من بعيد … ثورتنا (٤)
طه حسين
جريدة الجمهورية
١ أغسطس ١٩٥٤
أشفقت فيما مضى من هذا الحديث على ثورتنا، مما قد يشير به عليها أنصاف المتعلمين فيما تعرض له من شئون الإصلاح، وأحب أن أقف قليلًا عند أنصاف المتعلمين هؤلاء؛ لأعرِّف من هم وما عسى أن يورطوا فيه ثورتنا من الخطأ.
وواضح جدًّا أن التعليم ليس من الأشياء التي يمكن أن تُحدَّد بأي نوع من أنواع الكم المتصل أو المنفصل كما يقول القدماء من أصحاب الفلسفة، فليس هو من الأشياء التي يمكن أن تُقسَّم كما تقسم الأعداد أو كما تقسَّم الآحاد، وإذن فلا يمكن أن يقسَّم أنصافًا أو أثلاثًا أو أرباعًا؛ لأننا لا نعرف له كُلًّا نستطيع أن نُجري عليه القسمة. وقد أنبأنا اللَّه عز وجل بأن فوق كل ذي علم عليم، وأنبأنا بأننا لم نؤتَ من العلم إلا قليلًا.
وما دام العلم لا يُحصر ولا يُحصى ولا يمكن من أجل ذلك أن يُنصَّف أو يُثلَّث أو يُربَّع، فالتعليم الذي هو تلقي العلم لا سبيل إلى حصره ولا إلى تقسيمه أيضًا. فأنصاف المتعلمين إذن كلمة من هذه الكلمات التي يُراد بها شيء غير معناها الدقيق، ونصف المتعلم هو الذي لم يأخذ من العلم والثقافة ما يُقوم عقله وخلقه وقلبه، ويُتيح له حسن التقدير للأشياء والإصابة في الحكم عليها وحسن التأني لحل ما يُعرض له من المشكلات؛ فهو قد حفظ شيئًا وغابت عنه أشياء كما يقول أبو نواس للنظَّام، وهو من أجل ذلك يقضي فيما لا يُحسن القضاء فيه، وتنقصه الأدوات التي تتيح له أن يحكم فيصدق وأن يقول فيُصيب. ونصف المتعلم قد يكون كثير الحظ من العلم، وقد أحاط بفنون كثيرة من المعرفة، ولكن علمه — على كثرته — لم يُنضج عقله ولم يسدد رأيه ولم يُقوِّم خُلقه ولم يصلح قلبه، فهو متعلم من جهة وجاهل من جهات أخرى كثيرة. وقد حدثنا اللَّه عز وجل عن الذين حُمِّلوا التوراة ثم لم يحملوها، فشبههم بالحمار الذي يحمل أسفارًا، فالرجل الذي حُمِّل العلم ثم لم يحمله وحفظه ثم لم ينتفع به ولم يتمثله ولم يتأثر به عقله وقلبه وخلقه؛ هو كالذين حُمِّلوا التوراة ثم لم يحملوها. وقُل في مثل ذلك بالقياس إلى الذين حُمِّلوا القرآن ثم لم يحملوه، وبالقياس إلى كل من عرف شيئًا قلَّ أو كثر ثم لم ينتفع به ولم ينفع مَن حوله من الناس.
وكل شيء في الحياة الحديثة يُعرِّض الناس «إلا من عصم اللَّه منهم» لأن يكونوا كأولئك الذين حُمِّلوا التوراة ثم لم يحملوها، فضرب اللَّه لهم مثلًا الحمار الذي يحمل الأسفار؛ ذلك أن أسباب العلم قد كثرت ويُسِّرت في هذه الأيام حتى أصبح العالم يُساق إلى الناس دون أن يسعوا إليه، ويُحمل إليهم دون أن يتكلفوا له طلبًا، وربما صُب في رءوسهم على غير إرادة منهم له أو رغبة منهم فيه. هذه الكتب التي تبسط حقائق العلم وتسوقها إلى الناس في أيسر لفظ وأقربه إلى الفهم، وهذه الصحف التي تُمسي الناس وتُصبحهم بفصول في العلم والأدب وفي الفلسفة والاقتصاد؛ قد يسَّرت لهم تيسيرًا، وقربته إلى عقولهم تقريبًا. وهذا الراديو الذي يلقي في أذان الناس مصبحين وممسين عاملين وفارغين ما شاء اللَّه من ألوان المعرفة. كل هذه الوسائل قد ألقت في روع كثير من المعاصرين أن العلم يسير لا يحتاج الإنسان إلى أن يبذل الجهد ويحتمل المشقة ليظفر منه بالقليل. والناس من أجل ذلك يزدرون في كثير من الأحيان أولئك الذين يقفون حياتهم كلها وجهودهم كلها على البحث والدرس والتحصيل، يرون أنهم يتكلفون ما ليسوا في حاجة إلى أن يتكلفوه.
وهم من أجل ذلك ينظرون إلى العلماء المتخصصين نظرات فيها كثير من الإشفاق والرثاء، وربما أُلقي في روعهم أن هؤلاء العلماء خلق جديد ليس كغيره من الناس الذين يأخذون الأشياء في إسماح ويسر، وما دام العلم يُكتب ميسرًا مبسطًا في هذه الأسفار التي تُباع بأثمان ليست أقل منه يسرًا، وما دام الناس كلهم يقرأون هذه الكتب ويسيغون منها ما يسيغون كما يقرأون الصحف ويسمعون الراديو؛ فلا عليهم أن يقبلوا كل ما يُقال لهم، وأن يحفظوا منه ما يستطيعون، ويدعوا منه ما لا يطيقوه، وهم مطمئنون إلى أن علمهم سيتجدد كل يوم ما داموا يقرأون الكتب التي تُنشر والصحف التي تُذاع، ويسمعون الراديو طائعين أو كارهين.
وكذلك وجِد في هذا العصر الحديث بفضل المطبعة ووسائل النشر والإذاعة نوعٌ يسير من العلم، ولكنه لا يمتاز باليسر وحده وإنما يمتاز بالسرعة أيضًا، بالسرعة في إنتاجه، والسرعة في فهمه، والسرعة في نسيانه. فهو لا يكاد يبلغ إحدى الأذنين حتى يخرج من الأذن الأخرى كما يقول العامة، وهو من أجل ذلك علم طائر يمر مر السحاب دون أن يترك في نفس القارئ أو السامع أثرًا ذا خطر. ولكنه في الوقت نفسه يخيل إلى قارئه أو سامعه أنه قد قرأ كثيرًا من العلم وأصبح رجلًا مثقفًا يستطيع أن يخوض في كل شيء ويحكم على كل شيء، ويجد الحل لكل مشكلة والمخرج من كل مأزق. ولكل شيء وجه من الخير ووجه من الشر، فتيسير العلم وتقريبه إلى الكثير من الناس خير؛ لأنه يوصل المعرفة على اختلاف ألوانها إلى طبقات من الناس لم يكن يُتاح لها أن تذوق المعرفة ومن حقها أن تتعلم وتتثقف، والقليل الذي تعلمه بهذه الوسائل اليسيرة خير من ظلمة الجهل المطبقة، ولكنه في الوقت نفسه يدفع كثيرًا من الناس إلى الغرور ويضلهم عن حقائق أنفسهم، ويخيل إليهم أنهم قد بلغوا من العلم ما لم يبلغوا. وهذا مصدر شر كثير في الحياة الإنسانية العامة، وهو في بلد كمصر خطر أي خطر على هذه الحياة العامة، فقد ينبغي أن يكون إلى جانب هذا العلم اليسير الكثير علم آخر عسير لا يُنال إلا بالجهد والكد واحتمال المشقة وتكلف العناء، ولا يناله من أجل ذلك إلا قلة من الناس يفرغون له إن استطاعوا، ويعانون على أن يفرغوا له إن لم ييسَّر لهم هذا التفرغ. وقد ينبغي للدولة أن تسمع لأصحاب هذا العلم العسير أكثر مما تسمع لأصحاب العلم اليسير، وهذا هو الذي يفرق بين أوروبا وأمريكا من جهة وبين مصر وأمثالها من البلاد من جهة أخرى، فحسْب العامة في أوروبا وأمريكا أن يُكونوا الرأي العام الذي يسترشد الحكام به في شئون السياسة وفي تنظيم الحياة الاجتماعية. وليس هذا بالشيء القليل، بل هو خير ما استطاعت الإنسانية أن تصل إليه من تحرر الشعوب في العصر الحديث، ولكن الحكومات الأوروبية والأمريكية حين تواجه مشكلة من مشكلات الحياة السياسية أو الإدارية أو الاجتماعية لا تستشير في حلها هؤلاء الذين يُحصِّلون علمهم من الكتب اليسيرة والصحف الكثيرة والراديو، وإنما تستشير فيه قومًا آخرين هم الذين فرغوا للعلم من تلقاء أنفسهم أو أُعينوا على أن يفرغوا له، فتفوقوا فيه ثم أضافوا إليه، ثم لاءموا بينه وبين ما يحيط بهم من شئون الحياة ومنافع الناس.
وأي شيء أخطر من أن تعرض مشكلة من مشاكل الناس، فيشير في حلها قراء الصحف والكتب اليسيرة، وطائفة من هؤلاء الذين عرفوا شيئًا وغابت عنهم أشياء، والذين حفظوا العلم في رءوسهم ولم يبلغ العلم قلوبهم ولم يُقوِّم أخلاقهم، والذين حفظوا العلم ثم اتخذوه تجارة يعزون به الناس عن أنفسهم ويخدعون به من أراد ومن لم يرد أن ينخدع، مَن استطاعوا ومن لم يستطيعوا أن يُخدعوا.
كل هؤلاء أنصاف متعلمين، وهم الذين أُشفق منهم على ثورتنا أشد الإشفاق، بعضهم لم يُحصِّل من العلم إلا أيسره وأخفه، وبعضهم حصَّل من العلم كثيرًا ولكنه علَّم عقله ولسانه ولم يُعلِّم قلبه وضميره، وبعضهم اتخذ العلم والناس هزرًا ففكر في نفسه أكثر مما فكر في علمه، وأكثر مما فكر في الناس. ليس هو أمينًا للعلم الذي وعى؛ لأنه يتخذه وسيلة إلى منفعته القريبة، وليس هو أمينًا للذين ائتمنوه؛ لأنه يتخذ علمه وسيلة إلى أن يزين لهم ما يلائم منفعته هو لا ما يلائم منفعتهم هم.
وقد ذكر اللَّه قومًا قرأوا كلامه ثم حرفوه من بعد ما عقلوه، وما أكثر الذين يقرأون الآن كلام اللَّه وكلام العلماء ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه؛ لأن منافعهم الخاصة تقتضي هذا التحريف، وهم ضعاف أمام منافعهم الخاصة أقوياء على منافع غيرهم من الناس.
وأشهد لقد رأيت في مصر قومًا كانوا يكرهون بعض النظم أشد الكره، ويضيقون بها أعظم الضيق، ويشكون منها مرَّ الشكوى، فلما أُتيح لهم أن ينهضوا ببعض الأعباء العامة أحبوا ما كانوا يكرهون وحببوه إلى الناس، وزينوه في قلوبهم، واستحبوه لأنفسهم وللذين يلوذون بهم، لا لشيء إلا لأنهم صدقوا أنفسهم وصدقوا الناس حين كانوا غير مسئولين، فلما أصبحوا مسئولين كذبوا أنفسهم وكذبوا الناس؛ لأن منفعتهم القريبة كانت أحب إليهم من الحق وأحب إليهم من منافع الناس.
هؤلاء أنصاف متعلمين، لا لأنهم حفظوا نصف العلم أو حفظوا بعضه ونسوا بعضه؛ بل لأنهم حفظوا كثيرًا من العلم وأحاطوا بكثير من المعرفة، ولكن العلم لم يحفظهم، والمعرفة لم تحط بهم كما أحاطوا بها. تعلمت عقولهم وألسنتهم وجهلت قلوبهم وضمائرهم فأصبحوا لا يصلحون إلا لخدمة أنفسهم، وأصبحوا في حاجة إلى المراقبة الشديدة حين يخدمون أنفسهم؛ لأنهم يوشكون أن يضحوا بالمصالح العامة في سبيل المصالح الخاصة. هذه الأنواع الكثيرة من أنصاف المتعلمين، أولئك الذين خطفوا العلم ولم يقتلوه بحثًا ودرسًا، وأولئك الذين أتقنوا بعض العلم وجهلوا بعضه الآخر، وأولئك الذين علموا كثيرًا ولم يبلغ العلم قلوبهم وضمائرهم.
كل أولئك شر ينبغي أن تحتاط الثورة منهم أشد الاحتياط، بعضهم يشير وليس له الحق في أن يشير؛ لأنه لم يحسن العلم بما يُستشار فيه، وبعضهم يشير في غير ما أتقن العلم به من أمور الحياة، وبعضهم خليق ألا يُشير ولا يُستشار؛ لأنه ضال مضل، وقد جعل إلهه هواه، واتخذ منفعته غاية، وجعل الدنيا وما فيها ومن فيها وسيلة إلى هذه الغاية. وكان يُقال إن المستشار مؤتمن، ومن الحق على من يستشير أن يبحث ويستقصي ويتثبت حين يختار المشيرين.
وما أشك في أن من أصعب الأشياء وأعظمها عسرًا، تخير الأمناء واستخلاص أُولي الرأي الذين يمكن أن يُعتمد على سرهم وجهرهم، وعلى نصحهم وإخلاصهم، وعلى حسن تأديتهم للأمور، وعلى قدرتهم على النهوض بالأعباء الثقال. ومن هنا كان من الظلم أشد الظلم للحكام أن يُلاموا لأنهم لم يحسنوا اختيار المشيرين، فليس الحكام قادرين على أن يقرأوا القلوب، ويمتحنوا أعماق الضمائر، وما أكثر الذين تلقاهم فتعجب بهم حتى يملك الإعجاب عليك عقلك وقلبك جميعًا، ثم تثق بهم، ثم تأمنهم على ما تأمن عليه نفسك أو على ما تشفق أن تأمن عليه نفسك. حتى إذا جدَّ الجد وتكشفت الأمور نظرت؛ فإذا أنت قد وثقت بغير ثقة، وأمنت غير مأمن، واطمأننت إلى من يجب أن يُخاف. ولأمر ما قال زياد لرعيته: «نسأل اللَّه أن يعين كلًّا على كل.» نسأل اللَّه أن يعِين المحكومين على احتمال الحاكمين حين يقسون مصيبين أو مخطئين، وأن يعين الحاكمين على احتمال المحكومين حين يرضون وحين يسخطون وحين يشيرون فينصحون أو يغشون.
ومهما يكن من شيء، فقد أُمرنا أن نقول الحق، وأن نشير بما نرى أنه الخير. والخير كل الخير أن تحتاط الثورة أشد الاحتياط وأقساه حين تستشير وحين تستعين على أعباء الحكم القادرين على معونتها. فإذا كان من الحق على الرجل أن يتثبت ويحتاط حين يستشير في خاصة نفسه، فمن الحق عليه أن يتثبت أشد التثبت ويحتاط أعظم الاحتياط حين يستشير لا في أمر جيل معاصر، بل في أمر جيل تتبعه أجيال.
Tag: Political Governance
-
من بعيد … ثورتنا (٤)
-
في السودان
في السودان
طه حسين
جريدة البلاغ
١٨ أبريل ١٩٤٦
من حق المفاوضين المصريين والإنجليز الذين سيبدءون مفاوضتهم بعد أيام، والذين سيُمهِّدون لها منذ اليوم حين يلتقون على مائدة العشاء في السفارة البريطانية، من حق هؤلاء المفاوضين أن يبتهجوا كل الابتهاج؛ لأن الحاكم العام للسودان قد حطَّ عنهم عبئًا ثقيلًا، وأراحهم من مشكلة خطيرة، وضمن لهم أن مفاوضاتهم ستكون يسيرة قصيرة، لا تحتاج إلى أخذٍ وردٍّ، ولا إلى جدالٍ ومراءٍ؛ فقد حلَّ حاكم السودان مشكلة السودان قبل أن تبدأ المفاوضات، وكفى الله المصريين والإنجليز عناء البحث والدرس، ومشقة التنقيب والتمحيص.
وقد قرأ المصريون والسودانيون خطبة الحاكم العام في المجلس الاستشاري، وقرأها الإنجليز كذلك، وعرفوا جميعًا أن الحاكم العام قد قرر أن أمر السودان لن يُقطع فيه برأي حتى يُستفتَى إخواننا السودانيون بالطرق الدستورية. وقرر كذلك أن عشرين سنة على الأكثر لن تمضي حتى يكون السودان دولة مستقلة يختار مصيره الذي يريده، وينهض بتدبير شئونه كلها، مستعينًا على ذلك ببعض الخبراء من غير السودانيين. ومعنى ذلك أن السودان لن يكون موضوعًا لمفاوضات مجدية في هذه المرة، إلَّا إذا كان الغرض من هذه المفاوضات إقناع الهيئة المصرية بهذا الرأي البريطاني الذي يحتم الاستفتاء من جهة، ويحدد أجلًا للاستقلال السوداني التام من جهة أخرى.
ويجب أن ننصف الحاكم العام للسودان، فهو لا يقول هذا الكلام الذي قاله من عند نفسه، وأنه يعتمد من جهة على تصريحات المستر بيفن، وزير الخارجية البريطانية، ويعتمد من جهة أخرى على المذكرة المصرية التي أرسلها النقراشي باشا، إلى الحكومة البريطانية، وسجَّل فيها رأي الحكومة المصرية في أن تستوحي أماني السودانيين في تقرير مصير السودان.
فالحاكم العام يعبر إذن عن رأي الحكومتين اللتين يمثلهما في منصبه، ولكن المهم هو أن نعلم إلى أي حد يعبر رأي الحكومتين عن ميول المصريين والسودانيين، وعما يؤمنون به فيما بينهم وبين أنفسهم. وقد أنكر المصريون جميعًا على حكومة النقراشي باشا ضعف مذكرتها جملةً وتفصيلًا، وعابوا عليها طريقة عرضها لمسألة السودان في مذكرتها، وطلب الوفد المصري حسب هذه المذكرة التي اعتبرتها كارثة وطنية كبرى.
وليس من شك في أن المصريين قد أقروا وفدهم على ما طلب، ولكن النقراشي باشا لم يحفل بمعارضة الأمة المصرية، ولا باحتجاج الوفد الرسمي؛ لأنه كان يعتقد أن العناية الإلهية قد ألقت عليه أعباء الحكم، ووكلت إليه مصر والسودان، فكانت مذكرته إذن وحيًا من هذه العناية الإلهية لا يصح أن تنقد، ولا ينبغي أن تكون موضوعًا للاعتراض، ومن ذا الذي يستطيع أن يعترض على ما تلقيه العناية الإلهية في روع بطلها المختار حضرة صاحب الدولة، محمود فهمي النقراشي باشا.
مهما يكن من شيء، فقد سجل النقراشي باشا على حكومته هذه النظرية السخيفة، نظرية الاستفتاء، وهو لم يسجلها عفوًا، وإنما مهَّد لها تمهيدًا متصلًا طويلًا؛ فقد أرسل رسولًا إلى لندن كما كان الرئيس روزفلت يرسل رسلًا إلى عواصم الدول الكبرى، وأذاع رسوله ذاك في لندن أحاديث لم ينسها الناس بعدُ، ولم ينسوا ما أثارت من سخط، وكان مما أذاع في هذه الأحاديث الدعوة إلى هذه البدعة السخيفة؛ بدعة الاستفتاء.
ومع أن المصريين — على اختلافهم — قد نبهوا إلى خطر هذه البدعة وحذروا الحكومة من شرها؛ فإن النقراشي باشا لم يُرِد أن يتنبه ولا أن يحذر، وإنما أصرَّ على هذه البدعة إصرارًا؛ لأنها كما قلت قد كانت وحيًا ألقته العناية الإلهية في قلبه الكبير.
وليس الغريب أن النقراشي باشا قد سجَّل هذه البدعة في مذكرته، وإنما الغريب أن الإنجليز حين ردُّوا على مذكرة النقراشي باشا لم يحفلوا بتسجيله لهذه البدعة، ولم يريدوا أن يعيدوا تسجيلها في مذكرتهم، وإنما أخذوا علمًا — كما يقولون — بأن الحكومة المصرية تريد أن تتحدث في أمر السودان. ومعنى هذا أن النقراشي باشا قد أرضى الإنجليز قبل المفاوضات وأعطاهم من أمر السودان ما كانوا يريدون أن يأخذوا، وما كانوا يقدرون أنهم لن يأخذوا إذا حزم المصريون أمرهم، ووكلوا أمور سياستهم مع الإنجليز إلى الذين يحسنون الثبات للإنجليز، ويعرفون كيف يستخلصون منهم الحقوق. أعطاهم النقراشي باشا ما أرادوا أن يأخذوا من أمر السودان، فمهَّد لقصة الاستفتاء، ثم سجَّل هذه القصة في مذكرته، وأخذ الإنجليز علمًا بهذا التسجيل، وبلغوا ذلك للنقراشي باشا، فقبله واطمأن إليه.
وكان المعقول بعد أن استقالت وزارة النقراشي باشا ونهض صدقي باشا — شفاه الله — بأعباء الحكم أن تسترد الحكومة الجديدة مذكرة الحكومة السابقة، وأن تغير أساس المفاوضات، ولا سيما وقد كان صدقي باشا منكرًا لهذه المذكرة، ومنكرًا للرد عليها. صرَّح بذلك في أحاديثه، وسجَّل ذلك في مقالاته التي نشرتها الصحف، ولكنه لم يسترد المذكرة ولم يُغيِّر أساس المفاوضات، وصرَّح كما صرَّح النقراشي باشا من قبله بأنه سيدخل المفاوضات حرًّا من كل قيد.
وقد حذَّره المُحذِّرون من أن هذه التصريحات لا تغني شيئًا مع الإنجليز ما دامت هناك مذكرات مكتوبة تقيد حرية المفاوضات، ولكنه لم يحفل بذلك ولم يلتفت إليه. ولما طلب إلى الوفد المصري أن يشارك في المفاوضات أبى الوفد المصري هذه المشاركة إلَّا إذا كتبت الحكومة المصرية إلى بريطانيا العظمى مذكرة تحرر نفسها فيها من مذكرة النقراشي باشا والرد عليها. فلم يقبل صدقي باشا هذا الطلب، ولم يرد أن يناقشه، وإنما اكتفى بما صرح به هو، وبما صرح به النقراشي باشا من قبله للمصريين بأن المفاوضات ستكون حرة من كل قيد.
وقد أُلِّف الوفد الرسمي للمفاوضات، وصرَّح بعد ذلك وزير الخارجية البريطانية برأيه في السودان، وهو يطابق رأي الحاكم العام، فثارت الصحف وأنكرت واحتجت، ولكن صدقي باشا لم يقل شيئًا، لم يثر، ولم ينكر، ولم يحتج، وإنما آثر الصمت وأغرق فيه. وقد سأل الصحفيون أستاذنا وزير الخارجية عن رأيه في هذا التصريح فأجاب بأنه يدرسه، ولم تعرف نتيجة درسه إلى الآن.
وقد قرأ المصريون أن السفير البريطاني قد سافر إلى وادي حلفا، ولقي هناك الحاكم العام للسودان، ثم عاد إلى القاهرة. وها نحن أولاء نقرأ اليوم خطبة الحاكم العام التي ألقاها في المجلس الاستشاري، ورأيه في مصير السودان، وأكبر الظن أنه قد أظهر السفير البريطاني على هذا الرأي قبل أن يذيعه، وأكبر الظن أن السفير البريطاني قد أذن له في إذاعته، والسفير البريطاني لا يمثل حكومته في مصر فحسب، ولكنه عضو في الوفد البريطاني للمفاوضات.
وما أظنني في حاجة إلى أن أتعمق هذا الموضوع، وإنما يكفي أن أقول: إني كنت أودُّ كما كان المصريون جميعًا يودُّون لو لم يلق الحاكم العام خطبته هذه بعد مقابلة السفير.
على أن هناك سؤالًا يجب أن يلقيه المصريون على صدقي باشا أولًا، وعلى أنفسهم ثانيًا، فهل استشار الحاكم العام رئيس وزارتنا المصرية في خطبته هذه قبل إلقائها، فالحاكم العام لا يمثل البريطانيين وحدهم، وإنما يمثل المصريين أيضًا، وهو موظف مصري يعين بمرسوم ملكي مصري، ويجب أن يصدر في أعماله كلها عن إرادة الحكومتين ورأيهما، لا عن إرادة حكومة واحدة أو رأيها. فإحدى اثنتين: إمَّا أن يكون الحاكم العام قد صدر عن رأي الحكومة المصرية حين قال ما قال، وإذن فقد عرف رأي الحكومة المصرية في مسألة السودان، وهو مخالف كل المخالفة لوحدة وادي النيل التي أجمع عليها المصريون والسودانيون، وأنا واثق بأن الحكومة المصرية لم تعلن رأيها بعدُ، ولم تخرج على إجماع المصريين. وإذن فهي الثانية، وهي أن الحاكم العام لم يستشر الحكومة المصرية ولم يصدر عن رأيها، وإنما استشار الحكومة البريطانية، واعتمد على مذكرة النقراشي باشا بعد أن فهمها كما أراد أن يفهمها، وبعد أن فسرها التفسير الذي يلائم هواه.
وإذن فما جزاء الموظف الكبير الذي يخالف عن أمر الذين وظفوه، ويخلق لهم المصاعب، ويثير أمامهم المشكلات، جزاؤه بسيط جدًّا: هو أن يستقيل أو يُقال. ولكن الحاكم العام للسودان لن يستقيل ولن يُقال؛ لأنه لا يمثل صدقي باشا وحده، وإنما يمثل المستر بيفن أيضًا. والمستر بيفن وزير الخارجية البريطانية، ولبريطانيا العظمى جيوش ضخمة في مصر والسودان ما تزال ترابط في القاهرة والإسكندرية والخرطوم وغيرها من المدن.
فصدقي باشا ضعيف بالقياس إلى المستر بيفن، وهو من أجل ذلك لا يستطيع أن يقيل الحاكم العام، ولا أن يحمله على الاستقالة. والغريب مع ذلك أننا سنبدأ مفاوضات حرة من كل قيد تقوم على أساس المساواة بين الندَّين.
ألا يرى المصريون أن في هذا كله فكاهة مرة تملأ القلوب حزنًا وألمًا، وترسم على الثغور ابتسامًا خير منه العبوس؟!
ألا يرى المصريون أن حكومات القلة أضعف وأعجز من أن تغني عنهم شيئًا؟! حكومة النقراشي باشا تبتدع نظرية الاستفتاء، وحكومة صدقي باشا لا تستطيع أن تلغي هذه النظرية السخيفة، والشعب المصري يقول ويقول ويلح في القول كل الإلحاح، فلا يسمع له صدقي باشا كما لم يسمع له النقراشي. ثم يأتي الحاكم العام للسودان فيعلن أن مصير السودان لن يتقرر إلَّا بعد الاستفتاء من جهة، وأن استقلال السودان التام سيتحقق بعد عشرين سنة.
كما يحب المصريون أن يعرفوا موقع هذا التصريح في نفس رئيس وزرائنا، وفي نفوس أعضاء الوفد الرسمي للمفاوضات. أمَّا موقعه في نفوس المصريين فما نظنه يحتاج إلى بيان، ولكن من ذا الذي يحفل بالمصريين؟ إن عليهم أن يسمعوا ويطيعوا، وإن عليهم ألَّا يخلقوا المصاعب ولا يثيروا المشكلات أمام صدقي باشا حتى لا تتعرض المفاوضات للإخفاق.
ليت صدقي باشا يقول مثل هذا الكلام للبريطانيين، فإن المفاوضات تجري بين طرفين، فليس من العدل أن يفرض على أحد هذين الطرفين ما لا يفرض على الطرف الآخر، ليت صدقي باشا يطالب الإنجليز في إباء يصور الكرامة المصرية بأن يشاركوه لوم الحاكم العام، وفي إقالته إذا أبى أن يستقيل.