سياسة التعليم: لذلك الأستاذ الناقد (٢)
طه حسين
جريدة السياسة
٢٤ أغسطس ١٩٢٤
كنت أريد أن أخصص هذه الكلمة لطائفة من الخواطر عرضت لي أثناء سياحتي هذه. لكني أُنفِق جزءًا من الوقت في قراءة الصحف المصرية التي تصل إليَّ. ولذيذةٌ جدًّا قراءة هذه الصحف المصرية في هذا الجو الذي أعيش فيه الآن، حيث لا أسمع كلمة عربية إلا من صاحبي، وحيث لا أشعر بما يشعر به المصري في مصر من اشتراك الحس والعاطفة والرأي بينه وبين مواطنيه، وحيث أشعر بالعزلة المطلقة في كثير من الشئون، وحيث أسمع الفرنسيين من حولي يتناقشون في شئونهم المختلفة في رفق مرة وفي عنف مرة أخرى، في رفق إذا تناقشوا في أدب أو علم أو فن أو في شيء يقرب من ذلك، وفي عنف إذا تناقشوا في السياسة. والفرنسيون يتناقشون في السياسة كثيرًا هذه الأيام؛ لأن موقفهم السياسي يدعو إلى المناقشة، فهناك أحزاب كانت تحكم فنالتها الهزيمة الانتخابية، وهناك أحزاب كانت تعارض فنالها النصر الانتخابي، فهي الآن تصرِّف أمور الحكم، فحكَّام الأمس معارضو اليوم، ومعارضو أمس حكَّام اليوم. ولذيذٌ جدًّا أن تسمع هؤلاء الناس يتناقشون، ولكني سأحدثك عن هذا في غير هذا المقال.
قلت إني أقرأ الصحف العربية التي تصل إليَّ من مصر، وقد قرأت فيما قرأت نبأً دعاني إلى التفكير ففكرت، واضطرني إلى الكتابة فأنا أكتب الآن.
قرأت أن البرلمان المصري قد أقرَّ وزارة المعارف على إلغاء مجلسها الأعلى وإنشاء لجنة فنية تقوم مقامها. وقرأت المرسوم الذي صدر بإنشاء هذه اللجنة وتنظيمها، وقرأت فصولًا في «السياسة» تناول كاتبها هذا الموضوع بالبحث والنقد.
وفي الحق إن هذا النبأ لم يدهشني في نفسه، فأنا أعلمه منذ وثبت الوزارة السعدية إلى مناصب الحكم! نعم، لم يكد رئيس الوزراء يؤلِّف وزارته ويذيع برنامجه ويتقبل تهنئة المهنئين حتى لقيت صديقًا من السعديين المخلصين الذين لا تمنعهم سعديتهم الخالصة أن يكون بينهم وبين غير السعديين ولاء، وكان صديقي هذا من أصحاب المكانة في وزارة المعارف، فتحدثنا عن وزارة المعارف.
وعلمت من هذا الحديث أن الوزارة السعدية تكره نظام التعليم، أو بعبارة أصح تكره النظام الذي بدأ في إيجاده زكي باشا أبو السعود في وزارة التعليم، وأنها تريد أن تنقض هذا النظام كله فتلغي ما تم منه وتعدل عما لم يتم. وكان زكي باشا أبو السعود قد وجَّه سياسة التعليم إلى وجهتين قيمتين: الأولى أنه أنشأ المكتب الفني، الثانية أنه اعترف باستقلال التعليم العالي، أو اعترف بحق هذا التعليم العالي في الاستقلال، وأخذ يهيئ له الوسائل ويمهد إليه السبل. فلم يكن بدٌّ للوزارة السعدية من أن تنقُضَ هذا النظام وتستبدل منه نظامًا آخر.
فبدأت بهذا المكتب الفني فشلَّته وحرمته من كل سلطان، حتى إن أعضاءه كانوا لا يجدون لأنفسهم في الوزارة عملًا، ثم تحوَّلت أعمال المكتب الفني كلها إلى وكيل الوزارة وسكرتيرها العام. ثم فكرت الوزارة السعدية في أن تخلص من استقلال التعليم، فسلكت إلى ذلك سُبُلًا مختلفة: الأولى أنها أسدلت على مشروع الجامعة ستارًا كثيفًا، وراوغت كلما سئلت عنه في البرلمان. وليس لهذا كله سبب إلا أن مشروع الجامعة كان يقضي بالاستقلال التام للتعليم العالي، وأن وزارة المعارف السعدية لم تكن تستطيع أن تتصوَّر استقلال التعليم، وإنما كانت تريد أن يخضع لها كل شيء خضوعًا تامًّا، لا فرق في ذلك بين التعليم وغير التعليم من مرافق الدولة، ولا فرق في ذلك بين التعليم العالي وغيره من أنواع التعليم.
ولعل القارئ يذكر هذه الكلمة الغريبة التي قالها في مجلس النوَّاب صاحب الدولة رئيس الوزراء حين ذُكرت الجامعة. وهي أنه لا يفهم معنى الجامعة، ولا يفهم فائدة الجامعة للأمة … ولعل القارئ يذكر أنَّا كتبنا حول هذه الكلمة فصلًا فسَّرناها فيه تفسيرًا نعتقد أنه لا يحتمل الشك، ونعيده الآن تذكرةً وتبصرةً، وهو أن الوزارة السعدية تكره الجامعة وتتلكأ في إنشائها، لا لشيء إلا لأن الجامعة بطبيعتها مستقلة في أمر التعليم، كما أن المحكمة لطبيعتها مستقلة في أمر القضاء. وكل وزارة نشأت وقامت على هذا النحو الذي نشأت عليه الوزارة السعدية فهي منصرفة بطبعها عن هذه الهيئات المستقلة التي لا تخضع لسلطان الحكومة خضوعًا تامًّا. ولكن زكي باشا أبو السعود كان قد مضى في تحقيق الاستقلال للتعليم العالي إلى أمدٍ غير بعيد؛ فأنشأ المجالس الإدارية للمدارس العليا ومنحها استقلالًا داخليًّا يوشك أن يكون تامًّا، وأصدر بذلك قوانين لم يكن بدٌّ من إلغائها أو من إيجاد طريقة للتخلص منها، فلم يكن لوزارة المعارف السعدية بدٌّ من أن تخلص من هذا الاستقلال الداخلي الذي منحه زكي باشا أبو السعود للمدارس العليا. وكيف تخلص من هذا الاستقلال؟ الأمر يسير! فيكفي أن تقرأ المرسوم الذي صدر بإنشاء اللجنة الفنية التي تخلف المجلس الأعلى لتفهم كيف قضت الوزارة السعدية على استقلال التعليم.
ذلك أن قرارات هذه المجالس الإدارية للمدارس العليا تعرض بحكم هذا المرسوم على هذه اللجنة الفنية فترى فيها رأيها. وهذه اللجنة الفنية نفسها ليست مستقلة وإنما آراؤها وقراراتها جميعًا خاضعة كل الخضوع لإرادة الوزير. وإذن فقرارات المجلس الأعلى خاضعة للجنة الفنية، وقرارات هذه اللجنة خاضعة للوزير. وإذن فالوزير هو كل شيء، لا في المسائل الإدارية ولا في المسائل المالية ولا في نحو هذه المسائل مما يمس نظام التعليم عن بعد، بل في نظام التعليم نفسه، بل في جوهر التعليم. وإذن فهذا الوزير البرلماني الذي هو بحكم الدستور وبحكم الحياة البرلمانية خاضع للظروف السياسية وصروفها، يرقى اليوم إلى منصب الوزير ليتركه غدًا. هذا الوزير الذي لا يستطيع أن يضمن البقاء في منصبه يسيطر على سياسة التعليم في جميع فروعه. فإذا كان الوزير من أولي الرأي في التعليم فوضع له سياسة ما وأخذ في تنفيذها ثم أصابته المحن البرلمانية فنزل عن منصبه فليس ما يضمن أن الوزير الذي سيخلفه سيمضي في تنفيذ سياسته. وأكبر الظن أن هذا الوزير سيلغي ما أقرَّ الوزير السابق كما ألغى صاحب الدولة سعيد باشا ما أقر صاحب المعالي زكي باشا أبو السعود.
يجب أن نكون منصفين وأن نرد الأمور إلى نصابها، وأن نقول الحق، ولكن في رفق ولطف. فنحن مدينون بهذا الرفق واللطف للمرحوم عاطف باشا بركات. الناس جميعًا يعلمون أن عاطف باشا بركات كان رأس وزارة المعارف وقلبها، به تشعر وزارة المعارف، وبه تفكر وزارة المعارف، وإليه تنتهي أمور وزارة المعارف. وإن صاحب الدولة سعيد باشا كان يقوم من هذه الوزارة مقام غيره من الوزراء الدستوريين. كان يؤمن بكفاية عاطف باشا بركات ومقدرته الفنية، فيكل إليه الأمور الفنية كلها ويمثل هو وزارته في مجلس الوزراء وفي البرلمان تمثيلًا سياسيًّا لا أكثر ولا أقل.
وإذن فالذي أحدث هذا التغير في وزارة المعارف هو في حقيقة الأمر عاطف باشا بركات، وإن كان المسئول عنه هو صاحب الدولة سعيد باشا بركات، كان رجلًا يمتاز بالقوة والحزم، أو شيء أكثر من الحزم، وكان تحت السلطان والسيطرة، كان يجب إذا أشرف على شيء أن ينتهي إليه كل شيء، وكان رجلًا خُلِقَ للإدارة، ولعلنا لا نظلمه إذا قلنا إنه لم يكن قد خُلِقَ للتعليم، فأراد أن يشرف حقًّا على وزارة المعارف، فهيأ لذلك من الأسباب ما هيأ، ثم استأثرت به رحمة الله قبل أن يبلغ من هذا الإشراف ما كان يريد. وترك لخلفائه في وزارة المعارف عبئًا ثقيلًا جدًّا نعتقد أنهم قد لا ينهضون به، وأنهم قد لا يحبون أن ينهضوا به. وأصبحت بذلك وزارة المعارف بين اثنتين: إمَّا أن تمضي في هذه السياسة التي وضعها عاطف باشا بركات رحمه الله؛ وإذن فلا بدَّ لها من عاطف باشا بركات، وهي إن ظفرت بعاطف باشا بركات، فلن توفق من هذه السياسة إلى خير؛ لأنها سياسة سيئة شديدة الخطر على التعليم؛ فقد نفهم المركزية في كل شيء، نفهمها في المسائل الإدارية، ونفهمها في غير هذه المسائل. ولكنَّا نزعم أن فهمها في التعليم مستحيل؛ لأن التعليم فن خالص أو هو فنون مختلفة لا يمكن أن تجتمع لرجل واحد، ولا لهيئة واحدة، وإنما يجب أن يشرف عليها الفنيون المختلفون وأن يكون لهؤلاء الفنيين حظٌّ موفورٌ من الاستقلال يضمن لهم التوفيق إلى ما يريدون، وإمَّا أن تعدل وزارة المعارف عن السياسة المركزية التي كانت مسيطرة على شئون التعليم أيام الإنجليز، والتي تريد أن تسيطر على شئون التعليم أيام الوزارة السعدية.
وإذن فلا بدَّ لوزارة المعارف من أن تنقض ما أبرمه عاطف باشا بركات، وأن تطلب إلى البرلمان نقض ما أبرم في أمر اللجنة الفنية، وأن تضع سياسة جديدة للتعليم هي نفس السياسة التي كان زكي باشا أبو السعود قد وجَّه إليها وزارة المعارف، وإذا فعلت وزارة المعارف هذا فحدِّث عن هذا الوقت الضائع، وعن هذه القرارات المضطربة التي ينقض بعضهًا بعضًا، ولكننا نرجِّح أن وزارة المعارف لن تسلك هذه الطريق، فقد يكون الخير في أن تسلكها، ولكن الوزارة ستجد شيئًا من الغضاضة في الاعتراف بهذا الخطأ العظيم، وفي أن تنقض اليوم ما أبرمت أمس.
هناك قاعدة هي المثل الأعلى في أمر التعليم، ولكنها بعيدة كلَّ البعد عن الحقيقة الواقعة. لم تقتنع بها الأمم الراقية في أوروبا بعد، فمن المعقول ألا تفهمها مصر. هذه القاعدة هي أن يكون التعليم كالقضاء مستقلًّا الاستقلال كله عن السياسة لا تناله صروفها ولا تعبث به خطوبها، وأؤكد لك أن التعليم أحقُّ بالاستقلال من القضاء: لِمَ يستقل القضاء؟ لتكون حقوق الأفراد بمأمن من الأهواء السياسية. حقوق الأفراد … أمَّا التعليم فهو لا يتناول حقوق الأفراد، وإنما يتناول حياة الأمم كلها، يتناول حياتها الحاضرة ويتناول حياتها المستقبلة، يتناول كلَّ موقفها، ويتناول كل آمالها. فإذا كان القاضي خليقًا بالاستقلال ليبيع الناس وليشتروا في أمنٍ ودعةٍ، أفلا يكون المعلم خليقًا بالاستقلال لتحيا الأمة وتنمو وترقى بمأمن من الشهوات السياسية التي لا تنتج في التعليم إلا شرًّا؟ … وبين يدي مثلٌ قائم أختم به هذا الفصل، وهو أمر التعليم الثانوي في فرنسا.
في السنة الماضية أصدرت وزارة بوانكارية — وأقرتها كثرة البرلمان — نظامًا لهذا التعليم يقضي بتعليم اللاتينية واليونانية في المدارس الثانوية للبنين والبنات، وأخذت وزارة المعارف في تنفيذ هذا النظام منذ أكتوبر الماضي، ثم كانت الهزيمة الانتخابية التي أصابت بوانكاريه وأصحابه، وكان انتصار الاشتراكيين وأصحابهم، وهم يكرهون اللاتينية واليونانية، ويؤثِرون التعليم الذي يُسمَّى تعليمًا حديثًا. فلم يكد يجتمع مجلس النوَّاب الاشتراكي حتى قررت لجنة التعليم فيه إلغاء النظام الذي وضعته الوزارة السابقة وأقره المجلس السابق. ولن يدوم السلطان لهذا المجلس، بل لا بدَّ أن يعود السلطان لأصحاب بوانكاريه، ويومئذ يقرر مجلس النوَّاب إلغاء هذا النظام والعودة إلى اللاتينية واليونانية. وموضوع هذا العبث ليسوا ألفًا أو آلافًا من الموظفين كما هو الأمر في مصر، وإنما موضوع هذا العبث هو الجيل الناشئ كله عن هذه الأمة الفرنسية. فهل نستطيع أن نعتبر؟ وهل نستطيع أن نسبق إلى جعل التعليم فوق السياسة أو بمعزل عن السياسة على أقل تقدير؟
بوليجين، في ١١ أغسطس سنة ١٩٢٤
Tag: political interference in education
-
القوانين الجديدة (إصلاح التعليم الديني)
حديث اليوم: القوانين الجديدة (إصلاح التعليم الديني)
طه حسين
جريدة السياسة
٣٠ أغسطس ١٩٢٣
لولا أني أشفقت من أن أُروِّعك بعنوان بشع لكتبت هذا الفصل تحت عنوان «نكبة مدرسة القضاء»، أو «العبث بالتعليم الديني»؛ فإن هذين القانونين اللذين أقرهما مجلس الوزراء يوم الأحد الماضي لا يخرجان عن أن يكونا نكبة لمدرسة القضاء، وعبثًا بالتعليم الديني في الأزهر الشريف.
بل لولا أني أريد أن أكتب إليهم من الجهة العلمية الخالصة لقلت: إن لهذين القانونين خطرًا سياسيًّا عظيمًا ستظهر آثاره قريبًا أو بعيدًا، ولكني أريد أن أتجنَّب السياسة كل التجنُّب في هذا الفصل، وأن أبحث عن الحكمة التي حمَلت الحكومة على أن تتعجَّل في إصدار هذين القانونين، وعن الفائدة التي سيظفر بها القضاء الشرعي والتعليم الديني من هذين القانونين.
يجب أن أُقرِّر أني بحثت عن هذه الحكمة فلم أجدها، وأنا أتحدى أنصار الحكومة وأنصار هذين القانونين أن يُبيِّنوا لنا حكمة معقولة يمكن الاعتراف بها للتعجل في هذا التغيير الخطير. لم أجد هذه الحكمة، ولم أجد الفائدة العلمية التي يظفر بها القضاء الشرعي من هذا التغيير، والتي يظفر بها الأزهر الشريف من إنشاء قسم الاختصاص هذا.
ولست أريد أن أطيل؛ فالأمر لا يحتاج إلى إطالة، وإنما أريد أن ألفتك إلى المقارنة اليسيرة بين مدرسة القضاء الجديدة والقسم العالي من مدرسة القضاء القديمة، نثبت غير ما ذهب إليه صاحب المعالي وزير المعارف في حديثه الذي نشرته له «السياسة» صباح الأحد، فقد ذهب صاحب المعالي إلى أن هذا التغيير يُرقِّي مدرسة القضاء، ويرفع من شأنها من الوجهة العلمية.
وأنا أزعم أنه يحطُّ مدرسة القضاء، وينقص من قيمة القضاة؛ ذلك أن القسم العالي في مدرسة القضاء القديمة كان يتعمق في درس الفقه الإسلامي وأصول الفقه وبقية العلوم الدينية تعمُّقًا لن يتجاوزه قسم الاختصاص، وكان يضيف إلى التعمق في هذه العلوم درس اللغة وآدابها وفنونها المختلفة، وكان يضيف إلى ذلك إلمامًا لا بأس به بالتاريخ والجغرافيا، وكان يضيف إلى هذا كله إلمامًا بطائفة من العلوم النظرية والتجريبية، فكان يلم بالعلوم الرياضية، وكان يلم بالطبيعة والكيمياء، وكان يدرس أصول القوانين، ونظام القضاء والإدارة، والتوثيقات الشرعية، وكان يتناول طائفة غير قليلة من التمرين القضائي.
كان يدرس هذا كله ويلم به، فأزيل منه هذا كله، ولم يبق فيه إلَّا الفقه مع حكمة التشريع — كما يقولون — وأصول الفقه، ومقارنة بين المذاهب الأربعة في الأحوال الشخصية والتوثيقات الشرعية، ودراسة بعض القضايا ذات المبادئ الشرعية. وأحب أن ألاحظ أن في هذه التسمية شيئًا من البهرج الذي لا يفيد ولا يدلُّ على شيء؛ فالفقه مع حكمة التشريع مثلًا اسم وُضِع ليخدع الناس ويخلبهم، وهو في حقيقة الأمر لا يدلُّ على شيءٍ جديد؛ ذلك لأن درس الفقه في الأزهر وفي مدرسة القضاء مقرون دائمًا بحكمة التشريع، وحكمة التشريع جزء من الفقه؛ فالنص عليها بدع لا فائدة فيه.
وهناك المقارنة بين المذاهب الأربعة في الأحوال الشخصية زخرف من القول لا معنى له، فإن كان له معنى فهو شرٌّ؛ ذلك لأن درس الفقه في الأزهر وفي مدرسة القضاء الشرعي هو بطبعه مقارنة بين المذاهب، لا في الأحوال الشخصية وحدها، بل فيها وفي المعاملات والعبادات. ينص الكتاب الفقهي العالي بنوع خاص على المسألة الفقهية، ويذكر فيها مذهبه، ثم يذكر مذهب غيره من الفقهاء، ثم يقارن ويناظر ويحاجُّ.
وهذه المقارنة والمناظرة والمحاجَّة مستوفاة في الكتب التي تُدرَّس في الأزهر وفي مدرسة القضاء، ولسنا ندري ماذا يريد الذين وضعوا هذا القانون من هذا النص إلَّا أن يكونوا قد أرادوا أن يُدرَّس الفقه على وجهه في الأحوال الشخصية، وأن يختزل درس الفقه في غير الأحوال الشخصية من الأبواب. وهذا لا يلائم قسم الاختصاص.
أمَّا بقية الأسماء التي مرت بك، فكلها تدرَّس في مدرسة القضاء القديمة، وإذن فليس في قسم الاختصاص شيءٌ جديدٌ في العلوم الدينية، وإنما فيه حذف التفسير والحديث والتوحيد، ولكن هناك علومًا أخرى غير العلوم الدينية، فلننظر ما هي؟
هي: تاريخ القضاء والقضاة في الإسلام — وهذه مادة جديدة لا بأس بها — والسياسة الشرعية — ولسنا نعرف معنى هذه الكلمة، ولسنا ندري أين وجدها واضعو القانون، وإن كنَّا نعترف بأن في القانون رواية أخرى تخلو من هذه المادة — ونظام ولوائح المحاكم الشرعية والأوقاف والمجالس الحسبية — وكان هذا يُدرَّس في مدرسة القضاء مقارنةً بين هذه اللوائح وقانون المرافعات أمام المحاكم الأهلية. ونحب أن نفهم كيف تكون هذه المقارنة إذا لم يُدرَّس قانون المرافعات أمام المحاكم الأهلية — وأصول القوانين — وكانت تُدرَّس في مدرسة القضاء الشرعي — ونظام القضاء والإدارة — وكان يُدرَّس في مدرسة القضاء الشرعي — والإجراءات وتمرينات قضائية — وكانت موجودة في مدرسة القضاء الشرعي.
أرأيت إلى ما سيُدرَّس في قسم الاختصاص هذا من العلوم؟ أرأيت أن الفرق بينه وبين مدرسة القضاء الشرعي ليس في منفعة التعليم، وليس في منفعة الاختصاص، وليس في منفعة القضاء، وليس في منفعة شيء من الأشياء؟ فقد كانت مدرسة القضاء تُخرِّج قومًا لم يشكُ أحدٌ من جهلهم بالفقه، ولا من ضعفهم فيه، وكانوا إلى تعمُّقهم في الفقه يُلِمُّون بعلوم أخرى أدبية ونظرية تقرب المسافة بينهم وبين إخوانهم الذين يُخرَّجون من المدارس المدنية، وتفتح عقولهم للحياة العصرية الجديدة، فحُرموا هذه العلوم، وردُّوا إلى حظيرة الأزهر، وحِيل بينهم وبين هذا الشعاع الضئيل من نور العلم الحديث.
ولا تقل إن هذه العلوم الحديثة تُدرَّس في الأزهر؛ فالله يعلم كيف تُدرَّس هذه العلوم في الأزهر، وكيف يُكلَّف درسها قومٌ ليس لهم بها صلة ولا علم.
أمَّا بعد، فقد كانت مدرسة القضاء تتناول الشاب ولما يتجاوز الصبا إلَّا قليلًا، فتصوغه وتؤدبه تأديبًا يلائم نظامها، ويؤهله لفهم ما يُدرَّس فيها من العلم. أمَّا الآن، فستتناول شيوخًا تم تعليمهم وتثقيفهم، وصيغت نفوسهم صيغة خاصة لا يعمل فيها التعليم ولا التثقيف.
ثم نصَّ هذا القانون على رسالة تُقدَّم في الامتحان النهائي. ولم يلاحظ واضعوه أن طلاب القسم العالي في مدرسة القضاء القديمة كانوا يقدِّمون هذه الرسالة آخر كل سنة، فكانوا يقدِّمون أربع رسائل لا رسالة واحدة.
هذا مبلغ ما أحدث القانون الجديد من تغيير. ولست أذكر إلغاء القسم الأولي، ولست أذكر إلغاء القسم العالي، وإنما أكتفي بما ذكرت من المقارنة اليسيرة بين قسم الاختصاص الذي يعدُّ لشهادة تشبه الدكتوراه، وبين هذا القسم العالي المُلغَى الذي كان يُعدُّ لشهادة العالمية. وهذه المقارنة تنتج — كما ترى — أن مدرسة القضاء انحطَّتْ ولم تَرْقَ، أو قُل إنها أُلغيت إلغاءً، فما حكمة هذا الإلغاء، وما نفعه؟
أمَّا قسم الاختصاص الذي أُنشئ في الأزهر الشريف، فعجبٌ من العجب، ولغوٌ من اللغو، وضربٌ من العبث الذي لا خير فيه؛ تَدرُس النحو اثنتي عشرة سنة في الأزهر، حتى إذا نلت شهادة العالمية أُكرهت — إذا أردت أن تتخصص — أن تدرس النحو أربع سنين أخرى. فما عسى أن تدرس في هذه السنين الأربع؟ وما هذا النحو الذي تُمضِي ست عشرة سنة من عمرك لتكون نحويًّا؟ وقل مثل هذا في الفقه، وقل مثل هذا في غيرهما من العلوم. أصبح الأزهر «كساقية جحا»، أو أصبح الأزهر كالرحى التي تدور وتجعجع دون أن يكون فيها شيءٌ، أو دون أن يكون لها طحن، أو كما قال أبو العلاء: أصبح الأزهر «رحى تطحن قرونًا …»
وليس معنى هذا كله أن الأزهر ومدرسة القضاء لم يكونا في حاجة إلى الإصلاح. كلا، كانا في حاجة شديدة جدًّا إلى الإصلاح، ولكن إلى إصلاح آخر غير الذي ذهب إليه التشريع الجديد، إلى إصلاح ينفع مصر حقًّا، ينفع الأمم الإسلامية حقًّا، يجعل العالم الأزهري ملائمًا للعصر الذي يعيش فيه، إلى إصلاح يحيي العقول ولا يُميتها، ويفتح البصائر ولا يغلقها، إلى إصلاح يجعل الأزهر خليقًا أن يمشي أمامه، لا أن يتقهقر وراءه.
كان الأزهر ومدرسة القضاء في حاجة إلى الإصلاح فأُفْسِدا ولم يُصلَحا. ومصدر هذا شيئان؛ الأول: أن الذين كُلِّفوا هذا الإصلاح ليسوا من الفنيين ولا من أهل البصر بالتعليم، والثاني: أن هذا الإصلاح لم يُردْ به وجه الله، وإنما أريد به وجه السياسة. وإذا دخلت المنافع السياسية في العلم؛ فويلٌ للعلم! وويلٌ للمعلمين! وويلٌ للمتعلمين!