Tag: political isolation

  • خلوة

    خلوة
    طه حسين
    كوكب الشرق
    ١٣ ديسمبر ١٩٣٣

    لو يَعْلَم الناسُ ما يُقْبِل به عليهم النهارُ حين يشرق، وما يُضْمِر لهم الليلُ حين يُظْلِم، لما كان كَلَفُهم بإشراق النهار أقلَّ من إشفاقهم من ظلمة الليل — أو قُلْ — لاقْتَصَدُوا في حب ما يحبون من ذلك وكُرْه ما يكرهون، لكن الناس ضعاف يغرهم الغرور؛ فيظنون بأنفسهم القدرة وهم عاجزون، ويُقدِّرون لأنفسهم البقاء ويغذونها بواسع الأمل.

    وإن الأحداث والخطوب لتسعى إليهم على هذه الأشعة المضيئة — أشعة الشمس — أو لتختبئ لهم في ثنايا هذه الظُّلْمة القاتمة؛ ظلمة الليل.

    ولو قد عرف صدقي باشا حين خلا إلى المندوب السامي في أول مرة أن خلوته تلك على ما كان فيها من أملٍ ممدود، ورجاءٍ غير محمود، وثقة بالأيام، واستسلام للأحلام، ستنتهي به وبصاحبه إلى هذه الخلوة التي أُتِيحَتْ لهما أمس، وما كان فيها من يأسٍ مظلم، وقنوط ممضٍّ، ويقظة ثقيلة على القلوب، بغيضة إلى النفوس، وشك في الأيام، يُنفِّر من العيش، ويُزهِّد في الحياة. لو عرف صدقي باشا أن خلوته تلك الباسمة الآملة ستنتهي به إلى خلوته هذه العابسة اليائسة، لَمَا أقدم عليها ولما رغب فيها، بل فر منها فرارًا، ولامتنع عليها امتناعًا، ولآثر السلامة والعافية، مع الراحة والهدوء، على تلك المظاهر الكاذبة، التي ملكت قلبه، وخلبت لبه، وغمسته في الشر غمسًا، ثم انتهت به إلى ما هو فيه الآن من سوء الحال.

    كان صدقي باشا أمس يخلو إلى صديقه المندوب السامي خلوة كئيبة مريبة، لا يستطيع أن يبتسم لها، ولا تستطيع هي أن تبتسم له، يلتمس من نفسه الضعيفة عونًا على احتمالها والنهوض بأثقالها، وإن كان فيها لراغبًا وإن كان عليها لحريصًا، ولم تكن في أكبر الظن كآبة المندوب السامي بأقل من كآبة صديقه العزيز، ولكن الفرق بين الرجلين كان عظيمًا جدًّا؛ فقد كانت كآبة صدقي باشا كآبة بؤسٍ كامل، شامل، عميق، لا حد له ولا مخرج منه، وكانت كآبة السير برسي لورين كآبة معقدة فيها غيظٌ؛ لأنه لم يُوفَّق، وضيق بما أصابه من الإخفاق، ولكن فيها إشفاقًا عاجزًا ورحمة لا تُغْنِي شيئًا.

    فالمندوب السامي مهما يُصِبْه من الإخفاق، ويدركه من العجز، يستطيع أن يقول لنفسه إنه قد حقَّقَ لأمته منافع في مصر عظيمة الخطر، بعيدة الأثر في حياتها وفي حياة المصريين، حقَّقَ لها هذه المنافع المادية التي لا تُحْصَى والتي ستنتفع بها غدًا و بعد غد، سواء أَرَضِيَ المصريون أم لم يرضوا.

    وقد عرف الإنجليز له ذلك؛ فلم ينبذوه ولم يقصوه ولم يبغضوه، ولكنهم رأوا أنه لا يصلح للعمل في مصر فنقلوه إلى تركيا، وأبوا أن ينقلوه دون أن يحتفظوا له بهذه المظاهر التي تُعلَن إلى الناس صادقة أو غير صادقة؛ أنهم ليسوا ناقمين منه ولا ساخطين عليه، جعلوه سفيرًا وجعلوه عضوًا في مجلس الملك، وردُّوه إلى مصر بعد أن نُقِل منها وأُقْصِيَ عنها؛ ليقيم فيها شهرًا تحيط به هذه المظاهر التي أحاطت به مِنْ قَبْلُ، والتي ستحيط بخليفته مِنْ بَعْدُ؛ فهو إذن مرضي عنه أو مغضوب عليه، ولكن أمته ترعاه وتكرمه؛ لأنها تعرف أنه خدمها فلم يقصر في خدمتها، ولأنها تعرف أنه إن أخفق فقد اضطر إلى الإخفاق اضطرارًا ودُفِع إليه دفعًا؛ لأنه لم يعرف كيف يسير في مصر، ولا كيف يلائم بين سياسته، وبين حب المصريين للاستقلال وحرص المصريين على حقوقهم، وقدرة المصريين على المقاومة. هو عند قومه مخطئ سيئ الحظ لا أكثر ولا أقل، فإذا أثار ذلك في نفسه حزنًا فهو حزن الرجل العاثر الذي أراد شيئًا، وأرادت الظروف شيئًا آخر.

    أما صدقي باشا فشأنه غير هذا الشأن، وحاله غير هذه الحال، ومصيره غير هذا المصير. هو منبوذ من أمته كلها، نبذته كثرتها حين وثب برغمها إلى الحكم، وأمعنت في نبذه حين أساء تصريف الحكم، ثم نبذه أشياعه وأتباعه حين أُنْزِل عن الحكم، ثم نبذه أصفياؤه وأولياؤه الأقربون حين ناوأ من صارت إليهم أمور الحكم.

    إنْ رجعَ إلى أُمَّته ردَّتْه مخذولًا مدحورًا، ولم تؤثره حتى بهذه النظرة الرحيمة المشفقة التي يطمع فيها العاثرون، وإن رجع إلى أشياعه وأتباعه فرُّوا منه فرار الصحيح من الموبوء؛ لأنهم مشغولون عنه بأنفسهم، مصرفون عنه إلى منافعهم، وإن رجع إلى أوليائه وأصفيائه منحوه هذه الابتسامات الصفراء التي تقول له في صراحة وجلاءٍ لا بد لي من أن أحتملك، ولكنك تعلم حق العلم أن احتمالك عسير، وأني أضيق به، وأود لو أخلص منه.

    وهو لا يستطيع أن يقول لأمته: لقد أحسنتُ إليك. لأنه لم يحسن إليها قط وإنما أساء إليها ما استطاع، وهو لا يستطيع أن يقول لأشياعه وأتباعه: لقد أسديت إليكم النعمة، وقدمت إليكم المعروف. لأنهم يجيبونه: لقد منحناك المعونة، وأهدينا إليك التأييد، ثم انقطعت بينك وبيننا الأسباب. وهو لا يستطيع أن يذكر أولياءه وأصفياءه بالحب القديم والود الخالص؛ لأن صروف الحياة، وظروفها، ومنافعها، ومضارها أقوى على نفوس هؤلاء الناس من الود والحب ومن عواطف البر والوفاء. وهو لا يستطيع — وهذا شرٌّ من كل شيءٍ — أن يرجع إلى نفسه فيلوذ بها، ويركن إليها، ويتعزى بما قدَّم من خير، ويعتصم بما يعتصم به المخلصون من راحة البال ورضا الضمير؛ لأن باله غير مرتاح، وضميره غير راضٍ ولا مطمئن.

    لا يستطيع أن يأوى إلى أحد حتى إلى نفسه، ولا أن يلوذ بأحد حتى بنفسه، منبوذ من كل الناس، حتى من نفسه. فأين يكون من أليفه وحليفه السير برسي لورين؟! لقد صفا بينهما الود، وتوثقت بينهما الصلات، وتقارضا من المعونة والتأييد ما أشقى مصر ثلاثة أعوام، ثم هما يفترقان الآن وقد انهدم ما شيَّدا، واندكَّ ما أقاما.

    ونظر الإنجليز فإذا صاحبهم لا يستطيع أن يبقى في مصر فنَقَلُوه، ونظر المصريون فإذا صاحبهم لا يستطيع أن يبقى مسيطرًا على الأمر فطرحوه، ومما يُتذاكَر أن تلك الأيام التي كانت تبسم لهما مخادعة، وتظهر لهما إشراقًا من ورائه الظلمة، وإقبالًا من ورائه إدبار. ولكن السير برسي لورين إذا تحدَّثَ في ذلك أو فكر فيه ذكر أنه سيزور بلادًا غير مِصْرَ وسيعمل مع قوم غير المصريين، وسيقضي حياة هادئة راضية لا بأس بها، أما صدقي باشا فهو لا يستطيع أن يذكر شيئًا من هذا لأنه سجين، سجينٌ وحيدٌ، لا يستطيع أن يخرج من مصر إلا أن يقضي على نفسه بالنفي، ولا يستطيع أن يبقى في مصر إلا أن يقضي على نفسه بالعذاب المتصل.

    وبينما كان الصديقان الكئيبان يشربان الشاي ممزوجًا بمرارة الألم ومضاضة اليأس، كان الشعبيون يصخبون ويضطربون يدبرون أمورهم بينهم وبين الحزب الشقيق، فيعيبهم التدبير ويعجزهم التوفيق؛ لأن أمورهم قد فسدت، وأهواءهم قد اختلفت، ولأنهم قد فقدوا هذا الرجل الذي كان يستطيع أن يرُدَّهم إلى الاجتماع إذا تفرقوا وإلى الائتلاف إذا اختلفوا.

    يعرض عليهم رئيس الوزراء أسماء فيُظْهِرون التردد، ثم يُظْهِرون الطاعة، ثم يتفرقون وهم يضمرون الخلاف ويَسْعَوْن إليه، كل يؤكد بأنه محتفظ بموقفه لن يذعن لما اتخذ الحزب من قرار، وكل يعلم حق العلم أنه سيذعن حين يجتمع البرلمان، سيرشح من أَوْصَتِ الحكومةُ بترشيحه، وسينتخب من أَوْصَتِ الحكومة بانتخابه؛ فإن للحياة أثقالًا يجب أن تُحمَل، وإنَّ طاعةَ الوزراء بعضُ هذه الأثقالِ.

    يا له من مساءٍ حزينٍ، هذا المساء الذي أظلَّ رجال السياسة الرسمية الحاضرة أمس! فأما الرجلان اللذان أقاما بنيان هذه السياسة، فكانا كئيبين يتساقيان شايًا كئيبًا ويتبادلان وداعًا كئيبًا، وأما خلفاؤهم من الشعبيين فكانوا يضطربون، ويصطخبون ويعلنون شيئًا ويُسِرُّون أشياء، ويندفعون إلى هذا المساء الذي لا بد من أن يُظِلَّهم كما أظلَّ مساء الأمس في تلك الخلوة الكئيبة أمام ذلك الشاي الكئيب هذين الرجلين الكئيبين.

  • بؤس

    حديث المساء: بؤس

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٨ ديسمبر ١٩٣٣

    ولكنه لا يبعث في القلب رحمة، ولا يثير فيه إشفاقًا، كما أنه لا يبعث في النفوس غبطة، ولا يحيي فيها ابتهاجًا. إنما هو بؤسٌ كئيب مظلم، شديد الظلمة، أسود قاتم السواد، يرسم على الوجوه ابتسامة خير منها العبوس. وأين هذا القلب المصري الذي يرحم هذا الرجل الذي أتيح له السلطان أكثر من ثلاثة أعوام، فقسا وتجبر، وطغى وتكبر، ولم يرحم أحدًا من المصريين، بل لم تعرف رحمة المصريين إلى قلبه سبيلًا؟

    وأين هذا القلب المصري الذي يستطيع أن يشفق على هذا الرجل الذي أتيحت له أسباب القوة فلم يوجهها إلى خير، ولم يستعن بها على معروف، وأتيحت له أسباب النفع فلم ينفع بها إلا نفسه، وإلا طائفة من الصنائع عرفوا كيف يحفظون له العهد، ويقيمون له على الود، ويعترفون له بالجميل؟ فلم تكد تلم به المحنة حتى تولى عنه أكثرهم وهم معرضون، وأقبل عليه أقلُّهم بقلوب مدخولة، ونفوس ملتوية، وهم فاتر لم يكد يبلوه ويمتحنه حتى عرف أنه لا خير فيه.

    وأين هذه النفس المصرية التي تستطيع أن تغتبط ببؤس هذا الرجل الذي كان يستطيع أن يحسن فآثر السوء، وكان يستطيع أن ينفع فآثر الضر، وكان يستطيع أن يقف من أمته موقف الخادم المخلص الأمين، فلم يزد على أن يقف منها موقف الخصم العنيد، ينتقص من حقوقها، وينتهك من حرماتها، ويضيع من مصالحها؟

    وأين هذه النفس المصرية التي تستطيع أن تبتهج بسقوط هذا المصري الذي كان خليقًا أن يكون جنديًّا صادقًا مُقدِمًا جادًّا في نصر مصر، والذود عنها، وتمهيد الطريق لها، وإزالة العقبات من هذه الطريق، فلم يزد على أن أخرها أعوامًا، وبث أمامها عِقابًا، وحمَّلها من الشر أثقالًا، وأذاقها من العذاب ألوانًا، واضطرها إلى أن تود لو لم يكن من أبنائها، ولو لم تعرفه حياتها العامة، ولو لم تفرضه عليها الظروف فرضًا؟

    نعم، لا يوجد هذا القلب المصري الذي يرحم هذا الرجل أو يشفق عليه، ولا توجد هذه النفس المصرية التي تغتبط بسقوطه، وتبتهج لما أصابه من الخذلان؛ فقد كان أقسى على أمته من أن يستحق الرحمة من أمته، وهو الآن أهون على أمته من أن يستحق عنايتها لما يصيبه من شر، ويلم به من مكروه.

    إنما هو رجل غريب وإن أقام في وطنه، وحيد وإن عاش بين أهله وبين أصحابه؛ لأنه اختار لنفسه مذهبًا في الحياة فرق بين قلبه وقلب الوطن، وباعد بين نفسه وبين مواطنيه، فهم يجهلونه إلا حين يذكرون أو يرون ما قدم إليهم من شر، وما جنى عليهم من سوء، وهم ينكرونه إلا حين يريدون أن يعتبروا بعاقبة الطغاة إذا أسرفوا في الطغيان، وآخرة الظالمين إذا أغرقوا في الظلم والبغي والعدوان.

    لقد كان طويلًا هذا الاحتضار السياسي الذي اضطر إليه هذا الرجل إلى أن أدركه موته السياسي أمس. كان طويلًا ثقيلًا شاقًّا قاسيًا، فانظر إليه منذ هوى عن منصب الحكم كيف يصارع الموت السياسي مصارعة عنيفة حادة مضطربة، فيها النهوض والسقوط، وفيها الإقدام والإحجام، وفيها النشاط والفتور.

    انظر إليه كيف يهم بالمقاومة ثم يستسلم للضعف، ثم يستأنف المقاومة، ثم يستخذي وينحدر، ثم ينشط للحرب، ثم يلجأ إلى السلم، ثم يجمع قواه وما بقي له من ذكاء وكفاية ومهارة ليلقي خطبته الأخيرة في الغريب، ثم يدركه الخور ويأخذه الانحلال. وما زالت فيه بقية من قوة، وفضل من نشاط، فينزل عما كان يطمع فيه من رياسة مجلس النواب، وينهزم أمام خصمه المسالم الدكتور رفعت باشا، وأمام عدوه؛ الرجل الطيب عبد الفتاح يحيى باشا، ثم يجري فيه الضعف صاعدًا من قدميه إلى رأسه، أو هابطًا من رأسه إلى قدميه، وإذا هو يجود بنفسه أمس في كتابين يرفع أحدهما إلى خصمه رئيس مجلس النواب، ويرفع ثانيهما إلى عدوه رئيس الوزراء.

    ثم ينظر الناس فإذا الجذوة قد خبت، وإذا السراج قد انطفأ، وإذا ذلك النشاط العنيف، وتلك القوة الهائلة، وتلك الحيلة الواسعة، وتلك الجرأة التي لا حد لها، كل ذلك قد تفرق في أقطار الفضاء، وأصبح هباءً يسعى به الهواء، ولم يبق من حياته السياسية إلا الحديث، وأي حديث؟ حديث لا يُرضي أحدًا، ولا يسر أحدًا، حديث يتمنى الدهر لو أصابه الصمم فلا يسمعه، حديث تتمنى الأيام لو أصابها النسيان فمُحِيَ من ذاكرتها محوًا، حديث تستخذي مصر لأنه يتصل بأحد أبنائها.

    نعم لم يبق من الحياة السياسية لهذا الرجل إلا هذا الحديث المنكر الذي يود كل إنسان وكل شيء لو ذهب مع الهواء، كما ذهبت قوة صاحبه وبأسه، ولكن اللَّه يأبى على الدهر إلا أن يسمعه، وعلى الأيام إلا أن تَعِيَه، وعلى المصريين إلا أن يحفظوه ويتناقلوه. تتوارثه أجيالهم ليكون عبرة وموعظة ونكالًا للذين تغريهم المنافع، وتستهويهم الشهوات، وتدفعهم الأهواء والأطماع إلى أن يبغوا طريقهم في الحياة السياسية عوجًا، ويتخذوا حقوق الشعب هزؤًا، وأمانة الشعب وحرمات الشعب ألوانًا من لهو الحديث.

    نعم، على أن هذه الحياة السياسية إن تركت للمصريين هذه العظة، فقد تركت لهذا الرجل نفسه تراثًا، يود بجدع الأنف وصلم الأذن لو ألقي بينه وبينه أصفق الحجب، وأكثف الأستار. انظر إليه وقد اندحر عن ميدان الخصومة، وانزوى في داره في القاهرة، أو في دار من هذه الدور الكثيرة التي تنبث في أرضه الواسعة، وأملاكه العريضة، وخلا إلى نفسه. انظر إليه كئيبًا كاسف البال، مروع النفس، مفزع القلب، حائر الطرف، لا يطمئن إلى شيء ولا إلى إنسان، ولا يطمئن إليه شيء ولا إنسان.

    إن أدار طرفه في غرفة من هذه الغرف التي ينزوي فيها رأى هذه الأشباح الهائلة المخيفة، تحيط به وتضطرب من حوله ولها أنين حزين يمزق أشد القلوب صلابة، ويفطر أشد الأكباد غلظًا. أشباح هؤلاء الذين سُفكت دماؤهم، وأُزهقت نفوسهم أثناء هذه الأعوام السود التي قضاها في مصر مستأثرًا بالسلطان.

    انظر إليه: إنَّ هذه الأشباح لتروعه وتفزعه فيغمض عينيه، ويحول نظره إلى أعماق نفسه، يريد أن ينظر فيها. فيا لها من هوة ليس لها قرار تضطرب فيها أشباح الحزن والحسرة، وصور اليأس والندم، وأشكال الجزع والهلع، فيفزع من نفسه، ويفزع مما حوله، ويخرج من غرفه هائمًا، يلتمس الراحة والأمن في الأرض العريضة والفضاء الواسع، ولكنه لا يخلص من خوف إلا إلى خوف، ولا يفلت من حزن إلا إلى حزن، ولا يبرأ من بأس إلا ليتردى في بأس آخر، تتبعه هذه الأشباح أين ذهب، وتدور حوله هذه الصور أين استقر، وتملأ قلبه هذه الأشكال إذا استيقظ، وتعبث بنفسه هذه الخيالات إذا نام!

    يرى مواطنيه فلا ينظر إليهم إلا حذرًا، ويراه مواطنوه فلا ينظرون إليه إلا شذرًا. انظر إليه وقد خرج من الميدان خزيان لا يستطيع حتى أن يستمتع بما يستمتع به المنهزم العزيز من الشمم والإباء. انظر إليه قد هان على أنصاره فلم يحفل به منهم أحد. انظر إليه قد هان على خصومه، فلم يأبه له منهم أحد. انظر إليه قد استقال أمس من حزب الشعب وهو منشئ حزب الشعب، ومن مجلس النواب، وهو عميد مجلس النواب، وإذا الشعبيون والنواب والشيوخ يجتمعون إلى مائدة من الموائد في فندق من الفنادق، فيأكلون ويشربون ويخطبون ويتفرقون، لم يذكر أحد منهم هذا الرجل، ولم يشر أحد منهم إلى هذا الرجل، وليس بينهم أحد إلا ولهذا الرجل عليه فضل، وليس بينهم أحد إلا ولهذا الرجل عنده يد ومعروف.

    ولكنه قد قدم إليهم الفضل وصنع عندهم المعروف ثمنًا لما كان يطلب إليهم من المعونة والتأييد. اشترى منهم فباعوا له، ثم انقضت الصفقة فتفرق المشترون والبائعون، وأنكر كل واحد منهم صاحبه، وألقى الستار على ما كان بينهم من صلات.

    انظر إليه يلزم داره فلا يسعى إليه الأنصار ولا يخافه الخصوم. انظر إليه يطوف في أرجاء مصر فلا يَخفُّ للقائه أحد، ولا يخاف تطوافه أحد. ليس هو الذي تسلح له القُطر، وليس هو الذي تحفر أمامه الخنادق، وتقام له المتاريس، وليس هو الذي ترصد له الشرطة والجند، وليس هو الذي يختطفه وزير الداخلية اختطافًا في قطار سريع. إنما هو رجل يسير ضئيل هين لا يرجى ولا يخاف، لا أمل فيه ولا يأس منه، رجل بهذا المعنى المادي لهذه الكلمة لا أكثر ولا أقل.

    أليس غريبًا أن يرى المصريون جميعًا هذه المأساة، ويشهدوا جميعًا هذه العبر، ثم لا يزال بينهم من تطمح نفوسهم إلى أن يرقوا إلى هذا الصرح العالي، صرح الطغيان ليتردوا منه كما هوى منه طاغية الأمس؟ بلى، هذا غريب، ولكن الإنسان ضعيف، وما زال ضعفه يكلفه الأعاجيب.

    أرأيت أنا لم نكن مخطئين حين قدرنا أن توبة صدقي باشا إلى رئيس الوزراء لن تغني عنه شيئًا، وأن خصومه لن يرضوا منه إلا أن يقطع الأسباب بينه وبين السياسة، فيدع الحزب ويدع البرلمان، ويفرغ لصحته وراحته، ولكن ما عسى أن تكون هذه القوة الهائلة التي أخرجت هذا الرجل من السياسة بعد أن كان متعلقًا بها، حريصًا عليها، برغم الأحداث والخطوب، وبرغم المرض الطويل والعناء الثقيل؟

    ليست هي قوة رئيس الوزراء، فرئيس الوزراء رجل طيب لا يقدر على مثل هذا، ولا يطمح إلى مثل هذا. إنما هي قوة الظروف هذه التي حفظت لصدقي باشا من الشر ما يُخِيفُه ويُزعِجه ويَضطرُّه إلى أن يؤثر الفراغ وإلقاء السلاح، ويقنع من هذه المغامرة الطويلة بالخروج منها سالمًا بجلده، كثير المال، موفور الثراء، يستطيع أن يحيا حياة المترفين، ورئيس الوزراء من غير شك أذكى وأمهر وأعرف بحقائق الأشياء من أن يفاخر أو يكاثر أو يتمدح بما أصاب خصمه من الهزيمة؛ فرئيس الوزراء لم يرمِ صدقي باشا حين رمى، ولكن الله هو الذي رمى وسهام الله مصيبة دائمًا لا تخطئ الرمية، ولا تجور عن قصد السبيل.

    وإذا كان لنا أن نتمنى لرئيس الوزراء هذا الرجل الطيب شيئًا، فإنَّا نتمنى أن يربأ بنفسه، وأن تربأ به الظروف عن مثل ما دفع صدقي باشا إليه، وإن رئيس الوزراء ليعلم حق العلم كيف يتنكب هذه الطريق التي سلكها صدقي باشا، فانتهت به إلى هذا البؤس الكئيب. وهل لرئيس الوزراء سبيل إلى تنكب هذه الطريق إلا أن يستقيل فيريح ويستريح؟