Tag: political intrigue

  • كيد

    حديث الوادي
    كيد
    لم يترك العهد البغيض بيئة من البيئات المصرية إلا نشر فيها الظلم، وأقر فيها الجور، وبسط عليها سلطان الفساد، وغرس فيها أشجار الشر تؤتي ثمرها منكراً قبيحاً مرذولاً، في غير ريث ولا إبطاء. وأنت لا تلم ببيئة مصرية إلا وجدت فيها آثار الشر ومظاهر الضر، ولا تتحدث إلى رجل مصري إلا سمعت منه الشكوى وأحسست منه الألم، ولا تفكر في مصلحة من مصالح المصريين إلا تبينت فيها آثار العبث، وعرفت أنها قد وكلت إلى قوم لا يرعون للوطن وحقوقه ومنافعه كرامة ولا حرمة.
    هذا شيء لا شك فيه. قاله الناس فأكثروا من قوله، وسيقولونه فيكثرون من قوله، حتى يرد العدل إلى نصابه وتستقر الأمور في قرارها ويعود إلى القلوب والنفوس والضمائر ما هي في حاجة شديدة إليه من الأمن والهدوء والاطمئنان. ولكن هناك ظاهرة غريبة يلاحظها الناس جميعاً، ويتساءل عنها الناس جميعاً، وقد بدؤوا يتحرونها ويتبينون مصادرها الخفية؛ فالمصريون جميعاً مظلومون وهم جميعاً يطالبون برفع الظلم ولكنهم جميعاً يقدرون موقف الوزارة، ويعلمون أنها لم تكد تنفق في مناصبها أسبوعاً، وأن أكثر هذا الأسبوع قد ذهب في استقبال المهنئين ورد الزيارات والأخذ في أسباب الدرس والبحث والتهيؤ لما لا بد منه من إلغاء النظام الممقوت، فهم يعلنون ابتهاجهم بقيام الوزارة وانتظارهم لما ستقدم عليه من إصلاح، وهم يرفعون إليها المظالم ويعرضون عليها الاقتراحات لا يشقون عليها ولا يسرفون في الإلحاح، ولا يطلبون إليها أن تغير كل شيء، في يوم أو يومين. الموظفون المظلومون يثقون بأن الظلم سيرفع عنهم وينتظرون مطمئنين، والعمد المظلومون يثقون بأن الظلم سيرفع عنهم وينتظرون مطمئنين، وغير الموظفين والعمد، من الأفراد والجماعات الذين أصابهم الضر ومعهم [أسرهم]، ينتظرون في غير تعجل ويطلبون في غير إلحاح. ومن المصريين كثيرون [وقع عليهم] ظلم لا سبيل إلى رفعه ومنهم [من أصابه ضر] لا سبيل إلى محوه، فالأسر التي [فجعت] حين سفكت دماء [أبناءها] ، لا تنتظر من الوزارة أن تنشر لها الموتى، ولا أن ترد عليها الشهداء وإنما هي تحتسب هؤلاء الأبناء عند الله وعند الوطن، وهي مع ذلك لا تضطرب ولا تظهر ميلاً إلى الاضطراب وإنما تصبر كريمة وترضى بالتضحية الأليمة طيبة النفس قريرة العين، مؤمنة بالقضاء.
    والمصريون الذين مسهم الأذى في أجسامهم، لا ينتظرون إصلاحاً لما أصابهم؛ فكيف السبيل إلى أن يرفع عنهم الشر وقد وقع عليهم، وكيف السبيل إلى أن يكشف عنهم الضر وقد نزل بهم؟ وللطلاب مظالم قد رفعوها وآمال ينتظرون تحقيقها ولكنهم رفعوا مظالمهم وصبروا، وأعلموا أهلهم وانتظروا، ومضوا فيما ينبغي لهم أن يمضوا فيه من درس وتحصيل، إلا الأزهر والمعاهد الدينية فإن طلاب الأزهر والمعاهد الدينية لم يذهبوا مذهب غيرهم من الناس، ولم يسلكوا طريق غيرهم من طلاب الجامعة المصرية وطلاب المعاهد الأخرى، وإنما أضربوا أو مضوا في الإضراب واحتجوا ومضوا في الاحتجاج، وشرطوا للرجوع عن موقفهم شروطاً، وأصروا على موقفهم حتى تنفذ هذه الشروط. فكان غريباً من غير شك أن يشذ طلاب الأزهر والمعاهد الدينية عن إجماع الشعب كله، وأن يسلكوا طريقاً غير طريق الطلاب الآخرين، وأن يقفوا موقفاً ظاهره طلب الإنصاف وهو مع ذلك لا يخلو من التحدي والعناد. والمصريون يعرفون طلاب الأزهر ويعرفون أن شعورهم مصري كشعور غيرهم من الناس، وأن أمانيهم مصرية كأماني غيرهم من الناس، وأن ضمائرهم خالصة للوطن كضمائر غيرهم من الناس. وإذن فما سر هذا الموقف الغريب وما تأويل هذا الشذوذ الذي لا يخلو من نبو عن المألوف؟ تحدثت الصحف منذ حين بأن قوماً يكيدون للأزهر والأزهريين ويسعون بينهم وبين الوزارة بالفساد، ويريدون أن يحملوهم على إفساد الأمر وإحباط السعي، وشغل الوزارة بأنفسهم عن الإصلاح بل عن الشعب كله وعن حقوق الشعب كله، وعن إلغاء النظام البغيض. ثم أخذت الأمور تتكشف شيئاً فشيئاً عن أن الصحف لم تكن واهمة فيما ظنت ولا مخطئة فيما أذاعت، وها نحن أولاء نقرأ في الكوكب التي ظهرت مساء أمس تفصيلاً لهذه الظنون وتوضيحاً لهذا الكيد، وتقديراً لأن هناك قوماً يوعزون إلى طلاب الأزهر أن يلحوا في إخراج الشيخ، ويوعزون إلى الشيخ ألا يستقيل ولا يظهر استعداداً للاستقالة، يريدون بذلك أن يوقفوا الوزارة، موقف الحيرة والحرج والضيق.
    ثم ها نحن أولاء نقرأ في الأهرام صباح اليوم أن هذا الكيد حقيقة واقعة فيما يظهر وأن الوزارة قد عرفته وتبينت أصله، وأن رسلاً قد سعوا بالسوء وأن أموالاً أنفقت في سبيل هذا السوء، وإذاً فقد وضح ما كان غامضاً، وظهر ما كان خفياً. وتبين أن أنصار النظام البغيض يحاولون أن يتخذوا الأزهر أداة لاستبقاء هذا النظام، وأن الذين نشروا الفساد في الأرض يريدون أن يتخذوا الأزهر وسيلة لنشر الفساد، فقد نحب أن نعلم من هم هؤلاء الناس الذين سعوا بالشر بين الأزهر والوزارة وجدوا في الإفساد بين الأزهر والشعب واتخذوا معهداً دينياً وسيلة لأبغض الأشياء إلى الدين وأبعدها عنه وهو الفساد؟ وقد نحب أن نعلم من أين لهم هذه الأموال التي أنفقوها؟ من الذي قدمها إليهم؟ ومن أين أخذها؟ ومن الذي تلقاها منهم وكيف تلقاها؟ أو قد نحب أن نعلم ماذا تريد الوزارة أن تصنع مع هؤلاء المفسدين الذين يكيدون للسلطان ويشترون الضمائر ويفسدون الأخلاق ويغرسون أشجار الشر في أرض لا ينبغي أن يصل إليها الشر؟ أتريد الوزارة أن تبحث عن هؤلاء الناس حتى إذا وضعت يدها عليهم لم تقنع بكفهم عن الشر بل عاقبتهم عليه وجعلتهم نكالاً للذين يريدون أن يفسدوا على هذا الشعب أمره وأن يردوا كل شيء إلى الاختلاط؟
    وكذلك تحدث الناس أن الشعب قد ابتهج بالوزارة في كل مكان وأن ابتهاج الشعب لم يعقب أثراً سيئاً إلا في مدينة واحدة هي الإسكندرية، ثم أخذت الجهاد تتحدث عنه منذ أمس بأن بعض الذين يكلفون حماية الأمن قد سعوا بالفساد في الإسكندرية حتى حدث ما حدث من شر أراد الله أن يكون يسيراً وكان من الممكن أن يتفاقم، ويعقب آثاراً سيئة بغيضة، فقد نحب أن نعلم أحق هذا الذي أذاعته الجهاد أمس واليوم؟ وإذا كان حقاً فمن هؤلاء الناس الذين حثوا على الشر ودعوا إليه وعمن تلقوا الأمر بهذا الفساد؟ وماذا أريد بالوزارة أن تصنع معهم، ومع الذين أمروهم بإحداث الشغب والاضطراب؟
    نحب أن نعلم هذا، ونحب أن نقول في صراحة، إن أمور الإصلاح لن تستقيم للوزارة ما دامت لا تتخذ من الحزم ما يريحها من أسباب الكيد، ويكف عنها وعن الشعب شر هؤلاء الآثمين الذين لا يستطيعون أن يظهروا ولكنهم يحسنون الكيد ويجيدون الإفساد من وراء ستار. إن للنظام البغيض أفاعي ما زالت حية لم تقطع إلا أذنابها، بل لم يكد يقطع من أذنابها إلا الشيء القليل الذي لا خطر له، فإذا كانت الوزارة تريد الإصلاح حقاً وتحرص على أن تنهض بالوفاء بما أخذت على نفسها من عهد فإن أول ما يجب عليها هو أن تريح نفسها من هذه الأفاعي لتقدم على الإصلاح، وهي مطمئنة إلى أنها لن تنسى من وراءه.
    طه حسين
    الوادي، ٢٢ نوفمبر ١٩٣٤.

  • طهي …

    حديث المساء: طهي …

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٢٤ نوفمبر ١٩٣٣

    أما في اللغة العربية الفصحى فمعناها الطبخ، ولستَ في حاجة إلى أن تستشهد بشعر الشعراء، وخطب
    الخطباء من العرب العرباء؛ فإن صدقي باشا وهو حجة في كل شيء، قد استعمل هذه الكلمة صباح اليوم
    في كلمة نشرتها له الأهرام، ولم تنشرها له الشعب، وقد استعملها في هذا المعنى، لا يحتمل ذلك
    شكًّا ولا ريبًا؛ لأنه استعملها إلى جانب طبخ، فقال: «لكن يفسرها أن الرسالة قد طبخها في مصر
    طُهاة طالما مارسوا هذا الفن.» وهذا الفن هو طبخ الرسائل أو طهيها في مصر لترسل إلى إنجلترا
    فتنشر هناك، ثم يحملها البرق إلى مصر فتذاع في الأهرام، وظاهرٌ جدًّا أن صدقي باشا لم يستعمل
    الطهي كما أنه لم يستعمل الطبخ في معناهما الحقيقي، وإنما استعملهما في المجاز.

    فليس صدقي باشا لغويًّا بارعًا فحسب، ولكنه مع ذلك كاتب بليغ، يعرف كيف يصطنع الاستعارة
    والمجاز، فالرسائل لا تطبخ ولا تطهى، ولكنها تُهيَّأ وتُعد، وفي هذا التعبير تشبيهٌ طويلٌ عريضٌ
    لست أدري أيُحسن تخريجه وزير التقاليد ومن حوله من رجال الأدب في وزارة المعارف، أم يعجزهم ذلك
    فيلتمسوه في المجمع اللغوي إذا انعقد إن شاء اللَّه.

    وعلى كل حال فالطهي هو الطبخ والطبخ هو الطهي، ولولا أن لصدقي باشا إلى جانب براعته في اللغة
    ومهارته في علم البيان نصيبًا من الذوق الأدبي الممتاز لاستعمل الطباخين مكان الطهاة، ولقال إن
    هذه الرسالة قد طبخها في مصر طبَّاخون، طالما مارسوا هذا الفن، ولكنه آثر الذوق، وخِفَّةَ
    الروح، ورشاقة اللفظ؛ فاستعمل المادتين معًا، ووفق في هذا الاستعمال أحسن توفيق، وأصبح من الحق
    علينا أن نلتمس هؤلاء الطباخين أو هؤلاء الطهاة الذين يعنون بأمور السياسة فيطبخونها طبخًا،
    ويطهونها طهيًا، ويضيفون إليها، وينقصون منها، ويهيئونها هذه التهيئة التي تحتدُّ وتشتدُّ
    أحيانًا فتغيظ، والتي تهون وتلين أحيانًا فلا تبعث عناية ولا تثيرهما.

    من الحق أن نلتمس طباخي الدولة هؤلاء؛ أولئك الذين يعرفهم صدقي باشا، والذين طبخوا تلك
    الرسالة منذ أيام وأرسلوها إلى الديلي تلغراف، والذين لم يُحسِنوا التكتم والاستخفاء في تهيئة
    هذه الطبخة حتى دلُّوا على أنفسهم، وعلم صدقي باشا بطبيعة ما يهيئون؛ لأنه فيما يظهر قد شمَّ
    ريحَ الطبيخ.

    ولكن للطهي في اللغة العامية معنًى آخر؛ فهو يُستعمل أحيانًا بمعنى الذوق الذي يمكنك من حسن
    الملاءمة بين الأشياء؛ فالناس يقولون فلان قليل الطهي إذا كان حظه من الذوق ضئيلًا، وإذا كان
    يقول فيندفع في القول ويعمل فيندفع في العمل، لا يحسب لشيءٍ ولا لأحدٍ حسابًا. والظاهر أن الذين
    طبخوا هذه الرسالة لم يكونوا مَهَرَة في الطبخ؛ لأنهم لم يحسنوا إغلاق النوافذ والأبواب، فدلوا
    على أنفسهم، ولأنهم لم يحسنوا الملاءمة بين الأشياء، ولم يوازنوا بين ما أضافوا إلى طبختهم من
    التوابل فخرجوا عن إجادة الطهي، وإتقان الصنعة، فهم لا يخدعون أحدًا بهذا الكلام الفارغ الذي
    أوحوا به إلى المُكاتِب السياسي لجريدة الديلي تلغراف، وما نظن أن أحدًا من الناس قرأ هذه
    الرسالة فآمن لها بشيء من القيمة قليل أو كثير، وما نظن أن أحدًا من الناس قرأ هذه الرسالة فشك
    في أنها طبخت في مصر، وكان الطباخون الذين طبخوها أو الطهاة الذين طهوها قليلي الطهي، ليس لهم
    حظ عظيم من الحذق والمهارة في الفن.

    فالناس جميعًا يعلمون من أمر الحياد البريطاني في مصر ما يعلمون، والناس جميعًا يعلمون أن هذا
    الحياد قد ضاق بنفسه، وتأذَّى بالحياة في مصر؛ فانصرف عنها أو كاد، وهمَّ بالتروض والتنزُّه في
    بلاد أخرى كبلاد الترك، وفي مدينة أخرى كمدينة أنقرة، وترك الجو المصري لتدخل واضح صريح لا
    يتستر ولا يستخفي، والناس جميعًا يعلمون أن أبسط مبادئ الطهي الحسن كان يقتضي أن تكون صحف حزب
    الاتحاد آخر الصحف التي ينبغي أن تتحدَّث عن رسالة الديلي تلغراف هذه حتى تجوز الحيلة، وحتى
    يظهر رأي الناس في هذا اللون الذي قدم إليهم من ألوان الطعام، ولكن الصحيفة الفرنسية لحزب
    الاتحاد لم تستطع أن تدافع الجوع؛ فأسرعت إلى هذا اللون، وغرقت فيه إلى أذنيها، ونشرت الرسالة،
    وتناولتها بالتفسير والتحليل، وبالتأويل والتعليل، وانتهت إلى إقامة الدليل على أن دار المندوب
    السامي محايدة حقًّا لن تدخل بين الأحزاب بالكثير ولا القليل، فضلًا عن أن تدخل بين أعضاء الحزب
    الواحد إذا انقسموا وتفرَّقوا وأصبح بعضهم لبعض عدوًّا.

    ولم يكن صدقي باشا على براعته ومهارته بأعظم حظًّا من حسن الطهي من صحيفة حزب الاتحاد؛ فقد
    أسرع هو أيضًا إلى هذه الرسالة، فذكر الذين طبخوها وهيئوها، ونسي أن هؤلاء الطباخين والطهاة
    الذين طالما مارسوا هذا الفن قد طبخوا له كثيرًا وطهوا له كثيرًا، وأن طبخهم كان يُعجِبه، وأن
    طهيهم كان يُرضِيه، وأنه كثيرًا ما دفعهم إلى الطبخ وحثَّهم على الطهي، وأن الذنب ليس ذنب
    الطباخين والطهاة إذا خرج صدقي باشا من الحكم وخلفه قوم آخرون يحبون طبخ الطباخين، ويكثرون من
    طهي الطهاة.

    وذكر صدقي باشا تبليغ الحكومة البريطانية سنة ١٩٣٠ ورده عليه، وأنكر صدقي باشا أن يكون كاتب
    هذا الرد التاريخي البديع في حاجة إلى أن يستعين بالإنجليز، ولكن صدقي باشا نسي أن الناس يقولون
    ويُلِحُّون في القول، أن ذلك الرد التاريخي البديع نفسه قد كان طبخة متقَنة، وأن من أصحاب صدقي
    باشا وخصومه من يستطيعون أن يقولوا له لا تذكر هذا الرد؛ فقد طبخناه معًا.

    فأنت ترى أن الذين يطبخون لخصوم صدقي باشا بعد أن طبخوا لصدقي باشا نفسه، وأن صدقي باشا حين
    كان يسيغ طبخ الطباخين أمس، وحين ينكره اليوم ويعافه كل هؤلاء قليلو الطهي فيما يظهر لا يحسنون
    الملاءمة بين الأشياء، ولا يُجِيدون الكيد المستور، والحرب التي تظهر آثارها ونتائجها ولا تظهر
    معداتها ومقدماتها، وحقيقة الأمر فيهم جميعًا أنهم كانوا صديقًا أمس، فأصبحوا عدوًّا اليوم،
    وأنهم قد اختصموا ما استطاعوا الخصومة في مصر، فرمى بعضهم بعضًا بالشر، واتهم بعضهم بعضًا
    بالإثم، وطبخ بعضهم لبعض، وطبخ بعضهم على بعض، حتى إذا ملئوا الجو المصري بريح هذا الطبخ المنكر
    البغيض، أبوا إلا أن يملئوا به الجو الأوروبي؛ فنشرت مقالة الطان في جريدة الطان، ونشرت رسالة
    الديلي تلغراف في جريدة الديلي تلغراف، وصدقي باشا يعلم حق العلم كيف تطبخ المقالات لجريدة
    الطان، وكيف تطبخ الرسائل لجريدة الديلي تلغراف.

    والشيء المهم الذي لا ينبغي أن يصرف عنه المصريون هو أن القوم لم يزيدوا على أنهم يمضون فيما
    بدءوا من كيد بعضهم لبعض، وسعي بعضهم ببعض، والاجتهاد في أن يضعف بعضهم بعضًا، وفي أن يُفسِد
    بعضهم على بعض أمور الحكم، والظريف أن الذي يقرأ كلمة صدقي باشا في الأهرام لا يشك في أن الرجل
    حريص أشدَّ الحرص على أن يقنع أصفياءه وأولياءه بأن الرسالة قد طبخت في مصر، فلا ينبغي أن
    يحفلوا بها ولا أن يلتفتوا إليها، بعد أن دلت التجربة على أن جريدة الديلي تلغراف في مثل هذه
    الأشياء لا تصور الرأي الإنجليزي، وإنما تصور رأي جماعة من المصريين كانوا يطبخون لها قبل أن
    يستقيل صدقي باشا، وهم يطبخون لها بعد أن استقال، ومعنى هذا أن مقالة الديلي تلغراف هذه لو طبخت
    في إنجلترا نفسها لكان لها خطر آخر، ولخاف منها صدقي باشا أشد الخوف على أصحابه وأصفيائه،
    ولأشفق منها صدقي باشا أشدَّ الإشفاق على أنصاره وأوليائه.

    ومعنى هذا أن صدقي باشا يعلم حقَّ العلم القيمة الخلقية والسياسية لما تنشره جريدة الديلي
    تلغراف حين تعرض للشئون المصرية، ولكن الشيء الذي يلذُّ أن نعلمه هو رأي المندوب السامي في هذه
    الطبخة أترضيه أم تسوءه؟ وفي الذين طبخوها أأحسنوا إليه أم أساءوا إليه؟ أَشَكَا حقًّا من
    استعانة صدقي باشا بزيارته على الوزارة أم شكا عنه الطباخون فأغرقوا في الفضول. والشيء الذي
    يلذُّ لنا أن نعلمه هو رأي المندوب السامي في هذا الكلام الكثير الذي يقال عن جريدة إنجليزية
    معروفة لها مكانها بين الصحف الإنجليزية الكبرى؛ فإن صدقي باشا يقول إن هذه الصحيفة الإنجليزية
    الكبرى متأثِّرة بجماعة من الطباخين المصريين تُقدِّم لقرائها من ألوان الطعام ما يُهَيَّأُ لها
    في مصر لا تزيد على أن تقدمه في غير بحث ولا تحقيق ولا تحرٍّ للصواب.

    ويظهر أن قلة الطهي لا تريد أن تقف عند مقالة الطان ورسالة الديلي تلغراف؛ فهي تتناول شيئًا
    آخر كنا نحبُّ أن يظل بعيدًا عن الطهي والطهاة وعن الطبخ والطبَّاخين، فرياسة مجلس النواب تطبخ
    في مطبخين مختلفين؛ فالشعبيون يطبخونها لصدقي باشا، والاتحاديون يطبخونها للدكتور رفعت باشا،
    وكلا الفريقين حريص على أن تقبل الوزارة طبخته، وكلا الفريقين مستعدٌّ لمقاطعة الوزارة إن قبلت
    طبخة الخصم، ووزير التقاليد بما عرف من طهيه الرائع البارع لا يتردد في أن يظهر ميله — نستغفر
    الله — بل في أن يظهر رأيه لأصحاب المطبخين، فهو يؤثر، ويعلن أن الوزارة تؤثر معه طبخة حزب
    الاتحاد، فإذا ظهر رأيه هذا ضاق به الطباخ الأعظم في حزب الشعب، فطلب إلى الوسطاء أن يقطعوا
    المفاوضات، وانتهى الأمر إلى أن مراجل الحزبين ستغلي بما فيها حتى يجتمع البرلمان إن اجتمع
    البرلمان، وهناك يقدم للوزارة لونان أحدهما صدقي باشا ومعه حزب الشعب، ورياسة الوزراء السابقة،
    وتأسيس النظام القائم، وزيارته لدار المندوب السامي ورسالة الديلي تلغراف في هذه الزيارة،
    ومقالة الطان في مسألة الدين ومضاربات القطن، وما يتصل بهذا كله من التوابل والمشتهيات، والآخر
    الدكتور توفيق رفعت باشا ومعه تضحيته بالوزارة في سبيل الرياسة، ومعه دكتوراه الشرف من كلية
    الحقوق، ومعه حزب الاتحاد، وما أدراك ما حزب الاتحاد ذو العمد والأوتاد، والوزارة حرة في أن
    تختار بين هذين اللونين، أو قل الوزارة مكرهة على أن تختار أحد هذين اللونين، والغريب أن
    المستقلين والمعارضين في مجلس النواب لم يهيئوا من أنفسهم للوزارة طبخة تريحها من العناء،
    وتُعفِيها من الاختيار، فليس حتمًا أن تكون رياسة مجلس النواب لأحد الحزبين المؤتلفين
    المختلفين، وما الذي يمنع أن يكون رئيس الحزب الوطني رئيسًا لمجلس النواب؛ فتستريح الوزارة
    وتنقطع الخصومة، ويصفو الجو، وتؤجل الأزمة بين المؤتلفين المختلفين إلى حين.

    نظن أن هذه الطبخة لا بد منها، ونظن أن المعارضين لن يقصروا في تهيئتها، ولكن أتستطيع الوزارة
    أن تمدَّ إليها يدًا أو تفتح لها فمًا أو تهيئ لها معدة؟ هذه أسئلة يجيب عنها الغد القريب أو
    البعيد. ومهما يكن من شيء فأنت توافقني على أن من المؤلم أن يدخل الطبخ في السياسة الرسمية هذا
    الدخول وإن نقص الطباخين حسن الطهي إلى حد بعيد.