتاحت للنَّاس أنْ يَظْهَر بعضهم على آراء بعض في غير مشقة ولا جهد ولا انتظار.

    كما أنَّ ظروف الحياة نفسها قد قوَّت الشخصية الفردية تقوية غريبة حقًّا، وجعلت لكل فرد مُفكر وجودًا داخليًّا يُشبه أن يكون مُستقلًّا، ويُشبه أن يكون عَالمًا مُمتازًا له حدوده التي لا يستطيع أحد أن يتجاوزها أو أن يقتحمها.

    وعلى ذلك جعلنا نُفَكِّر مُسْتقلين، ونُفَكِّر مُجْتَمِعِينَ، وجعل تفكيرنا المُستقل ينتج آراء لا تُحصى، وينتج آراء شديدة الاختلاف والتمايز فيما بينها، بحيث يكادُ أمرُها ينتهي إلى الفوضى، ويعجز بحث الباحثين واستقصاء الذين يقفون جهودهم على الاستقصاء، وجعل تفكيرنا الاجتماعي يُقارب بيننا أشدَّ المُقاربة؛ حتى يكادُ يكون هنا وحدة مُلْتَئِمَة لا يكاد يظهر فيها اختلاف، على بُعد ما بيننا من الآماد التي تُفرق بين الأمم والشعوب، وبين الفِرَق والأحزاب، وبين الأفراد أنفسهم.

    فلم يبق بدٌّ لدارس الأدب من أن يتجه هذين الاتجاهين، ويَلْتَمِسَ فيما يقرؤه منَ الآثارِ الأَدَبِيَّة مَظَاهِرَ الاستقلالِ الفَرْدِيِّ مِنْ جهة، ومَظَاهِرَ التضامن الاجتماعي والإنساني من جهة أخرى.

    ولستُ أعرف عصرًا اشتد فيه الصراع بين الفرد والجماعة كهذا العصر الحديث، ولعلك ترى معي أنَّ هذا الصِّراع قد مَرَّ بأطوار ثلاثة ظاهرة مُنذُ تحضَّر الإنسان وأخذ في التفكير والإنتاج:

    فالطور الأول: تطغى فيه الجماعة على الفرد طُغيانًا كاملًا شاملًا؛ فتفنيه في نفسها، وتنطقه بلسانها، وتُثير في نفسه عواطفها وأهواءها، فإذا أظهر الفرد شخصية مُستقلة؛ ففكر على غير ما تُفكر الجماعة، وأعلن غيرَ ما تُحِبُّ الجماعة من الرأي قاومته الجماعة أشد المُقَاومة، وبطشت به أفظع البطش، وعرضته أحيانًا إلى الموت.

    والطور الثاني: يَطْغَى فيه الفَرْدُ طُغيانًا شديدًا، فيَثُور بالنِّظام القَائِم ويَقلبه رأسًا على عقب، ويستخلص لنفسه حقوقًا ما كان ليحلم بها، وينتهي هذا الطُّغيان إلى كثيرٍ من الاضطراب والاختلاط؛ ثم تَسْتَقِرُّ الأمور وقد كسب الفرد حقوقًا لم تكن له، واستبقت الجماعة بعض ما كان لها من سلطان.

    وهذا هو الطور الأخير الذي يتحقق فيه التوازن بين حقوق الجماعة وحقوق الفرد. وواضح جدًّا أنَّ هذا التوازن لا يتصل، وإنَّما يستقرُّ حينًا ريثما يستريحُ المُختصمان كأنَّه هُدنة موقُوتة، ثمَّ تستأنف الخصومة بينهما كأشد ما كانت قوة وعنفًا.

    ومن المُحقق أننا في هذه الأيام لا نستمتع بالتوازن بين استقلال الفرد وسلطان الجماعة، وإنَّما نحنُ نعيشُ في عصر قد اختلَّ فيه هذا التوازن اختلالًا شديدًا؛ كما يقولُ أصحاب السياسة، فالأفرادُ قد كسبوا حقوقًا تُبيح لهم حرية واسعة في القول والعمل والتفكير؛ ولكن الجماعات قد أنكرت إسرافَ الأفرادِ في الاستمتاع بما كسبوا من حقوق، فهي تُرِيدُ أنْ تردهم إلى القصد، وأنْ تُخضعهم لنِظَامِها، وتفرض عليهم سلطانها من جديد.

    وأنت ترى هذا الصراع قد انتهى في هذه الأيام إلى عُنف لم يكن يَعْرِفُه من قبل، فهو الذي يقسم أوروبا هذه الأقسام الثلاثة التي يثور بعضها ببعض، ويكيد بعضها لبعض، ويبطش بعضها ببعض، والتي تتهيأ كلها لمَوْقِعة نظنها حاسمة، ولا ندري أتخرج الحضارة منها سالمة ظافرة قادرة على البقاء والنمو، أم تصبح الحضارة بعدها حديثًا من أحاديث التاريخ!

    هذه النظم السياسية الثَّلاثة التي تختصم في أوروبا ليست في حقيقة الأمر إلا مظاهر للخصومة بين الفرد والجماعة، نظامٌ يُريد أنْ يَحْتَفِظَ بالتَّوازن بينَ الشَّخصية الفَرْدِيَّة والشخصية الاجتماعية إلى حد ما، وهو النظام الديمقراطي، ونظام يُريد أن يخضع الجماعة لسلطان قوي عنيف يستأثر به وبحمايته وتنفيذه أفراد ممتازون، وهو نظام الفاشزم، ونظام ثالثٌ يريد أن يرد الأمر إلى الجماعة وإلى طبقات بعينها من الجماعة هي التي تُؤلف الكثرة الكثيرة، ويريد أن يمحو الفرد محوًا — إن جاز هذا التعبير — وأن يفنيه في الجماعة إفناء، وهو النظام الشيوعي.

    ومنَ المُحَقَّق أنَّ التفكير في هذه البيئات المُختلفة مُخْتَلِفٌ أيضًا، وأنَّ الإنتاج الأدبي فيها مُختلف باختلاف التفكير؛ فالمُفَكِّرون والمُنتجون في البيئات الديمقراطية يُفكرون وينتجون على أنهم أفراد لهم شخصياتهم المُستقلة المُتمايزة، التي كسبت ما كسبت من حقوق، والتي هي حريصةٌ أشد الحرص على ألا تضيع مما كسبت شيئًا، بل على أنْ تُضيف إليه كسبًا جديدًا مُتصلًا.

    وأصحاب النظام الفاشي يفكرون وينتجون على أنَّ الجماعة خليقة أن تَسْعَد وتَرْقَى وتبلغ ما قُدِّر لها من كمال، ولكن وسيلتها إلى ذلك إنَّما هي قوةُ الفرد المُمْتَاز وسُلْطَانُهُ وبَرَاعَتُهُ، وقُدْرَتُهُ على التنفيذ والمُقاومة والإقناع والإرْهَاب، فالجَمَاعة يجبُ أنْ تَرْقَى، ولكنْ على أن يرقيها قائدها العظيم الفذ.

    والمفكرون المنتجون في النظام الشيوعي يفكرون على نحو قريب من هذا النحو جدًّا، لولا أنَّهم لا يُغلون في تقدير القادة وإكبارهم، وإنما يجعلونهم خدامًا للجماعة، ومَظاهر لسُلطانها، وأدواتٍ لتَحْقِيقِ مَا تُريد وما تَسْمُو إليه من أمل.

    ومع ذلك، فهُم يَنْتَهُون في آخر الأمر إلى مِثل ما ينتهي إليه الفَاشِيُّون؛ لأنَّ الجَمَاعة لا تستطيع وهي جَمَاعة أنْ تُدَبِّر الأمر وتُحْكِمه وتنفذه، ولا بد لها من أن تنتهي إلى أفراد بأعينهم تطمئن إليهم، وتثق بهم، وتعتمد عليهم في التدبير والإحكام والتنفيذ.

    وما أسرع ما يسيطر هؤلاء الأفراد على الأمر كله! وما أسرع ما ينزلقون إلى الطغيان! وما أسرع ما ينجم منهم الفرد القوي الذي يستأثر بكل شيء، ويفرض نفسه ورأيه وإرادته على الجماعة فرضًا! وما أدري أيوجدُ آخر الأمر فرق بين السُّلطان الذي يستمتع به هؤلاء الأشخاص الثلاثة في أوروبا اليوم: مُوسوليني في إيطاليا، وهتلر في ألمانيا، وستالين في الروسيا!

    تُوجد فروق في الأساليب وألوان السيرة العَملية الظَّاهرة، ولكن النتيجة الأخيرة واحدة، وهي أنَّ هؤلاء الأشخاص هم كل شيء في أوطانهم، قد استأثروا بالسلطان كله؛ وفَرَضُوا على شُعوبهم إرادات لا مَرَدَّ لها، ولا سبيل إلى الخلاف عن أمرها؛ إلا أن يتعرض المُخالفون للموت.

    وأنا أعلم أن تصور الأمور الأدبية والاقتصادية والسياسية يختلف في هذه البلاد اختلافًا شديدًا، فنظام الطبقات هو أساس السياسة والاجتماع والاقتصاد في بعضها، ونظام رأس المال هو أساس هذه الأشياء في بعضها الآخر، والأدبُ يُعنى بالشعب وطبقاته الدنيا في بعض هذه البلاد، وهو يعني بالطبقات الوُسطى وبالطبقات المُمْتازة في بعضها الآخر، ويكادُ يُهمل الطبقات الدنيا إهمالًا.

    أعلم هذا حق العلم، ولكنِّي أُريد أنْ نَتَجَاوز المَظاهر إلى الحقائق، وأنْ نَصِلَ إلى أحبِّ شيء إلى الفرد، وآثر شيء عنده، وهو الحُرِّية الفردية؛ حرية التفكير والقول والعمل. أُريد أنْ نَصِلَ إلى هذه الحُرِّية، وأنْ نَلتمسها عند الفاشيين والشيوعيين، فسنجد أمرها مُتشابهًا أشد التشابه عند أولئك وهؤلاء، بل سنجد أمْرَها مُتفقًا أشد الاتفاق عند أولئك وهؤلاء، متفقة في أنها مُهدرة لا تُوجد أو لا تكاد تُوجد، فليس للفرد أنْ يظهر من الرأي في قوله وسيرته إلا ما يُلائم النِّظام القائم ولا يُخالف عنه.

    وأقل شُبهة توهم الانحراف عن النظام في قول أو عمل أو إرادة أو رأي تُعَرِّض صاحبها لخطر شديد، والأحداث التي تقع في روسيا وألمانيا وإيطاليا أكثر من أن تُحصى، وأوضح دلالة من أن تحتاج إلى شرح أو تفسير.

    على أنَّ مُؤرخ الآداب قد يجدُ راحة ثَقِيلَةً مُمضة إذا أرادَ البحث عن الآداب في هذه البلاد التي تخضع للسلطان القوي، فهو لنْ يجدَ لهذه الآداب إلا اتجاهًا واحدًا هو الذي يَفْرِضُه النِّظام القَائِمُ، ويأخذ به النَّاس أخذًا عنيفًا، ويُعَاقِبُ الذين يخرجون عليه بالموت غيلة، أو الموت بعد مُحاكمة شكلية، أو النفي إلى مكان بعيد.

    فالاتجاه الأدبي في إيطاليا وألمانيا فاشي، وهو في روسيا شيوعي. ومعنى ذلك أنَّ الناس يفكرون وينتجون في ألمانيا وإيطاليا كما يُريد لهم هتلر وموسوليني أنْ يفكروا وأنْ ينتجوا، فمن أحس منهم عجزه عن هذا الإذعان الذي لا يلائم طبيعة العقل الحُر؛ فليس له بد من أنْ ينفي نفسه من الأرض، وأنْ يَلْتَمِس لنفسه مهاجرًا يُفكر فيه، ويُنتج كما يُريد لا كما يُرَاد له.

    إنما يشق البحث الأدبي ويتعقد ويختلف حيث يستمتع الأفراد بحرية التفكير والقول والعمل، وحيث تستطيع النفوس الفردية والاجتماعية أن تزهر وتتفتح كما تريد لها طبائعها وأمزجتها، وحيث تستطيع النفوس الفردية والاجتماعية أن تستملي الأدب والفن من ضمائرها، ومن الصلة بين ضمائرها وبين الحياة، لا من السلطان الجاثم في هذا القصر أو ذاك، والذي يهيئ لها من حين إلى حين ما ينبغي أن تتلقى من وحي، وما ينبغي أن تجيل من رأي، وما ينبغي أن تجد من شعور.

    اذهب إلى إيطاليا؛ فلن تجدَ إلا الأدب الفاشي، واذهب إلى روسيا؛ فلن تجد إلا الأدب الشيوعي. فإذا أراد كاتب إيطالي أو روسي أن يُفكر كما يُريد هو لا كما يريد موسوليني أو ستالين؛ فلا بد له من الهجرة إلى لندره، أو إلى باريس، أو إلى ما يُشبه هاتين المدينتين، ولكن اذهب إلى لندره، أو إلى باريس، أو إلى بروكسل، أو إلى لاهاي، أو إلى أمريكا؛ فستجد ألوانَ الأدب كلها تلتقي وتفترق، تأتلف وتختصم، ويكون بينها هذا الصِّراع الخَصْبُ الذي يتيح للأفراد والجماعات حياة تُلائم ما فرض الإنسان لنفسه من المُثل العُليا منذ أخذ يُفكر ويُسيطر بعقله على الأشياء.

    أنت في باريس تجد الأدب الشيوعي مُصورًا أقوى تصوير وأبرعه، وتجد الأدب الاشتراكي، وتجد الأدب الفاشي، ثم تجد الأدب الديمقراطي على اختلاف ألوانه، ثم تجد الأدب الملكي، وقد تجد الأدب الإمبراطوري الذي لم ينس، ولا يريد أن ينسى، مَجْدَ نابليون. ولا تظن أن هذا كله لغو يتصل بالسياسة وحدها؛ فإن لكل لون من هذه الألوان السياسية المُتباينة أثره في الفن والنظام الاجتماعي والشعور الديني.

    إذا قرأت الشيوعيين قرأتَ الاندفاع الشديد إلى العِناية بالطَّبقات الدُّنيا، والإصلاح من أمر البائسين، فوجدتَ الرَّحمة والرِّفق واللين، ووجدتَ إلى جانبها العُنف والغِلظة والقسوة بالقياس إلى الأغنياء المُترفين الذين يستأثرون بالنعمة دون غيرهم من سائر الناس، ووجدت الإلحاد في الدين والثورة بالكنيسة، والسخط على كل نظام قائم.

    ووجدت الآثار الفنية لهذا كله في ألوان التفكير والتعبير، بل في ألوان الفن المُختلفة التي لا تترجم عن نفسها بالكلام، وأنتَ واجِدٌ في الأدبِ الاشْتِرَاكي ما يُلائم الاشتراكية من هذا كله أشَدَّ اعتدالًا مِمَّا تجدُه عند الشيوعيين، وأنتَ واجدٌ في الأدب الديمقراطي ما يلائم الديمقراطية من هذا كله أشد اعتدالًا واتزانًا مما تجد عند الاشتراكيين والشيوعيين.

    ثم أنت واجد عند الملكيين غلوًّا شديدًا في نقائض ما تجد عند الشيوعيين. ومن هذا التناقض الشديد، ومن هذا الخِصَام العَنيف المُتَّصل بين المُتناقضات في جميع ساعات الليل والنهار تَأْتَلِفُ في البلاد الحُرَّة حياة موسيقية رائعة حقًّا، يجدُ فيها العقل ما يشتهي من ألوان اللذة العقلية المختلفة، ويُتيح له بذلك براءة من السأم والملل والضيق.

    وأغرب من هذا أنكَ تَجِدُ في البلاد الدِّيمُقراطية من تصوير الشيوعية والفاشية أروعَ مما تجد في إيطاليا ورُوسيا نفسهما؛ لأنَّ الشيوعيين الفرنسيين والفاشيين الفرنسيين يستمتعون في تصوير آرائهم، والذود عنها بحُرِّية، لا يَسْتَمْتِعُ بها نَظائرهم في إيطاليا ورُوسيا، ولهم خُصومُهم يُصَارِعُونهم في الصحف، ويُصارعونهم في الكتب، ويصارعونهم في البرلمان، ويصارعونهم في المظاهرات، فيمنحهم هذا الصراع المُتصل المُختلف حياة لا يجدها نظائرهم في البلاد التي لا يرتفع فيها للمُعارضة صوت، ولا يُسمح فيها بنقد النظام أو الإنكار على القائمين بالسلطان.

    وجملة القول أنك إذا أردتَ أنْ تَبْحثَ عن اتجاهات التفكير الأدبي؛ فلن تجد مَيدانًا لهذا البحث أخصب ولا أجدى ولا أعود بالفائدة إلا في البلاد الديمقراطية التي يتحقق فيها التوازن على نحو ما بين الفرد والجماعة. ومع ذلك، فقد حدثت في الأيام الأخيرة الماضية حادثة لا تدعُ سبيلًا إلى الشك في شيء من هذا، وهي حادِثة التَّاج البِرِيطاني.

    أرأيتَ إلى هذا الصراع العنيف بين شخص الملك وجماعة الإمبراطورية البريطانية كلها، كيف بدأ؟ وكيف اتَّصل؟ وكيفَ انْتَهى؟ وكيف خرجت مِنْهَا الجماعَةُ ظَافِرَةً؟ وكيف خرجَ الفَرْدُ مِنْهَا ظافرًا؟ وقد حفظت الديمقراطية للإمبراطورية نظامها وتقاليدها؟ وقد حفظت للملك حريته وخلَّت بينه وبين ما يريد من الاستجابة لعواطفه، والانقياد لقلبه، ورضي الملك ورضي الشعب ولم يُكْلم أحد منهم كَلْمًا، ثم اجتهد في أن تتصور حادثًا كهذا في بلد شيوعي أو فاشي، واجتهد في أن تتصوره مُبتدئًا ومُتصلًا، ثم أن تتصور غايته التي ينتهي إليها، ثم قارنْ بين الصورتين.

    أمَّا أنا فلا أكاد أَسْتَطِيعُ تصَوُّر حَادِثَةٍ كَهَذِهِ في بَلَدٍ لا يَسْتَمْتِعُ بالدِّيمُقراطية؛ إذن لفرض الفرد إرادته على الجماعة فرضًا، فأذعنت إذعانًا مُطلقًا لتحكم الأهواء، أو لفرضت الجماعة إرادتها على الفرد فأذلته وأخضعته لما لا يريد.

    ولا تظن أنَّ هذه الحادثة سياسية فحسب، بل هي أدبية عقلية أيضًا، فقد أُتيح للكتاب أن يكتبوا، وللخطباء أن يخطبوا، ولرجال الشارع أنْ يتظاهروا، وسيتيح للشعراء أنْ يقْرِضوا الشعر، ولأصحاب الفن أنْ يُصَوِّروا شُعورهم بالحادثة وآراءهم فيها كما يُريدون دونَ أنْ يُؤذى أحدٌ منهم في شيء من ذلك قليلًا أو كثيرًا. ومن الذي يستطيعُ أن يقول: إنَّ هذه الحادثة العظيمة حادثة تتصل بالسياسة وحدها، ولا تتصل الفنِّ، وبالأدبِ خاصةً، أمتن اتصال وأقواه؟ لقدْ حَدَثَتْ في التاريخ القديم حادثة تُقاربها، فتركت في الأدب آثارًا خالدة، وما أرى إلَّا أنَّ هذه الحادثة الأخيرة ستنتج في الأدب الحديث آثارًا خالدة أيضًا.

    وإذن فأوضح ما يُقال عن الاتجاهات الأدبية في هذه الأيام أنَّها تتحد اتحادًا مُزعجًا، مُرهقًا مُخيفًا حقًّا في البلاد التي تخضع للنظام القوي والسلطان العنيف، تتحد حتى تكاد تجعل الناسَ كلهم فردًا واحدًا، وتفرضُ عليهم حياة الحَيوانِ الاجْتِمَاعي، وسيرة النمل والنحل.

    ثم هي تختلف اختلافًا قويًّا خصبًا رائعًا في البلاد الحُرَّة التي تستمتع بالحُرِّية الدِّيمُقراطية، أو أنتَ تستطيع أنْ تقول: إنَّ التفكير الأدبي يتجه في ظلِّ السلطان العنيف اتجاهًا واحدًا لا يلبث أن يفيض السأم والملل، ويتجه في البلاد الحُرَّة اتجاهات لا تُحْصَى، ولكنَّها لا تفيض مللًا ولا سأمًا، ولا ينقضي منها عجب الباحث ولا حاجته القوية إلى البحث والاستقصاء. فأمَّا تشخيص بعض هذه الاتجاهات وردُّه إلى مصادره الأولى، ثم الانتهاء به إلى بعض نتائجه المُمْكنة، فشيء لا يكتب فيه فصل، وقد لا يُتاح استقصاؤه في فصول.

  • الجامعة المصرية في عالم الحرية

    الجامعة المصرية في عالم الحرية – بطل من أبطال الديمقراطية الحديثة
    طه حسين
    مجلة المصور
    ١١ مايو ١٩٣٤

    كان أبوه يسوق العربات في قرية من القرى، لا يقرأ ولا يكتب ولا يمس من أمور الحياة إلا صناعته هذه اليسيرة، وإلا ما يحسنه أمثاله من أصحاب السذاجة والجهل والعيش الخشن العسير، وكانت أمه خادمًا لسيدة من سيدات القصر، لا أمل لها في أكثر من أن ترضى عنها سيدتها، ويطمئن إليها زوجها، وينشأ ابنها كما ينشأ أمثاله من أبناء الطبقات الفقيرة البائسة، وكانت هذه الطبقات الفقيرة البائسة قد ظفرت بشيء من الحرية قبل أن يُولَد طفلنا هذا بسنتين اثنتين، وطفلنا هذا قد وُلِد سنة ١٨٥٠م.

    وكانت هذه الحرية اليسيرة التي فتحت أبوابها المتواضعة لهؤلاء الناس البائسين قد أثارت في نفوسهم شيئًا من العزة، وفتحت لهم نوافذ ضيقة إلى الأمل، ولكنها نوافذ على كل حال ينفذ منها الضوء والهواء، وتتسع بها آفاق الحياة بعض الشيء، بعد أن كانت ضيقة شديدة الضيق.

    وكان سائق العربات في تلك القرية قد أحس شيئًا من هذا النسيم الذي فتحت له النوافذ، وقد مدَّ عينه من هذه النوافذ إلى أفق أبعد من أفقه القديم؛ فكَرِه أن يكون ابنه سائق عربة مثله، وطمع في أن يرقى به بعض الشيء إلى صناعة خير من صناعته، وإلى مهنة أرقى من مهنته قليلًا، وبدأ فأرسله إلى المدرسة حتى إذا تعلَّمَ فيها أصول الكتابة والحساب، وتعلَّم معه أبوه هذه الأصول دفعه إلى مَن يعلِّمه صناعة أحذية الخيل، ثم ارتقى به شيئًا فأرسله إلى حيث يتعلَّم صناعة الحدادة، وفي ذات يوم خرج الصبي يلتمس الماء للدكان، وإنه ليحمل وعاء الماء على ما هو فيه من زي قبيح، وشكل تنبو عنه العين، ووجه له حظ من القذارة غير قليل، إذا هو يلمح أحد الذين كانوا يعلمونه في المدرسة، فيستحي ثم يستخفي حتى لا يضطر إلى تحيته، ولكن معلمه قد رآه، وأحس حياءه، فلم يُظهِر معرفته، وإنما ذهب إلى أمه فتحدَّث إليها في أمره حديثًا غيَّر حياته كلها تغييرًا، ولم تغرب الشمس ذلك اليوم حتى كان الصبي مرتحلًا مع معلمه إلى مدينة قريبة، فيها مدرسة التحق بها الصبي لا ليطلب العلم، فقد كان أفقر من ذلك، بل ليكون خادمًا أو كالخادم، لعل حياته في هذه البيئة أن تنفذ إلى نفسه شيئًا من هذا العلم، الذي يلقى فيها من الصباح إلى المساء.

    وفي هذه المدينة اتصل الصبي بالكنيسة، وتعلَّم فيها الموسيقى والغناء، وكان الغناء لاتينيًّا؛ فحفظ الصبي أغاني لم يفهمها، وشقَّ عليه أن يغني ما لا يفهم؛ فتعلَّم اللاتينية وحده ليفهم الغناء، وما هي إلا أن يستكشف القسيس أنَّ الفتى يفهم اللاتينية فيكبره ويضن به على الجهل، وعلى هذه الحياة الخاملة ويرسله إلى مدرسة ثانوية، ومن ذلك الوقت اعتدلت له الحياة بعض الشيء، واستقامت له الطرق بعد العوج والالتواء، فأتمَّ درسه الثانوي واتصل بالجامعة في فينا فأتمَّ فيها درسه، ثم ارتحل إلى ليبزج فدرس في جامعتها، ثم عاد إلى وطنه، وإذا هو أستاذ من أساتذة الجامعة في مدينة براج، ولست أدري! أعرفتَ هذا الرجل أم لم تعرفه، ولكني أوثر ألا أسميه الآن، وأن تسميه حياته نفسها، أو أن تسميه الأيام التي صارعته وقارعته فلم تستطع أن تصرعه، وإنما اضطرت إلى أن تذعن له. ظل هذا الرجل أستاذًا في الجامعة يعلِّم الشباب من مواطنيه أصول الفلسفة وفروعها، ولكنه يعلِّمهم أيضًا كيف تكون الرجولة الصادقة، وكيف تكون العزة الأبية، وكيف تكون الحرية التي لا تستطيع الذلة أن تجد إليها سبيلًا، ثم كيف يكون الإخلاص للحق والوفاء له، والثبات عليه والتضحية في سبيله بكل عزيز، والاحتمال في سبيله بكل مكروه.

    في ذات يوم اضطربت مدينة براج وما حولها من المدن بحديث خطير، فقد استكشف نسخة خطية لكتاب يُثبِت أنَّ البوهيميين كانوا أصحاب ثقافة وأدب وفن في القرن الثاني للمسيح، حين كان الألمان جهَّالًا متوحشين يرتدون جلود الحيوان، ويعيشون أخشن العيش.

    وتستطيع أن تقدِّر أثر هذا الكتاب المستكشف في نفس أمة قد استذلها الألمان، وهي تطمح إلى الحرية وتلج فيها، ولكن الأستاذ درس الكتاب، وإذا هو يعلن — لا مترددًا ولا قادرًا لاضطراب الرأي العام قدرًا — أنَّ هذا الكتاب منحول مصنوع لا أصل له، وهو إذن لا يثبت شيئًا، وأنَّ مجد الأمم لا ينبغي أنْ يقوم على الكذب، ولا أن يعتمد على التضليل، وإذا الرأي العام كله عدو لهذا الأستاذ، الذي لم يتجاوز السادسة والثلاثين من عمره، وإذا الناس كلهم ينكرونه ويمكرون به ويكيدون له ألوان الكيد، ولكنه ثابت في موقفه يعلن أنَّ الكتاب منحول مصنوع، ويجهر بأن مجد الأمم لا ينبغي أن يقوم على الكذب، ويعتمد على التضليل، وتشتد عليه العاصفة، ولكن الشجرة ثابتة لا تنثني ولا تنحني، حتى إذا مضت أيام ثم أسابيع ثم أشهر ثم أعوام تبيَّنَ الحق؛ فإذا الكتاب مصنوع، وإذا الأستاذ لم يكن خائنًا للوطن، ولا منكرًا لمجده القديم، وإذا الذين كانوا ينكرونه قد عرفوه، وإذا الذين كانوا يمكرون به قد أحَبُّوه، وإذا الذين كانوا يكيدونه له قد وثقوا به فأرسلوه نائبًا عنهم في البرلمان.

    لم يُخِفْه تنكُّر الرأي العام له، ولم تغرره ثقة الرأي العام به، ولم يتحول عن حبه للحق ووفائه له؛ لأنه كان يحب الحق لنفسه لا ليخاصم به الشعب، ولا ليصيد به الشعب. وفي ذات يوم قُتِلت فتاة وأُخِذ يهوديٌّ من أبناء السبيل فاتُّهِمَ بقتل الفتاة، وعظم أمر هذه الحادثة لأن الناس ظنوا أنها جريمة دينية، ولكن الأستاذ تتبع القصة ودرس القضية واستيقن أنَّ اليهودي بريء، وكان قد قُضِي على هذا اليهودي بالموت، فطلب إعادة النظر في الحكم وألحَّ في ذلك، وهناك تنكَّر له القصر، وتنكَّر له السلطان، وتنكَّر له الرأي العام كله، وضاق به الشباب أشد الضيق، ولكنه لم يحفل بشيء من ذلك، وإنما مضى في دعوته إلى ما يرى أنه الحق، وأقبل ذات يوم إلى الجامعة؛ فإذا الطلاب قد وقفوا يريدون منعه من إلقاء الدرس، وقد جاهدهم وجاهدوه حتى نفذ إلى حجرة الدرس وهَمَّ أن يتكلم، فصاحوا به حتى أخفوا صوته، وهَمَّ أن يكتب فمنعوه من الكتابة، وأقبل العميد فرَجَا منه أن ينصرف، فانصرف عن الدرس ولكنه لم ينصرف عن الدعوة إلى الحق، حتى اضطر السلطان إلى أن يغيِّر الحكم فيكتفي بسجن اليهودي ويصرف عنه الموت، ثم تمضي الأيام وتتابع الحوادث حتى تُعلَن الحرب الكبرى، وإذا صاحبنا في جنييف ومعه نفر من أصدقائه همهم همه وهواهم هواه، كلهم كاره لسلطان الأجنبي، كلهم راغب في استقلال الوطن، كلهم عدو لسلطان النمسا، ساخط على آل هبسبورج، وإذا هم يؤلفون من أنفسهم مجلسًا وطنيًّا يعمل أول الأمر في جنييف، ثم ينتقل إلى باريس، ثم يعظم نشاطه وينبسط سلطانه؛ فيؤلِّف جيشًا من مواطنيه يبلغ نحو خمسين ومائة ألف من المقاتلين في صفوف الحلفاء، ثم لا يأتي أكتوبر من سنة ١٩١٨م حتى يعلن استقلال تشكوسلوفاكيا في الرابع عشر من هذا الشهر، ثم لا يمضي شهر حتى تعقد الجمعية الوطنية في براج، وإذا الجمهورية قد أُقِيمت، وإذا دستورها قد أُعلِن، وإذا توماس مازاريك قد انتُخِب رئيسًا للجمهورية، وإذا الدستور يخصه بميزة لا يشاركه فيها أحد من مواطنيه، فهو قابل للانتخاب لرياسة الجمهورية كلما جاء ميعاد الانتخاب أثناء حياته، على حين لا يباح لغيره أن ينتخب لرياسة الجمهورية إلا مرتين.

    وسيُنتَخَب للمرة الرابعة رئيسًا للجمهورية، وفي الرابع والعشرين من هذا الشهر.

    هذا هو الطفل الذي كان أبوه يسوق عربة في قرية من القرى، وكانت أمه خادمًا لسيدة من سيدات القصر، وكان أبوه يريد أن يجعله حدادًا، فجعلته نفسه الكبيرة رئيسًا للجمهورية في وطنه، بل مؤسِّسًا للجمهورية في وطنه، بل مُعلِنًا للاستقلال في وطنه، بل بطلًا من أبطال الديمقراطية الحديثة وفيلسوفًا من فلاسفتها، فما أجدر الشباب أن يعرفوه، وأن يحبوه، وأن يتخذوه مثلًا من هذه المثل العليا التي تُحتذَى، وما أجدرهم أن يقرءوا عنه وعن مذهبه في الديمقراطية وأصول الحكم فصلًا ممتعًا رائعًا، نشرته مجلة «الالستراسيون» في عددها الذي صدر في ٢٨ أبريل سنة ١٩٣٤م.

  • دفاع (١)

    حديث المساء: دفاع (١)

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٤ يناير ١٩٣٤

    أُريد أَنْ أنهض بأعباء هذا الدفاع تطوعًا للخير، وتصدقًا ببعض ما أملك مِنَ الجَهْدِ، وابتغاء للرَّحْمة من حيث هي رحمة، وحبًّا للإشفاق من حيث هو إشفاق.

    ولستُ أدري، لِمَ يَكُون المُعَارِضُ قَاسيًا دَائِمًا؟! ولِمَ تكون المعارضة قسوة خالصة؟! ولِمَ يَقْطَعُ المُعَارِضُون للأيام على أنفسهم عهدًا أن يكونوا قُسَاة لا يعرفون الرحمة، وجُفاة لا يعرفون اللِّين، ولم يقُل أَحدٌ من أصحاب اللغة ولا من أصحاب السِّياسة إنَّ المُعَارَضَة لا ينبغي أن تكون إلا قسوة خالصة وشِدَّة لا هوادة فيها ولا رفق؟!

    وليكن رأي أصحاب اللغة ما يكون، وليكن رأي أصحاب السياسة ما يكون، وليغضب المُعارضون أو ليرضوا، وليعرف القُرَّاء أو لينكروا؛ فإني مُصِرٌّ اليوم على أن أُدافع عن الوزارة لأني أصبحت اليوم شديد المَيْل إلى الرحمة، عظيم الرغبة في الرفق والإشفاق.

    وأنا أُريدُ أَنْ أَنْتَهِزَ هَذِهِ الفُرْصَةَ، وأَنْ أُدَافِعَ عن الوزارة في هذا الفصل قبل أن تُعاودني قسوة المعارضة، أو قبل أن أَعُود أنا إلى قَسْوَة المُعَارضة، أو قبل أن تذهب عني هذه العاطفة التي تجعلني رفيقًا رحيمًا، وتعطفني على الضعفاء الذين لا يَجِدُون لهم ردءًا يَقِيهم، ولا ذائدًا يَحْمِيهم، ولا مُنَاضِلًا يرد عنهم عدوان المُعتدين.

    والمعتدون هُنَا هم هؤلاء المُعارضون الذين يَصِفُون الوزارة بالضعف والقصور أو العجز والتقصير، ويُسمون سياستها سياسة الرُّكود. ثم لا يكتفون بذلك، بل يسرفون؛ فيتفكهون، ويتندرون، ويقترحون على الرَّجُل الطيِّب حَقًّا وصِدْقًا كما تقول الشعب أن يستريح كل ما هبَّتْ عليه عاصفة أو هدأت عنه زوبعة، وأن يستريح لا في داره كما يستريح الناس، بل في سفينة من سفن الدولة تصعد به في النيل وتهبط به إلى البحر كما يستريح المُترفون.

    هذا كثير! وأكثر منه أنَّ الذين يكتبونه لا يشعرون بأنهم يَظْلِمُون ويسرفون في الظلم، وبأن هذا النوع من الفكاهة اللاذعة والدعابة المُرَّة لا ينبغي أن يُساق إلى الرَّجل الطيب، إنَّما ينبغي أن يُساق، وقد كان يُساق بالفعل إلى صدقي باشا؛ فصدقي باشا كان قويًّا صلبًا يستطيع أن يتلقَّى الجد والهزل، وأن يصبر على الجد والهزل، لم يكن يحفل بشيء، ولم يكن يَتَأَذَّى بشيء، بل لم يكن يصل إليه شيء مما كان يُكتَب عنه، أو يُقال فيه.

    أمَّا الرجل الطيب فدقيق الحس، رقيق المزاج، مترف مُحِبٌّ للترف، مُؤْثِرٌ للعاقبة، حريص على السلم، مبغض للخصومات، كاره للجدال والنِّضال. فلا ينبغي أنْ يُهَاجِمَهُ أو يُخَاصِمَه أو يتجنى عليه إلا الذين انتُزِعَتِ الرَّحمة من قلوبهم انتزاعًا، واقتُلِعَتِ الشفقة من نفوسهم اقتلاعًا، وصُوِّرَتْ قلوبهم من صوان، ونفوسهم من حديد.

    وقد يَقول هؤلاء النَّاس القُساة أنَّ الرَّجل الطيب قد خاصم صدقي باشا، وصبر لخصومته. تولى رِيَاسَة الوزارة بعد أنْ أَنْزَل عنها صدقي باشا، فلم يخف من خلافته، ولم يشفق من احتمال تركته، بل ما يزال يداور صدقي باشا ويناوره حتى اضطره إلى أن يستقيل من الحزب مَرَّتين، هازلًا في الأولى وجادًّا في الثانية، ثُمَّ إلى أنْ يَسْتَقِيل من مجلس النواب مرة واحدة هازلًا، ولكنه من غير شك سيستقيل للمَرَّة الثانية، جادًّا متى انتهى شهر الصوم، وَمتى رَأَى في مجلس النواب كيف يجدُّ الجد، وكيف يدعو الزَّعيم أَنْصَاره، فلا يُجِيبه منهم أحد، ولا يعود إليه إلا صدى صوته الذي يملأ الهواء، ثُمَّ لا يصل إلى أذن ولا يطرق سمعًا، ولا ينتهي إلى نفس.

    وإذا استطاع الرَّجُل الطيب أنْ يَبْلُغ بطاغية مصر في القرن العشرين ما بلغ، وأنْ يُذِيقَه من العذاب ألوانًا؛ فهو قوي جلد، وهو صبور صلب، وهو قادر على أن يحتمل من الجد والهزل، ومن الفكاهة اللاذعة والدُّعابة المُرَّة، مثل ما احتمل صدقي باشا أو أكثر مما احتمل صدقي باشا.

    ولكنَّ الذين يَقُولون هذا الكلام غُلاة مُسرفون، يعتذرون لأنفسهم عن أنفسهم ولا يقنعون أحدًا ببعض ما يقولون؛ فالرجل الطيب لم يصنع بصدقي باشا شيئًا، وما كان له أنْ يَصْنَع به شيئًا، وإنما دُعِيَ إلى رِيَاسَة الوزارة فقبل رياسة الوزارة، ولو قد خُلِّي بينه وبين صدقي باشا لما ثبت في رياسة الوزارة، ولكنَّ الظروف أحاطته بسياج مَنِيعٍ، وحِصْنٍ حصين، وسلطت على صدقي باشا جنودًا رَمَتْه فأصمَّتْه، وجهدته فاضطرته إلى الانهزام.

    وقد كانت لصدقي باشا درع متينة حصينة تزل عنها السهام، فلما خلعه الحكم تجرد من هذه الدرع، فجعلت السِّهَامُ لا تُوجَّه إليه حتى تُصيبه وتثبت فيه، وإذا جسمه كله سهام أو آثار سهام؛ فليسَ الرَّجُل الطيب هو الذي رمى، وإِنَّما الظروف هي التي رَمَتْ! وليس الرَّجل الطيب هو الذي أقصى صدقي باشا عن الحزب وإنما الظروف هي التي أقصته، وليس الرجل الطيب سيقصي صدقي باشا عن مجلس النواب، وإِنَّما الظروف هي التي ستقصيه!

    وإذن؛ فليس الرَّجُل الطيب بصاحب جهاد وحرب، وليس الرجل الطيب بصاحب طعان وضرب، وإنما الرَّجل الطيب صاحب دعة وسلم وهدوء وأمن؛ فتوجيه اللوم إليه، وتَسْلِيطُ الأَلْسِنَةِ عليه تجنٍّ لا يَنْبَغِي، وتحرشٌ لا يُطاق. سيقولون: ولكن الرجل الطيب قد ثبت للمُحاماة والمحامين، بل هجم على المحاماة والمحامين؛ فأنذر وأعذر، ثم أبرق وأرعد، ثم هيَّأ التشريع، ثم تقدَّم به إلى المَجلسين، ثم أصدره وجعله قانُونًا، ثم أنكر المُحامين إنكارًا وجَهِلَهم جهلًا، وأقام حفلين لم يشترك فيهما المحامون. ومن فعل هذا كله، ونهض بهذا كله؛ فهو خليقٌ أنْ يَحْتَمِل النقد، ويثبت للهزل والجد.

    ولكنَّ هذا الكلام كغيره من الكلام لا يثبت للنقد ولا يستقر أَمَام النظر الصحيح؛ فالرجل الطيب خير بطبعه لا يُحِبُّ الشَّر، عَادِلٌ بِطَبْعِهِ لَا يُحِبُّ الجور، حسن بطبعه لا يحب السوء، هادئ بطبعه لا يحب الاضطراب، رفيق بطبعه لا يحب العنف. ومن كانت هذه حاله وتلك خصاله، لم يُهاجم المحاماة ولم يعرض للمحامين؛ فليس هو الذي هاجم تلك أو عرض لهؤلاء، وإنما هي الظروف، وويل للناس من الظروف!

    هي الظروف التي تجنَّتْ على المحامين كما يتجنى خصوم الرَّجُلِ الطيب على الرجل الطيب، وأساءت إلى المُحامين كما يُسيء خصوم الرجل الطيب إلى الرجل الطيب؛ فالمُحَامُون مَظْلُومون، والرجل الطيب مظلوم أيضًا.

    والظروف — وويل للناس من الظروف! — هي التي ظلمت هذا وهي التي ظلمت أولئك.

    وقد انتصر المحامون وانتصفوا لأنفسهم، ولكنهم لم ينتصروا على الرَّجُل الطيب؛ لأنَّ الرَّجُل الطيب لم يُحَارِبهم، وإنما انتصروا على الظروف وانتصفوا لأَنْفُسِهِم من الظروف فالذين يلومون الرَّجُل الطيب يسرفون عليه ويسرفون على أنفسهم، وإذا لم يكن بد من أن يلوموا، وإذا لم يكن بد من أن يقسوا، وإذا لم يكن بد من أن يجربوا مهارتهم في النقد، وبراعتهم في الهزل والجد؛ فليدعوا الرجل الطيب وما هو فيه وليوجهوا لومهم كله، ونقدهم كله، وجدهم كله، وهزلهم كله إلى الظروف؛ لأنَّ الظروف هي التي جنت ما يُنكرون من نشاط في حرب صدقي باشا، وعنف في حرب المحامين، وإعراض عن جلائل الأعمال، ونوم عن عظائم الأمور. بل الظروف هي التي أزعجت هذا الرجل الطيب، وحملته من أوروبا حملًا على جناحَيْ نعامة حتى أقرَّتْه في رياسة الوزارة، ثم أَجْرَتْ على يديه البريئتين ما أَجْرَتْ من الأعمال.

    والقراء جميعًا يشهدون أني لا أكره النقد، ولا أخاف الإقدام عليه، ولكنهم يشهدون أني لا أُحِبُّ زيادًا ولا سيرة زياد، ولا آخذ البريء بِذَنْبِ المُسِيء. والرَّجُل الطيب بريء، بريء من كل ما يُوجَّه إليه من لوم؛ لأَنَّه طَيِّبٌ حَقًّا وصدقًا، كما تقول الشعب، وإنما المسيء الذي يستحق اللوم كل اللوم هي الظروف.

    لذلك لا ألوم إلا الظروف، ولا أحب لخصوم الوزارة أن يخاصموا إلا الظروف، فإذا لم يكن بد من أن تُذكَر سياسة الركود، فلتُذكَر على أنها سياسة الظروف، وإذا لم يكن بد من أن تُقترَح الراحة في سفينة نيلية؛ فلتُقترَح هذه الراحة على الظروف! ستقول: وكيف تستريح الظروف في دار أو في سفينة؟! وكيف تصعد الظروف في النيل أو تهبط إلى البحر؟! فأقول: وكيف قهرت الظروف صدقي باشا؟! وكيف نصبت الظروف حربها للمحامين؟! ألم تفعل ذلك كله على يد رئيس الوزراء؟! فلتسترح إذن في شخص رئيس الوزراء.

    ستقول: فاللوم موجه إلى رئيس الوزراء ما دامت الظروف لا تأتي شيئًا ولا تحتمل شيئًا، إلا إذا تقمصت رئيس الوزراء؛ فأقُول: هذا صحيح، ولكِنْ فرق عظيمًا بين أن تلوم رئيس الوزراء من حيث هو صاحب الدولة عبد الفتاح يحيى باشا أو تلومه من حيث هو مظهر لما تريد الظروف، ولما تأتي الظروف من الأعمال.

    وأظُنُّ أنَّ رئيس الوزراء نفسه ترضيه هذه التفرقة، ويريحه هذا النحو من تصوير الأشياء؛ فهو لا يُلام لأنه رجل طيب حقًّا وصدقًا، ولكن تُلام الظروف في شخصه؛ لأنَّ هذه الظروف مَاكِرَةٌ مَاهِرَةٌ غَادِرَةٌ تأبى إلا أن يكون لها شخص وإلا أن يكون لها اسم، وقد بالغت في المكر والمهارة والغدر؛ فتقمَّصَتْ شخصَ رئيس الوزراء، وتسمَّتْ باسمه في هذه الأيام، فلنلُمْها في هذا الشخص ولنَدْعُها بهذا الاسم حتى تتقمَّص شخصًا آخر أو يتقمصها شخص آخر، وحتى تتسمى باسم آخر أو يُفرَض عليها اسم آخر!

    ولعل هذا أن يكون قريبًا؛ فيستريح الرجل الطيب حتى مِنْ لَوْم الظروف.